النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
باب ٤ / ح ٢٧٩٠
كتاب الجهاد
٢٧٩٠ - حدَّثنا يحيى بنُ صالح، حدَّثنا فُلَيِحٌ، عن هلال بنِ عليٍّ، عن عطاءِ بنِ يَسارٍ، عن
أبي هريرةَ عَ﴾ قال: قال رسولُ الله ◌ََّ: «مَن آمَنَ بالله وبِرسولِه، وأقامَ الصَّلاةَ، وصامَ رمضانَ،
كان حقّاً على الله أن يُدخِلَه الجنَّةَ، جاهَدَ في سبيلِ الله، أو جَلَسَ في أرضِه التي وُلِدَ فيها»
فقالوا: يا رسولَ الله، أفلا نُبِشِّرُ الناسَ؟ قال: ((إنَّ في الجنَّةِ مئةَ درجةٍ أعَدَّها اللهُ للمجاهدِينَ في
سبيلِ الله، ما بينَ الدَّرَجَتَين كما بينَ السَّماءِ والأرضِ، فإذا سألتُمُ اللهَ فاسألُوه الفِرْدَوْسَ، فإنَّه
أوسَطُ الجنَّةِ وأعلَى الجنَّةِ - أُراه قال: وفوقَه عَرْشُ الرَّحمن - ومنه تَفَجَّرُ أنهارُ الجنَّة)).
قال محمَّدُ بنُ فُلَيِحِ عن أبيه: ((وفَوْقَه عَرْشُ الَّحمن)).
[طرفه في: ٧٤٢٣]
قوله: «باب درجات المجاهدینَ في سبيل الله)» أي: بيانها.
وقوله: ((يقال: هذه سَبِيلٍ)) أي: أنَّ السَّبيل يُذكَّر ويُؤنَّث، وبذلك جَزَمَ الفَرّاء فقال في
قوله تعالى: ﴿لِيُضِلّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا﴾ [لقمان: ٦] الضَّمير يعود على
آيات القرآن، وإن شئت جَعَلْتَه للسَّبيلِ لأنَّها قد تُؤنَّث، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ، سَبِيلِيّ﴾
[يوسف: ١٠٨]، وفي قراءة أبيّ بن كعب: ((وإن يَّرَوْا سبيلَ الرُّشْد لا يَتَّخِذُوها))(١) [الأعراف:
١٤٦]. انتهى، ويحتمل أن يكون قوله تعالى: ﴿هَذِهِ﴾ إشارة إلى الطَّريقة؛ أي: هذه الطَّريقة
المذكورة هي سبيلي، فلا يكون فيه دليل على تأنيث السَّبيل.
قوله: ﴿غُزَّى﴾ بضمِّ المعجمة وتشديد الزّاي مع التَّنوين ((واحدها: غازٍ)) وقع هذا في
رواية المُستَمْلي وحده، وهو من كلام أبي عُبيدة قال: وهو مِثل قُوَّل وقائل. انتهى.
قوله: ((﴿هُمْ دَرَجَتُ﴾: لهم دَرَجات)) هو من كلام أبي عُبيدة أيضاً قال: قوله: ﴿هُمْ
دَرَجَتُ﴾ أي: منازلُ، ومعناه: لهم دَرَجات. وقال غيره: التقدير: هم ذَوُو دَرَجات.
قوله: ((عن هلال بن علي)» في رواية محمَّد بن فُلَیح عن أبيه (٧٤٢٣): حدَّثني هلال.
(١) وهي قراءة شاذَّة، وقراءة الجماعة: ((لا يَتَّخِذوه)) على التذكير.
١٢/٦

٢٢
باب ٤ / ح ٢٧٩٠
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((عن عطاء بن يَسار)) كذا لأكثر الزُّواة عن فُلَيح، وقال أبو عامر العَقَدي: ((عن
فُلَيح عن هلال عن عبد الرَّحمن بن أبي عَمْرة)) بدل: عطاء بن يسار، أخرجه أحمد (٨٤١٩)
وإسحاق في ((مسندَيهما)) عنه، وهو وهمٌّ من فُلَيح في حال تحديثه لأبي عامر، وعند فُلَیح
بهذا الإسناد حديثٌ غيرُ هذا سيأتي في الباب الذي بعد هذا لعلَّه انتَقَلَ ذِهْنُه من حديث إلى
حديث، وقد نبّه يونس بن محمَّد في روايته عن فُلَيح على أنَّه كان رُبَّما شكَّ فيه، فأخرج
أحمد (٨٤٢٠) عن يونس، عن فُلَيح، عن هلال، عن عبد الرَّحمن بن أبي عَمْرة وعطاء بن
يَسار، عن أبي هريرة، فذكر هذا الحديث، قال فُلَيح: ولا أعلمه إلَّا ابن أبي عَمْرة، قال
يونس: ثمَّ حدَّثنا به فُلَيح فقال: عطاء بن يسار، ولم يَشُكّ. انتهى، وكأنَّه رَجَعَ إلى
الصواب فيه، ولم يَقِف ابن حِبّان على هذه العِلَّة فأخرجه (١٧٤٧) من طريق أبي عامر،
والله الهادي إلى الصواب.
وقد وافَقَ فُلَيحاً على روايته إياه عن هلال عن عطاء عن أبي هريرة محمَّدُ بن جُحَادة
عن عطاء، أخرجه التِّرمِذي (٢٥٢٩) من روايته مختصراً، ورواه زيد بن أسلَمَ عن عطاء بن
يَسار فاختُلِفَ عليه: فقال هشامُ بنُ سعد وحفصُ بنُ مَيسَرة والدَّرَاوَزْديُّ عنه: عن عطاء
عن معاذ بن جبل، أخرجه التِّرمِذي (٢٥٣٠) وابن ماجَهْ (٤٣٣١)، وقال همَّام عن زيد:
عن عطاء عن عُبادةَ بن الصَّامت، أخرجه التِّرمِذي (٢٥٣١) والحاكم (١/ ٨٠) ورَجَّحَ
رواية الدَّرَاوَرْدي ومَن تابَعَه على رواية همَّام، ولم يَتَعرَّض لرواية هلال مع أنَّ بين عطاء بن
يَسار ومعاذ انقطاعاً.
قوله: ((وصامَ رمضانَ ... )) إلى آخره، قال ابن بَطَّال: لم يَذكُر الزكاة والحجّ لكَونِه لم
يكن فُرِضَ.
قلت: بل سقط ذِكْره على أحد الرُّواة، فقد ثَبَتَ الحجّ في التِّرمِذي (٢٥٣٠) في حديث
معاذ بن جبل وقال فيه: ((لا أدري أذكر الزكاة أم لا))، وأيضاً فإنَّ الحديث لم يُذكَر لبيانِ
الأركان، فكان الاقتصار على ما ذكر، إن كان محفوظاً، لأنَّه هو المتكرِّر غالباً، وأمَّا الزكاةٌ
فلا تجب إلَّ على مَن له مال بشرطِه، والحجُّ فلا يَجِبُ إلَّا مَرَّة على التَّراخي.

