النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
٩٧ - كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة / باب (٥)
المكسورة، وأراد بهما أبا بكر وعمر، وفسرهما بقوله: ((أبو بكر وعمر)) أي: هما أبو
بكر وعمر. قوله: ((لما قدم على النبي ◌َّ وفد بني تميم)) وفي الرواية المتقدمة: ركب
بني تميم. قوله: ((أشار أحدهما)) أي: أحد الخيرين وهو عمر، رضي الله تعالى عنه،
بتأمير الأقرع بن حابس الحنظلي أخي بني مجاشع، أي: واحد منهم، وبنو مجاشع
بضم الميم وبالجيم والشين المعجمة المكسورة ابن دارم بن مالك بن زيد مناة بن تميم
وكانت عامتهم بالبصرة. قوله: ((وأشار الآخر)) أراد به أبا بكر، رضي الله تعالى عنه.
قوله: ((بغيره)) أي: بغير الأقرع وهو القعقاع بن معبد بن زرارة التميمي أحد وفد بني
تميم، وكانا يطلبان الإمارة، ولما تنازع أبو بكر وعمر، رضي الله تعالى عنهما، في ذلك
(وارتفعت أصواتهما عند النبي ◌َِّ نزلت: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَّرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ﴾ إلى قوله
﴿عَظِيمُ﴾ [الحجرات: ٢ -٣] وقيل: نزلت في غير ذلك على ما ذكره في التفسير. قوله:
﴿وَلَا تَجْهَرُواْ لَهُ بِأَلْقَوّلِ﴾ أي: في المخاطبة، وقيل: لا تدعوه باسمه: يا محمد، كما
يدعو بعضكم بعضاً. قوله: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَلُكُمْ﴾ أي: خشية أن تحبط أعمالكم، والحال
﴿وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ أي: لا تعلمون. قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَتَهُمْ﴾ الغض النقض
من كل شيء قوله: ﴿لِلنَّقْوَىَّ﴾)) أي: أخلص من المعصية. قوله:
((قال ابن الزبير)) أي: عبد الله بن الزبير: ((فكان عمر بعد)) أي: بعد نزول هذه
الآية ((إذا حدث النبي (وَّه)) ... إلى آخره. قوله: ((ولم يذكر عن أبيه)) يعني أبا بكر
معترض بين قوله: ((بعد)) وبين قوله: ((إذا حدث)) وفسر قوله: ((عن أبيه)) بقوله: ((يعني
أبا بكر)) ولم يكن أبو بكر أباً لعبد الله بن الزبير حقيقة وإنما كان جده للأم وأطلق عليه
الأب وفهم منه أن الجد للأم يسمى أباً كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا نَنكِحُواْ مَا نَكَحَ
ءَابَآؤُكُم مِّنَ اَلِسَآءِ﴾ [النساء: ٢٢] والجد للأم داخل في ذلك. قوله: ((كأخي السرار))
قال أبو العباس النحوي لفظ: أخي، صلة أي: صاحب المشاورة، والسرار بكسر
السين، وقال ابن الأثير: ((كأخي السرار)) السرار المساررة أي: كصاحب السرار وكمثل
المساررة لخفص صوته. قوله: ((لم يسمعه)) بضم الياء أي: لم يسمع عمر النبيَّ ◌َلـ
حديثه حتى يستفهم النبي ◌َّ منه، من الاستفهام وهو طلب الفهم.
٧٣٠٣/٣٣ - حدّثنا إسْمَاعِيلُ، حدّثني مالِكٌ، عنْ هِشامٍ بِنِ عُزْوَةَ عنْ أَبِيهِ عنْ
عَائِشَةَ أُمّ المُؤْمِنِينَ أنَّ رسولَ اللهِوَّهِ قال في مَرَضِهِ: (مُرُوا أبا بَكْرٍ يُصَلْي بالنَّاسِ)). قالتْ
عائِشَةُ: قُلْتُ: إنَّ أبا بَكْرٍ إِذَا قامَ في مَقَّامِكَ لَم يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ البُكاءِ، فَمُزْ عُمَرَ فَلْيُصَلٌ
بِالنَّاسِ، فقال: ((مُرُوا أبا بَكْرٍ فَلْيُصَلْ بِالنَّاسِ)) فقالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ لِحَفْصَةَ: قُولِي: إنَّ أبا
بَكْرِ إِذَا قَامَ في مَقامِكَ لَمْ يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ البُكاء، فَمُزْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ، فَفَعَلَتْ حَفْصَةٌ
فقال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((إِنَّكُنَّ لأَنْتُنَّ صَواحِبُ يُوسُفَ! مُرُوا أبا بَكْرٍ فَلْيُصَلُ لِلنَّاسِ))، فقالَتْ
سـ

٦٢
٩٧ - كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة / باب (٥)
حَفْصَةُ لِعَائِشَة: ما كُنْتُ لِأُصِيبَ مِنْكِ خَيْراً !. [انظر الحديث ١٩٨١ وأطرافه].
مطابقته للترجمة من حيث إن فيه المراددة والمراجعة في الأمر وهو مذموم داخل
في معنى التعمق لأن التعمق المبالغة في الأمر والتشديد فيه.
وإسماعيل هو ابن أبي أويس.
والحديث مضى في الصلاة في ثلاثة أبواب من أبواب الإمامة آخرها: باب إذا
بكى الإمام في الصلاة. وأخرجه هناك عن إسماعيل أيضاً إلى آخره.
قوله: ((ففعلت حفصة)) أي: قالت، لأن الفعل أعم الأفعال. قوله: ((صواحب
يوسف)) أي: أنتن تشوشن الأمر عليّ كما أنهن شوشن على يوسف، عليه السلام.
٧٣٠٤/٣٤ - حدّثنا آدَمُ، حدثنا ابنُ أبي ذئبٍ، حدثنا الزُّهْرِيُّ عنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ
السَّاعِدِيِّ قال: جاءَ عُوَيْمِرُ العُجْلاَنِيِّ إلى عاصِمِ بنِ عَدِيٍّ فقال: أَرَأيْتَ رَجُلاً وَجَدَ مَعَ
امْرَأْتِهِ رَجُلاً فَيَقْتُلُهُ أَفَتَقْتُلُونَهُ بِهِ؟ سَلْ لِي يا عاصِمُ رسولَ اللهِّهِ. فَسألَهُ، فَكَرِهَ النَّبِيُّ وَه
المَسائِلَ وعاب، فَرَجَعَ عاصِمْ فأخْبَرَهُ أنَّ النَّبيَّ ◌َ ﴿ كَرِهَ المَسائِلَ. فقال عُوَيْمِرٌ: والله لآتِيَنَّ
النَّبِيَّ وَّهِ، فَجاءَ وقَدْ أَنْزَلَ الله تعالى القُرْآنَ خَلْفَ عاصِم، فقال لَهُ: قَدْ أَنْزَلَ الله فِيكُمْ قُرْآنًاً،
فَدَعا بِهِما فَتَقدَّما فَتَلاعَنا، ثُمَّ قال عُوَيْمرٌ: كَذَبْتُ عَلَيْها يا رسولَ الله إنْ أَمْسَكْتُها. فَفَارَقَها
ولَمْ يَأْمُرُهُ النبيُّ ◌َهِ بِفِراقِها، فَجَرَتِ السُّنَّةُ فِي المُتَلَاعِنَيْنِ. وقال النبيُّ ◌ََّ: ((انْظُرُوها فإنْ
جاءَتْ بِهِ أحْمَرَ قَصِيراً مِثْلَ وَحَرَةٍ فَلا أُراهُ إلاَّ قَدْ كَذَبَ، وإنْ جاءَتْ بِهِ أسْحَمَ أعْيَنَ ذا أَلَيَتَيْنِ
فَلا أخسِبُ إلاّ قَدْ صَدَقَ عَلَيْها، فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى الأَمْرِ المَكْرُوهِ). [انظر الحديث ٤٢٣ وأطرافه].
مطابقته للجزء الأول للترجمة لأن عويمراً أفحش في السؤال، فلهذا كره النبي وَلقول
المسائل وعابها .
وآدم هو ابن أبي إياس يروي عن محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن
الحارث بن أبي ذئب بكسر الذال المعجمة واسمه هشام بن سعيد.
والحديث قد مضى في كتاب اللعان في مواضع ومضى الكلام فيه.
قوله: ((خلف عاصم)) أي: بعد رجوعه، وأراد بالقرآن قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرَّمُونَ
أَزْوَجَهُمْ﴾ [النور: ٦] الآية. قوله: ((فدعا بهما)) أي: بعويمر وزوجته. قوله: ((ولم يأمره))
لأن نفس اللعان يوجب المفارقة، وفيه خلاف. قوله: ((فجرت السنة)) أي: صار الحكم
بالفراق بينهما شريعة. قوله: ((وحرة) بفتح الواو والحاء المهملة والراء وهي دويبة فوق
العرسة حمراء، وقيل: دويبة حمراء تلزق بالأرض كالوزغة تقع في الطعام فتفسده.
قوله: ((أسحم)) أي: أسود ((أعين)) أي: واسع العين. قوله: ((ذا أليتين)) هو على الأصل
وإلاَّ فالاستعمال على حذف التاء منه، قيل: كل الناس ذو إليتين أي: عجيزتين.

