النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١
٩١ - كتاب الحيل / باب (١٣)
أوباء، وجمع الممدود: أوبئة، وهو المرض العام. قوله: ((فلا تقدموا)) بفتح الدال،
قيل: لا يموت أحد إلاَّ بأجله ولا يتقدم ولا يتأخر، فما وجه النهي عن الدخول
والخروج؟ وأجيب: بأنه لم ينه عن ذلك حذراً عليه إذ لا يصيبه إلاَّ ما كتب عليه، بل
حذراً من الفتنة في أن يظن أن هلاكه كان من أجل قدومه عليه وأن سلامته كانت من
أجل خروجه. وفي (التوضيح): ولا يتحيل في الخروج في تجارة أو زيارة أو شبههما
ناوياً بذلك الفرار منه، ويبين هذا المعنى قوله 9: إنما الأعمال بالنيات قال: والمعنى
في النهي عن الفرار منه كأنه يفر من قدر الله وقضائه، وهذا لا سبيل إليه لأحد لأن قدره
لا یغلب.
قوله: ((وعن ابن شهاب))، موصول بما قبله. قوله: ((عن سالم بن عبد الله))
يعني: ابن عمر بن الخطاب، وأشار بهذا إلى أن انصراف عمر، رضي الله تعالى عنه،
من سرغ كان من حديث عبد الرحمن بن عوف، وروي أن انصرافه كان من أبي
عبيدة بن الجراح، وذلك أنه لما استقبل عمر فقال: جئت بأصحاب رسول الله وَل98،
تدخلهم أرضاً فيها الطاعون الذين هم أئمة يقتدى بهم؟ فقال عمر، رضي الله تعالى
عنه: يا أبا عبيدة! أشككت؟ فقال أبو عبيدة: كأني يعقوب إذ قال لبنيه ﴿لَا تَدْخُلُواْ مِنَّ
بَابٍ وَحِدٍ﴾ [يوسف: ٦٧] فقال عمر: والله لأدخلنها. فقال أبو عبيدة: والله لا تدخلها،
فرده .
وفيه: قبول خبر الواحد، وفيه: أنه يوجد عند بعض العلماء ما ليس عند أكبر منه
قيل. وفيه: دليل على تقدم خبر الواحد على القياس وموضعه في كتب الأصول.
٦٩٧٤/٢٢ - حدّثنا أبو اليمانِ، حدثنا شُعَيْبٌ، عن الزُّهْرِيِّ، حدثنا عامِرُ بنُ
سَغْدِ بنِ أبي وِقّاصٍ أنّهُ سَمعَ أُسامةَ بنَ زَيْدٍ يُحَدِّثُ سَعْداً أنَّ رَسُولَ الله : ﴿ ذَكرَ الوَجَعَ
فقال: ((رِجْزٌ - أوْ عَذَابٌ - عُذْبَ بِهِ بَغْضُ الأُمُمِ ثُمَّ بَقِيَ مِنْهُ بَقِيَةٌ، فَيَذْهَبُ المَرَّةَ ويأتي
الأُخْرَى، فَمَنْ سَمِعَ بأَرْضٍ فَلا يَقْدَمَنَّ عَليْهِ، ومَنْ كانَ بأَرْضٍ وَقَعَ بها فَلاَ يَخْرُجْ فِراراً مِنْهُ» .
[انظر الحديث ٣٤٧٣ وطرفه].
مطابقته للترجمة ظاهرة وأبو اليمان الحكم بن نافع.
والحديث مضى في ذكر بني إسرائيل عن عبد العزيز بن عبد الله عن مالك،
ومضى الكلام فيه هناك.
قوله: ((ذكر الوجع)) أي: الطاعون. قوله: ((رجز)) بكسر الراء وضمها العذاب.
قوله: ((أو عذاب))، شك من الراوي قوله: ((فيذهب المرة)) أي: لا يكون دائماً بل في
بعض الأوقات. قوله: ((فلا يقدمن)) بفتح الدال وبالنون المؤكدة الثقيلة.
١٨٢
٩١ - كتاب الحيل / باب (١٤)
١٤ - بابٌ في الهِبَةِ والشُّفْعَةِ
أي: هذا باب فيما يكره من الاحتيال في الرجوع عن الهبة والاحتيال في إسقاط
الشفعة .
وقال بَعْضُ النَّاسِ: إِنْ وَهَبَ هِبَةَ أَلْفَ دِرْهَم أَوْ أَكْثَرَ حتَّى مَكْثَ عِنْدَهُ سِنينَ، واختال
فِي ذَلِكَ ثُمَّ رَجَعَ الواهبُ فِيها فَلاَ زَكاة على واحِدٍ مِنْهُما، فَخَالَف الرَّسُولَ وَّ في الهبةِ
وأسْقَطَ الزَّكاةَ.
أراد به التشنيع أيضاً على أبي حنيفة من غير وجه لأن أبا حنيفة في أي موضع قال
هذه المسألة على هذه الصورة بل الذي قاله أبو حنيفة هو أن الواهب له أن يرجع في
هبته، ولكن لصحة الرجوع قيود. الأول: أن يكون أجنبياً. والثاني: أن يكون قد سلمها
إليه لأنه قبل التسليم يجوز مطلقاً. والثالث: أن لا يقترن بشيء من الموانع، وهي
مذكورة في موضعها، واستدل في جواز الرجوع بقوله بيّلفي: من وهب هبة فهو أحق
بهبته ما لم يثب منها. أي: ما لم يعوض، رواه أبو هريرة وابن عباس وابن عمر، رضي
الله تعالی عنهم.
أما حديث أبي هريرة فأخرجه ابن ماجه في (الأحكام) من حديث عمر بن دينار
عن أبي هريرة. وأما حديث ابن عباس فأخرجه الطبراني من حديث عطاء عنه قال: قال
رسول الله وَر: من وهب هبة فهو أحق بهبته ما لم يثب منها. وأما حديث ابن عمر
فأخرجه الحاكم من حديث سالم بن عبد الله يحدث عن ابن عمر: أن النبي وَِّ، قال:
من وهب هبة فهو أحق بها ما لم يثب منها. وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين
ولم يخرجاه، فكيف يحل أن يقال في حق هذا الإمام الذي علمه وزهده لا يحيط بهما
الواصفون أنه خالف الرسول؟ وكيف خالفه وقد احتج فيما قاله بأحاديث هؤلاء الثلاثة
من الصحابة الكبار؟ وأما الحديث الذي احتج به مخالفوه وهو ما رواه البخاري الذي
يأتي الآن، ورواه أيضاً الجماعة غير الترمذي: عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن ابن
عباس عن النبي وَ ير قال: العائد في هبته كالكلب يعود في قيته، فلم ينكره أبو حنيفة بل
عمل بالحديثين معاً فعمل بالحديث الأول في جواز الرجوع وبالثاني في كراهة الرجوع،
لا في حرمه الرجوع كما زعموا، وقد شبه النبي 9َّ، رجوعه بعود الكلب في قيئه،
وفعل الكلب يوصف بالقبح لا بالحرمة وهو يقول به لأنه مستقبح، ولقائل أن يقول:
للقائل الذي قال: إن أبا حنيفة خالف الرسول: أنت خالفت الرسول في الحديث الذي
يحتج به على عدم الرجوع لأن هذا الحديث يعم منع الرجوع مطلقاً سواء كان الذي
يرجع منه أجنبياً أو والداً له. فإن قلت: روى أصحاب السنن الأربعة عن حسين المعلم
عن عمرو بن شعيب عن طاوس عن ابن عمرو بن عباس، رضي الله تعالى عنهم، عن
١٨٣
٩١ - كتاب الحيل / باب (١٤)
النبي و لو قال: لا يحل لرجل أن يعطي عطية أو يهب هبة فيرجع فيها إلاَّ الوالد فيما
يعطي ولده. قلت: هذا بناء على أصلهم أن للأب حق التملك في مال الابن لأنه جزؤه،
فالتمليك منه كالتمليك من نفسه من وجه قوله، واحتال في ذلك، فسره بعضهم بقوله
بأن تواطأ مع الموهوب له على ذلك. قلت: لم يقل أحد من أصحاب أبي حنيفة: إن أبا
حنيفة أو أحداً من أصحابه قال ذلك، وإنما هذا اختلاق لتمشية التشنيع عليهم.
٦٩٧٥/٢٣ - حدّثنا أبُو نُعَيْم، حدّثنا سُفْيانُ، عن أيُّوبَ السَّختِيانيِّ، عنْ عِكْرِمَةَ
عنِ ابنِ عَبَّاسٍ، رضي الله عنهما، قال: قال النبيُّ وَّهِ: ((العائِدُ في هِبَتِهِ كالكَلْبِ يَعُودُ في
قَيْتِهِ، لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ)). [انظر الحديث ٢٥٨٩ وطرفيه].
مطابقته للجزء الأول من الترجمة. وأبو نعيم الفضل بن دكين، وسفيان هو
الثوري. والحديث مضى في كتاب الهبة.
قوله: ((وليس لنا مثل السوء)) أي: الصفة الرديئة.
٦٩٧٦/٢٤ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ، حدثنا هِشامُ بنُ يُوسُفَ، أخبرنا مَعْمَرٌ،
عنِ الزُّهْرِيِّ، عن أبي سَلَمَةَ، عنْ جابِرِ بنِ عَبْدِ الله قال: إنّما جَعَلَ النبيُّ ◌َِّ الشَّفْعَةَ في
كُلِّ ما لَمْ يُقْسَمْ، فإذا وَقَعَتِ الحُدُودُ وصُرِّفَتِ الطُّرُقُ فَلا شفْعَةَ. [انظر الحديث ٢٢١٣
وأطرافه].
مطابقته للجزء الثاني من الترجمة. وعبد الله بن محمد المعروف بالمسندي.
والحديث مضى في البيوع عن محمد بن محبوب وعن محمود عن عبد الرزاق
وفيه وفي الشفعة وفي الشركة عن مسدد.
