النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
٨٤ - كتاب كفارات الأيمان / باب (٦)
٦ - بابُ قَوْلِ الله تعالى: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَّبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩] وأيُّ الرِّقابِ أزْکَی
أي: هذا باب في ذكر قول الله تعالى: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَّبَةٍ﴾ ذكر هذا الجزء من الآية
واقتصر عليه اعتماداً على المستنبط، فإن تحرير الرقبة على نوعين: أحدهما: في كفارة
اليمين وهي مطلقة فيها. والآخر: في كفارة القتل وهي مقيدة بالأيمان، ومن هنا اختلف
الفقهاء: ((فذهب)) الأوزاعي ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق إلى أن المطلق يحمل
على المقيد. ((وذهب)) أبو حنيفة وأصحابه وأبو ثور وابن المنذر إلى جواز تحرير
الكافرة، وبقية الكلام في هذا الباب في كتب الأصول والفروع قوله: وأي الرقاب أزكى
أي: أفضل، والأفضل فيها أغلاها ثمناً وأنفسها عند أهلها، وقد مر في أوائل العتق عن
أبي ذر، رضي الله عنه، وفيه: فقلت: فأي الرقاب أفضل؟ قال: أغلاها ثمناً. وفيه
إشارة إلى أن البخاري جنح إلى قول الحنفية، لأن أفعل التفضيل يستدعي الاشتراك في
أصل التفضيل. فإن قلت: لم لا يجوز أن يكون مراده من قوله: أزكى الإسلام، وبه
أشار الكرماني حيث قال قوله: مسلمة، إشارة إلى بيان أزكى الرقاب، فلا تجوز الرقبة
الكافرة .
قلت: حديث أبي ذر يحكم عليه لأنه مطلق، وقد فسر الأفضلية بغلاء الثمن
والنفاسة عند أهلها.
٦٧١٥/٨ - حدّثنا مُحَمِدُ بنُ عَبْدِ الرَّحِيم، حدّثنا داوُدُ بنُ رُشَيْدٍ، حدثنا الوَلِيدُ بنُ
مُسْلِمٍ عنْ أبي غَسَّانَ مُحَمَّدِ بنِ مُطَرِّفٍ، عنْ زَيْدِ بنِ أسْلَمَ، عنْ عَلِيٍّ بنِ حُسَيْنٍ، عِنْ
سَعِيدٍ بنِ مَرْجَانَةَ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ عن النبيِّ وَّهِ قال: ((مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُسْلِمَةً أعْتَقَ اللهُ بِكُلّ
عُضْوٍ مِنْهُ عُضْواً مِنَ النّارِ، حتَّى فَرْجَهُ بِفَرْجِهِ)). [انظر الحديث ٢٥١٧].
مطابقته للترجمة في قوله: ((رقبة)) ومحمد بن عبد الرحيم هو المعروف بصاعقة
وهو من أفراده، وداود بن رشيد - مصغر الرشد - بالراء والشين المعجمة وبالدال
المهملة البغدادي مات سنة تسع وثلاثين ومائتين، والوليد بن مسلم القرشي الأموي
الدمشقي، وأبو غسان بفتح الغين المعجمة وتشديد السين المهملة وبالنون كنية
محمد بن مطرف على صيغة اسم الفاعل من التطريف بالطاء المهملة، وزيد بن أسلم
مولى عمر بن الخطاب أبو أسامة العدوي، وعلي بن حسين بن علي بن أبي طالب،
رضي الله تعالى عنهم. المشهور بزين العابدين، وسعيد بن مرجانة بفتح الميم وسكون
الراء وبالجيم والنون وهي اسم أمه، وأما أبوه فهو عبد الله العامري.
وفي هذا السند ثلاثة من التابعين في نسق واحد: زيد وعلي وسعيد، والثلاثة
مدنیون .

٣٤٢
٨٤ - كتاب كفارات الأيمان / باب (٧)
والحديث قد مضى في أوائل العتق من وجه آخر عن سعيد بن مرجانة، ومضى
الكلام فيه هناك.
وقد أخرج مسلم هذا الحديث عن داود بن رشيد شيخ شيخ البخاري، وبينه وبين
البخاري محمد بن عبد الرحيم صاعقة وليس لداود في كتاب البخاري غير هذا الحديث
الواحد .
قوله: ((حتى فرجه)) بالنصب قال الكرماني ولم يبين وجهه، وقال بعضهم: حتى،
لههنا عاطفة لوجود شرائط العطف فيها فيكون فرجه بالنصب.
قلت: هو أيضاً ما بين شرائط العطف ما هي؟ فأقول: حتى، إذا كانت عاطفة
تكون كالواو إلاَّ أن بينهما فرقاً من ثلاثة أوجه: أحدها: أن المعطوف بحتى له ثلاثة
شروط: أحدها: أن يكون ظاهراً لا مضمراً. والثاني: إما أن يكون بعضاً من جمع قبلها
كقدم الحجاج حتى المشاة، أو جزءاً من كل نحو: أكلت السمكة حتى رأسها، أو كجزء
نحو: أعجبتني الجارية حتى حديثها. ويمتنع أن يقال: حتى ولدها. والثالث: أن يكون
غاية لما قبلها إما بزيادة أو نقص. فالأول: نحو: مات الناس حتى الأنبياء، والثاني:
نحو: زارك الناس حتى الحجامون، والشروط الثلاثة موجودة هنا. أما الأول: فهو
قوله: رقبة، فإنه ظاهر منصوب. وأما الثاني: فإن الفرج جزء مما قبله. وأما الثالث:
فإن قوله: فرجه، غاية لما قبلها بزيادة، واعلم أن أهل الكوفة ينكرون العطف بحتى البتة
ولهم في هذا دلائل مذكورة في موضعها، ووقوع العطف بحتى عند الجمهور أيضاً
قليل. فافهم. وبعض الشراح ذكر هنا كلاماً لا يشفي العليل ولا يروي الغليل.
٧ - بابُ عِثْقِ المُدَبَّرِ وأُمِّ الوَلَدِ والمُكاتَبٍ في الكَفَّارَةِ وعِتْقٍ وَلَدِ الزِّنى
أي: هذا باب في بيان حكم المدبر وأم الولد ... إلى آخره، ولم يبين حكمه
على عادته كما ذكرنا غير مرة.
وقال طاوُسٌ: يُجْزِىءُ المُدَبَّرُ وأُمُّ الوَلَدِ .
أي: قال طاوس بن كيسان الخولاني الهمداني: يجوز عتق المدبر وأم الولد في
الكفارة، وروى هذا الأثر ابن أبي شيبة بإسناد فيه لين، ووافق طاوساً في المدبر الحسن
وإبراهيم في أم الولد، وخالفه في المدبر الزهري والشعبي وإبراهيم.
واختلف الفقهاء في هذا الباب فقال مالك: لا يجوز أن يعتق في الرقاب الواجبة
مكاتب ولا مدبر ولا أم ولد ولا المعلق عتقه، وقال أبو حنيفة والأوزاعي: إن كان
المكاتب أدى شيئاً من كتابته فلا يجوز وإلاَّ جاز، وبه قال الليث وأحمد وإسحاق، وقال
الشافعي وأبو ثور: يجوز عتق المدبر، وأما عتق أم الولد فلا يجوز في الرقاب الواجبة