٦٣
٩٧ - كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة / باب (٥)
وأجيب: بأن معناه إليتين كبيرتين. قوله: ((على الأمر المكروه)) أي: الأسحم الأعين،
لأنه متضمن لثبوت زناها عادة.
٧٣٠٥/٣٥ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ، حدّثنا اللَّيْثُ حدّثني عُقَيْلٌ، عَنِ ابنِ
شِهابٍ قال: أخبرني مالكُ بنُ أوْسِ النَّضْرِيُّ وكانَ مُحَمَّدُ بنُ جُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ ذَكَرَ لِي ذِكْراً
مِنْ ذَلِكَ، فَدَخَلْتُ عَلى مالِكِ فَسأَلْتُهُ فقال: انْطَلَقْتُ حتَّى أدْخُلَ عَلى عُمَرَ أَتَّاهُ حاجِبُهُ يَرْفاً
فقال: هَلْ لَكَ في عُثْمانَ وعبْدِ الرَّحْمُنِ والزُّبَيْرِ وسَعْدٍ يَسْتأذِنُونَ؟ قال: نَعَمْ، فَدَخَلُوا
فَسَلَّمُوا وجَلَسُوا، فقال: هَلْ لَكَ في عليٍّ وعبَّاسٍ؟ فأذِنَ لَهُما. قال العَبَّاسُ: يا أمِيرَ
المُؤْمِنِينَ! اقْضٍ بَيْنِي وَبَيْنَ الظَّالِم، اسْتَبًّا. فقال الرَّهْطُ، عُثْمانُ وأصحابُهُ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ!
اقْضِ بَيْنَهُما وأرِخْ أحَدَهُما مِنَ الآخَرِ، فقال: اتَّئُدُوا! أَنْشُدُكُمْ بالله الَّذِي بإذْنِهِ تَقُومُ السَّماءُ
والأرضُ، هَلْ تَعْلَمُونَ أنَّ رَسُولَ اللهِ﴿ قال: ((لا نُورَثُ ما تَرَكْنا صَدَقَةٌ»؟ يُرِيدُ رسولُ
الله ◌َِّ، نَفْسَهُ؟ قال الرهطُ: قَدْ قال ذُلِكَ، فَأَقْبَلَ عُمَرُ عَلَى عِلِيٍّ وعبَّاسٍ، فقال: أَنْشُدُكُما
بالله! هَلْ تَعْلَمانِ أنَّ رسولَ اللهِ وَ ﴿ه قال ذُلِكَ؟ قالا: نَعَمْ. قال عُمَرُ: فإنِّي مُحَدِّئكُم عنْ هُذَا
الأمْرِ: إنَّ الله كانَ خَصَّ رسولَهُ وَ ◌ّ فِي هُذَا المالِ بِشَيْءٍ لَمْ يُعْطِهِ أَحَداً غَيْرَهُ، فإنَّ الله
يَقُولُ: ﴿وَمَا أَقَةَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ ... ﴾ [الحشر: ٦] الآيةَ فَكانَتْ هذِهِ خالِصَةً
لِرَسُولِ اللهِ وََّ، ثُمَّ والله ما اختازَها دُوَنكُمْ، ولا اسْتَأْثَرَ بِها عَلَيْكُمْ، وَقَدْ أَعْطَاكُمُوها
وبَثَّهافِيكُمْ، حتَّى بَقَيَ مِنْها هَذَا المالُ، وكانَ النبيُّ ◌َّهِ يُنْفِقُ عَلى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِمْ مِنْ هَذَا
المالِ، ثُمَّ يأخذُ ما بَقِيَ فَيَجْعَلَهُ مَجْعَلَ مالِ الله، فَعَمَلَ النبيُّ ◌ِ ﴿ بِذَلِكَ حَياتَهُ، أَنْشُدُكُمْ بالله
هَلْ تَعْلَمُونَ ذُلِكَ؟ فقالُوا: نَعَمْ، ثُمَّ قال لِعَلِيٍّ وعبَّاسٍ: أَنْشُدُكما الله! هَلْ تَعْلَمَانِ ذُلِكَ؟
قالا: نَعَمْ، ثُمَّ تَوَفَّى الله نَبِيَّهُ وَّهِ، فقال أبُو بَكْرٍ: أنا وَلِيُّ رسولِ اللهِ وَ ﴿ فَقَبَضَها أَبُو بَكْرٍ
فَعَمِلَ فِيها بِمَا عَمِلَ فيها رسولُ اللهِ وَهَ، وأَنْتُمَا حِينَئِذٍ، وأقْبَلَ عَلى عَلِيِّ وعَبَّاسٍ فقال:
تَزْعُمانِ أنَّ أبا بَكْرٍ فِيها كَذَا؟ والله يَعْلَمُ أنَّهُ فِيها صادِقٌ بارِ راشِدٌ تابعٌ لِلْحَقِّ؟ ثُمَّ تُوَفَّى الله أبا
بَكْرٍ فَقُلْتُ: أَنا وَلِيُّ رسولِ اللهِوَّهِ وأبي بَكْرٍ، فَقَبَضَتُها سَنَثِينِ أعْمَلُ فِيها بِما عَمِلَ بِهِ رَسُولُ
اللهِ وَمِ وأَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ جِثْتُمَانِي وَكَلِمَتْكُما عَلَى كَلِمَةٍ واحِدَةٍ وأمْرُكُمَا جَمِيعٌ، جِئْتَنِي تَسْأَلُنِي
نَصِيبَكَ مِنِ ابنِ أَخِيكَ، وأَتانِي هَذا يَسْألُنِي نَصِيبَ امْرَأْتِهِ مِنْ أبِهَا، فَقُلْتُ: إنْ شِئْتُمَا دَفَعْتُها
إِلَيْكُمَا عَلى أَنَّ عَلَيْكُمَا عَهْدَ الله ومِيثاقَهُ، تَعْمَلانِ فِيها بِمَا عَمِلَ بِهِ رسولُ اللهِ وَُّ وبِمَا عَمِلَ
فِيها أبُو بَكْرٍ وبِما عَمِلْتُ فِيها مُنْذُ وَلِيتُها، وإلاّ فلا تُكَلِّمانِي فِيها! فقُلْتُما: ادْفَعْها إِلَيْنا بِذْلِكَ،
فَدَفَعْتُها إِلَيْكُمَا بِذْلِكَ، أَنْشُدُكُمْ بِالله! هَلْ دَفَعْتُها إلَيْهِما بِذُلِكَ؟ قال الرَّهْطُ: نَعَمْ. فَأَقْبَلَ عَلى
عَلِيٍّ وعَبَّاسٍ فقال: أَنْشُدُكُما بِالله! هَلْ دَفَعْتُها إِلَيْكُما؟ بِذلِكَ؟ قالا: نَعَمْ. قال: أفْتَلْتَمِسانِ
مِنِّي قَضاءً غيْرَ ذُلِكَ؟ فَوالّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّماءُ والأرضُ لا أقْضي فِيها قَضَاءً غَيْرَ ذُلِكَ حتَّى

٦٤
٩٧ - كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة / باب (٥).
تَقُومِ السَّاعَةُ، فإنْ عَجَزْتُما عَنْها فادفَعاها إلَيَّ فأنا أكْفِيكُماها. [انظر الحديث ٢٩٠٤ وأطرافه].
مطابقته للجزء الأول للترجمة لأن منازعة علي وعباس قد طالت واشتدت عند
عمر، وفيه نوع من التعمق. ألا ترى إلى قول عثمان ومن معه: يا أمير المؤمنين اقض
بينهما. وأرح أحدهما من الآخر.
ومالك بن أوس النضري بفتح النون وسكون الضاد المعجمة نسبة إلى النضر بن
كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، وفي همدان أيضاً النضر بن ربيعة، قال
ابن دريد: النضر الذهب.
والحديث مضى في باب فرض الخمس بطوله، ومضى الكلام فيه مبسوطاً.
قوله: ((يرفأ)) بفتح الياء آخر الحروف وسكون الراء وبالفاء مهموزاً وغير مهموز اسم
حاجب عمر، رضي الله تعالى عنه، ومولاه. قوله: ((الظالم)) إنما جاز للعباس مثل هذا
القول لأن عليّاً كان كالولد له وللوالد ما ليس لغيره، أو هي كلمة لا يراد بها حقيقتها إذ
الظلم وضع الشيء في غير موضعه وهو متناول للصغيرة وللخصلة المباحة التي لا تليق به
عرفاً، وبالجملة حاشا لعلي أن يكون ظالماً، ولا يصير ظالماً بالنسبة إليه ولا بد من
التأويل. قال بعضهم: هُهنا مقدر أي: هذا الظالم إن لم ينصف، أو: كالظالم. وقال
المازري: هذا اللفظ لا يليق بالعباس وحاشا علي من ذلك، فهو سهو من الرواة، وإن كان
لا بد من صحته فيؤول بأن العباس تكلم بما لا يعتقد ظاهره مبالغة في الزجر وردعاً لما
يعتقد أنه مخطىء فيه، ولهذا لم ينكره أحد من الصحابة لا الخليفة ولا غيره مع تشددهم
في إنكار المنكر، وما ذاك إلاَّ أنهم فهموا بقرينة الحال أنه لا يريد به الحقيقة. قوله:
((استبا)) أي: تخاشنا في الكلام، تكلما بغليظ القول كالمستبين. قوله: ((اتئدوا)) من
الافتعال أي: اصبروا وأمهلوا. قوله: ((أنشدكم بالله))، وفي رواية الكشميهني: أنشدكم
الله، بحذف الباء أي: أسألكم بالله. قوله: ((لا نورث)) بفتح الراء. قوله: ((صدقة)) بالرفع
يريد به نفسه، أي: لا يريد به الأمة، وقيل: إنما جمع لأن ذلك حكم عام لكل الأنبياء.
قوله: ((هذا الأمر)) أي: قصة ما تركه رسول الله، وَ*، وكيفية تصرفه فيه في حياته
وتصرف أبي بكر فيه ودعوى فاطمة والعباس الإرث ونحوه. قوله: ((في هذا المال)) أي:
الفيء. قوله: ((لم يعط أحداً غيره))، لأنه أباح الكل له لا لغيره، قوله: ((احتازها)) بالحاء
المهملة والزاي يعني: جمعها، وفي رواية الكشميهني بالجيم والزاي. قوله: ((استأثر بها))
أي: استقل واستبد. قوله: ((وبثها)) أي: فرقها. قوله: ((مجعل مال الله)) أي: ما هو
لمصالح المسلمين. قوله: ((وأنتما)) مبتدأ. قوله: ((تزعمان)) خبره. قوله: ((كذا وكذا)) أي:
ليس محقّاً ولا فاعلاً بالحق. فإن قلت: كيف جاز لهما مثل هذا الاعتقاد في حقه؟ قلت:
قالاه باجتهادهما قبل وصول حديث: لا نورث، إليهما وبعد ذلك رجعا عنه، واعتقد أنه