قوله: ((في كل ما لم يقسم))، أي: ملكاً مشتركاً مشاعاً بين الشركاء. قوله:
((وصرفت)) بالتخفيف والتشديد أي: منعت، وقال ابن مالك: أي خلصت وثبتت من
الصرف وهو الخالص، قال: ولا شفعة، لأنه صار مقسوماً وصار في حكم الجوار
وخرج عن الشركة، وقد ذكرنا فيه من الخلاف وغيره غير مرة.
وقال بَعْضُ النَّاسِ: الشُّفْعَةُ للْجِوارِ ثُمَّ عَمَدَ إلى ما شَدَّدَهُ فَأَبْطَلَهُ، وقال: إنِ اشْتَرَى داراً
فَخافَ أنْ يَأْخِذَها الجارُ بِالشُّفْعَةِ فاشْتَرَى سَهْماً مِنْ مِائَةٍ سَهْمٍ ثُم اشْتَرَى الباقيَ وكان لِلْجارِ
الشَّفْعَةُ فِي السَّهْمِ الأوَّلِ ولا شُفْعَةَ لهُ في باقِي الدَّارِ، ولهُ أنْ يَخَّتالَ فِي ذَلِكَ.
هذا تشنيع آخر على أبي حنيفة. وهو غير صحيح لأن هذه المسألة فيها خلاف
بين أبي يوسف ومحمد، فأبو يوسف هو الذي يرى ذلك، وقال محمد: يكره ذلك،
وبه قال الشافعي. قوله: ((للجوار))، بكسر الجيم وضمها وهو المجاورة. قوله: ((ثم
عمد إلى ما شدده)) بالشين المعجمة ويروى بالمهملة وأراد به إثبات الشفعة للجار.
١٨٤
٩١ - كتاب الحيل / باب (١٤)
قوله: ((فأبطله)) يعني أبطل ما شدده ويريد به إثبات التناقض وهو أنه قال: الشفعة للجار
ثم أبطله حيث قال في هذه الصورة: لا شفعة للجار في باقي الدار، وناقض كلامه.
قلت: لا تناقض هنا أصلاً لأنه لما اشترى سهماً من مائة سهم كان شريكاً لمالكها، ثم
إذا اشترى منه الباقي يصير هو أحق بالشفعة من الجار لأن استحقاق الجار الشفعة إنما
يكون بعد الشريك في نفس الدار وبعد الشريك في حقها. قوله: ((إن اشترى داراً) أي:
إذا أراد اشتراءها .
٢٥/ ٦٩٧٧ - حدّثنا عَلِيُّ بِنُ عَبْدِ الله، حدّثنا سُفْيانُ، عنْ إِنْراهِيمَ بنِ مَيْسَرَةً قال:
سَمِعْتُ عَمْرَو بِنَ الشَّرِيدِ قال: جاءَ المِسْوَرُ بنُ مَخْرَمَة فَوَضَعَ يَدَهُ عَلى مَنْكِبِي، فَانْطَلَقْتُ
مَعَهُ إلى سَعْدٍ فقال أبُو رافِعٍ لِلْمِسْوَر: ألا تَأْمُرُ هُذا أنْ يَشْتَرِيّ مِنِّي بَيْتِي الَّذِي في داري؟
فقال: لا أزِيدُهُ عَلى أَرْبَعمِائَةً إِمَّا مُقَطَّعَةٍ وإمَّا مُنَجَّمَةٍ. قال: أُعْطِيتُ خمْسَمِائةٍ نَقْداً، فَمَنَعْتُهُ،
ولولا أنّي سَمِعْتُ النبيَّ لَ ﴿ يَقُولُ: ((الجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ)) ما بِعْتُكَهُ. أوْ قال: ما أعْطَيْتُكَهُ.
قُلْتُ لِسُفْيانَ: إِنَّ مَعْمَراً لَمْ يَقُلْ هكذا، قال: لَكِنَّهُ قال لي هكذا. [انظر الحدیث ٢٢٥٨
وأطرافه].
مطابقته للجزء الثاني من الترجمة. وعلي بن عبد الله هو ابن المديني، وسفيان هو
ابن عيينة، وإبراهيم بن ميسرة - ضد الميمنة - الطائفي، وعمرو بن الشريد بالشين
المعجمة وكسر الراء وسكون الياء آخر الحروف وبالدال المهملة الثقفي، والمسور بكسر
الميم وسكون السين المهملة وبالواو ثم بالراء ابن مخرمة بفتح الميم وسكون الخاء
المعجمة ابن نوفل القرشي ولد بمكة بعد الهجرة بسنتين وقدم به المدينة في عقب ذي
الحجة سنة ثمان وقبض النبي ◌َ *، وهو ابن ثمان سنين، وسمع من النبي وَّهِ، وحفظ
عنه، وفي حصار الحصين بن نمير مكة لقتال ابن الزبير أصابه حجر من حجر المنجنيق
وهو يصلي في الحجر فقتله، وذلك في مستهل ربيع الأول سنة أربع وستين، وصلى
عليه ابن الزبير بالحجون وهو ابن اثنتين وستين، وأبوه مخرمة من مسلمة الفتح وهو أحد
المؤلفة قلوبهم وممن حسن إسلامه منهم، مات بالمدينة سنة أربع وخمسن وقد بلغ مائة
سنة وخمس عشرة سنة، وسعد هو ابن أبي وقاص وهو خال المسور المذكور، وأبو
رافع مولى رسول الله وَلفي، واسمه أسلم القبطي.
قوله: ((ألا تأمر هذا)) يعني: سعد بن أبي وقاص، والمراد أنه يسأله أو يشير عليه.
قال الكرماني: وفيه أن الأمر لا يشترط فيه العلو ولا الاستعلاء. قوله: ((بيتي الذي في
داري)) كذا في رواية الأكثرين بالإفراد، وفي رواية الكشميهني: بيتي اللذين، بالتثنية.
قوله: ((إما مقطعة وإما منجمة)) ويروى: مقطعة أو منجمة، بالشك من الراوي والمراد
أنها مؤجلة على نقدات مفرقة، والنجم الوقت المعين المضروب. قوله: ((أعطيت)) على
١٨٥
٩١ - كتاب الحيل / باب (١٤)
صيغة المجهول والقائل هو أبو رافع. قوله: ((بسقبه))، ويروى: بصقبه، بالصاد وبفتح
القاف وسكونها وهو القرب، يقال: سقبت داره بالكسر والمنزل سقب والساقب القريب
ويقال للبعيد أيضاً، جعلوه من الأضداد. وقال إبراهيم الحربي في كتاب (غريب
الحديث): الصقب بالصاد ما قرب من الدار ويجوز أن يقال: سقب، بالسين واستدل به
أصحابنا أن للجار الشفعة بعد الخليط في نفس المبيع، وهو الشريك ثم للخليط في حق
المبيع كالشرب بالكسر والطريق، وهو حجة على الشافعي حيث لم يثبت الشفعة للجار.
قوله: ((ما بعتكه)) أي: الشيء، وفي رواية المستملي: ما بعتك بحذف المفعول. قوله:
((أو قال: ما أعطيتكه))، شك من الراوي، قيل: هو سفيان ويروى: ما أعطيتك، بحذف
الضمير .
قوله: ((قلت لسفيان)) القائل هو علي بن عبد الله شيخ البخاري. قوله: ((أن معمراً
لم يقل هكذا)) يشير به إلى ما رواه عبد الله بن المبارك عن معمر عن إبراهيم بن ميسرة
عن عمرو بن الشريد عن أبيه بالحديث دون القصة.
أخرجه النسائي وابن ماجه عن حسين المعلم عن عمرو بن الشريد عن أبيه: أن
رجلاً قال: يا رسول! أرضي ليس فيها لأحد شرك ولا قسم إلا الجوار، فقال: إنما
الجار أحق بسقبه ما كان، وأخرجه الطحاوي أيضاً، وهذا صريح بوجوب الشفعة لجوار
لا شركة فيه. انتهى. قلت: الشرید بن سويد الثقفي عداده في أهل الطائف له صحبة
النبي 9َّ، ويقال: إنه من حضرموت، ويقال: إنه من همدان حليف لثقيف، روى عنه
عمرو، والمراد على هذا بالمخالفة إبدال الصحابي بصحابي آخر، وقال الكرماني: يريد
أن معمراً لم يقل هكذا أي: إن الجار أحق بالشفعة، بزيادة لفظ: الشفعة، ورد عليه بأن
الذي قاله لا أصل له ولم يعلم مستنده فيه ما هو، بل لفظ معمر: الجار أحق بصقبه،
كرواية أبي رافع سواء. قوله: ((لكنه)) أي: قال سفيان: لكن إبراهيم بن ميسرة («قال لي
هكذا)) وحكى الترمذي عن البخاري: إن الطريقين صحيحان، والله أعلم.
وقال بَعْضُ النَّاس: إذا أرادَ أنْ يَبِيعَ الشُّفْعَةَ فَلَهُ أنْ يَحْتَالَ حتَّى يُبْطِلَ الشَّفْعَةَ، فَيَهَبُ
البائِعُ لِلْمُشْتَرِي الدَّارَ ويَحُدُّها ويَدْفَعُها إِلَيْهِ وَيُعوِّضُهُ المُشْترِي الْفَ دِرْهَم، فلا يَكُون لِلشّفِيعِ
فِيها شُفْعَةٌ.
هذا تشنيع على الحنفية بلا وجه على ما نذكره. قوله: ((أن يبيع الشفعة))، من
البيع قال الكرماني: لفظ الشفعة، من الناسخ أو المراد لازم البيع وهو الإزالة. قلت: في
رواية الأصيلي وأبي ذر عن غير الكشميهني: إذا أراد أن يقطع الشفعة، ويروى: إذا أراد
أن يمنع الشفعة. قوله: ((ويحدها)) أي: يصف حدودها التي تميزها، وقال الكرماني:
١٨٦
٩١ - كتاب الحيل / باب (١٥)
ويروى في بعض النسخ: ونحوها، وهو أظهر، وإنما سقطت الشفعة في هذه الصورة
لأن الهبة ليست معاوضة محضة فأشبهت الإرث.
٦٩٧٨/٢٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسفَ، حدّثنا سُفْيانُ، عنْ إبْراهِيمَ بنِ مَيْسَرَةً، عنْ
عَمْرِو بنِ الشَّرِيدِ، عن أبي رافع أنَّ سَعْداً ساوَمَهُ بَيْتاً بأرْبَعِمِائَةِ مِثْقَالٍ، فقال: لولا أنّي سَمِعْتُ
رسولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: (الجارُ أحَقُّ بِصَقَبِهِ)» لمَا أعْطَيْتُكَ. [انظر الحديث ٢٢٥٨ وأطرافه].
أي: هذا حديث أبي رافع المذكور ذكره مختصراً من طريق سفيان الثوري عن
إبراهيم بن ميسرة، وأورده في آخر كتاب الحيل بأتم منه.
سعد هو ابن أبي وقاص، قيل: ذكر البخاري في هذه المسألة حديث أبي رافع
ليعرفك إنما جعله النبي وَله حقاً للشفيع لقوله: الجار أحق بصقبه لا يحل إبطاله انتهى.
قلت: ليس في الحديث ما يدل على أن البيع وقع والشفيع لا يستحق إلا بعد صدور
البيع، فحينئذٍ لا يصح أن، يقال: لا يحل إبطاله، وقال صاحب (التوضيح) إنما أراد
البخاري أن يلزم أبا حنيفة التناقض لأنه يوجب الشفعة للجار ويأخذ في ذلك بحديث:
الجار أحق بصقبه، فمن اعتقد هذا وثبت ذلك عنده من قضائه 18 وتحيل بمثل هذه
الحيلة في إبطال شفعة الجار فقد أبطل السنة التي اعتقدها. انتهى. قلت: هذا الذي قاله
كلام من غير إدراك ولا فهم، لأنه لا جار في هذه الصورة لأن الذي فيها الشريك في
نفس المبيع والجار لا يتقدم عليه ولا يستحق الجار الشفعة إلا بعده بل وبعد الشريك في
حق المبيع أيضاً فكيف يحل لهذا القائل أن يفتري على هذا الإمام الذي سبق إمامه وإمام
غيره وينسب إليه أبطال السنة.
وقال بَعْضُ النَّاسِ: إِنِ اشْتَرِى نَصِيبَ دارٍ فأرادَ أنْ يُبْطِلَ الشُّفْعَةَ وهَبَ لابْتِهِ الصغيرِ
ولا يَكُونُ عَلَيْهِ يَمِينٌ.
هذا أيضاً تشنيع على الحنفية. قوله: ((وهب))، أي: ما اشتراه ((لابنه الصغير ولا
يكون عليه يمين)) في تحقق الهبة، ولا في جريان شروطها. وقيد بالصغير لأن الهبة لو
كانت للكبير وجب عليه اليمين فتحيل إلى إسقاطها بجعلها للصغير، وأشار باليمين أيضاً
إلى أن لو وهب لأجنبي فإن للشفيع أن يحلف الأجنبي أن الهبة حقيقية وأنها جرت
بشروطها: والصغير لا يحلف لكن عند المالكية: أن أباه الذي يقبل له يحلف، وعن
مالك: لا تدخل الشفعة في الموهوب مطلقاً، كذا ذكره في (المدونة).
١٥ - بابُ اخْتيالِ العامِلِ لِيُهْدَی لهُ
أي: هذا باب في بيان كراهة حيلة العامل لأجل أن يهدى له، على صيغة
المجهول، والعامل هو الذي يتولى أمور الرجل في ماله وملكه وعمله ومنه قيل للذي
يستخرج الزكاة: عامل.
١٨٧
٩١ - كتاب الحيل / باب (١٥)
٦٩٧٩/٢٧ - حدّثنا عُبَيْدُ بنُ إِسْمَاعِيلَ، حدثنا أبو أسامةَ عنْ هِشام، عنْ أبِيهِ عنْ
أبي حُمَيْدِ السَّاعِدِيِّ قال: اسْتَعْمَلَ رسولُ اللهِ وَ ﴿ رَجُلاً عَلى صَدَقَاتِ بَنِي سُلَّيْم - يُذْغى ابنَ
اللُّبِيَّةِ، - فَلمَّا جاءَ حاسَبَهُ قال: هذا مالُكُمْ وهذا هَدِيَّةٌ، فقال رسولُ اللهِوَهِ: ((فَهَلَا جَلَسْتَ
فِي بَيْتِ أبِيكَ وأُمّكَ حتَّى تَأْتِيكَ هَدِيَّتُكَ، إِنْ كُنْتَ صادِقاً!)) ثُمَّ خَطَبَنَا فَحَمِدَ الله وأثْنَى عَلَيْهِ
ثُمَّ قال: ((أمَّا بَعْدُ! فإنّي أَسْتَعْمِلُ الرَّجُلَ مِنْكُمْ عَلَى العَمَلِ مِمَّا ولاَّنِي الله، فَيَأْتِي فَيَقُولُ: هذا
مالْكُمْ وهذا هَدِيَةٌ، أَهْدِيَتْ لِي، أَفَلاَ جَلَسَ فِي بَيْتِ أبِيِهِ وَأُمِّهِ حَتَّى تَأْتِيَهُ هَدِيَتُهُ؟ والله لا يأخُذُ
أحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئاً بِغَيْرِ حَقُّهِ إِلاَّ لَقِيَ اللهَ يَحْمِلُهُ يَوْمَ القِيامَةِ، فَلاَ أغْرِفَنَّ أَحَداً مِنْكُمْ لَقِيَ الله
يَحْمِلُ بَعِيراً لَهُ رُغاءٌ، أوْ بَقَرَةَ لَها خُوارٌ، أوْ شَاةً تَبْعَرُ)) ثُم رَفَعَ يَدَيْهِ حتَّى رُئِيَ بَياضُ إِبِطَيْهِ،
يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ! بضْرَ عَيْنِي وسَمْعَ أُذُنِي)). [انظر الحديث ٩٢٥ وأطرافه].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((وهذا هدية)). قال المهلب حيلة العامل ليهدى
له تقع بأن يسامح بعض من عليه الحق - فلذلك قال: هلا جلس في بيت أبيه وأمه لينظر
هل يهدى له؟ ويقال: احتيال العامل هو بأن ما أهدي له في عمالته يستأثر به ولا يضعه
في بيت المال، وهدايا العمال والأمراء هي من جملة حقوق المسلمين.
وأبو أسامة حماد بن أسامة، وهشام هو ابن عروة يروي عن أبيه عروة بن الزبير
عن أبي حميد بضم الحاء عبد الرحمن، وقيل: المنذر الساعدي الأنصاري.
والحديث مضى في الهبة عن عبد الله بن محمد وفي النذور عن أبي اليمان وفي
الزكاة عن يوسف بن موسى، ومضى الكلام فيه في الزكاة.
قوله: ((ابن اللتبيه)) بضم اللام وسكون التاء المثناة من فوق وبالباء الموحدة وياء
النسبة، وقيل: بفح التاء المثناة من فوق، وقيل: بالهمزة المضمومة بدل اللام واسمه
عبد الله. قوله: ((فلا أعرفن)) نهي للمتكلم صورة وفي المعنى نهي ل قوله: ((أحداً))
ويروى فلأعرفن أي: والله لأعرفن. قوله: ((رغاء)) هو صوت ذات الخف. قوله:
(تيعر))، بالكسر وقيل بالفتح من اليعار بضم الياء آخر الحروف وتخفيف العين المهملة
وهو صوت الشاة. قوله: ((بياض إبطيه)) ويروى بالإفراد. قوله: (بصر عيني)) بلفظ
الماضي وكذلك لفظ: ((سمع)) أي: أبصرت عيناي رسول الله و ير ناطقاً ورافعاً يديه
وسمعت كلامه، وهو قول أبي حميد الراوي له. وقال عياض: ضبط أكثرهم بسكون
الصاد وبسكون الميم وفتح الراء والعين مصدرين مضافين وهو مفعول: بلغت، وهو
مقول رسول الله چ.
٦٩٨٠/٢٨ - حدّثنا أبُو نُعَيْم، حدثنا سُفْيانُ، عنْ إنْراهِيمَ بنِ مَيْسَرَةً، عنْ
عَمْرٍو بنِ الشَّريدِ، عن أبي رافِعٍ قال: قالَ النبيُّ نَّهِ: ((الجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ».
١٨٨
٩١ - كتاب الحيل / باب (١٥)
هذا الحديث والذي يأتي في آخر الباب يتعلقان بباب الهبة والشفعة، فلا وجه
لذكرهما في هذا الباب. ومن هذا قال الكرماني: كان موضعهما المناسب قيل: باب
احتيال العامل، لأنه من بقية مسائل الشفعة، وتوسيط هذا الباب بينهما أجنبي، ثم قال:
ولعله من جملة تصرفات النقلة عن الأصل. ولعله كان في الحاشية ونحوها فنقلوه إلى
غیر مكانه، ورجاله قد ذکروا عن قريب، وكذلك شرحه.
وقال بَعْضُ النَّاسِ: إن اشْتَرَى داراً بِعِشْرِينَ ألْفَ دِرْهَم، فَلاَ بَأْسَ أنْ يَحْتَالَ حتَّى
يَشْتَرِيّ الدَّارَ بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَم، ويَنْقُدَهُ تِسْعَةَ آلافٍ دِرْهَم وتِسْعَمِائَةِ درْهَم، وتِسْعَةً وتِسْعِينَ
ويَنْقُدَهُ دِيناراً بما بَقِيَ مِنَ العِشْرِيَنَ الأَلْفَ، فإنْ طَلَبَ الشَّفِيَعُ أخْذَها بِعِشْرِينٌ أَلْفَ دِرْهَم، وإلاّ
فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلى الدَّارِ، فإنِ اسْتُحِقَّتِ الدَّارُ رَجَعَ المُشْتَرِي عَلى البائِعِ بِمَا دَفَعَ إِلَيْهَ، وهو
تِسْعَةُ آلافٍ دِرْهَم وتِسْعُمِائَةٍ وتَسْعَةٌ وتِسْعُونَ دِرْهَماً ودِينارٌ، لأن البَيْعَ حِينَ اسْتُحِقَّ انْتَقَضَ
الصَّرْفُ في الدِّينَارِ، فإنْ وَجَدَ بِهَذِهِ الدّارِ عَيْباً ولمْ تُسْتَحَقَّ فإنَّهُ يَرُدُّها عَلَيْهِ بِعِشْرِينَ أَلْفَ
دِرْهَم. قال: فأجازَ هَذا الخِداعَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، وقال: قال النَّبِيُّ وَِّ: ((لا داءَ ولا خِبْئَةً ولا
غائِلَةً)). [انظر الحديث ٢٢٥٨ وأطرافه].
هذا أيضاً تشنيع بعد تشنيع بلا وجه. قوله: ((إن اشترى داراً) أي: أراد اشتراء دار
بعشرين ألف درهم. قوله: ((فلا بأس أن يحتال)) أي: على إسقاط الشفعة حتى يشتري
الدار بعشرين ألف درهم. قوله: ((وينقده)) أي: ينقد البائع تسعة آلاف درهم وتسعمائة
وتسعة وتسعين وينقده ديناراً بما بقي أي: بمقابلة ما بقي من العشرين الألف، ويروى:
من العشرين ألفاً يعني: مصارفه عنها. قوله: ((فإن طلب الشفيع)) أي: أخذها بالشفعة.
قوله: ((أخذها)) بصيغة الماضي، أي: أخذها بعشرين ألف درهم يعني: بثمن الذي وقع
عليه العقد. قوله: ((وإلاَّ فلا سبيل له على الدار)) يعني: وإن لم يرض أخذها بعشرين
ألفاً فلا سبيل له على الدار لسقوط الشفعة لكونه امتنع من بدل الثمن الذي وقع عليه
العقد. قوله: ((فإن استحقت)) على صيغة المجهول، يعني: إذا ظهرت الدار مستحقة
لغير البائع. قوله: ((لأن البيع))، أي: لأن المبيع. قوله: ((حين استحق))، أي: للغير.
قوله: ((انتقض الصرف)) أي: الذي وقع بين البائع والمشتري في الدار المذكورة
بالدينار، وهي رواية الكشميهني أعني في الدينار، وفي رواية غيره في الدار والأول
أوجه. قوله: (فإن وجد بهذه الدار))، أي: الدار المذكورة عيباً. قوله: ((ولم تستحق))
الواو فيه للحال أي: والحال أنها لم تخرج مستحقة فإنه يردها، أي: الدار عليه أي:
على البائع بعشرين ألفاً. قال: وهذا تناقض بيّن لأن الأمة مجمعة - وأبو حنيفة معهم -
على أن البائع لا يرد في الاستحقاق والرد بالعيب إلاَّ ما قبض، فكذلك الشفيع لا يشفع
إلاَّ بما نقد المشتري وما قبضه من البائعَ لا بما عقد، وأشار إلى ذلك بقوله: ((قال:
١٨٩
٩١ - كتاب الحيل / باب (١٥)
فأجاز هذا الخداع بين المسلمين)) أي: أجاز الحيلة في إيقاع الشريك في العين إن أخذ
الشفعة وإبطال حقه بسبب الزيادة في الثمن باعتبار العقد لو تركها، والضمير في: قال،
يرجع إلى البخاري وفي: أجاز إلى بعض الناس، فإن كان مراده من قوله: فأجاز، أي:
أبو حنيفة ففيه سوء الأدب فحاشا أبو حنيفة من ذلك، فدينه المتين وورعه المحكم يمنعه
عن ذلك. قوله: ((وقال: قال النبي ( #))، أي: قال البخاري: قال النبي وَله، وأراد
بهذا الحديث المعلق الذي مضى موصولاً بأتم منه في أوائل كتاب البيوع الاستدلال على
حرمة الخداع بين المسلمين في معاقداتهم قوله: ((لا داء)) أي: لا مرض ((ولا خبثة))
بكسر الخاء المعجمة أي: لا يكون، وحكى الضم أيضاً وقال الهروي: الخبثة، أن
يكون البيع غير طيب كأن يكون من قوم لم يحل سبيهم لعهد تقدم لهم، وقال ابن
التين: وهذا في عهد الرقيق، قيل: إنما خصه بذلك لأن الخبر إنما ورد فيه قوله: ((ولا
غائلة)) وهو أن يأتي أمراً سوءاً كالتدليس ونحوه، وقال الكرماني: الغائلة الهلاك أي: لا
يكون فيه هلاك مال المشتري، والأصل عنده من يرى هذا الاحتيال في هذه الصورة
وغيرها هو أن إبطال الحقوق الثابتة بالتراضي جائز.
٢٩/ ٦٩٨١ - حدّثنا مُسَدَّدٌ، حدّثنا يَخيِى، عنْ سُفْيانَ، قال: حدّثني إنْراهِيمُ بنُ
مَيْسَرَةَ، عنْ عَمْرِو بنِ الشَّرِيدِ، أنَّ أبا رافِعٍ ساوَمَ سَعْدَ بنَ مالِكِ بَيْتاً بِأَرْبَعِمائَةِ مِثْقَالٍ، وقال:
لولا أنّي سَمِعْتُ النبيِّ وَ ﴿ يَقُول: ((الجَارُ أحَقُّ بِصَقَبِهِ)) ما أعْطَيْتُكَ. [انظر الحديث ٢٢٥٨
وأطرافه].
قد مر الكلام فيه عن قريب عند قوله: حدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان ... الخ،
وهو بعين ذلك الحديث غير أنه أخرجه هنا: عن مسدد عن يحيى القطان عن سفيان
الثوري، وهناك: عن أبي نعيم عن سفيان عن إبراهيم ... الخ ومضى الكلام فيه.
بِسْمِ اللهِ الرََّنِ الرَّحِيمِ
ثبتت البسملة هنا لجميع الرواة .
(٩٢) كِتابُ التَّغْبِيرِ
أي: هذا كتاب في بيان التعبير. وقال الكرماني: قالوا الفصيح العبارة لا التعبير
:
وهي التفسير والإخبار بما يؤول إليه أمر الرؤيا، والتعبير خاص بتفسير الرؤيا وهي العبور
من ظاهرها إلى باطنها، وقيل: هو النظر في الشيء فتعبير بعضه ببعض حتى يحصل
على فهمه، وأصله من العبر، بفتح العين وسكون الباء وهو التجاوز من حال إلى حال
والاعتبار والعبرة الحالة التي يتوصل بها من معرفة المشاهد إلى ما ليس بمشاهد،
ويقال: عبرت الرؤيا بالتخفيف إذا فسرتها، وعبرتها بالتشديد لأجل المبالغة في ذلك.
١ - بابٌ أوَّلُ مَا بُدِىءَ بِهِ رسولُ اللهَِّهِ مِنَ الوَحْيِ الرُّؤُيا الصَّالِحَةُ
أي: هذا باب فيه أول ما بدىء به، وهكذا وقع في رواية النسفي والقابسي، وكذا
وقع لأبي ذر مثله إلاّ أنه سقط له عن غير المستملي لفظ: باب. ووقع لغيرهم، باب
التعبير وأول ما بدىء به ... الخ. والرؤيا ما يراه الشخص في منامه، وهي على وزن
فعلى وقد تسهل الهمزة، وقال الواحدي: هو في الأصل مصدر كالبشري فلما جعلت
اسماً لما يتخيله النائم أجريت مجرى الأسماء. وقال ابن العربي: الرؤيا إدراكات يخلقها
الله عز وجل في قلب العبد على يدي ملك أو شيطان إما بأسمائها أي: حقيقتها وإما
بكناها أي: بعبارتها، وإما تخليط، ونظيرها في اليقظة: الخواطر، فإنها قد تأتي على
نسق في قصد وقد تأتي مسترسلة غير محصلة.
وروى الحاكم والعقيلي من رواية محمد بن عجلان عن سالم بن عبد الله بن
عمر عن أبيه قال: لقي عمر عليّاً، رضي الله عنهما، فقال: يا أبا الحسن! الرجل يرى
الرؤيا فمنها ما يصدق ومنها ما يكذب؟ قال: نعم. سمعت رسول الله * يقول: ((ما
من عبد ولا أمة ينام فيمتلىء نوماً إلا يخرج بروحه إلى العرش. فالذي لا يستيقظ دون
العرش فتلك الرؤيا التي تصدق والذي يستيقظ دون العرش فتلك التي تكذب قال
الذهبي في (تلخيصه): هذا حديث منكر ولم يصححه المؤلف، ولعل الآفة من الراوي
١٩٠
١٩١
٩٢ - كتاب التعبير / باب (١)
عن ابن عجلان. انتهى. الراوي عن ابن عجلان هو أزهر بن عبد الله الأزدي
الخرساني، ذكره العقيلي في ترجمته، وقال: إنه غير محفوظ. قوله: الرؤيا الصادقة،
قد ذكرنا أن الرؤيا في المنام، والرؤية هي النظر بالعين والرأي بالقلب، والصادقة هي
رؤيا الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، ومن تبعهم من الصالحين، وقد تقع لغيرهم بندور
والأحلام الملتبسة أضغاث وهي لا تندر بشيء.
١/ ٦٩٨٢ - حدّثنا يحيى بنُ بُكَيْرِ، حدّثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلِ، عنِ ابنِ شِهابٍ. (ح)
وحدّثني عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ، حدّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حدثنا مَعْمَرٌ قال، الزُّهْرِيَّ: فأخبرني عُرْوَةُ
عنْ عائِشَةَ، رضي الله عنها، أنَّها قالَتْ: أوَّلُ ما بُدِىءَ بِهِ رسولُ اللهِ وَّهِ مِنَ الوَحْيِ الرُّؤْيا
الصَّادِقَةُ في النَّوْمِ، فَكانَ لا يَرىُ رُؤْيا إلاَّ جاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، فكانَ يَأْتِي حِراءٌ فَيَتَحَنَّثُ
فِيهِ وَهْوَ التَّعَبْدُ - اللَّيَالِيَ ذَواتِ العَدَدِ ويَتَزَّوَّدُ لِذْلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةٍ فَتُزَوِّدُ لِمِثْلِها حتّى
فَجِئَّهُ الحَقُّ وهُوَ في غارِ حِراءٍ، فَجَاءَهُ المَلَكُ فِيهِ فقال: ﴿اقْرَأْ﴾ فقال لهُ النبيُّ وَّهِ: فَقُلْتُ:
((ما أنا بقارِىءٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطّني حتى بَلَغَ مِنِّي الجَهُدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي)). فقال: ﴿اقْرَأْ﴾ فَقُلْتُ:
((ما أنا بِقَارِىءٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَّةَ حتَّى بَلَغَ مِنِّي الجُهْدَ، ثمَّ أرْسَلَنِي)). فقال: ﴿اقْرَأ﴾
فَقُلْتُ: ((ما أنا بِقَارِىءٍ، فَقَطَنِي الثَّالِثَةَ حتَّى بَلَغَ مِنِّي الجُهْدُ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي)) فقال: ﴿اقْرَأْ بِأَسْمٍ
رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ﴾ [العلق: ١] حتَّى بَلَغَ: ﴿مَا لَمْ يَ﴾ [العلق: ٥] فَرَجَعَ بها تَرْجُفُ بَوَادِرُهُ حتّى
دَخَلَ عَلى خَدِيجَةَ فقال: ((زَمِلُونِي! زَمُلُونِي)) فَزَمَّلُوه حتّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، فقال: ((يا
خَدِيجَةُ ما لِي)) .... وأخْبَرَها الخَبَرَ، وقال: ((قَدْ خَشِيتُ على نَفْسِي)، فقالَتْ لهُ: كَلّ أُبْشِرْ،
فَوالله لا يخْزِيكَ الله أَبَداً إنّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ وتَصْدُقُ الحَديثَ وتَحْمِلُ الكَلَّ وتَقْرِي الضَّيْفَ،
وتُعِينُ عَلى نَوائِبِ الحَقِّ، ثُمَّ انْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بنَ نَوْفَل بن أَسَدِ بنِ
عَبْدِ العُزّى بنِ قُصَيٍّ، وهُوَ ابنُ عَمِّ خَدِيجَةَ أخُو أبِيها. وكان امْرأَ تَنَصَّرَ في الجَاهِلِيَّةِ، وكان
يَكْتُبُ الكِتابَ العَرَبِيِّ، فَيَكْتُبُ بِالعَرَبِيَّةِ مِنَ الإنْجِيلِ ما شاءَ الله أنْ يَكْتُبَ، وكان شَيْخاً كَبِيراً
قَدْ عَمِيَ. فقالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: أي ابنَ عَمِّ! اسْمَعْ مِنِ ابنِ أخِيكَ. فقال ورَقَةُ: ابنَ أخي ماذا
تَرِى؟ فأخْبَرَهُ النبيُّ ◌َهِ ما رأى، فقال وَرَقَّةُ: هُذا النَّامُوسُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلى مُوسى! يَا لَيْتَنِي فِيها
جَذَعاً، أكُونُ حَيّاً حينَ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، فقال رسولُ اللهِ وََّ: ((أَوْ مُخْرِجِيَّ هُمْ؟)) فقال وَرَقَةُ :
نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُ بِمَا جِئْتَ بِهِ إلاّ عُودِيَ، وإِنْ يُذْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكُ نَصْراً مُؤْزَّراً، ثُمَّ لَمْ
يَنْشَبْ وَرَقَّةُ أن تُوفِّيَ وفَتَرَ الوَخِيُّ فَتْرَةً حَتَّى حَزِنَ النِبِيُّ وَِّ، فِيمَا بَلَغَنا حُزْناً غَدا مِنْهُ مِراراً كَيْ
يَتَرَدَّى مِنْ رُؤُوسِ شَواهِقِ الجِبالِ، فَكُلَّمَا أَوْفَى بِذَرْوَةِ جبلٍ لِكَيْ يُلْقِيَ مِنْهُ نَفْسَهُ تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ،
فقال: يا مُحَمَّدُ! إِنَّكَ رسولُ اللهِوَّهِ حَقّاً، فَيَسْكُنُ لِذْلِكَ جَأْشُهُ وتَقِرُّ نَفْسُهُ، فَيَرْجِعُ، فإذا طالَتْ
عَلْيْهِ فَتْرَةُ الوَحْيِ غَدا لِمِثْلٍ ذُلِكَ، فإذا أوْفَى بِذِرْوَةٍ جَبَلٍ تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ فقال لهُ مِثْلَ ذُلِكَ.
١٩٢
٩٢ - كتاب التعبير / باب (١)
وقال ابنُ عَبَّاسٍ: فالِقُ الإصْباحِ: ضَوْءُ الشّمْسِ بِالنَّهارِ وضَوْءُ القَمَرِ بِاللَّيْلِ.
[انظر الحديث ٣ وأطرافه].
هذا الحديث قد مر في أول الكتاب ومضى الكلام فيه مستوفّى.
وعائشة لم تدرك هذا الوقت فإما أنها سمعته من النبي وَلي، أو من صحابي آخر.
وأخرجه هنا من طريقين: أحدهما: عن يحيى بن عبد الله بن بكير المخزومي
المصري عن الليث بن سعد المصري عن عقيل بضم العين ابن خالد عن محمد بن
مسلم بن شهاب الزهري والآخر عن عبد الله بن محمد الجعفي المعروف بالمسندي عن
عبد الرزاق بن همام عن معمر بن راشد عن محمد بن مسلم الزهري، وكتب بين
الإسناد حرف (ح) إشارة إلى التحويل من إسناد قبل ذكر الحديث إلى إسناد آخر. وقال
الكرماني: أو الإشارة إلى صح أو إلى الحائل أو إلى الحديث.
قوله: ((فأخبرني عروة)) ذكر حرف الفاء إشعاراً بأنه روى له حديثاً ثم عقبه بهذا
الحديث، فهو عطف على مقدر، ووقع عند مسلم: عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق
مثله، لكن فيه: وأخبرني، بالواو لا بالفاء. قوله: ((الصادقة)) وفي رواية: الصالحة،
وهما بمعنى واحد بالنسبة إلى أمور الآخرة في حق الأنبياء، عليهم السلام. وأما بالنسبة
إلى أمور الدنيا فالصالحة أخص فرؤيا النبي * صادقة وقد تكون صالحة وهي الأكثر
وغير صالحة بالنسبة إلى الدنيا، كما وقع في الرؤيا يوم أحد، وأما رؤيا غير الأنبياء،
عليهم السلام، فبينهما عموم وخصوص إن فسرنا الصادقة بأنها التي لا تحتاج إلى
تعبير، وإن فسرناها بأنها غير الأضغاث فالصالحة أخص مطلقاً. وقيل: الرؤيا الصادقة
ما يقع بعينه أو ما يعبر في المنام أو يخبر به من لا يكذب، والصالحة ما يسر. وقال
الكرماني: الصالحة ما صلح صورتها أو ما صلح تعبيرها، والصادقة المطابقة للواقع.
قوله: ((جاءت)) هكذا رواية الكشميهني، وفي رواية غيره: جاءته قوله: ((فلق الصبح))
بفتح الفاء: ضوء الصبح وشقه من الظلمة وافتراقها منه. وجه التشبيه بفلق الصبح دون
غيره هو أن شمس النبوة كانت الرؤيا مبادىء أنوارها فما زال ذلك النور يتسع حتى
أشرقت الشمس، فمن كان باطنه نورياً كان في التصديق بكرياً كأبي بكر، ومن كان باطنه
مظلماً كان في التكذيب خفاشاً كأبي جهل، وبقية الناس بين هاتين المنزلتين كل منهم
بقدر ما أعطي من النور. قوله: ((جراء)» بكسر الحاء وبالمد وهو الأفصح وحكى بتثليث
أوله مع المد والقصر والصرف وعدمه، فتجتمع فيه عدة لغات مع قلة أحرفه ونظيره:
قباء، والخطابي جزم بأن فتح أوله لحن وكذا ضمه وكذا قصره، قيل: الحكمة في
تخصيصه بالتخلي فيه أن المقيم فيه كانت تمكنه فيه رؤية الكعبة فتجتمع فيه لمن يخلو
فيه ثلاث عبادات: الخلوة والتعبد والنظر إلى البيت. وقيل: إن قريشاً كانت تفعله،
١٩٣
٩٢ - كتاب التعبير / باب (١)
وأول من فعل ذلك من قريش عبد المطلب وكانوا يعظمونه لجلالته وكبر سنه، فتبعه
على ذلك من كان يتأله وكان*، يخلو بمكان جده وسلم له ذلك أعمامه لكرامته
عليهم. قوله: ((وهو التعبد)) تفسير للتحنث الذي في ضمن: يتحنث، وهو إدراج من
الراوي. قوله: ((الليالي ذوات العدد)) قال الكرماني: الليالي مفعول يتحنث وذوات
بالكسر أي كثيرة. وقال الكرماني: الليالي ذوات العدد، يحتمل الكثرة إذ الكثير يحتاج
إلى العدد، وقال غيره: المراد به الكثرة لأن العدد على قسمين فإذا أطلق أريد به
مجموع القلة والكثرة فكأنها قالت ليالي كثيرة، أي: مجموع قسم العدد. قوله: ((فتزود
لمثلها)»كذا في رواية الكشميهني، وفي رواية غيره: فتزوده، بالضمير. وقوله: ((لمثلها))
أي: لمثل الليالي، وقيل: يحتمل أن يكون للمرة أو الفعلة أو الخلوة أو العبادة، وقال
بعض من عاصرناه: إن الضمير للسنة فذكر من رواية ابن إسحاق: كان يخرج إلى غار
حراء في كل عام شهراً من السنة يتنسك فيه يطعم من جاءه من المساكين. قال: وظاهره
التزود لمثلها كان في السنة التي تليها لا لمرة أخرى من تلك السنة، واعترض عليه
بعض تلامذته بأن مدة الخلوة كانت شهراً كان يتزود لبعض ليالي الشهر، فإذا نفد ذلك
الزاد رجع إلى أهله فيتزود قدر ذلك من جهة أنهم لم يكونوا في سعة بالغة من العيش،
وكان غالب زادهم اللبن واللحم، وذلك لا يدخر منه كفاية الشهر لئلا يسرع إليه الفساد،
ولا سيما وقد وصف بأنه كان يطعم من يرد عليه. قوله: ((حتى فجئه الحق» كلمة:
حتى، هنا على أصلها لانتهاء الغاية، والمعنى: انتهى توجهه لغار حراء بمجيء الملك
وترك ذلك، وفجئه بفتح الفاء وكسر الجيم وبهمزة فعل ماض أي: جاءه الوحي بغتة،
وقال الطيبي: الحق أي: أمر الحق وهو الوحي أو: رسول الحق وهو جبريل، عليه
السلام، وقيل: الحق الأمر البين الظاهر أو المراد: الملك بالحق، أي: الأمر الذي
بعث به. قوله: ((فجاءه)) الفاء فاء التفسيرية، وقيل: يحتمل أن تكون للتعقيب، وقيل:
يحتمل أن تكون سببية. قوله: ((فيه)) أي: في الغار، وهذا يرد قول من قال: إن الملك
لم يدخل إليه الغار بل كلمه والنبي ◌َّر داخل الغار والملك على الباب، والملك هنا
جبريل، عليه السلام، وقيل: اللام فيه لتعريف الماهية لا للعهد إلاّ أن يكون المراد به ما
عهده، عليه السلام، قبل ذلك لما كلمه في صباه وكان سن النبي (8 98 حين جاءه
جبريل، عليه السلام، في غار حراء أربعين سنة على المشهور، وكان ذلك يوم الاثنين
نهاراً في شهر رمضان في سابع عشرة، وقيل: في سابعه، وقيل في: رابع عشرين،
وقيل: كان في سابع عشرين شهر رجب، وقيل: في أول شهر ربيع الأول، وقيل: في
ثامنه. قوله: ((فقال اقرأ)) ظاهره أنه لم يتقدم من جبريل شيء قبل هذه الكلمة ولا
السلام، وقيل: يحتمل أنه سلم وحذف ذكره، وروى الطيالسي أن جبريل سلم أولاً ولم
ينقل أنه سلم عند الأمر بالقراءة. قوله: ((فقال اقرأ)) قيل: دلت القصة على أن مراد
عمدة القاري / ج٢٤ - م١٣
١٩٤
٩٢ - کتاب التعبير / باب (١)
جبريل، عليه السلام أن يقول النبي ◌َّ﴿ نص ما قاله، وهو قوله: ((اقرأ)) وإنما لم يقل
له: قل: ((اقرأ))، لئلا يظن أن لفظة: قل، أيضاً من القرآن. فإن قلت: ما الذي أراد
باقرأ. قلت: هو المكتوب الذي في النمط، كذا في رواية ابن إسحاق، فلذلك قال: ((ما
أنا بقارىء)) يعني: أنا أمي لا أحسن قراءة الكتب، فإن قلت: ما كان المكتوب في ذلك
النمط؟. قلت: الآيات الأول من ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] وقيل: ويحتمل أن يكون
ذلك جملة القرآن نزل باعتبار ثم نزل منجماً باعتبار آخر، وفيه إشارة إلى أن أمره تكمل
باعتبار الجملة ثم تكمل باعتبار التفصيل. ((فغطني))، من الغط بالغين المعجمة وهو
العصر الشديد والكبس، وقال ابن الأثير: قيل: إنما غطه ليختبره، هل يقول من تلقاء
نفسه شيئاً وقيل: لتنبيهه واستحضاره ونفي منافيات القراءة عنه. وقال السهيلي: تأويل
الغطات الثلاث أنها كانت في النوم أنه ستقع له ثلاث شدائد يبتلى بها ثم يأتي الوحي،
وكذا كانت: الأولى: في الشعب لما حصرتهم قريش فإنه لقي ومن تبعه شدة عظيمة.
الثانية: لما خرجوا توعدوهم بالقتل حتى فروا إلى الحبشة. والثالثة: لما هموا به ما
هموا من المكر به، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ ... ﴾ [الأنفال: ٣٠] الآية،
فكانت له العاقبة في الشدائد الثلاث، وقال من عاصرنا من المشايخ ما ملخصه: إن هذه
المناسبة حسنة ولا يتعين للنوم بل يكون بطريق الإشارة في اليقظة وقال: ويمكن أن
تكون المناسبة أن الأمر الذي جاء به ثقيل من حيث القول والعمل والنية، أو من جهة
التوحيد والأحكام والإخبار بالغيب الماضي والآتي، وأشار بالإرسالات الثلاث إلى
حصول التيسير والتسهيل والخفيف في الدنيا والبرزخ والآخرة عليه وعلى أمته وَلته.
قوله: ((حتى بلغ مني الجهد؟)) بضم الجيم الطاقة وبفتحها الغاية، ويجوز فيه رفع الدال
ونصبها، أما الرفع فعلى أنه فاعل بلغ، وهي القراءة التي عليها الأكثرون وهي
المرجحة، وأما النصب فعلى أن فاعل: بلغ، هو الغط الذي دل عليه قوله: ((غطني))
والتقدير: بلغ مني الغط جهده أي: غايته، وقال الشيخ التوربشتي: لا أرى الذي قاله
بالنصب إلاَّ وهماً فإنه يصير المعنى أنه غطه حتى استفرغ الملك قوته في ضغطه بحيث
لم يبق فيه مزيد، وهو قول غير سديد، فإن البنية البشرية لا تطيق استنفاد القوة الملكية
لا سيما في مبتدأ الأمر، وقد صرح في الحديث بأنه دخله الرعب من ذلك. انتهى.
وقيل: لا مانع أن يكون الله قوَّاه على ذلك ويكون من جملة معجزاته، وقال الطيبي في
جوابه، بأن جبريل لم يكن حينئذٍ على صورته الملكية فيكون استفراغ جهده بحسب
صورته التي جاء بها حين غطه، وقال: وإذا صحت الرواية اضمحل الاستبعاد. انتهى،
وفيه تامل. قوله: ((فرجع بها))، أي: مصاحباً بالآيات المذكورة الخمس. قوله: ((ترجف
بوادره)) جملة حالية والبوادر جمع البادرة وهي اللحمة بين العنق والمنكب، وقد تقدم
في بدء الوحي بلفظ: فؤاده قيل: الحكمة في العدول عن القلب إلى الفؤاد أن الفؤاد
---
١٩٥
٩٢ - كتاب التعبير / باب (١)
وعاء القلب فإذا حصل الرجفان للفؤاد حصل لما فيه. قوله: ((الروع)) بفتح الراء الفزع.
قوله: ((مالي)) أي: ما كان الذي حصل لي؟ قوله: ((قد خشيت على نفسي)) هكذا رواية
الكشمهيني: وفي رواية غيره: خشيت علي، بالتشديد يعني: من أن يكون مرضاً أو
عارضاً من الجن. وقال الكرماني: قالوا: الأولى: خشيت أني لا أقوى على تحمل
أعباء الرسالة ومقاومة الوحي. قوله: ((فقالت له)) كلا أي: فقالت خديجة للنبي ◌َلّ:
كلا، أي: ليس الأمر كما زعمت بل لا خشية عليك، وأصل كلمة: كلا، للردع
والإبعاد وقد يجيء بمعنى: حقاً. قوله: ((أبشر)) خطاب من خديجة للنبي صلى الله
تعالى عليه وآله وسلم، وهو أمر من البشارة بكسر الباء وضمها وهو اسم والمصدر بشر
وبشور من بشرت الرجل أبشره بالضم أي: أدخلت له سروراً وفرحاً ولم يعين فيه
المبشر به ووقع في (دلائل النبوة) للبيهقي من طريق أبي ميسرة مرسلاً مطولاً، وفي
آخر: فأبشر فإنك رسول الله حقاً، وفيه: لا يفعل الله بك إلاَّ خبراً. قوله: ((لا يخزيك
الله أبداً» من الخزي بالمعجمتين وهو الذل والهوان، وفي رواية الكشميهني: لا يحزنك
الله، من الحزن بالحاء المهملة والنون. قوله: ((الكل)) أي: ثقل من الناس. قوله: ((على
نوائب الحق)) جمع نائبة وهي ما ينوب الإنسان أي: ينزل به من المهمات والحوادث.
قوله: ((وهو ابن عم خديجة رضي الله تعالى عنها، أخو أبيها)) كذا وقع هنا، وأخو صفة
للعم فكان حقه أن يذكر مجروراً. وكذا وقع في رواية ابن عساكر: أخي أبيها، ووجه
رواية الرفع أنه مبتدأ محذوف أي: هو أخو أبيها، فائدته دفع المجاز في إطلاق العم
عليه. قوله: ((تنصر)) أي: دخل في دين النصرانية. قوله: ((في الجاهلية)) أي: قبل البعثة
المحمدية. قوله: ((بالعبرانية))، بكسر العين وكذلك العبري، قال الجوهري: هو لغة
اليهود وقد ذكرنا في أول الكتاب في هذا الحديث أن العبراني نسبة إلى العبر، وزيدت
فيه الألف والنون في النسبة على غير القياس، وقال ابن الكلبي: ما أخذ على غربي
الفرات في قرية العرب يسمى العبر وإليه ينسب العبريون من اليهود لأنهم لم يكونوا
عبروا الفرات. قوله: ((اسمع من ابن أخيك)) إنما قالته تعظيماً وإظهاراً للشفقة لأنه وَله،
لم يكن ابن أخي ورقة. قوله: ((هذا الناموس)) هو صاحب السر يعني جبريل، عليه
السلام، وقد مر الكلام فيه مطولاً. قوله: ((جذعاً)) بفتح الجيم والذال المعجمة وهو
الشاب القوي، وانتصابه على تقدير: ليتني أكون جذعاً، أو هو منصوب على مذهب من
ينصب: بليت، الجزأين، أو: حال، قاله الكرماني. قلت: لا يكون حالاً إلاَّ بالتأويل.
قوله: ((أو مخرجي هم؟)) الهمزة للاستفهام، والواو للعطف على مقدر بعدها، وهم
مبتدأ، ومخرجي مقدماً خبره وأصله: مخرجين، فلما أضيف إلى ياء المتكلم سقطت
النون. قوله: ((بما جئت به))، وفي رواية الكشميهني: بمثل ما جئت به. قوله: ((إلاَّ
عودي)) على صيغة المجهول من المعاداة. قوله: ((نصراً مؤزراً) بالهمزة في رواية
١٩٦
٩٢ - كتاب التعبير / باب (٢)
الأكثرين من التأزير وهو التقوية وأصله من الأزر وهو القوة، وقال القزاز: الصواب
موازراً بغير همز من وازرته إذا عاونته، ومنه أخذ: وزير الملك، ويجوز حذف الألف
فتقول نصراً موزراً ويرد عليه قول الجوهري: أزرت فلاناً عاونته والعامة تقول: وازرته.
قوله: ((ثم لم ينشب)) بفتح الشين المعجمة أي: لم يلبث. قوله: ((حزن النبي ◌َّ)، من
الحزن بضم الحاء وسكون الزاي وبفتحها. قوله: ((عدا)» بالعين المهملة من العدو وهو
الذهاب بسرعة. ومنهم من أعجمها فيكون من الذهاب: غدوة. قوله: ((يتردى)) أي:
يسقط. قوله: ((شواهق الجبال))، الشواهق جمع شاهق وهو المرتفع العالي من الجبل.
قوله: ((فلما أوفى بذروة جبل))، أي: فلما أشرف بذروة جبل بكسر الذال المعجمة
ويفتحها وضمها والضم أعلى، وذروة كل شيء أعلاه. قوله: ((تبدَّى له)) أي: ظهر له،
وفي رواية الكشميهني، بدا له، وهو بمعنى ظهر أيضاً. قوله: ((جاشه)) بالجيم والشين
المعجمة وهو النفس والاضطراب.
قوله: ((وقال ابن عباس .. الخ)) ذكره هذا المعلق عن ابن عباس لأجل ما وقع في
حديث الباب (إلاَّ جاءت مثل فلق الصبح)) ثبت هذا للنسفي ولأبي زيد المروزي ولأبي
ذر عن المستملي والكشميهني، ووصله الطبري من طريق علي بن طلحة عن ابن عباس
في قوله: ((فالق الإصباح)) يعني بالإصباح ((ضوء الشمس بالنهار وضوء القمر بالليل))
واعترض على البخاري بأن ابن عباس فسر: الإصباح، لا لفظ: فالق، الذي هو المراد
هنا. وأجيب عنه: بأن مجاهداً فسر قوله: ﴿قُلٌ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق: ١] بأن الفلق
الصبح، فلعى هذا فالمراد بفلق الصبح إضاءته، والفالق اسم فاعل من ذلك.
٢ - بابُ رُؤيا الصَّالِحِينَ
أي: هذا باب في بيان عامة رؤيا الصالحين، وهي التي يرجى صدقها، لأنه قد
يجوز على الصالحين الأضغاث في رؤياهم لكن الأغلب عليهم الصدق والخير وقلة
تحكم الشيطان عليهم في النوم أيضاً لما جعل الله عليهم من الصلاح، وبقي سائر الناس
غير الصالحين تحت تحكم الشيطان عليهم في النوم مثل تحكمه عليهم في اليقظة في
أغلب أمورهم، وإن كان قد يجوز منهم الصدق في اليقظة فكذلك يكون في رؤياهم
صدق أيضاً.
وقَوْلِهِ تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّغْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ
ءَامِنِينَ مُحِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونٌَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا
قَرِيبًا﴾ [الفتح: ٢٧].
وقوله، بالجر عطف على الصالحين، والتقدير: وفي بيان قوله، عز وجل: ﴿لَقَدْ
١٩٧
٩٢ - كتاب التعبير / باب (٢)
صَدَقَ اللَّهُ﴾ الآية وسيقت هذه الآية كلها في رواية كريمة. وأخرج عبد بن حميد
والطبري من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد في تفسير هذه الآية قال: أري النبي {10}
وهو بالحديبية أنه دخل مكة هو وأصحابه محلقين، فلما نحر الهدي بالحديبية قال
أصحابه: أين رؤياك؟ فنزلت. وقوله: ﴿فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ قال: النحر
بالحديبية، فرجعوا ففتحوا خيبر، والمراد بالفتح فتح خيبر، قال: ثم اعتمر بعد ذلك
فكان تصديق رؤياه في السنة القابلة، وكانت الحديبية سنة ست، وفي قوله: ((إن شاء
الله)) أقوال. فقيل: هل هو مما خوطب العباد أن يقولوه مثل ﴿وَلَا نَقُولَنَّ لِشَأَىْءٍ ... )
[الكهف: ٢٣] الآية والاستثناء لمن مات منهم قبل ذلك أو قتل، أو هو حكاية لما قيل
لرسول الله وَ*، في منامه.
٢/ ٦٩٨٣ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَة، عنْ مالِكِ، عنْ إِسْحاقَ بنِ عَبْدِ الله بنِ
أبي طَلْحَةَ، عنْ أَنَسٍ بنِ مالِكِ أنَّ رسولَ اللهِوَ قال: ((الرُّؤْيا الحَسَنَةُ مِنَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ
جُزْءٌ مِنْ سِنَّةٍ وأزْبَعِينَ جُزْءاً مِنَ النّبُوَّةِ» .
مطابقته للترجمة ظاهرة. والحديث أخرجه النسائي في تعبير الرؤيا عن قتيبة
وغيره. وأخرجه ابن ماجه فيه عن هشام بن عمار.
قوله: ((الحسنة)) هي إما باعتبار حسن ظاهرها أو حسن تأويلها، وقسموا الرؤيا إلى
الحسنة ظاهراً وباطناً كالتكلم مع الأنبياء، عليهم السلام، أو ظاهراً لا باطناً كسماع
الملاهي، وإلى رديئة ظاهراً وباطناً كلدغ الحية، أو ظاهراً لا باطناً كذبح الولد. قوله:
((من الرجل)) ذكر للغالب فلا مفهوم له فإن المرأة الصالحة كذلك، قاله ابن عبد البر.
قوله: ((جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة)) قال الكرماني: قوله: ((من النبوة)) أي: في
حق الأنبياء دون غيرهم وكان الأنبياء يوحى إليهم في منامهم كما يوحى إليهم في
اليقظة، وقيل: معناه أن الرؤيا تأتي على موافقة النبوة لا أنها جزء باقٍ من النبوة. وقال
الزجاج: تأويل قوله: ((جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة)) أن الأنبياء، عليهم
السلام، يخبرون بما سيكون والرؤيا تدل على ما يكون. وقال الخطابي ناقلاً عن
بعضهم ما ملخصه: إن أول ما بدىء به الوحي إلى أن توفي ثلاث وعشرون سنة أقام
بمكة ثلاث عشرة سنة وبالمدينة عشراً وكان يوحى إليه في منامه في أول الأمر بمكة ستة
أشهر وهي نصف سنة فصارت، هذه المدة جزءاً من ستة وأربعين جزءاً من النبوة بنسبتها
من الوحي في المنام، ثم اعلم أن قوله: ((جزء من ستة وأربعين جزءاً)) هو الذي وقع في
أكثر الأحاديث، وفي رواية لمسلم من حديث أبي هريرة: جزء من خمسة وأربعين،
وفي رواية له من حديث ابن عمر جزء من سبعين جزءاً، وكذا أخرجه ابن أبي شيبة عن
ابن مسعود موقوفاً. وأخرجه الطبراني عنه من وجه آخر مرنوعاً. وللطبراني من وجه
١٩٨
٩٢ - كتاب التعبير / باب (٣)
آخر عنه: من ستة وسبعين. وسنده ضعيف. وأخرجه ابن عبد البر من طريق
عبد العزيز بن المختار عن ثابت عن أنس مرفوعاً: جزء من ستة وعشرين، وأخرج
أحمد وأبو يعلى حديثاً في هذا الباب، وفيه: قال ابن عباس: إني سمعت العباس بن
عبد المطلب يقول: سمعت رسول الله وَ *، يقول: الرؤيا الصالحة من المؤمن جزء من
خمسين جزءاً من النبوة. وأخرجه الترمذي والطبري من حديث أبي ذر بن العقيلي:
جزء من أربعين. وأخرجه الطبري من وجه آخر عن ابن عباس: أربعين. وأخرج الطبري
أيضاً من حديث عبادة: جزء من أربعة وأربعين. وأخرج أيضاً أحمد من حديث
عبد الله بن عمرو بن العاص: جزء من تسعة وأربعين. وذكر القرطبي في (المفهم)
بلفظ: سبعة، بتقديم السين فحصلت من هذه عشرة أوجه. ووقع في (شرح النووي)
وفي رواية عبادة: أربعة وعشرون، وفي رواية ابن عمر: ستة وعشرون، وقيل: جاء فيه
اثنان وسبعون، واثنان وأربعون، وسبعة وعشرون، وخمسة وعشرون فعلى هذا ينتهي
العدد إلى ستة عشر وجهاً. وأجاب من تكلم في بيان وجه الاختلاف الأعداد بأنه وقع
بحسب الوقت الذي حدث فيه النبي ( ** ، بذلك كأن يكون لما أكمل ثلاث عشرة سنة
بعد مجيء الوحي إليه حدث بأن الرؤيا جزء من ستة وعشرين إن ثبت الخبر بذلك،
وذلك وقت الهجرة، ولما أكمل عشرين حدث بأربعين ولما أكمل اثنين وعشرين حدث
بأربعة وأربعين، ثم بعدها بخمسة وأربعين، ثم حدث بستة وأربعين في آخر حياته. وأما
ما عدا ذلك من الروايات بعد الأربعين فضعيف، ورواية الخمسين يحتمل أن تكون لجبر
الكسر، ورواية السبعين للمبالغة وما عدا ذلك لم يثبت. والله أعلم.
٣ - بابُ الرُّؤيا مِنَ الله
أي: هذا باب يذكر فيه الرؤيا من الله، وإضافة الرؤيا إلى الله للتشريف كما في
قوله تعالى: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ﴾ [الشمس: ١٣] والرؤيا المضافة إلى الله لا يقال لها: حلم، والتي
تضاف إلى الشيطان لا يقال لها رؤيا، وهذا تصرف شرعي وإلاَّ فالكل يسمى: رؤيا.
٦٩٨٤/٣ - حدّثنا أحمَدُ بنُ يُونُسَ، حدّثنا زُهَيْرٌ، حدثنا يَحْيِى هُوَ ابنُ سَعِيدٍ قال:
سَمِعْتُ أبا سَلَمَةَ قال: سَمِعْتُ أبا قَتَادةَ عنِ النبيِّ وَِّ قال: ((الرُّؤْيا مِنَ الله، والحُلُمُ مِنَ
الشَّيْطانِ)) .
[انظر الحديث ٣٢٩٢ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة هذا على هذه الرواية من غير ذكر الوصف للرؤيا، وهي
رواية أحمد بن يحيى الحلواني عن أحمد بن يونس شيخ البخاري، ويروى الرؤيا
الصادقة من الله وفي رواية الكشميهني الرؤيا الصالحة وهي التي وقعت في معظم
الروايات .
١٩٩
٩٢ - كتاب التعبير / باب (٤)
وأحمد بن يونس هو أحمد بن يونس اليربوعي الكوفي، وزهير هو ابن معاوية أبو
خيثمة الكوفي، ويحيى هو ابن سعيد الأنصاري، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن
عوف، وأبو قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري ..
والحديث مضى في الطب عن خالد بن مخلد. وأخرجه بقية الجماعة.
قوله: ((والحلم)) بضم الحاء واللام قال ابن التين: كذا قرأناه وفي ضبط الجوهري
بسكون اللام وهو ما يراه النائم وحلم بفتح الحاء واللام كضرب تقول: حلمت بكذا
وحلمته، وقال ابن سيده في مثلثه: ويجمع على أحلام لا غير، وقال الزمخشري:
الحالم النائم يرى في منامه شيئاً وإذا لم ير شيئاً فليس بحالم. وقال الزجاج: الحلم
بالضم ليس بمصدر، وإنما هو اسم، وحكى ابن التياني في (الموعب): عن الأصمعي
في المصدر حلماً وحلماً والحلم بالكسر الأناءة يقال منه: حلم، بضم اللام. قوله: ((من
الشيطان)) أضيفت إليه لكونها على هواه ومراده، وقيل: لأنه الذي يخيل بها ولا حقيقة
لها في نفس الأمر.
٤ / ٦٩٨٥ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ، حدّثنا اللَّيْثُ، حدثني ابنُ الهادِ، عنْ عَبدِ
الله بنِ خَبَّابِ عنْ أَبِي سَعِيدِ الخُذْرِيِّ أنَّهُ سَمِعَ النبيِّ وَهَ يَقُولُ: ((إذا رَأَى أَحَدُكُمْ رُؤْيا يُحِبُها
فإِنّمَا هِيَ مِنَ الله، فَلْيَحْمَدِ الله عَلَيْها، ولْيُحَدِّثْ بِها، وإذا رَأَى غَيْرَ ذُلِكَ مِمَّا يَكْرَهُ فإنَّمَا هِيَ
مِنَ الشَّيْطانِ، فَلْيَسْتَعِذْ مِنْ شَرِّها ولا يَذْكِرْها لأحَدٍ فإنها لا تَضُرُّهُ)). [الحديث ٦٩٨٥ طرفه في:
٧٠٤٥].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فإنما هي من الله)) وابن الهاد هو يزيد بن عبد الله بن
أسامة بن عبد الله بن شداد بن الهاد الليثي، وعبد الله بن خباب بفتح الخاء المعجمة
وتشديد الباء الموحدة الأولى الأنصاري، وأبو سعيد بن مالك الخدري.
والحديث أخرجه الترمذي والنسائي في الرؤيا واليوم والليلة جميعاً عن قتيبة.
قوله: ((وليحدث بها)) هكذا في رواية الكشميهني وفي رواية غيره: وليتحدث بها.
قوله: ((فليستعذ)) وفي بعض النسخ: فليستعذ بالله. قوله: ((لا تضره))، وفي رواية
الكشميهني: فإنها لن تضره.
٤ - بابٌ الرُّؤْيا الصَّالِحَةَ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وأزْبَعِينَ جُزْءاً مِنَ النُّبُؤَّةِ
أي: هذا باب يذكر فيه الرؤيا الصالحة .. إلى آخره، وسقطت هذه الترجمة
للنسفي، وذكر أحاديثها في الباب الذي قبله.
٦٩٨٦/٥ - حدّثنا مُسَدَّدٌ، حدّثنا عَبْدُ الله بنُ يَخيِى بنِ أبي كَثِيرٍ وأثْنِى عَلَيْهِ خَيْراً،
٢٠٠
٩٢ - كتاب التعبير / باب (٤)
وقال: لَقِيتُهُ باليَمامَةِ عنْ أَبِيهِ، حدّثنا أبُو سَلَمَةَ، عنْ أبي قَتَادَةَ، عن النبيِّ وَير قال: ((الرُّؤْيا
الصَّالِحَةُ مِنَ الله، والحُلْمُ مِنَ الشَّيْطانِ، فإذَا حَلَمَ فَلْيَتَعَوَّذْ مِنْهُ وَلْيَبْصُقْ عنْ شِمالِهِ فإنَّها لا
تَضُرَّهُ» .
وعنْ أبِيهِ قال: حدثنا عَبْدُ الله بنُ أبي قَتادَةَ عنْ أَبِيهِ عن النبيِّ وَ﴿ مِثْلَهُ.
[انظر الحديث ٣٢٩٢ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة. وعبد الله بن يحيى بن أبي كثير - ضد القليل - اليماني،
وقال الكرماني: لم يتقدم ذكره.
قوله: ((وأثنى عليه خيراً) أي: وأثنى مسدد على عبد الله بن يحيى خيراً، وهي
جملة حالية. أي: أثنى عليه خيراً حال كونه حدث عنه، وقد أثنى عليه أيضاً إسحاق بن
إسرائيل فيما أخرجه الإسماعيلي من طريقه قال: حدثنا عبد الله بن يحيى بن أبي كثير
وكان من خيار الناس. وأهل الورع والدين. قوله: ((لقيته باليمامة)) أي: قال مسدد:
لقيت عبد الله بن يحيى باليمامة بتخفيف الميم، قال الجوهري: اليمامة بلاد كان اسمها
الجو بالجيم وتشديد الواو، وقال الكرماني: بين مكة واليمن، وقال الجوهري: اليمامة
اسم جارية زرقاء كانت تبصر الراكب من مسيرة ثلاثة أيام، يقال: أبصر من زرقاء
اليمامة، فسميت البلاد المذكورة باسم هذه الجارية لكثرة ما أضيف إليها، وقيل: جو
اليمامة. قوله: ((عن أبيه)) هو يحيى بن أبي كثير، واسم أبي كثير صالح بن المتوكل،
وقيل، غير ذلك، روى عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وروى عنه ابنه
عبد الله المذكور، وأبو قتادة هو الحارث بن ربعي وقد مضى عن قريب. قوله: ((فإذا
حلم)) بفتح اللام. قوله: ((فليتعوذ منه)) أي: من الشيطان لأنه ينسب إليه. قوله:
((وليبصق)) أمر بالبصق ((عن شماله)) طرد للشيطان الذي حضر رؤياه المكروهة وتحقيراً له
واستقذاراً، وخص الشمال لأنه محل الأقذار والمكروهات، ويروى: فلينفث، ويروى
أيضاً: فليتفل، وأكثر الروايات على الثاني، وادعى بعضهم أن معناها واحد، ولعل
المراد بالجميع النفث وهو نفخ بلا ريق ويكون التفل والبصق محمولين مجازاً.
قوله: ((وعن أبيه)) هو عطف على السند الذي قبله وهذا يدل على أن مسدداً له
طريقان في الحديث المذكور. أحدهما: عن عبد الله بن يحيى عن أبيه عن أبي سلمة
وهو المذكور والآخر: عن عبد الله بن يحيى عن أبيه عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه
أبي قتادة عن النبي وَّر، وكذا أخرجه الإسماعيلي عن عبد الله بن يحيى بن أبي كثير
عن أبيه عن أبي سلمة. قوله: ((مثله)) أي: مثل الحديث المذكور، وقال الكرماني: قال
أصحاب علوم الحديث: إذا روى الراوي حديثاً بسنده ثم اتبعه بإسناد آخر له، وقال في
آخره. مثله، أو: نحوه، فهل يجوز رواية لفظ الحديث الأول بالإسناد الثاني؟ فقال