٣٤٣
٨٤ - كتاب كفارات الأيمان / باب (٧)
عند أبي حنيفة ومالك والشافعي وأبو ثور، وعليه فقهاء الأمصار، وأما عتق ولد الزنى
في الرقاب الواجبة فيجوز، روي ذلك عن عمر وعلي وعائشة وجماعة من الصحابة،
رضي الله تعالى عنهم، وبه قال سعيد بن المسيب والحسن وطاوس وأبو حنيفة
والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد، وقال عطاء والشعبي والنخعي والأوزاعي: لا
يجوز عتقه. فإن قلت: روي عن أبي هريرة مرفوعاً أنه شر الثلاثة.
قلت: روي عن ابن عباس وعائشة إنكار ذلك، وقال ابن عباس: لو كان شر
الثلاثة [ما انتظر الحاكم] بأمه حتى تضعه. وقالت عائشة: ما عليه من ذنب أبويه شيء،
ثم قرأت: ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤ وغيرها].
٦٧١٦/٩ - حدّثنا أبو النُّعْمانِ، أخبرنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرو، عنْ جابرٍ: أنَّ
رَجُلاً مِنَ الأنْصارِ ذَبَّرَ مَمْلُوكاً لهُ، ولَمْ يَكُنْ لهُ مالٌ غَيْرُهُ، فَبَلَغَ النبيِّ وَ﴿ فقال: ((مَنْ يَشْتِرِيه
مِنِّي؟)) فاشْتَراهُ نُعَيْمُ النخَّامِ بِثَمانِمائَةِ دِرْهَمٍ، فَسَمِعْتُ جابِرَ بنَ عَبْدِ الله يَقُولُ: عَبْداً قِبْطِيّاً
مات عامَ أوَّلَ. [انظر الحديث ٢١٤١ وأطرافه].
قال الكرماني كيف دل الحديث على الترجمة؟ ثم قال: إذا جاز بيع المدبر جاز
إعتاقه، وقاس الباقي عليه. وقال بعضهم: أشار بالترجمة إلى أنه إذا جاز بيعه جاز ما
ذكر معه بطريق الأولى.
قلت: كلام الكرماني له وجه ما لأنه قال: إذا جاز بيع المدبر جاز إعتاقه، وقد
علم أنه ممن يجوز بيع المدبر. وأما كلام هذا القائل فلا وجه له أصلاً لأنه قال: أشار
في الترجمة إلى أنه إذا جاز بيعه ... إلى آخره، فسبحان الله! في أي موضعٍ أشار في
الترجمة أنه أجاز بيعه حتى يبني عليه جواز العتق؟ على أن كلام الكرماني أيضاً لا يمشي
إلاَّ بالتعسف.
وأبو النعمان محمد بن الفضل السدوسي البصري يعرف بعارم، وعمرو هو ابن
دینار.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الإكراه عن أبي النعمان. وأخرجه مسلم في
الأيمان والنذور عن أبي الربيع.
قوله: ((أن رجلاً) هو أبو مذكور بالذال المعجمة. قوله: ((دبر مملوكاً له)) اسمه
يعقوب ((فاشتراه نعيم)) النحام قال الكرماني: في بعض النسخ: نعيم بن النحام، بزيادة
الابن والصواب عدمه، ونعيم بضم النون وفتح العين المهملة - مصغر النعم - والنحام
بفتح النون وتشديد الحاء المهملة لقب به لأنه #* قال: سمعت نحمة نعيم، أي:
سعلته في الجنة ليلة الإسراء. قوله: ((عبداً قبطياً)) بكسر القاف وسكون الباء الموحدة
نسبة إلى قبط، وهم أهل مصر. قوله: ((عام أول)) بفتح اللام على البناء وهو من قبيل

٣٤٤
٨٤ - كتاب كفارات الأيمان / باب (٨ و٩)
إضافة الموصوف إلى الصفة. والبصريون يقولون: إنه مما يقدر فيه المضاف نحو: عام
الزمن الأول.
٨ - بابٌ إذا أعْتَقَ عَبْداً بَيْنَهُ وبَيْنَ آخَرَ
أي: هذا باب في بيان حكم شخص إذا أعتق عبداً مشتركاً بينه وبين آخر في
الكفارة، هل يجوز أم لا؟ ولكن لم يذكر فيه حديثاً، قال الكرماني: قالوا: إن البخاري
ترجم الأبواب بين ترجمة وترجمة ليلحق الحديث بها، فلم يجد حديثاً بشرطه يناسبها،
أو لم يف عمره بذلك. وقيل: بل أشار به إلى أن ما نقل فيه من الأحاديث ليست
بشرطه، وقال بعضهم: ثبتت هذه الترجمة للمستملي وحده بغير حديث، فكأن المصنف
أراد أن يكتب حديث الباب الذي بعده من وجه آخر فلم يتفق له، أو تردد في الترجمتين
فاقتصر الأكثر على الترجمة التي تلي هذه، وكتب المستملي الترجمتين احتياطاً.
والحديث الذي في الباب الذي يليه صالح لهما بضرب من التأويل. انتهى.
قلت: هذا الذي ذكراه كله تخمين وحسبان. أما الوجه الأول: مما قاله الكرماني
فليس بسديد لأن الظاهر أنه كان لا يكتب ترجمة إلاَّ بعد وقوفه على حديث يناسبها: وأما
الوجه الثاني: فكذلك. وأما الوجه الثالث: فأبعد من الوجهين الأولين لأن الإشارة تكون
للحاضر، فكيف يطلق الناظر فيها على أن لههنا أحاديث ليست بشرطه؟ وأما الذي قال
بعضهم: إن المستملي كتب الترجمتين احتياطاً فأي احتياط فيه؟ وما وجه هذا الاحتياط؟
يعني: لو ترك الترجمة التي هي بلا حديث لكان يرتكب إثماً حتى ذكره احتياطاً؟ وأما قوله:
والحديث الذي في الباب الذي يليه ... إلى آخره، فليس بموجه أصلاً ولا صالح لما ذكره،
لأن الولاء لمن أعتق فالعبد الذي أعتقه له وولاؤه أيضاً له، فأين الاشتراك بين الاثنين في هذا
غاية؟ ما في الباب إذا أعتق عبداً بينه وبين آخر عن الكفارة فإنه إن كان موسراً أجزأه ويضمن
لشريكه حصته، وإن كان معسراً لم يجزه، وهو قول أبي يوسف ومحمد والشافعي وأبي
ثور، وعند أبي حنيفة: لا يجزيه عن الكفارة مطلقاً، والصواب أن يقال: إن هذه الترجمة
ليس لها وضع من البخاري، ولهذا لم تثبت عند غير المستملي من الرواة، ومع هذا في
ثبوتها عنده نظر، والله أعلم بالصواب.
٩ - بابٌ إذا أعْتَقَ في الكَفَّارَةِ لِمَنْ يَكُونُ وَلاؤُهُ؟
أي: هذا باب فيه إذا أعتق شخص في الكفارة لمن يكون ولاؤه؟ أي: ولاء
العتق، وجواب إذا محذوف تقديره: يصح عند البعض في صورة ولا يصح في صورة.
صورته ما ذكرناه الآن، وهي عبد مشترك بين اثنين فأعتق أحدهما عن الكفارة فإن كان
موسراً يصح ويضمن لشريكه حصته وولاؤه له، وإن كان معسراً فلا يصح، وهنا صورة

٣٤٥
٨٤ - كتاب كفارات الأيمان / باب (١٠)
أخرى وهي أن تقول لرجل: أعتق عبدك عني لأجل كفارة عليّ، فأعتق عنه، أجزأه،
وبه قال مالك والشافعي وأبو ثور: وإن أعتقه عنه بأمره على غير شيء ففي قول
الشافعي: يجزىء ويكون ولاؤه للمعتق عنه، وقال أبو ثور: يجزىء ذلك وولاؤه للذي
أعتقه، وعند أبي حنيفة: الولاء للمعتق ولا يجزىء ذلك.
٦٧١٧/١٠ - حدّثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ، حدثنا شُعْبَةُ، عنِ الحَكْمِ، عنْ إِبْراهِيمَ،
عنِ الأسْوَدٍ عنْ عَائِشَةَ أنَّها أرادَتْ أنْ تَشْتَرِيّ بَرِيرَةَ فاشْتَرَطُوا عَليْها الوَلاءَ، فَذَكَرَتْ ذُلِكَ
للنبيِّ وَّ﴿ فقال: ((اشْتَرِيها، إنما الوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ)). [انظر الحديث ٤٥٦ وأطرافه].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((إنما الولاء لمن أعتق)) والحكم بفتحتين هو ابن
عتيبة - مصغر عتبة الدار - وإبراهيم هو النخعي، والأسود هو ابن يزيد خال إبراهيم
المذكور.
والحديث مضى في الطلاق عن عبد الله بن رجاء وفيه وفي الزكاة عن آدم ويأتي
في الفرائض عن حفص بن عمر. وأخرجه النسائي أيضاً في مواضع في الزكاة والطلاق
والفرائض.
قوله: بريرة)) بفتح الباء الموحدة. قوله: ((فاشترطوا)) أي: فاشترط أهل بريرة على عائشة
الولاء، ومضى الكلام فيه محرراً.
١٠ - بابُ الاسْتِثِناءِ في الأيمانِ
أي: هذا باب في بيان حكم الاستثناء في الأيمان، وفي بعض النسخ في اليمين،
والمراد بالاستثناء هنا لفظ: إن شاء الله، وليس المراد به الاستثناء الاصطلاحي نحو:
والله لأفعلن كذا إن شاء الله تعالى، أو قال: والله لا أفعلن كذا إن شاء الله، وفيه
اختلاف للعلماء .
فقال إبراهيم والحسن والثوري ووأبو حنيفة وأصحابه والأوزاعي والليث وجمهور
العلماء شرطه أن يتصل بالحلف. وقال مالك: إذا سكت أو قطع كلامه فلا استثناء،
وقال الشافعي: يشترط وصل الاستثناء بالكلام الأول، ووصله أن يكون نسقاً، فإن كان
بينهما سكوت انقطع، إلاّ إذا كان لتذكر أو تنفس أو عي أو انقطاع صوت. وقال الحسن
البصري وطاوس: للحالف الاستثناء ما لم يقم من مجلسه. وقال قتادة: أو يتكلم.
وقال أحمد: له الاستثناء ما دام في ذلك الأمر، وبه قال إسحاق إلاَّ أن يكون سكوت ثم
عود إلى ذلك الأمر، وقال عطاء: إن له ذلك قدر حلب الناقة الغزيرة، وقال سعيد بن
جبير: له ذلك إلى بعد أربعة أشهر، وقال مجاهد: له ذلك بعد سنتين، وقال ابن
عباس: يصح ذلك ولو بعد حين، فقيل: أراد به سنة، وقيل: أبداً، حكاه ابن القصار.