٢٣
باب ٤ / ح ٢٧٩٠
كتاب الجهاد
قوله: ((أو جَلَسَ في بيته)) فيه تأنيس لمن حُرِمَ الجهادَ وأنَّه ليس محروماً من الأجر، بل له
من الإيمان والْتِزام الفرائض ما يُوصِلُه إلى الجنَّة وإن قَصُرَ عن درجة المجاهدين.
قوله: ((فقالوا: يا رسول الله)) الذي خاطَبَه بذلك هو معاذ بن جبل كما في رواية
التِّرمِذي (٢٥٣٠)، أو أبو الدَّرداء كما وقع عند الطبراني(١)، وأصله في النَّسائي (٣١٣٢)
لکن قال فيه: فقلنا.
قوله: ((إنَّ في الجنَّة مئة درجة)) قال الطِّيبي: هذا الجواب من أسلوب الحَكِيم، أي:
بَشِّرهم بدخولهم الجنَّة بما ذُكِرَ من الأعمال، ولا تَكتَفِ بذلك بل بَشِّرهم بالدَّرَجات، ولا
تَقْتَنِع بذلك بل بَشِّرهم بالفِرِدَوسِ الذي هو أعلاها.
قلت: لو لم يَرِد الحديثُ إلَّا كما وقع هنا لكان ما قال مُتَّجِهاً، لكن وَرَدَت في الحديث
زيادة دَلَّت على أنَّ قوله: ((في الجنَّة مئة درجة)) تعليل لتَركِ البِشارة المذكورة، فعند
التِّرمِذي (٢٥٣٠) من رواية معاذ المذكورة: قلت: يا رسول الله، ألا أُخبِرِ الناس؟ قال:
((ذَرِ الناسَ يعملون (٢)، فإنَّ في الجنَّة مئةَ درجة)) فظَهَرَ أنَّ المراد: لا تُبشِّر الناس بما ذكرتُه
من دخول الجنَّة لمن آمَنَ وعَمِلَ الأعمال المفروضة عليه، فيَقِفوا عند ذلك ولا يَتَجاوَزُوه
إلى ما هو أفضلُ منه من الدَّرَجات التي تَحصُل بالجهاد، وهذه هي النُّكتة في قوله: ((أعَدَّها
الله للمجاهدین)).
وإذا تَقرَّرَ هذا كان فيه تَعقُّب أيضاً على قول بعض شُرّاح ((المصابيح)): سَوّى النبيُّ وَّلـ
بين الجهاد في سبيل الله وبين عَدَمه، وهو الجلوس في الأرض التي وُلِدَ المرء فيها، ووجه
التّعقُّب أنَّ الَّسوية ليست كلَّ عمومها، وإنَّما هي في أصل دخول الجنَّة لا في تَفاوت
الدَّرَجات كما قَرَّرتُه، والله أعلم. وليس في هذا السِّياق ما ينفي أن يكون في الجنَّة دَرَجاتٌ
أُخرى أُعدَّت لغير المجاهدين دون درجة المجاهدين.
(١) في ((مسند الشاميين)) (١٢٠٠)، ولم يقع عند الترمذي ذكر الجهاد والمجاهدين.
(٢) تحرف في (أ) و(س) إلى: يعلمون، بتقديم اللام، والتصويب من (ع) و((جامع الترمذي)).

٢٤
باب ٤ / ح ٢٧٩٠
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((كما بين السَّماء والأرض)) في رواية محمَّد بن جُحَادة عند التِّرمِذي (٢٥٢٩): ((ما
١٣/٦ بين كلّ دَرَجَتَين مئة عام))، وللطَّبَراني(١) من هذا الوجه: / (خمسُ مئة عام))، فإن كانتا
محفوظتَين كان اختلافُ العدد بالنِّسبة إلى اختلاف السَّير(٢)، زادَ التِّرمِذي (٢٥٣٢) من
حديث أبي سعيد: (لو أنَّ العالَمِينَ اجْتَمَعوا في إحداهنَّ لَوَسِعَتهم)).
قوله: ((أوسَطُ الجنَّة وأعلى الجنَّة)) المراد بالأوسَطِ هنا: الأعدَل والأفضل كقوله تعالى:
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، فعلى هذا فعَطفُ الأعلى عليه للتأكيد.
وقال الطِّيبي: المراد بأحدِهما: العُلوُّ الِحِسّي، وبالآخرِ: العُلوُّ المعنَوي. وقال ابن حِبّان:
المراد بالأوسَطِ: السَّعَة، وبالأعلى: الفَوْقية.
قوله: «أُراه)» بضمِّ الهمزة، وهو شكٌّ من یحیی بن صالح شیخ البخاري فیه، وقد رواه
غيره عن فُلَيح فلم يَشُكَّ، منهم يونس بن محمَّد عند الإسماعيلي وغيره(٣).
قوله: ((ومنه تَفَجَّرُ أنهار الجنَّة)) أي: من الفِردَوس، ووَهِمَ مَن زَعَمَ أنَّ الضَّمير للعَرْش،
فقد وقع في حديث عُبادةَ بن الصَّامت عند التِّرمِذي (٢٥٣١): ((والفِردَوس أعلاها درجةً،
ومنها - أي: من الدَّرَجة التي فيها الفِردَوس - تَفَجَّرُ أنهار الجنَّة الأربعة، ومِن فوقها يكون
عرش الرّحمن)).
وروى إسحاق بن راهويه في ((مُسنَده)) من طريق شَيْبانَ عن قَتَادة عنه قال: ((الفردوس
أوسَط الجنَّة وأفضلها))، وهو يُؤيِّد التفسير الأوَّل.
قوله: ((قال محمَّد بن فُلَيح عن أبيه: وفوقَه عَرْش الرَّحمن)) يعني أنَّ محمَّداً روى هذا
الحديث عن أبيه بإسناده هذا فلم يَشُكَ كما شكَّ يحيى بن صالح، بل جَزَمَ عنه بقوله:
((وفوقه عَرْش الَّحمن)).
(١) في ((الأوسط)) (٥٧٦٥) من حديث محمد بن جحادة عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة.
(٢) في إسناد الروايتين شريك - وهو ابن عبد الله النخعي - وهو سيئ الحفظ، والراوي عنه عند الطبراني
يحيى الحمّاني، وهو ضعيف أيضاً.
(٣) ومنهم سُريج بن النعمان عند أحمد (٨٤٢١)، وفَزَارة بن عمر عنده أيضاً (٨٤٧٤).

٢٥
باب ٤-٥ / ح ٢٧٩١ - ٢٧٩٢
كتاب الجهاد
قال أبو عليّ الجَيَّاني: وقع في رواية أبي الحسن القابسي: ((حدَّثنا محمَّد بن فُلَيح)) وهو
وهمٌّ، لأنَّ البخاري لم يُدرِكه.
قلت: وقد أخرج البخاري رواية محمَّد بن فُلَيح لهذا الحديث في كتاب التَّوحيد (٧٤٢٣)
عن إبراهيم بن المنذر عنه بتمامه، ويأتي بقيَّة شرحه هناك، ورجالُ إسناده كلّهم مدنُّون.
والفِردَوس: هو البُستان الذي يجمع كلّ شيءٍ، وقيل: هو الذي فيه العِنَب، وقيل: هو
بالُّومَّةَ، وقيل: بالنَّبَطِيَّة(١)، وقيل: بالسُّريانية، وبه جَزَمَ أبو إسحاق الزَّجّاج.
وفي الحديث فضيلة ظاهرة للمجاهدين، وفيه عِظَم الجنَّة وعِظَم الفِردَوس منها، وفيه
إشارة إلى أنَّ درجة المجاهد قد يَنالُها غيرُ المجاهد، إمَّا بالنِّية الخالصة أو بما يُوازِيه من الأعمال
الصَّالحة، لأَنَّه ◌ِّهِ أَمَرَ الجميع بالدُّعاءِ بالفِردَوسِ بعد أن أَعلمَهم أنَّه أُعِدَّ للمجاهدين.
وقيل: فيه جواز الدُّعاء بما لا يَحَصُل للدّاعي لمَا ذكرتُه، والأوَّل أَولى، والله أعلم.
٢٧٩١ - حدَّثنا موسى، حدَّثَنَا جَرِيرٌ، حدَّثنا أبو رَجَاءٍ، عن سَمُرةَ قال: قال النبيُّ وَّ:
((رأيتُ اللَّيلةَ رجلَيْنِ أَتَيَاني، فصَعِدا بي الشجرةَ، فأدخَلَاني داراً هي أحسنُ وأفضلُ، لم أرَ قَطُّ
أحسنَ منها، قال: أمَّا هذه الدَّارُ فدارُ الشُّهَداءِ)).
قوله: ((حدَّثنا موسى)) هو ابن إسماعيل، وجَرِير: هو ابن حازم، وحديث سَمُرة تقدَّم
بطوله في الجنائز (١٣٨٦)، وهذه القطعة شاهدة لحديث أبي هريرة المذكور قبله ومُفسِّرة،
لأنَّ المراد بالأوسَطِ الأفضلُ لوَصِفِه دارَ الشُّهَداء في حديث سَمُرة بأنَّها أحسنُ وأفضل.
٥ - باب الغَدْوة والرَّوْحة في سبيل الله، وقابٍ قوسٍ
أحدِكم في الجنَّة
٢٧٩٢- حدَّثْنا مُعلَّى بنُ أسَدٍ، حذَّثنا وُهَيبٌ، حدَّثنا مُميدٌ، عن أنسِ بنِ مالكٍ ﴾، عن
النبيِّ وَّه قال: ((لَغَدْوةٌ في سبيلِ الله أو رَوْحٌ، خيرٌ مِن الدُّنْيا وما فيها)).
[طرفاه في: ٢٧٩٦، ٦٥٦٨]
(١) تحرف في (س) إلى: بالقبطية، بالقاف.

