النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
باب ١٢ / ح ٢٨٠٥ - ٢٨٠٦
كتاب الجهاد
وقوله: ((﴿فَمِنْهُم مَّنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾)) أي: مات، وأصل النَّحْب: النَّذْر، فلمَّا كان كلّ حيٍّ
لا بدَّله من الموت فكأنَّه نَذرٌ لازم له، فإذا مات فقد قَضَاه، والمراد هنا: مَن مات على عَهْده
المقابلَتِهِ بمَن يَنتَظِرِ ذلك. وأخرج ذلك ابن أبي حاتم بإسنادٍ حسن عن ابن عبّاس.
قوله: ((حدَّثْنا محمَّد بن سعيد الخُزَاعي)) هو بصري يُلقَّب بمَرْدويه، ما له في البخاري
سوى هذا الحديث وآخر في غزوة خيبر (٤٢٠٨)، وعبد الأعلى: هو ابن عبد الأعلى
السامِيُّ، بالمهمَلة.
قوله: ((سألتُ أنساً) كذا أورَدَه وعَطَفَ عليه الطَّريقِ الأُخرى فأشعَرَ بأنَّ السّياق لها،
وأفادت رواية عبد الأعلى تصريح حُميدٍ له بالسَّماع من أنس فأُمِن تدليسُه.
وقد أخرجه مسلم (١٩٠٣) والتِّرمِذي (٣٢٠٠) والنَّسائي (ك٨٢٣٣) من رواية ثابت
عن أنس.
قوله: ((حذَّثنا زياد)» لم أرَه منسوباً في شيء من الرِّوايات، وزَعَمَ الكَلَاباذي ومَن تَبِعَه أنَّه
ابن عبد الله البگّائي، بفتح الموحّدة وتشدید الکاف، وهو صاحب ابن إسحاق وراوي
«المغازي)) عنه، وليس له ذِكْر في البخاري سوى هذا الموضع.
قوله: ((غابَ عمّ أنسُ بن النَّضْرِ)) زادَ ثابت عن أنس: الذي سُمّيتُ به.
قوله: (عن قتال بَدْر» زاد ثابت: فکبُرَ علیه ذلك.
قوله: ((أوَّل قتال)) أي: لأنَّ بدراً أوَّل غزوة خرج فيها النبي نَّهِ بنفسِه مُقاتلاً، وقد
تقدَّمها غيرها لكن ما خرج فيها وَلّ بنفسِهِ مُقاتلاً.
قوله: (لَئِن الهُ أَشْهَدَني)) أي: أحضَرَني.
قوله: (لَيَرَيَنَّ اللهُ ما أصنَع)) بتشديد النُّون للتأكيد، واللّام جواب القَسَم المقدَّر، ووقع
في رواية ثابت عند مسلم (١٩٠٣): ((لَيَراني الله)) بتخفيف النّون بعدها تحتانية، وقوله: «ما
أصنَعُ)) أعرَبَه النَّوَوي بَدَلاً من ضمير المتكلِّم.

٤٢
باب ١٢ / ح ٢٨٠٥ - ٢٨٠٦
فتح الباري بشرح البخاري
وفي رواية محمَّد بن طلحة عن حميدِ الآتية في المغازي (٤٠٤٨): (لَيَرَيَنَّ الله ما أُجِدّ))
وهو بضمِّ الهمزة وكسر الجيم وتشديد الدَّال، أو بفتح الهمزة وضمّ الجيم مأخوذ من الجِدّ
ضِدّ الهَزْل، وزادَ ثابت: ((وهابَ أن يقول غيرها)) أي: خشيَ أن يَلتَزِمَ شيئاً فَيَعجِزَ عنه
فأبهَمَ، وعُرِفَ من السِّياق أنَّ مُراده أنَّه يبالغ في القتال وعَدَم الفِرار.
قوله: ((وانكَشَفَ المسلمونَ)) في رواية عبد الوهَّاب الثَّقَفي عن حُميدٍ عند الإسماعيلي:
وانهزَمَ الناس. وسيأتي بيان ذلك في غزوة أُحد (٤٠٤٨).
قوله: ((أعْتَذِرُ)) أي: من فِرار المسلمين ((وأبرأُ)) أي: من فعل المشركين.
قوله: ((ثُمَّ تقدَّم)) أي: نحو المشركينَ «فاستَقْبِلَه سعدُ بن معاذ)» زادَ ثابتٌ عن أنس:
مُنْهَزِماً، كذا في ((مُسنَد الطَّيالسي)) (٢٠٤٤)(١)، ووقع عند النَّسائي (ك١١٣٣٨) مكانها:
((مَهْيَمْ)) وهو تصحيف فيما أظنُّ.
قوله: ((فقال: يا سعد بن معاذ، الجنَّةَ وربِّ النَّضْر)) كأنَّه يريد والده، ويحتمل أن يريد ابنه
فإنَّه كان له ابن يُسمَّى النَّصْر وكان إذْ ذاكَ صغيراً. ووقع في رواية عبد الوهّاب: ((فوالله))،
وفي رواية عبد الله بن بكر عن حُميدٍ عند الحارث بن أبي أسامة عنه: ((والذي نفسي بيده))،
والظّاهر أنَّه قال بعضَها والبقيَّةُ بالمعنى.
وقوله: ((الجنَّةَ)) بالنَّصب على تقدير عامل نَصْب، أي: أُريدُ الجنَّةَ، أو نحوه، ويجوز
٢٣/٦
الرفع، أي: هي مطلوبي.
قوله: ((إنّ أجِدُ ريحها)) أي: ريح الجنّة ((من دون أُحد))، وفي رواية ثابت(٢): واهاً لريح
الجنَّة أجِدُها دون أُحد.
قال ابن بَطَّال وغيره: يحتمل أن يكون على الحقيقة وأنَّه وَجَدَ ريح الجنَّة حقيقة، أو
(١) وكذا وقع عند أحمد برقم (١٣٦٥٨).
(٢) أشار إليها الحافظ أول الباب، وهي عند مسلم (١٩٠٣)، والترمذي (٣٢٠٠)، والنسائي في ((الكبرى))
(٨٢٣٣)، وانظر ((مسند أحمد)) (١٣٠١٥).

٤٣
باب ١٢ / ح ٢٨٠٥ - ٢٨٠٦
كتاب الجهاد
وَجَدَ ريحاً طيِّبة ذَكَّرَه طِيبُها بطيبٍ ريح الجنَّة، ويجوز أن يكون أراد أنَّه استَحضَرَ الجنَّة
التي أُعدَّت للشَّهيد فتَصَوَّرَ أنَّها في ذلك الموضع الذي يقاتل فيه، فيكون المعنى: إنّ لَأعلم
أنَّ الجنَّة تُكتَسَب في هذا الموضع فأشتاقُ لها. وقوله: ((واهاً) قاله إمَّا تَعجُّباً وإمَّا تَشَوُّقاً
إليها، فكأنَّه لمَّ ارتاحَ لها واشتاقَ إليها صارت له قُوَّةُ مَنِ استَنَشَقَها حقيقةً.
قوله: ((قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صَنَعَ أنس)) قال ابن بَطَّل: يريد ما
استطعت أن أصِفَ ما صَنَعَ أنس من كَثْرة ما أغنَى وأبلَى في المشركين.
قلت: وقع عند يزيد بن هارون عن حُميدٍ: فقلت: أنا معك، فلم استَطِعْ أن أصنعَ ما
صَنَعَ (١)، وظاهره أنَّه نَفَى استطاعة إقدامه الذي صَدَرَ منه حتَّى وقع له ما وقع من
الصَّبر على تلك الأهوال، بحيثُ وَجَدَ في جسده ما يزيد على الثَّانينَ من طَعْنة وضَرْبة
ورَمْية، فاعتَرَفَ سعد بأنَّه لم يستطع أن يُقدِمَ إقدامَه، ولا يصنعَ صَنِيعَه، وهذا أَولى ممّاً
تأوَّلَه ابن بَطَّال.
قوله: ((فَوَجَدْنا به)) في رواية عبد الله بن بكر: قال أنس: فوَجَدْناه بين القتلى وبه.
قوله: ((بِضْعاً وثمانينَ)) لم أرَ في شيء من الرِّوايات بيان هذا البِضْع، وقد تقدَّم أنَّه ما بين
الثلاث والتِّسع.
وقوله: ((ضَرْبَةً بالسَّيفِ أو طَعْنَةً بُرُمْح أو رَمْيَةً بسَهْمٍ)) أو هنا للتَّقسيم، ويحتمل أن تكون
بمعنى الواو، وتفصيل مِقْدار كلِّ واحدة من المذكورات غير مُعيَّن.
قوله: ((وقد مُثِلَ به)) بضمِّ الميم وكسر المثلَّثة وتخفيفها وقد تُشدَّد، وهو من المُثْلة بضمِ
الميم وسكون المثلّثة وتخفيفها: وهو قطع الأعضاء من أنف وأُذُن ونحوها.
قوله: ((فما عَرَفَه أحد إلَّا أُخته)) في رواية ثابت: فقالت عمَّتي الرُّبَيِّع بنت النَّصْرِ أُخته:
فما عَرَفتُ أخي إلَّا بَبَانِه، زادَ النَّسائي (ك١١٣٣٨) من هذا الوجه: ((و کان حسنَ البنان)»،
(١) أخرجه من هذا الطريق أحمد في ((مسنده)) (١٣٠٨٥)، والترمذي (٣٢٠١)، والنسائي في ((الكبرى))
(١١٣٣٩).