٣٤٦
٨٤ - كتاب كفارات الأيمان / باب (١٠)
واختلفوا أيضاً في الاستثناء في الطلاق والعتق، فقال ابن أبي ليلى والأوزاعي
والليث ومالك: لا يجوز الاستثناء في الطلاق، وروي مثله عن ابن عباس وابن المسيب
والشعبي وعطاء والحسن ومكحول وقتادة والزهري، وقال طاوس والنخعي والحسن
وعطاء في رواية، وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه وإسحاق يجوز الاستثناء.
٦٧١٨/١١ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ، حدّثنا حَمَّادٌ، عنْ غَيْلانَ بنِ جَرِيرٍ، عنْ أبي
بُرْدَةَ بنِ أبي مُوسى، عن أبي مُوسى الأشْعَرِيِّ قال: أَتَيْتُ رسولَ اللهِ ﴾ ﴿ فِي رَهْطٍ مِنَ
الأشْعَرِيِّينَ أُسْتَخْمِلُهُ، فقال: ((والله لا أحمِلُكُمْ! ما عِنْدِي ما أحْمِلُكمْ)) ثُم لَبثا ما شاءَ الله،
فأتِيَ بِإِلٍ فأمَرَ لَنا بِثَلاثَةِ ذَوْدٍ، فَلمَّا انْطَلَقْنا قال بَعْضُنا لِبَعْضٍ: لا يُبارِك الله لَنا، أتَيْنا
رسولَ الله وَّ نَسْتَحْمِلُهُ فَحَلَفَ أنْ لا يَحْمِلَنا فَحَمَلَنا. فقال أبُو مُوسى: فَأَتَّيْنا النبيَّ ◌َّ
فَذَكَرْنا ذُلِكَ لَهُ، فقال: «ما أنا حَمَلْتُكُمْ، بَلِ الله حَمَلَكُمْ، إنّي والله إنْ شاء الله لا أحْلِفُ
عَلَى يَمِينٍ فأرى غَيْرَها خَيْراً مِنْها إلاّ كَفَّرْتِ عِنْ يَمِينِي وآتَيْتُ الّذِي هُوَ خَيْرٌ وكَفَّرْتُ)) [انظر
الحديث ٣١٣٣ وأطرافه].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((إني والله إن شاء الله)) قيل: إن قوله: إن شاء
الله، لم يقع في أكثر الطرق لحديث أبي موسى، وليس كذلك بل هو ثابت في
الأصول، وأراد البخاري بإيراده بيان صفة الاستثناء بالمشيئة. وعن أبي موسى المديني
إنما قال النبي ويقو ذلك للتبرك لا للاستثناء، وهو خلاف الظاهر.
وحماد في السند هو ابن زيد لأن قتيبة لم يدرك حماد بن سلمة، وغيلان بفتح
الغين المعجمة وسكون الياء آخر الحروف ابن جرير بفتح الجيم، وأبو بردة بضم الباء
الموحدة وسكون الراء اسمه عامر، وقيل: الحارث، يروي عن أبيه أبي موسى
عبد الله بن قيس الأشعري.
والحديث مضى في النذر عن أبي النعمان محمد بن الفضل، ومضى الكلام فيه.
قوله: ((استحمله)) أي: أطلق منه ما يحملنا وأثقالنا. قوله: ((فأتي بإبل)) كذا في
رواية الأكثرين، ووقع في رواية الأصيلي وأبي ذر عن السرخسي والمستملي: بشائل،
بالشين المعجمة والهمزة بعد الألف، أي: قطيع من الإبل، وقال الخطابي: جاء بلفظ
الواحد والمراد به الجمع كالسامر، يقال: ناقة شائل إذا قل لبنها. وقال الكرماني: وفي
بعض الروايات: شوائل، وقال ابن بطال: في رواية أبي ذر: بشائل، مكان قوله: بإبل،
وأظنه بشوائل إن صحت الرواية، وبخط الدمياطي: الشائل بلا هاء الناقة التي تشول
بذنبها للقاح ولا لبن لها أصلاً والجمع شول، مثل راكع وركع، والشائلة بالتاء، هي

٣٤٧
٨٤ - كتاب كفارات الأيمان / باب (١٠)
التي جف لبنها وارتفع ضرعها وأتى عليها من نتاجها سبعة أشهر أو ثمانية. قوله: ((بثلاثة
ذود)) وفي رواية أبي ذر بثلاث ذود، وهو الصواب لأن الذود مؤنث، والذود بفتح الذال
المعجمة وسكون الواو وبالدال المهملة من الثلاث إلى العشرة، وقيل: إلى السبع،
وقيل: من الاثنين إلى التسع من النوق ولا واحد له من لفظه، والكثير أذواد، والأكثر
على أنه خاص بالإناث، وقد يطلق على الذكور. فإن قلت: مضى في المغازي بلفظ:
خمس ذود.
قلت: الجمع بينهما بأنه يحمل على أنه أمر لهم أولاً بثلاثة ثم زادهم اثنين.
قوله: ((فحملنا)) بفتح الميم واللام. قوله: (إني والله إن شاء الله)) هذا موضع الاستثناء
فيه. قوله: ((إلاَّ كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير وكفرت)) كذا وقع لفظ: كفرت،
مكرراً في رواية السرخسي، وبقية الكلام مضت في النذر.
٦٧١٩/١٢ - حدّثنا أبو النُّعمان، حدّثنا حَمَّادٌ وقال: ((إلاَ كَفَّرْتُ عنْ يَمِيني وأَتَيْتُ
الّذِي هُوَ خَيْرٌ، أوْ أَتَيْتُ الّذِي هُوَ خَيْرٌ وكَفَّرْتُ)). [انظر الحديث ٣١٣٣ وأطرافه].
أبو النعمان هو محمد بن الفضل، وحماد هو ابن زيد، وأراد بذكر طريق أبي
النعمان هذا بيان التخيير بين تقديم الكفارة على الحنث وتأخيرها عنه. وفيه الخلاف،
وقد ذكرناه. وقال الكرماني: أو هو شك من الراوي.
قلت: كذا أخرجه أبو داود عن سليمان بن حرب عن حماد بن زيد بالترديد
أيضاً.
٦٧٢٠/١٣ - حدّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله، حدّثنا سُفْيانُ، عَنْ هِشام بنِ حُجَيْرٍ، عنْ
طاوُس سَمِعَ أبا هُرَيْرَةَ قال: قال سُلَيْمانُ: لأطُوفنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى تِسْعِينَ امْرأةً، كُلِّ تَلِدُ غُلاماً
يُقاتِلُ في سَبيلِ الله، فقال لَهُ صاحِبُهُ، - قال سُفْيَانُ: يَغْنِي المَلَكَ -: قُلْ إنْ شاءَ الله!
فَنَسِيَ، فَطافَ بِهِنَّ فَلَمْ تَأْتِ امْرأهَ مِنْهُنَّ بِوَلَدٍ إلاّ واحِدَةٌ بِشقٌ غلام، فقال: أبو هُرَيْرَةَ يَرْوِيهِ،
قال: لَوْ قال: إنْ شاءَ الله لَمْ يَخْنَثْ، وكانَ دَرَكاً في حَاجَتِهِ. وقال مَرَّةً: قال
رسولُ اللهِ وَلِ: ((لَوْ اسْتَثْنَى).
[انظر الحديث ٢٨١٩ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((لو استثنى)) أي: لو قال: إن شاء الله.
وعلي بن عبد الله هو ابن المديني، وسفيان هو ابن عيينة، وهشام بن حجير بضم
الحاء المهملة وفتح الجيم وسكون الياء آخر الحروف وبالراء المكي، وقال الكرماني :
لم يتقدم ذكره يعني فيما مضى.

