النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
٩٤ - كتاب الأحكام / باب (٤٢)
والحديث مضى في القدر عن عبدان. وأخرجه النسائي في البيعة وفي السير عن
يونس بن عبد الأعلى عن عبد الله بن وهب به. قوله: ((ما بعث الله من نبي ولا
استخلف من خليفة))، وفي رواية صفوان بن سليم: ما بعث الله من نبي ولا بعده من
خليفة، ووقع في رواية الأوزاعي ومعاوية بن سلام: ما من والٍ، وهو أعم. قوله:
((بالمعروف))، في رواية سليمان بالخير. قوله: ((وتحضه))، بالحاء المهملة والضاد
المعجمة المشددة أي: يرغبه فيه ويدله عليه. فإن قلت: هذا التقسيم مشكل في حق
النبي ◌َّر. قلت: في بقية الحديث الإشارة إلى سلامة النبي ◌َّقر، من بطانة الشر ب قوله:
((والمعصوم من عصم الله))، وهو معصوم لا شك فيه. ولا يلزم من وجود من يشير على
النبي 8* بالشر أن يقبل منه. وقيل: المراد بالبطانتين في حق النبي 18 الملك
والشيطان، وشيطانه قد أسلم فلا يأمره إلاَّ بخير. قوله: ((والمعصوم من عصم الله)) أي:
من عصمه الله، وكذا في بعض الرواية وقال الكرماني: أي لكل نبي وخليفة جلساء
صالحة وجلساء طالحة، والمعصوم من عصمه الله من الطالحة، أو لكل منهما نفس
أمارة بالسوء ونفس لوامة، والمعصوم من أعطاه الله نفساً مطمئنة، أو لكل قوة ملكية
وقوة حيوانية والمعصوم من رجح الله له جانب الملكية، قال المهلب: غرضه إثبات
الأمور لله تعالى، فهو الذي يعصم من نزغات الشياطين والمعصوم من عصمه الله لا من
عصم نفسه .
وقال سُلَیمانُ عن یخیلی: أخبرني ابنُ شِهابٍ بِهذا.
سليمان هو ابن بلال، ويحيى هو ابن سعيد الأنصاري. قوله: بهذا، أي:
بالحديث المذكور، ووصله الإسماعيلي من طريق أيوب بن سليمان بن بلال عن أبي
بكر بن أبي أويس عن سليمان بن بلال، قال: قال يحيى بن سعيد: أخبرني ابن
شهاب ... فذكره.
وعن ابن أبي عَتِيقٍ ومُوسى عنِ ابنِ شهاب، مِثْلَهُ.
هذا عطف على يحيى بن سعيد، وابن أبي عتيق هو محمد بن عبد الرحمن بن
أبي بكر الصديق، وموسى هو ابن عقبة ووصله البيهقي من طريق أبي بكر بن أبي أويس
عن سليمان بن بلال عن محمد بن أبي عتيق وموسى بن عقبة به. قوله: مثله، أي:
مثل الحديث المذكور، وقال الكرماني: والفرق بينهما أي: بين قوله: بهذا، وبين
قوله: مثله، أن المروي في الطريق الأول هو الحديث المذكور بعينه، وفي الثاني هو
مثله. وقال بعضهم: ولا يظهر بين هذين فرق. قلت: كيف ينفي الفرق ومثل الشيء غير
عينه .
٠٦
وقال شُعَيْبٌ عنِ الزُّهرِيِّ: حدثني أبو سَلَمَةَ عنْ أَبِي سَعِيدٍ قَوْلَهُ.
عمدة القاري / ج٢٤ - م٢٦

٤٠٢
٩٤ - كتاب الأحكام / باب (٤٣)
شعيب هو ابن أبي حمزة الحمصي يعني: روى شعيب عن محمد بن مسلم
الزهري، قال: حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبي سعيد الخدري. قوله: يعني
لم يرفعه بل جعله من كلام أبي سعيد، وانتصاب: قوله، بنزع الخافض أي: من قوله.
قيل: هذه الرواية الموقوفة وصلها الذهلي في (الزهريات).
وقال الأوزاعِيُّ ومُعاوِيَةُ بنُ سَلامٍ: حدثني الزُّهْرِيُّ حدّثْنِي أَبُو سَلَمَةَ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عنِ
النبيّ ◌َلتر.
الأوزاعي هو عبد الرحمن بن عمرو، ومعاوية بن سلام بتشديد اللام الدمشقي
أشار بهذا إلى أن الأوزاعي ومعاوية خالفا من تقدم فجعلا الحديث عن أبي هريرة بدل
أبي سعيد، وخالفا شعيباً أيضاً فإن شعيباً وقفه وهما رفعاه، فرواية الأوزاعي وصلها
أحمد من رواية الوليد بن مسلم عنه، ورواية معاوية بن سلام وصلها النسائي من رواية
معمر بالتشديد بن يعمر بفتح الباء وسكون العين المهملة: حدثنا معاوية بن سلام حدثنا
الزهري حدثني أبو سلمة أن أبا هريرة قال ... فذكره.
وقال ابنُ أبي حُسَيْنٍ وسَعيدُ بنُ أبي زِيادٍ عنْ أَبِي سَلَمَةَ عنْ أبي سَعيدٍ قَوْلَهُ.
ابن أبي حسين هو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين النوفلي المكي،
وسعيد بن أبي زيادة الأنصاري المدني من صغار التابعين روى عن جابر وحديثه عنه عند أبي
داود والنسائي وماله راوٍ إِلاَّ سعيد بن أبي هلال، وقد قال فيه أبو حاتم الرازي: مجهول،
وما له في البخاري ذكر إلاّ في هذا الموضع.
وقال عُبَيْدُ الله بنُ أبي جَعْفَرٍ: حدّثني صَفْوَانُ عنْ أَبِي سَلمَةَ عنْ أبي أيُّوبَ قال:
سَمِعْتُ النبيَّ أَلِّ.
عبيد الله بن أبي جعفر اسمه يسار - ضد اليمين - المصري من التابعين الصغار،
وصفوان هو ابن سليم بالضم مولى آل عوف، وأبو أيوب الأنصاري اسمه خالد بن
زيد، ووصل هذا الطريق النسائي من طريق الليث عن عبيد الله بن جعفر عن صفوان
عن أبي سلمة عن أبي أيوب، قال الكرماني: والحديث مرفوع من ثلاثة أنفس من
الصحابة. قلت: هم أبو سعيد وأبو هريرة وأبو أيوب.
٤٣ - بابٌ كَيْفَ يُبَايِعُ الإمامُ النَّاس
أي: هذا باب فيه كيف يبايع الإمام الناس، قيل: المراد بالكيفية الصيغ القولية لا
الفعلية بدليل ما ذكره فيه ست أحاديث، وهي البيعة على السمع والطاعة وعلى الهجرة
وعلى الجهاد وعلى الصبر وعلى عدم الفرار ولو وقع الموت وعلى بيعة النساء وعلى
الإسلام، وكل ذلك وقع عند البيعة بينهم بالقول.

٤٠٣
٩٤ - كتاب الأحكام / باب (٤٣)
٧١٩٩/٦١ - حدّثنا إسماعيلُ، حدّثني مالِكٌ، عنْ يَحيى بنِ سَعيدٍ قال أخبرني
عُبَادَةُ بنُ الوَلِيدِ أخبرني أبي عنْ عُبادَةَ بنِ الصَّامِتِ قال: بايَعْنا رسولَ اللهِ وَ ﴿ عَلَى السَّمْعِ
والطّاعَةِ في المَنْشَطِ والمَكْرَهِ. [انظر الحديث ١٨ وأطرافه].
٧٢٠٠/٦٢ - وأنْ لا نُنازِعَ الأمْرَ أهْلَهُ، وأنْ نَقُومَ - أو نَقُولَ ـ بالحَقِّ حَيْثُمَا كُنَّا لا
نَخافُ في الله لَوْمَةَ لائِم. [انظر الحديث ٧٠٥٦].
مطابقته للترجمة ظاهرة لأن فيه كيفية المبايعة. وإسماعيل هو ابن أبي أويس،
ويحيى بن سعيد الأنصاري، وعبادة بالضم وتخفيف الباء الموحدة ابن الوليد بن
عبادة بن الصامت الأنصاري، وقال الكرماني: لم يتقدم ذكره.
والحديث أخرجه مسلم في المغازي عن أبي بكر بن أبي شيبة وغيره.
قوله: ((بايعنا)) قيل: كان هذا في بيعة العقبة الثانية، وقال ابن إسحاق: وكانوا في
العقبة الثانية ثلاثة وسبعين رجلاً من الأوس والخزرج وامرأتين. قوله: ((في المنشط))
بفتح الميم مصدر ميمي من النشاط وهو الأمر الذي ينشط له ويخف إليه ويؤثر فعله
((والمكره)» أيضاً مصدر ميمي يعني: بايعنا على المحبوب والمكروه.
قوله: ((وأن لا تنازع الأمر أهله)» أي: وفي أن لا نقاتل الأمراء والأئمة وعلى أهل
الإسلام الطاعة والسمع، فإن عدل فله الأجر وعلى الرعية الشكر، وإن جار فعليه الوزر
وعلى الرعية الصبر والتضرع إلى الله في كشف ذلك. قوله: ((أو نقول)) شك من
الراوي .
٧٢٠١/٦٣ - حدّثنا عَمْرُو بنُ عَلِيٍّ، حدّثنا خالِدُ بنُ الحارثِ، حدثنا حُمَيْدٌ عنْ أَنَسٍ،
رضي الله عنه، قال: خَرَجَ النبيُّ ﴿ ﴿ في غداةِ بارِدَةٍ والمُهاجِرُونَ والأنْصارُ يَخْفِرُونَ الخَنْدَقَ
فقال :
«اللَّهُمَّ إِنَّ الخَيْرَ خَيْرُ الآخِرَهُ فاغْفِزْ لِلْأَنْصارِ والمُهَاجِرَة)»
فأجابُوا:
نَحْنُ الذِينَ بايَعُوا مُحَمَّدا عَلى الجهِادِ ما بَقِينا أبَدا
[انظر الحديث ٢٨٣٤ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة. وعمرو بن علي الصيرفي البصري، وخالد بن الحارث
الجهيمي البصري، وحميد الطويل.
والحديث مضى بأتم منه في غزوة الخندق.
قوله: ((فأجابوا)) أي: المهاجرون والأنصار.