٤٤
باب ١٢ / ح ٢٨٠٥ - ٢٨٠٦
فتح الباري بشرح البخاري
والبنان: الإصبَع، وقيل: طَرَف الإصبَع. ووقع في رواية محمّد بن طلحة المذكورة(١)
بالشكِّ: ((بَنانِهِ أو بشامةٍ)) بالشِّين المعجمة، والأُولى أكثر.
قوله: ((قال أنس: كنَّا نُرَى أو نَظُنّ)) شكٌّ من الراوي وهما بمعنى واحد، وفي رواية أحمد
(١٣٠٨٥) عن يزيد بن هارون عن حُميدٍ: ((فكنّا نقول))، وكذا لعبد الله بن بكر (٢)، وفي
رواية أحمد بن سِنان عن يزيد: ((وكانوا يقولونَ)) أخرجه ابن أبي حاتم عنه، وكأنَّ التردُّد
فيه من مُميدٍ، ووقع في رواية ثابت: ((وأُنزِلَت هذه الآية)) بالجَزْم.
قوله: ((وقال: إنَّ أُخته)) كذا وقع هنا عند الجميع ولم يُعيَّن القائل، وهو أنس بن مالك
راوي الحديث، والضَّمير في قوله: (أُخته)) لأنس بن النَّصْرِ (٣)، ويحتمل أن يكون فاعل
((قال)) واحداً من الرُّواة دون أنس ولم أقِفْ على تعيينه، ولا استَخرَجَ الإسماعيلي هذا
الحديث هنا، وهي تُسمّى الرُّبَيِّع - بالتَّشديد - أي: أُخت أنس بن النَّضْر، وهي عمَّة أنس
ابن مالك، وسيأتي شرح قِصَّتها في كتاب القصاص(٤).
وفي قصَّة أنس بن النَّصْر من الفوائد: جواز بَذْل النَّفس في الجهاد، وفضل الوفاء
بالعَهْدِ ولو شَقَّ على النَّفس حتَّى يَصِلَ إلى إهلاكها، وأنَّ طلب الشَّهادة في الجهاد لا
يتناولُه النَّهي عن الإلقاء إلى التَّهُكة.
وفيه فضيلة ظاهرة لأنس بن النَّصْر وما كان عليه من صِحَّة الإيمان وكَثْرة التَّوقِّي
والتورُّع وقُوَّة اليقين.
قال الزَّين بن المنيِّر: من أبلَغ الكلام وأفصَحِه قول أنس بن النَّضْر في حقّ المسلمين:
(١) والتي ستأتي عند البخاري برقم (٤٠٤٨).
(٢) يعني: عن حميد، وهذه الرواية عند الحارث بن أبي أسامة في («مسنده)) كما أشار إلى ذلك سالفاً.
(٣) جاء في (أ) و(س): للنضر بن أنس، مقلوباً، وأثبتناه على الصواب.
(٤) انظر ما سيأتي في كتاب الديات: باب القصاص بين الرجال والنساء في الجراحات، بین یدي حديث رقم
(٦٨٨٦)، وانظر حديث رقم (٦٨٩٤).

٤٥
باب ١٢ / ح ٢٨٠٧
كتاب الجهاد
((أعتَذِرُ إليك))، وفي حقّ المشركين: ((أبرأُ إليك))، فأشارَ إلى أنَّه لم يَرْضَ الأمرَينِ جميعاً مع
تَغايُرهما (١) في المعنى.
وسيأتي في غزوة أُحد من المغازي (٤٠٤٨) بيان ما وَقَعَت الإشارة إليه هنا من انهزام
بعض المسلمين ورجوعهم وعَفْو الله عنهم، رضي الله عنهم أجمعين.
٢٨٠٧- حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شعيبٌ، عن الزُّهْريِّ. وحدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني
أخي، عن سليمانَ، أُراه عن محمَّدِ بنِ أبي عَنِيقٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عن خارجةَ بنِ زيدٍ، أنَّ زيدَ بنَ
ثابتٍ ﴾ قال: نَسَخْتُ الصُّحُفَ في المصاحفِ، فَفَقَدْتُ آيَةً من سورةِ الأحزابِ كنتُ أسمَعُ
رسولَ الله ◌َّه يَقْرأُ بها، فلم أجِدْها إلا مع خُزَيمةَ بنِ ثابتِ الأنصاريِّ الذي جَعَلَ رسولُ الله
وَّ شهادَته شهادةَ رجلَينٍ، وهو قولُه: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ﴾.
[أطرافه في: ٤٠٤٩، ٤٦٧٩، ٤٧٨٤، ٤٩٨٦، ٤٩٨٩،٤٩٨٨، ٧١٩١، ٧٤٢٥]
قوله: ((وحدّثنا إسماعيل)) هو ابن أبي أُويس، وأخوه: هو أبو بكر عبد الحميد، وسليمان: ٢٤/٦
هو ابن بلال.
وقوله: ((أُراه عن محمَّد بن أبي عَتِيق)) هو بضمِّ الهمزة، أي: أظنُّه، وهو قول إسماعيل
المذكور.
قوله: ((عن خارجةَ بن زيد)) أي: ابن ثابت، وللُّهْريّ في هذا الحديث شيخ آخر وهو
عُبيد بن السَّاق، لكن اختَلَفَ خارجةُ وعُبيد في تعيين الآية التي ذكر زيد أنَّه وَجَدَها مع
خُزَيمةَ، فقال خارجة: إنَّها قوله تعالى: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ﴾، وقال عُبيد: إنَّها قوله
تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَ كُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨]، وقد أخرج البخاري
الحديثَينِ جميعاً بالإسنادين المذكورَين فكأنَّهما جميعاً صَحّا عنده، ويُؤيِّد ذلك أنَّ شعيباً
حدَّث عن الزّهْريّ بالحديثَين جميعاً، وكذلك رواهما عن الزُّهْريّ جميعاً إِبراهيمُ بن سعد كما
سيأتي في فضائل القرآن (٤٩٨٦)، وفي رواية عُبيد بن السَّبّاق زيادات ليست في رواية
(١) هكذا في (س)، وفي (ع): تفاوتهما، ومعناهما واحد، وفي (أ): تقاربها.

٤٦
باب ١٣ / ح ٢٨٠٨
فتح الباري بشرح البخاري
خارجة، وانفرَدَ خارجةٌ بوَصفِ خُزَيمةَ بأنَّه ((الذي جَعَلَ النبيُّ وَلِّ شهادتَه شهادةَ رجلَين))
وسأذكرُ ما في هذه الزّيادة من بحث في تفسير سورة الأحزاب (٤٧٨٤) إن شاء الله تعالى.
والسِّياق الذي ساقه هنا لابن أبي عَتِيق، وأمَّا سياق شعيب فسيأتي بيانه في تفسير
الأحزاب (٤٧٨٤) وقال فيه عن الزُّهْريّ: «أخبرني خارجةُ»، وتأتي بقيّة مباحثه في فضائل
القرآن (٤٩٨٦) إن شاء الله تعالى.
١٣ - بابٌ عملٌ صالحٌ قبل القتال
وقال أبو الدَّرداءِ: إنّما تُقاتلون بأعمالِكم.
وقولُهُ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ) كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اَلَّهِ أَن تَقُولُواْ
مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ، صَفَّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَنٌ
مَّرْصُوصٌ ﴾ [الصف].
٢٨٠٨- حدَّثْنا محمَّدُ بنُ عبدِ الرّحيم، حدَّثْنَا شَبَابُ بنُ سَوَّارِ الفَزَاريُّ، حدَّثنا إسرائيلُ،
عن أبي إسحاقَ، قال: سمعتُ البراءَ ﴾ يقول: أَتَى النبيَّ ◌َّه رجلٌ مُقَنَّعُ بالحديدِ فقال: يا
رسولَ اللهِ، أُقاتلُ أو أُسلِمُ؟ قال: ((أسلمْ ثَّ قائلْ))، فأسلَمَ ثمَّ قاتَلَ فَقُتِلَ، فقال رسولُ الله
وَهُ: ((عَمِلَ قليلاً وأُجِرَ كثيراً)).
قوله: ((بابٌ عملٌ صالح قبل القتال، وقال أبو الدَّرْداء: إنَّما تقاتلونَ بأعمالكم)) هكذا وقع
عند الجميع، ولعلَّه كان قاله أبو الدَّرداء وقال: ((إنَّما تقاتلونَ بأعمالكم))، وإنَّما قلت ذلك
لأنَّني وجدتُ ذلك في ((المجالَسة)) (١١٣٥) للدِّينَوَري من طريق أبي إسحاق الفَزَاري،
عن سعيد بن عبد العزيز، عن ربيعة بن يزيد أنَّ أبا الدَّرداء قال: أيّها الناس، عمل صالح
قبل الغَزْو، فإنَّما تقاتلونَ بأعمالكم.
ثمَّ ظَهَرَ لي سببُ تفصيل البخاري، وذلك أنَّ هذه الطَّريق مُنقَطِعة بين ربيعة وأبي
الدَّرداء، وقد روى ابن المبارك في كتاب ((الجهاد)) (٥) عن سعيد بن عبد العزيز، عن ربيعة

٤٧
باب ١٣ / ح ٢٨٠٨
كتاب الجهاد
ابن يزيد، عن أبي حَلبَس(١) - بفتح المهمَلة والموخَّدة بينهما لام ساكنة وآخره سين مُهمَلة -
عن أبي الدَّرداء قال: ((إنَّما تقاتلونَ بأعمالكم)) ولم يَذكُر ما قبله، فاقتَصَرَ البخاري على ما
وَرَدَ بالإسناد المتَّصِلِ فعَزَاه إلى أبي الدَّرداء، ولذلك جَزَمَ به عنه، واستَعمَلَ بقيَّة ما وَرَدَ
عنه بالإسناد المنقَطِع في التَّرجمة إشارةً إلى أنَّه لم يُغْفِلْه.
قوله: ((وقوله تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ إلى قوله: ﴿بُلْيَانٌ
مَرْصُوصٌ﴾) ذكر فيه حديث البَراء في قصَّة الذي قُتِلَ حين أسلَمَ.
قال ابن المنيِر: مُناسَبة التَّرجمة والآية للحديث ظاهرة، وفي مُناسَبة التَّرجمة للآية خَفاءٌ
وكأنَّه من جِهَة أنَّ الله عاتَبَ مَن قال: إنَّه يفعل الخير ولم يفعله، وأثنى على مَن وفَّ وثَبَتَ ٢٥/٦
عند القتال، أو من جِهَة أنَّه أنكَرَ على مَن قَدَّمَ على القتال قولاً غير مَرْضٍّ فكَشَفَ الغيب
أنَّه أخلَفَ، فمفهومه ثبوتُ الفضل في تقديم الصِّدق والعَزْم الصحيح على الوَفَاء، وذلك
من أصلَحِ الأعمال. انتهى، وهذا الثَّاني أظهرُ فيما أرى، والله أعلم.
وقال الكِرْماني: المقصود من الآية في هذه التَّرجمة قوله في آخرها: ﴿صَفَّا كَأَنَّهُمْ بُلْيَنٌ
قَرْصُوصٌ﴾ لأنَّ الصَّفّ في القتال من العمل الصَّالح قبل القتال. انتهى، وسيأتي تفسير
قوله: ﴿مَرْصُوصٌ﴾ في التفسير.
قوله: ((حدَّثني محمَّد بن عبد الرّحيم)) هو الحافظ المعروف بصاعقةَ، وإسرائيل: هو ابن
يونس بن أبي إسحاق السَّبيعي.
قوله: ((أتى النبيَّ ◌َّهَ رجل)) لم أقِفْ على اسمه، ووقع عند مسلم (١٩٠٠) من طريق
(١) كذا وقع للحافظ هنا وفي ((تغليق التعليق)) ٤٣١/٣ نقلاً عن كتاب ((الجهاد)) لابن المبارك: عن أبي
حلبس، والذي في المطبوع منه: أو أبي حلبس، ولعلَّ هذا هو الصواب، فإن ربيعة وأبا حلبس - واسمه
يونس بن میسرہ بن حلبس ۔ کلاهما شیخٌ لسعید بن عبد العزیز کما في کتب الرجال، وهذا الإسناد لیس
متصلاً كما ذهب إليه الحافظ، فإن أبا حلبس - سواء كان يونس بن ميسرة أو أخاه يزيد - لا يُعرَف له
سماع من أبي الدرداء، وروايته عنه في الكتب المسندة لا تقع إلا بواسطة أم الدرداء الصغرى أو أبي
إدريس الخولاني، والله تعالى أعلم.

٤٨
باب ١٣ / ح ٢٨٠٨
فتح الباري بشرح البخاري
زكريّا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق أنَّه من الأنصار ثمَّ من بني النَّبيت - بفتح النّون وكسر
الموحّدة بعدها تحتانية ساكنة ثمَّ مُنَّاة فوق - ولولا ذلك لأمكنَ تفسیره بعمرو بن ثابت بن
وَقَش، بفتح الواو والقاف بعدها مُعجَمة، وهو المعروف بأَصَيرِم بني(١) عبد الأشهَل، فإنَّ
بني عبد الأشهَل بطنٌّ من الأنصار من الأوس وهم غير بني النَّبيت.
وقد أخرج ابن إسحاق في ((المغازي)) قصَّة عَمْرو بن ثابت بإسنادٍ صحيح عن أبي
هريرة أنَّه كان يقول: أخبِروني عن رجل دَخَلَ الجنَّة لم يُصلِّ صلاة؟ ثمَّ يقول: هو عَمْرو
ابن ثابت (٢). قال ابن إسحاق: قال الحُصَين بن محمَّد: قلت لمحمودِ بن لَبِيد: كيف كانت
قِصَّته؟ قال: كان يأبى الإسلام، فلمَّا كان يومُ أُحد بَدًا له فأخَذَ سيفه حتَّى أتى القوم،
فدَخَلَ في عُرْض الناس فقاتَلَ حتَّى وقع جريحاً، فَوَجَدَه قومُه في المعركة فقالوا: ما جاء
بك؟ أشَفَقةً على قومك، أم رَغْبَةً في الإسلام؟ قال: بل رَغْبة في الإسلام، قاتلتُ مع
رسول الله وَلهُ حتَّى أصابني ما أصابني، فقال رسول الله وَلّ: ((إنَّه من أهل الجنَّة)).
وروى أبو داود (٢٥٣٧) والحاكم (٢٨/٣) من طريق محمَّد بن عَمْرو عن أبي سَلَمة
عن أبي هريرة: كان عَمْرو يأبى الإسلامَ لأجلِ رِباً كان له في الجاهلية، فلمَّا كان يوم أُحد
قال: أينَ قومي؟ قالوا: بأُحدٍ، فأخَذَ سيفه ولَحِقَهم، فلمَّا رأَوه قالوا: إليك عنَّا، قال: إنّ
قد أسلمتُ، فقاتَلَ حتَّى جُرِحَ، فجاءه سعد بن معاذ فقال: خرجتُ غَضَباً لله ولرسوله،
ثمَّ مات فدَخَلَ الجنَّة وما صَلّى صلاةً.
فيُجمَع بين الرِّوايتَين بأنَّ الذين رأَوه وقالوا له: إليك عنَّاً، ناسٌ غير قومه، وأمَّا قومه
فما شَعروا بمَجيئِه حتَّى وَجَدُوه في المعركة.
ويُجمَع بينهما وبين حديث الباب بأنَّه جاء أوَّلاً إلى النبي ◌ََّ فاستشارَه ثمَّ أسلَمَ ثمَّ
قاتَلَ، فرآه أُولئكَ الذين قالوا له: إليك عنَّا. ويُؤيِّد هذا الجمعَ قولُه لهم: ((قاتَلتُ مع
رسول الله وَلِ﴾)) وكأنَّ قومه وَجَدُوه بعد ذلك فقالوا له ما قالوا.
(١) تحرف في (س) إلى: بأصرم بن.
(٢) انظر ((سيرة ابن هشام)) ٢/ ٩٠.