٦٥
٩٧ - كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة / باب (٦ و٧)
محق بدليل أن عليّاً، رضي الله تعالى عنه، لم يغير الأمر عما كان عليه حين انتهت نوبة
الخلافة إليه، قوله: ((على كلمة واحدة)) يعني: لم يكن بينكما مخالفة ((وأمركما مجتمع)) لا
تفرق فيه ولا تنازع عليه. قوله: ((عنها)) أي: فإن عجزتما عن التصرف فيها مشتركاً («فأنا
أكفيكماها)» وأتصرف فيها لكما.
٦ - بابُّ إِثْمٍ مَنْ آوَى مُحْدِثاً
أيّ: هذا باب في بيان إثم من آوى بالمد محدثاً بضم الميم وكسر الدال أي :
مبتدعاً أو ظالماً أو آوى محدث المعصية.
رَوَاهُ عَلِيٍّ عَنِ النّبِيِّ وَهُ.
أي: روى إثم من آوى محدثاً علي بن أبي طالب عن النبي، وَ ﴾. قال بعضهم:
تقدم موصولاً في الباب الذي قبله، قلت: ليس في الباب الذي قبله ما يطابق الترجمة،
وإنما الذي يطابقها ما تقدم في: باب الجزية، في: باب إثم من عاهد ثم غدر، فإن
فيه: فمن أحدث حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله ... الحديث.
٧٣٠٦/٣٦ - حدّثنا مُوسَى بنُ إسْماعِيلَ، حدّثنا عبْدُ الوَاحِدِ، حدّثنا عاصِمْ قال:
قُلْتُ لأَنَسٍ: أحَرَّمَ رسولُ اللهِوَّهَ المَدِينَةَ؟ قال: نَعَمْ. ما بَيْنَ كَذَا إلى كَذَا لا يُقْطَعُ
شَجَرُها، مَنْ أحْدَثَ فيها حَدَثاً فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ الله والمَلاَئِكَةِ والنَّاسِ أجمَعِينَ.
قال عاصِمٌ: فأخْبَرَنِي مُوسَى بنُ أَنَسٍ أَنَّهُ قال: أوْ آوَى مُخدِثاً. [انظر الحديث ١٨٦٧].
مطابقته للترجمة في آخر الحديث. وعبد الواحد هو ابن زياد وعاصم هو ابن
سليمان الأحول.
والحديث مضى في الحج عن أبي النعمان محمد بن الفضل، ومضى الكلام فيه.
قوله: ((قال عاصم: فأخبرني)) هو موصول بالسند المذكور. قوله: ((موسى بن
أنس)) قال الدارقطني في كتاب العلل: موسى بن أنس وهم من البخاري أو من
موسى بن إسماعيل شيخه، والصواب: النضر، بسكون العجمة ابن أنس كما رواه مسلم
في (صحيحه).
٧ - بابُ ما يُذْكَرُ مِنْ ذَمِّ الرَّأي وتَكَلِّفِ القِياسِ
أي: هذا باب في بيان ما يذكر من ذم الرأي الذي يكون على غير أصل من
الكتاب أو السنة أو الإجماع، وأما الرأي الذي يكون على أصل من هذه الثلاثة فهو
محمود وهو الاجتهاد. قوله: ((وتكلف القياس))، الذي لا يكون على هذه الأصول لأنه
ظن، وأما القياس الذي يكون على هذه الأصول فغير مذموم وهو الأصل الرابع
عمدة القارى / < ٢٥ _ م٥

٦٦
.
٩٧ - كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة / باب (٧)
المستنبط من هذه، والقياس هو الاعتبار والاعتبار مأمور به، فالقياس مأمور به وذلك
لقوله تعالى: ﴿فَأَعْتَبِرُواْ يَتَأُوْلِ الْأَبْصَرِ﴾ [الحشر: ٢] فالقياس إذاً مأمور به فكان حجة. فإن
قلت: روى البيهقي من طريق مجاهد عن الشعبي عن عمرو بن حويرث عن عمر قال:
إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن أغنتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي
فضلوا وأضلوا. قلت: في صحته نظر، ولئن سلمنا فإنه أراد به الرأي مع وجود النص.
﴿وَلَا نَقْفُ﴾ [الإسراء: ٣٦] لا تَقُلْ ﴿مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌ﴾ [هود: ٤٦].
احتج به لما ذكره من ذم التكلف ثم فسر القفو بالقول، وهو من كلام ابن عباس،
أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عنه، وقال أبو عبيدة: معناه
لا تتبع ما لا تعلم وما لا يعنيك. وقال الراغب: الاقتفاء اتباع القفا كما أن الارتداف
اتباع الردف، ويكنى بذلك عن الاغتياب وتتبع المعائب، ومعنى ﴿وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ
بِهِ، عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] لا تحكم بالقيافة والظن وهو حجة على من يحكم بالقائف.
٧٣٠٧/٣٧ - حدّثنا سَعِيدُ بنُ تَلِيدٍ، حدّثنا ابنُ وهُبٍ، حدثني عَبْدُ الرَّحْمُنِ بنُ شُرَيْحِ
وغَيْرُهُ عنْ أبي الأسودَ، عَنْ عُرْوَةً قال: حَجَّ عَليْنا عَبْدُ الله بنُ عَمْرٍو فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَمِعْثٌ
النبيِّ وَ﴿ يَقُولُ: ((إنَّ الله لا يَنْزِعُ العِلْمَ بَعْدَ أنْ أَعْطَاهُمُوهُ انْتِزاعاً، وَلَّكِنْ يَنْتَزِعُهُ مِنْهُمْ مَعَ قَبَضِ
العُلماءِ بِعِلْمِهِمْ، فَيَبْقَى ناسٌ جُهَّالٌ يُسْتَفْتَوْنَ فَيُفْتُونَ بِرأيِهِم فَيُضِلُونَ ويَضْلُونَ))، فَحَدَّثْتُ بِهِ عَائِشَةَ
زَوْجَ النبيِّ ◌َِّهـ
ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ الله بنَ عَمْرٍو حَجَّ بَعْدُ فقالَتْ: يا ابنَ أُخْتِي! انْطَلِقْ إلى عَبْدِ الله فاسْتَثْبِتْ
لِي مِنْهُ الَّذِي حدَّثْتَنِي عِنْهُ، فَجِثْتُهُ فَسألْتُهُ فَحَدَّثَنِي بِهِ كَنحوِ ما حَدَّثَنِي، فَأَتَيْتُ عائِشَةً فَأَخْبَرْتُها
فَعَجِبْتْ فقالتْ: والله لَقدْ حَفِظَ عَبْدُ الله بنُ عَمْرٍو. [انظر الحديث ١٠٠].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فيفتون برأيهم)) الذي هو غير مبني على أصل من
الكتاب أو السنة أو الإجماع.
وسعيد بن تليد بفتح التاء المثناة من فوق وكسر اللام على وزن عظيم وهو
سعيد بن عيسى بن تليد - نسب إلى جده - أبو عثمان المصري يروي عن عبد الله بن
وهب عن عبد الرحمن بن شريح الإسكندراني عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن.
قوله: ((وغيره)) هو عبد الله بن لهيعة، أبهمه البخاري لضعفه عنده واعتمد على
عبد الرحمن بن شريح.
والحديث مضى في كتاب العلم في: باب كيف يقبض العلم، وأخرجه مسلم في
القدر عن قتيبة وآخرين. وأخرجه الترمذي في العلم عن هارون بن إسحاق. وأخرجه

٦٧
٩٧ - كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة / باب (٧)
النسائي فيه عن محمد بن رافع وغيره. وأخرجه ابن ماجه في السنة عن أبي كريب
وغيره.
قوله: ((حج علينا)) أي: ماراً علينا. قوله: ((عبد الله بن عمرو)) أي: ابن العاص.
قوله: ((أعطاهموه)) كذا في رواية أبي ذر عن المستملي والكشميهني، وفي رواية غيرهم:
أعطاكموه. قوله: ((انتزاعاً) نصب على المصدرية، ووقع في رواية حرملة: لا ينزع العلم
من الناس، وفي الرواية المتقدمة في كتاب العلم من طريق مالك: إن الله لا يقبض العلم
انتزاعاً ينتزعه من العباد، وفي رواية الحميدي في (مسنده): من قلوب العباد. وعند
الطبراني: إن الله لا ينزع العلم من صدور الناس بعد أن يعطيهم إياه. قوله: ((مع قبض
العلماء بعلمهم)، أي: يقبض العلماء مع علمهم. وقال الكرماني: أو يراد من لفظ:
بعلمهم، بكتبهم بأن يمحى العلم من الدفاتر ويبقى: مع، على المصاحبة أو: مع،
بمعنى عند. قوله: ((يستفتون)) على صيغة المجهول أي: يطلب منهم الفتوى. قوله:
((فيفتون))، بضم الياء على صيغة المعلوم من الإفتاء. قوله: ((فيضلون)) بفتح الياء قوله:
((ويضلون)) بضم الياء من الإضلال. قوله: ((فحدثت به عائشة)) أي: قال عروة: حدثت
بهذا الحديث عائشة أم المؤمنين. قوله: ((بعد)) أي: بعد تلك السنة والحجة. قوله:
(فقالت: يا ابن أختي)) أي: فقالت عائشة لعروة: يا ابن أخي، لأن عروة ابن أسماء
أخت عائشة. قوله: ((فاستثبت لي منه)) أي: من عبد الله بن عمرو. قوله: ((كنحو ما
حدثني)) أي: في مرته الأولى. قوله: ((فعجبت)) أي: عائشة من جهة أنه ما غير حرفاً
منه .
٧٣٠٨/٣٨ - حدّثنا عَبْدانُ أخبرنا أبُو حَمْزَةَ سَمِعْتُ الأعْمَشَ قال: سَألْتُ أبا
وائِلِ: هَلْ شَهِدْتَ صِفْينَ؟ قال: نَعَمْ. فَسَمِعْتُ سَهْلَ بنَ حُنَيْفٍ يَقُول. (ح) وحدثنا مُوسَى
بنُ إسْمَاعِيلَ، حدثنا أبُو عَوَانَة، عنِ الأعْمَشِ، عن أبي وائِلِ قال: قال سَهلُ بنُ حُنَيْفٍ: یا
أيُّها النَّاسُ اتَّهِمُوا رَأْيَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ، لَقَدْ رَأيْتُنِي يَوْمَ أبي جَنْدَلٍ، وَلَوْ أَسْتَطِيعُ أن أَرُدَّ أمْرَ
رسولِ الله ﴿ لَرَدَدْتُهُ، وما وضَعْنَا سُيُوفَنا عَلى عَوَاتِقِنا إلى أمْرٍ يُفْظِعُنا إلاّ أسْهَلْنَ بِنا إلى أمْرٍ
نَعْرِفُهُ غَيْرَ هَذَا الأمْرِ .
قال: وقال أبُو وائِلٍ: شَهِدْتُ صِفِينَ، وبِثْسَتْ صِفُونَ. [انظر الحديث ٣١٨١ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((اتهموا رأيكم على دينكم)) قال الكرماني: وذلك أن
سهلاً كان يتهم بالتقصير في القتال في صفين، فقال: اتهموا رأيكم، فإني لا أقصر وما
كنت مقصراً وقت الحاجة كما في يوم الحديبية، فإني رأيت نفسي يومئذٍ لو قدرت على
مخالفة حكم رسول الله # لقاتلت قتالاً لا مزيد عليه، لكني أتوقف اليوم لمصالح