٤٠٤
٩٤ - كتاب الأحكام / باب (٤٣)
٦٤/ ٧٢٠٢ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ، أخبرنا مالِكٌ، عنْ عَبْدِ الله بنِ دِينارٍ،
عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ، رضي الله عنهما، قال: كُنَّا إذا بايَعْنا رسولَ اللهِ وََّ عَلى السَّمْعِ
والطَّاعَةِ، يَقُولُ لَنَا: ((فيما اسْتَطَعْتَ)).
مطابقته للترجمة ظاهرة. والحديث من أفراده.
قوله: ((فيما استطعت)) هكذا في رواية المستملي والسرخسي بالإفراد، وفي رواية
غيرهما: فيما استطعتم، بالجمع، قاله النبي ◌َّر إشفاقاً ورحمة لهم.
٧٢٠٣/٦٥ - حدّثنا مُسَدَّدٌ حدّثنا يحيى عنْ سُفيانَ حدّثنا عَبْدُ الله بنُ دِينارٍ قال:
شَهِدْتُ ابنَ عُمرَ حَيْثُ اجْتَمَعِ النَّاس عَلى عَبْدِ المَلِكِ قال: كَتَبَ، إنِّي أُقِرُّ بِالسَّمْعِ والطّاعَةِ
لِعَبْدِ الله عَبْدِ المَلِكِ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلى سُنَّةِ الله وسُنَّةِ رسُولِهِ ما اسْتَطَعْتُ، وإنَّ بَنِيَّ قَدْ أقَرُّوا
بِمِثْلٍ ذُلِكَ. [الحديث ٧٢٠٣ - طرفاه في: ٧٢٠٥، ٧٢٧٢].
ويحيى هو القطان، وسفيان هو الثوري. والحديث من أفراده.
قوله: ((عبد الملك)) هو ابن مروان بن الحكم الأموي، والمراد باجتماع الناس
عليه عقدهم له بالخلافة وكان بويع له في حياة أبيه، فلما مات أبوه في ثالث رمضان في
سنة خمس وستين جددت لعبد الملك البيعة بدمشق ومصر وأعمالهما، واستقرت يده
على ما كانت يد أبيه عليه. قوله: ((كتب)) أي: ابن عمر ((إني أقر بالسمع والطاعة)) ...
إلى آخره. قوله: ((ما استطعت)) أي: قدر استطاعتي. قوله: ((إن بني قد أقروا بذلك))
أي: بالسمع والطاعة، وأبناؤه هم عبد الله وأبو بكر وأبو عبيدة وبلال وعمر أمهم صفية
بنت أبي عبيد بن مسعود الثقفي وعبد الرحمن أمه أم علقمة بنت نافس بن وهب وسالم
وعبيد الله وحمزة أمهم أم ولد وزید أمه أم ولده.
[٧٢٠٤/٦٦ - حدّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا هُشيمٌ، أخبرنا سَيَّارٌ، عن
الشعبيّ، عن جرير بن عبد الله قال: ((بايعتُ النبيّ ◌َّر على السمع والطاعة، فلقنني: فيما
استطعت، والنصح لكل مسلم))]. [انظر الحديث ٥٧ وأطرافه].
[٧٢٠٥/٦٧ - حدّثنا عمرو بن علي، حدثنا يحيى عن سفيان قال: حدثني
عبد الله بن دينار قال: لما بايع الناس عبد الملك كتب إليه عبدُ الله بن عمر: إلى عبد الله
عبد الملك أمير المؤمنين، إني أَقر بالسمع والطاعة لعبد الله عبد الملك أمير المؤمنين على
سنة الله وسنة رسوله، فيما استطعت، وإن بني قد أقروا بذلك]. [انظر الحديث ٧٢٠٣ وطرفه].
٧٢٠٦/٦٨ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ، حدثنا حاتِمٌ عَنْ يَزِيدَ قال: قُلْتُ لِسَلَمَةً:
عَلى أَيِّ شَيءٍ بايَعْتُمُ النبيَّ وَهِ يَوْمَ الحُدَيْبِيّةِ؟ قال: عَلى المَوْتِ. [انظر الحديث ٢٩٦٠
وطرفه].

٤٠٥
٩٤ - كتاب الأحكام / باب (٤٣)
مطابقته للترجمة ظاهرة. وحاتم بالحاء المهملة ابن إسماعيل الكوفي سكن -
المدينة، ويزيد - من الزيادة - ابن أبي عبيد مولى سلمة بن الأكوع يروي عن مولاه
سلمة بن الأكوع وهو القائل له: ((على أي شيء بايعتم)).
قوله: ((على الموت)) يعني: لا نفر وإن قتلنا، وهذا الحديث مختصر، وتمامه في
كتاب الجهاد في: باب البيعة على الحرب أن لا يفروا.
٦٩/ ٧٢٠٧ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ بنِ أسْماءَ، حدّثنا جُوَيْرِيَةُ، عنْ مالِكِ عنِ
الزُّهْرِيِّ أنَّ حُمَيْدَ بنَ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، أخْبَرَهُ أنَّ المِسْوَرَ بنَ مَخْرَمَةً أخبرهُ أنَّ الرَّهْطَ الّذِينَ
وَلَاهُمْ عُمَرُ اجْتَمَعُوا فَتَشاوَرُوا فقال لَهُمْ عَبْدُ الرَّحْمُنِ: لَسْتُ بِالّذِي أَنَافِسُكُمْ عَلى هُذَا
الأمْرِ، ولَكِنَّكُمْ إِنْ شئْتُمُ اخْتَرْتُ لَكُمْ مِنْكُمُ، فَجَعَلُوا ذُلِكَ إلى عَبْدِ الرَّحْمُنِ، فَلِمَّا وَلَّوْا
عَبْدَ الرَّحْمُنِ أمْرَهُمْ فمالَ النَّاسُ عَلى عَبْدِ الرَّحْمُنِ حتَّى ما أرى أحداً مِنَ النَّاسِ يَتْبَعُ أُولَئِكَ
الرَّهْطَ ولا يَطَأَ عَقِبَهُ، ومالَ النَّاسُ عَلى عَبْدِ الرَّحْمُنِ يُشاوِرُونَهُ تِلْكَ اللّيالي، حتَّى إذا كانَتِ
اللّيْلَة الَّتِي أصْبَحْنا مِنْها فبايَعْنا عُثْمانَ، قال المِسْوَرُ: طَرَقني عَبْدُ الرَّحْمُنِ بَعْدَ هَجْعٍ مِنَ
اللَّيْلِ، فَضَرَبَ البابَ حتَّى اسْتَيْقَظْتُ، فقال: أراكَ نائِماً! فَوالله ما اكْتَحَلْتُ هُذِهِ اللَّيْلَةَ بِكْثِرٍ
نَوْمِ، انْطَلِقْ فادعُ الزُّبَيْرَ وسَعْداً، فَدَعُوتُهُما لَهُ فَشاوَرَهُما، ثُمَّ دَعاني فقال: ادْعُ لِي عَلِيّاً
فَدَغَوْتُهُ فَناجاهُ حتَّى ابْهارَّ اللَّيْلُ، ثُمَّ قَامَ عَلِيٍّ مِنْ عِنْدِهِ، وهُوَ عَلى طَمَع وقَدْ كَانَ عَبْدُ
الرَّحْمُنِ يَخْشَى مِنْ عَلِيٍّ شَيْئاً، ثُمَّ قال: ادْعُ لِي عُثْمَانَ فَدَعَوْتُهُ فَنجاهُ، حَتَّى فَرَّقَ بَيْنَهُما
المُؤَذِّنُ بِالصُّبْحِ، فَلَمَّا صَلّى للنَّاسِ الصُّبْحَ، واجْتَمَعَ أُولَئِكَ الرَّهْطُ عِنْدَ المِثْبَرِ، فَأَرْسَلَ إلى
مَنْ كانَ حاضِراً مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، وأرسَلَ إلى أُمَراءِ الأجْناد وكانوا وافَوْا تِلْكَ الحَجَّةَ
مَعَ عُمَرَ، فَلمَّا اجْتَمَعُوا تَشَهَّدَ عَبْدُ الرَّحْمُنِ ثُمَّ قال: أمَّا بَعْدُ يا عَلِيُّ! إنِّي قَدْ نَظَرْتُ فِي أَمْرٍ
النَّاسِ فَلَمْ أَرَهُمْ يَعْدِلُونَ بِعُثْمانَ، فَلا تَجْعَلَنَّ عَلى نَفْسِكَ سَبِيلاً، فقال: أُبَايِعُكَ عَلى سُنَّةِ الله
وسُنَّةِ رسُولِهِ والخَليفَتَيْنِ مِنْ بَعْدِهِ، فبايَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمُنِ وبايَعَهُ النَّاسُ المُهاجِرُونَ والأنْصَارُ
وأُمَرَاءُ الأجناد والمُسْلِمُونَ. [انظر الحديث ١٣٩٢ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة. وهذا آخر الأحاديث الستة التي أخرج كلّاً منها لكل من
البيعة الستة .
وجويرية - مصغر جارية - ابن أسماء الضبعي وهو عم عبد الله بن محمد بن
أسماء الراوي عنه، وحميد بن عبد الرحمن بن عوف، والمسور بكسر الميم ابن مخرمة
بفتح الميم ابن نوفل ابن أخت عبد الرحمن بن عوف يكنى أبا عبد الرحمن، سمع
النبي {ێ.
قوله: ((إن الرهط الذين ولاهم عمر رضي الله تعالى عنهم)) عثمان وعلي وطلحة