٤٩
باب ١٤ / ح ٢٨٠٩
كتاب الجهاد
ويُؤيِّد الجمعَ أيضاً ما وقع في سياق حديث البراء عند النَّسائي (ك٨٥٩٨)، فإنَّه
أخرجه من رواية زهير بن معاوية عن أبي إسحاق نحو رواية إسرائيل، وفيه أنَّه قال
لرسول الله وَّ: لو أنّي حَلتُ على القوم فقاتلتُ حتَّى أُقْتَلَ، أكان خيراً لي ولم أُصلِّ صلاة؟
قال: ((نعم)). ونحوه لسعيد بن منصور(١) من وجه آخر عن أبي إسحاق وزادَ في أوَّله أنَّه
قال: أخيرٌ لي أن أُسلِم؟ قال نعم: ((فأسلَمَ))، فإنَّه موافق لقولِ أبي هريرة: إنَّه دَخَلَ الجنَّة
وما صَلّی لله صلاة.
وأمَّا كَونُه من بني عبد الأشهل ونُسِبَ في رواية مسلم (١٩٠٠) إلى بني النَّبِيت،
فيُمكِن أن يُحِمَل على أنَّ له في بني النَّبيت نِسبةً ما، فإنَّهم إخوة بني عبد الأشهل يجمعهم
الانتسابُ إلی الأوس.
قوله: ((مُقْنَّع)) بفتح القاف والنّون مُشدَّدة، وهو كِنايةٌ عن تغطية وجهه بآلة الحرب.
قوله: ((وأُجِرَ كَثيراً)) بالضَّمِّ على البناء، أي: أُجِرَ أجراً كثيراً.
وفي هذا الحديث أنَّ الأجر الكثير قد تَحَصُل بالعمل اليسير فضلاً من الله وإحساناً.
١٤ - باب من أتاه سهمٌ غَرْبٌ فقتله
٢٨٠٩- حدَّثنا محمَّدُ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا حسينُ بنُ محمَّدٍ أبو أحمدَ، حدَّثنا شَيْبانُ، عن
قَتَادةَ، حدَّثنا / أنسُ بنُ مالكِ: أنَّ أَّ الرُّبَيِّع بنتَ البَراءِ، وهي أمُّ حارثةَ بنِ سُرَاقَةَ، أنتِ النبيَّ ٢٦/٦
وَلّه فقالت: يا نبيَّ الله، ألا تُحدِّثُّني عن حارثةَ - وكان قُتِلَ يومَ بدرٍ أصابه سَهْمٌ غَرْبٌ - فإنْ
كان في الجنَّةِ صَبَرَتُ، وإن كان غيرَ ذلك اجتَهَدْتُ عليه في البُكاءِ، قال: ((يا أمَّ حارثةَ، إِنَّا
جِنانٌ في الجنَّةِ، وإنَّ ابنَكِ أصابَ الفِردَوْسَ الأعلى)).
[أطرافه في: ٣٩٨٢، ٦٥٥٠، ٦٥٦٧]
قوله: ((باب مَن أتاه سَهْمٌ غَرْبٌ)) بتنوين ((سهم)) وبفتح المعجمة وسكون الرّاء بعدها
موحّدة، هذا هو الأشهر، وسيأتي بیان الخلاف فيه.
(١) في «سننه)) (٢٥٥٥).

٥٠
باب ١٤ / ح ٢٨٠٩
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((حدَّثنا محمَّد بن عبد الله)) جَزَمَ الكَلَاباذي وتَبِعَه غير واحد بأنَّه الذُّهْلي، وهو
محمَّد بن يحيى بن عبد الله، نَسَبَه البخاري إلى جدِّه، ووقع في رواية أبي عليّ بن السَّكَن:
حدَّثنا محمَّد بن عبد الله بن المبارك المخَرَّمي؛ بضمِّ الميم وفتح المعجمة وتشديد الرّاء، فإن لم
يكن ابن السَّكَن نَسَبَه من قِبَل نفسه وإلَّا فما قاله هو المعتمد. وقد أخرجه ابن خُزيمةَ في
التَّوحيد من ((صحيحه)) عن محمَّد بن يحيى الذُّهْلي عن حسين بن محمَّد(١) - وهو المُرُّوذي -
بهذا الإسناد.
قوله: ((أنَّ أمّ الرُّبَيِّع بنت البَرَاء)» كذا لجميع رُوَاة البخاري، وقال بعد ذلك: ((وهي أمّ
حارثةَ بن سُرَاقة)) وهذا الثَّاني هو المعتمَد، والأوَّل وهمٌّ نبَّه عليه غيرُ واحد من آخرهم
الدِّمياطي فقال: قوله: ((أمّ الرُّبَيِّع بنت البَراء)) وهمٍّ، وإنَّما هي الرُّبَيِّع بنت النَّضْرِ عمَّة أنس
ابن مالك بن النَّضْر بن ضَمضَم بن عَمْرو، وقد تقدَّم (٢٨٠٥) ذِكْر قتل أخيها أنس بن
النَّضْر وذكرها في آخر حديثه قريباً، وهي أمّ حارثة بن سُرَاقة بن الحارث بن عَديٍّ من بني
عَديِّ بن النَّجّار ذكره ابن إسحاق وموسى بن عُقْبةَ وغير هما فيمَن شَهِدَ بدراً، واتَّفَقوا على
أَنَّه رَمَاه حِبّان - بكسر المهمَلة بعدها موخَّدة ثقيلة - بن العَرِقَة - بفتح المهمَلة وكسر الرَّاء
بعدها قاف۔ وهو على حوض فأصاب نَحْره فمات.
قلت: ووقع في رواية ابن خُزيمةَ المذكورة أنَّ الرُّبَيِّع بنت البَراء بحذفِ ((أمّ)) فهذا أشبَهُ
بالصواب، لكن ليس في نَسَب الرُّبَيِّع بنت النَّصْر أحد اسمه البَراء، فلعلَّه كان فيه «الرُّبَیِّع
عمَّة البَراء)»، فإنَّ البراء بن مالك أخو أنس بن مالك، فكلّ منهما ابن أخيها أنسٍ بن النَّصْر،
وقد رواه التِّرمِذي (٣١٧٤) وابن خُزيمةَ أيضاً (٢/ ٨٧٤) من طريق سعيد بن أبي عَرُوبة
عن قَتَادة فقال: عن أنس: أنَّ الرُّبَيِّع بنت النَّضْر أتت النبيَّ ◌َِّ وكان ابنها حارثة بن
سُرَاقة أُصيبَ يوم بدر ... الحديث، ورواه النَّسائي (ك٨١٧٥) من طريق سليمان بن المغيرة
عن ثابت عن أنس قال: انطَلَقَ حارثُة ابنُ عمَّتي فجاءت عمَّتي أمُّه.
(١) هو في كتاب ((التوحيد)) ٢/ ٨٧٢، لكن ليس فيه لفظة ((الذهلي)).

٥١
باب ١٤ / ح ٢٨٠٩
كتاب الجهاد
وحكى أبو نُعيم الأصبهاني أنَّ الحَكَم بن عبد الملك رواه عن قَتَادة كذلك وقال:
(حارثة بن سُرَاقة))، قال ابن الأثير في ((جامع الأصول)): الذي وقع في كتب النَّسَب
والمغازي وأسماء الصحابة أنَّ أمّ حارثة هي الرُّبَيِّع بنت النَّصْر عمَّة أنس.
وأجاب الكِرْماني بأنَّه لا وهمَ للبخاري، لأنَّه ليس في رواية النَّسَفي إلَّا الاقتصارُ على
قول أنس: ((أنَّ أمّ حارثة بن سُرَاقة)) قال: فيُحمَل على أنَّه كان في رواية الفِرَبْريّ حاشية
لبعض الزُّواة غير صحيحة فأُلِقَت بالمتنِ. انتهى، وقد راجَعتُ أصل النَّسَفي من نسخة
ابن عبد البَرِّ فوَجَدتُها موافقة لرواية الفِرَبْريّ، فالنُّسخة التي وَقَعَت للكِرْماني ناقصة،
وادِّعاء الزّيادة في مثل هذا الكتاب مردودٌ على قائله، والظّاهر أنَّ لفظ ((أمّ)) و((بنت)) وَهمِّ
كما تقدَّم توجيهه قريباً، والخَطْب فيه سَهْل، ولا يَقدَح ذلك في صِحَّة الحديث ولا في
ضَبْطِ رُوَاته.
وقد وقع في رواية سعيد بن أبي عَرُوبة التي ضُبِطَ فيها اسم الرُّبَيِّع بنت النَّصْر وَهْمٌ في
اسم ابنها فسمّاه ((الحارث)) بدل ((حارثة)).
وقد روى هذا الحديث أبانُ عن قَتَادة فقال: إنَّ أمّ حارثة، لم يَزِدْ، أخرجه أحمد
(١٤٠١٥)، وكذلك أخرجه (١٢٢٥٢) من رواية حمَّد بن سَلَمة عن ثابت عن أنس،
وسيأتي كذلك في المغازي (٦٥٦٧) من طريق حُميدٍ عن أنس.
ثمَّ شَرَعَ الكِزْماني في إبداء احتمالات بعيدة مُتكلَّفة لتوجيه الرِّواية التي في البخاري ٢٧/٦
فقال: يحتمل أن يكون للرُّبَيِّع ابن يُسمَّى الرَّبِيع - يعني: بالتَّخفيف - من زوج آخر غیر
◌ُرَاقة يُسمَّى البَراء، وأن يكون ((بنت البراء)) خبراً لـ((أنَّ)، وضمير ((هي)) راجع إلى
الرُّبَيِّع، وأن يكون ((بنت)) صفة لوالدة الرُّبيِّع، فأطلقَ الأمّ على الجدَّة تَجُّزاً، وأن تكون
إضافة الأمّ إلى الرُّبَيِّع للبيان، أي: الأمّ التي هي الرُّبَيِّع، و((بنت)) مُصحَّف من ((عمَّة))،
قال: وارتكاب بعض هذه التكلُّفات أولى من تَّخْطِئَة العُدُول الأثبات.
قلت: إنَّما اختارَ البخاري رواية شَيْبانَ على رواية سعيد، لتصريح شَيْبانَ في روايته

٥٢
باب ١٤ / ح ٢٨٠٩
فتح الباري بشرح البخاري
بتحديث أنس لقَتَادة، وللبخاري حِرصٌ على مِثْل ذلك إذا وَقَعَت الرِّواية عن مُدلِّس أو
معاصر، وقد قال هو في تسمية مَن شَهِدَ بدراً: ((وحارثة ابن الرُّبَيِّع، وهو حارثة بن
سُرَاقة)) فلم يَعتَمِد على ما وقع في رواية شَيْبانَ أنَّه حارثة ابن أمّ الرُّبَيِّع، بل جَزَمَ
بالصواب، والرُّبَيِّع أمّه، وسُرَاقة أبوه.
قوله: ((أصابه سَهْمٌ غَرْب)) أي: لا يُعرَف راميه، أو لا يُعرَف من أينَ أتى، أو جاء على
غير قصدٍ من راميه، قاله أبو عبيد وغيره. والثَّابت في الرِّواية بالتَّنوين وسكون الرّاء،
وأنكَرَه ابن قُتَيبة فقال: كذا تقوله العامَّة، والأجوَد فتحُ الرّاء والإضافة، وحكى الهَرَوي
عن أبي زيد: إن جاء من حيثُ لا يُعرَف، فهو بالتَّنوين والإسكان، وإن عُرِفَ راميهِ لكن
أصاب مَن لم يَقصِد، فهو بالإضافة وفتح الرّاء، قال: وذكره الأزهري بفتح الرّاء لا غير،
وحكى ابن دُرَيدٍ وابن فارس والقَزّاز وصاحب ((المنتَهى)) وغيرهم الوجهين مُطلَقاً، وقال
ابن سِيدَهْ: أصابه سهم غَرَب وغَرْب: إذا لم يَدرِ مَن رماه، وقيل: إذا أتاه من حيثُ لا
يدري، وقيل: إذا قَصَدَ غیره فأصابه، قال: وقد يُوصَف به.
قلت: فحَصَلْنا من هذا على أربعة أوجُه. وقصَّة حارثة مُنَزَّلة على الثَّاني، فإنَّ الذي
رَمَاه قَصَدَ غِرَّته فرماه وحارثة لا يَشعُر به، وقد وقع في رواية ثابت عند أحمد (١٢٢٥٢):
أنَّ حارثة خرج نَظّاراً، زادَ النَّسائي (ك٨١٧٥) من هذا الوجه: ما خرج لقتالٍ.
قوله: ((اجتَهَدَتُ عليه في البُكاء)) قال الخطَّابي: أقرَّها النبيُّ وَّر على هذا، أي: فيُؤْخَذ
منه الجواز.
قلت: كان ذلك قبل تحريم النَّوْح فلا دلالةَ فیه، فإنَّ تحریمه کان عَقِبَ غزوة أُحد،
وهذه القصّة كانت عَقِب غزوة بدر.
ووقع في رواية سعيد بن أبي عَرُوبة: ((اجتهدتُ في الدُّعاء))(١) بدل قوله: ((في البُكاء))
وهو خطأ، ووقع ذلك في بعض النُّسَخ دون بعض، ووقع في رواية حُميدٍ الآتية في صفة
(١) أشار الحافظ ابن حجر سالفاً أن رواية سعيد هذه عند الترمذي (٣١٧٤) وابن خزيمة في ((التوحيد))
٢/ ٨٧٤، إلا أنه بلفظ الدعاء عند الترمذي وحده، أما ابن خزيمة فعنده الحديث بلفظ البكاء.

٥٣
باب ١٥ / ح ٢٨١٠
كتاب الجهاد
الجنَّة من الرِّقاق (٦٥٦٧) وعند النَّسائي (ك٨١٧٤): ((فإن كان في الجنَّة لم أبكِ عليه))،
وهو دالٌّ على صِحَّة الرّواية بلفظ البُكاء، وقال في رواية حُميدٍ هذه: ((وإلَّا فسترى ما
أصنعه))، ونحوه في رواية حمَّاد عن ثابت عند أحمد (١٢٢٥٢).
قوله: ((إنَّا جِنانٌ في الجنَّة)) كذا هنا، وفي رواية سعيد بن أبي عَرُوبة: ((إِنَّا جِنان في
جَنَّة))، وفي رواية أبانَ عند أحمد (١٤٠١٥): ((إنَّا جِنان كثيرة في جَنَّة))، وفي رواية حُميدٍ
المذكورة(١): ((أنَّهَا جِنان كثيرة)) فقط، والضَّمير في قوله: ((إنَّا جِنان)) يُفسِّره ما بعده، وهو
كقولهم: هي العرب تقول ما شاءَت، والقَصْد بذلك التَّفخيم والتَّعظيم، ومضى الكلام
على ((الفِردَوس)) قريباً (٢٧٩٠).
١٥ - باب من قاتل لتكون كلمةُ الله هي العليا
٢٨١٠ - حدَّثنا سليمانُ بنُ حربٍ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن عَمرِو، عن أبي وائلٍ، عن أبي موسى
قال:/ جاء رجلٌ إلى النبيِّ وَّهِ فقال: الرجلُ يقاتلُ للمَغْنَمِ، والرجلُ يقاتلُ الذِّكْرِ، ٢٨/٦
والرجلُ يقاتلُ ليُرَى مكانُه، فمَن في سبيلِ الله؟ قال: ((مَن قاتَلَ لتكونَ كلمةُ الله هي العُلْيا،
فهو في سبيل الله)».
قوله: ((باب مَن قاتَلَ لتكونَ كلمة الله هي العُلْيا)) أي: فَضْله، أو الجواب محذوف
تقديره: فهو المعتبر.
قوله: ((عن عَمْرو)) هو ابن مُرَّة.
قوله: ((عن أبي وائل عن أبي موسى)) في رواية غُندَر عن شُعْبة في فرض الخُمس (٣١٢٦):
سمعت أبا وائل، حدّثنا أبا موسى.
قوله: ((جاء رجل)) في رواية غُندَر المذكورة: ((قال أعرابي)) وهذا يدلُّ على وَهْم ما وقع
عند الطبراني من وجه آخر عن أبي موسى أنَّه قال: يا رسول الله ... فذكره، فإنَّ أبا موسى
وإن جازَ أن يُبِهِم نفسَه لكن لا يَصِفُها بكَونِهِ أعرابيّاً، وهذا الأعرابي يَصلُح أن يُفسَّر
(١) والآتية عند البخاري برقم (٦٥٦٧).

٥٤
باب ١٥ / ح ٢٨١٠
فتح الباري بشرح البخاري
بلاحق بن ضُمَيرة، وحديثه عند أبي موسى المَدِيني في ((الصحابة)) من طريق عُفَير بن
مَعْدان [عن سُليم أبي عامر](١): سمعت لاحق بن ضُمَيرة الباهلي قال: وَفَدتُ على النبي
﴿﴿ فسألته عن الرجل يَلْتَمِس الأجرَ والذِّكر فقال: «لا شيء له)) الحديث، وفي إسناده
ضَعْف، ورُوّينا في ((فوائد)) أبي بكر بن أبي الحديد بإسنادٍ ضعيف عن معاذ بن جبل أنَّه
قال: يا رسول الله، كلَّ بني سَلِمة يقاتل، فمنهم مَن يقاتل رياءً ... الحديث، فلو صَحَّ
لاحتَمَلَ أن يكون معاذ أيضاً سأل عمَّا سأل عنه الأعرابي، لأنَّ سؤال معاذ خاصٍّ، وسؤال
الأعرابي عامٌّ، ومعاذ أيضاً لا يقال له: أعرابي، فيُحمَل على التعدُّد.
قوله: ((الرجلُ يقاتل للمَغْنَم)) في رواية منصور عن أبي وائل الماضية في العلم (١٢٣):
فقال: ما القتال في سبيل الله؟ فإنَّ أحدنا يقاتل.
قوله: ((والرجلُ يقاتل للذِّكْر)) أي: ليُذكَر بين الناس ويَشتَهِر بالشَّجاعة، وهي رواية
الأعمَش عن أبي وائل الآتية في التَّوحيد (٧٤٥٨) حيثُ قال: ويقاتل شجاعةً.
قوله: ((والرجلُ يقاتل ليُرَى مكانُه)) في رواية الأعمَش: ((ويقاتل رياءً)» فمَرجِع الذي
قبله إلى السُّمعة ومَرجِع هذا إلى الرِّياء، وكلاهما مذموم، وزادَ في رواية منصور (١٢٣)
والأعمَش (٧٤٥٨): ((ويقاتل حَميَّة)) أي: لمن يقاتل لأجلِه من أهلِ أو عَشِيرة أو صاحب،
وزادَ في رواية منصور: ((ويقاتل غَضَباً) أي: لأجلِ حَظّ نفسه، ويحتمل أن يُفسَّر القتال
للحَمِّيَّة بدفع المَضَرَّة، والقتال غَضَباً بجَلْب المنفعة.
فالحاصل من رواياتهم أنَّ القتال يقعُ بسبب خمسة أشياء: طلب المَغنَم، وإظهار
الشَّجاعة، والرِّياء، والحميَّة، والغَضَب، وكلٌّ منها يتناوله المدحُ والذَّمّ، فلهذا لم يَحَصُل
الجواب بالإثبات ولا بالنَّفي.
(١) ما بين المعقوفين سقط من الأصول الخطية و(س)، واستدركناه من ((الإصابة)) ٦٧١/٥ للحافظ ابن
حجر نفسه، ومن ((أسد الغابة)) ٤/ ٥١١ لابن الأثير، وأخرجه أيضاً أبو نعيم في ((معرفة الصحابة))
(٦٥٨٧) من هذا الوجه، والإسناد ضعيف لضعف عُفیر بن مَعْدان، لکن یشهد له بلفظه حديث أبي
أمامة الباهلي عند النسائي (٣١٤٠)، وسنده حسن، وسيذكره الحافظ لاحقاً.

٥٥
باب ١٥ / ح ٢٨١٠
كتاب الجهاد
قوله: «مَن قاتَلَ لتكونَ كلمةُ الله هي العُلْيا فهو في سبيل الله)) المراد بكلمة الله: دعْوة الله
إلى الإسلام، ويحتمل أن يكون المراد أنَّه لا يكون في سبيل الله إلَّا مَن كان سببُ قتاله طلبَ
إعلاء كلمة الله فقط، بمعنى أنَّه لو أضافَ إلى ذلك سبباً من الأسباب المذكورة أخَلَّ
بذلك، ويحتمل أن لا يُحِلَّ إذا حَصَلَ ضِمناً لا أصلاً ومقصوداً، وبذلك صَرَّحَ الطَّبَري
فقال: إذا كان أصلُ الباعث هو الأوَّلَ لا يَضُرّه ما عَرَضَ له بعد ذلك، وبذلك قال
الجمهور، لکن روی أبو داود والنّسائي من حديث أبي أمامةَ بإسنادٍ جيّد قال: جاء رجل
فقال: يا رسول الله، أرأيت رجلاً غَزَا يَلْتَمِس الأجرَ والذِّكر، ما له؟ قال: ((لا شيء له))
فأعادَها ثلاثاً كلَّ ذلك يقول: ((لا شيء له)) ثمّ قال رسول الله وَّ: ((إنَّ الله لا يقبلُ من
العمل إلَّا ما كان له خالصاً وابتُغيَ به وجهُه))(١)، ويُمكِن أن يُحمَل هذا على مَن قَصَدَ
الأمرَين معاً على حَدٍّ واحد، فلا يخالف المرجَّحَ أوَّلاً.
فتصير المراتب خمساً: أن يَقصِدَ الشَّيتَين معاً، أو يَقصِدَ أحدهما صِرفاً، أو يَقصِد
أحدهما ويَحصُل الآخرُ ضِمناً، فالمحذور أن يَقصِد غير الإعلاء، فقد يَحصُل الإعلاء
ضِمناً، وقد لا يَحَصُل ويَدخُل تحته مَرتَبتان، وهذا ما دلَّ عليه حديث أبي موسى، ودونَه أن
يَقصِدهما معاً فهو محذور أيضاً على ما دلَّ عليه حديث أبي أمامةَ،/ والمطلوب أن يَقصِد ٢٩/٦
الإعلاء صِرفاً، وقد يَحصُل غيرُ الإعلاء وقد لا يَحَصُل، ففيه مَرَتَبتانِ أيضاً.
قال ابن أبي جَمْرة: ذهب المحقِّقونَ إلى أنَّه إذا كان الباعثُ الأوَّل قَصْد إعلاء كلمة
الله، لم يَضُرَّه ما انضاف إليه، انتھی.
ويدلُّ على أنَّ دخول غير الإعلاء ضِمناً لا يَقدَحُ في الإعلاء، إذا كان الإعلاء هو الباعثَ
الأصلي، ما رواه أبو داود (٢٥٣٥) بإسنادٍ حسن عن عبد الله بن حَوَالة قال: بَعَثَنا رسول الله
وَل﴿ على أقدامنا لنَغنَم، فَرَجَعْنا ولم نَغنَم شيئاً، فقال: ((اللهمَّ لا تَكِلْهم إليَّ)) الحديث.
(١) الحديث بهذا السياق عن أبي أمامة عند النسائي (٣١٤٠)، وبمعناه عند عن أبي داود (٢٥١٦) لكن من
حديث أبي هريرة، وإسناده حسن.

٥٦
باب ١٦ / ح ٢٨١١
فتح الباري بشرح البخاري
وفي إجابة النبي ◌ََّ بما ذكر غايةُ البلاغة والإيجاز، وهو من جوامع كَلِمِه وَِّ، لأنَّه لو
أجابه بأنَّ جميع ما ذكره ليس في سبيل الله احتَمَلَ أن يكون ما عَدَا ذلك كلَّه في سبيل الله،
وليس كذلك، فعَدَلَ إلى لفظٍ جامع عَدَلَ به عن الجواب عن ماهيَّة القتال إلى حال المقاتل،
فَتَضمَّنَ الجوابَ وزيادة، ويحتمل أن يكون الضَّمير في قوله: ((فهو)) راجعاً إلى القتال الذي
في ضِمْن ((قاتَلَ)) أي: فقتاله قتالٌ في سبيل الله، واشتَمَلَ طلبُ إعلاء كلمة الله على طلب
رِضَاه وطلب ثوابه وطلب دَحْض أعدائه، وكلّها مُتَلازمة.
والحاصل ممَّا ذُكِرَ أنَّ القتال مَنشَؤُه القُوَّة العقلية، والقُوَّة الغَضَبية، والقُوَّة الشَّهوانية،
ولا يكون في سبيل الله إلَّ الأوَّل.
وقال ابن بَطَّال: إِنَّمَا عَدَلَ النبيُّ ◌َه عن لفظ جواب السائل، لأنَّ الغَضَب والحميَّة قد
يكونانِ لله [ولعَرَض الدنيا، وهو كلامٌ مشترَك](١)، فعَدَلَ النبي ◌َِّ عن ذلك إلى لفظِ جامع،
فأفادَ دفعَ الإلباس وزيادة الإفهام.
وفيه بيانُ أنَّ الأعمال إِنَّمَا تُحْتَسَب بالنِّية الصَّالحة، وأنَّ الفضل الذي وَرَدَ في المجاهد
يَخْتَصُّ بمَن ذُكِرَ، وقد تقدَّم بعضُ مباحثه في أواخر كتاب العلم (١٢٣).
وفيه جواز السُّؤال عن العِلَّة وتقدَّمُ العِلْم على العمل، وفيه ذَمُّ الِحِرْص على الدُّنيا
وعلى القتال لحَظِّ النَّفس في غير الطاعة.
١٦ - باب من اغبرّت قدماه في سبيل الله
وقولِ الله عزَّ وجلَّ: ﴿ مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُواْ عَنْ
رَّسُولِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ اَلْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: ١٢٠].
٢٨١١ - حدَّثنا إسحاقُ، أخبرنا محمَّدُ بنُ المبارَكِ، حدَّثنا يحيى بنُ حمزةَ، قال: حدَّثني يزيدُ
ابنُ أبي مريمَ، أخبرنا عَبَايةٌ بن رِفاعةً بنِ رافعٍ بنِ خَدِيجٍ، قال: أخبرني أبو عَبْسٍ، أنَّ رسولَ الله
وَّه قال: «ما اغبَرَّتا قَدَما عبدٍ في سبيلِ الله فَتَمَسَّه النارُ)».
(١) ما بين المعقوفين من ((شرح البخاري)) لابن بطَّال ٢٠٣/١، ولا يتمُّ الكلام ولا يتَّضحُ إلا به.

٥٧
باب ١٦ / ح ٢٨١١
كتاب الجهاد
قوله: ((باب مَن اغبَرَّت قَدَماه في سبيل الله)) أي: بيان ما له من الفَضْل.
قوله: ((وقول الله عزَّ وجلّ: ﴿ مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُواْ
عَن رَّسُولِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾)) قال ابن بَطَّل: مُناسَبة
الآية للتَّرجمة أنَّه سبحانه وتعالى قال في الآية: ﴿ وَلَا يَطَُّونَ مَوِْنًا يَغِيظُ اُلْكُفَّارَ﴾
وفي الآية: ﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِ، عَمَلٌ صَلِيمٌ﴾ قال: فَفَسَّرَ وَّهِ العملَ الصَّالِحِ أنَّ النار لا
تَمَسُّ مَن عَمِلَ بذلك، قال: والمراد بسبيل الله جميعُ طاعاته. انتهى، وهو كما قال، إلَّا أنَّ
المتبادَر عند الإطلاق من لفظ ((سبيل الله)) الجهاد، وقد أورَدَه المصنِّف (٩٠٧) في ((فضل
المشي إلى الجمعة)) استعمالاً للَّفظِ في عمومه، ولفظه هناك: ((حَرَّمَه الله على النار)).
وقال ابن المنيِر: مطابقة الآية من جِهَة أنَّ الله أثابهم بخَطَواتهم وإن لم يباشروا قتالاً،
وكذلك دلَّ الحديث على أنَّ مَن اغبَرَّت قَدَماه في سبيل الله حَرَّمَه الله على النار، سواءٌ باشَرَ
قتالاً أم لا. انتهى، ومِن تمام المناسَبة أنَّ الوَطْء يَتَضمَّن المشي المؤثِّر لتغيير القَدَم، ولا سيّما
في ذلك الزمان.
قوله: ((حدَّثنا إسحاق)) قال أبو عليِّ الجَيَّاني: نَسَبه الأَصِيليُّ: ابنَ منصور.
قلت: وأخرجه الإسماعيلي من طريق إسحاق بن زيد الخطّابي نزيل حَرّانَ عن محمّد بن ٣٠/٦
المبارَك المذكور، لكن زادَ في آخر المتن قوله: ((فَتَمسّها النارُ أبداً)) فالظّاهر أنَّه ابن منصور،
ويُؤيِّده أنَّ أبا نُعيم أخرجه من طريق الحسن بن سفيان عن إسحاق بن منصور.
ويزيدُ المذكورُ في الإسناد بالزّاي، وعَبَاية بفتح المهمَلة، وأبو عَبْس بسكون الموحّدة:
هو ابن جَبْر، بفتح الجيم وسكون الموحّدة.
قوله: ((ما اغبَرَّتا)) كذا في رواية المُستَمْلي بالتَّثنية وهو لغةٌ، وللباقين: ((ما اغبَرَّت))
وهو الأفصَح، زادَ أحمدُ من حديث أبي هريرة: ((ساعةً من نهار))(١).
وقوله: ((فتَمسَّه النار)) بالنَّصب، والمعنى أنَّ المسَّ ينتفي بوجودِ الغُبار المذكور، وفي
(١) بل هو عنده من حديث مالك بن عبد الله الخثعمي برقم (٢١٩٦٢)، وإسناده صحيح.

٥٨
باب ١٧ / ح ٢٨١٢
فتح الباري بشرح البخاري
ذلك إشارةٌ إلى عظيم قَدْر التصرُّف في سبيل الله، فإذا كان مُجرَّد مَسّ الغُبار للقَدَم يُحرِّم
عليها النار، فكيف بمَن سَعَى وبَذَلَ جهدَه واستَنْفَدَ وُسعَه!
وللحديث شواهد: منها ما أخرجه الطبراني في «الأوسَط)) (٥٥٣٣) عن أبي الدَّرداء
مرفوعاً: ((مَن اغبَرَّت قَدَماه في سبيل الله، باعَدَ اللهُ منه النار مَسِيرة ألف عام للرّاكبِ
المستَعجِل))، وأخرج ابن حِبّان (٤٦٠٤) من حديث جابر أنَّه كان في غَزَاةٍ فقال: ((سمعت
رسول الله وسلم يقول ... فذكر نحو حديث الباب، قال: فَتَواثَبَ الناسُ عن دوابِّهم، فما رُئيَ
أكثر ماشياً من ذلك اليوم.
١٧ - باب مسح الغُبار عن الناس في سبيل الله
٢٨١٢ - حذَّثنا إبراهيمُ بنُ موسى، أخبرَنا عبدُ الوهَّاب، حدَّثنا خالدٌ، عن عِكْرِمةَ، أنَّ
ابنَ عبّاسٍ قال له ولعليٍّ بنِ عبدِ الله: انْتِيا أبا سعيدٍ فاسمَعا من حديثه، فأتيناهُ وهو وأخوه في
حائطٍ لهما يَسْقِيانِهِ، فلمَّا رآنا جاءَ فاحتَى وجَلَسَ فقال: كنَّا نَنْقُلُ لَبِنَ المسجدِ لَبِنَةً لَبِنَةً، وكان
عَّارٌ يَنْقُلُ لَبِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْنِ، فَمَرَّ بِه النبيُّ ◌َّهِ وَمَسَحَ عن رأسِه الغُبارَ وقال: ((وَيْحَ عَّارٍ تَقْتُلُهُ الفِئَةُ
الباغِيةُ! عمَّارٌ يَدْعُوهم إلى الله ويَدْعونَه إلى النارِ)).
قوله: ((باب مَسْح الغُبار عن الرّأس في سبيل الله)) قال ابن المنيِّر: ترجم بهذا وبالذي بعده
دفعاً لتَوَهُّم كراهية غَسْل الغُبار ومَسْحه، لكونِه من ◌ُملة آثار الجهاد كما كَرِهَ بعض السَّلَف
المسح بعد الوضوء.
قلت: والفَرْق بينهما من جِهَة أنَّ التَّنظيف مطلوب شرعاً، والغُبار أثر الجهاد، وإذا
انقضى فلا معنى لبقاءِ أثره. وأمَّا الوضوء فالمقصودُ به الصلاة، فاستُحِبَّ بقاءُ أثره حتَّى
يَحَصُل المقصود، فافتَرَقَ المسحانِ.
ثم أورد حديث أبي سعيد في قصَّة عمَّار في بناء المسجد، وقد تقدَّم الكلام عليه مُستَوفَّى
في «باب التَّعاوُن في بناء المسجد)» في أوائل الصلاة (٤٤٧)، وفيه ما يَتعلَّق بقوله: ((فأتيناه
وهو وأخوه في حائط لهما))، والمراد منه هنا قوله: ومَرَّ به النبيُّ ◌ِ لّفمَسَحَ عن رأسه الغُبار.

٥٩
باب ١٨-١٩ / ح ٢٨١٣-٢٨١٥
كتاب الجهاد
١٨ - باب الغُسل بعد الحرب والغبار
٢٨١٣ - حدَّثنا محمَّدٌ، أخبرنا عَبْدةُ، عن هشام بنِ عُرْوةَ، عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله
عنها: أنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ لمَّا رَجَعَ يومَ الخندَقِ ووَضَعَ، واغتَسَلَ، فأتاه جِبْرِيلُ وقد عَصَبَ
رأسَه الغُبارُ فقال: وَضَعْتَ السِّلاحَ؟ فوالله ما وَضَعتُهُ. فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((فأينَ؟)) قال:
هاهنا - وأوماً إلى بني قُرَيظةَ .. قالت: فخَرَجَ إليهم رسولُ اللهِصل.
قوله: ((باب الغُسْل بعد الحرب والغُبار)» تقدَّم توجيهه في الباب الذي قبله. وذكر فيه ٣١/٦
حديثَ عائشة في اغتِساله وَّهِ لمَّ رَجَعَ من الخندق، وسيأتي الكلام عليه مُستَوفَّى في
المغازي (٤١١٧).
وقوله في هذه الرّواية: ((ووَضَعَ)) أي: السِّلاح، وصَرَّحَ بذلك في رواية الأَصِيلي وغيره.
قوله: ((حدَّثنا محمَّد)) كذا للأكثر، ونَسَبَه أبو ذرِّ فقال: ابن سَلَام.
وقوله: ((عَصَبَ)) بفتح المهمَلتَين والتَّخفيف، أي: أحاطَ به فصار عليه مِثلُ العِصابة.
١٩ - باب فضل قول الله تعالى:
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَأْ بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ
إلى قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٩-١٧١]
٢٨١٤ - حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثني مالكٌ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ الله بنِ أبي
طَلْحةَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ عَّه قال: دَعَا رسولُ الله وَِّ على الذين قتلوا أصحابَ بئرٍ مَعُونَ
ثلاثينَ غَدَاةً، على رِعْلٍ وذَكْوانَ وعُصَيَّةَ عَصَتِ اللهَ ورسولَه. قال أنسُ: أُنزِلَ في الذين قُتِلوا
بِْرِ مَعُونَ قرآنٌ قرأناه، ثمَّ نُسِخَ بعدُ: بَلِّغوا قومَنا أن قد لَقِينا ربَّنا فرَضِيَ عنَّا ورَضِینا عنه.
٢٨١٥- حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، عن عَمرِو، سمعَ جابرَ بنَ عبدِ الله
رضي الله عنهما يقول: اصطَبَحَ ناسِ الخمرَ يومَ أُحدٍ، ثمَّ قُتِلوا شُهَداءً.
فقيلَ لسفيانَ: مِن آخرِ ذلك اليومِ؟ قال: ليس هذا فيه.
[طرفاه في: ٤٠٤٤، ٤٦١٨]

٦٠
باب ١٩ / ح ٢٨١٤-٢٨١٥
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((باب فضل قول الله تعالى: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَأْ بَلْ أَحْيَاءُ
عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾) كذا لأبي ذرٍّ، وساقَ الأَصِيلِي
وكَرِيمة الآيتين، ومعنى قوله: ((فضل قول الله)) أي: فضل مَن وَرَدَ فيه قول الله، وقد
حَذَفَ الإسماعيلي لفظ ((فضل)) من التَرجمة.
ثم ذکر فیهحدیثین:
أحدهما: حديث أنس في قصَّة الذين قُتِلوا في بئر مَعُونة، أورَدَها مختصرة، وستأتي
بتمامها في المغازي (٤٠٨٨)، وأشارَ بإيراد الآية إلى ما وَرَدَ في بعض طرقه كما سأذكرُه هناك
في آخره عند قوله: «فأَنزَلَ فيهم: بَلِّغوا قومَنا أنّا قد لَقِينا ربَّنا فرضيَ عنَّا ورَضِینا عنه)) زادَ
عمر بن يونس عن إسحاق بن أبي طلحة فيه: فنُسِخَ بعدَما قرأناه زماناً وأنزَلَ الله تعالى
﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية.
ثانيهما: حديث جابر: ((اصطَبَحَ ناسٌ الخمرَ يومَ أُحد ثمَّ قُتِلوا شُهَداء))، سيأتي في
المغازي (٤٠٨٨) أنَّ والد جابر كان من جُملة مَن أشارَ إليهم.
قال ابن المنيِّر: مُطابَقَته للتَّرجمة فيه عُسْر، إلَّا أن يكون مرادُه أنَّ الخمر التي شَرِبُوها
يومئذٍ لم تَضُرَّهم لأنَّ الله عزَّ وجلَّ أثنى عليهم بعد موتهم ورَفَعَ عنهم الخوفَ والحَزَنَ،
وإنَّما كان ذلك لأنَّها كانت يومئذٍ مباحةً.
قلت: ويُمكِن أن يكون أورَدَه للإشارة إلى أحد الأقوال في سبب نزول الآية المترجم
بها، فقد روى التِّرمِذي (٣٠١٠) من حديث جابر أيضاً: أنَّ الله لمَّا كَلَّمَ والدَ جابر وتَمنّى
أنه يَرجِع إلى الدُّنيا ثمّ قال: ((يا ربّ، بلِّغ مَن ورائي، فأنزلَ الله ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى
سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ الآية)).
قوله: ((فقيل لسفيان: مِن آخر ذلك اليوم؟ قال: ليس هذا فيه)) أي أنَّ في الحديث:
((فُقُتِلوا شُهَداءَ من آخر ذلك اليوم)) فأنكَرَ ذلك سفيان، وقد أخرجه الإسماعيلي من طريق
٣٢/٦ القَوَاريري عن سفيان بهذه الزِّيادة ولكن بلفظ: ((اصطَبَحَ / قومٌ الخمرَ أوَّلَ النَّهار وقُتِلوا