٣٤٨
٨٤ - كتاب كفارات الأيمان / باب (١٠)
والحديث مضى بغير هذا الطريق في الجهاد في: باب من طلب الولد للجهاد فإنه
قال هناك. وقال الليث: حدثني جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن بن هرمز سمعت أبا
هريرة عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، قال: قال سليمان بن داود، عليهما
السلام: لأطوفن الليلة على مائة امرأة أو تسع وتسعين ... الحديث.
قوله: ((لأطوفن)) اللام جواب القسم كأنه قال مثلاً: والله لأطوفن، والنون فيه
للتأكيد، يقال طاف به يعني ألم به وقاربه. قوله: ((الليلة)) نصب على الظرفية. قوله:
((على تسعين امرأة)) وقال الكرماني: قيل: ليس في حديث الصحيح أكثر اختلافاً في
العدد من حديث سليمان عليه السلام، فيه: مائة وتسعة وتسعون وستون، ولا منافاة إذ
لا اعتبار لمفهوم العدد. قوله: ((كل تلد)» أي: كل واحدة منهن تلد غلاماً. قوله: ((بشق
غلام)) بكسر الشين المعجمة وتشديد القاف أي: نصف غلام، وقال الكرماني: الحنث
معصية، كيف يجوز على سليمان، عليه السلام؟ ثم قال: لم يكن باختياره، أو هو
صغيرة معفو عنها.
قلت: فيه نظر لا يخفى، لأنه حمل الحنث على معناه الحقيقي وليس كذلك، بل
معناه هنا عدم وقوع ما أراد، وفيه نسبة وقوع الصغيرة من النبي ◌َّچ، وفيه ما فيه، وأول
الحديث موقوف على أبي هريرة، ولكنه رفعه بقوله: يرويه، قال: لو قال: إن شاء الله،
لم يحنث لأن قوله: يرويه، كناية عن رفع الحديث، وهو كما لو قال مثلاً: قال
رسول الله وَ﴾، وقد وقع في رواية الحميدي التصريح بذلك، ولفظه: قال
رسول الله 98 ... وكذا أخرجه مسلم عن أبي عمر عن سفيان.
قوله: ((لم يحنث)) بالثاء المثلثة المراد بعدم الحنث عدم وقوع ما أراد، وقال
الكرماني: ويروى: لم يخب، بالخاء المعجمة من الخيبة وهي الحرمان. قوله: ((وكان
دركاً)) بفتح الراء وسكونها. أي: إدراكاً أو لحاقاً أو بلوغ أمل في حاجته. قوله: ((وقال
مرة)) أي: قال أبو هريرة: قال رسول الله وَله: لو استثنى معناه أيضاً، لو قال: إن شاء
الله، ولكن قال مرة: لو قال: إن شاء الله، ومرة أخرى قال: لو استثنى، فاللفظ مختلف
والمعنى واحد. وجواب: لو، محذوف أي: لو استثنى لم يحنث، وقال ابن التين:
ليس الاستثناء في قصة سليمان، عليه السلام، الذي يرفع حكم اليمين ويحل عقده،
وإنما هو بمعنى الإقرار الله بالمشيئة والتسليم لحكمه، فهو نحو قوله: ﴿وَلَا نَقُولَنَّ لِشَأَىْءٍ
إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدَأْ ﴿ إِلَّ أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ -٢٤] وإنما يرفع حكم اليمين إذا
نوى به الاستثناء فى اليمين.
وحدّثنا أبو الزِّنادِ عنِ الأعْرَجِ مِثْلَ حَدِيثٍ أبي هُرَيْرَةَ.

٣٤٩
٨٤ - كتاب كفارات الأيمان / باب (١١)
القائل بقوله: وحدثنا، هو سفيان بن عيينة، وقد أفصح به مسلم في روايته، وهو
موصول بالسند الأول. وأبو الزناد بالزاي والنون عبد الله بن ذكوان، والأعرج هو
عبد الرحمن بن هرمز. قوله: ((مثل حديث أبي هريرة)) أي: مثل الذي ساقه من طريق
طاوس عن أبي هريرة، وأشار بهذا إلى أن لسفيان فيه سندان إلى أبي هريرة: هشام عن
طاوس، وأبو الزناد عن الأعرج.
١١ - بابُ الكَفَّارَة قَبْلَ الحِنْثِ وبَعْدَهُ
أي: هذا باب في بيان جواز الكفارة قبل الحنث وبعده واختلف العلماء في جواز
الكفارة قبل الحنث، فقال ربيعة ومالك والثوري والليث والأوزاعي: تجزىء قبل
الحنث، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور، وروي مثله عن ابن عباس وعائشة وابن
عمر، وقال الشافعي: يجوز تقديم الرقبة والكسوة والطعام قبل الحنث، ولا يجوز تقديم
الصوم. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا تجزىء الكفارة قبل الحنث. وقال صاحب
(التوضيح): لا سلف لأبي حنيفة فيه، واحتج له الطحاوي بقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّرَةُ
أَيْمَئِنْكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] والمراد إذا حلفتم وحتشتم.
قلت: أبو حنيفة ما انفرد بهذا، وقال به أيضاً أشهب من المالكية، وداود الظاهري
وصاحب (التوضيح) ما يقول فيما ذهب إليه الشافعي وهو أن الكفارة اسم لجميع أنواعها
فبعد الحنث حمل اللفظ على جميعها، وقبل الحنث خصص اللفظ ببعضها، فترك
الظاهر من ثلاثة أوجه. أحدها: تسميتها كفارة وليس هناك ما يكفر. والثاني: صرف
الأمر عن الوجوب إلى الجواز. والثالث: تخصيص الكفارة ببعض الأنواع.
١٤/ ٦٧٢١ - حدّثنا عَلِيُّ بنُ حُجْرٍ، حدّثنا إسْماعِيلُ بنُ إِبْراهِيمَ، عنْ أَيُّوبَ، عنِ
القاسِمِ التَّمِيمِيِّ، عنْ زَهْدَمِ الجَزْمِيِّ قال: كنَّا عِنْدَ أبي مُوسى وكان بَيْننا وبَيْنَ لهذا الحَيِّ مِنْ
جَزْمِ إِخَاءٌ ومَغْرُوفٌ، وقالَ: فَقُدِّمَ طعام، قال: وقُدِّمَ في طَعامِهِ لَخْمُ دَجاجٍ، قال: وفي
القَوْمِ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَيْمِ الله أحْمَرُ، كأنَّهُ مَوْلَى، قال: فَلَمْ يَذْنُ، فقال لهُ أبُوَ مُوسى: اذنُ
فإِنِّيَ قَدْ رَأيْتُ رسولَ اللهِ ﴿ يأْكُلُ مِنْهُ، قال: إنِّي رَأيْتُهُ يَأْكُلُ شَيْئاً قَذِرَتُهُ فَحَلَفْتُ أنْ لا
أطْعَمَهُ أبداً، فقال: أذنُ أُخْبِرْكَ عنْ ذُلِكَ: أَيْنا رسولَ اللهِ ﴿ ﴿ فِي رَهْطٍ مِنَ الأشْعَرِيِّينَ
أسْتَخْمِلُهُ وهُوَ يَقْسِمُ نَعَماً مِنْ نَعَمِ الصَّدَقَةِ - قال أيُوبُ أحْسِبُهُ قال: وهوَ غَضْبانُ - قال:
(والله لا أخمِلُكُمْ، وما عِنْدِي ما أحَمِلُكُمْ) قال: فانَطَلْقَنا، فأُتِيَ رسولُ الله ◌َّه ◌ِنَهْبِ إِلٍ،
فَقِيلَ: ((أنِنَ هؤلاءِ الأشْعَرِيُّونَ؟ أيْنَ هَؤُلاءِ الأشْعَرِيُّونَ؟)) فأَتَينا فأمَرَ لَنا بِخَمْسٍ ذَوْدٍ غُرِّ
الذُّرى، قال: فانْدَفَعْنا، فَقُلْتُ لأصحابي: أتَيْنا رسولَ اللهِ وَلَ نَسْتَحْمِلُهُ، فَحَلَفَ أنْ لا