٤٠٦
٩٤ - كتاب الأحكام / باب (٤٣)
والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص، رضي الله تعالى عنهم وقال: إن
عجل بي أمر فالشورى في هؤلاء الستة الذين توفي رسول الله وَّقه، وهو عنهم راضٍ.
وقال الطبري: فلم يكن أحد من أهل الإسلام يومئذٍ له منزلتهم من الدين والهجرة
السابقة والفضل والعلم بسياسة الأمر. قوله: ((فقال لهم عبد الرحمن)) هو ابن عوف.
قوله: ((أنافسكم)) أي: أنازعكم فيه إذ ليس لي في الاستقلال بالخلافة رغبة. قوله:
((على هذا الأمر)) هكذا في رواية الكشميهني، وفي رواية غيره: عن هذا الأمر، أي: من
جهته ولأجله. قوله: ((فلما ولوا عبد الرحمن أمرهم)) يعني: أمر الاختيار منهم. قوله:
((فمال الناس على عبد الرحمن)) من الميل، وفي رواية سعيد بن عامر: فانثال الناس،
بنون وبثاء مثلثة أي: قصدوه كلهم شيئاً بعد شيء، وأصل المثل: الصب، يقال: نثل
كنانته أي: صب ما فيها من السهام. قوله: ((ولا يطأ عقبه)) بفتح العين المهملة وبكسر
القاف وبالباء الموحدة أي: ولا يمشي خلفه، وهي كناية عن الإعراض. قوله: ((فمال
الناس على عبد الرحمن))، كرر هذه اللفظة لبيان سبب الميل وهو قوله: ((يشاورونه تلك
الليالي))، قوله: (بعد هجع))، بفتح الهاء وسكون الجيم وبالعين المهملة أي: بعد قطعة
من الليل، يقال: لقيته بعد هجع من الليل، والهجع والهجعة والهجيع والهجوع بمعنى،
وقال صاحب (العين): الهجوع النوم بالليل خاصة، يقال: هجع يهجع وقوم هجع
وهجوع. قوله: ((هذه الليلة)) كذا في رواية المستملي، وفي رواية غيره: ما اكتحلت هذه
الثلاث، ويؤيده رواية سعيد بن عامر: والله ما حملت فيها غمضاً منذ ثلاث. قوله:
((بكثير نوم))، بالثاء المثلثة وبالباء الموحدة وهو مشعر بأنه لم يستوعب الليل سهراً بل نام
لكن يسيراً منه، والاكتحال في هذا كناية عن دخول النوم جفن العين كما يدخلها
الكحل، ووقع في رواية يونس: ما ذاقت عيناي كثير نوم. قوله: ((فشاورهما)» من
المشاورة وفي رواية المستملي: فسارهما، بالسين المهملة وتشديد الراء. فإن قلت:
ليس لطلحة ذكر لههنا. قلت: لعله كان شاوره قبلهما. قوله: ((حتى ابهارَّ الليل)) بالباء
الموحدة الساكنة وتشديد الراء أي: حتى انتصف الليل، وبهرة كل شيء وسطه. وقيل:
معظمه. قوله: ((على طمع)) أي: أن يوليه. قوله: ((وقد كان عبد الرحمن يخشى من
علي شيئاً) أي: من المخالفة الموجبة للفتنة. قوله: ((وكانوا وافوا تلك الحجة)) أي:
قدموا إلى مكة فحجوا مع عمر ورافقوه إلى المدينة، وأمراء الأجناد هم: معاوية أمير
الشام، وعمير بن سعد أمير حمص، والمغيرة بن شعبة أمير الكوفة، وأبو موسى
الأشعري أمير البصرة، وعمرو بن العاص أمير مصر. قوله: ((تشهد عبد الرحمن)) وفي
رواية إبراهيم بن طهمان: جلس عبد الرحمن على المنبر، وفي رواية سعيد بن عامر؛
فلما صلى صهيب بالناس صلاة الصبح جاء عبد الرحمن يتخطى حتى صعد المنبر.
قوله: ((فلا تجعلن على نفسك سبيلاً) أي: من الخلافة إذا لم يوافق الجماعة، وهذا

٤٠٧
٩٤ - كتاب الأحكام / باب (٤٤)
ظاهر أن عبد الرحمن لم يتردد عند البيعة في عثمان. فإن قلت: في رواية عمرو بن
ميمون التصريح بأنه بدأ بعلي فأخذ بيده فقال: لك قرابة رسول الله ص84* والقدم في
الإسلام ما قد علمت، والله عليك لئن أمرتك لتعدلن، وأن أمرت عثمان لتسمعَن
ولتطيعن، ثم خلا بالآخر فقال له مثل ذلك، فلما أخذ الميثاق قال: ارفع يدك يا عثمان
فبايعه وبايعه علي، رضي الله تعالى عنه. قلت: طريق الجمع بينهما أن عمرو بن ميمون
حفظ ما لم يحفظه الآخر، ويحتمل أن يكون الآخر حفظه ولكن طوى ذكره بعض
الرواة. قوله: ((فبايعه عبد الرحمن)) فيه حذف تقديره: قال: نعم، بعد أن قال له:
أبايعك على سنة الله ... إلى آخره. قوله: ((والمسلمون)) من عطف العام على الخاص.
وفيه: فائدة جليلة ذكرها ابن المنير، وهي أن الوكيل المفوض له أن يوكل وإن لم
ينص له على ذلك، لأن الخمسة أسندوا الأمر لعبد الرحمن وأفردوه به فاستقل، مع أن
عمر، رضي الله تعالى عنه، لم ينص لهم على الانفراد.
٤٤ - بابُ مَنْ بايَعَ مَرَّتيْنِ
أي: هذا باب في ذكر من بايع مرتين يعني: في حالة واحدة للتأكيد.
٧٢٠٨/٧٠ - حدّثنا أبو عاصم، عنْ يَزِيدَ بنِ أبي عُبَيْدٍ، عِنْ سَلَمَة قال: بايَعْنا
النبيَّ وَّرْ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، فقال لي: ((يا سَلَمَةُ ألا تُبايع؟)). قُلْتُ: يا رسُولَ الله! قَدْ بايَعْتُ
في الأوَّلِ. قال: ((وفي الثّاني)). [انظر الحديث ٢٩٦٠ وطرفيه].
مطابقته للترجمة ظاهرة. وأبو عاصم الضحاك بن مخلد المشهور بالنبيل،
والبخاري يروي عنه كثيراً بالواسطة، ويزيد بن أبي عبيد مولى سلمة بن الأكوع، رضي
الله عنه .
والحديث أخرجه البخاري في الجهاد عن مكي بن إبراهيم، وهذا هو الحادي
والعشرون من ثلاثيات البخاري.
قوله: ((تحت الشجرة)) وهي التي في الحديبية وهي التي نزل فيها ﴿لَّقَدْ رَضِىَ
اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَوْ﴾ [الفتح: ١٨] وهذه تسمى بيعة الرضوان.
قوله: ((في الأول)) أي: في الزمان الأول، وفي رواية الكشميهني: في الأولى،
بالتأنيث أي: الساعة الأولى، أو في: الطائفة الأولى. قوله: ((وفي الثاني)) أي: تبايع
أيضاً في الثاني، أي: في الوقت الثاني. وقال المهلب: أراد أن يؤكد بيعة سلمة
لعلمه بشجاعته وعنائه في الإسلام وشهرته بالثبات، فلذلك أمره بتكرير المبايعة
لیکون له في ذلك فضيلة.
١٠٠
..-