٦٨
٩٧ - كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة / باب (٧)
المسلمين. انتهى. وقال بعضهم: قوله: ((اتهموا رأيكم على دينكم)) أي: لا تعملوا في
أمر الدين بالرأي المجرد الذي لا يستند إلى أصل من الدين. انتهى. قلت: ما قاله
الكرماني أقرب إلى معنى التركيب، وما قاله غيره أقرب إلى الترجمة .
وأخرج الحديث المذكور من طريقين. الأول: عن عبدان لقب عبد الله بن عثمان
عن أبي حمزة بالحاء المهملة والزاي محمد بن ميمون السكري عن سليمان الأعمش
عن أبي وائل شقيق بن سلمة عن سهل بن حنيف بضم الحاء المهملة وفتح النون.
والطريق الثاني: عن موسى بن إسماعيل عن أبي عوانة بفتح العين المهملة الوضاح
اليشكري عن سليمان الأعمش إلى آخره. والحديث مر في كتاب الجزية في باب مجرد
بعد: باب إثم من عاهد ثم غدر، فإنه أخرجه هناك عن عبدان عن أبي حمزة عن
الأعمش ومضى أيضاً في غزوة الحديبية.
قوله: ((هل شهدت صفين؟)) أي: هل حضرت وقعة صفين التي كانت بين علي
ابن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان وصفين بكسر الصاد المهملة وتشديد الفاء
المكسورة وسكون الياء آخر الحروف وبالنون وهو موضع بين الشام والعراق بشاطىء
الفرات. قوله: ((اتهموا رأيكم)) مر تفسيره الآن. قوله: ((لقد رأيتني)) أي: لقد رأيت
نفسي ((يوم أبي جندل)) وهو يوم من أيام غزوة الحديبية وقصتها مختصرة أنها كانت في
ذي القعدة سنة ست بلا خلاف، وخرج رسول الله وَ ل# إليها في رمضان وساق معه
الهدي وأحرم بالعمرة ليأمن الناس من حربه ومعه المهاجرون والأنصار، وكان الهدي
سبعين بدنة والناس سبعمائة رجل فكانت كل بدنة عن عشرة نفر، ولما بلغ الخبر
قريشاً خرجوا، ونزلوا بذي طوى وعاهدوا الله أن محمداً لا يدخلها أبداً ثم إن
بديل بن ورقاء أتى النبي 18 في رجال من خزاعة فسألوه ما الذي جاء به؟ فأخبرهم
أنه لم يأت للحرب بل زائراً للبيت، ورجعوا إلى قريش فأخبروهم به، ثم جرى أمور
كثيرة من مراسلات وغيرها إلى أن بعثت قريش سهيل بن عمرو إلى رسول الله وَله
بالمصالحة وأن يرجع عامه هذا، وجرى كلام كثير حتى جرى الصلح على وضع
الحرب عشر سنين على أن من أتى من قريش بغير إذن وليه رده عليهم، ومن جاء
قريشاً ممن مع محمد لم يردوه عليه، فبينا رسول الله وَلقر يكتب الكتاب هو
وسهيل بن عمرو إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في الحديد، قد:
انفلت منهم، ولما رأى سهيل أبا جندل قام إليه فضرب وجهه وأخذ بتلبيبه، وقال: یا
محمد! قد لجت القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا. قال: صدقت، فجعل يجر أبا
جندل ليرده إلى قريش وجعل أبو جندل يصرخ بأعلى صوته: يا معشر المسلمين أر
إلى المشركين يفتنونني في ديني؟ فزاد الناس ذلك هماً إلى همهم، فقال رسول

٦٩
٩٧ - كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة / باب (٧)
الله وَله: يا أبا جندل! اصبر واحتسب فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين
بمكة فرجاً ومخرجاً. ولما فرغ الصلح قام النبي ◌َّ إلى هديه فنحره وحلق رأسه،
وقام الصحابة كلهم ينحرون ويحلقون رؤوسهم، ثم قفل رسول الله وَّلها إلى المدينة.
قوله: ((ولو أستطيع أن أرد أمر رسول الله وَل و لرددته)) قد ذكرنا أنهم لما اتهموا سهل
بن حنيف بالتقصير في القتال في قصة صفين صعب عليه، وقال لهم: أنا لست
بمقصر في القتال وقت الحاجة، ولما جاء أبو جندل إلى رسول الله عوض القر مسلماً فرده،
إلى المشركين لأجل الصلح المذكور بينهم وبين النبي بَّ صعب على سهل ذلك
جداً، فقال لهم حين اتهموه بالتقصير في القتال: لو كنت أستطيع رد أبي جندل
لرددته، ولكني قصرت لأجل أمر رسول الله وَ ﴿ فإنه أمر برده ولم يكن يسعني أن أرد
أمر رسول الله ◌َ، وقال الكرماني: لم نسب اليوم إلى أبي جندل لا إلى الحديبية؟
قلت: لأن رده إلى المشركين كان شاقاً على المسلمين وكان ذلك أعظم ما جرى
عليهم من سائر الأمور، وأرادوا القتال بسببه وأن لا يردوا أبا جندل ولا يرضون
بالصلح. قوله: ((وما وضعنا سيوفنا على عواتقنا)) جمع عاتق. قوله: ((إلى أمر يفظعنا))
بضم الياء وسكون الفاء وكسر الظاء المعجمة أي: يخوفنا ويهولنا، قاله الكرماني،
وقال ابن الأثير: أي يوقعنا في أمر فظيع أي: شديد شنيع وقد فظع يفظع فهو مفظع،
وفظع الأمر فهو فظيع. وقال الجوهري: وأفظع الرجل، على ما لم يسم فاعله، أي:
نزل به أمر عظيم، وأفظعت الشيء واستفظعته وجدته فظيعاً. قوله: ((ألا أسهلن بنا))،
أي: أفضين بنا إلى سهولة يعني السيوف أفضين بنا إلى أمر سهل نعرفه خبراً غير هذا
الأمر أي: الذي نحن فيه من هذه المقاتلة في صفين، فإنه لا يسهل بنا، وفي رواية
الكشميهني بها وقال بعضهم إلاَّ أسهلن أي: أنزلتنا في السهل من الأرض أي: أفضين
بنا وهو كناية عن التحول من الشدة إلى الفرج. قلت: هذا معنى بعيد على ما لا يخفى
على المتأمل.
قوله: ((قال: وقال أبو وائل))، أي: قال الأعمش: قال أبو وائل المذكور:
(شهدت صفين وبئست صفون)) أي: بئست المقاتلة التي وقعت فيها. وإعراب هذا
وَمَا أَدْرَئِكَ مَا
اللفظ كإعراب الجمع كقوله تعالى: ﴿كَلَّ إِنَّ كِتَبَ الْأَبْرَارِ لَفِى عِلِّينَ
عِلَُّونَ﴾ [المطففين: ١٨، ١٩] والمشهور أن يعرب بالنون ويكون بالياء في الأحوال
الثلاث، تقول: هذه صفين برفع النون ورأيت صفين ومررت بصفين بفتح النون
فيهما، وكذلك تقول في قنسرين وفلسطين ونبرين، ولحاصل أن فيها لغتين:
إحداهما: إجراء الإعراب على ما قبل النون وتركها مفتوحة كجمع السلامة. والثانية:
أن يجعل النون حرف الإعراب كما ذكرنا، ووقع في رواية أبي ذر: شهدت صفين

٧٠
٩٧ - كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة / باب (٨)
وبئست صفين، وفي رواية النسفي: وبئست الصفون، بالألف واللام وهو لا ينصرف
للعلمية والتأنيث، والمشهور كسر الصاد وقيل: جاء بفتحها أيضاً.
٨ - بابُ ما كانَ النبيُّ ◌َِّ يُسْأَلُ مِمَّا لَمْ يُنْزَلْ عَلَيْهِ الوَحْيٌ فَيَقُولُ:
((لا أدْرِي)» أوْ لَمْ يُحِبْ حَتَّى يُنْزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ، ولَمْ يَقُلْ بِرَأي ولا بِقِیاسٍ
لِقَوْلِهِ تعالى: ﴿يَا أَرَكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥].
أي: هذا باب في بيان ما كان النبي، وَ ﴿ ... الخ. قوله: ((يسأل)) على صيغة
المجهول. قوله: ((لا أدري)) قال الكرماني: فيه حزازة حيث قال: لا أدري، إذ ليس في
الحديث ما يدل عليه ولم يثبت عنه، وَ *، ذلك. وقال بعضهم: هو تساهل شديد منه
لأنه أشار في الترجمة إلى ما ورد في ذلك ولكنه لم يثبت عنده منه شيء على شرطه، ثم ذكر
حديث ابن مسعود: ((من علم شيئاً فليقل به، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم)). وذكر حديث
ابن عمر: ((جاء رجل إلى النبي، وَّر، فقال: أي البقاع خير؟ قال: لا أدري، فأتاه جبريل،
عليه السلام، فسأله فقال: لا أدري، فقال: سل ربك، فانتفض جبريل انتفاضة)). وحديث
أبي هريرة أن رسول الله، وَلّ، قال: ما أدري الحدود كفارة لأهلها. انتهى.
قلت: نسبة الكرماني إلى التساهل الشديد تساهل أشد منه لأن قوله: ليس في
الحديث ما يدل عليه، صحيح. وقوله: ولم يثبت عنه ذلك، أيضاً صحيح لأن مراده أنه
لم يثبت عنده، فإذا كان كذلك فقول البخاري: لا أدري، غير واقع في محله. قوله:
(ولم يقل برأي ولا قياس)) قال الكرماني: قيل: لا فرق بينهما وهما مترادفان، وقيل:
الرأي هو التفكر، أي: لم يقل بمقتضى العقل ولا بالقياس، وقيل: الرأي أعم لتناوله
مثل الاستحسان، وقال المهلب ما حاصله الرد على البخاري في قوله: ولم يقل برأي
ولا قياس لأن النبي، بَّر، قد علم أمته كيفية القياس والاستنباط في مسائل لها أصول
ومعان في كتاب الله عز وجل ليريهم كيف يصنعون فيما عدموا فيه النصوص، والقياس
هو تشبيه ما لا حكم فيه بما فيه حكم في المعنى، وقد شبه، وَل*، الحمر بالخيل فقال.
ما أنزل الله عليّ فيهما بشيء غير هذه الآية الفاذة الجامعة ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا
يَرَؤُ﴾ [الزلزلة: ٧] وقال للتي أخبرته: إن أباها لم يحج: أرأيت لو كان على أبيك دين
أكنت قاضيته؟ فالله أحق بالقضاء. وهذا هو عين القياس عند العرب، وعند العلماء
بمعاني الكلام، وأما سكوته، بَّ، حتى نزل الوحي فإنما سكت في أشياء معضلة
ليست لها أصول في الشريعة، فلا بد فيها من اطلاع الوحي، ونحن الآن قد فرغت لنا
الشرائع وأكمل الله الدين فإنما ننظر ونقيس موضوعاتها فيما أعضل من النوازل. قوله:
((ل قوله: ﴿ِمَّا أَرَكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥])) أي: لقول الله تعالى، ويروى: هكذا لقول الله،

٧١
٩٧ - كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة / باب (٨)
وهو رواية المستملي، واحتج البخاري بقوله تعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ اَلنَّاسِ ◌ِمَا أَرَكَ اَللَّهُ﴾
[النساء: ١٠٥] أي: بما أعلمك الله. وأجيب عن هذا بأنه وَّر، إذا حكم بين الناس القياس
فقد حكم أيضاً بما أراه الله، ونقل ابن التين عن الداودي بما حاصله: إن الذي احتج به
البخاري بما ادعاه من النفي حجة في الإثبات، لأن المراد بقوله: ﴿يِمَّ أَرَنَكَ اللَّهُ﴾ ليس
محصوراً في النصوص بل فيه إذن بالقول في الرأي. قلت: فحينئذٍ تنقلب الحجة عليه.
وقال ابنُ مَسْعُودٍ: سُئِلَ النبيُّ وَّهِ عِنِ الرُّوحِ فَسَكَتَ حتَّى نَزَلَتْ.
ذكر هذا التعليق عن عبد الله بن مسعود دليلاً لقوله في الترجمة: ولم يجب، لأن
عدم الإجابة السكوت ولا ينتهض هذا دليلاً لما ادعاه لأنا قد ذكرنا أن سكوته في مثل
هذا الموضع لكونه في أشياء معضلة وليس لها أصول في الشريعة، فلا بد في مثل هذا
من الوحي، ومع هذا ما أطلعه الله في هذه الآية، وهي: ﴿ وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ... ﴾
[الإسراء: ٨٥] ... الآية على حقيقة كيفية الروح، بل قال: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّ﴾
[الإسراء: ٨٥] وهذا التعليق مضى موصولاً في آخر: باب ما يكره من كثرة السؤال، لكنه
ذكر فيه: فقام ساعة ينتظر، وأورده في كتاب العلم بلفظ: فسكت، وأورده في تفسير
سبحان، بلفظ: فأمسك، وفي رواية مسلم: فأسكت النبي، وَ ل﴿، فلم يرد عليه شيئاً.
٧٣٠٩/٣٩ - حدّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله، حدّثنا سُفْيانُ قال: سَمِعْتُ ابنَ المُنْكَدِرِ
يَقُولُ: سَمِعْتُ جابِرَ بنَ عَبْدِ الله يَقُولُ: مَرِضْتُ فَجَاءَنِي رسولُ الله ﴿ يَعُودُني وأبُو بَكْرٍ
وهُما ماشِيان، فأتاني وقعدْ أُغْمَيَ عَلَيَّ، فَتَوَضَّأ رسولُ اللهِوَّهِ ثُمَّ صَبَّ وَضُوءَهُ عَلَيَّ
فأفَقْتُ، فَقُلتُ: يا رسولَ الله ! - ورُبَّما قال سُفْيَانُ: فَقُلْتُ: أَيْ رسولَ الله ! - كَيْفَ أَقْضِي
في مالي؟ كَيْفَ أَصْنَعُ في مالي؟ قال: فَما أجابَنْي بِشَيْءٍ حتَّى نَزَلَتْ آيَةُ المِيرَاثِ. [انظر
الحديث ١٩٤ وأطرافه].
مطابقته للترجمة على زعمه تؤخذ من آخر الحديث. وعلي بن عبد الله هو ابن
المديني، وسفيان هو ابن عيينة يروي عن محمد بن المنكدر.
والحديث مضى في سورة النساء في قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ [النساء: ١١] ولفظه
في آخر الحديث فنزلت ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِيَ أَوْلَدِكُمْ﴾ [النساء: ١١].
قوله: ((وقد أغمى علي)) أي: غشي، والواو فيه للحال. قوله: ((وضوءه)) بفتح
الواو وهو الماء الذي يتوضأ به. قال الداودي: وفي هذا الحديث الوضوء للمريض
شفاء. قوله: ((وربما قال سفيان)) هو ابن عيينة الراوي.
قال الداودي: فيه: جواز الرواية بالمعنى، ورد عليه بأن هذا لا يتضمن حكماً،
وليس من قول رسول الله، وَلا.

٧٢
٩٧ - كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة / باب (٩)
٩ - بابُ تَعْلِيمِ النبيِّ وَلِّ أُمَّتَهُ مِنَ الرِّجالِ
والنِّساءِ مِمَّا عَلَّمَهُ اللهِ لَيْسَ بِرَأْي ولا تَمْثِيلٍ
أي: هذا باب في بيان تعليم رسول الله، وَيهو، أمته إلى آخره، قال المهلب:
مراده أن العالم إذا كان يمكنه أن يحدث بالنصوص لا يحدث بنظره ولا قياسه. انتهى.
وقال صاحب (التوضيح): ترجم في كتاب العلم: باب هل يجعل للنساء يوماً على حدة
في العلم، ثم نقل كلام المهلب، ثم قال: بهذا معنى الترجمة لأنه، وَ ل*، حدثهم حديثاً
عن الله لا يبلغه قياس ولا نظر، وإنما هو توقيف ووحي، وكذلك ما حدثهم به من سننه
فهو عن الله تعالى أيضاً ل قوله: ﴿وَمَا يَطِقُ عَنِ الْمَوَ﴾ [النجم: ٣] قوله: ((ليس برأي))، قد
مر تفسير الرأي. قوله: ((ولا تمثيل))، أي: قياس وهو إثبات مثل حكم معلوم في معلوم
آخر لاشتراكهما في علة الحكم، وهذا يدل على أنه من نفاة القياس، وقد قلنا فيما
مضى: إن القياس اعتبار والاعتبار مأمور به لقوله تعالى: ﴿فَأَعْتَيِرُوا﴾ [الحشر: ٢] فالقياس
مأمور به.
٤٠/ ٧٣١٠ - حدّثنا مُسَدَّدٌ، حدثنا أبُو عَوَانَة، عنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بنِ الأصْبَهانيِّ،
عن أبي صالِحٍ ذَكْوَانَ، عن أبي سَعيدٍ: جاءَتِ امرأةٌ إلى رسولِ اللهِوَ ﴾ فقالَتْ: يا رسولَ
الله! ذَهَبَ الرِّجَالُ بِحَدِيثِكَ فاجْعَلْ لَنا مِنْ نَفْسِكَ يَوْماً نأتِيكَ فِيهِ تُعَلِّمُنا مِمَّا عَلَّمَكَ الله فقال:
(اجْتَمِعْنَ في يَوْم كَذَا وَكَذَا، فِي مَكانٍ كَذَا وَكَذَ))، فاجْتَمَعْنَ فأتاهُنَّ رسولُ اللهِوَّهِ فَعَلَّمَهُنَّ
مِمَّا عَلَّمَهُ اللهِ، ثُمَّ قال: ((ما مِنْكُنَّ امْرأةٌ تُقَدِّمُ بَيْنَ يَدَيْها مِنْ وَلَدِها ثَلاَثَةٌ، إلاّ كانَ لها حِجاباً
مِنَ النَّار)) فَقالَتِ: امرأةٌ مِنْهُنَّ: يا رسولَ الله اثْنَيْنٍ؟ قال: فأعادَتْها مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ قال: ((واثْتَيْنِ
واثْنَيْنِ واثْنَيْنِ)) .
[انظر الحديث ١٠١ وطرفيه].
قال الكرماني ما حاصله: إن موضع الترجمة هو قوله: ((لها حجاباً من النار)) لأن
هذا أمر توقيفي تعليم من الله تعالى ليس قولاً برأي ولا تمثيل لا دخل لهما فيه. انتهى.
قلت: هذا الحديث لا يدل على مطابقة الترجمة أصلاً لأن عدم دلالته على الرأي
والتمثيل لا يستلزم نفيهما.
وأبو عوانة بالفتح هو الوضاح اليشكري، وعبد الرحمن بن الأصبهاني هو
عبد الرحمن بن عبد الله الأصبهاني الكوفي وأصله من أصبهان، وقال الكرماني: في
أصبهان أربع لغات: فتح الهمزة وكسرها وبالباء الموحدة وبالفاء، وقد مضى الحديث
في كتاب العلم في: باب هل يجعل للنساء يوم على حدة في العلم؟ فإنه أخرجه هناك
عن آدم عن شعبة عن ابن الأصبهاني ... إلى آخره، وفي الجنائز عن مسلم بن
إبراهیم، ومضی الكلام فيه.