٢٦
باب ٥ / ح ٢٧٩٢ - ٢٧٩٤
فتح الباري بشرح البخاري
٢٧٩٣ - حذَّثنا إبراهيمُ بنُ المنذِرِ، حدَّثنا محمَّدُ بنُ فُلَيح، قال: حدَّثني أَبي، عن هلال بنِ
عليٍّ، عن عبدِ الرَّحمن بنِ أبي عَمْرةَ، عن أبي هريرةَ عُه، عن النبيِّ وَّ قال: ((لَقَابُ قوسٍ في
الجنَّةِ، خيرٌ مَا تَطْلُعُ عليه الشمسُ وتَغُرُب)).
وقال: (لَغَدْوةٌ أو رَوْحةٌ في سبيلِ الله، خيرٌ مَا تَطلُعُ عليه الشمسُ وتَغْرُبُ)).
[طرفه في: ٣٢٥٣]
١٤/٦
٢٧٩٤ - حدَّثنا قَبِيصةُ، حدَّثنا سفيانُ، عن أبي حازم، عن سَهْلِ بنِ سعدٍ ﴾، عن النبيِّ ◌َّ
قال: ((الرَّوْحةُ والغَذْوةُ في سبيلِ الله، أفضلُ مِن الدُّنْيا وما فيها)).
[طرفاه في: ٢٨٩٢، ٣٢٥٠، ٦٤١٥]
قوله: ((باب الغَذْوة والرَّوْحة في سبيل الله)) أي: فَضْلها، والغَدْوة بالفتح: المّة الواحدة
من الغُدُوّ: وهو الخروج في أيّ وقتٍ كان من أوَّل النَّهار إلى انتصافه، والرَّوْحة: المرّة
الواحدة من الرَّوَاحِ: وهو الخروج في أيّ وقتٍ كان من زَوَال الشمس إلى غُرُوبها.
قوله: «في سبيل الله» أي: الجهاد.
قوله: ((وقاب قوس أحدكم)) أي: قَدْره، والقابُ بتخفيف القاف وآخره موحّدة،
معناه: القَدْر، وكذلك القِيد بكسر القاف بعدها تحتانية ساكنة ثمَّ دال، وبالموحّدة بدل
الدَّال، وقيل: القاب ما بين مِقبَض القوس وسِيتِهِ، وقيل: ما بين الوَتَر والقوس، وقيل:
المراد بالقوس هنا: الذِّراع الذي يُقاسُ به، وكأنَّ المعنى: بيان فضل قَدْر الذِّراع من الجنَّة.
قوله: ((عن أنس)) في رواية أبي إسحاق عن حُميدٍ: سمعتُ أنس بن مالك، وهو في الباب
الذي یلیه، والإسناد كلّه بصريُّون.
قوله: ((لَغَدْوة)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((الغَدْوة)) بزيادة ألف في أوَّله بصيغة التَّعريف،
والأوَّل أشهر، واللّم للقَسَم.
قوله: ((خير من الدُّنْيا وما فيها)) قال ابن دقيق العيد: يحتمل وجهَين:
أحدهما: أن يكون من باب تنزيل المغيَّب منزلة المحسوس تحقيقاً له في النَّفس، لكَونِ

٢٧
باب ٥ / ح ٢٧٩٢ - ٢٧٩٤
كتاب الجهاد
الدُّنيا محسوسة في النَّفْس مُستَعظَمة في الطِّباع، فلذلك وَقَعَت المفاضلة بها، وإلَّا فمن
المعلوم أنَّ جميع ما في الدُّنيا لا يُساوي ذَرَّة ممّا في الجنَّة.
والثّاني: أنَّ المراد أنَّ هذا القَدْر من الثَّواب، خير من الثَّواب الذي يَحَصُل لمن لو
حَصَلَت له الدُّنيا كلُّها لَأَنفَقَها في طاعة الله تعالى.
قلت: ويُؤيِّد هذا الثَّاني ما رواه ابن المبارَك في كتاب ((الجهاد)) (١٤) من مُرسَل
الحسن قال: بَعَثَ رسول الله وَّهِ جيشاً فيهم عبدُ الله بن رَوَاحة، فتأخّرَ ليشهدَ الصلاة
مع النبي ◌َّ، فقال له النبي ◌َّ: ((والذي نفسي بيده، لو أنفَقتَ ما في الأرض ما أدرَكتَ
فضلَ غَدْوَتهم)).
والحاصل أنَّ المراد تسهيل أمر الدُّنيا وتعظيم أمر الجهاد، وأنَّ مَن حَصَلَ له من الجنَّة
قَدْرُ سَوْط، يصير كأنَّه حَصَلَ له أمرٌ أعظم من جميع ما في الدُّنيا، فكيف بمَن حَصَلَ له منها
أعلى الدَّرَجات؟! والنُّكتة في ذلك أنَّ سبب التأخير عن الجهاد المَيلُ إلى سبب من أسباب
الدُّنيا، فنبَّه هذا المتأخّر أنَّ هذا القَدْر اليسير من الجنَّة أفضل من جميع ما في الدُّنيا.
قوله: ((عن عبد الرَّحمن بن أبي عَمْرة)» هو الأنصاري، والإسناد كلُّه مدنُّون.
قوله: ((لَقابُ قوسٍ في الجنَّة)) في حديث أنس في الباب الذي يليه: (لَقابُ قوس
أحدكم)) وهو المطابق لترجمة هذا الباب.
قوله: ((خير ممَّ تَطْلُع عليه الشمس وتَغْرُب)) هو المراد بقوله في الذي قبله: ((خيرٌ من
الدُّنيا وما فيها».
قوله: ((حدّثنا سفيان)) هو الثَّوْرِي.
قوله: «عن أبي حازم)) هو ابن دینار.
قوله: ((الزَّوْحة والغَدْوة في سبيل الله أفضلُ)» في رواية مسلم (١١٤/١٨٨١) من طريق
وكيع عن سفيان: ((غَدْوة أو رَوْحة في سبيل الله خير من الدُّنيا)) والمعنى واحد، وفي
الطبراني (٥٧٩٧) من طريق أبي غسَّان عن أبي حازم: (لَرَوْحة)» بزيادة لام القَسَم.

٢٨
باب ٦ / ح ٢٧٩٥ -٢٧٩٦
فتح الباري بشرح البخاري
٦ - الحُور العِين وصفتهنَّ يَجارُ فيها الطَّرْفُ، شديدةُ سواد العَيْن،
شديدةُ بياض العَين
﴿وَزَوَّجْنَهُم﴾ [الدخان: ٥٤]: أنكحْناهم.
٢٧٩٥ - حدّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا معاويةُ بنُ عَمرو، حدَّثنا أبو إسحاقَ، عن مُمیدٍ،
١٥/٦ قال: سمعتُ/ أنسَ بنَ مالكِ ◌ّه، عن النبيِّوَلَّم قال: ((ما من عبدٍ يموتُ له عندَ الله خيرٌ يَسُُّه
أن يَرجِعَ إلى الدُّنْيا وأنَّ له الدُّنْيا وما فيها، إلا الشَّهيدُ لمَا يَرَى من فضلِ الشَّهادةِ، فإنّه يَسُّه أن
يَرجِعَ إلى الدُّنْيَا فِيُقتَلَ مرَّةً أُخرى)).
[طرفه في: ٢٨١٧]
٢٧٩٦ - قال: وسمعتُ أنسَ بنَ مالكِ عن النبيِّ وَِّ أنه قال: «لَرَوْحٌ في سبيلِ الله أو
غَدْوةٌ خيرٌ مِن الدُّنْيا وما فيها، ولَقابُ قوسِ أحدِكم مِن الجنَّةِ، أو موضعُ قِيدٍ - يعني سَوْطَه -
خيرٌ مِن الدُّنْيا وما فيها، ولو أنَّ امرأةً من أهلِ الجنَّةِ الطَّلَعَت إلى أهلِ الأرضِ، لأضاءَت ما
بينَهما ولَمَلأَتْه رِيحًاً، ولَنَصِيفُها على رأسِها خيرٌ مِن الدُّنْيا وما فيها)).
قوله: ((الحُور العين وصِفَتهنَّ)) كذا لأبي ذرِّ بغير ((باب)) وثَبَتَ لغيره، ووقع عند ابن
بَطَّل: ((باب نزول الخُور العين ... )) إلى آخره، ولم أرَه لغيره.
قوله: ((يَجار فيها الطَّرْف)) أي: يَتَحِيََّ. قال ابن التِّين: هذا يُشعِر بأنَّه رأى أنَّ اشتقاق
الحُور من الخَيْرة، وليس كذلك، فإنَّ الحُور بالواو والخَيْرة بالياء، وأمَّا قول الشّاعر(١):
حَوْراءُ عَيْناء من العِينِ الحِيزْ
فھو للإتباع.
قلت: لعلَّ البخاري لم يُرِد الاشتقاق الأصغر.
قوله: ((شدیدة سواد العَیْن، شديدة بیاض العَیْن)» کأنَّه یرید تفسیر العِین، والعِین بالكسر
جمع عَيْناء: وهي الواسعةُ العين الشَّديدة السَّواد والبياض، قاله أبو عبيدة.
(١) هو منظور بن مرثد الأسدي كما في ((شرح أدب الكاتب)) للجواليقي ص ٤٠٦.

٢٩
باب ٦ / ح ٢٧٩٥ -٢٧٩٦
كتاب الجهاد
قوله: ((﴿وَزَوَّجْنَهُمْ بِحُورٍ﴾: أنكَحْناهم)) هو قولُ أبي عُبيدة ولفظه: ﴿وَزَوَّجْنَهُمْ﴾ أي:
جعلناهم أزواجاً، أي: اثنين اثنين، كما تقول: زَوَّجتُ النَّعل بالنَّعل. وقال في موضع آخر:
أي: جعلنا ذُكر انَ أهل الجنَّة أزواجاً بحُورٍ من النِّساء.
وتُعقِّبَ بأنَّ زَوَّجَ لا يَتَعدَّى بالباء، قاله الإسماعيلي وغيره، وفيه نظرٌ، لأنَّ صاحب
((المحكم)) حكاه لكن قال: إنَّه قليل، والله أعلم.
قوله: ((حدَّثنا عبد الله بن محمَّد)) هو الجُعْفيّ، ومعاوية بن عَمْرو: هو الأزدي، وهو
من شيوخ البخاري يروي عنه تارةً بواسطةٍ كما هنا، وتارةً بلا واسطة كما في كتاب
الجمعة (٩٣٦).
قوله: ((حدَّثنا أبو إسحاق) هو الفَزاري إبراهيم بن محمَّد.
واشتَمَلَ هذا السِّياق على أربعة أحاديث:
الأوَّل: يأتي شرحه بعد ثلاثة عشر باباً (٢٨١٧).
الثَّاني: تقدَّم شرحه في الذي قبله.
الثَّالث والرّابع: يأتي شرحهما في صفة الجنَّة من كتاب الرِّقاق (٦٥٦٧ و٦٥٦٨).
وقوله في الباب: ((وَقابُ قوسٍ أحدكم)) تقدَّم شرح ((القاب)) في الذي قبله.
وقوله هنا: ((أو موضع قِيد، يعني: سَوْطه)) شكٌّ من الراوي هل قال: ((قاب)) أو ((قِيد))،
وقد تقدَّم أنَّهما بمعنّى: وهو المقدار.
وقوله ((يعني: سَوْطه)) تفسير للقِيد غير معروف، ولهذا جَزَمَ بعضهم بأنَّه تصحيف وأنَّ
الصواب ((قِدٌّ) بكسر القاف وتشديد الدَّال: وهو السَّوط المتَّخَذ من الجلد.
قلت: ودعوى الوَهْم في التفسير أسهل من دعوى التَّصحيف في الأصل، ولا سِيّما
والقِيدُ بمعنى القابِ كما بيَّنته، والمقصود من ذلك لهذه التَّرجمة الأخيرُ.
وقوله فيه: ((ولَنَصيفُها)) بفتح النّون وكسر الصَّاد المهمَلة بعدها تحتانية ساكنة ثمَّ فاء:
هو الخِمار، بكسر المعجمة وتخفيف الميم.

٣٠
باب ٧ / ح ٢٧٩٧
فتح الباري بشرح البخاري
قال المهلَّب: إنَّما أورَدَ حديثَ أنس هذا ليبيِّنَ المعنى الذي من أجله يَتَمِنَّى الشَّهيدُ أن
يَرجِعَ إلى الدُّنيا ليُقتَل مرَّة أُخرى في سبيل الله، لكَونِه يرى من الكرامة بالشَّهادة فوق ما في
نفسه، إذ كلّ واحدة يُعطَاها من الحُور العين لو الطَّلَعَت على الدُّنيا لَأضاءَت كلُّها. انتهى.
وروى ابن ماجَهْ (٢٧٩٨) من طريق شهر بن حَوشَبٍ عن أبي هريرة قال: ذُكِرَ/
١٦/٦ الشَّهيد عند النبيِ وَ لَ فقال: ((لا تَجِفُّ الأرض من دم الشَّهيد حتَّى تَبْتَدِرَه زوجاته من
الحُور العِين، وفي يد كلِّ واحدة منها حُلَّةٌ خير من الدُّنيا وما فيها))(١)، ولأحمد (١٧١٨٣)
والطبراني من حديث عُبادةَ بن الصَّامت مرفوعاً: ((إنَّ للشَّهيد عند الله سبع خِصال))،
فذكر الحديث، وفيه: ((ويُزوَّج اثنتين وسبعينَ زوجة من الحُور العِين)) إسناده حسن،
وأخرجه التِّرمِذي (١٦٦٣) من حديث المقدام بن مَعْدي گَرِبَ وصحَّحه.
٧- باب تمنِّي الشّهادة
٢٧٩٧ - حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شعيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني سعيدُ بنُ المسيّب،
أنَّ أبا هريرةَ عُ قال: سمعتُ النبيَّ ◌َ﴿ يقول: ((والذي نفسي بيده، لولا أنَّ رجالاً مِن المؤمنينَ
لا تَطِيبُ أنفُسُهم أن يَتَخلَّفوا عنِّي، ولا أجِدُ ما أحِلُهم عليه، ما تَخَلَّفْتُ عن سَرِيَّةٍ تَغْدُو في
سبيلِ الله، والذي نفسي بيده، لَوَدِدْتُ أَنَّ أُقتَلُ في سبيلِ الله ثمَّ أُحْيا، ثمَّ أُقْتَلُ ثمَّ أُحْيا، ثمَّ أُقْتَلُ
ثُمَّ أُخْيا، ثمّ أُقْتَلُ)).
قوله: ((باب تَمَنِّي الشَّهادة)) تقدَّم توجيهه في أوَّل كتاب الجهاد، وأنَّ تَمنِيها والقَصْد لها
مُرغَّب فيه مطلوب.
وفي الباب أحاديثُ صريحة في ذلك منها عن أنس مرفوعاً: ((مَن طلبَ الشَّهادة صادقاً،
أُعطِيها ولو لم يُصِبها)) أي: أُعطي ثوابها ولو لم يُقتَل، أخرجه مسلم (١٩٠٨)، وأصرحُ منه
في المراد ما أخرجه الحاكم (٢/ ٧٧) بلفظ: ((مَن سأل القتلَ في سبيل الله صادقاً ثمَّ مات،
أعطاه الله أجر شهيد))، وللنَّسائي (٣١٤١) من حديث معاذ مثله، وللحاكم (٢/ ٧٧) من
(١) إسناده ضعيف لضعف شهر بن حوشب، وهو عند أحمد أيضاً من هذا الوجه برقم (٧٩٥٥).

٣١
باب ٧ / ح ٢٧٩٧
كتاب الجهاد
حديث سَهْل بن حُنَيف مرفوعاً: ((مَن سأل الله الشَّهادة بصِدِقٍ بَلَّغَه الله منازلَ الشُّهَداء
وإن مات على فراشه)».
قوله: «أنَّ أبا هريرة)» هذا الحديث رواه عن أبي هريرة جماعة من التابعين منهم سعيد بن
المسيّب هنا، وأبو زُرْعة بن عَمْرو في ((باب الجهاد من الإيمان)) من كتاب الإيمان (٣٦)،
وأبو صالح وهو في ((باب الجعائل والحُمْلان)) في أثناء كتاب الجهاد (٢٩٧٢)، والأعرَج
وهو في كتاب التمنِّي (٧٢٢٧)، وهمَّام وهو عند مسلم (١٠٦/١٨٧٦)، وسأذكرُ ما في
رواية كلٍّ واحد منهم من زيادة فائدة.
قوله: ((والذي نفسي بيده، لولا أنَّ رجالاً من المؤمنينَ لا تَطِيبُ أنفُسهم)) في رواية أبي
زُرْعة (٣٦) وأبي صالح (٢٩٧٢): ((لولا أن أشُقّ على أمَّتي))، ورواية الباب نُفسِّر المراد
بالمشقّة المذكورة: وهي أنَّ نفوسَهم لا تَطِيب بالتخلُّفِ ولا يَقدِرونَ على التأهُّب لعَجزِهم
عن آلة السَّفَر من مركوب وغيره وتعذُّر وجوده عند النبي ◌َِّ، وصَرَّحَ بذلك في رواية
هَّامٍ(١) ولفظه: ((لكن لا أجِدُ سَعَة فأحملهم، ولا يَجِدونَ سَعَة فيَتَّبِعوني، ولا تَطِيب أنفُسهم
أن يَقعُدوا بعدي))، وفي رواية أبي زُرْعة عند مسلم (١٨٧٦/ ١٠٣) نحوه، ورواه الطبراني
(٣٤٦٤) من حديث أبي مالك الأشعري وفيه: ((ولو خَرَجتُ ما بقي أحدٌ فيه خير إلَّا
انطَلَقَ معي، وذلك يَشُقّ عليَّ وعليهم))، ووقع في رواية أبي صالح (٢٩٧٢) من الزّيادة:
((ويَشُقّ عليَّ أن يَتَخلَّفوا عنِّي)».
قوله: ((والذي نفسي بيده لوَدِدْتُ)) وقع في رواية/ أبي زُرْعة المذكورة (٣٦) بلفظ: ١٧/٦
(ولَوَدِدت أنّ أُقْتَل)) بحذفِ القَسَم، وهو مُقدَّر لمَا بيَّنْه هذه الرِّواية، فَظَهَرَ أنَّ اللّام لام
القَسَم وليست بجواب (لولا)).
وفَهِمَ بعض الشُّاحِ أنَّ قوله: ((لَوَدِدتُ)) معطوف على قوله: ((ما قَعَدتُ)) فقال: يجوز
حذفَ اللّام وإثباتُها من جواب (لولا))، وجَعَلَ الوَدَادة تُمْتَنِعة خَشْيَةَ وجود المشقّة لو
(١) هي عند مسلم برقم (١٨٧٦) (١٠٦).

٣٢
باب ٧ / ح ٢٧٩٧
فتح الباري بشرح البخاري
وُجِدَت، وتقدير الكلام عنده: لولا أن أشُقَّ على أمَّتِي لَوَدِدتُ أنّي أُقتَلُ في سبيل الله. ثمَّ
شَرَعَ يتكلَّف استشكالَ ذلك والجواب عنه، وقد بيّنت روايةُ الباب أنَّهَا جُملة مُستأنَفة وأنَّ
اللّم جواب القَسَم.
ثمَّ النُّكتة في إيراد هذه الجملة عَقبَ تلك إرادة تَسْلية الخارجينَ في الجهاد عن مُرافَقَته
لهم، وكأنَّه قال: الوجه الذي يسيرونَ له فيه من الفضل ما أتمنَّى لأجلِه أنّي أُقْتَلُ مرَّاتٍ،
فمهما فاتّكُم من مُرافَقَتي والقعود معي من الفضل يَحَصُل لكم مثلُه أو فوقَه من فضل
الجهاد، فراعى خواطرَ الجميع. وقد خرج النبي ◌َّه في بعض المغازي وتَخَلَّفَ عنه المشار
إليهم، وكان ذلك حيثُ رَجَحَت مَصلَحة خروجه على مراعاة حالهم، وسيأتي بيان ذلك
في («باب مَن حَبَسَه العُذر)) (٢٨٣٩).
قوله: ((أُقتَلُ في سبيل الله)) استَشكَلَ بعض الشُّرّاح صدورُ هذا التمنِّي من النبي ◌ِِّ مع
علمه بأنَّه لا يُقتَل.
وأجاب ابن التِّين بأنَّ ذلك لعلَّه كان قبل نزول قوله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ يَعْضِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾
[المائدة: ٦٧] وهو مُتعقّبٌ، فإنَّ نزولها كان في أوائل ما قَدِمَ المدينة، وهذا الحديث صَرَّحَ أبو
هريرة بأنَّه سمعَه من النبي ◌َّهِ، وإنَّما قَدِمَ أبو هريرة في أوائل سنة سبع من الهجرة، والذي
يَظهَر في الجواب أنَّ تَنِّي الفضل والخير لا يستلزم الوقوعَ، فقد قال ◌َّ: ((وَدِدتُ لو أنَّ
موسى صَبَرَ)) كما سيأتي في مكانه (٣٤٠١)، وسيأتي في كتاب التمنِّي (٧٢٢٦ و٧٢٢٧)
نظائرُ لذلك، وكأنَّه ◌َلِّ أراد المبالَغة في بيان فضل الجهاد وتحريض المسلمين عليه، قال ابن
التِّين: وهذا أشبه.
وحكى شيخنا ابن الملقِّن: أنَّ بعض الناس زَعَمَ أنَّ قوله: ((ولَوَدِدتُ)) مُدرَج من كلام
أبي هريرة، قال: وهو بعید.
قال النَّوَوي: في هذا الحديث الحَضُّ على حُسْنِ النِّية، وبيان شِدَّة شَفَقة النبيِوََّ على
أمَّته ورأفته بهم واستحباب طلب القتل في سبيل الله، وجواز قول: وَدِدتُ حصولَ كذا من
الخير، وإن عَلِمَ أنَّه لا يَحِصُل.

٣٣
باب ٧-٨ / ح ٢٧٩٨
كتاب الجهاد
وفيه تركُ بعض المصالح لمصلحةٍ راجحة أو أرجَحَ أو لدفع مَفْسَدة.
وفيه جواز تَمنِّي ما يمتنع في العادة، والسَّعي في إزالة المكروه عن المسلمين.
وفيه أنَّ الجهاد على الكفاية، إذ لو كان على الأعيان ما تَخَلَّفَ عنه أحد. قلت: وفيه
نظرٌّ، لأنَّ الخِطاب إِنَّمَا يَتَوجَّه للقادر، وأمَّا العاجزُ فمَعذُور، وقد قال سبحانه: ﴿غَيْرٌ أُوْلِ
الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥]، وأدلَّة كَوْن الجهاد فرضَ كفايةٍ تُؤخَذ من غير هذا، وسيأتي البحث
فيه في ((باب وجوب النَّفير)) (٢٨٢٥) إن شاء الله تعالى.
٢٧٩٨- حدَّثنا يوسفُ بنُ يعقوبَ الصَّفّارُ، حدَّثنا إسماعيلُ ابنُ عُليَّةَ، عن أيوبَ، عن
مُميدِ بنِ هلالٍ، عن أنسِ بنِ مالكٍ ﴾ قال: خَطَبَ النبيُّ ◌َ﴿ فقال: «أَخَذَ الرّايةَ زيدٌ فَأُصِيبَ،
ثُمَّ أَخَذَها جعفرٌ فَأَصِيبَ، ثمَّ أَخَذَها عبدُ الله بنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ، ثمَّ أَخَذَها خالدُ بنُ الوليدِ
عن غيرِ إِمْرةٍ فَفُتِحَ له))، وقال: ((ما يَسُّنا أنَّهم عندَنا)) - قال أيوبُ: أو قال: ((ما يَسُّهم أنَّهم
عندَنا)) - وعيناه تَذْرِفانٍ.
قوله: ((حدَّثنا يوسف بن يعقوب الصَّفّار)) بالمهملة وتشدید الفاء، کوفي ثقة يُگنی أبا
يعقوب، لم يُرِّج عنه البخاري سوى هذا الحديث، ورجال الإسناد من شيخه إسماعيل
ابن عُليَّة فصاعداً بصريُّون، وسيأتي شرح المتن في غزوة مُؤْتة من كتاب المغازي (٤٢٦٢).
ووجه دخوله في هذه التَّرجمة من قوله: ((ما يَسُرُّهم أنَّهم عندنا)) أي: لمَا رأوا من
الكَرامة بالشَّهادة، فلا يُعجِبهم أن يعودوا إلى الدُّنيا كما كانوا من غير أن يُستَشهدوا مرَّة
أُخرى، وبهذا التَّقرير يَحصُل الجمعُ بين حديثَي الباب، ودليل ما ذكرتُه من الاستثناء ما
سيأتي بعد أبواب من حديث أنس أيضاً (٢٨١٧) مرفوعاً: ((ما أحدٌ يَدخُلِ الجنَّةَ يُحِبّ أن
يَرجِعَ إلى الدُّنيا إِلَّ الشَّهيد)) الحديث.
٨- باب فضل من يُصرَع في سبيل الله فمات فهو منهم
وقولِ ◌َّز وجلَّ: ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ، مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ يُدْرِكَهُ أُلْوَّتُ فَقَدٌ وَقَعَ
أَجْرُهُ عَلَى اللّهِ﴾ [النساء: ١٠٠] وَقَعَ: وَجَبَ.

٣٤
باب ٨ / ح ٢٧٩٩ - ٢٨٠٠
فتح الباري بشرح البخاري
١٨/٦
٢٨٠٠،٢٧٩٩ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: حدَّثني اللَّيثُ، حدَّثنا يحيى، عن محمَّدٍ
ابنِ يحيى بنِ حَبّانَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، عن خالَتِهِ أمِّ حَرَام بنت مِلْحانَ قالت: نامَ النبيَُّهُ
يوماً قريباً منّي، ثمّ استَقَظَ يَتَسَّمُ، فقلتُ: ما أضحَكَكَ؟ قال: ((أُناسٌّ من أمَّتي عُرِضوا عليَّ
يَرْكَبونَ هذا البحرَ الأخضَرَ كالملوكِ على الأسِرَّة» قالت: فادعُ اللهَ أن يجعلني منهم، فدَعَا لها،
ثَّ نامَ الثَّانِيَةَ فَفَعَلَ مِثْلَها فقالت مِثلَ قولها، فأجابها مِثْلَها، فقالت: ادْعُ الله أن يجعلني منهم
فقال: ((أنتِ مِن الأوَّلِينَ)). فخَرَجَت مع زوجِها عُبادةَ بنِ الصَّامتِ غازياً أوَّلَ ما رَكِبَ
المسلمونَ البحرَ مع معاويةً، فلمَّ انصَرَفوا من غَزْوِهم قافِينَ فَتَزَلوا الشَّامَ، فَقُرَّبَت إليها دابّةٌ
لتَرْكَبَها فصَرَعَنْها فماتتْ.
قوله: ((باب فضل مَن يُصرَع في سبيل الله فمات فهو منهم)) أي: من المجاهدين، و((مَن))
موصولة، وكأنَّه ضمَّنَها معنى الشَّرط فعَطَفَ عليها بالفاءِ وعَطَفَ الفعلَ الماضي على
المستَقبَل وهو قليل، وكان نَسَقُ الكلام أن يقول: مَن صُرِعَ فمات، أو مَن يُصرَع فيموت،
وقد سقط لفظ ((فمات)) من رواية النَّسَفي.
قوله: ((وقول الله عزَّ وجلّ: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ، مُهَاجِرًا﴾ الآية)) أي: يَحَصُل الثَّواب
بقَصدِ الجهاد إذا خَلَصَتِ النِّية فحالَ بين القاصد وبين الفعل مانعٌ، فإنَّ قوله: ﴿ثُمَّ يُدْرِكُهُ
اٌلْوَّتُ﴾ أعمُّ من أن يكون بقتلٍ أو وقوع من دابَّته وغير ذلك، فتُناسب الآيةُ التَّرجمةَ.
وقد روى الطَّبَري (٢٣٨/٥ و٢٣٩) من طريق سعيد بن جُبَير والسُّدّي وغيرهما: أنَّ
الآية نزلت في رجل كان مسلماً مقيماً بمكَّة، فلمَّا سمع قولَه تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَسِعَةً
فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا﴾ [النساء: ٩٧] قال لأهله وهو مريض: أُخرِ جوني إلى چِهَة المدینة، فأخرجُوه فمات
في الطَّريق، فنزلت، واسمه ضَمْرة على الصحيح، وقد أوضحتُ ذلك في كتابي في
((الصحابة)).
قوله: ((وَقَعَ: وَجَبَ)) ليس هذا في رواية المُستَمْلِي وثَبَتَ لغيره، وهو تفسير أبي عُبيدة
في ((المجاز)) قال: قوله: ﴿فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ، عَلَى اللَّهِ﴾ أي: وَجَبَ ثوابُه.

٣٥
باب ٩ / ح ٢٨٠١
كتاب الجهاد
ثم ذكر المصنف حديث أمّ حَرَام وقد تقدَّم قريباً (٢٧٨٨ و٢٧٨٩) أنَّ شرحه سيأتي في
كتاب الاستئذان (٦٢٨٢)، والشّاهد منه قوله فيه: «فقُرِّبَت إليها دابَّة لتَركَبَها فصَرَعَتها
فماتت))، مع دعاء النبي ◌َّ لها أن تكون من الأوَّلينَ، وأنَّهم كالملوكِ على الأسِرَّة في الجنَّة.
وقوله في الرِّواية الماضية: ((فصُرِعَت عن دابَّتها)) لا يعارض قوله في هذه الرِّواية: ((فقُرِّبَت
لِتَركَبها فصَرَعَتها)) لأنَّ التقدير: فقُرِّبَت إليها دابَّة لتَركَبَها فَرَكِبَتها فصَرَ عَتها.
قال ابن بَطَّال: وروى ابن وَهْب من حديث عُقْبَةَ بن عامر مرفوعاً: ((مَن صُرِعَ عن
دابَّته في سبيل الله فمات فهو شهيد))، فكأنّه لمَّا لم يكن على شرط البخاري أشارَ إليه في
التَّرجمة. قلت: هو عند الطبراني (١٧ / ٨٩٢) وإسناده حسن.
قال: وفي حديث أمّ حَرَام أنَّ حُكْم الرّاجع من الغَزْو حكم الذّاهب إليه في الثَّواب.
ويحيى المذكور في هذا الإسناد: هو ابن سعيد الأنصاري، وفي الإسناد تابعيَّانِ: هو
وشیخه، وصحابيَّانِ: أنس وخالته.
وقوله فیه: «أوَّل ما رَكِبَ المسلمونَ البحر مع معاویة)» کان ذلك في سنة ثمانٍ وعشرين
في خلافة عثمان.
٩- باب مَن يُنگَب في سبيل الله
٢٨٠١ - حدَّثنا حفصُ بنُ عمرُ الحوضِيُّ، حدَّثنا هنَّامٌ، عن إسحاقَ، عن أنسٍ ﴾ قال:
بَعَثَ / النبيُّ ◌َ لّهِ أقواماً من بني سُلَيم إلى بني عامرٍ في سبعينَ، فلمَّا قَدِمُوا قال لهم خالي: ١٩/٦
أنقدَّمُكم، فإن أمَّنوني حتَّى أَبلِّغَهم عن رسولِ الله ◌ِّهِ وإلا كنتُم مِّي قريباً، فتقدَّم فأمَّنُوه، فبينما
يُحدِّثُهم عن النبيِّ وَِّ إِذْ أَومَؤُوا إلى رجلٍ منهم، فَطَعَنَه فأنفَذَه، فقال: اللهُ أكبرُ، فُزْتُ ورِبِّ
الكَعْبة. ثمَّ مالُوا على بقيّةٍ أصحابِهِ فقَتَلُوهم إلا رجلٌ أعرَجُ صَعِدَ الجبلَ - قال همَّامٌ: وَأُراهُ آخرَ
معه - فَأَخَبَرَ جِبْيلُ عليه السلام النبيَّ وَّهِأَنَّهم قد لَقُوا رَبّهم فَرَضِيَ عنهم وأرضاهم، فكنَّا نَقْراً
أن بَلِّغوا قومَنا أن قد لَفِينا ربَّنا فرَضِيَ عنَّا وأرضانا، ثمَّ نُسِخَ بعدُ، فَدَعَا عليهم أربعينَ صباحاً،
على رِعْلٍ وذَكْوانَ وبني لِحْيانَ وبني عُصَيَّةَ الذين عَصَوا اللهَ ورسولَه وَله.

٣٦
باب ٩ / ح ٢٨٠١ - ٢٨٠٢
فتح الباري بشرح البخاري
٢٨٠٢- حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا أبو عَوَانَةَ، عن الأسوَدِ - هو ابنُ قيسٍ - عن
جُنْدُبٍ بنِ سفيانَ: أنَّ رسولَ الله ◌َلاَ كان في بعضِ المشاهدِ وقد دَمِیَت إصبَعُه فقال:
((هلْ أنتِ إلا إصبَعٌ دَمِيتِ وفي سبيلِ الله ما لَقِيتِ)).
[ طرفه في: ٦١٤٦]
قوله: ((باب مَن يُنكَب)) بضمِّ أوَّله وسكون النُّون وفتح الكاف بعدها موحّدة،
والنَّكْبة: أن يصيب العُضْو شيء فيُدْمِيه، والمراد بيان فضل مَن وقع له ذلك في سبيل الله.
ثمَّ ذکر فیه حدیثین:
أحدهما: حديث أنس في قصَّة قتل خاله، وهو حَرَام بن مِلْحان، وسيأتي شرحه في
كتاب المغازي في غزوة بئر مَعُونة (٤٠٩١).
وقوله فيه: ((عن إسحاق)) هو ابن عبد الله بن أبي طلحة.
قوله: «بَعَثَ النبيُّ ◌َّهِ أقواماً من بني سُلَيم إلى بني عامر)) قال الدِّمياطي: هو وهمٌ، فإنَّ
بني سُلَيم مبعوثٌ إليهم، والمبعوث هم القُرّاء وهم من الأنصار.
قلت: التحقيق أنَّ المبعوث إليهم بنو عامر، وأمَّا بنو سُلَيم فغَدَروا بالقُرّاءِ المذكورينَ،
والوَهْم في هذا السِّياق من حفص بن عمر شيخ البخاري، فقد أخرجه هو في المغازي
(٤٠٩١) عن موسى بن إسماعيل عن همَّام فقال: بَعَثَ أخاً لأمّ سُلَيم في سبعينَ راكباً،
وكان رئيسُ المشركينَ عامر بن الطُّفَيل ... الحديث، ويأتي شرحه مُستَوَلَى هناك، فلعلَّ
الأصل: ((بَعَثَ أقواماً معهم أخو أمّ سُلَيم إلى بني عامر)) فصارت: من بني سُلَيم.
وقد تَكلَّفَ لتأويلِه بعضُ الشُّرّاح فقال: يُجُمَل على أنَّ ((أقواماً) منصوب بنزع
الخافض، أي: بَعَثَ إلى أقوام من بني سُلَيم مُنضمّينَ إلى بني عامر، وحُذِفَ مفعول ((بَعَثَ))
اكتِفاءَ بصفة المفعول عنه، أو ((في)) زائدة، ويكون ((سبعينَ)) مفعول ((بَعَثَ))، ويحتمل أن
تكون ((مِن)) ليست بيانية بل ابتدائية، أي: بَعَثَ أقواماً، ولم يَصِفهم، من بني سُلَيم، أي:
من جِهَة بني سُلَيم. انتهى، وهذا أقرَبُ من التَّوجيه الأوَّل، ولا يخفى ما فيهما من التكلُّف.

٣٧
باب ١٠ / ح ٢٨٠٣
كتاب الجهاد
وقوله في آخر الحديث: ((على رِعْل)) بكسر الرّاء وسكون المهمَلة بعدها لام: هم بطنٌ
من بني سُلَيم، وكذا بعض مَن ذُكِرَ معهم، وسيأتي الحديث في أواخر الجهاد (٣٠٦٤): أنَّه
دَعَا على أحياءٍ من بني سُلَيم حيثُ قتلوا القُرّاء، وهو أصرحُ في المقصود.
ثانيهما: حديث جُندُبٍ، وسيأتي الكلام عليه في ((باب ما يجوز من الشِّعر)) من كتاب
الأدب (٦١٤٦)، ووقع فيه بلفظ: ((نُكِبَت إصبعُه))(١)، وهو الموافق للتَّرجمة، وكأنَّه أشارَ
فيها إلى حديث معاذ الذي أُشير إليه في الباب الذي يليه.
وفي الباب ما أخرجه أبو داود (٢٤٩٩) والحاكم (٧٨/٢ -٧٩) والطبراني (٣٤١٨) من
حديث أبي مالك الأشعَري مرفوعاً: ((مَن وَقَصَه فرسُه أو بعيرُه في سبيل الله، أو لَدَغَته
هامَّةٌ، أو مات على أيِّ حَتْف شاءَ الله، فهو شهيد))(٢).
١٠ - باب من يُجرَح في سبيل الله عزَّ وجلَّ
٢٠/٦
٢٨٠٣- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن أبي الزِّناد، عن الأعرَجِ، عن أبي
هريرةَ ﴾، أنَّ رسولَ الله ◌ِ ◌َّ قال: ((والذي نفسي بيده، لا يُكلَمُ أحدٌ في سبيلِ الله - والله أعلمُ
بِمَن يُكلَمُ في سبيلِه - إلا جاءَ يومَ القيامةِ واللَّوْنُ لونُ الدَّمِ، والرِّيحُ رِيحُ المِسْكِ)).
قوله: ((باب مَن يُجرَح في سبيل الله)) أي: فضلُه.
قوله: ((لا يُكلَم)) بضمِّ أوَّله وسكون الكاف وفتح اللّام، أي: يُجُرَح.
قوله: ((أحدٌ)) قَيَّدَه في رواية همَّام عن أبي هريرة بالمسلم(٣).
قوله: ((والله أعلم بمَن يُكلَم في سبيله)) جُملة مُعتَرِضة قَصَدَ بها التَّنبيه على شرطيَّة
الإخلاص في نَيْل هذا الثَّواب.
(١) هذا ليس لفظ البخاري، وإنما هو لفظ مسلم في ((صحيحه)) برقم (١٧٩٦) (١١٣)، وأما لفظ البخاري
فهو موافق لرواية الباب هنا.
(٢) وإسناده ضعيف.
(٣) سلفت هذه الرواية في كتاب الطهارة برقم (٢٣٧).

٣٨
باب ١٠ / ح ٢٨٠٣
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((إلَّا جاء يومَ القيامة واللَّوْنُ لون الدَّم)) في رواية همَّام عن أبي هريرة الماضية في
كتاب الطَّهارة (٢٣٧): ((تكون يوم القيامة كَهَيئَتِها إذا طُعِنَت تَفَجَّرُ دماً)).
قوله: ((والرِّيح ريح المِسْك)) في رواية هَمَّام: ((والعَرْف)) بفتح المهمَلة وسكون الرّاء
بعدها فاءٌ: وهو الرّائحة، ولأصحاب السُّنَن(١)، وصحَّحه التِّرمِذي (١٦٥٧) وابن حِبّان
(٣١٨٥ و٣١٩١) والحاكم(٢) من حديث معاذ بن جبل: «مَن جُرِحَ جُرحاً في سبيل الله أو
نُكِبَ نَكْبة، فإنَّها تجيءُ يومَ القيامة كأغزَرِ ما كانت، لونها الزَّعفَرانُ وريحها المِسك))،
وعُرِفَ بهذه الزِّيادة أنَّ الصِّفة المذكورة لا تَخْتَصّ بالشَّهيد، بل هي حاصلة لكلِّ مَن جُرِعَ،
ويحتمل أن يكون المراد بهذا الجُرح: هو ما يموت صاحبُهُ بسبِهِ قبل اندِماله لا ما يَندَمِل في
الدُّنيا، فإنَّ أثر الجِراحة وسَيَلان الدَّم يزول، ولا ينفي ذلك أن يكون له فضلٌ في الجملة،
لكنَّ الظّاهر أنَّ الذي يجيء يومَ القيامة وجُرحه يَثْعَبُ دماً))، مَن فارَقَ الدُّنيا وجرحُه
كذلك، ويُؤْيِّده ما وقع عند ابن حِبّان في حديث معاذ المذكور: ((عليه طابَعُ الشُّهَداء)).
وقوله: ((كأغزَرِ ما كانت)) لا يُنافي قوله: ((كهَيئَتِها)»، لأنَّ المراد بها لا يَنقُص شيئاً
بطول العهد.
قال العلماء: الحِكْمة في بَعْثه كذلك، أن يكون معه شاهدُ فضيلتِهِ ببَذْلِه نفسَه في طاعة
الله تعالى.
واستُدِلَّ بهذا الحديث على أنَّ الشَّهيد يُدفَن بدمائه وثيابه ولا يُزالُ عنه الدَّم بغسلٍ ولا
غيره، ليجيءَ يوم القيامة كما وَصَفَ النبي ◌َّه. وفيه نظرٌ لأنَّه لا يَلزَم من غَسْل الدَّم في
الدُّنيا أن لا يُبعَث كذلك، ويُغني عن الاستدلال لتَركِ غُسل الشَّهيد في هذا الحديث قوله
وَ فِي شُهَداء أُحد: ((زَمَّلُوهم بدمائهم)) كما سيأتي بسطه في مكانه إن شاء الله تعالى(٣).
(١) أخرجه أبو داود (٢٥٤١)، والنسائي (٣١٤١).
(٢) لم يخرج الحاكم في ((مستدركه)) هذه القطعة من حديث معاذٍ، وإنما أخرج فيه ٢ / ٧٧ قطعة أخرى منه.
(٣) بل سلف في كتاب الجنائر ((باب من لم ير غسل الشهداء)) عند حديث جابر بن عبد الله برقم (١٣٤٦).

٣٩
باب ١١ / ح ٢٨٠٤
كتاب الجهاد
١١ - باب قولِ الله تعالى: ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾
والحربُ سِجَالٌ
٢٨٠٤ - حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيْثُ، قال: حذَّثني يونسُ، عن ابنِ شِهابٍ، عن
عُبيدِ الله بنِ عبدِ الله، أنَّ عبدَ الله بنَ عبَّاسٍ أخبَرَه، أنَّ أبا سفيانَ أخبَرَه، أنَّ هِرَقْلَ قال له:
سألتُكَ كيفَ كان قتالُكُم إيّاه؟ فَزَعَمْتَ أنَّ الحربَ بينكم سِجَالٌ أو دُوَلٌ، فكذلكَ الرُّسُلُ
تُبَلَى ثمَّ تكونُ لهم العاقبةُ.
قوله: ((باب قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَّا إِلَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة:
٥٢])) سيأتي في تفسير ((براءة))(١) تفسير/ ﴿إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ بأنَّه الفتح أو الشهادة، وبه ٢١/٦
تَتَبَيَّن مُناسَبة قول المصنِّف بعد هذا: ((والحرب سِجَال)) وهو بكسر المهمَلة وتخفيف
الجيم، أي: تارةً وتارةً، ففي غَلَبة المسلمين يكون لهم الفتح، وفي غَلَبة المشركينَ يكون
للمسلمين الشَّهادة.
ثم أورَدَ المصنّف طرفاً من حديث أبي سفيان في قصَّة هِرَقل، وقد تقدَّم شرحه في كتاب
بَدْء الوحي (٧)، والغَرَض منه قوله فيه: «فَزَعَمتَ أنَّ الحرب بينكم سِجَال أو دُوَل)).
وقال ابن المنيِرِ: التحقيقُ أنَّه ما ساقَ حديث هِرَقل إلَّا لقوله: ((وكذلك الرُّسُل تُبتَلى ثمَّ
تكون لهم العاقبة))، قال: فبِذلك يَتَحقَّق أنَّ لهم إحدى الحُسنَيين، إن انتَصَروا فلهم العاجلة
والعاقبة، وإن انتَصَرَ عدُّهم فللُّسُلِ العاقبة. انتهى.
وهذا لا يستلزم نفي التقدير الأوَّل ولا يعارضه، بل الذي يَظهَر أنَّ الأوَّل أَولى، لأنَّه
من نَقْل أبي سفيان عن حال النبي ◌َِّ، وأمَّا الآخر فمن قول هِرَقل مُستَنِداً فيه إلى ما تَلَقَّفَه
من الكتب.
نُكْتة: أفادَ القَزّاز أنَّ دال ((دُوَل)) مثلَّثة.
(١) بل في سورة آل عمران: باب قوله: ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِيَ أُخْرَانِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٣] قبل الحديث
(٤٥٦١).

٤٠
باب ١٢ / ح ٢٨٠٥ - ٢٨٠٦
فتح الباري بشرح البخاري
١٢ - باب قولِ الله تعالى: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهٍ
فَمِنْهُم مَن قَضَى نَحْبَهُ، وَمِنْهُمْ مَن يَنْتَظِرٌ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلًا ﴾
٢٨٠٥ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ سعيدِ الخُزَاعِيُّ، حدَّثنا عبدُ الأعلى، عن مُميدٍ قال: سألتُ أنساً.
قال: وحدَّثني عَمرُو بِنُ زُرَارةَ، حدَّثنا زيادٌ، قال: حدَّثني مُميدٌ الطَّوِيلُ، عن أنسِ لَّه قال:
غابَ عمّي أنسُ بنُ النَّضْرِ عن قتالِ بدرٍ فقال: يا رسولَ الله، غِبتُ عن أوَّلِ قتالٍ قاتَلْتَ
المشركينَ، لَئِنِ اللهُ أَشْهَدَني قتالَ المشركينَ لَيَرَيَنَّ اللهُ ما أصنَعُ. فلمَّا كان يومُ أُحدٍ وانكَشَفَ
المسلمونَ قال: اللهمَّ إنّي أَعتَذِرُ إليكَ ممَّا صَنَعَ هؤلاءِ - يعني أصحابَه - وأبْرَأُ إليكَ ممَّا صَنَعَ
هؤلاءِ . يعني المشركينَ - ثمَّ تقدَّم فاستَقْبَلَه سعدُ بنُ معاذٍ فقال: يا سعدُ بنَ معاذٍ، الجنَّةَ وربِّ
النَّضْرِ، إنّ أَجِدُ رِيحَها من دونٍ أُحدٍ، قال سعدٌ: فما استطعتُ يا رسولَ الله ما صَنَعَ. قال أنسٍّ:
فَوَجَدْنا به بِضْعاً وثمانينَ ضَرْبةً بالسَّيفِ، أو طَعْنَةً بُرُمْحٍ، أو رَمْيَةً بسَهْمٍ، ووَجَدْناه قد قُتِلَ وقد
مثَّل به المشركونَ، فما عَرَفَه أحدٌ إلا أُختُه بِبَنَانِهِ.
قال أنس: كنَّا نُرَى - أو نَظُنُّ - أنَّ هذه الآيةَ نزلت فيه وفي أشباهِه: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ
صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ إلى آخرِ الآية [الأحزاب: ٢٣].
[طرفاه في: ٤٠٤٨، ٤٧٨٣]
٢٨٠٦- وقال: إنَّ أُختَه - وهي تُسمَّى الزُّبَيِّعَ - كَسَرَت ثَنِيَّةَ امرأةٍ فأمَرَ رسولُ اللهِ وَهُ
بالقِصاص، فقال أنسُ: يا رسولَ الله، والذي بَعَثَكَ بالحقِّ لا تُكْسَرُ ثَنيُّها، فَرَضوا بالأرشِ
وتَرَكوا القِصاصَ، فقال رسولُ الله ◌َّ: ((إنَّ من عباد الله مَن لو أقسَمَ على الله لأبَّه).
٢٢/٦
قوله: ((باب قول الله عزَّ وجلّ: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ ﴾ الآية))
المراد بالمعاهدة المذكورة ما تقدَّم ذِكْره من قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كَانُواْ عَهَدُواْ اللَّهَ مِن قَبْلُ لَا
يُوَلُونَ آلْأَدْبَرَ ﴾ [الأحزاب: ١٥] وكان ذلك أوَّلَ ما خرجوا إلى أُحد، وهذا قول ابن إسحاق،
وقيل: ما وقع ليلة العَقَبة من الأنصار إذ بايعوا النبيَّ نَّ أَن يُؤْؤُه ويَنصُرُوه ويمنعُوه،
والأوَّل أَولى.