٤٠٨
٩٤ - كتاب الأحكام / باب (٤٥ و٤٦)
٤٥ - باب بَيْعَةِ الأغْرَابِ
أي: هذا باب في ذكر بيعة الأعراب على الإسلام والجهاد، والأعراب ساكنو
البادية من العرب الذين لا يقيمون في الأمصار ولا يدخلونها إلاَّ لحاجة. والعرب اسم
لهذا الجيل المعروف من الناس ولا واحد له من لفظه، وسواء أقام بالبادية أو المدن
والنسبة إليها أعرابي وعربي.
٧٢٠٩/٧١ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَة، عنْ مالِكِ، عنْ مُحَمَّدٍ بنِ المُنْكَدِرِ، عنْ
جابِرِ بنِ عَبْدِ الله، رضي الله عنهما، أنَّ أعْرَابِيّاً بايَعَ رسولَ اللهِ وَّرَ عَلى الإسْلام، فأصابهُ
وعكّ فقال: أقِلْنِي بَيْعَتِي، فأبى. ثُمَّ جاءَهُ فقال: أقِلْنِي بَيْعَتِي، فأَبَى، فَخَرَجَ فقال رسول
اللهِ وَّ: ((المَدِينَةُ كَالْكِيرِ تَنْفِي خَبَثَها وتُنْصِعُ طِيبَها)). [انظر الحديث ١٨٨٣ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة والحديث مضى في أواخر الحج في: باب المدينة تنفي
الخبث، وأيضاً يأتي في الاعتصام عن إسماعيل.
وأخرجه مسلم في المناسك عن يحيى بن يحيى. وأخرجه الترمذي في المناقب
عن قتيبة بن سعيد. وأخرجه النسائي في البيعة وفي السير عن قتيبة.
قوله: (وعك)) بفتح الواو وسكون العين المهملة وقد تفتح بعدها كاف وهو
الحمى، وقيل: ألمها، وقيل: إرعادها. قوله: ((أقلني بيعتي)) تقدم في فضل المدينة من
رواية الثوري عن ابن المنكدر أنه أعاد ذلك ثلاث مرات. قوله: ((فأبى)) أي: فامتنع
رسول الله ◌َ* عن إقالته لأن البيعة كانت فرضاً على جميع المسلمين أعراباً كانوا أو
غيرهم، وإباؤه ◌َّطُهر، بعد طلب الإقالة لأنه لا يعين على معصية. قوله: ((فخرج)) أي:
الأعرابي من المدينة. قوله: ((كالكير)) بكسر الكاف وهو ما ينفخ الحداد فيه. قوله:
(تنفي خبثها))، بالفتحات وبالضم والسكون وهو الرديء والغش أي تنفي من لا خير
فيه. قوله: ((وتنصع)) بضم التاء المثناة من فوق وسكون النون من أنصع إذا أظهر ما في
نفسه ((وطيبها)) بكسر الطاء مفعوله أي: تظهر طيبها وتخلصه، ويروى: وينصع، بفتح
الياء آخر الحروف وسكون النون أي: يظهر طيبها وهو مرفوع على أنه فاعل ينصع،
ويروى: وتبضع، بضم التاء المثناة من فوق وسكون الباء الموحدة وكسر الضاد
المعجمة، كذا ذكره الزمخشري، وقال: هو من أبضعته بضاعة وإذا دفعتها إليه يعني:
أن المدينة تعطي طيبها ساكنها، وقد روي بالضاد والخاء المعجمتين، وبالحاء المهملة
من النضخ والنضح وهو: رش الماء.
٤٦ - بابُ بَيْعَةِ الصَّغِيرِ
أي: هذا باب فيه بيان حكم بيعة الصغير، ولم يذكر الحكم فيه على عادته غالباً،

٤٠٩
٩٤ - كتاب الأحكام / باب (٤٦)
إما اكتفاءً بما بيَّن في حديث الباب، وإما لمحل الخلاف فيه، فقال جماعة من العلماء
البيعة: لا تلم إلا من تلزمهم عقود الإسلام كلها من البالغين، وقال بعض العلماء: إنها
تلزم الأصاغر بمبايعة آبائهم، وقد بايع عبد الله بن الزبير، رضي الله تعالى عنهما،
ومات رسول الله 9، وهو ابن ثمان سنين.
٧٢١٠/٧٢ - حدّثنَا عَلِيُّ بنُ عبدِ الله، حدثنا عبدُ الله بنُ يَزِيدَ، حدثنا سَعيدٌ هُوَ
ابنُ أبي أيُّوبَ قال: حدّثني أبُو عَقِيلٍ زُهْرَةُ بنُ مَعْبَدٍ، عنْ جَدِّهِ عبدِ الله بنِ هِشام، وكان قَدْ
أذْرَكَ النبيَّ رَّهِ وَذَهَبَتْ بِهِ أُمُّهُ زَيْنَبُ ابْنَةُ حُمَيْدٍ إلى رسولِ اللهِّهِ فِقالَتْ: يا رسولَ الله
بايعْهُ. فقال النبيُّ وَّهِ: (هُوَ صَغِيرٌ) فَمَسَحَ رأسَهُ ودَعا لهُ وكانَ يُضَحِّي بالشّاةِ الوَاحِدَةِ عن
جَمِيعِ أهلِهِ.
[انظر الحديث ٢٥٠١].
مطابقته للترجمة من حيث إنه أوضح الإبهام الذي فيها حيث قال وَلة: ((وهو
صغير)) يعني: لا تلزمه البيعة لأنه صغير إلا أنه مسح رأسه ودعا له، فببركة دعائه عاش
زماناً كثيراً بعد النبي وَل هو.
وعلي بن عبد الله هو ابن المديني، وعبد الله بتكبير العبد ابن يزيد أبو
عبد الرحمن مولى آل عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، أصله من ناحية البصرة
وسكن مكة روى عنه البخاري في غير موضع وروى هنا عن علي بن عبد الله عنه وعن
محمد غير منسوب عنه في البيوع، وسعيد بن أبي أيوب الخزاعي المصري واسم أبي
يعقوب مقلاص، وإنما قال: هو ابن أبي يعقوب إشعاراً بأن ذكر نسبه منه لا من شيخه،
وأبو عقيل هو زهرة بضم الزاي وسكون الهاء ابن معبد بفتح الميم وسكون العين
المهملة وفتح الباء الموحدة ابن عبد الله بن هشام أبو عقيل بفتح العين وكسر القاف
القرشي المصري سمع جده عبد الله بن هشام الصحابي، وقال أبو عمر: عبد الله بن
هشام بن عثمان بن عمر والقرشي التيمي جد زهرة بن معبد يعد في أهل الحجاز.
وهذا الحديث طرف من حديث مضى في كتاب الشركة من رواية عبد الله بن
وهب عن سعيد بن أبي أيوب.
قوله: ((وكان يضحي)) أي: وكان عبد الله بن هشام يضحي ... إلى آخره. وهذا
أثر موقوف صحيح بالسند المذكور إلى عبد الله، ومضى الكلام فيه في: باب الأضحية
عن المسافر والنساء، وكانت عادة البخاري حذف الموقوفات غالباً ولم يحذف هنا لأن
المتن قصير.

٤١٠
٩٤ - كتاب الأحكام / باب (٤٧ و ٤٨)
٤٧ - بابُ مَنْ بايَعَ ثُمَّ اسْتَقَالَ البَيْعَةَ
أي: هذا باب فيه ذكر من بايع ثم استقال أي: ثم طلب إقالة البيعة.
٧٢١١/٧٣ - حدّثنا عبْدُ الله بنُ يُوسُفَ، أخبرنا مالِكٌ، عنْ مُحَمَّدٍ بِنِ المُتْكَدِرِ،
عنْ جابِرِ بنِ عِبْدِ الله أنَّ أغرابِيّاً بايَعَ رسولَ اللهِ وَ﴿ عَلى الإسْلاَم، فأصابَ الأغْرَابِيَّ وغْكٌ
بالمَدِينَةِ، فأَتَى الأغْرَابِيُّ إلى رسول اللهِوَ ◌ّ فقال: يا رسولَ الله أَقِلْنِي بَيْعَتِي، فَأَبَى رسولُ
اللهِ وَِّ، ثُمَّ جاءَهُ فقال: أقِلْنِي بَيْعَتِي، فَأبَى، ثُمَّ جاءَهُ فقال: أقِلْنِي بَيْعَتِي فأبَى، فَخَرَجَ
الأغْرَابِيُّ فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إنَّمَا المَدِينَةُ كالْكِيرِ تَنْفِي خَبِثَها وتُنْصِحُ طِيبَها)). [انظر الحديث
١٨٨٣ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة والحديث قد مضى قبل باب ومضى الكلام فيه
٤٨ - بابُ مَنْ بايَع رجُلاً لا يُبايِعُهُ إلاَّ الدُّنيا
أي: هذا باب في بيان من بايع رجلاً لا يقصد من مبايعته طاعة الله بل يبايعه
لأجل الدنيا .
٧٤/ ٧٢١٢ - حدّثنا عبْدانُ، عن أبي حَمْزَةً، عنِ الأعْمَشِ، عن أبي صالِحٍ، عِنْ
أبي هُرَيْرَةَ قال: قال رسولُ اللهِوَيِ: (ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ الله يَوْمَ القِيامَةِ ولا يُزَكَيهِمْ، ولَهُمْ
عَذَابٌ ألِيمٌ: رجُلٌ عَلى فَضْلٍ ماءِ بالطَّرِيقِ يَمْنَعُ مِنْهُ ابنَ السَّبِيلِ، ورُجلٌ بايعَ إماماً لا يُبَايِعُهُ
إلا لِدُنْياهُ إنْ أعْطَاهُ ما يُرِيدُ وَفى لهُ وإلاّ لَمْ يَفِ لهُ، ورَجُلٌ يُبَايِعُ رَجُلاً بِسِلْعَةٍ بَعْدَ العَصْرِ
فَحَلَفَ بِاللهِ لَقَدْ أُعْطِيَ بِها كَذَا وَكَذَا فَصَدَّقَهُ فَأَخَذَها وَلَمْ يُعْطَ بِها». [انظر الحديث ٢٣٥٨
وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة. وعبدان لقب عبد الله بن عثمان بن جبلة المروزي، وأبو
حمزة بالحاء المهملة والزاي محمد بن ميمون اليشكري، والأعمش سليمان بن مهران،
وأبو صالح ذكوان السمان الزيات.
والحديث مر في الشرب في: باب إثم من منع ابن السبيل من الماء فإنه أخرجه
هناك عن موسى بن إسماعيل عن عبد الواحد بن زياد عن الأعمش إلى آخره، ومضى
الكلام فيه.
قوله: (ثلاثة)) أشخاص. قوله: ((لا يكلمهم الله)) عدم تكليم الله إياهم عبارة عن
عدم الالتفات إليهم، وعدم تزكيته إياهم عبارة عن عدم قبول أعمالهم. قوله: ((رجل))
أي: أحد الثلاثة رجل كان على فضل ماء، قوله: ((ورجل)) أي: الثاني رجل بايع إماماً.
قوله: (لدنياه) ويروى: لدنيا بلا ضمير ولا تنوين. قوله: ((وإلاّ) أي: وإن لم يعط له ما
٠:

٤١١
٩٤ - كتاب الأحكام / باب (٤٩)
يريده لم يف له. قوله: ((ورجل)) أي: الثالث رجل يبايع رجلاً بسلعة بعد العصر، قيد
بقوله: ((بعد العصر)) تغليظاً لأن أشرف الأوقات في النهار بعد العصر لرفع الملائكة
الأعمال واجتماع ملائكة الليل والنهار فيه، ولهذا تغلظ الأيمان فيه. قوله: ((أعطي)) على
بناء المجهول. قوله: ((بها)) أي: في مقابلتها والباء للمقابلة نحو: بعت هذا بذاك.
قوله: ((فأخذها)) أي: المشتري بالقيمة التي ذكر البائع أنه أعطى فيها، كذا اعتماداً على
كلامه. قوله: ((ولم يعط بها)) أي: والحال أنه لم يعط ذلك المقدار مقابل سلعته،"
ويجوز في: لم يعط، بناء المجهول وبناء المعلوم والضمير للحالف فيهما، ووقع في -
رواية عبد الواحد بلفظ: لقد أعطيت بها، وفي رواية أبي معاوية: فحلف له بالله لأخذها
بكذا، أي: لقد أخذها، وقال الكرماني ما ملخصه: أن المذكور في الشرب مكان البائع
للإمام الحالف لاقتطاع مال رجل مسلم فهم أربعة لا ثلاثة، ثم أجاب بأن التخصيص
بعدد لا ينفي الزائد عليه. انتهى. وقيل: يحتمل أن يكون كل من الراويين حفظ ما لم
يحفظ الآخر لأن المجتمع من الحديثين أربع خصال وكل واحد من الحديثين مصدر
بثلاثة فكأنه كان في الأصل أربعة فاقتصر كل من الراويين على واحد منه مع الاثنتين
اللتين توافقا عليهما، فصار في رواية كل منهما ثلاثة.
٤٩ - بابُ بَيْعَةِ النِّساءِ
أي: هذا باب في بيان بيعة النساء.
رَوَاهُ ابنُ عَبَّاسٍ عَنِ النّبِيِّ وَِّ.
أي: روى ذكر بيعة النساء عبد الله بن عباس عن النبي، صلى الله تعالى عليه وآله
وسلم، وأشار بذلك إلى ما ذكر من حديث ابن عباس الذي تقدم في العيدين من رواية
طاوس عنه. وفيه فقال أي النبي ◌َّهِ: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَتُ يُبَيِعْنَكَ﴾
[الممتحنة: ١٢] الآية الحديث.
٧٢١٣/٧٥ - حدّثنا أبُو اليَمانِ، أخبرنا شُعَيْبٌ، عنِ الزُّهْرِيِّ، وقال اللَّيْثُ:
حدّثني يُونُسُ عنِ ابنِ شِهابٍ أخبرني أَبُو إذْرِيسَ الخوْلانِيُّ أنّهُ سَمِعَ عُبادَةَ بنَ الصامِتِ
يَقُولُ: قال لَنا رسولُ اللهِ وَ﴿ ونحنُ في مجْلِسٍ: ((تبابِعُوني عَلى أنْ لا تُشْرِكُوا بالله شَيْئاً ولا
تَسْرِقُوا ولا تَزْنُوا، ولا تَقْتُلُوا أوْلاَدَكُمْ ولا تَأْتُوا بِيُهْتَانِ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وأرْجُلِكُمْ، ولا
تَعْصُوا في معْرُوفٍ، فَمَنْ وفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلى الله، ومَنْ أصابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئاً فَعُوقِبَ في
الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، ومَنْ أصابَ مِنْ ذُلِكَ شَيْئاً فَسَتَرَهُ الله فأمْرُهُ إلى الله، إنْ شاءَ عاقَبَهُ، وإنْ
شاءَ عَفا عنْهُ)) فبايَعْناه عَلى ذُلِكَ. [انظر الحديث ١٨ وأطرافه].
وجه ذكره هذا الحديث في ترجمة بيعة النساء لأنها وردت في القرآن في حق

٤١٢
٩٤ - كتاب الأحكام / باب (٤٩)
النساء فعرفت بهن، ثم استعملت في الرجال. قلت: وقد وقع في بعض طرقه: عن
عبادة قال: أخذ علينا رسول الله وَلفي كم أخذ على النساء: أن لا نشرك بالله شيئاً ولا
نسرق ولا نزني ... الحديث.
وأبو اليمان الحكم بن نافع، وشعيب بن أبي حمزة، والزهري محمد بن مسلم.
قوله: ((وقال الليث)) بن سعد الإمام المشهور، وأبو إدريس عائذ الله بن عبد الله بن
عمرو الخولاني بفتح الخاء المعجمة الدمشقي قاضي دمشق، مات سنة ثمانين.
والحديث مضى بهذا الإسناد والمتن في الإيمان في: باب مجرد، ومضى الكلام
فيه. وفي (التوضيح): وهذه البيعة في أحاديث الباب كانت بيعة العقبة الأولى بمكة قبل
أن يفرض عليهم الحرب، ذكره ابن إسحاق وأهل السير وكانوا اثني عشر رجلاً.
قوله: ((فهو كفارة له)) هذا صريح في الرد على من قال: إن الحدود زاجرات لا
مكفرات .
:
٧٢١٤/٧٦ - حدّثنا مَحْمُودٌ، حدّثنا عَبْدُ الرزّاق، أخبرنا مَعْمَرٌ، عنِ الزُّهْرِيِّ، عنْ
عُزْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، رضي الله عنها، قالَتْ: كانَ النبيِّ ◌ِ ◌ّهِ يُبَابِعُ النِّسَاءَ بِالكَلامِ بِهْذِهِ الآيَة :
﴿لَّا يُشْرِكْنَ بِلَهِ شَيْئًا﴾ [الممتحنة: ١٢] قالَتْ: وما مَسَّتْ يَدُ رسولِ اللهِ وَ ﴿ يَدَ امْرَأَةٍ إلَّ امْرَأةً
يَمْلِکھا .
[انظر الحديث ٢٧١٣ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة. ومحمود هو ابن غيلان. والحديث أخرجه الترمذي عن
عبد بن حميد عن عبد الرزاق نحوه.
قوله: ((بالكلام)) لأن المصافحة ليست شرطاً في صحة البيعة. وقال الكرماني: فيه
إشارة إلى أن بيعة الرجال كانت باليد أيضاً. قوله: ((بهذه الآية)) وهي قوله عز وجل:
﴿يَأَيُّهَا النَِّىُّ إِذَا جَآءَكَ الْمُؤْمِنَتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى ... ﴾ [الممتحنة: ١٢] الآية قوله: ((يملكها))، إما
بالنكاح وإما بملك اليمين.
٧٢١٥/٧٧ - حدّثنا مُسَدَّدٌ، حدّثنا عَبْدُ الوَارِث، عنْ أَيُّوبَ، عنْ حَفْصَةَ، عنْ أُمّ
عَطِيَةً قَالَتْ: بايَعْنا النبيِ نَّهَ فَقَرأْ عَلَيْنا ﴿أَنْ لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ ونَهانا عنِ النّياحَةِ،
فَقَبَضَتِ امْرأةٌ مِنَّا يَدَها فَقَالَتْ: فُلاتَةُ أسعْدَتني وأنا أُريدُ أنْ أجْزِيَها، فَلَمْ يَقُلْ شَيئاً، فَذَهَبَتْ
ثُمَّ رَجَعَتْ فَما وَفَتِ امْرَأةٌ إِلاَّ أُمُّ سُلَيْمٍ وَأُمُّ العَلاءِ وابنةُ أبي سبْرةِ امْرأةً معاذٍ. أو ابْنَةُ أبي
سَبْرَةَ وامْرَأُ مُعاذٍ .
[انظر الحديث ١٣٠٦ وطرفه].
مطابقته للترجمة ظاهرة. وعبد الوارث هو ابن سعيد، وأيوب هو السختياني،

٤١٣
٩٤ - كتاب الأحكام / باب (٥٠)
وحفصة هي بنت سيرين أخت محمد بن سيرين، وأم عطية اسمها نسيبة بضم النون
وفتح السين المهملة وسكون الياء آخر الحروف وبالباء الموحدة الأنصارية وقيل: بفتح
النون أيضاً، ومر في كتاب الزكاة ما يوهم أنها غير أم عطية حيث قالت: عن أم عطية،
قالت: بعث إلى نسيبة الأنصارية بشاة، لكن الصحيح أنها هي إياها لا غيرها.
والحديث قد مضى في الجنائز في: باب ما ينهى من النوح والبكاء، ولكن هناك:
عن أيوب عن محمد عن أم عطية .
قوله: ((بايعنا)) بصيغة المتكلم، وإن صحت الرواية بصيغة الغائب فالمعنى
صحيح. قوله: ((فقبضت امرأة يدها))، قال الكرماني: فإن قلت: هذا مشعر بأن البيعة
لهن كانت أيضاً باليد. قلت: لعلهن كن يشرن باليد عند المبايعة بلا مماسة. قوله:
((فلانة)) غير منصرف أي: أسعدتني في النياحة ((وأنا أريد أن أجزيها)) أي: أكافئها
بالنياحة. وذهبت لأن تساعدها أو لغيره، ورجعت وبايعها. فإن قلت: لم ما قال ◌َّ
شيئاً لها وسكت عنها ولم يزجرها؟. قلت: لعله عرف أنه ليس من جنس النياحات
المحرمة أو ما التفت إلى كلامها حيث بين حكمها لهن، أو كان جوازها من خصائصها،
والمفهوم من كلام مسلم أن فلانة كناية عن أم عطية الراوية للحديث. قوله: ((أم سليم))،
بضم السين أم أنس، واسمها مليكة، أم العلاء بنت الحارث بن حارثة بن ثعلبة
الأنصارية، وكان رسول الله ◌َي﴿ يعودها في مرضها، وابنة أبي سبرة بفتح السين المهملة
وسكون الباء الموحدة وهي امرأة معاذ بن جبل. قوله: ((أو ابنة أبي سبرة وامرأة معاذ))
شك من الراوي، وقد مر في الجنائز: فما وفت منا امرأة غير خمس نسوة: أم سليم،
وأم العلاء، وابنة أبي سبرة امرأة معاذ، وامرأتان، أو ابنة أبي سبرة وامرأة معاذ وامرأة
أخرى. وهناك أيضاً شك الراوي، وقد حققنا الكلام هناك.
٥٠ - بابُ مَنْ نَكَثَ بَيْعَةً
أي: هذا باب في بيان من نكث بيعة أي: نقضها وفي رواية الكشميهني بيعته
بزيادة الضمير.
وقَوْلِهِ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اَللَّهَ يَدُ الَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن ◌َّكَثَ فَإِنَّمَا
يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ، وَمَنْ أَوْثَى بِمَا عَهَدَ عَلَيَّهُ اللَّهَ فَسَبُؤْتِيهِ أَجْرً عَظِيمًا﴾ [الفتح: ١٠].
وقوله تعالى، بالجر عطف على: من نكث، أي: وفي بيان قوله تعالى؛ وهكذا
هو في رواية أبي ذر، وفي رواية غيره: وقال الله تعالى، وساق الآية كلها، وفي رواية
كريمة وأبي زيد ساق إلى قوله: ﴿فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ ثم قال: إلى قوله: ﴿فَسَيُؤْتِهِ
أَجْرًا عَظِيمًا﴾ قوله: ﴿يُبَايِعُونَكَ﴾ الخطاب للنبي، ◌َّ﴾، يعني بالحديبية، وكانوا ألفاً

٤١٤
٩٤ - كتاب الأحكام / باب (٥١)
وأربعمائة. قوله: ﴿يَدُ اَللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيِهِمْ﴾ يعني: عند المبايعة. قوله: ﴿فَمَن نَّكَثَ﴾ أي:
فمن نقض البيعة فإنما ينقض على نفسه، وقال جابر: بايعنا رسول الله ( 8* تحت
الشجرة على الموت، وعلى أن لا نفر، فما نكث أحد منا البيعة إلاَّ جد ابن قيس وكان
منافقاً، اختبأ تحت إبط بعيره ولم يسر مع القوم. قوله: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ يعني: الجنة.
٧٢١٦/٧٨ - حدّثنا أبُو نُعَيْم، حدّثنا سُفْيان، عنْ مُحَمَّد بنِ المُتْكَدِرِ قال:
سَمِعْتُ جابِراً، قال: جاءَ أغْرابِيٍّ إلى النبيِّ وَلِ﴿ فقال: بابِعْنِي عَلى الإسْلامِ، فَبايَعَهُ عَلى
الإِسْلامِ، ثُمَّ جاءَ مِنَ الغَدِ مَحْمُوماً فقال: أقِلْنِي. فأبى، فَلَمَّا وَلَّى قال: ((الْمَدِينَةُ كالْكِيرِ
تَثْفِي خبَّثَها ويَنْصَعُ طِيبُها)). [انظر الحديث ١٨٨٣ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة. وأبو نعيم بضم النون الفضل بن دكين، وسفيان هو ابن
عيينة .
والحديث مضى عن قريب في: باب بيعة الأعراب، ومضى الكلام فيه مستوفَى.
٥١ - بابُ الاسْتِخْلافِ
أي: هذا باب في بيان الاستخلاف، أي: تعيين الخليفة عند موته خليفة بعده، أو
تعيين جماعة ليختارواً واحداً منهم.
٧٢١٧/٧٩ - حدّثنا يَحْيِى بِنُ يَحْيِى، أخبرنا سُلَيْمانُ بنُ بِلاَلٍ، عنْ يَحْيِى بنِ سَعيد
سَمِعْتُ القاسِمَ بنَ مُحَمَّدٍ قال: قالَتْ عَائِشَةُ، رضي الله عنها: وارأساه. فقال رسولُ اللهِ وَيتِ :
((ذاكِ لَوْ كانَ وأنا حَيٍّ، فأسْتَغْفِرُ لَكِ وأدعُو لَكِ)) فَقَالَتْ عَائِشَةُ: واتُكْلِياه، والله إنِّي لأظُنُكَ
تُحِبُّ مَوْتِي، ولَوْ كانَ ذَاكَ لَظَلِلْتَ آخِرَ يَوْمِكَ مُعَرِّساً بِبَعْضٍ أزْوَاجِكَ. فقال النبيُّ وَّ: («بَلْ
أنا وارأساه لَقَدْ هَمَمْتُ - أوْ أَرَذْتُ - أنْ أرسِلَ إلى أبي بَكْر وابْنِهِ فأعْهَدَ أنْ يَقُولَ القائِلُونَ أوْ
يَتَمَنَّى المُتَمَنُّونَ))، ثُمَّ قُلْتُ: ((يَأْبَى الله ويَدْفَعُ المُؤْمِنُونَ))، أوْ: يَدْفَعُ الله ويأْبَى المُؤْمِنُونَ. [انظر
الحديث ٥٦٦٦].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((لقد هممت - أو أردت - أن أرسل إلى أبي بكر
وابنه فأعهد)) إلى آخره. قال المهلب: فيه دليل قاطع على خلافة الصديق، وهذا مما
وعد به لأبي بكر، رضي الله تعالى عنه، فكان كما وعد، وذلك من أعلام نبوته.
وشيخ البخاري يحيى بن يحيى بن أبي بكر وأبو زكريا التميمي الحنظلي، وهو شيخ
مسلم أيضاً. ويحيى بن سعيد هو الأنصاري، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق
رضي الله تعالى عنه.
والحديث مضى في الطب.

٤١٥
٩٤ - كتاب الأحكام / باب (٥١)
قوله: ((وارأساه))، هو قول المتفجع على الرأس من الصداع ونحوه. قوله: ((لو
كان ذاك)) أي: موتك، والسياق يدل عليه. والواو في: ((وأنا حي)) للحال. قوله:
((واثكلياه)) أي: وافقدان المرأة ولدها، وهذا كلام كان يجري على لسانهم عند إصابة
مصيبة أو خوف مكروه ونحو ذلك، ويروى، واثكلتاه، بزيادة التاء المثناة من فوق في
آخره، ويروى أيضاً بزيادة الياء آخر الحروف وكسر اللام، ويروى: واثكلاه بلفظ
الصفة، قوله: ((لظللت)) بالكسر أي: دنوت وقربت ((في آخر يومك)) حال كونك
((معرساً)) ويقال: أظللت أمر واظلك شهر كذا، أي: دنا منك وأظلك فلان إذا دنا منك
كأنه ألقى عليك ظله، ومعرساً: بكسر الراء من أعرس بأهله إذا بنى بها، ويقال أعرس
الرجل فهو معرس إذا دخل بامرأته عند بنائه بها. قوله: ((بل أنا وارأساه))، هذا إضراب
عن كلام عائشة أي: أضرب أنا عن حكاية وجع رأسك واشتغل بوجع رأسي إذ لا بأس
بك وأنت تعيشين بعدي، عرفه بالوحي. قوله: ((أو أردت)) شك من الراوي. قوله:
((إلى أبي بكر وابنه)) قيل: ما فائدة ذكر الابن إذ لم يكن له دخل في الخلافة؟ وأجيب:
بأن المقام مقام استمالة قلب عائشة، يعني: كما أن الأمر مفوض إلى والدك كذلك
الائتمار في ذلك بحضور أخيك فأقاربك هم أهل أمري وأهل مشورتي أو لما أراد
تفويض الأمر إليه بحضورها أراد إحضار بعض محارمه حتى لو احتاج إلى رسالة إلى
أحد أو قضاء حاجة لتصدى لذلك، ويروى: أو آتيه، من الإتيان، قاله في (المطالع):
قيل: إنه هو الصواب. قوله: ((فأعهد)) أي: أوصى بالخلافة. قوله: ((أن يقول))، أي:
كراهة أن يقول ((القائلون)) الخلافة لي: أو لفلان. قوله: ((أو يتمنى المتنون)) أي: أو
مخافة أن يتمنى أحد ذلك أي: أعينه قطعاً للنزاع والأطماع. قوله: ((يأبى الله)) أي: يأبى
الله الخلافة لغير أبي بكر ((ويدفع المؤمنون)) أيضاً غيره. قوله: ((أو يدفع الله ويأبى
المؤمنون)) شك من الراوي، وفي مسلم: يأبى الله ويدفع المؤمنون إلا أبا بكر، رضي
الله تعالی عنه.
٧٢١٨/٨٠ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفُ، أخبرنا سُفْيانُ، عنْ هِشام بنِ عُرْوَةً، عنْ
أَبِيهِ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ، رضي الله عنهما، قال: قِيلَ لِعُمَرَ: ألاَ تَسْتَخَلِف؟ قال: إنْ
اسْتَخْلِفْ فَقَدِ اسْتَخْلَفَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي أَبُو بَكْرٍ، وإنْ أتْرُكْ فَقَدْ تَرَكَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي
رسولُ اللهِ وَ﴿ِ، فَأَثْنَوْا عَلَيْهِ فقال راغِبٌ وراهِبٌ ودِدتُ أنِّي نَجَوْتُ مِنْها كَفافاً لا لِي ولا عَليَّ
لا أَتَحَمَّلُها حَيّاً ولا مَيِّتاً.
مطابقته للترجمة ظاهرة. ومحمد بن يوسف هو الفريابي، وسفيان هو الثوري،
وهشام بن عروة يروي عن أبيه عروة بن الزبير عن ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما.
قوله: ((ألا تستخلف))، ألا، كلمة تنبيه وتحضيض أي: ألا تجعل خليفة بعدك؟