٧٣
٩٧ - كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة / باب (١٠)
قوله: ((جاءت امرأة)) قيل: يحتمل أن تكون هي أسماء بنت يزيد بن السكن.
قوله: ((من نفسك)) أي: من أوقات نفسك. قوله: ((اجتمعن)) أولاً بلفظ الأمر، وثانياً
بالماضي. قوله: ((تقدم)) من التقديم أي: إلى يوم القيامة.
١٠ - بابُ قَوْلِ النبيِّ وَالَ: «لا تَزالُ طائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي
ظاهِرِينَ عَلى الحَقِّ يُقاتِلُونَ»: وهُمْ أهْلُ العِلْمِ
أي: هذا باب في بيان قول النبي ◌َّه إلى آخره، وروى مسلم مثل هذه الترجمة
عن ثوبان قال: حدثنا حماد: هو ابن زيد عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن
ثوبان، قال: قال رسول الله وَالر: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم
من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك)) وروى أيضاً مثله عن المغيرة بن شعبة،
وجابر بن سمرة. قوله: وهم أهل العلم، من كلام البخاري. وقال الترمذي: سمعت
محمد بن إسماعيل هو البخاري يقول: سمعت علي بن المديني يقول: هم أصحاب
الحديث .
٤١/ ٧٣١١ - حدّثنا عُبَيْدُ الله بنُ مُوسى، عنْ إِسْماعِيلَ، عنْ قَيْسٍ، عنِ المُغِيرَةِ
ابنِ شُغْبَةَ عَنِ النبيِّ وَّ قال: ((لا يَزالُ طائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظاهِرِينَ حتَّى يَأْتِيَهُمْ أمْرُ الله وهُمْ
ظاهِرُونَ» .
[انظر الحديث ٣٦٤٠ وطرفه].
مطابقته للرجمة ظاهرة. وعبيد الله بن موسى بن باذان الكوفي، وإسماعيل هو
ابن أبي خالد، وقيس هو ابن أبي حازم بالحاء المهملة والزاي.
والحديث مضى في علامات النبوة. وأخرجه مسلم كما ذكرناه آنفاً .
قوله: ((ظاهرين)) أي: معاونين على الحق، وقيل: غالبين، وقيل: عالين. قوله:
((أمر الله)) أي: القيامة. قوله: ((وهم ظاهرون)) أي: غالبون على من خالفهم. قيل: فيه
حجية الإجماع وامتناع خلو العصر عن المجتهدين. فإن قلت: يعارض هذا الحديث
حديث عبد الله بن عبد الله بن عمرو: لا تقوم الساعة إلاَّ على شرار الناس هم شر من
أهل الجاهلية لا يدعون الله بشيء إلاَّ رده عليهم، رواه مسلم. قلت: المراد من شرار
الناس الذين تقوم عليهم الساعة قوم يكونون بموضع مخصوص وبموضع آخر تكون
طائفة يقاتلون على الحق لا يضرهم من خالفهم ويؤيده ما رواه أبو أمامة مرفوعاً لا تزال
طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لعدوهم قاهرين حتى يأتيهم أمر الله، وهم كذلك
قيل: يا رسول الله! وأين هم؟ قال: هم ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس. قلت:
الأكتاف جمع كنف بالتحريك وهو الجانب والناحية.

٧٤
٩٧ - كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة / باب (١١)
٧٣١٢/٤٢ - حدّثنا إسماعيلُ، حدّثنا ابنُ وَهْبٍ، عنْ يُونُسَ، عنِ ابن شِهابٍ،
أخبرني حُمَيْدٌ قال: سَمِعْتُ مُعاوِيَةَ بنَ أبي سُفْيانَ يَخْطُبُ قال: سَمِعْتُ النبيِّي لَ﴿ يَقُولُ:
(مَنْ يُرِدِ الله بِهِ خَيْراً يُفَقَّههُ في الدِّينِ، وإنَّما أنا قاسِمٌ ويُعْطِي الله، ولَنْ يَزَالَ أمْرُ هُذِهِ الأمَّةِ
مُسْتَقِيماً حتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، أوْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ الله)). [انظر الحديث ٧١ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، وقال الكرماني: ليس في الباب ما يدل على أنهم أهل
العلم على ما ترجم عليه. وأجاب بقوله: نعم فيه، إذ، من جملة الاستقامة أن يكون
فيهم: إذ، التفقه والمتفقه لا بد منه لترتبط الأخبار بعضها ببعض، وتحصل جهة جامعة
بينهما معنى.
وإسماعيل هو ابن أبي أويس يروي عن عبد الله بن وهب عن يونس بن يزيد عن
محمد بن مسلم بن شهاب الزهري عن حميد بالضم بن عبد الرحمن بن عوف.
:
والحديث أخرجه في العلم عن سعيد بن عفير، وفي الخمس عن حبان عن ابن
المبارك. وأخرجه مسلم في الزكاة عن حرملة عن ابن وهب به.
قوله: ((خيراً) عام لأن النكرة في سياق النفي تفيد العموم أي: جميع الخيرات،
ويحتمل أن يكون التنوين للتعظيم. قوله: ((أنا قاسم)) أي: أقسم بينكم، فألقي إلى كل.
واحد ما يليق به من أحكام الدين، والله يوفق من يشاء منهم للفقه والتفهم منه والتفكر
في معانيه. قوله: ((أو حتى يأتي أمر الله)) شك من الراوي، وفيه: أن أمته آخر الأمم.
١١ - بابُ قَوْلِ الله تعالى: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ [الأنعام: ٦٥]
أي: هذا باب في ذكر قول الله عز وجل: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ [الأنعام: ٦٥] وأوله:
﴿قُلْ هُوَ اُلْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِّكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾
[الأنعام: ٦٥] وفي الآية أقوال: قال ابن عباس: ﴿مِّن فَوْقِكُمْ﴾ أئمة السوء أو ﴿مِن تَحْتِ
أَرْجُلِكُمْ﴾ خدم السوء، وقيل: الأتباع، وقال الضحاك ﴿مِّن فَوْقِكُمْ﴾ أي: كباركم أو ﴿مِن
تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ من سفلتكم، وقال أبو العباس ﴿مِّن فَوْقِكُمْ﴾ يعني: الرجم، و﴿مِن تَحْتِ
أَرْجُلِكُمْ﴾ يعني، الخسف. قوله: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ الشيع الفرق والمعنى شيعاً متفرقة
مختلفة لا متفقة، يقال: لبست الشيء خلطته، وألبست عليه إذا لم تبينه، وقال ابن
بطال: أجاب الله دعاء نبيه و 98 في عدم استئصال أمته بالعذاب، ولم يجبه في أن لا
يلبسهم شيعاً أي: فرقاً مختلفين وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض أي: بالحرب والقتل
بسبب ذلك، وإن كان ذلك من عذاب الله لكنه أخف من الاستئصال وفيه للمؤمنين
كفارة .
٧٣١٣/٤٣ - حدّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله، حدّثنا سُفْيانُ قال عَمْرٌو: سَمِعْتُ جابِرَ بنَ

٧٥
٩٧ - كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة / باب (١٢)
عَبْدِ الله، رضي الله عنهما، يَقُولُ: لَمَّا نَزَلَ عَلى رسولِ اللهِوَِّ: ﴿قُلْ هُوَ اُلْقَادِّرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ
عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِن فَوْقِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥] قال: أعُوذُ بِوَجْهِكَ ﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِّكُمْ﴾ قال: أعُوذُ
بِوَجْهِكَ، فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿أَوْ يَلْسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍُ﴾ [الأنعام: ٦٥] قال: هاتانٍ
أهْوَنُ، أَوْ أَیْسَرُ.
[انظر الحديث ٤٦٢٨ وطرفه].
مطابقته للترجمة ظاهرة. وعلي بن عبد الله هو ابن المديني. وسفيان هو ابن
عيينة، وعمرو بالفتح هو ابن دینار.
والحديث مضى في سورة الأنعام. وأخرجه الترمذي في التفسير عن محمد بن
يحيى بن أبي عمر.
قوله: ((من فوقكم)) كإمطار الحجارة عليهم كما كان على قوم لوط، عليه السلام
((أو من تحت أرجلكم)) كالخسف كما فعل بقارون. قوله: ((أو يلبسكم شيعاً)) أي:
يخلطكم فرقاً أصحاب أهواء مختلفة. قوله: ((ويذيق بعضكم)) أي: يقتل بعضكم بعضاً.
قوله: (بوجهك)) من المتشابهات. قوله: ((هاتان)) أي: المحنتان أو الخصلتان وهما:
اللبس والإذاقة أهون من الاستئصال والانتقام من عذاب الله، وإن كانت الفتنة من عذاب
الله، ولكن هي أخف لأنها كفارة للمؤمنين. قوله: ((أو أيسر)) شك من الراوي.
١٢ - بابُ من شَبَّهَ أصْلاً مَغْلُوماً بِأصْلٍ مُبَيَّنٍ قَدْ بَيَّنَ الله حُكْمَهُما، لِيَفْهَمَ السَّائِلُ
أي: هذا باب في بيان من شبه أصلاً معلوماً الخ، وهذا الباب للدلالة على صحة
القياس، وأنه ليس مذموماً. فإن قلت: الباب المتقدم يشعر بالذم والكراهة. قلت:
القياس على نوعين: صحيح مشتمل على جميع شرائطه المذكورة في فن الأصول وفاسد
بخلاف ذلك، فالمذموم هو الفاسد، وأما الصحيح فلا مذمة فيه بل هو مأمور به، كما
ذكرناه عن قريب. قوله: ((من شبه أصلاً معلوماً) قال الكرماني: لو قال: من شبه أمراً
معلوماً لوافق اصطلاح أهل القياس، وهذا المذكور من الترجمة رواية الكشميهني
والإسماعيلي والجرجاني، ورواية غيرهم من شبه أصلاً معلوماً بأصل مبين وقد بين
النبي، صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، حكمهما. وفي رواية النسفي: من شبه أصلاً
معلوماً بأصل مبهم قد بين الله حكمهما ليفهم السائل.
٤٤/ ٧٣١٤ - حدّثنا أصْبَغُ بنُ الفَرَجِ، حدثني ابنُ وهبٍ، عنْ يُونُسَ، عنِ ابنِ
شِهابٍ، عنْ أبي سَلَمَة بنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ: أنَّ أعْرَابِيّاً أتّى رسولَ اللهِ وَلـ
فقال: إنَّ امْرَأْتِي وَلَدَتْ غُلاماً أُسْوَدَ، وإِنِّي أَنْكَرْتُهُ، فقال لهُ رسولُ اللهِوَهِ: ((هَلْ لَكَ مِنْ
إيلٍ؟)) قال: نَعَمْ. قال: ((فَما أَلْوَانُها؟)) قال: حُمَرٌ. قال: ((هَلْ فِيها مِنْ أَوْرَق؟)) قال: إنَّ

٧٦
٩٧ - كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة / باب (١٢)
فِيها لَوُزْقاً. قال: ((فَأَنَّى تُرَى ذُلِكَ جاءَها؟)) قال: يا رسولَ الله! عِرقُ نَزَعَها. قال: ((وَلَعَلَّ
هُذَا عِزْقْ نَزَعَهُ))، ولَمْ يُرَخْصْ لَهُ في الانْتِفاءِ مِنْهُ. [انظر الحديث ٥٣٠٥ وطرفه].
مطابقته للترجمة من حيث إن النبي و 9 شبه للأعرابي، ما أنكر من لون الغلام بما
عرف في نتاج الإبل، فقال له: ((هل لك من إبل)) إلى قوله: ((لعل عرقاً نزعه)) فأبان له
بما يعرف أن الإبل الحمر تنتج الأورق أي: الأغبر، وهو الذي فيه سواد وبياض فكذلك
المرأة البيضاء تلد الأسود.
وأصبغ بن الفرج أبو عبد الله المصري روى عن عبد الله بن وهب المصري عن
يونس بن يزيد الأيلي عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري عن أبي سلمة بن
عبد الرحمن عن أبي هريرة.
والحديث قد مضى في اللعان ولكن عن يحيى بن قزعة عن مالك عن ابن شهاب
عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، ومضى الكلام فيه.
قوله: ((وإني أنكرته)) لأني أبيض وهو أسود. قوله: ((لورقاً)، بضم الواو جمع
الأورق وهو ما في لونه بياض إلى سواد. قوله: ((عرق)) أي: أصل. قوله: ((نزعها)) أي:
اجتذبها إليه حتى ظهر لونه عليه. قوله: ((في الانتفاء)) أي: في اللعان ونفي الولد من
نفسه .
٤٥/ ٧٣١٥ - حدّثنا مُسَدَّدٌ، حدّثنا أبُو عَوانَةَ، عِنْ أبي بِشْر، عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ،
عنِ ابن عبّاسٍ أنَّ امْرَأةً جاءَتْ إلى النَّبِيِّ ◌َّ فِقالَتْ: إن أُمّي نَذَرتْ أنْ تَحُجَّ فَماتَتْ قَبْلَ أنْ
تَحُجَّ، أفأحُجُّ عنها؟ قال: ((نَعَمْ حُجِّي عنْها! أرَأنْتَ لَوْ كَانَ عَلى أُمَكِ دَيْنٌ أُكُنْتِ قَاضِيَتَهُ؟))
قَالَتْ: نَعمْ. فقال: ((فاقْضُوا الّذِي لهُ، فإنَّ الله أحقُّ بالْوَفاءِ)). [انظر الحديث ١٨٥٢ وطرفه].
مطابقته للترجمة من حيث إن النبي، وَلقر، شبه لتلك المرأة التي سألته الحج عن
أمها بدين الله بما تعرف غيره من دين العباد، غير أنه قال: ((فدين الله أحق)).
وأبو عوانة بالفتح الوضاح، وأبو بشر بكسر الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة
جعفر بن أبي وحشية.
والحديث قد مر في كتاب الحج في: باب الحج المنذور عن الميت، ومضى
الكلام فيه.
قوله: ((قاضيته)) بالضمير ويروى: قاضية، بدون الضمير. قوله: («فاقضوا)» أي:
فاقضوا أيها المسلمون الحق الذي لله تعالى، ودخلت المرأة التي سألته الحج عن أمها
في هذا الخطاب دخولاً بالقصد الأول، وقد علم في الأصول أن النساء يدخلن في
خطاب الرجال لا سيما عند القرينة المدخلة. قيل: قال الفقهاء: حق الآدمي مقدم على

٧٧
٩٧ - كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة / باب (١٣)
حق الله تعالى: وأجيب: بأن التقديم بسبب احتياجه لا ينافي الأحقية بالوفاء واللزوم،
واحتج المزني بهذين الحديثين على من أنكر القياس قال: وأول من أنكر القياس إبراهيم
النظام وتبعه بعض المعتزلة وداود بن علي وما اتفق عليه الجماعة هو الحجة فقد قاس
الصحابة ومن بعدهم من التابعين وفقهاء الأمصار، وقيل: دعوى الأولية في إنكار
القياس بإبراهيم مردود لأنه ثبت عن ابن مسعود من الصحابة وعن عامر الشعبي التابعي
من فقهاء الكوفة، وعن محمد بن سيرين من فقهاء البصرة. والله أعلم.
١٣ - بابُ ما جاءَ في اجْتِهادِ القُضاةِ بِما أنْزَلَ الله تعالى لِقَوْلِهِ:
﴿وَمَنْ لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنَزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥].
أي: هذا باب في بيان ما جاء في اجتهاد القضاة في حكمهم بما أنزل الله تعالى،
وفي رواية أبي ذر والنسفي وابن بطال وطائفة: باب ما جاء في اجتهاد القضاة،
والاجتهاد لغة المبالغة في الجهد، واصطلاحاً استفراغ الوسع في درك الأحكام الشرعية.
قوله: ((لقوله)): ﴿وَمَنْ لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اَللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥] وفي
القرآن أيضاً ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾ [آل عمران: ٨٢] و﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ﴾
[المائدة: ٤٤] وتخصيص آية الظلم من حيث إن الظلم عام شامل للفسق والكفر لأنه وضع
الشيء في غير موضعه، وهو يشملهما.
ومَدَحَ النبيُّ رَِّ صاحِبَ الحِكْمَةِ حِينَ يَقْضِي بِها ويُعَلِّمُها لا يَتَكَلَّفُ مِنْ قِبَلِهِ ومُشاوَرَةِ
الخُلَفَاءِ وسُؤَالِهِمْ أهْلَ العِلْمِ.
يجوز في قوله: ومدح النبي، صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، وجهان:
أحدهما: أن يكون مصدراً مجروراً عطفاً على قوله: ما جاء في اجتهاد القضاة، ويكون
المصدر مضافاً إلى فاعله. وقوله: ((صاحب الحكمة)) منصوب على أنه مفعوله. والثاني:
أن يكون فعلاً ماضياً من المدح ويكون ((النبي)) مرفوعاً على أنه فاعل له: ((وصاحب
الحكمة)) منصوب على المفعولية، والحكمة العلم الوافي المتقن. قوله: ((حين يقضي
بها))، أي: بالحكمة. قوله: ((من قبله))، بكسر القاف وفتح الموحدة أي: من جهته،
وفي رواية الكشميهني: من قيله، بكسر القاف وسكون الياء آخر الحروف أي: مر
كلامه، وفي رواية النسفي: من قبل نفسه. قوله: ((ومشاورة الخلفاء)) بالجر عطفاً على
قوله: ((في اجتهاد القضاة)) أي: وفيما جاء في مشاورة الخلفاء، أراد أن مشاورة الخلفاء
وسؤالهم أهل العلم بما أنزل الله تعالى في الأحكام، وذكر الخلفاء ليس بقيد لأن سائر
الحكام في ذلك سواء. وقوله: ((أهل العلم)) منصوب تنازع فيه العاملان أعني قوله:
(مشاورة)) وقوله: ((وسؤالهم)).

٧٨
٩٧ - كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة / باب (١٣)
٧٣١٦/٤٦ - حدّثنا شِهابُ بنُ عبَّدٍ، حدّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ حُمَيْد، عنْ إسْمَاعِيلَ عنْ
قَيْس، عنْ عَبْدِ الله قال: قال رسولُ اللهِ وَلَى: ((لا حَسَدَ إلاّ في اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آَتَاهُ الله مالاً
فَسُلَّطَ عَلى هَلَكَتِهِ في الحَقِّ، وآخرُ آتَاهُ الله حِكْمَةً فَهُوَ يَقْضِي بِها ويُعلُّمُها)). [انظر الحديث ٧٣
وأطرافه].
مطابقته للترجمة الثانية ظاهرة. وشهاب بن عباد بالفتح وتشديد الباء الموحدة
العبدي الكوفي، وإبراهيم بن حميد بالضم الرؤاسي، وإسماعيل بن أبي خالد البجلي
واسم أبي خالد سعد، وقيس بن أبي حازم، وعبد الله هو ابن مسعود.
والحديث مضى في أوائل الأحكام في: باب أجر من قضى بالحكمة، فإنه أخرجه
هناك عن شهاب بن عباد أيضاً ... الخ، ومضى الكلام فيه.
٧٣١٧/٤٧ - حدّثناً مُحَمَّدٌ، أخبرنا أبُو مُعاوِيَةَ، حدثنا هِشامٌ، عنْ أَبِيهِ، عنِ
المُغيرَةِ بنِ شُعْبَةَ قال: سَأَلَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ عنْ إِمْلاص المَرأةِ ـ هِيَ الّتِي يُضْرَبُ بَطْنُها
فَتُلْقِي جَنِيناً؟ - فقال: أيُّكُمْ سَمِعَ مِنَ النبيِّ وَّهِ فِيهِ شَيْئاً؟ فَقُلْتُ: أنا، فقال: ما هُوَ؟ قُلْتُ:
سَمِعْتُ النبيِّ نَّهِ يَقولُ: ((فِيهِ غُرَّةٌ عَبْدٌ - أوْ أمَةٌ ـ)) فقال: لا تَبْرَحْ حتَّى تَجِيئَنِي بِالمَخْرَجِ
فيما قُلْتَ.
[انظر الحديث ٦٩٠٥ وطرفيه].
٧٣١٨/٤٨ - فَخَرَجْتُ فَوَجَدْتُ مُحَمَدَ بنَ مَسْلَمَةً فَجِثْتُ بِهِ فَشَهِدَ مَعِي أنّهُ سَمِعَ
النبيَّى وَهِ يَقُولُ: ((فِيهِ غُرَّةٌ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ)). [انظر الحديث ٦٩٠٦ وطرفه].
مطابقته للترجمة الثانية ظاهرة. ومحمد شيخ البخاري قال الكلاباذي: ابن سلام
وابن المثنى يرويان عن أبي معاوية محمد بن خازم بالمعجمة. قلت: لم يجزم بأحدهما.
والمشهور أنه محمد بن سلام لأن اختصاصه به مشهور.
والحديث مضى في آخر الديات في: باب جنين المرأة.
قوله: ((عن إملاص المرأة)) الإملاص إلقاء المرأة الجنين ميتاً وهي التي يضرب
بطنها. قوله: ((أيكم سمع؟)) قيل: خبر الواحد حجة يجب العمل به، فلم ألزمه
بالشاهد؟ وأجيب: للتأكيد وليطمئن قلبه بذلك مع أنه لم يخرج بانضمام آخر إليه عن
كونه خبر الواحد. قوله: ((غرة)) بالتنوين، وقوله: ((عبد)» عطف بيان.
تَابَعَهُ ابنُ أبي الزنادِ عنْ أَبِيهِ عنْ عُزْوَةَ عنِ المُغِيرَةِ.
أي: تابع هشام بن عروة في روايته عن أبيه عروة بن أبي الزناد هو عبد الرحمن
عن أبيه هو عبد الله بن ذكوان عن عروة بن الزبير عن المغيرة بن شعبة. وأخرج
المحاملي هذه المتابعة موصولة فقال: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري حدثنا

٧٩
٩٧ - كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة / باب (١٤)
عبد العزيز بن عبد الله الأويسي حدثني ابن أبي الزناد عن أبيه عن عروة عن المغيرة،
فذكره. قيل: وقع في رواية الكشميهني: عن الأعرج عن أبي هريرة، وهو غلط،
والصواب: عن عروة عن المغيرة، وذكر هذه المتابعة سقط في رواية النسفي.
١٤ - بابُ قَوْلِ النبيِّ وَّ: «لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كانِ قَبْلَكُمْ»
أي: هذا باب في ذكر قول النبي وَّر: ((لتتبعن)) بفتح اللام للتأكيد، وفتح التاءين
المدغم إحداهما في الأخرى وكسر الباء الموحدة وضم العين وبالنون الثقيلة، وأصله:
تتبعون من الاتباع. قوله: ((سنن من كان قبلكم)) بفتح السين والنون أي: طريقة من كان
قبلكم يعني: في كل شيء مما نهى الشرع عنه وذمه، وقال ابن التين في شرح هذا اللفظ
في الحديث: قرأناه بضمها، يعني: بضم السين. وقال المهلب: الفتح أولى لأنه هو
الذي يستعمل فيه الذراع والشبر، على ما يأتي الآن.
٧٣١٩/٤٩ - حدّثنا أحمَدُ بنُ يُونُسَ، حدّثنا ابنُ أبي ذِئْبٍ، عنِ المَقْبُرِيِّ، عن أبي
هُرَيْرَةً، رضي الله عنه، عن النبيِّ بَّ﴿ قال: ((لا تَقومُ السَّاعَةُ حتَّى تَأْخُذَ أُمَّتي بِأَخْذِ القُرُونِ
قَبْلَهَا شِبْراً بِشِبْرِ وذِراعاً بِذِراعٍ)) فَقِيلَ: يا رسولَ الله! كَفَارِسَ والرُّومِ؟ فقال: ((ومَنِ النَّاسُ إِلاَّ
أُوْلِكَ؟)).
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها)) أي: حتى
تسير أمتي بسير القرون قبلها، الأخذ بفتح الهمزة وكسرها السيرة، يقال: أخذ فلان
بأخذ فلان أي: سار بسيرته، وحكى ابن بطال عن الأصيلي: بما أخذ القرون، بالباء
الموحدة و: ما، الموصولة، و: أخذ، بصورة الفعل الماضي وهو رواية الإسماعيلي
أيضاً، وفي رواية النسفي: بمأخذ القرون، على وزن مفعل بفتح الميم، والقرون جمع
قرن بفتح القاف وسكون الراء وهو الأمة من الناس.
وشيخ البخاري أحمد بن يونس هو أحمد بن عبد الله بن يونس اليربوعي الكوفي
وهو شيخ مسلم أيضاً، وابن أبي ذئب بكسر الذال المعجمة وهو محمد بن
عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب القرشي المدني واسم أبي ذئب
هشام بن سعيد، والمقبري بفتح الميم وسكون القاف وضم الباء الموحدة هو سعيد بن
أبي سعيد بن أبي كيسان. والحديث من أفراده.
قوله: ((شبراً بشبر وذراعاً بذراع)»، تمثيل، وفي رواية الكشميهني: شبراً شبراً
وذراعاً ذراعاً. قوله: ((كفارس والروم؟)) أراد هؤلاء الذين يتبعونهم كفارس والروم وهما
جيلان مشهوران من الناس، وفارس هم الفرس وملكهم کسری، وملك الروم قيصر.
قوله: ((ومن الناس إلا أولئك؟)) أي: فارس والروم، وكلمة: من، للاستفهام على سبيل

٨٠
٩٧ - كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة / باب (١٥)
الإنكار، قيل: الناس ليسوا منحصرين فيهما. وأجيب: بأن المراد حصر الناس
المتبوعين المعهودين المتقدمين، وإنما عين هذين الجيلين لكونهما كانا إذ ذاك أكبر
ملوك الأرض وأكثرهم رعية وأوسعهم بلاداً .
٧٣٢٠/٥٠ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ، حدثنا أبُو عُمَرَ الصَّنْعانِيُّ مِنَ اليَمَنِ،
عِنْ زَيْدِ بنِ أسْلَمَ، عنْ عَطاءِ بنِ يَسارٍ، عن أبي سَعيدِ الخُذْرِيِّ، عنِ النبيِّ نَّهِ قال: ((لَتَتْبَعُنَّ
سَنَنَ مَنْ كَان قَبْلَكُمْ شِبْراً شِبْراً وذِراعاً بِذِراعٍ، حتَّى لَوْ دَخَلُوا جُخْرَ ضَبِّ تَبِعْتُمُوهُمْ))؟ قُلْنا:
يا رسولَ الله! اليَهُودُ والنَّصارى؟ قال: ((فَمَنْ)). [انظر الحديث ٣٤٥٦].
مطابقته للترجمة ظاهرة لأن الترجمة جزء منه.
ومحمد بن عبد العزيز الرملي، وأبو عمر حفص بن ميسرة الصنعاني من صنعاء
اليمن احترز به عن صنعاء الشام، وعطاء بن يسار - خلاف اليمين - وأبو سعيد سعد بن
مالك.
والحديث مضى في ذكر بني إسرائيل عن سعيد بن أبي مريم.
قوله: ((جحر ضب)) بضم الجيم وسكون الحاء المهملة، والضب بفتح الضاد
المعجمة وتشديد الباء الموحدة هو الحيوان المشهور. قوله: ((اليهود)) بالرفع أي: الذين
قبلنا هم اليهود، وبالجر عطف على أنه بدل: عمن قبلكم، قوله: ((فمن؟)) استفهام
إنكار، فالتقدير: فمن هم غير أولئك؟ وقال الكرماني: هذا مغاير لما تقدم آنفاً أنهم
كفارس. قلت: الروم نصارى وفي الفرس كان يهود، مع أن ذلك لا على سبيل المثال،
وقال ابن بطال: أعلم النبي بَّر أن أمته ستتبع المحدثات من الأمور والبدع والأهواء كما
وقع للأمم قبلهم. انتهى. قلت: قد وقع معظم ما ذكره خصوصاً في الديار المصرية
وخصوصاً في ملوكها وعلمائها وقضاتها .
١٥ - بابُّ إِثْمَ مَنْ دَعا إلى ضَلالَةٍ أوْ مَنْ سَنَّ سُنَّةٌ سَيِّئَةً لِقَوْلِ الله تعالى:
&
﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥] الآيةَ
أي: هذا باب في بيان إثم من دعا الناس إلى ضلالة، أراد عليه إثم مثل إثم من
تبعه فيها، وقد ورد بذلك حديث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَ لفي ((من دعا إلى
هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا
إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً». أخرجه
مسلم وأبو داود والترمذي قوله: ((أو من سن سنة سيئة))، كذلك ورد حديث أخرجه
مسلم عن جرير بن عبد الله البجلي، وهو حديث طويل وفيه قال رسول الله، وَلّ ى: ((من
سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم