النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١ ٩٨ - كتاب التوحيد / باب (٣٩) فِي يَدَيْكَ! فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُون: وما لَنا لا نَرْضُى - يا رَبِّ - وقَدْ أَعْطَيْتَنا ما لَمْ تُعْطِ أَحَداً مِنْ خَلْقِكَ؟ فَيَقُولُ: ألا أُعْطِيَكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذُلِكَ؟ فَيَقُولُونَ: يا رَبِّ وأيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذُلِكَ؟ فَيقولُ: أُحِلْ عَلَيْكُمْ رُضِوَانِ فَلاَ أسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدا)). [انظر الحديث ٦٥٤٩]. مطابقته للترجمة ظاهرة. ويحيى بن سلميان أبو سعيد الجعفي الكوفي سكن مصر وسمع عبد الله بن وهب. والحديث مضى في: باب صفة الجنة عن معاذ بن أسد، ومضى الكلام فيه. قوله: ((والخير في يديك)) قيل: الشر أيضاً في يديه، لأنه لا مؤثر إلاَّ الله. وأجيب: بأنه خصصه رعاية للأدب والكل بالنسبة إليه تعالى خير، وكذا قوله: ((بيدك الخير)). قيل: ظاهر الحديث أن اللقاء أفضل من الرضا. وأجيب بأنه لم يقل: أفضل من كل شيء، بل أفضل من الإعطاء، فجاز أن يكون اللقاء أفضل من الرضا وهو من الإعطاء، أو اللقاء مستلزم للرضا، فهو من باب إطلاق اللازم وإرادة الملزوم، وقيل: الحكمة في ذكر دوام رضاه بعد الاستقرار لأنه لو أخبر به قبل الاستقرار لكان خيراً من علم اليقين، فأخبر به بعد الاستقرار ليكون من باب عين اليقين. قوله: ((فلا أسخط عليكم بعده أبداً) فيه أن الله تعالى إن - سخط على أهل الجنة لأنه من متفضل عليهم بالإنعامات كلها سواء كانت دنيوية أو أخروية، وكيف لا والعمل المتناهي لا يقتضي إلا الجزاء المتناهي، وفي الجملة لا يجب على الله شيء. ٧٥١٩/١٤٨ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ سِنان، حدّثنا فُلَيْحٌ، حدثنا هِلالٌ، عنْ عَطاءِ بنِ يَسارٍ عنْ أبي هُرَيْرَةَ أنَّ النبيَّ وَِّ كان يَوْماً يُحَدِّثُ، وعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ أهْلِ البادِيةِ: ((أنَّ رَجُلاً مِنْ أهْلِ الجَنّةِ اسْتَأْذَنَّ رَبَّهُ في الزَّرْعِ، فقال لهُ: أوَ لَسْتَ فِيمَا شِئْتَ؟ قال: بَلْى ولكِنْ أُحِبُ أنْ أَزْرَعَ، فأسْرَعَ وبَذَرَ، فَتَبادَرَ الطَّرْفَ نَباتُهُ واسْتِواؤُهُ واسْتِخْصَادُهُ وَتَكْوِيرُهُ أمْثَالَ الچِبالِ، فَيَقُولُ الله تعالى: دُونَكَ يا ابنَ آدَمَ! فإنَّهُ لا يُشْبِعُكَ شَيْءٌ)) . فقال الأغرابِيُّ: يا رسولَ الله! لا تَجِدُ هُذا إلاّ قُرَشِيّاً أوْ أنْصارِيّاً، فإنَّهُمْ أصحابُ زَرْعٍ، فَأَمَّا نَحْنُ فَلَسْنا بِأصْحابٍ زَزعٍ. فَضَحِكَ رسولُ اللهِ وَّرِ. [انظر الحديث ٢٣٤٨]. مطابقته للترجمة ظاهرة. ومحمد بن سنان بكسر السين المهملة وتخفيف النون الأولى، وفليح - مصغراً - ابن سليمان، وقد مر غير مرة، وهلال هو ابن علي، وعطاء ابن يسار - ضد اليمين. ومضى الحديث في كتاب المزارعة في باب مجرد عقيب: باب كراء الأرض بالذهب. ٢٦٢ ٩٨ - كتاب التوحيد / باب (٤٠) قوله: ((وعنده)) الواو فيه للحال. قوله: ((أن رجلاً) هو مفعول: يحدث. قوله: ((أو لست))؟ الهمزة فيه للاستفهام، والواو للعطف أي: أو ما رضيت بما أنت فيه من النعم؟ قوله: ((فتبادر الطرف)) بالنصب. وقوله: ((نباته)) بالرفع فاعل: تبادر، يعني: نبت قبل طرفة عين واستوى واستحصد. قوله: ((وتكويره)) أي: جمعه كما في البيدر. قوله: (دونك)) أي: خذه. قوله: ((فإنه لا يشبعك شيء)» من الإشباع كذا في رواية الأكثرين، وفي رواية المستملي: لا يسعك، من الوسع قبل: قوله تعالى: ﴿إِنَّ لَّكَ أَلَّا تَّجُعَ فِيَهَا وَلَا تَعْرَى﴾ [طه: ١١٨] معارض لهذا. وأجيب: بأن نفي الشبع لا ينافي الجوع لأن بينهما واسطة وهي الكفاية. قيل: ينبغي أن لا يشبع لأن الشبع يمنع طول الأكل المستلذ منه مدة الشبع، والمقصود منه بيان حرصه وترك القناعة كأنه قال: لا يشبع عينك شيء. ويقال: واختلف في الشبع في الجنة، والصواب: أن لا يشبع فيها، إذ لو كان لمنع دوام الأكل المستلذ وأكل أهل الجنة لا عن جوع فيها. قوله: ((فقال الأعرابي)) مفرد الأعراب. قاله الكرماني، وفيه تأمل، والأعراب . جنس من العرب يسكنون البوادي لا زرع لهم ولا استنبات. ٤٠ - بابُ ذِكْرِ الله بالأمْرِ وذِكْرِ العِبادِ بالدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ والرَّسالَةِ والإِبْلاَغِ أي: هذا باب في ذكر الله تعالى لعباده يكون بأمره لهم بعبادته والتزام طاعته، ويكون مع رحمته لهم وإنعامه عليهم إذا أطاعوه أو بعذابه إذا عصوه. قوله: وذكر العباد له بأن يدعوه ويتضرعوا له ويبلغوا رسالته إلى الخلائق يعني: المراد بذكرهم الكمال لأنفسهم والتكميل للغير، وقيل: الباء في قوله: ((بالأمر))، بمعنى: مع. قوله: ((والإبلاغ))، هذا هكذا في رواية غير الكشميهني وفي روايته: والبلاغ. لِقَوْلِهِ تعالى: ﴿فَذَكُونِيِّ أَذْكُرَكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] ﴿وَأَثْلُ عَلَيْهِمْ نَبَّأَ نُوجِ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ، يَقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُرُ مَّقَامِى وَتَذْكِيرِى بِشَايَتِ الَّهِ فَعَلَى اَللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَ كُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُّكُمْ عَلَيْكُنْ غُمَّةُ ثُمَّ أَقْضُوْاْ إِلَىَّ وَلَا نُظِرُونِ ﴿ فَإِن تَوَلَيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اَللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٧١ - ٧٢]. احتج البخاري بقوله تعالى: ﴿فَذْكُرُونِيِّ أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] أن العبد إذا ذكر الله بالطاعة يذكره الله عز وجل بالرحمة والمغفرة. وعن ابن عباس، في هذه الآية: إذا ذكر العبد ربه وهو على طاعته ذكره برحمته، وإذا ذكره وهو على معصيته ذكره بلعنته. وذكر المفسرون فيها معاني كثيرة ليس هذا الموضع محل ذكرها. قوله: ﴿وَقْلُ عَلَيْهِمْ نَبَّأَ نُوحٍ﴾ قال ابن بطال: أشار إلى أن الله تعالى ذكر نوحاً، عليه السلام، بما بلغ به من أمره وذكر بآيات ربه، وكذلك فرض على كل نبي تبليغ ٢٦٣ ٩٨ - كتاب التوحيد / باب (٤٠) كتابه وشريعته. وقال المفسرون: أي يا محمد اقرأ على المشركين خبر نوح أي: قصته، وفيه دليل على نبوته حيث أخبر عن قصص الأنبياء، عليهم السلام، ولم يكن يقرأ الكتب. قوله: ﴿إِذْ قَالَ﴾ أي: حين قال لقومه: ﴿إِن كَانَ كَبِّرَ﴾ أي عظم وثقل وشق ﴿عَلَيْكُمْ مَقَامِى﴾ أي مكثي بين أظهركم. وقال الفراء: المقام بضم الميم الإقامة وبفتحها الموضع الذي يقوم فيه. قوله: ﴿ وَتَذْكِيرِى بِئَايَتِ اللَّهِ﴾ أي: عظتي وتخويفي إياكم عقوبة الله. قوله: ﴿فَعَلَ اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ جواب الشرط، وكان متوكلاً على الله في كل حال، ولكن بين أنه متوكل في هذا على الخصوص ليعلم قومه أن الله تعالى يكفيه أمرهم أي: إن لم تنصروني فإني أتوكل على من ينصرني. قوله: ﴿فَأَجِعُواْ أَنَّكُمْ﴾ من الإجماع وهو الإعداد والعزيمة على الأمر. قوله: ﴿وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ أي: وأمر شركائكم، أقام المضاف إليه مقام المضاف. قوله: ﴿غُنَّةٌ﴾ يأتي تفسيره الآن. قوله: ﴿ثُمَّ أَقْضُواْ إلَىَ﴾ أي: ما في نفوسكم من مكروه ما تريدون. قوله: ﴿وَلَا تُظِرُونٍ﴾ أي: ولا تمهلون. قوله: ﴿فَإِن تَوَلَيْتُمْ﴾ أي: أعرضتم عن الإيمان ﴿فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ﴾ يعني: لم يكن دعائي إياكم طمعاً في مالكم. قوله: ﴿إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ أي: ما أجري وثوابي إلاَّ على الله. قوله: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ أي: أن أنقاد لما أمرت به فلا يضرني كفركم وإنما يضركم. غُمَّةٌ: هَمِّ وضِيقٌ. فسر الغمة المذكورة في الآية بالهم والضيق، يقال: القوم في غمة إذا غطى عليهم أمرهم والتبس، ومنه: غم الهلال أي: غشيه ما غطاه، وأصله مشتق من الغمامة. قال مُجاهِدٌ: إليَّ ما في أنْفُسِكُمْ، يُقالُ اقْرُقِ اقْضٍ. أشار بهذا إلى تفسير مجاهد. قوله: ((ثم اقضوا إليّ ما في أنفسكم)) من إهلاكي أ. ونحوه من سائر الشرور، ووصل الفريابي هذا في تفسيره عن ورقاء بن عمر عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَقْضُواْ إِلَىَّ وَلَا تُنظِرُونِ﴾ [يونس: ٧١] اقضوا إليّ مافي أنفسكم. وحكى ابن التين ﴿أَقْضُوّأْ إِلَّ﴾ افعلوا ما بدا لكم. وقال غيره: أظهروا الأمر وميزوه بحيث لا تبقى شبهة، ثم اقضوا بما شئتم من قتل أو غيره من غير إمهال. قوله: ((يقال: افرق اقض))، قيل: هذا ليس من كلام مجاهد بدليل قوله: يقال، ويؤيده أيضاً، إعادة قوله بعده. وقال مجاهد، وفي بعض النسخ ليس فيه لفظ: يقال، فعلى هذا يكون من قول مجاهد ومعناه: أظهر الأمر وأفصله وميزه بحيث لا تبقى شبهة وسترة وكتمان ثم اقضٍ بالقتل ظاهراً مكشوفاً ولا تمهلني بعد ذلك. وقال مُجاهِدٌ ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَمَ اَللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] إِنْسانٌ يأتِيهِ فَيَسْتِعُ ما يَقُولُ وما أَنْزِلَ عَلَيْهِ، فَهْوَ آمِنْ حتَّى يَأْتِيَّهُ فَيَسْمَعَ كَلاَمَ الله، وحتّى يَبْلُغَ مأْمَنَهُ حَيْثُ جاءَهُ. ٢٦٤ ٩٨ - كتاب التوحيد / باب (٤١) قال ابن بطال: ذكر هذه الآية من أجل أمر الله تعالى نبيه بإجارة الذي يسمع الذكر حتى يسمعه فإن آمن فذاك وإلا فيبلغ مأمنه حتى يقضي الله فيه ما شاء. قوله: ((إنسان يأتيه)) ... إلى آخره تفسير مجاهد. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ أُسْتَجَارَكَ﴾ أصله: وإن استجارك أحد، فحذف استجارك لدلالة استجارك الظاهر عليه. قوله: ((إنسان)) أي مشرك يعني: إن أراد مشرك سماع كلام الله تعالى فأعرض عليه القرآن وبلغه إليه وأمنه عند السماع، فإن أسلم فذاك، وإلاَّ فرده إلى مأمنه من حيث أتاك. وتعليق مجاهد هذا وصله الفريابي بالسند الذي ذكرناه آنفاً . التَّأُ العَظيمُ: القُرْآنُ. هو تفسير مجاهد أيضاً. وقال الكرماني أي: ما قال جل جلاله: ﴿عَمَّ يَتّسَاءَ لُونَ عَنِ الََِّ الْعَظِيمِ﴾ [النبا: ١ -٢] أي: القرآن، فأجب عن سؤالهم وبلغ القرآن إليهم. قال ابن بطال: سمي نبأ لأنه ينبأ به، والمعنى إذا سألوا عن النبإ العظيم فأحبهم وبلغ القرآن إليهم. وقيل: حق الخبر الذي يسمى نبأ أن يتعرى عن الكذب. صَوَاباً: حَقّاً في الدُّنْيا وعَمَلٌ بِهِ. أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبا: ٣٨] أي: قال حقاً في الدنيا وعمل به فإنه يؤذن له في القيامة بالتكلم، وهذا وصله الفريابي أيضاً بسنده المذكور، ووجه مناسبة ذكره هذا لههنا على عادته أنه إذا ذكر آية مناسبة للمقصود يذكر معها بعض ما يتعلق بتلك السورة التي فيها تلك الآية مما ثبت عنده تفسيره ونحوه على سبيل التبعية. ٤١ - بابُ قَوْلِ الله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة: ٢٣] وقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ: أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ [فصلت: ٩] وقَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اَللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] ﴿وَلَقَدْ أُوْجِىَ إِلَيَّكَ وَ إِلَى بَلِ اللَّهَ فَأَعْبُدْ وَكُنْ مِّنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَبِنْ أَشْرَّكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ الشَّكِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥ - ٦٦]. غرض البخاري في هذا الباب إثبات نسبة الأفعال كلها إلى الله تعالى سواء كانت من المخلوقين خيراً أو شراً، فهي الله خلق وللعباد كسب، ولا ينسب شيء من الخلق إلى غير الله تعالى، فيكون شريكاً ونداً ومساوياً له في نسبة الفعل إليه، وقد نبه الله تعالى عباده على ذلك بالآيات المذكورة وغيرها المصرحة بنفي الأنداد والآلهة المدعوة معه، فتضمنت الرد على من يزعم أنه يخلق أفعاله، والأنداد جمع ند بكسر النون وتشديد الدال ويقال له: النديد، أيضاً، وهو نظير الشيء الذي يعارضه في أموره، وقيل: ند ٢٦٥ ٩٨ - كتاب التوحيد / باب (٤١) الشيء من يشاركه في جوهره فهو ضرب من المثل، لكن المثل يقال في أي مشاركة كانت، فكل ندٍ مثلّ من غير عكس. وقال الكرماني: الترجمة مشعرة بأن المقصود من الباب إثبات نفي الشريك الله تعالى، فكان المناسب ذكره في أوائل كتاب التوحيد. وأجاب: بأن المقصود ليس ذلك، بل هو بيان كون أفعال العباد بخلق الله تعالى، وفيه الرد على الجهمية حيث قالوا، لا قدرة للعبد أصلاً، وعلى المعتزلة حيث قالوا: لا دخل لقدرة الله فيها، إذ المذهب الحق أن لا جبر ولا قدر، ولكن أمر بين الأمرين، أي: بخلق الله وكسب العبد، وهو قول الأشعرية. قيل: لا تخلو أفعال العبد إما أن تكون بقدرته، وإما أن لا تكون بقدرته، إذ لا واسطة بين النفي والإثبات، فإن كانت بقدرته فهو القدر الذي هو مذهب المعتزلة، وإن لم تكن بها فهو الجبر المحض الذي هو مذهب الجهمية. وأجيب: بأن للعبد قدرة فلا جبر، وبها يفرق بين النازل من المنارة والساقط منها، ولكن لا تأثير لها بل الفعل واقع بقدرة الله وتأثير قدرته فيه بعد تأثير قدرة العبد عليه، وهذا هو المسمى بالكسب، فقيل: القدرة صفة تؤثر على وفق الإرادة فإذا نفيت التأثير عنها فقد نفيت القدرة لانتفاء الملزوم عند انتفاء لازمه، وأجيب: بأن هذا التعريف غير جامع لخروج القدرة الحادثة عنه، بل التعريف الجامع لها هو أنها صفة يترتب عليها الفعل أو الترك. وقال عِكْرِمَةُ ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]. ﴿وَلَيْنِ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَفَهُمْ﴾ [الزخرف: ٨٧] ﴿مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] فَذَلِكَ إِيمانُهُمْ وهُمْ يَعْبُدُونَ غَيْرَهُ. عكرمة هو مولى ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما، وهذا التعليق وصله الطبري عن هناد بن السري عن أبي الأحوص عن سماك بن حرب عن عكرمة، فذكره. قوله: ﴿إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ يعني: إذا سألوا عن الله وعن صفته وصفوه بغير صفته وجعلوا له ولداً وأشركوا به. وما ذُكِرَ في خَلْقِ أفْعالِ العِباد وأكْسابِهِمْ لِقَوْلِهِ تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَهْرٍ فَقَدَّرَهُ نَقْدِيرً﴾ [الفرقان: ٢]. هذا عطف على قول الله المضاف إليه تقديره: باب فيما ذكر في خلق أفعال العباد وإكسابهم، وفي رواية الكشميهني: أعمال العباد، ويروى: واكتسابهم من باب الافتعال سعده - الخلق لله والكسب للعباد، واحتج على ذلك بقوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠١] لأن لفظة: كل، إذا أضيفت إلى نكرة تقتضي عموم الأفراد. - وقال مُجَاهِدٌ: ما تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ إلاّ بالحَقْ بِالرِّسالَةِ والعَذَابِ. هذا وصله الفريابي عن ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد. وقال الكرماني: ما ٠٠ ٢٦٦ ٩٨ - كتاب التوحيد / باب (٤١) ننزل الملائكة، بالنون ونصب الملائكة فهو استشهاد لكون نزول الملائكة بخلق الله تعالى وبالتاء المفتوحة والرفع فهو لكون نزولهم بکسبهم. ﴿لِيَسَْلَ الصَّدِقِينَ عَن صِدْقِهِمَّ﴾ [الأحزاب: ٨] المبَلْغِينَ المُؤَدِّينَ مِنَ الرَّسُلِ. هذا في تفسير الفريابي أيضاً بالسند المذكور. قوله: ﴿لِيَسْثَلَ الصَّدِقِينَ﴾ أي: الأنبياء المبلغين المؤدين للرسالة عن تبليغهم. ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَفِظُونَ﴾ [يوسف: ١٢، والحجر: ٩] عِنْدَنا. هذا أيضاً من قول مجاهد أخرجه الفريابي بالسند المذكور. ﴿وَلَّذِى جَآءَ بِالصِّدْقِ﴾ [الزمر: ٣٣] القُرْآنُ وصَدَّقَ بِهِ المُؤْمِنُ يَقُولُ يَوْمَ القِيامَةِ هُذَا الّذِي أعْطَيْتَنِي عَمِلْتُ بِما فِيهِ. هذا وصله الطبري من طريق منصور بن المعتمر عن مجاهد قال: ﴿وَلَّذِى جَآءَ بِالصِّدْقِ﴾ وصدق به هم أهل القرآن يجيئون به يوم القيامة يقولون: هذا الذي أعطيتمونا عملنا بما فيه، وروي عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: الذي جاء بالصدق وصدق به رسول الله ﴿ بلا إله إلاَّ الله، وعن علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه، الذي جاء بالصدق محمد، والذي صدق به أبو بكر، رضي الله تعالى عنه. ١٤٩/ ٧٥٢٠ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ، حدثنا جَرِيرٌ، عنْ مَنْصُورٍ، عن أبي وائِلٍ، عنْ عَمْرٍو بنِ شُرَخْبِيلَ، عنْ عَبْدِ الله قال: سَأَلْتُ النبيَّ ◌َهَ: أَيُّ الذّتْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ الله؟ قال: ((أنْ تَجْعَلَ الله نِدّاً وهوَ خَلَقَكَ)). قُلْتُ: إنَّ ذُلِكَ لَعَظِيمٌ! قُلْتُ: ثُمَّ أيّ؟ قال: ((ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ تَخافُ أنْ يَطْعَمَ مَعَكَ)) قُلْتُ: ثُمَّ أيّ؟ قال: ((ثُمَّ أَنْ تُزانِيَ بِحَلِيلَةِ جارِكَ)). [انظر الحديث ٤٤٧٧ وأطرافه]. مطابقته للترجمة ظاهرة تؤخذ من قوله: ((أن تجعل لله نداً) وجرير هو ابن عبد الحميد، ومنصور هو ابن المعتمر، وأبو وائل شقيق بن سلمة، وعمرو بن شرحبيل بضم الشين المعجمة وفتح الراء وسكون الحاء المهملة وكسر الباء الموحدة وبالياء آخر الحروف الساكنة منصرفاً وغير منصرف الهمداني أبي ميسرة، وعبد الله هو ابن مسعود. والحديث مضى في: باب إثم الزناة في كتاب الحدود. قوله: ((أن تقتل ولدك تخاف أن يطعم معك)) وفي (التوضيح): يعني الموؤدة قلت: الموؤدة التي كانت تقتل لأجل العار، والمراد هنا من يقتل ولده خشية الفقر، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَ نَقْتُلُواْ أَوْلَدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَقِّ﴾ [الإسراء: ٣١] قيل: هو بدون مخافة الطعم أعظم أيضاً. وأجيب بأن مفهومه لا اعتبار له إذ شرط اعتباره أن لا يكون خارجاً مخرج الأغلب ولا بياناً للواقع. قوله: ((بحليلة)) أي: بزوجة ((جارك)) والحال أنه خلق لك زوجة وتقطع بالزنى الرحم . ٢٦٧ ٩٨ - كتاب التوحيد / باب (٤٢) ٤٢ - بابُ قَوْلِ الله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِّرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعَّكُمْ وَلَا أَبْصَرَّكُمْ وَلَا جُلُودُّكُمْ وَلَكِن ◌َظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [فصلت: ٢٢] أي: هذا باب في قول الله عز وجل: ﴿وَمَا كُنْتُمْ ... ) الآية وقد ساق الآية كلها في رواية كريمة، وفي رواية غيره إلى: ﴿سَمْعَكُمْ﴾ ثم قال: الآية. قال صاحب (التوضيح): غرض البخاري من الباب إثبات السمع الله تعالى وإذا ثبت أنه سميع وجب كونه سامعاً يسمع كما أنه لما ثبت أنه عالم وجب كونه عالماً لم يعلم خلافاً لمن أنكر صفات الله من المعتزلة، وقالوا: معنى وصفه بأنه سامع للمسموعات وصفه بأنه عالم بالمعلومات، ولا سمع له ولا هو سامع حقيقة، وهذا رد لظواهر كتاب الله ولسنن رسول الله، وَ﴾. قوله: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾ أي: تخافون. وقيل: تخشون، وسبب نزول هذه الآية يبين في حديث الباب. ١٥٠/ ٧٥٢١ - حدّثنا الحُمَيْدِيُّ، حدّثنا سُفْيانُ، حدّثنا مَنْصُورٌ، عنْ مُجاهِدٍ، عَنْ أبي مَعْمَرٍ، عنْ عَبْدِ الله، رضي الله عنه، قال اجْتَمَعَ عِنْدَ البَيْتِ ثَقَفِيَّانِ وقَرَشِيٍّ - أوْ قُرَشِيَّانِ وثَقَفِيٌّ - كَثِيرَةٌ شَخْمُ بُطُونِهِمْ قَلِيلَةٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ، فقال أحَدُهُمْ: أتْرَوْنَ أنَّ الله يَسْمَعُ ما نَقُولُ؟ قال الآخرُ: يَسْمَعُ إِنْ جَهَرْنا ولا يَسْمَعُ إِنْ أخْفَيْنا. وقال الآخَرُ: إنْ كان يَسْمَعُ إذا جَهَرْنا فإنَّهُ يَسْمَعُ إذا أخْفَيْنَا، فَأَنْزَلَ الله تعالى ﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعَّكُمْ وَلَاْ أَبْصَدُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ [فصلت: ٢٢] الآيَةَ. [انظر الحديث ٤٨١٦ وطرفه]. مطابقته للترجمة ظاهرة. والحميدي هو عبد الله بن الزبير، وسفيان هو ابن عيينة، ومنصور بن المعتمر، ومجاهد بن جبر بفتح الجيم المفسر المكي يحكي أنه رأى هاروت وماروت، وأبو معمر بفتح الميمين عبد الله بن سخبرة الأزدي، وعبد الله بن مسعود. والحديث قد مضى مرتين في سورة حم السجدة: أحدهما: عن الحميدي عبد الله بن الزبير ... إلى آخره مثل ما أخرجه هنا. قوله: ((كثيرة شحم بطونهم)) إشارة إلى وصفهم. فقوله: بطونهم، مبتدأ و: كثيرة شحم، خبره والكثيرة مضافة إلى الشحم هذا إذا كان بطونهم مرفوعاً وإذا كان مجروراً بالإضافة يكون الشحم الذي هو مضاف مرفوعاً بالابتداء، وكثيرة مقدماً خبره. واكتسب الشحم التأنيث من المضاف إليه إن كانت الكثيرة غير مضافة، وكذلك الكلام في «قليلة فقه قلوبهم)). قوله: ((أترون؟)) بالضم أي: أتظنون، ووجه الملازمة فيما قال إنه كان يسمع هو أن نسبة جميع المسموعات إلى الله تعالى على السواء. وفي الحديث من الفقه إثبات القياس الصحيح وإبطال الفاسد، فالذي قال: ((يسمع ٢٦٨ ٩٨ - كتاب التوحيد / باب (٤٣) إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا)» قد أخطأ في قياسه لأنه شبه الله تعالى بخلقه الذين يسمعون الجهر ولا يسمعون السر، والذي قال: ((إن كان يسمع إن جهرنا فإنه يسمع إذا أخفينا)) أصاب في قياسه حيث لم يشبه الله بالمخلوقين ونزهه عن مماثلتهم. فإن قلت: الذي أصاب في قياسه كيف وصف بقلة الفقه؟ قلت: لأنه لم يعتقد حقيقة ما قال ولم يقطع به . ٤٣ - بابُ قَوْلِ الله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِ شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] أي: هذا باب في قول الله عز وجل: ﴿كُلَّ يَوْرٍ هُوَ فِ شَأَنٍ﴾ أي: في شأن يحدثه لا يبديه يعز ويذل ويحيي ويميت ويخفض ويرفع ويغفر ذنباً ويكشف كرباً ويجيب داعياً. وعن ابن عباس ينظر في اللوح المحفوظ كل يوم ستين وثلاثمائة نظرة. و﴿مَا يَأْنِهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّيِّهِم تُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢] وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١] وأنَّ حَدَثَهُ لا يُشْبِهُ حَدَثَ المَخْلُوقِينَ لِقَوْلِهِ تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. قال المهلب غرض البخاري من الباب الفرق بين وصف كلامه بأنه مخلوق ووصفه بأنه حادث يعني: لا يجوز إطلاق المخلوق عليه ويجوز إطلاق الحادث عليه. وقال الكرماني: لم يقصد ذلك ولا يرضى بما نسبه إليه إذ لا فرق بينهما عقلاً ونقلا وعرفاً. وقيل: إن مقصوده أن حدوث القرآن وإنزاله إنما هو بالنسبة إلينا. وقيل: الذي ذكره المهلب هو قول بعض المعتزلة وبعض الظاهرية فإنهم اعتمدوا على قوله عز وجل: و﴿مَا يَأْنِهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّيِّهِم تُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢] فإنه وصف الذكر الذي هو القرآن بأنه محدث وهذا خطأ لأن الذكر الموصوف في الآية بالإحداث ليس هو نفس كلامه تعالى لقيام الدليل على أن محدثاً ومخلوقاً ومخترعاً، ومنشأ ألفاظ مترادفة على معنى واحد، فإذا لم يجز وصف كلامه تعالى القائم بذاته بأنه مخلوق لم يجز وصفه بأنه محدث، فالذكر الموصوف في الآية بأنه محدث هو الرسول ◌َ* لأنه قد سماه الله في آية أخرى ذكراً. فقال تعالى: و﴿أَنَزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُرْ ذِكْرًا رَسُولًا﴾ [الطلاق: ١٠ - ١١] فسماه ذكراً في هذه الآية فيكون المعنى: ((ما يأتيهم من رسول من ربهم محدث)) ويحتمل أن يكون المراد بالذكر هنا هو وعظ الرسول و 8* وتحذيره إياهم من المعاصي، فسمي وعظه ذكراً وأضافه إليه لأنه فاعل له. وقيل: رجوع الإحداث إلى الإنسان لا إلى الذكر القديم، لأن نزول القرآن على رسول الله * كان شيئاً بعد شيء، فكان يحدث نزوله حيناً بعد حين، وقيل: جاء الذكر بمعنى العلم كما في قوله تعالى: ﴿فَتَشَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] وبمعنى العظمة كما في قوله: ﴿صَّ وَالْقُرْءَانِ ذِى الذِّكْرِ﴾ [ص: ١] ٢٦٩ ٩٨ - كتاب التوحيد / باب (٤٣) أي: العظمة، وبمعنى الصلاة كما في قوله تعالى: ﴿فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] وبمعنى الشرف كما في قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكٌ﴾ [الزخرف: ٤٤] فإذا كان الذكر يجيء بهذه المعاني وهي كلها محدثة كان حمله على أحد هذه المعاني أولى. وقال الداودي: الذكر في الآية القرآن. قال: وهو محدث عندنا، وهذا ظاهر قول البخاري ل قوله: ((وأن حدثه لا يشبه حدث المخلوقين))، فأثبت أنه محدث وهو من صفاته ولم يزل سبحانه وتعالى بجميع صفاته، وقال ابن التين: هذا منه عظيم، واستدلاله يرد عليه لأنه إذا كان لم يزل بجميع صفاته وهو قديم فكيف تكون صفته محدثة وهو لم يزل بها؟ إلا أن يريد أن المحدث غير المخلوق، كما يقوله البلخي ومن تبعه، وهو ظاهر كلام البخاري حيث قال: ((وأن حدثه لا يشبه حدث المخلوقين)) فأثبت أنه محدث. ثم قال الداودي نحو ما ذكره في شرح قول عائشة: ((ولشأني أحقر من أن يتكلم الله في يأمر يتلى)) قال الداودي: فيه أن الله تعالى تكلم ببراءة عائشة حين أنزل فيها بخلاف بعض قول الناس أنه لم يتكلم. وقال ابن التين أيضاً: هذا من الداودي عظيم لأنه يلزم منه أن يكون الله متكلماً بكلام حادث فتحل فيه الحوادث، تعالى الله عن ذلك، وإنما المراد ((بأنزل)) الإنزال الذي هو المحدث ليس أن الكلام القديم نزل الآن. وقال الكرماني. قوله: ((وحدثه)) أي: إحداثه. ثم قال: اعلم أن صفات الله تعالى إما سلبية وتسمى بالتنزيهات، وإما وجودية حقيقية كالعلم والقدرة، وإنها قديمة لا محالة، وإما إضافية كالخلق والرزق وهي حادثة لا يلزم تغير في ذات الله وصفاته التي هي بالحقيقة صفات له، كما أن تعلق العلم والقدرة بالمعلومات والمقدورات حادثة، وكذا كل صفة فعلية له، فحين تقررت هذه القاعدة فالإنزال مثلاً حادث والمنزل قديم، وتعلق القدرة حادث ونفس القدرة قديمة، والمذكور - وهو القرآن - قديم والذكر حادث. وقال ابنُ مسْعُودٍ عن النبيّ وَّرِ: ((إنَّ اللهَ يُحدِث مِنْ أمْرِهِ ما يَشاءُ وإِنَّ مِمَّا أَحْدَثَ أنْ لا تَكَلَّمُوا في الصّلاةِ». أراد بإيراد هذا المعلق جواز الإطلاق على الله بأنه محدث بكسر الدال لقوله : ((إن الله يحدث من أمره ما يشاء)) ولكن إحداثه لا يشبه إحداث المخلوقين. وأخرج أبو داود هذا الحديث من طريق عاصم بن أبي النجود عن أبي وائل عن عبد الله قال: كنا نسلم في الصلاة ونأمر بحاجتنا، فقدمت على رسول الله، و9َّ، وهو يصلي، فسلمت عليه فلم يرد عليّ السلام، فأخذني ما قدم وما حدث. فلما قضى صلاته قال: ((إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن الله قد أحدث أن لا تكلموا في الصلاة)) ورواه النسائي أيضاً وفي روايته: ((وإن مما أحدث ... )) ورواه أيضاً أحمد وابن حبان وصححه. ٧٥٢٢/١٥١ - حدّثنا عَلِيُّ بنُ عَبدِ الله، حدّثنا حاتِمُ بنُ وزْدَانَ، حدثنا أيُّوبُ، .= ٢٧٠ ٩٨ - كتاب التوحيد / باب (٤٣) عنْ عِكْرِمَةَ، عن ابنِ عَبَّاسٍ، رضي الله عنهما، قال: كَيْفَ تَسْألُونَ أهْلَ الكِتابِ عنْ كُتُبِهِمْ وعِنْدَكُمْ كِتابُ الله أقْرَبُ الكُتُبِ عَهْداً بالله تَقْرَأُونَهُ مَخْضاً لَمْ يُشَبْ. [انظر الحديث ٢٦٨٥ وطرفیه]. مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((أقرب الكتب)) وقد روي فيه: أحدث الكتب. أخرجه موقوفاً عن علي بن عبد الله بن المديني عن حاتم بن وردان البصري عن أيوب السختياني عن عكرمة إلى آخره. قوله: ((لم يشب)) بضم الياء أي: لم يخلط بالغير كما خلط اليهود حيث حرفوا التوراة . ٧٥٢٣/١٥٢ - حدّثنا أبُو اليَمانِ، أخبرنا شُغْيْبٌ، عنِ الزُّهْرِيِّ أخبرني عُبَيْدُ الله بنُ عَبْدِ الله أنَّ عبْدَ الله بنَ عَبَّاسٍ قال: يا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ! كَيْفِ تَسألُونَ أهْلَ الكِتابِ عَنْ شَيْءٍ وكِتابُكُمُ الّذِي أَنْزَلَ الله عَلَى نَبِيِّكُمْ وَ﴿ أَخْدَثُ الأخبارِ بالله مَخْضاً لَمْ يُشَبْ؟ وقَدْ حَدَّثَكُمُ الله أنَّ أهْلَ الكِتابِ قَدْ بَدَّلُوا مِنْ كُتُبِ الله وغَيَّرُوا، فَكَتَبُوا بِأَيْدِيهِمْ قَالُوا: هُوَ مِنْ عِنْدِ الله لِيَشْتَرُوا بِذَلِكَ ثَمَناً قَلِيلاً، أوَ لا يَنْهَاكُمْ ما جاءَكُمْ مِنَ العِلْمِ، عنْ مَسْألِتِهِمْ؟ فَلاَ والله ما رَأيْنَا رَجُلاً مِنْهُمْ يَسْألُكُمْ عنِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ. [انظر الحديث ٢٦٨٥ وطرفيه]. هذا طريق آخر في حديث ابن عباس المذكور. وهو أيضاً موقوف أخرجه عن أبي اليمان الحكم بن نافع عن شعيب بن أبي حمزة عن محمد بن مسلم الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس. قوله: ((أحدث الأخبار)) أي: لفظاً إذا القديم هو المعنى القائم به عز وجل، أو نزولاً. أو إخباراً من الله تعالى. قوله: ((وقد حدثكم الله)) حيث قال: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْثُبُونَ الْكِتَبَ بِأَيْدِبِهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ، ثَمَنًا قَلِيلٌ فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَا كَثَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩] قوله: ((ليشتروا بذلك)) وفي رواية المستملي: ليشتروا به. قوله: ((ما جاءكم من العلم)) إسناد المجيء إلى العلم مجاز كإسناد النهي إليه. قوله: ((فلا والله)) أي: ما يسألكم رجل منهم مع أن كتابهم محرف فلم تسألون أنتم منهم؟ وقد مر في آخر الاعتصام بالكتاب في: باب قول النبي وَله: لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء. قوله: ((عن الذي أنزل عليكم))، في رواية المستملي: إلیکم . ٢٧١ ٩٨ - كتاب التوحيد / باب (٤٤) ٤٤ - بابُ قَوْلِ الله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ، لِسَانَكَ﴾ [القيامة: ١٦] وفِعْلِ النبيِّ ◌َهِ حَيْثُ يُنْزَلُ عَلَيْهِ الوَحْيُّ. أي: هذا باب في قول الله عز وجل: ﴿لَا تُحرِّكَ بِهِ، لِسَانَكَ﴾ أي بالقرآن: ((لتعجل به)) وغرض البخاري أن قراءة الإنسان وتحريك شفيته ولسانه عمل له يؤجر عليه، وكان * يحرك به لسانه عند قراءة جبريل، عليه السلام، مبادرة منه ما يسمعه، فنهاه الله تعالى عن ذلك ورفع عنه الكلفة والمشقة التي كانت تناله في ذلك مع ضمانه تعالى تسهيل الحفظ عليه وجمعه له في صدره، كما ذكره في حديث الباب. وقال أبُو هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ وَّرِ قال الله تعالى: («أنا مَعَ عَبْدِي حَيْثُمَا ذَكَرَنِي وتَحَرَّکَثْ بي شَفَتَاهُ» . هذا من الأحاديث التي علقها البخاري ولم يصلها في موضع آخر في كتابه. وأخرجه أحمد بأتم منه ولفظه: إذا ذكرني، ويروى: ما إذا ذكرني. قوله: ((أنا مع عبدي)) هذه المعية معية الرحمة، وأما في قوله: ((وهو معكم أينما كنتم)) فهي معية العلم. وحاصل الكلام أنا مع عبدي زمان ذكره لي بالحفظ والكلاءة لا على أنه معه بذاته، ومعنى قوله: ((وتحركت بي شفتاه) تحركت باسمي وذكره لي إذ محال حلوله في الأماكن ووجوده في الأفواه وتعاقب الحركات عليه . ٧٥٢٤/١٥٣ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعيدٍ، حدّثنا أبُو عَوَانَة، عنْ مُوسَى بنِ أبي عَائِشَةَ، عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرِ عنِ ابنِ عبَّاسٍ في قَوْلِهِ تعالى: ﴿لَا تُحرِّكْ بِهِ، لِسَانَكَ﴾ [القيامة: ١٦] قال: كانَ النبيُّ وَّرِ يُعالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، وكانَ يُحَرَّكُ شَفَتَيْهِ فقال لي ابنُ عَبَّاسٍ: أُحَرِّكُهُما لَكَ كما كانَ رسولُ اللهِ وَّهِ يُحَرِّكُهُما؟ فقال سَعيدٌ: أنا أُحَرِّكُهُما كما كانَ ابنُ عبَّاس يُحَرِّكُهُمَا، فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ فَأَنْزَلَ الله عَزَّ وجَلَّ: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ، لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ: (1) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءَانَهُ﴾ [القيامة: ١٦ - ١٧] قال: جَمْعُهُ في صَدْركَ ثُم تَقْرَأُوهُ ﴿فَإِذَا قَرَأْنَهُ فَّعْ قُرْءَانَهُ﴾ [القيامة: ١٨] قال: فاسْتَمِعْ لهُ وأنْصِتْ: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا﴾ أن تقرأه. قال: فَكانَ رسولُ اللهِ وَّل إِذَا أتاهُ جِبْرِيلُ، عليْهِ السَّلاَمُ، استَمَعَ فإذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ قَرَأْهُ النبيُّ ◌َ﴿ ﴿ كَما أَقْرَأْهُ. مطابقته للترجمة ظاهرة . وأبو عوانة بفتح العين المهملة الوضاح بن عبد الله اليشكري، وموسى بن أبي عائشة أبو بكر الهمداني. والحديث تقدم مشروحاً في أول الكتاب، والمقصود من الباب بيان كيفية تلقي النبي 98َّ كلام الله من جبريل، عليه السلام. وقيل: مراد البخاري بهذين الحديثين المعلق ٢٧٢ ٩٨ - كتاب التوحيد / باب (٤٥) والموصول الرد على من زعم أن قراءة القارىء قديمة، فأبان أن حركة اللسان بالقرآن فعل القارىء بخلاف المقروء فإنه كلام الله القديم، كما أن حركة لسان ذكر الله حادثة من فعله، والمذكور وهو الله تعالى قديم، وإلى ذلك أشار بالتراجم التي تأتي بعد هذا. أَلَا ٤٥ - بابُ قَوْلِ الله تعالى: ﴿وَأَسِرُواْ قَوْلَكُمْ أَوِ أَجْهَرُواْ بِّهُ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اَللَّطِيفُ الْخِيرُ﴾ [الملك: ١٣ -١٤] يَتَخَافَتُونَ: يَتسارُّونَ. أي: هذا باب في قول الله عز وجل: ﴿وَأَسِرُواْ قَوْلَكُمْ أَوِ أَجْهَرُواْ بٌِّ﴾ يعني: أن الله عالم بالسر من أقوالكم والجهر به فلا يخفى عليه شيء من ذلك. وقال ابن بطال: مراده بهذا الباب إثبات العلم لله تعالى صفة ذاتية الاستواء علمه بالجهر من القول والسر، وقد بينه في آية أخرى: ﴿سَوَآءٌ مِّنكُم مَنْ أَسَرَّ الْقَوّلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾ [الرعد: ١٠] وأن اكتساب العبد من القول والفعل لله تعالى ل قوله: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الشُّدُورِ﴾ [الملك: ١٣] ثم قال عقيب ذلك: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ [الملك: ١٤] فدل على أنه عالم بما أسروه وما جهروا به وأنه خالق لذلك فيهم. وقال ابن المنير: ظن الشارح أنه قصد بالترجمة إثبات العلم وليس كما ظن وإلاَّ لتعاطفت المقاصد مما اشتملت عليه الترجمة، لأنه لا مناسبة بين العلم وبين حديث: ليس منا من لم يتغن بالقرآن، وإنما قصد البخاري الإشارة إلى النكتة التي كانت سبب محنته بمسألة اللفظ، فأشار بالترجمة إلى أن تلاوات الخلق تتصف بالسر والجهر ويستلزم أن تكون مخلوقة، وسياق الكلام يأبى ذلك، فقد قال البخاري في كتاب (خلق أفعال العباد) بعد أن ذكر عدة أحاديث دالة على ذلك: فبين النبي، *، أن أصوات الخلق وقراءتهم ودراستهم وتعليمهم وألسنتهم مختلفة بعضها أحسن وأزين وأحلى وأصوت وأرتل وألحن وأعلى وأخفض وأغض وأخشع وأجهر وأخفى وأمهر وأمد وألين من بعض. قوله: ((يتخافتون)) أشار به إلى قوله تعالى: ﴿فَانْطَلَقُواْ وَهُمْ يَتَخَفَنُونَ﴾ [القلم: ٢٣] ثم فسره بقوله: يتسارون بتشديد الراء أي: يتساررون فيما بينهم بكلام خفي. وقيل في بعض النسخ بشين معجمة وزيادة واو بغير تثقيل أي: يتراجعون. ١٥٤/ ٧٥٢٥ - حدّثني عَمْرُو بِنُ زُرارَةَ، عنْ هُشَيْمٍ، أخبرنا أَبُو بِشْرٍ، عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عنِ ابنِ عَبَّاسٍ، رضي الله عنهما، في قَوْلِهِ تعالَى: ﴿وَلَا تَّْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُغَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١] قال: نَزَلَتْ ورسولُ اللهِوَ﴿ مُخْتَفٍ بِمَكَّةَ، فَكَانَ إذا صَلَى بِأَصْحابِهِ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالقُرآنِ، فإذا سَمَعَهُ المُشْرِكُونَ سَبُّوا القُرآنَ ومَنْ أَنْزَلَهُ ومَنّ جَاءَ بِهِ، فقال الله لِنَبِّهِ وَهِ: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ﴾ [الإسراء: ١١٠] أيْ: بِقِراءَتِكَ، فَيَسْمَعَ المُشْرِكُونَ فَيَسُبُّوا القُرْآنَ ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ عنْ أصحابِكَ فلا تُسْمِعُهُم ﴿ وَأَبْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠]. [انظر الحديث ٤٧٢٢ وطرفيه]. ٠٤ ٢٧٣ ٩٨ - كتاب التوحيد / باب (٤٥) مطابقته للترجمة لا تخفى. وعمرو بن زرارة بضم الزاي وتخفيف الراء الأولى ابن واقد الكلابي النيسابوري، وروى عنه مسلم أيضاً، وهشيم بن بشير وأبو بشر بكسر الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة جعفر بن أبي وحشية واسمه إياس. والحديث مضى في تفسير سورة بني إسرائيل فإنه أخرجه هناك عن يعقوب بن إبراهيم عن هشيم ... إلى آخره، ومضى الكلام فيه. قوله: ((فيسمع))، بالنصب والرفع قيل: إذا كان النبي، وَّ، مختفياً عن الكفار فكيف يرفع الصوت؟ وهو ينافي الاختفاء؟ وأجيب: بأنه لعله أراد الإتيان بشبه الجهر أو إنه ما كان يبقى له عند الصلاة ومناجاة الرب اختيار الاستغراقه في ذلك. ١٥٥/ ٧٥٢٦ - حدّثنا عُبَيْدُ بنُ إسْماَعيلَ، حدَّثنا أبُو أُسامَةَ، عنْ هِشام عنْ أبِيهِ عِنْ عَائِشَةَ، رضي الله عنها، قالَتْ: نَزَلَتْ هُذِهِ الآيَةُ ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تَُّافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] في الدُّعاء. [انظر الحديث ٤٧٢٣ وطرفه]. أشار بهذا إلى وجه آخر في سبب نزول هذه الآية، أخرجه عن عبيد بن إسماعيل واسمه في الأصل عبد الله القرشي الكوفي، وأبو أسامة حماد بن أسامة، وهشام هو ابن عروة يروي عن أبيه عروة بن الزبير، وقد مر في تفسير سورة سبحان. ٧٥٢٧/١٥٦ - حدّثنا إسْحَاقُ، حدّثنا أبُو عاصِم، أخبرنا ابنُ جُرَيْجِ، أخبرنا ابنُ شِهابٍ، عن أبي سَلَمَةَ، عِنْ أبي هُرَيْرَةً قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالقُرْآنِ)). وزادَ غَيْرُهُ : يَجْهَرُ بِهِ. مطابقته للترجمة من حيث إن في قوله: ((من لم يتغن بالقرآن)) إضافة الفعل إليه، وذلك يدل على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى. وإسحاق قال الحاكم: هو ابن نصر، وقال الغساني: هو ابن منصور أشبه، وأبو عاصم الضحاك وهو من مشايخ البخاري روى عنه كثيراً بلا واسطة، وابن جريج عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، وابن شهاب محمد بن مسلم الزهري، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف. والحديث مضى في فضائل القرآن. قوله: ((ليس منا)) أي: ليس من أهل سنتنا، وليس المراد أنه ليس من أهل ديننا. قوله: ((من لم يتغن)) أي: من لم يجهر بقراءة القرآن. قوله: ((غيره)) هو صاحب لأبي هريرة، زاد في آخر الحديث ((يجهر به))، أي: بالقرآن. ١٠ -٢٥ ١٨٠ - ٢٧٤ ٩٨ - كتاب التوحيد / باب (٤٦) ٤٦ - بابُ قَوْلِ النبيِّ وَّ: «رَجُلٌ آتاهُ الله القُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آناءَ اللَّيْلِ والنَّهارِ)»، ورَجُلٌ يَقُولُ: لَوْ أُوتِيتُ مِثْلَ ما أُوتِيَ هَذا فَعَلْتُ كما يَفْعَلُ، فَبَيَّنَ الله أنَّ قِيامُهُ بالكِتابِ هُوَ فِعلُهُ. وقال ﴿وَمِنْ ءَيَئِهِ، خَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْئِلَفُ أَنِتَنِكُمْ وَأَلْوَيِّكُمْ﴾ [الروم: ٢٢] وقال جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿ وَأَفْعَلُواْ الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧]. أي: هذا باب في ذكر قول النبي، وَلجر: رجل ... إلى آخره، وغرضه من هذا الباب أن قول العباد وفعلهم منسوبان إليهم، وهو كالتعميم بعد التخصيص بالنسبة إلى الباب المتقدم عليه. قيل إن الترجمة مخرومة إذ ذكر من صاحب القرآن حال المحسود فقط، ومن صاحب المال حال الحاسد فقط، وهو خرم غريب ملبس. قال الكرماني: نعم مخروم ولكن ليس غريباً ولا ملبساً، إذ المتروك هو نصف الحديث بالكلية حاسداً ومحسوداً، وهو حال ذي المال والمذكور هو بيان صاحب القرآن حاسداً ومحسوداً، إذ المراد من رجل ثانياً هو الحاسد، ومن مثل ما أوتي هو القرآن لا المال. ومر الحديث أولاً في كتاب العلم وآخراً في كتاب التمني. قوله: ((آناء الليل)) أي: ساعات الليل. وقال الأخفش: واحدها: أني، مثل معي، وقيل: أنو، يقال: مضى أنيان من الليل، وأنوان. وقال أبو عبيدة: واحدها أنى مثل نحى، والجمع: آناء. قوله: ((فبين الله)) ليس في كثير من النسخ إلا قوله: فبين، فقط بدون ذكر فاعله، ولهذا قال الكرماني: إن النبي ◌َّ﴾ قال: إن قيام الرجل بالقرآن فعله حيث أسند القيام إليه، وفي رواية الكشميهني: إن قراءة الكتاب فعله. قوله: ((ألسنتكم)) أي: لغاتكم، إذ لا اختلاف في العضو المخصوص بحيث يصير في الآيات. قوله: ((وافعلوا الخير))، هذا عام في فعل الخير يتناول قراءة القرآن والذكر والدعاء. ١٥٧/ ٧٥٢٨ - حدّثْنَا قُتَيْبَةُ، حدّثنا جَرِيرٌ، عنِ الأعْمَشِ، عن أبي صالِحٍ، عن أبي هُرَيْرَةَ قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((لا تحاسُدَ إلاّ في اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتاهُ اللهِ القُرْآنَ فَهْوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وآنَاءَ النَّهارِ، فَهْوَ يَقُولُ: لوْ أُوتِيتُ مِثْلَ ما أُوتِيَ هَذَا لَّفَعَلْتُ كما يَفْعَلُ، وَرَجُلٌ آتاهُ الله مالاً فَهْوَ يُتْفِقُهُ فِي حَقَّهِ فَيَقُولُ: لوْ أُوتِيتُ مِثْلَ ما أُوتِيَ عَمِلْتُ فِيهِ مِثْلَ ما يَعْمَلُ. [انظر الحديث ٥٠٢٦ وطرفه]. مطابقته للترجمة ظاهرة. وجرير بن عبد الحميد، والأعمش سليمان، وأبو صالح ذكوان الزيات. والحديث مضى في العلم كما ذكرنا الآن. قوله: ((لا تحاسد إلاّ في اثنتين»، ويروى: إلاَّ في اثنين، بالتذكير. قيل: الخصلتان من باب الغبطة. وأجيب بأن مراده: ٢٧٥ ٩٨ - كتاب التوحيد / باب (٤٧) لا تحاسد إلاَّ فيهما، وليس ما فيهما حسد فلا حسد. ك قوله: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا أَلْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَىّ﴾ [الدخان: ٥٦] وأطلق الحسد وأراد الغبطة. قوله: ((رجل))، أي: خصلة رجل ليصح بياناً لاثنتين. قوله: ((فهو يقول)) أي: الحاسد ... وبقية لكلام مرت في العلم. ١٥٨/ ٧٥٢٩ - حدّثنا عَلِيٍّ بنُ عَبْدِ الله، حدَّثنا سُفْيانُ، قال الزُّهْرِيُّ: عنْ سالِم عنْ أبِيهِ عنِ النبيَِِّ ﴿ قال: ((لاَ حَسَدَ فيِ اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ الله القُرْآنَ فَهْوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِّ وآنَاءَ النَّارِ، ورَجُلٌ آتاهُ الله مالاً فَهو يُنْفِقُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وآنَاءَ النّهارِ)). سَمِعْتُ سُفْيان مِراراً، لَمْ أَسْمَعْهُ يَذْكُرُ الخَبَرَ، وهُوَ مِنْ صَحِيحٍ حَدِيثِهِ. [انظر الحديث ٥٠٢٥]. مطابقته للترجمة ظاهرة. وعلي بن عبد الله هو ابن المديني، وسفيان هو ابن عيينة، وسالم بن عبد الله يروي عن أبيه عبد الله بن عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنهم . قوله: ((سمعت قائله)) هو علي بن عبد الله شيخ البخاري أي: سمعت هذا الحديث من سفيان مراراً ولم أسمعه يذكره بلفظ أخبرنا أو حدثنا الزهري هل يقول بلفظ: قال ومع هذا ((هو من صحيح حديثه))، ولا قدح فيه لأنه قد علم من الطرق الآخر الصحيحات. ٤٧ - بابُ قَوْلِ الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِغْ مَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن زَيْكٌ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧] وقال الزُّهْرِيُّ مِنَ الله عَزَّ وَجَلَّ الرَّسالة، وعلى رسولِ اللهِ وَِّ البَلاَغُ، وعَلْينا التّسْلِيمُ. أي هذا باب في قول الله تعالى ... إلى آخره، قال الكرماني: الشرط والجزاء متحدان، إذ معنًى ((إن لم تفعل)) إن لم تبلغ. وأجاب بأن المراد من الجزاء لازمه نحو: من كانت هجرته إلى دنيا يصيبها فهجرته إلى ما هاجر إليه. قوله: رسالاته، أي: الإرسال لا بد في الرسالة من ثلاثة أمور المرسل والمرسل إليه والرسول، ولكل منهم أمر: للمرسل الإرسال، وللرسول التبليغ وللمرسل إليه القبول والتسليم. وقال: ﴿لِيَعْلَمَّ أَنْ قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَلَتِ رَبِهِمْ﴾ [الجن: ٢٨] وقال تعالى: ﴿أُبَلِّمُكُمْ رِسَلَتِ رَّى﴾ [الأعراف: ٦٢، و٦٨]. وقال هكذا في بعض النسخ بدون ذكر فاعله، وفي بعضها: وقال الله: ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَلَتِ رَبِهِمْ﴾ [الجن: ٢٨]. : ٢٧٦ ٩٨ - كتاب التوحيد / باب (٤٧) وقال كَعْبُ بنُ مالِكِ حِينَ تَخَلْفَ عنِ النبيِّ بَّهِ: ﴿فَسَيَرَ للَّهُ عَمَُ، وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥]. كعب بن مالك الأنصاري هو أحد الثلاثة الذين تخلفوا عن رسول الله، صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، عن غزوة تبوك. قال الكرماني: وجه مناسبته لهذه الترجمة التفويض والانقياد والتسليم، ولا يستحسن أحد أن يزكي أعماله بالعجلة، بل يفوض الأمر إلى الله تعالى. وحديث كعب في تفسير سورة براءة مطولاً . وقالَتْ عَائِشَةُ: إِذَا أعْجَبَكَ حُسْنُ عَمَلِ امْرِئٍ ﴿وَقُلِ أَعْمَلُواْ فَسَيَرَ اللَّهُ عَمَلَهُ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥] ولا يَسْتَخِفَّنَّكَ أَحَدٌ. أرادت عائشة بذلك أن أحداً لا يستحسن عمل غيره، فإذا أعجبه ذلك فليقل: ﴿أَعْمَلُواْ فَسَيَرَى اَللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ, وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ قوله: ((ولا يستخفيك أحد)) بالخاء المعجمة المكسورة والفاء المفتوحة والنون الثقيلة للتأكيد، حاصل المعنى: لا تغتر بعمل أحد فتظن به الخير إلاَّ إن رأيته واقفاً عند حدود الشريعة. وهذا الحديث ذكره البخاري في كتاب خلق أفعال العباد مطولاً، وفيه إذا أعجبك حسن عمل امرىء ﴿وَقُلِ أَعْمَلُواْ﴾ ... إلى آخره، وأرادت بالعمل ما كان من القراءة والصلاة ونحوهما، فسمت كل ذلك عملاً. وقال مَعْمَرٌ ﴿ذَلِكَ الْكِنَبُ﴾ [البقرة: ٢] هذَا القُرْآنَ ﴿هُدِّى لِلْمُلَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] بيانٌ ودِلالَةٌ كَقَوْلِهِ تعالى: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اَللَّهِ﴾ [الممتحنة: ١٠] هذَا حُكْمُ الله. معمر بفتح الميمين قيلٍ: هو أبو عبيدة بالضم اللغوي وقيل: هو معمر بن راشد البصري ثم التيمي. قوله: ﴿ذَلِكَ الْكِنَبُ﴾: هذا القرآن، يعني: ذلك، بمعنى: هذا. وهو خلاف المشهور، وهو أن ذلك للبعيد وهذا للقريب. ك قوله: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ﴾ أي: هذا حكم الله وك قوله: ﴿تِلْكَ ءَايَثُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٢، وغيرها] أي: هذه أعلام القرآن. قوله: ﴿هُدِّى لِلْثَّقِينَ﴾ فسره بقوله: بيان ودلالة، بكسر الدال وفتحها ودلولة أيضاً، حكاهما الجوهري. قال: الفتح أعلى. قال الكرماني: تعلقه بالترجمة نوع من التبليغ سواء كان بمعنى البيان أو الدلالة. ﴿لَا رَيْبٌ﴾ [البقرة: ٢] لا شَكَّ ﴿تِلْكَ ءَايَكُ اَللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٢، وغيرها] يَعْنِي هذِهِ أغْلاَمُ القُرْآنِ . .ے فسر قوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي: لا شك. قوله: ﴿تِلْكَ ءَايَكُ اَللَّهِ﴾ أي: هذه آيات الله، واستعمل: تلك، التي للبعيد في موضع: هذه، التي للقريب. ومِثْلُهُ: ﴿حََّ إِذَا كُنتُمْ فِ الْقُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ [يونس: ٢٢] يَعني: بِكُمْ. ٢٧٧ ٩٨ - كتاب التوحيد / باب (٤٧) أي: مثل المذكور فيما مضى في استعمال البعيد وإرادة القريب. قوله تعالى: ﴿حََّ إِذَا كُنْتُمْ فِي الْقُلْكِ وَجَرَیْنَ بِهِم﴾ يعني: بكم. وقال أَنَسٌ: بَعَثَ النبيُّ ◌َّ خالهُ حَرَاماً إلى قَوْمِهِ، وقال: أَتُؤْمِنُونِي أُبَلْغُ رِسالَةَ رسولٍ اللهِ وَلِ، فَجَعَل يُحَدِّثُهُمْ. هذا قطعة من حديث مضى في الجهاد موصولاً من طريق همام عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس، قال: بعث النبي ﴿ أقواماً من بني سليم ... الحديث، ولفظه في المغازي: عن أنس: فانطلق حرام أخو أم سليم فذكره، وحرام - ضد حلال - ابن ملحان بكسر الميم وبالحاء المهملة الأنصاري البدري الأحدي، بعثه رسول الله ◌َ﴿﴿ إلى بني عامر فقال لهم: أتؤمنوني؟ أي: تجعلوني آمناً، فآمنوه فبينما هو يحدثهم عن النبي ◌َّ# إذا أومؤوا إلى رجل منهم فطعنه، فقال: الله أكبر فزت ورب الكعبة. وقد مر في قصة بئر معونة، فافهم. ١٥٩/ ٧٥٣٠ - حدّثنا الفَضْلُ بنُ يَعْقُوبَ، حدّثنا عبدُ الله بنُ جَعْفَرِ الرَّقْيُّ، حدثنا المُعْتَمِرُ بنُ سُلَيْمانَ، حدّثنا سَعيدُ بنُ عَبْدِ اللهِ الثَّقَفِيَّ، حدثنا بَكْرُ بنُ عَبْدِ الله المُزَنِيُّ وزِیاذْ ابنُ جُبَيْرِ بنِ حَيَّةَ، عنْ جُبَيْرِ بنِ حَيَّةَ، قال المُغِيرَةُ: أخبرنا نَبِيُّنَا وَ ﴿ عنْ رِسالةِ رَبِّنا، أنّهُ ((مَنْ قُتِلَ مِنَّا صارَ إلى الجَنَةِ)). [انظر الحديث ٣١٥٩]. مطابقته للترجمة ظاهرة. والفضل بن يعقوب الرخامي البغدادي، وعبد الله بن جعفر الرقي، وزياد بن جبير بضم الجيم وفتح الباء الموحدة ابن حبة بفتح الحاء المهملة وتشديد الياء آخر الحروف وهو يروي عن والده جبير بن حية، والمغيرة هو ابن شعبة. والحديث مضى مطولاً في كتاب الجزية. وفي (التوضيح): إسناد حديث المغيرة فيه موضعان نبه عليهما الجياني. أحدهما: كان في أصل أبي محمد الأصيلي معمر بن سليمان، ثم ألحق تاء بين العين والميم فصار: معتمراً، وهو المحفوظ ثانيهما: سعيد بن عبيد الله - مصغراً - هو الصواب، ووقع في نسخة أبي الحسن مكبراً، وكذا كان في نسخة أبي محمد عبد الله إلاّ أنه أصلحه بالتصغير فزاد ياء وكتب في الحاشية. هو سعيد بن عبيد الله بن جبير بن حية، وكذا رواه ابن السكن على الصواب، وحية بن مسعود بن معتب بن مالك بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف، اتفقا عليه، عن ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، وانفرد البخاري بأبيه جبير، ولاه زياد أصفهان. وتوفي في أيام عبد الملك بن مروان، وقد روى عن عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، قال صاحب (التوضيح): ورايت بخط الدمياطي: معمر بن سليمان، قيل: إنه وهم ٢٧٨ ٩٨ - كتاب التوحيد / باب (٤٧) والصواب معتمر بن سليمان، لأن عبد الله بن جعفر لا يروي عن معمر، وهذا عكس ما أسلفناه عن الجياني. ١٦٠/ ٧٥٣١ - حدّثنا مُحَمَّدُ بن يُوسُفَ، حدّثنا سُفْيانُ، عنْ إِسْمَاعِيلَ، عنِ الشَّعْبِيِّ عنْ مَسْرُوقٍ، عنْ عَائِشَةَ، رضي الله عنها، قالَتْ: مَنْ حَدَّثَكَ أنَّ مُحَمَّدَاً وَّهِ كَثَمَ شَيْئاً . وقال مُحَمَّدٌ، حدثنا أبُو عامِرِ العَقَدِيُّ، حدثنا شُعْبَةُ، عنْ إسْماعيل بنِ أبي خالِدٍ، عنِ الشّعْبِيِّ عنْ مَسْرُوقٍ، عِنْ عَائِشَةَ، رضي الله عنها، قالَتْ: مَنْ حَدَّثَكَ أنَّ النبيَّ وََّ كِتَّمَ شَيْئًاً مِنَ الوَخِي فَلاَ تُصَدِّقْهُ، إنَّ الله تعالى يَقُولُ: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلَغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّيٌْ وَإِن ◌َّْ تَفْعَلْ فَا بَلَّنْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧]. [انظر الحديث ٣٢٣٤ وأطرافه]. مطابقته للترجمة ظاهرةٌ . وأخرجه من طريقين أولهما: عن محمد بن يوسف الفريابي البخاري البيكندي عن سفيان هو الثوري عن إسماعيل بن أبي خالد واسمه سعد، على خلاف فيه، عن عامر الشعبي عن مسروق بن الأجدع عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها. والثاني: عن محمد وهو إن كان محمد المذكور في الأول فهو مرفوع، وإن كان غيره يكون معلقاً. وأبو عامر عبد الملك العقدي. قوله: ((يا أيها الرسول بلغ)) وجه الاستدلال به أن ما أنزل عام والأمر للوجوب فيجب عليه تبليغ كل ما أنزل عليه. ١٦١/ ٧٥٣٢ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ، حدثنا جَرِيرٌ، عنِ الأعْمَشِ، عن أبي وائِلٍ، عنْ عَمْرٍو بنِ شُرَحْبِيلَ قال: قال عَبْدُ الله: قالَ رَجُلٌ: يا رسولَ الله! أيُّ الذَّنْبِ أَكْبَرُ عِنْدَ الله تعالى؟ قال: ((أنْ تَذْعُوَ لله نِدّاً وهوَ خَلَقَكَ)). قال: ثُمَّ أيّ؟ قال: ((ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ أنْ يَطْعَمَ مَعَكَ)) قال: ثُمَّ أيّ؟ قال: ((أنْ تُزانِيَ حَلِيلَةَ جارِكَ)) فَأَنْزَلَ الله تَصْدِيقَها ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِ حَرَّمَ اَللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ يُضَعَفْ لَهُ الْعَذَابُ﴾ [الفرقان: ٦٨] الآيَةَ. [انظر الحديث ٤٤٧٧ وأطرافه]. ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا مطابقته للترجمة من حيث أن يكون نزول الآية المذكورة قبل الحديث، وأن النبي # استنبط منها هذه الأشياء الثلاثة وبلغها فيكون الحديث مما تضمنته الآية فيدخل فيها وفي تبليغها . والحديث مضى عن قريب بعين هذا الإسناد والمتن في: باب قول الله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُواْ لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة: ٢٢] ومضى الكلام فيه. ٢٧٩ ٩٨ - كتاب التوحيد / باب (٤٨) ٤٨ - بابُ قَوْلِ الله تعالى: ﴿قُلٌ فَأَتُواْ بِالتَّوْرَثَةِ فَتْلُوهَا﴾ [آل عمران: ٩٣] أي: هذا باب في قول الله عز وجل: ﴿قُلْ فَأَتُواْ بِالتَّوْرَاةِ﴾ وسبب نزولها ما روي عن ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما، أنه قال: كان إسرائيل اشتكى عرق النساء فكان له صياح فقال: إن أبرأني الله من ذلك لا آكل عرقاً. وقال عطاء: لحوم الإبل وألبانها. قال الضحاك: قال اليهود لرسول الله، وَل98: حرم علينا هذا في التوراة، فأكذبهم الله تعالى وأخبر أن إسرائيل حرم على نفسه من قبل أن تنزل التوراة ودعاهم إلى إحضارها، فقال: ﴿قُلْ فَأَتُواْ بِالتَّوْرَنةِ﴾ ... الآية ثم إن غرض البخاري من هذه الترجمة أن يبين أن المراد بالتلاوة القراءة، وقد فسرت التلاوة بالعمل، والعمل من فعل الفاعل، وسيظهر الكلام وضوحاً مما يأتي الآن. وَقَوْلِ النبيّ ◌َّهِ: ((أُعْطِيَ أهْلُ النَّوْرَاةِ النَّوْرَاةَ فَعَمِلُوا بِها، وأُعْطِيَ أهْلُ الإنْجِيلِ الإِنِچِيلَ فَعَمَلُوا بِهِ، وأُعْطِيتُمُ القُرْآنَ فَعَمِلْتُمْ بِهِ». وقول النبي، ◌َ﴿، بالجر عطفاً على قول الله تعالى: ﴿قُلْ فَأَتُواْ بِالتَّوْرَثَةِ﴾ والمقصود من ذكر هذا وما بعد ذكر أنواع التسليم الذي هو الغرض من الإرسال والإنزال وهو التلاوة والإيمان به والعمل به، وهذا المعلق يأتي الآن في آخر الباب موصولاً بلفظ: أوتي وأوتيتم، وقد مضى في اللفظ المعلق: أعطي وأعطيتم، في باب المشيئة والإرادة في أوائل كتاب التوحيد. وقال أبُو رَزِينٍ: يَتْلُونَهُ يَتْبِعُونَهُ ويَعْمَلُونَ بِهِ حَقَّ عَمَلَهِ. أبو رزين بفتح الراء وكسر الزاي وسكون الياء آخر الحروف وبالنون هو ابن مسعود مالك الأسدي التابعي الكبير الكوفي. وفسره قوله تعالى: ﴿يَتْلُونَمُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾﴾ [البقرة: ١٢١] بقوله: يتبعونه ويعملون به حق عمله، كذا في رواية أبي ذر، وفي رواية غيره: يتلونه يتبعونه ويعملون به حق عمله، ووصله سفيان الثوري في تفسيره من رواية أبي حذيفة موسى بن مسعود عنه عن منصور بن المعتمر عن أبي رزين فذكره. يُقالُ: يُتْلَى يُقْرَأُ، حَسَنُ التّلاوَةِ حَسَنِ القِراءَةِ لِلْقُرآنِ. أراد بهذا أن معنى التلاوة القراءة، والدليل عليه أنه يقال: فلان حسن التلاوة، ويقال أيضاً: حسن القراءة. قوله: للقرآن، يعني لقراءة القرآن، والفرق بينهما أن التلاوة تأتي بمعنى الإتباع وهي تقع بالجسم تارة، وتارة بالاقتداء في الحكم، وتارة بالقراءة وتدبر المعنى. قال الراغب: التلاوة في عرف الشرع تختص باتباع كتب الله المنزلة: تارة بالقراءة وتارة بامتثال ما فيها من أمر ونهي، وهي أعم من القراءة، فكل قراءة تلاوة من غير عكس. ٢٨٠ ٩٨ - كتاب التوحيد / باب (٤٨) لا يَمَسُّهُ: لَا يَجِدُ طَعْمَهُ ونَفْعَهُ إلا مَنْ آمَنَ بِالقُرْآنِ، ولا يَحْمِلُهُ بِحَقٌّهِ إلاّ المُوقِنُ لِقَوْلِهِ تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُواْ النَّوْرَةَ ثُمَّ لَمْ يَحْيِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَشْفَارًاْ بِلْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِعَايَتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى أَلْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة: ٥]. أشار بهذا إلى تفسير قوله تعالى: ﴿لَّا يَمَشُّهُ: إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] وفسر قوله: لا يمسه بقوله: لا يجد طعمه ونفعه إلاَّ من آمن بالقرآن. أي: المطهرون من الكفر، ولا يحمله بحقه إلا الموقن بكونه من عند الله المطهرون من الجهل والشك ونحوه، لا الغافل كالحمار مثلاً الذي يحمل الأسفار ولا يدري ما هي. قوله: إلاّ الموقن، وفي رواية المستملي: إلاَّ المؤمن. وسَمَّى النبيِّ ◌َ ﴿ الإِسْلاَمَ والإِيمَانَ وَالصَّلاَةَ عَمَلاً. قال أبو مُرَيْرَةَ: قال النبيِّ ◌َّ لِلالٍ: ((أغِزْنِي بِأَرْجِى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ في الإِسْلاَمِ!» قال: ما عَمِلْتُ عَمَلاَ أرْجَى عِنْدِي أَنِّي لَمْ أَتَطَهَّرْ إلاّ صَلَّيْتُ، وسُئِلَ: أَيُّ العَمَلِ أفْضَلُ؟ قال: ((إيمانٌ بِالله ورَسُولِهِ ثُمَّ الجِهادُ ثُمَّ حَجْ مَبْرُورٌ)). قيل: لا فائدة زائدة في قوله: وسمى النبي، ◌َ ﴿ ... إلى آخره لأنه لم ينكر أحد كون هذه الأشياء أعمالاً لأن الإسلام والإيمان من أعمال القلب واللسان، والصلاة من أعمال الجوارح. قوله: قال أبو هريرة، قد مضى موصولاً في كتاب التهجد في: باب فضل الطهور بالليل والنهار، وقد وهم بعضهم حيث قال: تقدم موصولاً في مناقب بلال قوله: (وسئل)) أي النبي ◌َّ﴾ أي: الأعمال أفضل؟ ... إلى آخره قد مضى في الإيمان في: باب من قال: إن الإيمان هو العمل، أخرجه من حديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله في سئل ... إلى آخره، ومضى كذلك في الحج في: باب فضل الحج المبرور، وفيه: سئل أي الأعمال؟ وفي الذي في الإيمان. سئل: أي العمل؟ بالإفراد. ١٦٢/ ٧٥٣٣ - حدّثنا عَبْدانُ، أخبرنا عَبْدُ الله، أخبرنا يُونُسُ، عنِ الزُّهرِيِّ أخبرني سالِمٌ، عنِ ابنِ عُمَرَ، رضي الله عنهما، أنَّ رسولَ اللهِ ﴿﴿ قال: ((إنّما بَقاؤُكُمْ فِيمَنْ سَلَفَ مِنَ الأَمُم كما بَيْنَ صَلاةِ العَضْرِ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ، أُوتِيَ أهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ فَعَمِلُوا بِها حتّى انْتَصَف الثَّهَارُ ثُمَّ عَجَزُوا، فَأُعْطُوا قِيراطاً قِيراطاً، ثُمَّ أُوتِيَ أهْلُ الإِنْجِيلِ الإنْجِيلَ، فَعَمِلُوا بِهِ حَتَّى صُلْيَتِ العَضْرُ، ثُمَّ عَجَزُوا، فَأُعْطُوا قِيراطاً قِيراطاً، ثُم أُوتِيتُمُ القُرْآنَ فَعَمِلْتُمْ بِهِ حَتَّى غَرَبَتِ الشّمْسُ، فَأَعْطِيْتُمْ قِيراًطَيْنِ قِيراطَيْن. فقال أهلُ الكِتابِ: هُؤُلاءِ أَقَلُّ مِنَّا عَمَلاً وأُكْثَرُ أجْراً؟ قال الله تعالى: هَلْ فَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقْكُمْ شَيْئاً؟ قالُوا: لا. قال: فَهْوَ فَضْلِي أُوتِيه مَنْ أشاءُ)» . [انظر الحديث ٥٥٧ وأطرافه].