٤١٦
٩٤ - كتاب الأحكام / باب (٥١)
وفي مسلم عن ابن عمر: حضرت أبي حين أصيب، قالوا: استخلف. قوله: ((فقد ترك))
أي: التصريح بالشخص المعين، وعقد الأمر له. قوله: ((فأثنوا عليه)) أي: أثنت
الصحابة الحاضرون على عمر، رضي الله تعالى عنه. قوله: ((فقال)) أي: عمر ((راغب
وراهب)) أي: راغب في الثناء في حسن رأيي، راهب من إظهار ما بنفسه من الكراهة.
وقيل: راغب في الخلافة راهب منها. فإن وليت الراغب خشيت أن لا يعان عليها، وإن
وليت الراهب خشيت أن لا يقوم بها، ولهذا توسط حاله بين الحالتين جعلها لأحد من
الطائفة الستة ولم يجعلها لواحد معين منهم. وقال الكرماني: ويحتمل أن يراد أني
راغب فيما عند الله راهب من عذابه، ولا أعول على نياتكم. وفيه: دليل على أن
الخلافة تحصل بنص الإمام السابق. قوله: ((كفافاً) أي: يكف عني وأكف عنها، أي:
رأساً برأس لا لي ولا علي. قوله: ((لا أتحملها)) أي: الخلافة ((حياً ولا ميتاً) أي: فلا
أجمع في تحملها بينهما فلا أعين شخصاً بعينه. وقال النووي: وغيره أجمعوا على
انعقاد الخلافة بالاستخلاف، وعلى انعقادها بعقد أهل الحل والعقد لإنسان حيث لا
يكون هناك استخلاف غيره، وعلى جواز جعل الخليفة الأمر شورى بين عدد محصور
أو غيره، وأجمعوا على أنه يجب نصب خليفة، وعلى أن وجوبه بالشرع لا بالعقل،
وقال الأصم وبعض الخوارج: لا يجب نصب الخليفة، وقال بعض المعتزلة: يجب
بالعقل لا بالشرع.
٧٢١٩/٨١ - حدّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى، أخبرنا هِشَامٌ، عنْ مَعْمَرٍ، عنِ الزُّهْرِيِّ،
أخبرني أنَسُ بن مالِكِ، رضي الله عنه، أنَّهُ سَمِعَ خُطْبةَ عُمَرَ الأخِيرَةَ حِينَ جَلَسَ عَلى
المِنْبَرِ، وذُلِكَ الغَدَ مِنْ يَوْمِ تُوُفِّيَ النبيِّي ◌َّرَ، فَتَشَهَّدَ وأبُو بَكْرٍ صامِتٌ لا يَتَكَلَّمُ، قال: كنتُ
أرْجُو أنْ يَعِيشَ رسولُ اللهَ وَّهُ حتَّى يَذْبُرَنا - يُرِيدُ بِذَلِكَ أنْ يَكُونَ آخِرَهُمْ - فإنْ يَكُ
مُحَمَّدٌ وَلِّ قَدْ ماتَ، فإنَّ الله تعالى قَدْ جَعَلَ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ نُوراً تَهْتَدُونَ بِهِ، بما هَدَى الله
مُحَمَّداً فَّهِ، وإِنَّ أبا بَكْرٍ صاحِبُ رسولِ اللهِ وَّهِ ثانِي اثْنَيْنِ، فإنَّهُ أَوْلَى المُسْلِمِينَ بِأُمُوُرِكُمْ
فَقُومُوا فَبَايِعُوهُ، وكانَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ قَدْ بايَعُوهُ قَبْلَ ذُلِكَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي ساعِدَةَ، وكانَتْ بَيْعةُ
العامَّةِ عَلى المِنْبَرِ .
قال الزُّهْرِيُّ عنْ أَنَسٍ بنِ مالِكِ: سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ لأبي بَكْرِ يَوْمَئِذٍ: اصْعَدِ المَنْبَرَ
فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حتَّى صَعِدَ المِنْبَرَ فبايَعَهُ النَّاسُ عامَّةٌ .
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((فإنه أولى المسلمين بأموركم)).
وإبراهيم بن موسى بن يزيد الفراء أبو إسحاق الرازي يعرف بالصغير وهو شيخ
مسلم أيضاً، وهشام هو ابن يوسف ومعمر هو ابن راشد.
٠٠

٤١٧
٩٤ - كتاب الأحكام / باب (٥١)
قوله: ((الأخيرة)) منصوب على أنه صفة الخطبة وأما الخطبة الأولى فهي التي خطب
بها يوم الوفاة، وقال: إن محمداً لم يمت وإنه سيرجع، وهي كالاعتذار من الأولى.
قوله: ((وذلك الغد)) منصوب على الظرفية أي: إتيانه بالخطبة في الغد من يوم توفي
النبي وَلقر. قوله: ((وأبو بكر)) الواو فيه للحال. قوله: ((صامت))، أي: ساكت. قوله:
((كنت أرجو)) أي: قال عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه. قوله: ((حتى يدبرنا)) بضم
الياء الموحدة أي: يموت بعدنا ويخلفنا يقال: دبرني فلان خلفني، وقد فسره في الحديث
بقوله: ((يريد بذلك أن يكون آخرهم)) ووقع في رواية عقيل: ولكن رجوت أن يعيش
رسول الله * حتى يدبر أمرنا، بتشديد الباء الموحدة من التدبير. قوله: ((فإن يك
محمد بنَّاء من كلام عمر، رضي الله تعالى عنه. قوله: (نوراً) أي: قرآناً، ووقع بيانه في
رواية معمر عن الزهري في أوائل الاعتصام بلفظ: وهذا الكتاب الذي هدى الله به رسوله
فخذوا به تهتدوا فإنما يهدي الله محمداً به. قوله: ((صاحب رسول الله (َّار)) قال ابن التين:
قدم الصحبة لشرفها، ولما كان غيره قد شاركه فيها عطف عليه ما انفرد به أبو بكر وهو
كونه ((ثاني اثنين))، وهو أعظم فضائله التي استحق بها أن يكون خليفة من بعد النبي ◌َّر،
ولذلك قال: ((فإنه أولى الناس بأموركم)) قوله: ((فقوموا)) من كلام عمر، رضي الله تعالى
عنه، أيضاً يخاطب به الحاضرين من الصحابة. قوله: ((في سقيفة بني ساعدة)) السقيفة
الساباط والطاق كانت مكان اجتماعهم للحكومات، وبنو ساعدة بن كعب بن الخزرج.
قال ابن دريد: ساعدة، اسم من أسماء الأسد. قوله: ((وكانت بيعة العامة على المنبر))
أي: في اليوم المذكور.
:
قوله: ((قال الزهري عن أنس)) موصول بالإسناد المذكور. قوله: ((صعد المنبر))
وفي رواية الكشميهني: حتى أصعده. قوله: ((فبايعه الناس عامة)) أراد أن البيعة الثانية
كانت أعم وأشهر من البيعة التي وقعت في سقيفة بني ساعدة.
٧٢٢٠/٨٢ - حدّثْنَا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله، حدّثنا إبْرَاهِيمَ بنُ سَعْدٍ، عنْ أَبِيهِ عنْ
مُحَمَّدِ بنِ جُبَيْرٍ بن مُطْعِمٍ عِنْ أبيهِ، قال: أَتَتِ النبيَّ ◌َِّ امْرأةٌ فَكَلَّمَتْهُ فِي شَيْءٍ، فأمَرَها أنْ
تَرْجِعَ إِلَيْهِ، قالَتْ: يا رسول الله أرَأيْتَ إنْ جِئْتُ ولَمْ أجِدْكَ؟ كأنها تُرِيدُ المَوْتَ. قال: ((إنْ
لَم تَجِديني فأتِي أبا بَكْرٍ)). [انظر الحديث ٣٦٥٩ وطرفه].
مطابقته للترجمة في آخر الحديث. فإنه مشعر بأن أبا بكر هو الخليفة بعده.
وإبراهيم بن سعد يروي عن أبيه سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف
رضي الله تعالى عنه، ومحمد بن جبير بضم الجيم وفتح الباء الموحدة يروي عن أبيه
جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل القرشي النوفلي.
والحديث مضى في فضل أبي بكر عن الحميدي، ويأتي في الاعتصام عن

٤١٨
٩٤ - كتاب الأحكام / باب (٥٢)
عبيد الله بن سعد، والحديث من أبين الدلائل على خلافة أبي بكر، رضي الله تعالى
عنه .
٧٢٢١/٨٣ - حدّثنا مُسَدَّدٌ، حدّثنا يَحْيِى عِنْ سُفْيانَ، حدّثني قَيْسُ بنُ مُسْلِمٍ، عنْ
طارِقٍ بنِ شِهابٍ، عن أبي بَكْرٍ، رضي الله عنه، قال لِوَفْدٍ بُزاخَةَ: تَتْبَعُونَ أَذْنابَ الإبلّ حتَّى
يُرِيَ الله خَلِيفَةً نَبِّهِ رَّهِ والمُهاجِرِين أمْراً يَعْذِرُونَكُمْ بِهِ.
مطابقته للترجمة في قوله: ((حتى يرى الله خليفة نبيه)) ... إلى آخره.
ويحيى هو القطان وسفيان هو الثوري.
والحديث من أفراده ولكنه أخرجه مختصراً.
قوله: ((لوفد بزاخة)) الوفد بفتح الواو وسكون الفاء هم القوم يجتمعون ويردون
البلاد واحدهم وافد، وكذلك الذين يقصدون الأمراء لزيارة واسترفاد وانتجاع وغير
ذلك، وبزاخة بضم الباء الموحدة وتخفيف الزاي وبالخاء المعجمة موضع بالبحرين أو
ماء لبني أسد وغطفان كان فيها حرب للمسلمين في أيام الصديق، رضي الله تعالى عنه.
ووفد بزاخة ارتدوا ثمٍ تابوا وأرسلوا وفدهم إلى الصديق يعتذرون إليه، فأحب أبو بكر
أن لا يقضي فيهم إلاّ بعد المشاورة في أمرهم، فقال لهم: ارجعوا واتبعوا أذناب الإبل
في الصحارى ((حتى يري الله خليفة نبيه)) ... إلى آخره، وذكر يعقوب بن محمد
الزهري قال: حدثني إبراهيم بن سعد عن سفيان الثوري عن قيس بن مسلم عن
طارق بن شهاب قال: قدم وفد أهل بزاخة وهم من طيىء يسألونه الصلح، فقال أبو
بكر: اختاروا إما الحرب المجلية وإما السلم المخزية، فقالوا: قد عرفنا الحرب فما
السلم المخزية؟ قال: ينزع منكم الكراع والحلقة وتدون قتلانا، وقتلاكم في النار،
ويغنم ما أصبنا منكم وتردون إلينا ما أصبتم منا وتتركون أقواماً يتبعون أذناب الإبل حتى
يرى الله خليفة نبيه والمهاجرين أمراً يعذرونكم به، فخطب أبو بكر الناس فذكر ما قال
وقالوا، فقال عمر رضي الله تعالى عنه: قد رأيت وسنشير عليك، أما ما ذكرت من أن
ينزع منهم الكراع والحلقة فنعم ما رأيت، وأما ذكرت من أن تدون قتلانا ويكون قتلاكم
في النار فإن قتلانا قاتلت على أمر الله وأجورها على الله فليس لها ديات، فتتابع الناس
على قول عمر، رضي الله تعالى عنه. قلت: الكراع اسم لجميع الخيل، والحلقة بسكون
اللام السلاح عاماً. قيل: هي الدروع خاصة. قوله ((من أن تدوا)) بالدال المهملة أي:
تعطوا الدية .
٥٢ - بابٌ
أي هذا باب وليس له ترجمة، وقد ذكرنا غير مرة أنه كالفصل لما قبله وليس لفظ
باب في رواية أبي ذر عن الكشميهني والسرخسي.

٤١٩
٩٤ - كتاب الأحكام / باب (٥٢)
٧٢٢٢/٨٤، ٧٢٢٣ - حدّثني مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى، حدّثنا غُنْدَرٌ، حدّثنا شُعْبَةُ، عنْ
عَبْدِ المَلِكِ سَمِعْتُ جابر بن سَمِرَةَ قال: سَمِعْتُ النبيَّ نَّهَ يَقُولُ: ((يَكُونُ اثْنَا عَشَرَ أمِيراً»،
فقال كَلِمَةٌ لَمْ أسْمَعْها، فقال أبي: إنّهُ قال: ((كُلُهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ)).
مطابقته لما قبله ظاهرة. وغندر بضم الغين المعجمة وسكون النون هو محمد بن
جعفر، وعبد الملك هو ابن عمير وصرح به في رواية مسلم، وفي رواية سفيان بن
عيينة: لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم اثنا عشر رجلاً، وفي رواية أبي داود: لا يزال
هذا الدين عزيزاً إلى اثني عشر خليفة. وقال المهلب: لم ألق أحداً يقطع في هذا
الحديث بمعنى، فقوم يقولون: يكون اثنا عشر أميراً بعد الخلافة المعلومة مرضيين،
وقوم يقولون: يكونون متواليين إمارتهم، وقوم يقولون: يكونون في زمن واحد كلهم
من قريش يدعي الإمارة، فالذي يغلب عليه الظن أنه إنما أراد أن يخبر بأعاجيب ما
يكون بعده من الفتن حتى يفترق الناس في وقت واحد على اثني عشر أميراً وما زاد على
الاثني عشر فهو زيادة في التعجب، كأنه أنذر بشرط من الشروط وبعضه يقع، ولو
أراد، وَ﴾، غير هذا لقال يكون اثنا عشر أميراً يفعلون كذا ويصنعون كذا، فلما أعراهم
من الخبر علمنا أنه أراد أن يخبر بكونهم في زمن واحد.
قيل: هذا الحديث له طرق غير الرواية التي ذكرها البخاري مختصرة. وأخرج أبو
داود هذا الحديث من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن أبيه عن جابر بن سمرة بلفظ :
لا يزال هذا الدين قائماً حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم تجتمع عليه الأمة.
وأخرجه الطبراني من وجه آخر عن الأسود بن سعيد عن جابر بن سمرة بلفظ: لا
يضرهم عداوة من عاداهم.
وقيل: في هذا العدد سؤالان. أحدهما: أنه يعارضه ظاهر قوله في حديث سفينة
الذي أخرجه أصحاب السنن الأربعة وصححه ابن حبان وغيره: الخلافة بعدي ثلاثون
سنة ثم تكون ملكاً، لأن الثلاثين لم يكن فيها إلاَّ الخلفاء الأربعة، وأيام الحسن بن
علي، رضي الله تعالى عنهما. والثاني: أنه ولي الخلافة أكثر من هذا العدد.
وأجيب عن الأول: أنه أراد في حديث سفينة خلافة النبوة ولم يقيده في حديث
جابر بن سمرة بذلك. وعن الثاني: أنه لم يقل: لا، بلى إلاّ اثنا عشر، وإنما قال:
يكون اثنا عشر فلا يمنع الزيادة عليه. وقيل: المراد من اثني عشر هم عدد الخلفاء من
بني أمية ثم عند خروج الخلافة من بني أمية وقعت الفتن العظيمة والملاحم الكثيرة حتى
استقرت دولة بني العباس فتغيرت الأحوال عما كانت عليه تغييراً بيناً. وقيل: يحتمل أن
يكون اثنا عشر بعد المهدي الذي يخرج في آخر الزمان، وقيل: وجد في كتاب دانيال:
إذا مات المهدي ملك بعده خمسة رجال من ولد السبط الأكبر، ثم خمسة من ولد

٤٢٠
٩٤ - كتاب الأحكام / باب (٥٣)
السبط الأصغر، ثم يوصي آخرهم بالخلافة لرجل من ولد السبط الأكبر، ثم يملك بعده
ولده، فيتم بذلك اثنا عشر ملكاً كل واحد منهم إمام مهدي. وعن كعب الأحبار: يكون
اثنا عشر مهدياً ثم ينزل روح الله فيقتل الدجال وقيل: المراد من وجود اثني عشر خليفة
في جميع مدة الإسلام إلى يوم القيامة يعملون بالحق وأن تتوالى أيامهم، ويؤيد هذا ما
أخرجه مسدد في (مسنده الكبير) من طريق أبي بحران أبا الجلد حدثه أنه لا يهلك هذه
الأمة حتى يكون منها اثنا عشر خليفة كلهم يعمل بالهدى ودين الحق، منهم رجلان من
أهل بيت محمد، وَل﴾، يعيش أحدهما أربعين سنة، والآخر ثلاثين سنة، وقيل: جميع
من ولي الخلافة من الصديق إلى عمر بن عبد العزيز أربعة عشر نفساً منهم اثنان لم
تصح ولايتهما ولم تطل مدتهما وهما: معاوية بن يزيد، ومروان بن الحكم، والباقون
اثنا عشر نفساً على الولاء كما أخبر *، وكانت وفاة عمر بن عبد العزيز، رضي الله
تعالى عنه، سنة إحدى ومائة، وتغيرت الأحوال بعده وانقضى القرن الأول الذي هو خير
القرون .
قوله: ((فقال أبي)) يعني: سمرة، والوالد والولد كلاهما صحابيان. قوله: ((وإنه))
أي: وإن رسول الله، ◌َلچر .
٥٣ - بابُ إِخْرَاجِ الخُصُومِ وأهْلِ الرِّيَبٍ مِنَ البُيُوتِ بَعْدَ المَعْرِفَةِ
أي: هذا باب في بيان إخراج الخصوم أي أهل المخاصمات والنزاع وأهل الريب
بكسر الراء جمع ريبة وهي التهمة والمعصية. قوله: بعد المعرفة، أي: بعد شهرتهم
بذاك، يعني لا يتجسس عليهم، وذلك الإخراج لأجل تأذي الجيران ولأجل مجاهرتهم
بالمعاصي، وقد ذكر في الأشخاص: باب إخراج أهل المعاصي والخصوم من البيوت
بعد المعرفة. وقد أخرج عمر أخت أبي بكر حين ناحت، ثم ذكر الحديث الذي ذكره
هنا، ومضى الكلام فيه مستوفَى. وقال المهلب: إخراج أهل الريب والمعاصي من
دورهم بعد المعرفة بهم وجب على الإمام لأجل تأذي من جاورهم، ومن أجل
مجاهرتهم بالعصيان، وإذا لم يعرفوا بأعيانهم فلا يلزم البحث عن أمرهم لأنه من
التجسس الذي نهى الله عنه. وقيل: ليس بإخراج أهل المعاصي بواجب، فمن ثبت عليه
ما يوجب الحد أقيم عليه.
وقَدْ أخرَجَ عُمَرُ: أُختَ أبي بَكْرٍ حِینَ ناحَتْ.
أي: أخرج عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، أخت أبي بكر، رضي الله
تعالى عنه، حين ناحت ـ من النياحة - وإنما أخرجها من البيت لأنه نهاها فلم تنته،
وقيل: إنه أبعدها عن نفسه ثم بعد ذلك رجعت إلى بيتها.
: