النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
٨٨ - کتاب الدیات / باب (٢٥)
الغرة البياض الذي يكون في وجه الفرس، وكان أبو عمرو بن العلاء يقول: الغرة عبد
أبيض أو أمة بيضاء، وسمي غرة لبياضه فلا يقبل في الدية عبد أسود ولا جارية سوداء،
وليس ذلك شرطاً عند الفقهاء، وإنما الغرة عندهم ما بلغ ثمنه نصف عشر الدية من
العبيد والإماء. قوله: ((عبد أو أمة)) قال الإسماعيلي: قراءة العامة بالإضافة يعني: بإضافة
الغرة إلى العبد وغيرهم بالتنوين. قلت: على هذا الوجه يكون العبد بدلاً من الغرة،
وحكى القاضي عياض الاختلاف، وقال: التنوين أوجه لأنه بيان للغرة ما هي، وقال
الباجي: يحتمل أن يكون: أو، شكاً من الراوي في تلك الواقعة لمخصوصة، ويحتمل
أن يكون للتنويع وهو الأظهر، وقيل: المرفوع من الحديث قوله: ((بغرة))، وأما قوله:
((عبد أو أمة)) فمن الراوي، وقال ابن الأثير: وقد جاء في بعض الروايات في هذا
الحديث: بغرة عبد أو أمة أو فرس أو بغل، وقيل: إن الفرس والبغل غلط من الراوي،
ثم إن الغرة إنما تجب في الجنين إذا سقط ميتاً وإن سقط حياً ثم مات ففيه الدية كاملة.
٦٩٠٥/٤٤ - حدّثنا مُوسى بنُ إسْماعِيلَ، حدثنا وُهَيْبٌ، حدّثنا هِشامٌ، عنْ أَبِيهِ
عنِ المُغيرَةِ بنِ شُعْبَةَ عنْ عُمَرَ رضي الله عنه، أنّهُ اسْتَشَارَهُمْ في إملاَصِ المَرأةِ، فقال
المُغِيرَةُ: قَضَى النبيُّ وَّهِ بِالْغُرَّةِ عَبْدٍ أوْ أمَةٍ. [الحديث ٦٩٠٥ - أطرافه في: ٦٩٠٧، ٦٩٠٨م،
٧٣١٧].
٤٥ / ٦٩٠٦ - قال: اثْتِ مَنْ يَشْهَدُ مَعَكَ، فَشَهِدَ مُحَمَّدُ بنُ مَسْلمَةَ أنَّهُ شَهِدَ
النبيَّ وَ﴿ قَضَى بِهِ. [الحديث ٦٩٠٦ - طرفه في: ٦٩٠٨، ٧٣١٨].
مطابقته للترجمة ظاهرة. ووهيب هو ابن خالد، وهشام هو ابن عروة يروي عن
أبيه عروة بن الزبير.
والحديث أخرجه أبو داود في الديات أيضاً عن موسى بن إسماعيل عن وهيب.
قوله: ((استشارهم)) أي: استشار الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، وفي رواية
مسلم: عن هشام عن أبيه عن المسور بن مخرمة: استشار الناس. قوله: ((في إملاص
المرأة)) بكسر الهمزة وهو إلقاء المرأة ولدها ميتاً، وسيجيء في الاعتصام من طريق أبي
معاوية: عن هشام عن أبيه عن المغيرة سأل عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه،
عن إملاص المرأة وهي التي تضرب بطنها فتلقي جنينها، فقال: أيكم سمع من
النبي ◌َّ، فيه شيئاً؟ قوله: ((فقال المغيرة)) فيه تجريد لأن السياق يقتضي أن يقول:
فقلت .
قوله: ((فشهد محمد بن مسلمة)) بفتح الميم واللام الخزرخي البدري الكبير القدر،
مات سنة ثلاث وأربعين. قوله: ((أنه شهد النبي (وَّ﴾) أي: حضره. وفي الحديث الذي
يأتي قال: انت بمن شهد معك. أي: قال النبي وَّر، للمغيرة بن شعبة: انت من يشهد
:

١٠٢
٨٨ - كتاب الديات / باب (٢٦)
معك، قيل: خبر الواحد حجة يجب قبوله، فلم طلب الشاهد؟ وأجيب للتثبيت والتأكيد
ومع هذا فشهادته لم تخرج عن خبر الواحد.
٤٦/ ٦٩٠٧ - حدّثنا عُبَيْدُ الله بنُ مُوسَى، عنْ هِشام، عنْ أَبِيهِ أنَّ عُمَرَ نَشَدَ النَّاسَ
مَنْ سَمِعَ النبيَّ ◌َ﴿ قَضَي في السِّقْطِ. وقال المُغِيرَةُ: أنا سَمِعَتُهُ قَضَى فِيهِ بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أوْ أمةٍ .
[انظر الحديث ٦٩٠٥ وطرفيه].
٦٩٠٨/٤٧ - قال: اثْتِ مَنْ يَشْهَد مَعَكَ عَلى هُذَا، فقال مُحَمَّدُ بنُ مسْلَمَّة: أنا
أَشْهَدُ عَلى النبيِّ وَّهِ بِمِثْلٍ هُذَا. [انظر الحديث ٦٩٠٦ وطرفه].
هذا طريق آخر في الحديث المذكور، وهذا في حكم الثلاثيات. لأن هشاماً
تابعي.
قوله: ((عن أبيه عن عمر)) هذا صورته الإرسال لأن عروة لم يسمع عمر، لكن
تبين من الرواية السابقة واللاحقة أن عروة حمله عن المغيرة عن عمر، وإن لم يصرح به
في هذه الرواية. قوله: ((فقال المغيرة)) كذا في رواية أبي ذر بالفاء وفي رواية غيره
بالواو. قوله: ((ائت من يشهد)) كذا بصيغة الأمر من الإتيان، ووقع في رواية أبي ذر عن
غير الكشميهني: آنت؟ بألف ممدودة ثم نون ساكنة ثم تاء مثناة من فوق بصيغة استفهام
المخاطب على إرادة الاستثبات أي: اأنت تشهد؟ ثم استفهمه ثانياً: من يشهد معك؟.
قوله: ((بمثل هذا)) أي: بمثل ما شهد المغيرة.
٦٩٠٨/٤٨م - حدّثني مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله، حدثنا مُحَمَّدُ بنُ سابِقٍ، حدثنا زَائِدةُ،
حدّثنا هِشَامُ بنُ عُرْوَةً، عنْ أبِيهِ أنّهُ سَمِعَ المُغِيرَةَ بنَ شُعْبَةَ يُحَدِّثُ عنْ عُمَرَ أنّهُ اسْتَشَارَهُمْ في
إِمْلاصِ المَرأة .. مِثْلَهُ. [انظر الحديث ٦٩٠٥ وطرفيه].
هذا طريق آخر أخرجه عن محمد بن عبد الله هو محمد بن يحيى بن عبد الله
الذهلي عن محمد بن سابق الفارسي البغدادي روى عنه البخاري بدون واسطة في: باب
الوصايا، فقط وهو يروي عن زائدة - من الزيادة - ابن قدامة بضم القاف الثقفي ...
الخ.
قوله: ((مثله)) أي: مثل الحديث المذكور، وهو رواية وهيب المذكورة.
٢٦ - بابُ جَنِينِ المَرْأةِ وأنَّ العَقْلَ عَلَى الوالِدِ وعَصَبَةِ الوالِدِ لا عَلى الوَلَد
أي هذا باب في بيان حكم جنين المرأة وفي بيان أن العقل أي: الدية أي: دية
المرأة المقتولة على الوالد أي على والد القاتلة وعلى عصبته، وذكر لفظ: الوالد إشارة
إلى ما ورد في بعض طرق القصة. قوله: ((لا على الولد)) قال ابن بطال: يريد أن ولد

--
٨٨ - كتاب الديات / باب (٢٦)
١٠٣
المرأة إذا لم يكن من عصبتها لا يعقل عنها لأن العقل على العصبة دون ذوي الأرحام،
ولذلك لا تعقل الإخوة من الأم. قال: ومقتضى الخبر أن من يرثها لا يعقل عنها إذا لم
يكن من عصبتها، ثم قال: قال ابن المنذر: وهذا قول مالك والشافعي وأحمد وأبي ثور
وكل من أحفظ عنهم.
٦٩٠٩/٤٩ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ حدثنا اللَّثُ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ سَعيدٍ بِنِ
المُسَيَّبِ عنْ أبي هُرَيْرةَ: أنَّ رسولَ اللهِ وَ ﴿ قَضَى فِي جَنِينِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي لِحْيَانَ بِغُرَّةٍ عَبْد أوْ
أمَةٍ، ثُمَّ إنَّ المرأةَ الّتي قَضَى عَلَيْها بالغُرَّةِ توُفْيَتْ، فَقَضَى رسولُ اللهِ: أنَّ مِيراثَها لِبَنِيها
وزَوْجِها، وأنَّ العقْلَ عَلى عَصَبَتِها. [انظر الحديث ٥٧٥٨ وأطرافه].
قيل: لا مطابقة بين الترجمة والحديث لأنه ليس فيه إيجاب العقل على الوالد.
وأجيب بأن لفظ: الوالد، قد ورد في بعض طرق الحديث، وعادته أنه يترجم بمثل هذا.
وأخرجه عن عبد الله بن يوسف عن الليث بن سعد عن محمد بن مسلم بن
شهاب الزهري الخ، وقد مضى في الفرائض عن قتيبة، ومضى الكلام فيه.
قوله: ((من بني لحيان)) بكسر اللام وسكون الحاء المهملة وتخفيف الياء آخر
الحروف وهم بطن من هذيل فلا منافاة بينه وبين قوله فيما تقدم: إنها من هذيل. قوله:
(بغرة عبد أو أمة)). بالإضافة أو الوصف كما ذكرناه عن قريب، واختلفوا لمن تكون هذه
الغرة، فذكر ابن حبيب أن مالكاً اختلف فيه. قوله: ((فمرة)) قال: إنها لأمه، وهو قول
الليث. ومرة قال: إنها بين الأبوين: الثلثان للأب والثلث للام. وهو قول أبي حنيفة
والشافعي. قوله: ((وأن العقل))، أي: الدية أي: وقضى أن عقل المرأة التي توفيت على
عصبتها، وهي التي قضى عليها بالغرة هي المتوفاة حتف أنفها .
٦٩١٠/٥٠ - حدّثنا أحمَدُ بنُ صالِح، حدثنا ابنُ وَهْب، حدثنا يُونُسُ، عنِ ابنِ
شِهاب، عنِ ابنِ المُسَيَّبِ وأبي سَلَمَة بنِ عِبْدِ الرَّحْمُنِ أنَّ أبا هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، قال:
اقْتَتَلَتِ امْرَأْتَانِ مِنْ هُذَيْلِ فَرَمَتْ إحْدَاهُما الأخْرَى بِحَجَرٍ قَتَلَتْها وما في بَطْنها، فاخْتَصَمُوا إلى
النبيِّ ◌َّ﴿ فَقَضَى أنَّ دِيَةَ جَنِينها غرَّةٌ: عبْدٌ أوْ وَلِيدَةٌ، وقَضَى أَنَّ دِيَةَ المَرْأةِ عَلى عَاقِلَتِها.
[انظر الحديث ٥٧٥٨ وأطرافه].
هذا وجه آخر في حديث أبي هريرة المذكور وأخرجه عن أحمد بن صالح أبي
جعفر المصري عبد الله بن وهب المصري عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري عن
سعيد بن المسيب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ... إلى آخره.
قوله: ((وما في بطنها)) أي: وقتل ما في بطن المرأة وهو الجنين. قوله: ((غرة))
بالرفع لأنه خبر إن واسمها قوله: ((دية جنينها)) قوله: ((على عاقلتها)) هي: عصبتها.

١٠٤
٨٨ - كتاب الديات / باب (٢٧)
٢٧ - بابُ مَنِ اسْتَعَانَ عَبْداً أوْ صَبِيّاً
أي: هذا باب في بيان من استعان من الاستعانة وهي طلب العون هكذا في رواية
الأكثرين: استعان، بالنون وفي رواية النسفي والإسماعيلي: استعار بالراء من الاستعارة
وهي طلب العارية، ووجه ذكر هذا الباب في كتاب الديات هو أنه إذا هلك العبد في
الاستعمال تجب الدية. واختلفوا في دية الصبي. وفي (التوضيح): إن استعان حراً بالغاً
متطوعاً أو بإجارة وأصابه شيء فلا ضمان عليه عند الجميع إن كان ذلك العمل لا غرر
فيه، وإنما يضمن من جنى وتعدى. واختلف إذا استعمل عبداً بالغاً في شيء فعطب،
فقال ابن القاسم: إن استعمل عبداً في بئر يحفرها ولم يأذن له سيده في الإجارة فهو
ضامن إن عطب، وذلك إذا بعثه إلى سفر بكتاب، وروى ابن وهب عن مالك: لا
ضمان عليه سواء أذن له سيده في الإجارة أو لم يأذن مما أصاب، إلاَّ أن يستعمله في
غرر کبیر لأنه لم يؤذن له فيه.
ويُذْكَرُ أنَّ أُمَّ سَلَمَةَ بَعَثَتْ إلى مُعَلِّم الكُتَّابِ: ابْعَثْ إليَّ غِلْماناً يَنْفُئُون صُوفاً ولا تَبْعَثْ
إليَّ حُرّاً.
مطابقته للترجمة ظاهرة. وأم سلمة زوج النبي ◌ّلتر، واسمها: هند. قوله: قوله:
((معلم الكتاب)) وفي رواية النسفي: معلم كتاب، وهو بضم الكاف وتشديد التاء، قال
الجوهري: الكتاب الكتبة والكتاب أيضاً والمكتب واحد، والجمع: الكتاتيب
والمكاتب. قوله: ((ينفشون)) بالفاء من نفشت القطن أو الصوف أنفشه نفشاً وعهن
منفوش. قوله: ((ولا تبغث إلي)) بكسر الهمزة وتشديد الياء، كذا في رواية الجمهور،
وذكره ابن بطال بلفظ: إلاَّ، التي هي حرف الاستثناء، وشرحه على ذلك، وهذا عكس
معنى رواية الجمهور، واشتراط أم سلمة أن لا يرسل إليها حراً لأن الجمهور قائلون:
بأن من استعان صبياً حراً لم يبلغ أو عبداً بغير إذن مولاه فهلكا في ذلك العمل فهو
ضامن لقيمة العبد ولدية الصبي الحر على عاقلته. وقال الداودي: يحتمل فعل أم سلمة
لأنها أمهم. وقال الكرماني: ولعل غرضها من منع الحر إكرام الحر وإيصال العوض
لأنه على تقدير هلاكه في ذلك العمل لا يضمنه، بخلاف العبد فإن الضمان عليها لو
هلك به، وهذا التعليق رواه وكيع بن الجراح عن معمر عن سفيان عن ابن المنكدر عن
أم سلمة، وهو منقطع، لأن محمد بن المنكدر لم يسمع من أم سلمة، فلذلك ذكره
البخاري بصيغة التمريض.
٦٩١١/٥١ - حدّثنا عَمْرُو بنُ زُرَارَةَ، أخبرنا إسماعِيلُ بنُ إِنْرَاهِيمَ، عنْ عبْدٍ
العَزِيز، عنْ أَنَسٍ قال: لمَّا قَدِمَ رسولُ اللهِوَ﴿ِ المَدِينَةَ أَخَذَ أَبُو طَلْحَةَ بِيَدِي فَانْطَلَقَ بِي إلى
رسولِ الله ◌َ﴿ فقال: يا رسول الله! إنَّ أنساً غُلاَمٌ كَيِّسٌ فَلْيَخْدُمْكَ. قال: فَخَدَمْتُهُ في

١٠٥
٨٨ - كتاب الديات / باب (٢٨)
الحَضَرِ والسَّفَرِ، فَوَالله ما قال لِي لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ: ((لِمَ صَنَعْتَ هُذَا هَكَذَا)) ولا لِشَيءٍ لَمْ
أُصْنَعْهُ: قوله: ((لمَ لَمْ تَصْنَعْ هَذا هُكَذَا)). [انظر الحديث ٢٧٦٨ وطرفه].
مطابقته للترجمة من حيث إن الخدمة مستلزمة للاستعانة، فيطابق الجزء الأخير من
الترجمة .
وعمرو بن زرارة بضم الزاي وفتح الراء الأولى النيسابوري، وإسماعيل بن إبراهيم
هو ابن علية، وعبد العزيز هو ابن صهيب.
والحديث مضى في الوصايا عن يعقوب بن إبراهيم ومضى الكلام فيه.
قوله: ((حدثنا عمرو) وفي بعض النسخ: حدثني، بالإفراد. قوله: ((أخذ أبو
طلحة» هو زید بن سهل الأنصاري زوج أم سلیم، رضي الله تعالی عنها. قوله: ((کیس)
بفتح الكاف وتشديد الياء آخر الحروف المكسورة وبالسين المهملة أي: طريف، وقيل:
أي عاقل والکیس خلاف الأحمق. قوله: ((فلیخدمك)) بضم الميم.
وفيه: حسن خلق النبي و 9 وأنه ما اعترض عليه لا في فعل ولا في ترك.
٢٨ - بابٌ المَعْدِنُ جُبارٌ والبِتْرُ جُبارٌ
أي: هذا باب يذكر فيه المعدن جبار بضم الجيم وتخفيف الباء الموحدة أي: هدر
لا شيء فيه، ومعنى: المعدن جبار، هو أن يحفر معدناً في موات أو في ملكه فيهلك
فيه الأجير أو غيره ممن يمر به، فلا ضمان عليه في ذلك. وقال الترمذي: المعدن جبار
إذا احتفر الرجل معدناً فوقع فيها إنسان فلا غرم عليه، ذكره في تفسير حديث الباب.
قوله: والبئر جبار، يعني إذا احتفر بئر للسبيل في ملك أو موات فوقع فيها إنسان فلا
غرم على صاحبها، ويقال: المراد بالبئر هنا العادية القديمة التي لا يعلم لها مالك،
تكون في البادية فيقع فيها إنسان أو دابة فلا شيء في ذلك على أحد.
٦٩١٢/٥٢ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ، حدثنا اللّيْثُ، حدثنا ابنُ شِهابٍ عنْ
سَعِيدِ بنِ المُسيِّبٍ وأبي سَلَمَةَ بنِ عِبْدِ الرَّحْمُنِ، عن أبي هُرَيْرَةَ: أنَّ رسولَ اللهِ * قال:
(«العَجْماءُ جُرْحُها جُبارٌ، والبثْرُ جُبارٌ، والمَعْدِنُ جُبارٌ، وفي الرّكازِ الخُمُسُ)). [انظر الحديث
١٤٩٩ وطرفيه].
مطابقته للترجمة من حيث إن الترجمة بعض الحديث. وهذا الحديث أخرجه بقية
الأئمة السنة. فمسلم عن يحيى بن يحيى وغيره، وأبو داود عن مسدد، والترمذي عن
أحمد بن منيع. والنسائي عن إسحاق بن إبراهيم. وابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة
ببعضه وعن هشام بن عمار ومحمد بن ميمون بباقيه، وكلهم قالوا فيه: عن سعيد بن
المسيب وأبي سلمة، وهكذا قال الإمام مالك بن أنس، وخالفهم يونس بن يزيد فرواه:

١٠٦
٨٨ - کتاب الدیات / باب (٢٨)
عن الزهري عن سعيد بن المسيب وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة كلاهما عن أبي
هريرة، رواه كذلك مسلم والنسائي، وقول الليث ومالك أصح، ويجوز أن يكون ابن
شهاب الزهري سمعه من الثلاثة جميعاً.
قوله: ((العجماء)) مبتدأ أو قوله: ((جرحها)) بدل منه وخبره قوله: ((جبار)) والجرح
هنا بفتح الجيم مصدر، والجرح بالضم اسم قال القاضي: إنما عبر بالجرح لأنه
الأغلب، أو هو مثال منه على ما عداه، وأما الرواية التي لم يذكر فيها لفظ الجرح
فمعناه إتلاف العجماء بأي وجه كان بجرح أو غيره جبار أي: هدر لا شيء فيه والعجماء
تأنيث الأعجم وهي البهيمة، وقال الترمذي: فسره بعض أهل العلم فقالوا: العجماء
الدابة المنفلتة من صاحبها فما أصابت في انفلاتها فلا غرم على صاحبها. انتهى. واحتج
به أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه، على أنه لا ضمان فيما أتلفته البهائم مطلقاً سواء فيه
الجرح وغيره، وسواء فيه الليل والنهار، وسواء كان معها أو لا إلاَّ أن يحملها الذي
معها على الإتلاف أو يقصده فحينئذٍ يضمن لوجود التعدي منه، وهو قول داود وأهل
الظاهر، وقال مالك والشافعي وأحمد: إن كان معها أحد من مالك أو مستأجر أو
مستعير أو مودع أو وكيل أو غاصب أو غيرهم وجب عليه ضمان ما أتلفته، وحملوا
الحديث على ما إذ لم يكن معها أحد فأتلفت شيئاً بالنهار أو انفلتت بالليل بغير تفريط
من مالكها فأتلفت شيئاً، وليس معها أحد. وأجاب أصحاب أبي حنيفة: بأن الحديث
مطلق عام فوجب العمل بعمومه، وأما التعدي فخارج عنه. قوله: ((والبئر جبار)) قد مر
تفسيره آنفاً، وفي رواية مسلم: والبئر جرحها جبار، والمراد بجرحها ما يحصل للواقع
فيها من الجراحة، وقال ابن العربي: اتفقت الروايات المشهورة على التلفظ بالبئر
وجاءت رواية شاذة بلفظ: النار جبار بنون وألف ساكنة قبل الراء ومعناه عندهم أن من
استوقد ناراً مما يجوز له فتعدت حتى أتلفت شيئاً فلا ضمان عليه. قال: وقال بعضهم:
صحفها بعضهم لأن أهل اليمن يكتبون النار بالياء لا بالألف فظن بعضهم البئر بالباء
الموحدة: النار، بالنون فرواها كذلك. قوله: ((والمعدن جبار)) قد مر تفسيره. قوله:
((وفي الركاز الخمس)) بكسر الراء وهو ما وجد من دفن الجاهلية مما تجب فيه الزكاة من
ذهب أو فضة، أي: مقدار ما تجب فيه الزكاة، وهو النصاب فإنه يجب فيه الخمس
على سبيل الزكاة الواجبة، كذا قال شيخنا في (شرح الترمذي) ثم قال: هذا عند جمهور
العلماء، وهو قول مالك والشافعي وأحمد. وفيه حجة على أبي حنيفة وغيره من
العراقيين حيث: قالوا: الركاز هو المعدن وجعلوهما لفظين مترادفين. وقد عطف
الشارع أحدهما على الآخر، وذكر لهذا حكماً غير الحكم الذي ذكره في الأول. انتهى.
قلت: المعدن هو الركاز، فلما أراد أن يذكر له حكماً آخر ذكره بالاسم الآخر وهو:
الركاز، ولو قال: وفيه الخمس بدون أن يقول: ((وفي الركاز الخمس)) لحصل الالتباس
1

١٠٧
٨٨ - كتاب الديات / باب (٢٩)
باحتمال عود الضمير إلى البئر، وقد أورد أبو عمر في (التمهيد): عن عمرو بن شعيب
عن أبيه عن عبد الله بن عمر وقال النبي 183 في كنز وجده رجل: إن كنت وجدته في
قرية مسكونة، أو في غير سبيل، أو في سبيل ميتاء فعرفه، وإن كنت وجدته في خربة
جاهلية أو في قرية غير مسكونة أو في غير سبيل ميتاء، ففيه وفي الركاز الخمس. وقال
القاضي عياض: وعطف الركاز على الكنز دليل على أن الركاز غير الكنز وأنه المعدن
كما يقوله أهل العراق، فهو حجة لمخالف الشافعي. وقال الخطابي: الركاز وجهان:
فالمال الذي يوجد مدفوناً لا يعلم له مالك ركاز، وعروق الذهب والفضة ركاز. قلت:
وعن هذا قال صاحب (الهداية): الركاز يطلق على المعدن وعلى المال المدفون. وقال
أبو عبيد الهروي: اختلف في تفسير الركاز أهل العراق وأهل الحجاز، فقال أهل
العراق: هي المعادن، وقال أهل الحجاز: هي كنوز أهل الجاهلية، وكلُّ محتمل في
اللغة، والأصل فيه قولهم: ركز في الأرض إذا ثبت أصله.
٢٩ - بابٌ العَجْماءُ جُبارٌ
أي: هذا باب يذكر فيه العجماء جبار، وإنما أعاد ذكر هذا بترجمة أخرى لما فيها
من التفاريع الزائدة على البئر والمعدن.
وقال ابنُ سِيرينَ: كانُوا لا يُضَمِّنُونَ مِنَ التّفْحَة ويُضَمِّئُونَ مِنْ ردِّ العنانِ.
أي: قال محمد بن سيرين: كانوا، أي: العلماء من الصحابة والتابعين لا يضمنون
بالتشديد من التضمين من النفحة بفتح النون وسكون الفاء وبالحاء المهملة وهي الضربة
بالرجل، يقال: نفحت الدابة إذا ضربت برجلها، ويضمنون من رد العنان بكسر العين
المهملة وتخفيف النون وهو ما يوضع في فم الدابة ليصرفها الراكب لما يختار، وذلك
لأن في الأول لا يمكنه التحفظ بخلاف الثاني، وهذا التعليق وصله سعيد بن منصور عن
هشيم: حدثنا ابن عون عن محمد بن سيرين .
وقال حَمَّدٌ: لا تُضْمَنُ التّفْحَةُ إلاّ أنْ يَنْخُسَ إِنْسانُ الدَّابَّةَ.
أي: قال حماد بن أبي سليمان الأشعري: واسم أبي سليمان مسلم. قوله: ((لا
تضمن)) على صيغة المجهول، والنفحة مرفوع به لأنه مفعول قام مقام الفاعل. قوله:
((إلاَّ أن ينخس)) بضم الخاء المعجمة وفتحها وكسرها من النخس، وهو غرز مؤخر الدابة
أو جنبها بعود ونحوه.
وقال شُرَيْحٌ: لا تُضْمَنُ ما عاقَبَ أنْ يَضْرِبَها فَتَضْرِبَ بِرِجْلِها .
أي: قال شريح بن الحارث الكندي القاضي المشهور. قوله: ما عاقب، يروى
بالتذكير والتأنيث، فالمعنى على التذكير لا يضمن ضارب الدابة ما دام في تعاقبها

:
١٠٨
٨٨ - کتاب الدیات / باب (٢٩)
بالضرب، وهي أيضاً تضرب برجلها على سبيل المعاقبة أي: المكافأة منها، وأما على
معنى التأنيث فقوله: لا تضمن، أي: الدابة بإسناد الضمان إليها مجازاً، والمراد
ضاربها. قوله: ((أن يضربها)) قال الكرماني: أن يضربها فتضرب برجلها إما مجرور بجار
مقدر أي: بأن يضربها، أو مرفوع خبر مبتدأ محذوف أي: بأن يضربها، أو مرفوع خبر
مبتدأ محذوف أي: وهو أن يضربها، وفي قول شريح هذا قلاقة قل من يفسرها كما
ينبغي، وأثره هذا وصله ابن أبي شيبة من طريق محمد بن سيرين عن شريح، قال:
يضمن السائق والراكب ولا تضمن الدابة إذا عاقبت. قلت: وما عاقبت. قال إذا ضربها
رجل فأصابته.
وقال الحَكَمُ وحَمَّدٌ: إذَا ساقَ المُكارِي حِماراً عَلَيْهِ امْرأةٌ فَتَخِرُّ لا شَيْءَ عَلَيْهِ.
الحكم بفتحتين هو ابن عتيبة - مصغر عتبة - الدار، وحماد هو ابن أبي سليمان.
قوله: فتخر، بالخاء المعجمة أي: فتسقط لا شيء عليه أي: على المكاري أي: لا
ضمان.
وقال الشّغْبيُّ: إذَا ساقَ دابَةً فَأَتْعَبَها فَهُوَ ضامِنٌ لِما أصابَتْ، وإنْ كانَ خَلْفَها مُتْرَسلاً لَمْ
يَضْمَنْ.
الشعبي هو عامر بن شراحيل الكوفي ونسبته إلى شعب من همدان أدرك غير
واحد من الصحابة ومات أول سنة ست ومائة، وهو ابن سبع وسبعين سنة. قوله:
((فأتعبها)) من الإتعاب ويروى: فاتبعها، من الإتباع. قوله: ((خلفها)) أي: وراءها،
ويروى: خلفها، بتشديد اللام بماضي التفعيل. قوله: ((مترسلاً)) نصب على أنه خبر:
كان، أي: متسهلاً في السير موقوفاً بها لا يسوقها ولا يبعثها، لم يضمن شيئاً مما
أصابته، ووصله ابن أبي شيبة من طريق إسماعيل بن سالم عن عامر الشعبي، فذكره.
٦٩١٣/٥٣ - حدّثنا مُسْلِمٌ، حدثنا شُغْبَةُ عنْ مُحَمَّدٍ بنِ زياد عنْ أَبِي هُرَيْرَةً، رضي
الله عنه، عن النبيِّ وَّ﴿ِ قال: ((العَجْماءُ عَقْلُها جُبارٌ، والبِتْرُ جُبارٌ، والمعْدِنُ جُبارٌ، وفي
الرّكازِ الخُمُسُ)). [انظر الحديث ١٤٩٩ وطرفيه].
مطابقته للترجمة ظاهرة. ومسلم هو ابن إبراهيم الأزدي القصاب البصري،
ومحمد بن زياد - من الزيادة - بتخفيف الياء الجمحي بضم الجيم البصري.
والحديث أخرجه مسلم في الحدود عن عبيد الله بن معاذ عن أبيه وعن ابن بشار
عن شعبة .
قوله: ((عقله)) أي: ديتها قيل جرحها هدر لا ديتها، وأجيب: بأنهما متلازمان إذ
معناه: لا دية لها .

١٠٩
٨٨ - كتاب الديات / باب (٣٠)
٣٠ - بابُ إِثْمِ مَنْ قَتَلَ ذِمِّيّاً بِغَيْرِ جُزْمٍ
أي: هذا باب في بيان إثم من قتل ذمياً بغير موجب شرعي لقتله.
٦٩١٤/٥٤ - حدّثنا قَیْسُ بنُ حَفْصٍ، حدثنا عبدُ الواحِدِ، حدثنا الحَسَنُ، حدثنا
مُجاهِدٌ، عنْ عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو عنِ النبيِّ وَ﴿ قال: ((مَنْ قَتلَ نَفْساً مُعاهَدَاً لَمْ يَرِخْ رَائِحَةَ
الجَنَّةِ، وإنَّ رِيحَها يُوجَدُ مِنْ مَسيرَةٍ أَرْبَعِينَ عاماً)). [انظر الحديث ٣١٦٦].
مطابقته للترجمة غير ظاهرة لأن الترجمة بالذمي وهو كتابي عقد معه عقد الجزية.
وأجاب الكرماني بأن المعاهد أيضاً ذمي باعتبار أن له ذمة المسلمين وفي عهدهم،
والذمي أعم من ذلك.
وقيس بن حفص أبو محمد الدارمي البصري وهو من أفراد البخاري مات سنة
تسع وعشرين ومائتين، وعبد الواحد هو ابن زياد، والحسن هو ابن عمرو الفقيمي بضم
الفاء وفتح القاف.
والحديث مضى في الجزية عن قيس أيضاً. وأخرجه ابن ماجه في الديات عن أبي
کریب .
قوله: ((معاهداً) ويروى: معاهدة، وهو الظاهر لأن التأنيث باعتبار النفس، والأول
باعتبار الشخص، ويجوز فتح الهاء وكسرها والمراد به: من له عهد بالمسلمين سواء كان
بعقد جزية أو هدنة من سلطان أو أمان من مسلم. قوله: ((لم يرح)» بفتح الراء وكسرها
أي: لم يجد رائحة الجنة ولم يشمها، وزعم أبو عبيد أنه يقال: يرح ويرح أي: بالضم
من أرحت، وعند الهروي يروى بثلاثة أوجه: يرح يرح يرح، وقال الجوهري: راح
الشيء يراحه ويريحه، أي: وجد ريحه، وقال الكرماني: المؤمن لا يخلد في النار.
وأجاب بأنه لم يجد أول ما يجدها سائر المسلمين الذين لم يقترفوا الكبائر، وهو وعيد
تغليظاً، ويقال: ليس على الحتم والإلزام، وإنما هذا لمن أراد الله عز وجل إنفاذ الوعيد
فيه. قوله: ((يوجد)) على صيغة المجهول، ويروى: ليوجد، باللام المفتوحة، والأول
رواية الكشميهني قوله: ((أربعين عاماً) كذا وقع في رواية الجميع ووقع في رواية
عمرو بن عبد الغفار عن الحسن بن عمرو سبعين عاماً هذا في رواية الإسماعيلي ومثله
في حديث أبي هريرة عند الترمذي من طريق محمد بن عجلان عن أبيه عنه، ولفظه:
((وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفاً) وفي (الأوسط) للطبراني: من طريق
محمد بن سيرين عن أبي هريرة بلفظ: من مسيرة مائة عام، والطبراني عن أبي بكرة:
خمسمائة عام. وفي حديث لجابر ذكره صاحب (الفردوس): إن ريح الجنة يدرك من
مسيرة ألف عام، وهذا اختلاف شديد. وتكلم الشراح في هذا كلاماً كثيراً غالبه
بالتعسف، وقال شيخنا زين الدين في (شرح الترمذي): إن الجمع بين هذه الروايات
1

١١٠
٨٨ - كتاب الديات / باب (٣١ و٣٢)
باختلاف الأشخاص بتفاوت منازلهم ودرجاتهم، وقال الكرماني: يحتمل أن لا يكون
العدد بخصوصه مقصوداً بل المقصود المبالغة والتكثير.
٣١ - بابٌ لا يُقْتَلُ المُسْلِمُ بالكافِرِ
أي: هذا باب يذكر فيه: لا يقتل المسلم بمقابلة الكافر.
٦٩١٥/٥٥ - حدّثنا أحمَدُ بنُ يُونُسَ، حدثنا زُهَيْرٌ، حدثنا مُطَرّفٌ أنَّ عامِراً حدَّثَهُمْ
عن أبي جُحَيْفَةً قال: قُلْتُ لِعَلِيٍّ: وحدَّثنا صَدَقَةُ بنُ الفَضْلِ، أخبرنا ابنُ عُيَيْنَةَ، حدثنا مُطَرِّفٌ
قال: سَمِعْتُ الشّعْبِيِّ يُحَدِّثُ قال: سَمِعْتُ أبا جُحَيْفَةَ قال: سألتُ عَلِيّاً، رضي الله عنه: هل
عِنْدَكُمْ شَيءٌ مِمَّا لَيْسَ في القُرْآنِ؟ وقال ابنُ عُيَيْنَةَ مَرَّةً: ما لَيْسَ عِنْدَ النَّاسِ؟ فقال: والّذِي
فَلَقَ الحَبّةَ وَبِرأ النِّسَمَةَ، ما عِنْدَنا إلاَّ ما في القُرْآنِ، إلاّ فَهْماً يُعْطَى رَجُلٌ في كتابِهِ، وما في
الصَّحِيفَةِ. قُلْتُ: وما في الصَّحِيفَةِ؟ قال: العقْلُ، وفَكاكُ الأسِيرِ، وأنْ لا يُقْتَلَ مُسْلِمْ
بِکافِرٍ .
[انظر الحديث ١١١ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة. وأحمد بن يونس هو أحمد بن عبد الله بن يونس
الكوفي، وزهير هو ابن معاوية الكوفي، ومطرف بتشديد الراء المكسورة بن طريف على
وزن كريم الكوفي، وعامر بن شراحيل الشعبي، وأبو جحيفة بضم الجيم وفتح الحاء
المهملة وهب بن عبد الله السوائي.
والحديث مضى عن قريب في: باب العاقلة فإنه أخرجه هناك عن صدقة بن
الفضل عن سفيان بن عتبة عن مطرف ... الخ، وقد وقع في بعض النسخ هنا: حدثنا
صدقة بن الفضل ... الخ بعد قوله: ((حدثنا أحمد بن يونس)) قيل: الصواب أن طريق
أحمد بن يونس تقدم في الجزية. قلت: وقد تقدم في: باب العاقلة، كما ذكرنا الآن:
عن صدقة بن الفضل، وتقدم في كتاب العلم: عن محمد بن سلام.
قوله: ((وقال ابن عيينة)) هو سفيان بن عيينة، في بعض النسخ: قال أحمد عن
سفيان بن عيينة، أي: قال أحمد بن يونس الراوي عن سفيان بالسند المذكور، وقد
مضى الكلام فيه غير مرة.
٣٢ - بابٌ إِذَا لَطَمَ المُسْلِمُ يَهُودِيّاً عِنْدَ الغَضَبِ
أي: هذا باب في بيان ما إذا لطم المسلم يهودياً عند الغضب ماذا يكون حكمه؟
ولم يذكره، ولكن تقديره: لم يجب عليه شيء لأنه لم يذكر في حديث الباب
القصاص، فلو كان فيه قصاص لبينه، وهو قول جماعة الفقهاء، وفي (التوضيح): هذه

١١١
٨٨ - كتاب الديات / باب (٣٢)
المسألة إجماعية لأن الكوفيين لا يرون القصاص في اللطمة ولا الأدب إلاَّ أن يجرحه
ففيه الأرش.
ورَوَاهَ أَبُو هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ ◌َِّ.
أي: روى أبو هريرة حديث لطم المسلم اليهودي عن النبي ◌َّ﴾، وقد تقدم
موصولاً في قصة موسى في أحاديث الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، ومضى شرحه
هناك.
٦٩١٦/٥٦ - حدّثنا أبُو نُعَيْم، حدثنا سُفْيانُ، عنْ عَمْرِو بنِ يَحْيِى، عنْ أَبِيهِ عنْ
أبي سَعِيدٍ عنِ النبيِّ وَِّ قال: ((لا تُخَيِّرُوا بَيْنَ الأَنْبِياءِ». [انظر الحديث ٢٤١٢ وأطرافه].
المطابقة بين الترجمة وبين هذا الحديث في تمامه فإنه أخرجه مختصراً وتمامه:
جاء رجل من اليهود فقال: يا أبا القاسم! ضرب وجهي رجل من أصحابك ...
الحديث، قال: ((لا تخيروا بين الأنبياء)» ويجيء أيضاً في الحديث الذي يليه.
وكذا أخرجه أبو داود مختصراً نحوه، وقد مضى في الأشخاص عن موسى بن
وهيب، وفي التفسير وفي أحاديث الأنبياء وفي التوحيد على ما سيجيء عن محمد بن
يوسف. وأخرجه مسلم في أحاديث الأنبياء عن أبي بكر بن أبي شيبة وغيره، وأخرجه
هنا عن أبي نعيم الفضل بن دكين عن سفيان الثوري عن عمرو بن يحيى بن عمارة بن
أبي الحسن المازني الأنصاري المدني عن أبيه يحيى عن أبي سعيد سعد بن مالك سنان
الخدري.
قوله: ((لا تخيروا)) أي: لا تقولوا بعضهم خير من بعض، فإن قلت: سيدنا
محمد ﴿ أفضلهم لأنه قال: أنا سيد ولد آدم؟. قلت: قال ذلك تواضعاً، أو يقال: قال
ذلك قبل علمه بأنه أفضل، وقيل: معناه لا تخيروا بحيث يلزم نقص على الآخر، أو
بحيث يؤدي إلى الخصومة.
٦٩١٧/٥٧ - حدّثنا مُحَمَّدٌ بنُ يُوسُفَ، حدّثنا سُفْيانُ، عنْ عَمْرِو بنِ يَخيِى المازِنِي،
عن أبيهِ، عن أبي سَعِيدِ الخُذْرِيِّ قال: جاءَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ إلى النبيِّ وَلِ قَدْ لُطِمَ وجْهُهُ فقال : يا
مُحَمَّدُ! إنَّ رَجُلاً مِنْ أصْحابِكَ، مِنَ الأنْصَارِ، قَدْ لَطَمَ في وجهي، قال: ((ادْعُوهُ))، فَدَعَوْهُ قال:
((لِمَ لَطَمْتَ وجْهَهُ؟)) فقال: قال: يا رسولَ الله إنِّي مَرَرْتُ باليَهُودِ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: والّذي اصْطَفَى
مُوسَى عَلى البَشَرِ، قال: قُلْتُ: وعَلى مُحَمَّدٍ وَ﴿؟ قال: فأخَذَتْنِي غَضْبَةٌ فَلَطَمْتُه، قال: ((لا
تُخَيِّرُونِي مِنْ بَيْنَ الأَنْبِياءِ، فإنَّ النّاسَ يَضْعَقُونَ يَوْمَ القِيامَةِ، فَأَكُونُ أوَّلَ مَنْ يُفِيقُ، فإذا أنا بِمُوسَى

١١٢
٨٨ - كتاب الديات / باب (٣٢)
آخِذٌ بِقائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ العَرْشِ، فَلاَ أدْرِي أفاقَ قَبْلِي أمْ جُزِيَ بِصَعْقَةِ الطَّورِ)). [انظر الحديث ٢٤١٢
وأطرافه].
هذا طريق آخر في حديث أبي سعيد بأتم من الطريق الأول الذي أورده مختصراً.
وقد ذكرنا المواضع التي مضى فيها.
(١). قوله: ((قد لطم)) على صيغة المجهول،
قوله: (جاء رجل)).
.. (٢). قوله: ((لم لطمت وجهه؟»
وهي جملة حالية. قوله: ((إن رجلاً».
ويروى: ألطمت؟ بهمزة الاستفهام. قوله: ((قال: قلت: وعلى محمد)) ويروى: فقلت
أعلى محمد؟ بهمزة الاستفهام. قوله: ((لا تخيروني)) قد مر تفسيره الآن قوله:
(صعقون)) من صعق إذا غشي عليه من الفزع ونحوه. قوله: ((فإذا أنا)) كلمة إذا
للمفاجأة. قوله: ((بآخذ)) اسم فاعل من أخذ قوله: ((بقائمة)) هي كالعمود للعرش. وفيه
أن العرش جسم وأنه ليس بعلم، كما قال سعيد بن جبير، لأن القائمة لا تكون إلاَّ
جسماً قوله: ((فلا أدري أفاق قبلي)) قد مر في كتاب الخصومات: لا أدري أفاق قبلي أو
كان ممن استثنى الله! أي: في قوله تعالى: ﴿فَصَعِقَ مَن فِ السَّمَوَتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا
مَنْ شَآءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨] والتلفيق بينهما أن المستثنى قد يكون نفس موسى، عليه
السلام، ولا أدري. أي: هذه الثلاثة: الإفاقة أو الاستثناء أو المجازاة. كان. قوله:
((جزي)) بضم الجيم وكسر الزاي، هذه رواية الكشميهني، وفي رواية غيره: جوزي،
بالواو بعد الجيم. قال بعضهم: هو أولى. قلت: لم يقم دليل على الأولولية. وقال
الجوهري: جزيته بما صنع، وجازيته بمعنى فلا تفاوت بينهما.
(١) بياض في الأصل.
(٢) بياض في الأصل.

بِسْمِ اللَّهِ الرَِّْ الرَّحَمِ
(٨٩) كتابُ اسْتِتابَةِ المُرْتدِّينَ والمُعانِدينَ وقِتالِهِمْ
أي: هذا كتاب في بيان استتابة المرتدين أي: الجائرين عن القصد الباغين الذين
يردون الحق مع العلم به، كذا في رواية الفربري، وسقط لفظ: كتاب، في رواية
المستملي، وفي رواية النسفي: كتاب المرتدين، ثم ذكر التسمية، ثم قال: باب استتابة
المرتدين والمعاندين وإثم من أشرك ... الخ. قوله: ((والمعاندين)) كذا في رواية
الأكثرين بالنون، وفي رواية الجرجاني بالهاء، بدل النون.
١ - بابُ إِثْمٍ مَنْ أشْرَكَ بِالله وعُقُوبَتِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ
أي: هذا باب في ذكر إثم من أشرك بالله ... الخ، وفي رواية القابسي، حذف
لفظ: باب، وقوله: إثم من أشرك بالله بعد قوله: وقتالهم.
قال الله تعالى: ﴿إِنّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]. ﴿لَيْنْ أَشْرَكْتَ لَيَحََنَّ عَمَلُكَ
وَلَتَكُونَنَّ مِنَ اَلْخَسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥].
ذكر الآية الأولى لأنه لا إثم أعظم من الشرك. وأصل الظلم وضع الشيء في غير
موضعه، فالمشرك أصل من وضع الشيء في غير موضعه، لأنه جعل لمن أخرجه من
العدم إلى الوجود مساوياً، فنسب النعمة إلى غير المنعم بها. وأما الآية الثانية: فإنه
خوطب بها النبي ◌َّله، ولكن المراد غيره. والإحباط المذكور مقيد بالموت على الشرك
لقوله تعالى: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ﴾ [البقرة: ٢١٧] ووقع في بعض
النسخ: ﴿لَبِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَلُكَ﴾ بالواو فيه لعطف هذه الآية على الآية التي قبلها
تقديره: وقال الله تعالى: ﴿لَبِنْ أَشْرَكْتَ﴾ .
٦٩١٨/١ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ، حدثنا جَرِيرٌ عنِ الأعْمَشِ، عنْ إِبْرَاهِيمَ عن
عَلْقَمَةَ، عنْ عَبْدِ الله، رضي الله عنه، قال: لَمَّا نَزَلَتْ هُذِهِ الآيَةُ ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ
إِيمَنَهُم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] شَقَّ ذُلِكَ عَلى أَصْحابِ النبيِّ ◌َ ﴿ وقالُوا: أَيُّنا لَمْ يَلْبِسْ إيمانَهُ
بِظِلْم؟ فقال رسول الله ﴿: ((إنّهُ لَيْسَ بِذَاكَ! ألا تَسْمَعُونَ إِلى قَوْلِ لُقْمانَ ﴿إِنَ الشِّرْكَ
لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣])). [انظر الحديث ٣٢٤ وأطرافه].
١١٣
عمدة القاري / ج٢٤ - م٨

١١٤
٨٩ - كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم / باب (١)
مطابقته للترجمة ظاهرة. وجرير بفتح الجيم هو ابن عبد الحميد الرازي أصله من
الكوفة. والأعمش هو سليمان يروي عن إبراهيم النخعي عن علقمة بن قيس عن
عبد الله بن مسعود.
والحديث مضى في كتاب الإيمان في: باب ظلم دون ظلم، ومضى الكلام فيه.
قوله: ((إنه ليس بذاك)) ويروى: بذلك، أي: بالظلم مطلقاً، بل المراد به ظلم
عظيم يدل عليه التنوين وهو الشرك. فإن قلت: كيف يجتمع الإيمان والشرك؟. قلت:
كما اجتمع في الذين قالوا: هؤلاء الآلهة شفعاؤنا عند الله الكبير وآمنوا بالله وأشركوا به.
٦٩١٩/٢ - حدّثنا مُسَدَّدٌ، حدّثنا بِشْرُ بنُ المُفَضَّلِ، حدثنا الجُرَيْرِيُّ، وحدّثني
قَيْسُ بنُ حَفْصٍ، حدثنا إِسْماعِيلُ بنُ إِبْراهِيم، أخبرنا سَعِيدٌ الجُرَيْرِيُّ، حدثنا عَبْدُ الرَّحْمُنِ بنُ
أبي بَكْرَةَ، عنْ أبِيهِ رضي الله عنه، قال: قال النبيُّ وَهِ: ((أكْبَرُ الكَبَائِرِ الإِشْراكُ بِالله، وعُقُوقُ
الوَالِدَيْنِ، وشَهادَةُ الزُّور،ِ وشَهَادَةُ الزُّورِ - ثَلاَثًاً - أوْ - قَوْلُ الزُّورِ)) - فَمَا زَالَ يُكَرِّرُها حتَّى
قُلْنا: لَيْتَهُ سَكَتَ.
[انظر الحديث ٢٦٥٤ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((الإشراك بالله)).
والجريري، بضم الجيم وفتح الراء - مصغر الجر - نسبة إلى جرير بن عباد بضم
العين وتخفيف الباء الموحدة واسمه سعيد بن إياس البصري، وإسماعيل بن إبراهيم هو
إسماعيل بن علية، وأبو بكرة نفيع بن الحارث الثقفي نزل البصرة ثم تحول إلى الكوفة.
والحديث قد مضى في الشهادات وفي كتاب الأدب في عقوق الوالدين، ومضى
الكلام فيه .
قوله: ((أو قول الزور)) شك من الراوي. قوله: ((ليته سكت)) قيل: تمنوا سكوته
وكلامه لا يمل منه، عليه الصلاة والسلام؟. وأجيب: بأنهم أرادوا استراحته وما ورد من
قوله وَله: القتل من أكبر الكبائر وكذا الزنى ونحوه، فوارد في كل مكان بمقتضى المقام
وما يناسب حال الحاضرين لذلك المقام.
٦٩٢٠/٣ - حدّثني مُحَمَّدُ بنُ الحُسَيْنِ بنِ إِبْرَاهِيمَ، أخبرنا عُبَيْدُ الله بنُ مُوسى،
أخبرنا شَيْبانُ، عنْ فِراسٍ، عنِ الشَّعْبِيِّ، عن عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو، رضي الله عنهما، قال:
جاء أعْرَابِيٍّ إلى النبيِّ ◌َه فقال: يا رسولَ الله! ما الكَبائِرُ؟ قال: ((الإِشْرَاكُ بِالله!)) قال: ثُمَّ
ماذا؟ قال: (ثُمَّ عُقُوقُ الوَالِدَيْنِ)) قال: ثُمَّ ماذا؟ قال: ((اليَمِينُ الغَمُوسُ)) قُلْت: وما اليَمِينُ
الغَمُوسِ؟ قال: ((الّذِي يَقْتَطِعُ مالَ امْرىءٍ مُسْلِم هُوَ فِيها كاذِبٌ)). [انظر الحديث ٦٦٧٥ وطرفه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((الإشراك بالله)).

١١٥
٨٩ - كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم / باب (١)
رعبيد الله هو ابن موسى العبسي الكوفي، وهو أحد مشايخ البخاري، روى عنه
في الإيمان بلا واسطة، وشيبان هو ابن عبد الرحمن النحوي، وفراس بكسر الفاء
وتخفيف الراء وبالسين المهملة ابن يحيى المكتب، والشعبي هو عامر بن شراحيل،
وعبد الله بن عمرو بن العاص.
والحديث مضى في النذور عن محمد بن مقاتل وفي الديات عن ابن بشار عن
غندر، ومضى الكلام فيه .
قوله: ((الإشراك بالله)) قيل: هو مفرد كيف طابق السؤال بلفظ الجمع؟ وأجيب:
بأنه لما قال: ثم ماذا علم أنه سائل عن أكثر من الواحد، وقيل: فيه مضاف مقدر
تقديره: ما أكبر الكبائر؟ قيل: قد تقدم في أول كتاب الديات قريباً أنه قال: ثم أن تقتل
ولدك خشية أن يطعم معك. وأجيب: لعل حال ذلك السائل يقتضي تغليظ أمر القتل
والزجر عنه، وحال هذا تغليظ أمر العقوق. قوله: ((الغموس)) أي: يغمس صاحبها في
الإثم أو النار. قوله: ((يقتطع)) أي: يأخذ قطعة من ماله لنفسه، وهو على سبيل المثال،
وأما حقيقتها فهي اليمين الكاذبة التي يتعمدها صاحبها عالماً أن الأمر بخلافه. قوله:
قلت: قال الكرماني: إما لعبد الله وإما لبعض الرواة عنه.
٤/ ٦٩٢١ - حدّثنا خَلَّدُ بنُ يَحْيِى، حدثنا سُفْيَانُ، عنْ مَنْصُورٍ والأعْمَشِ، عنْ
أبي وائِلٍ عنِ ابنِ مَسْعُودٍ، رضي الله عنه، قال: قال رجُلٌ: يا رسولَ الله! أنُؤَاخَذُ بِما عَمِلْنا
في الجاهلية؟ قال: ((مَنْ أَحْسَنَ في الإِسْلاَمِ لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا عَمِلَ في الجاهِليَّةِ، ومَنْ أساءَ في
الإِسْلاَمِ أُخِذَ بالأوَّلِ والآخِرِ)).
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((ومن أساء في الإسلام)) أخذ بالأول والآخر لأن
منهم من قال: المراد بالإساءة في الإسلام الارتداد من الدين، فيدخل في قوله: في إثم
من أشرك بالله .
وخلاد بفتح الخاء المعجمة وتشديد اللام ابن يحيى بن صفوان أبو محمد السلمي
الكوفي سكن مكة، وسفيان الثوري، ومنصور هو ابن المعتمر، والأعمش سليمان،
وأبو وائل شقيق بن سلمة.
والحديث أخرجه مسلم في الإيمان عن عثمان عن جرير.
قوله: ((أنؤاخذ؟)) الهمزة فيه للاستفهام. ونؤاخذ على صيغة المجهول من
المؤاخذة، يقال: فلان أخذ بذنبه أي: حبس وجوزي عليه وعوقب به. قوله: ((من
أحسن في الإسلام)) الإحسان في الإسلام الاستمرار على دينه وترك المعاصي. قوله:
((ومن أساء)) الإساءة في الإسلام الارتداد عن دينه. قوله: ((أخذ بالأول)) أي: بما عمل
في الكفر. قوله: ((والآخر)) أي: بما عمل في الإسلام. وقال الخطابي: ظاهره خلاف

١١٦
٨٩ - كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم / باب (٢)
ما أجمع عليه الأمة من أن الإسلام يجب ما قبله. وقال تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إِن
يَنْتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدّ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] وتأويله: أن يعير بما كان منه في الكفر
ويبكت به، كأنه يقال له: أليس قد فعلت كذا وكذا وأنت كافر؟ فهلا منعك إسلامك من
معاودة مثله إذا أسلمت، ثم يعاقب على المعصية التي اكتسبها أي: في الإسلام. وقال
الكرماني: يحتمل أن يكون معنى أساء في الإسلام ألاّ يكون صحيح الإسلام، أو لا
يكون إيمانه خالصاً بأن يكون منافقاً ونحوه.
٢ - باب حُكْمِ المرْتَدِّ والمُرْتَدَّةِ
أي: هذا باب في بيان حكم الرجل المرتد، وحكم المرأة المرتدة: هل حكمهما
سواء أم لا .
وقال ابنُ عُمَرَ والزُّهْرِيُّ وإنْرَاهِيمُ: تُقْتَلُ المُزْتَدَّةُ.
أي: قال عبد الله بن عمر ومحمد بن مسلم الزهري وإبراهيم النخعي: تقتل
المرأة المرتدة، فعلى هذا لا فرق بين المرتد والمرتدة بل حكمهما سواء. وأثر ابن عمر
أخرجه ابن أبي شيبة عن وكيع عن سفيان عن عبد الكريم عمن سمع ابن عمر، وقال
صاحب (التلويح): ينظر في جزم البخاري به على قول من قال: المجزوم صحيح. وأثر
الزهري وصله عبد الرزاق عن معمر عن الزهري في المرأة تكفر بعد إسلامها قال:
تستتاب فإن تابت وإلاّ قتلت. وأثر إبراهيم أخرجه عبد الرزاق أيضاً عن معمر عن
سعيد بن أبي عروبة عن أبي معشر عن إبراهيم مثله. واختلف النقلة عن إبراهيم. فإن
قلت: أخرج ابن أبي شيبة عن حفص عن عبيدة عن إبراهيم: لا تقتل. قلت: عبيدة
ضعيف الأول أولى، وروى أبو حنيفة، رضي الله تعالى عنه، عن عاصم عن أبي ذر عن
ابن عباس: لا تقتل النساء إذا هن ارتددن.
واستِتابَتِهمْ.
كذا ذكره بعد ذكر الآثار المذكورة، وفي رواية أبي ذر ذكره قبلها، وفي رواية
القابسي: واستتابتهما بالتثنية على الأصل لأن المذكور اثنان: المرتد والمرتدة، وأما
وجه الذكر بالجمع فقال بعضهم جمع على إرادة الجنس. قلت: هذا ليس بشيء، بل هو
على من يرى إطلاق الجمع على التثنية كما في قوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَّاً﴾
[التحريم: ٤] والمراد قلباكما.
وقال الله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِى اَللَّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيَمَنِهِمْ وَشَهِدُوَأْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌ
وَجَآءُهُمُ الْبَيِّنَنتُّ وَاللّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ النَّالِمِينَ (٨١ أُوْلَبِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيَّهِمْ لَغْنَةَ اللَّهِ
خَلِينَ فِيهَا لَا يُحَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظُرُونَ
AV
وَالْمَلَتَبِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ
MI

١١٧
٨٩ - كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم / باب (٢)
الَّذِينَ تَابُواْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمُ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيَمَنِهِمْ ثُمَّ
أَزْدَادُوا كُغْرًا أَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الضَّالُونَ﴾ [آل عمران: ٨٦ - ٩٠].
هذه خمس آيات متواليات من سورة آل عمران في رواية أبي ذر. قال الله تعالى:
﴿كَيْفَ يَهْدِى اللَّهُ قَوْمَا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَنِهِمْ وَشَهِدُوّأْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌ﴾ إلى ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ إِنَّ
الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ... إلى آخرها وفي رواية القابسي بعد قوله: ﴿حَقَّ﴾ إلى قوله: ﴿لَّنْ
تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الضَّالُونَ﴾ وساق في رواية كريمة والأصيلي ما حذف من الآية
لأبي ذر. وقال ابن جرير بإسناده إلى عكرمة: عن ابن عباس قال: كان رجل من
الأنصار أسلم ثم ارتد وأخفى الشرك ثم ندم، فأرسل إلى قومه: أرسلوا إلى رسول
الله ◌َّ، هل لي من توبة؟ قال: فنزلت ﴿كَيْفَ يَهْدِى اَللَّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ﴾ إلى قوله:
﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ فأرسل إليه قومه فأسلم، وهكذا رواه النسائي وابن حبان والحاكم من
طريق داود بن أبي هند به، وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. قوله:
﴿وَجَآءَ هُمُ الْبَهِنَتُ﴾ أي: قامت عليهم الحجج والبراهين على ما جاءهم به الرسول
ووضح لهم الأمر ثم ارتدوا إلى ظلمة الشرك، فكيف يستحق هؤلاء الهداية بعد ما
تلبسوا به من العماية؟ ولهذا قال: ﴿وَاَللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. قوله: ﴿خَلِينَ
فِيهَا﴾ أي: في اللعنة. قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا ... ) الآية هذا من لطفه ورحمته ورأفته
على خلقه أنه من تاب إليه تاب عليه. قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ... ) الآية توعد من الله
وتهدد لمن كفر بعد إيمانه. قوله: ﴿ثُمَّ أَزْدَادُوا كُفْرًا﴾ يعني: استمروا عليه إلى الممات
لا تقبل لهم توبة عند مماتهم. قوله: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الضََّاَلُونَ﴾ أي: الخارجون عن منهج
الحق إلى طريق الغي.
وقال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِنَبَ يُرُدُوَكُمْ بَعْدَ إِمَتِكُمْ
كَفِينَ﴾ [آل عمران: ١٠٠].
هذه الآية في سورة آل عمران أيضاً، يحذر الله تعالى عباده المؤمنين عن أن
يطيعوا فريقاً، أي: طائفة من الذين أوتوا الكتاب الذين يحسدون المؤمنين على ما آتاهم
الله من فضله وما منحهم به من إرسال رسوله، وقال عكرمة: هذه الآية نزلت في
شماس بن قيس اليهودي، دس على الأنصار من ذكرهم بالحروب التي كانت بينهم
فكادوا يقتتلون، فأتاهم النبي ◌َّ﴿ فذكرهم فعرفوا أنها من الشيطان، فتعانق بعضهم بعضاً
ثم انصرفوا سامعين مطيعين، فنزلت. وأخرجه الطبراني من حديث ابن عباس موصولاً.
وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ أَزْدَادُواْ كُفْرَاً لَمْ يَكُنِ اَللَّهُ لِيَغْفِرَ
لَمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً﴾ [النساء: ١٣٧].
هذه الآية الكريمة في سورة النساء، وسيقت هذه الآية كلها في رواية كريمة، وفي

١١٨
٨٩ - كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم / باب (٢)
رواية أبي ذر هكذا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ﴾ إلى ﴿َسَبِيلًا﴾ وفي رواية النسفي
﴿كَفَرُواْ ثُمَّ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ أَزْدَادُوا ... ) الآية أخبر الله تعالى عمن دخل في الإيمان
ثم رجع واستمر على ضلالته وازداد حتى مات بأنه لا يغفر الله له ولا يجعل له مما هو
فيه فرجاً ولا مخرجاً ولا طريقاً إلى الهدى، ولهذا قال: ﴿لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَّمْ﴾ وروى
ابن أبي حاتم من طريق جابر المعلى عن عامر الشعبي عن علي، رضي الله تعالى عنه،
أنه قال: يستتاب المرتد ثلاثاً، ثم تلى هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ الآية.
وقال ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَن دِينِ، فَوَّفَ بَتِى الَّهُ بِقَوْرِ يُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ: أَفِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّوْ عَلَى
اَلْكَفِينَ يُجَهِدُونَ﴾ [المائدة: ٥٤].
هذه الآية الكريمة في المائدة ساقها بتمامها في رواية كريمة وأولها: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ مَن يَرْتَدَ ... ) الآية ووقع في رواية أبي ذر: من يرتدد، بفك الإدغام وهي قراءة
ابن عامر ونافع، ويقال: إن الإدغام لغة تميم والإظهار لغة الحجاز. وقال محمد بن
كعب القرظي: نزلت في الولاة من قريش، وقال الحسن البصري: نزلت في أهل الردة
أيام أبي بكر الصديق. قوله: ﴿بِقَوْمٍ ثُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ قال الحسن: هو والله أبو بكر
وأصحابه رواه ابن أبي حاتم. وقال أبو بكر بن أبي شيبة: سمعت أبا بكر بن عياش
يقول: هم أهل القادسية، وعن مجاهد: هم قوم من سبأ، وقال ابن أبي حاتم بإسناده
إلى ابن عباس قال: ناس من أهل اليمن ثم من كندة ثم من السكون. قوله: ﴿أَذِلَّةٍ﴾
جمع ذليل وضمن الذل معنى الحنو والعطف فلذلك قيل: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ كأنه قيل:
عاطفين عليهم على وجه التذلل والتواضع، وقرىء: أذلة وأعزة، بالنصب على الحال.
وقالَ: ﴿وَلَكِن ◌َّن شَرَعَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ
ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ أَسْتَحَبُّواْ الْحَيَوَةَ الذُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَفِرِينَ
١٠٧
أُوْلَكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَرِهِمٌّ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْغَفِلُونَ (٢٨) لَا جَرَمَ
أَنَّهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْخَسِرُونَ ﴿® ثُمَّ إِنَ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُواْ
ثُمَّ جَهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦ - ١١٠].
هذه الآيات كلها في سورة النحل متوالية سيقت كلها في رواية كريمة، وفي رواية
أبي ذر ﴿وَلَكِن مَن شَرَحَ بِأَلْكُفْرِ صَدْرًا﴾ إلى ﴿ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ قوله: ﴿وَلَكِن مَّنْ
شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ أي: طاب به نفساً فاعتقده. قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى الوعيد وأن
العضب والعذاب يلحقانهم بسبب استحبابهم الدنيا على الآخرة. قوله: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ
اٌلْغَافِلُونَ﴾ الكاملون في الغفلة الذين لا أحد أغفل منهم. قوله: ﴿لَا جَرَمَ﴾ بمعنى حقاً.
وجرم فعل عند البصريين واسم عند الكوفيين بمعنى حقّاً، وتدخل اللام في جوابه نحو:
لا جرم لآتينك، وقال تعالى: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ﴾ [النحل: ٦٢] فعلى قول البصريين:

١١٩
٨٩ - كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم / باب (٢)
لا رد لقول الكفار، وجرم معناه عندهم: کسب، أي کسب كفرهم النار لهم.
﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَدِلُونَّكُمْ حَّى يَرُدُوَكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ أَسْتَطَعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ،
فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَكَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْأَخِرَةِ وَأُوْلَبِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا
خَلِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧].
هذه الآية الكريمة في سورة البقرة سبق كلها هكذا في رواية كريمة، وفي رواية
أبي ذر: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَدِلُونَكُمْ حَ يَرُدُوكُمْ عَن ◌ِدِينِكُمْ إِنِ أَسْتَطَعُواْ﴾ إلى قوله: ﴿وَأُوْلَئِكَ
أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ﴾ قوله: ﴿وَلَا يَزَالُونَ﴾ يعني: مشركي مكة. قوله: ﴿حَّ
يَرُدُّوكُمْ﴾ يعني: حتى يصرفوكم. قوله: ﴿فَيَمُتْ﴾ مجزوم لأنه معطوف على ما قبله،
ولو كان جواباً لكان منصوباً. قوله: ﴿حَعَتْ﴾ أي: بطلت أعمالهم أي حسناتهم. وفي
هذه الآية تقييد مطلق ما في قوله: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ» ... ) الآية أي: شرط
حبط الأعمال عند الارتداد أن يموت وهو كافر.
٦٩٢٢/٥ - حدّثنا أبو النُّعمان مُحَمَّدُ بنُ الفَضْلِ، حدّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ، عنْ
أيُّوبَ، عنْ عِكْرِمَةَ قال: أَتِيَ عَلِيُّ رضي الله عنه، بِزَنادِقَةٍ فأخْرَقَهُمْ، فَبَلَغَ ذُلِكَ ابنَ عَبَّاسٍ
فقال: لَوْ كُنْتُ أنا لَمْ أُخْرِقْهُمْ لِنَهْي رسولِ اللهِ وَّهِ: ((لا تُعَذِّبُوا بِعَذابِ الله)) ولَقَتَلْتُهُمْ لِقَوْلِ
رسولِ اللهِ وَالْ﴿: ((مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فاقْتُلُوَهُ». [انظر الحديث ٣٠١٧].
مطابقته للترجمة في قوله: ((من بدل دينه فاقتلوه)) والذي يبدل دينه هو المرتد.
وأيوب هو السختياني، وعكرمة مولى عبد الله بن عباس.
والحديث مضى في الجهاد عن علي بن عبد الله، ومر الكلام فيه.
قوله: ((أتي)) على صيغة المجهول. قوله: ((بزنادقة)) جمع زنديق بكسر الزاي
فارسي معرب، وقال سيبويه: الهاء في زنادقة بدل من ياء زنديق. وقد تزندق والاسم
الزندقة، واختلف في تفسيره فقيل: هو المبطن للكفر المظهر للإسلام كالمنافق، وقيل:
قوم من الثنوية القائلين بالخالقين، وقيل: من لا دين له، وقيل: هو من تبع كتاب
زردشت المسمى بالزند، وقيل: هم طائفة من الروافض تدعى السبائية، ادعوا أن عليّاً،
رضي الله تعالى عنه، إله وكان رئيسهم عبد الله بن سبأ. بفتح السين المهملة وتخفيف
الباء الموحدة وكان أصله يهودياً. قوله: ((فأحرقهم)) قد مضى في كتاب الجهاد في: باب
لا يعذب بعذاب الله، من طريق سفيان بن عيينة عن أيوب بهذا السند: أن عليّاً، رضي
الله عنه، حرق قوماً، وروى الحميدي عن سفيان بلفظ: حرق المرتدين، وروى ابن أبي
شيبة: كان أناس يعبدون الأصنام في السر، وروى الطبراني في (الأوسط) من طريق
سويد بن غفلة: أن علياً، رضي الله تعالى عنه، بلغه أن قوماً ارتدوا عن الإسلام فبعث

١٢٠
٨٩ - كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم / باب (٢)
إليهم فأطعمهم ثم دعاهم إلى الإسلام فأبوا فحفروا حفيرة ثم أتى بهم فضرب أعناقهم
ورماهم فيها ثم ألقى عليهم الحطب فأحرقهم ثم قال: صدق الله، ورسوله، وروى
الإسماعيلي حديث عكرمة، ولفظه: أن عليّاً أتي بقوم قد ارتدوا عن الإسلام، أو قال:
بزنادقة ومعهم كتب لهم، فأمر بنار فانضجت ورماهم فيها، وروي عن قتادة أن علياً أتي
بناس من الزط يعبدون وثناً فأحرقهم، فقال ابن عباس ... الحديث. قوله: ((فبلغ ذلك
ابن عباس)) أي: بلغ ما فعله علي من الإحراق بالنار، وكان ابن عباس حينئذٍ أميراً على
البصرة من قبل علي، رضي الله تعالى عنه. قوله: ((لنهي رسول الله وَ لفي لا تعذبوا بعذاب
الله)) أي: لنهيه عن القتل بالنار. بقوله: ((لا تعذبوا))، وهذا يحتمل أن يكون ابن عباس
قد سمعه من النبي وَه، ويحتمل أن يكون قد سمعه من بعض الصحابة. واختلف في
الزنديق: هل يستتاب؟ فقال مالك والليث وأحمد وإسحاق: يقتل ولا تقبل توبته. وقول
أبو حنيفة وأبي يوسف مختلف فيه، فمرة قالا: بالاستتابة، ومرة قالا: لا. قلت: روي
عن أبي حنيفة أنه قال: إن أتيت بزنديق أستتيبه، فإن تاب وإلاّ قتلته. وقال الشافعي:
يستتاب كالمرتد، وهو قول عبد الله بن الحسن، وذكر ابن المنذر عن علي، رضي الله
تعالى عنه. مثله، وقيل لمالك: لم تقتله، ورسول الله وَ*، لم يقتل المنافقين وقد
عرفهم فقال: لأن توبته لا تعرف. وقال ابن الطلاع في (أحكامه): لم يقع في شيء من
المصنفات المشهورة أنه ﴿، قتل مرتداً ولا زنديقاً، وقتل الصديق امرأة يقال لها: أم
قرفة ارتدت بعد إسلامها .
٦/ ٦٩٢٣ - حدّثنا مُسَدَّدٌ، حدّثنا يَحْيِى، عنْ قُرَّةَ بنِ خالِدٍ قال: حدثني حُمَيْدُ بنُ
هلالٍ، حدّثنا أبو بُرْدَةَ عنْ أبي مُوسى قال: أقْبَلْتُ إلى النَّبِيِّ ◌َ﴿ ومَعِي رَجُلانٍ مِنَ
الأشْعَرِيِّينَ - أحَدُهُما عنْ يَمِينِي والآخرُ عنْ يَسارِي، ورسولُ اللهِوَهِ يَسْتَاكُ فَكِلاهُما سَأل،
فقال: يا أبا مُوسى - أوْ: يا عَبْدَ الله بنَ قَيْسٍ - قال: قُلْتُ: والّذِي بَعَثَكَ بالحَقِّ ما أطْلعانِي
عَلى ما في أنْفُسِهِما وما شَعَرْتُ أنَّهُما يَطْلُبان العَمَلِ، فَكأَنِّي أَنْظُرُ إلى سِواكِهِ تَحْتَ شَفَتِهِ
قَلَصَتْ، فقال: ((لَنْ أوْ: لا نَسْتَعْمِلُ عَلى عَمَلِنا مِنْ أَرَادَهُ، ولَكِنِ اذْهَبْ أنْتَ يا أبا مُوسى،
- أو: يا عَبْدَ الله بنَ قَيْسٍ - إلى اليَمَنِ))، ثُمَّ اتْبَعَهُ مُعاذَ بِنُ جَبَلٍ، فَلمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ الْقَى لهُ
وِسادَةً، قال: انْزِلْ، وإذَا رَجُلٌ عِنْدَهُ مُوثَقٌ. قال: ما هذا؟ قال: كانَ يَهُودِيّاً فأسْلَمَ، ثُمَّ
تَهَوَّدَ، قال: اجْلِسْ. قال: لا أجْلِسُ حتَّى يُقْتَلَ، قَضاءُ الله ورسُولِهِ، ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، فأمَرَ بِهِ
فَقُتِلَ، ثُمَّ تَذَاكَرَا قِيامَ اللَّيْلِ فقال أحَدُهُما: أمَّا أنا فأَقُومُ وأنامُ وأَرْجُو في نَوْمَتي ما أرْجُو في
قَوْمَتي. [انظر الحديث ٢٢٦١ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فأمر به فقتل)).
ويحيى هو ابن سعيد القطان، وقرة، بضم القاف وتشديد الراء، ابن خالد