٣٥٠
٨٤ - كتاب كفارات الأيمان / باب (١١)
يَحْمِلَنا، ثُمَّ أرْسَلَ إلَيْنَا فَحَمَلَنا، نَسِيَ رَسُولُ اللهِوَهِ يَمِينَهُ، والله لَئِنْ تَغَفَّلْنا رسولَ اللهِ وَهـ
يَمِينَهُ لاَ نُفْلِحُ أَبَداً، ارْجِعُوا بِنا إلى رسولِ اللهِوَ ﴿ فَلْنُذَكِّرْهُ يَمِينَهُ، فَرَجَعْنا فَقُلْنا: يا
رسولَ الله! أتَيْنَاكَ نَسْتَحْمِلُكَ فَحَلَفَتَ أنْ لا تَحْمِلَنا، ثُمَّ حَمَلْتَنا فَظَتَنَّا - أوْ فعَرَفْنا - أنّكَ
نَسِيتَ يَمِينَك. قال: ((انطلقوا! فإنَّما حَمَلَكُمُ الله! إنِّي والله إنْ شاءَ الله لا أخلِفُ عَلَى يَمِينِ
فأرَى غَيْرَها خَيْراً مِنْها، إلاّ أَتَيْتُ الّذِي هُوَ خَيْرٌ وتَحَلّلْتُها)). [انظر الحديث ٣١٣٣ وأطرافه].
هذا الحديث لا يدل إلاَّ على أن الكفارة بعد الحنث، فحينئذٍ لا تكون المطابقة
بينه وبين الترجمة إلاَّ في قوله: ((وبعده)) أي: وبعد الحنث، وكذلك الحديث الآخر
الذي يأتي في هذا الباب لا يدل إلاَّ على أن الكفارة بعد الحنث، ولم يذكر شيئاً في هذا
الباب يدل على أن الكفارة قبل الحنث أيضاً، فكأنه اكتفى بما ذكره قبل هذا الباب عن
أبي النعمان عن حماد.
وهذا الحديث قد مر في مواضع كثيرة في فرض الخمس عن عبد الله بن
عبد الوهاب وفي المغازي عن أبي نعيم وفي الذبائح عن أبي معمر وعن يحيى عن
وكيع وفي النذور عن أبي معمر وعن قتيبة، وسيأتي في التوحيد عن عبد الله بن
عبد الوهاب، ومضى أكثر الكلام في شرحه في: باب لا تحلفوا بآبائكم.
وعلي بن حجر بضم الحاء المهملة وسكون الجيم وبالراء السعدي مات سنة أربع
وأربعين ومائتين، وإسماعيل بن إبراهيم هو ابن علية اسم أمه، وأيوب هو السختياني،
والقاسم بن عاصم التميمي، وزهدم بفتح الزاي وسكون الهاء وفتح الدال المهملة
الجرمي بفتح الجيم وسكون الراء، وأبو موسى هو عبد الله بن قيس الأشعري.
قوله: ((وكان بيننا وبين هذا الحي)) إلى قوله: ((أتينا رسول الله (وَلِ﴾)) من كلام
زهدم مع تخلل بعض القول عن أبي موسى، رضي الله تعالى عنه، لا يخفى على الناظر
المتأمل ذلك، وفي رواية الكشميهني: وكان بيننا وبينهم هذا الحي ... قال الكرماني:
الظاهر أن يقال: بينه، يعني: أبا موسى، كما تقدم في: باب لا تحلفوا بآبائكم، حيث
قال: كان بين هذا الحي من جرم وبين الأشعريين ... ثم قال: لعله جعل نفسه من
أتباع أبي موسى كواحد من الأشاعرة؟ وأراد بقوله: بيننا، أبا موسى وأتباعه الحقيقية
والادعائية. قوله: ((إخاء)) بكسر الهمزة وبالخاء المعجمة وبالمد أي: صداقة. قوله:
((ومعروف)) أي: إحسان وبر. قوله: ((فقدم طعام)) هكذا في رواية الكشميهني، وفي
رواية غيره: فقدم طعامه، أي: وضع بين يديه. قوله: ((رجل من بني تيم الله)) هو اسم
قبيلة يقال لهم أيضاً تيم اللات، وهم من قضاعة. قوله: ((أحمر)) صفة رجل أي: لم
يكن من العرب الخلص. قوله: ((كأنه مولى)) قد تقدم في فرض الخمس: كأنه من
الموالي. قوله: ((فلم يدن)) أي: فلم يقرب إلى الطعام. قوله: ((أدن))، بضم الهمزة

٣٥١
٨٤ - كتاب كفارات الأيمان / باب (١١)
وسكون الدال أمر من دنا يدنو. قوله: ((قذرته)) بكسر الذال المعجمة وفتحها أي: كرهته
لأنه كان من الجلالة. قوله: ((أخبرك)) مجزوم لأنه جواب الأمر. قوله: ((عن ذلك)) أي:
عن الطريق في حل اليمين. قوله: ((أستحمله)) أي: أطلب منه ما نركبه. قوله: ((نعماً))
بفتح النون والعين المهملة. قوله: ((قال أيوب)) هو السختياني أحد الرواة. قوله: ((والله
لا أحملكم)» قال القرطبي: فيه جواز اليمين عند المنع ورد السائل الملحف. قوله:
(بنهب)) بفتح النون وسكون الهاء بعدها باء موحدة، وأراد به الغنيمة. قوله: ((بخمس
ذود)) قد مر تفسيره عن قريب وقد مر في المغازي: بستة أبعرة، ولا منافاة إذ ذكر القليل
لا ينفي الكثير. قوله: ((غر الذرى)) أي: بيض الأسنمة، والغر بضم الغين المعجمة
وتشديد الراء جمع أغر. أي: أبيض، والذرى بضم الذال المعجمة وفتح الراء المخففة
جمع ذروة، وذروة الشيء أعلاه. وأراد بها السنام. قوله: ((فاندفعنا)) أي: سرنا
مسرعين، والدفع السير بسرعة. قوله: ((والله لئن تغفلنا)) أي: لئن طلبنا غفلته في يمينه
من غير أن نذكره ((لا نفلح أبداً) وفي رواية عبد الوهاب وعبد السلام: فلما قبضناها
قلنا: تغفلنا رسول الله ﴿، لا نفلح أبداً، وفي رواية حماد: فلما انطلقنا قلنا: ما
صنعنا؟ لا يبارك لنا. ولم يذكر النسيان. وفي رواية غيلان: لا يبارك الله لنا، وخلت
رواية يزيد عن هذه الزيادة كما خلت عما بعدها إلى آخر الحديث. قوله: ((فلنذكره)) من
الإذكار أو من التذكير، أي: فلنذكر رسول الله ◌َ* يمينه. قوله: ((أو فعرفنا)) شك من
الراوي. قوله: ((لا أحلف على يمين)) أي: محلوف يمين، فأطلق عليه لفظ يمين
للملابسة. وقال ابن الأثير: أطلق اليمين فقال: أحلف أي: أعقد شيئاً بالعزم والنية.
وقوله: ((على يمين)) تأكيد لعقده وإعلام بأنه ليس لغواً. قوله: ((غيرها)) يرجع الضمير
لليمين المقصود منها المحلوف عليه مثل الخصلة المفعولة أو المتروكة، إذ لا معنى
لإطلاق إلاَّ أحلف على الحلف. قوله: ((وتحللتها)) أي: كفرتها.
وفيه: حجة للحنفية، قال الكرماني: الحنث معصية، ثم قال: لا خلاف في أنه
إذا أتى بما هو خير من المحلوف عليه لا يكون معصية.
تابَعَهُ حَمَادُ بنُ زَيْدٍ عنْ أَيُّوبَ عنْ أَبِي قِلاَبَةَ والقاسِمِ بنِ عاصِمِ الْكُلَنِيِّ.
أي: تابع إسماعيل بن إبراهيم الذي يقال له ابن علية حماد بن زيد، وهو مرفوع
بالفاعلية في روايته، عن أيوب السختياني عن أبي قلابة بكسر القاف عبد الله بن زيد
الجرمي، والقاسم بن عاصم، والقاسم مجرور لأنه عطف على أبي قلابة، يعني أن
أيوب روى عنهما جميعاً، والكليبي بضم الكاف وفتح اللام وسكون الياء آخر الحروف
وبالباء الموحدة: نسبة إلى كليب بن حبشية في خزاعة، وإلى كليب بن وائل في تغلب،
وإلى كليب بن يربوع في تميم، وإلى كليب بن ربيعة في نخع، وقال الكرماني: هذا

٣٥٢
٨٤ - كتاب كفارات الأيمان / باب (١١)
يحتمل التعليق، وقال بعضهم: كلامه هذا يستلزم عدم التعليق، وليس كذلك، بل هو
في حكم التعليق.
قلت: لا يحتاج إلى هذا الكلام، بل هذه متابعة وقعت في الرواية عن القاسم،
ولكن حماداً ضم إليه أبا قلابة.
حدّثْنَا قُتَيْبَةَ حدثنا عَبْدُ الوَهَّابِ عنْ أَيُّوبَ عنْ أَبِي قِلاَبَةً، والقاسِمِ التَّمِيمِيِّ عنْ زَهْدَمِ
بهذا.
هذا طريق آخر في الحديث المذكور. أخرجه عن قتيبة بن سعيد عن
عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي عن أيوب السختياني ... الخ، وقد مر هذا في:
باب لا تحلفوا بآبائكم، وسيجيء أيضاً في كتاب التوحيد عن عبد الله بن عبد الوهاب.
قوله: ((بهذا)) أي: بجميع الحديث.
حدّثنا أَبُو مَعْمَرٍ حدثنا عَبْدُ الوَارِثِ حدثنا أيُوبُ عنِ القَاسِمِ عِنْ زَهْدَمٍ بِهَذَا.
هذا طريق آخر أخرجه عن أبي معمر، بفتح الميمين عبد الله بن عمرو بن أبي
الحجاج التميمي المقعد البصري عن عبد الوارث بن سعيد روايته عن أيوب إلى
آخره ... وقد مضى هذا في كتاب الذبائح، وقال الكرماني: لم قال أولاً تابعه، وثانياً
وثالثاً: حدثنا؟ ثم أجاب بأنه أشار إلى أن الأخيرين حدثاه بالاستقلال والأول مع غيره
بأن قال: هو كذلك، أو صدقه أو نحوه؟ قلت: قال بعضهم لم يظهر لي معنى قوله:
مع غيره. قلت: معناه أنه سمع غيره يذكر هذا الحديث، وصدقه هو، أو قال هو كذلك
بخلاف قوله: حدثنا في الموضعين، لأنه سمعه فيهما استقلالاً بنفسه، وفي نفس الأمر
هذا كله كلام حشو لأن الأول متابعة ظاهراً والأخيرين تحديثه إياهما ظاهراً.
١٥/ ٦٧٢٢ - حدّثني مُحَمِّدُ بنُ عَبْدِ الله، حدّثنا عُثْمانُ بنُ عُمَرَ بنِ فارِسٍ أخبرنا
ابنُ عَوْنٍ عِنِ الحَسَنِ عنْ عَبْدِ الرَّحِمْنِ بنِ سَمُرَةَ قال: قال رسولُ اللهِ وَله: ((لا تَسْأَلِ الإمارَةَ
فإنّك إنْ أُعْطِيتَها عَنْ غَيْرٍ مَسأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْها، وإنْ أعْطِيتَها عنْ مَسأَلَة وُكِلْتَ إِلَيْها، وإذَا
حَلَفْتَ عَلى بَمِينٍ فَرَأيْتَ غَيْرِها خَيْراً مِنْها فَأْتِ الْذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ)). [انظر
الحدیث ٦٦٢٢ وطرفيه].
قد ذكرنا على رأس الحديث السابق أن هذا أيضاً يطابق من الترجمة قوله: ((أو
بعده) أي: بعد الحنث.

٣٥٣
٨٤ - کتاب كفارات الأيمان / باب (١١)
ومحمد بن عبد الله هو محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس بن
ذؤيب الذهلي النيسابوري الحافظ المشهور، وقال صاحب كتاب (رجال الصحيحين):
روى عنه البخاري في قريب من ثلاثين موضعاً ولم يقل: حدثنا محمد بن يحيى الذهلي
مصرحاً بل يقول: حدثنا محمد تارة ولا يزيد عليه، وتارة يقول: حدثنا محمد بن
عبد الله، فينسبه إلى جده، وتارة يقول: حدثنا محمد بن خالد فینسبه إلى جد أبيه،
والسبب في ذلك أن البخاري لما دخل نيسابور، شغب عليه محمد بن يحيى الذهلي
في مسألة خلق اللفظ وكان قد سمع منه ولم يترك الرواية عنه ولم يصرح باسمه. ومات
محمد بن يحيى بعد البخاري بيسير، تقديره نحو سنة سبع وخمسين ومائتين،
وعثمان بن عمر بن فارس البصري مر في الغسل يروي عن عبد الله بن عون عن
الحسن البصري عن عبد الرحمن بن سمرة القرشي سكن البصرة ومات بالكوفة سنة
خمسين .
والحديث مضى في أول كتاب الأيمان والنذور فإنه أخرجه هناك عن أبي النعمان
محمد بن الفضل، ومضى الكلام فيه هناك.
قوله: ((الإمارة))، بكسر الهمزة أي: الإمرة. قوله: إن أعطيتها)) في الموضعين
على صيغة المجهول وكذلك قوله: ((أعنت، ووكلت)) وهو بتخفيف الكاف ومعناه:
وكلت إلى نفسك وعجزت. قوله: ((فرأيت)) من الرأي لا من الرؤية بالبصر. قوله:
((غيرها)) قد ذكرنا عن قريب أن مرجع الضمير لليمين ولكنه بالتأويل وهو باعتبار الخصلة
الموجودة فيه. قوله: ((وكفر عن يمينك)) هكذا بالواو وفي رواية الأكثرين، ويروى:
فيكفر، بالفاء.
تابَعَهُ أشْهَلُ عنِ ابن عَوْنٍ .
أي: تابع عثمان بن عمر في روايته عن عبد الله بن عون أشهل على وزن أحمد
بالشين المعجمة ابن حاتم، وفي بعض النسخ صرح باسم أبيه، وأشهل مرفوع لأنه فاعل
والضمير في: تابعه، منصور لأنه مفعول ووصل هذه المتابعة أبو عوانة والحاكم
والبيهقي من طريق أبي قلابة الرقاشي عن محمد بن عبد الله الأنصاري، وأشهل بن
حاتم قالا : حدثنا ابن عون به.
وتابَعَهُ يُونُسُ وسِماكُ بنُ عَطِيَةَ وسِماكُ بنُ حَزْبٍ وحُمَيْدٌ وقَتادةُ ومَنْصُورٌ وهِشَامٌ
والرَّبِيعُ.
عمدة القاري / ٢٣٣ - ٢٣٠

٣٥٤
٨٤ - کتاب كفارات الأيمان / باب (١١)
يعني هؤلاء الثمانية تابعوا عبد الله بن عون في روايته عن الحسن عن سمرة،
رضي الله تعالى عنه، قيل: وقع في نسخة من رواية أبي ذر: وحميد عن قتادة، وهو
خطأ والصواب: وحميد وقتادة، بواو العطف.
أما متابعة يونس وهو ابن عبيد بن دينار العبدي البصري فوصلها البخاري في
كتاب الأحكام في: باب من سأل الإمارة وكل إليها. قال: حدثنا أبو معمر حدثنا
عبد الوارث حدثنا يونس عن الحسن قال: حدثني عبد الرحمن بن سمرة قال: قال لي
رسول الله وَ ر: يا عبد الرحمن بن سمرة! لا تسأل الإمارة ... الحديث. وأما متابعة
سماك بكسر السين المهملة وتخفيف الميم وبالكاف ابن عطية المريدي من أهل البصرة.
فوصلها مسلم، وقال: حدثنا أبو كامل الجحدري حدثنا حماد بن زيد عن سماك بن
عطية ويونس بن عبيد وهشام بن حسان كلهم عن الحسن عن عبد الرحمن بن سمرة
عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، ثم أحاله على حديث جرير بن حازم، فإنه
أخرجه عنه فقال: حدثنا شيبان بن فروخ حدثنا جرير بن حازم حدثنا الحسن حدثنا
عبد الرحمن بن سمرة قال: قال لي رسول الله *: يا عبد الرحمن بن سمرة ...
الحديث. وأما متابعة سماك بن حرب - ضد الصلح - أبي المغيرة الكوفي فوصلها
عبد الله بن أحمد في (زياداته) والطبراني في (الكبير) من طريق حماد بن زيد عنه عن
الحسن. وأما متابعة حميد بن أبي حميد الطويل فوصلها مسلم من طريق هشيم قال:
حدثني علي بن حجر السعدي حدثنا هشيم عن يونس ومنصور وحميد عن الحسن.
وأما متابعة قتادة فوصلها مسلم أيضاً قال: حدثنا عقبة بن المكرم العمي حدثنا سعيد بن
عامر عن سعيد عن قتادة، وذكر جماعة آخرين قبله، ثم قال: كلهم عن الحسن عن
عبد الرحمن بن سمرة ... الحديث. وأما متابعة منصور هو ابن المعتمر فوصلها مسلم
أيضاً، وقد مر الآن. وأما متابعة هشام هو ابن حسان الفردوسي فوصلها أبو نعيم في
(مستخرج مسلم) من طريق حماد بن زيد عن هشام عن الحسن. وأما متابعة الربيع بفتح
الراء ابن مسلم الجمحي البصري جزم به الحافظ الدمياطي وهو من رجال مسلم. وقال
بعضهم بالظن: إنه الربيع بن صبيح بفتح الصاد وهو من رجال الترمذي وابن ماجه،
فوصلها أبو عوانة من طريق الأسود بن عامر عن الربيع بن صبيح عن الحسن، ووصلها
الحافظ يوسف بن خليل في الجزء الذي جمع فيه طرق هذا الحديث من طريق وكيع
عن الربيع عن الحسن ولم ينسب الربيع، فيحتمل أن يكون مثل ما قال الحافظ
الدمياطي، ويحتمل أن يكون مثل ما روى أبو عوانة، ولكن يؤكد قول من يقول بالجزم
دون الظن. والله أعلم.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(٨٥) كتابُ الفَرَائِضِ
أي: هذا كتاب في بيان أحكام الفرائض، وهو جمع فريضة، وهي في اللغة اسم
ما يفرض على المكلف، ومنه فرائض الصلوات والزكوات، رسميت أيضاً المواريث:
فرائض وفروضاً، لما أنها مقدرات لأصحابها، ومبينات في كتاب الله تعالى ومقطوعات
لا تجوز الزيادة عليها، ولا النقصان منها، وهي في الأصل مشتقة من الفرض وهو
القطع والتقدير والبيان، يقال: فرضت لفلان كذا، أي: قطعت له شيئاً من المال. وقال
الله تعالى: ﴿سُورَةُ أَنْزَلْتَهَا وَفَرَضْتَهَا﴾ [النور: ١] أي: قدرنا فيها الأحكام، وقد قال تعالى:
﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَجِلَّةَ أَيْمَنْكُمْ﴾ [التحريم: ٢] أي: بَيَّن كفارة أيمانكم.
١ - باب وقَوْلِهِ تَعَالى:
﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَآءُ فَوْقَ أَثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ
ثُلُثَا مَا تَرَكٌ وَإِن كَانَتْ وَحِدَةٌ فَلَهَا النِّصْفَُّ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ
إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُنُ لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ، أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلْثُّ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ
السُّدُسُّ مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَا أَوْ دَيْنٍّ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ
وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ
نَفْعًاً فَرِيضَةً مِّنَ اَللَّهِّ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (
أَزْوَجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُنْ لَّهُنَ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الزُّبُعُ مِنَا تَرَكْنَّ مِنْ
بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُؤُصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍّ وَلَهُنَ الزُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ
وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الْثُمُنُ مِمَا تَرَكْتُ مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ تُوُصُونَ
بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَلَةَّ أَوِ أَمْرَأَةٌ وَلَهُ: أَخُ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ
مِّنْهُمَا اُلُّدُسَُّ فَإِن كَانُواْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِى الثُّلُثِّ مِنْ بَعْدٍ
وَصِيٍَّ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةٌ مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيٌ﴾ [النساء: ١١ -
١٢ ]
وقول الله، بالجر عطف على قوله الفرائض، والآيتان المذكورتان سبقتا بتمامهما
٣٥٥

٣٥٦
٨٥ - كتاب الفرائض / باب (١)
في رواية أبي ذر وغيره، ساق الآية الأولى وقال بعده قوله: ﴿عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ إلى قوله:
وَاَللَّهُ عَلِيهُ حَلِيمٌ﴾ هاتان الآيتان الكريمتان والآية التي هي خاتمة السورة التي هما
منها، وهي سورة النساء، آيات علم الفرائض وهو مستنبط من هذه الآيات ومن
الأحاديث الواردة في ذلك مما هي كالتفسير لذلك، وكانت الوراثة في الجاهلية
بالرجولية والقوة، أي: كانوا يورثون الرجال دون النساء، وكان في ابتداء الإسلام أيضاً
بالمحالفة قال الله تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ يعني: الحلفاء ﴿فَشَانُوُهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾
[النساء: ٣٣] أي: أعطوهم حظهم من الميراث، فصارت بعده بالهجرة، فنسخ هذا كله
وصارت الوراثة بوجهين: بالنسب والسبب، فالسبب النكاح والولاء، والنسب القرابة.
وبحث ذلك في علم الفرائض. والذين لا يسقطون من الميراث أصلاً ستة: الأبوان
والولدان والزوجان، والذين لا يرثون أصلاً ستة: العبد والمرتد والمكاتب وأم الولد
وقاتل العمد وأهل الملتين. وزاد بعضهم أربعة أخرى وهي: التبني وجهالة الوارث
وجهالة تاريخ الموتى والارتداد، وسيجيء تفسير هذه الآيات وبيان سبب نزولها في
الأبواب التي تذكر ههنا، ولنذكر بعض شيء.
قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ أي: يأمركم بالعدل في أولادكم، وبذلك نسخ ما كانت
الجاهلية تفعله من عدم توريث النساء، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين لاحتياج الرجل
إلى مؤونة النفقة والكلفة ومقاساة التجارة والتكسب وتحمل المشقة. قوله: ﴿فَإِن كُنَّ
نِسَآءُ﴾ أي: فإن كانت المتروكات نساء فوق اثنتين يعني اثنتين فصاعداً، قيل: لفظ فوق
صلة كقوله تعالى: ﴿فَأَضْرِبُواْ فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال: ١٢] وقيل: هذا غير مسلم لا هنا ولا
هناك وليس في القرآن شيء زائد لا فائدة فيه. قوله: ﴿وَإِن كَانَتْ وَحِدَةً﴾ أي: وإن
كانت المتروكة واحدة بنتاً كانت أو امرأة، وواحدة نصب على أنه خبر: كانت، وقرىء
بالرفع على معنى: وإن وقعت واحدة، فحينئذٍ لا خبر له لأن كان تكون تامة. قوله:
﴿وَلِأَبَوَيْهِ﴾ أي: ولأبوي الميت، كناية عن غير مذكور، والقرينة دالة عليه. قوله:
﴿لِكُلِّ وَحِدٍ مِنْهُمَا﴾ أي: مِن الأبوين ﴿الشُّدُسُ مِمَّا تَرَّكَ﴾ أي: الميت إن كان له أي
للميت ولد. وقوله: ﴿وَلَدّ﴾ يشمل ولد الابن، والأب هنا صاحب فرض فإن لم يكن له
أي للميت ولد، والحال أن أبويه يرثانه فلأمه الثلث من التركة، ويعلم منه أن الباقي وهو
الثلثان للأب. قوله: ﴿فَإِن كَانَ لَهُ﴾﴾ أي للميت إخوة اثنين كان أو أكثر ذكراناً أو إناثاً
فلأمه السدس، هذا قول عامة الفقهاء، وكان ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، لا
يحجب الأم عن الثلث إلى السدس بأقل من ثلاثة إخوة، وكان يقول في أبوين وأخوين:
للأم الثلث وما بقي فللأب، اتبع ظاهر اللفظ. قوله: ﴿مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصِ بِهَا﴾ أي:
الميت. قوله: ﴿أَوْ دَيْنٌ﴾ أي: بعد دين. أجمع العلماء سلفاً وخلفاً على أن الدَّين مقدم
على الوصية، ولكن الدَّين على نوعين: دين الله ودين العباد، فدين الله إن لم يوص به

٣٥٧
٨٥ - كتاب الفرائض / باب (١)
يسقط عندنا، سواء كان صلاة أو زكاة، ويبقى عليه المأثم والمطالبة يوم القيامة. وعند
الشافعي: يلزم قضاؤه كدين العباد، أوصى أو لا: وإن بعض الدين أولى من بعض،
فدين الصحة وما ثبت بالمعاينة في المرض أو بالبينة أولى مما يثبت عليه بالإقرار عندنا .
وقال الشافعي: دين الصحة وما أقر به في مرضه سواء، وما أقر به فيه مقدم على
الوصية، ولا يصح إقراره فيه لوارثه بدين أو عين عندنا، خلافاً له في أحد قوليه: إلاَّ أن
تجيزه بقية الورثة فيجوز، وإذا اجتمع الدَّينان فدين العباد أولى عندنا، وعنده دين الله
أولى، وعنه: أنهما سواء. وأما الوصية في مقدار الثلث فمقدمة على الميراث بعد قضاء
الديون فلا يحتاج إلى إجازة الورثة. قوله: ﴿ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ أي: لا تدرون من أنفع
لكم من آبائكم وأبنائكم الذين يموتون أمن أوصى منهم أم من لم يوص؟ يعني: إن من
أوصى ببعض ماله فعرضكم لثواب الآخرة بإمضاء الوصية فهو أقرب لكم نفعاً. قال
مجاهد: في الدنيا. وقال الحسن: لا تدرون أيهم أسعد في الدين والدنيا. قوله:
﴿فَرِيضَةٌ﴾ نصب على المصدر أي: هذا الذي ذكرنا من تفصيل الميراث وإعطاء بعض
الورثة أكثر من بعض هو فرض من الله حاصله: فرض الله ذلك فريضة وحكم به وقضاه
وهو العليم الحكيم الذي يضع الأشياء في محلها ويعطي كلاماً يستحقه بحسبه. قوله:
﴿وَلَكُمْ﴾ أي: ولكم أيها الرجال ﴿نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَجُكُمْ﴾ إذا متن ولم يكن لهن
ولد. قوله: ﴿وَلَهُنَّ﴾ أي: للزوجات، وسواء في الربع أو الثمن الزوجة والزوجتان
والثلاث والأربع يشتركن فيه. قوله: ﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ﴾ صفة لرجل، وكلالة
نصب على أنه خبر: كان، وهي مشتقة من الإكليل وهو الذي يحيط بالرأس من جوانبه،
والمراد هنا من يرثه من حواشيه لا أصوله ولا فروعه: وهو من لا والد له ولا ولد،
وهكذا قال علي بن أبي طالب وابن مسعود وعبد الله بن عباس وزيد بن ثابت، رضي
الله تعالى عنهم، وبه قال الشعبي والنخعي والحسن البصري وقتادة وجابر بن زيد
والحكم، وبه يقول أهل المدينة والكوفة والبصرة، وهو قول الفقهاء السبعة والأئمة
الأربعة وجمهور الخلف والسلف بل جميعهم، وقد حكى الإجماع على ذلك غير
واحد. وقال طاوس: الكلالة ما دون الولد، وقال عطية: هي الإخوة للأم. وقال
عبيد بن عمير: هي الإخوة للأب، وقيل: هي الإخوة والأخوات. وقيل: هي ما دون
الأب. قوله: ﴿أَوِ أَمْرَأَةٌ﴾ عطف على رجل. قوله: ﴿وَلَهُ: أَخُّ أَوْ أُخْتُ﴾ ولم يقل:
ولهما، لأن المذكور الرجل والمرأة لأن العرب إذا ذكرت اسمين وأخبرت عنهما وكانا
في الحكم سواء ربما أضافت إلى أحدهما وربما أضافت إليهما جميعاً، كما في قوله
تعالى: ﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالضَلَوَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيَةُ﴾ [البقرة: ٤٥]. قوله: ﴿وَلَّهُ, أَخُّ﴾ أي: لأم
أو أخت لأم، دليله قراءة سعد بن أبي وقاص، رضي الله تعالى عنه: وله أخ أو أخت
من أم. قوله: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِى الثُّلُثِ﴾ بينهم بالسوية ذكورهم وإناثهم سواء. قوله:

٣٥٨
٨٥ - كتاب الفرائض / باب (٢)
﴿أَوْ دَيْنٍ﴾ غير مضار يعني: على الورثة وهو أن يوصي بدين ليس عليه. وروى ابن أبي
حاتم بإسناده إلى ابن عباس عن النبي ◌َّ﴿ قال: الإضرار في الوصية من الكبائر. وقال
الزمخشري: قوله: غير مضار، حال أي: يوصي بها وهو غير مضار لورثته، وذلك بأن
يوصي بزيادة على الثلث.
١/ ٦٧٢٣ - حدّثنا قتيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ، حدّثنا سُفيانُ، عنْ مُحَمَّدٍ بن المُنْكَدِرِ، سَمِعَ
جَابِرَ بنَ عَبْدِ الله، رضي الله عنهما، يَقُولُ: مَرِضْتُ فَعادَني رسولُ اللهَِ﴿ وَأَبُو بَكْرٍ وهُما
ماشيانِ، فأتياني وقَدْ أُغْمِيَ عَلَيَّ، فَتَوَضَّأ رسولُ اللهِ وَهِ فَصَبَّ عَلَيَّ وَضُوءَهُ، فأفَقْتُ
فَقُلْتُ: يا رسُولَ الله! كَيْفَ أصْنَعُ في مالي؟ كَيْفَ أقْضِي في مالي؟ فلَمْ يُجِبْنِي بِشَيْءٍ حَتَّى
نَزَلَتْ آيَةُ المَوَارِيثِ. [انظر الحديث ١٩٤ وأطرافه].
مطابقته للآيتين المذكورتين اللتين هما كالترجمة ظاهرة لأن فيهما ذكر المواريث.
وسفيان هو ابن عيينة.
والحديث مضى في الطب عن عبد الله بن محمد.
قوله: ((وهما ماشيان)) الواو فيه للحال. قوله: ((فأتياني)) ويروى فأتاني أي
رسول الله ◌َ﴾. قوله: ((وقد أغمي)) بلفظ المجهول، ((وعليّ)) بتشديد الياء. قوله:
((وضوءه)) بفتح الواو على المشهور. قوله: ((آية المواريث)) ويروى: آية الميراث، وهي
قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ ... ﴾ [النساء: ١١] إلى آخره. فإن قلت: روي أنها نزلت في سعد بن
أبي وقاص، رضي الله تعالی عنه.
قلت: لا منافاة لاحتمال أن بعضها نزل في هذا وبعضها في ذلك، أو كان في
وقت واحد.
وقال الكرماني: فيه: أنه كان ينتظر الوحي ولا يحكم بالاجتهاد ثم أجاب بقوله:
ولا يلزم من عدم اجتهاده في هذه المسألة عدم اجتهاده مطلقاً، أو كان يجتهد بعد اليأس
من الوحي، أو حيث ما تيسر عليه، أو لم يكن من المسائل التعبدية. وفيه: عيادة
المريض والمشي فيها والتبرك بآثار الصالحين وطهارة الماء المستعمل وظهور بركة أثر
الرسول وَچور .
٢ - بابُ تَعْلِيمِ الفَرائِضِ
أي: هذا باب في بيان تعليم الفرائض. قيل: لا وجه لدخول هذا في هذا الباب،
ورد بأنه حث على تعليم العلم ومن العلم الفرائض، وقد ورد حديث في الحث على
تعليم الفرائض ولكن لم يكن على شرطه فلذلك لم يذكره، وهو ما رواه أحمد
والترمذي والنسائي والحاكم وصححه من حديث ابن مسعود، رضي الله تعالى عنه:
أ

٣٥٩
٨٥ - كتاب الفرائض / باب (٢)
(تعلموا الفرائض وعلموها الناس، فإني امرؤ مقبوض، وإن العلم سيقبض حتى يختلف
الاثنان في الفريضة فلا يجدان من يفصل بينهما)).
وقال عُقْبَةُ بنُ عامِرٍ: تَعَلَّمُوا قَبْلَ الّانِينَ، يَعْنِي: الَّذِينَ يَتَكَلَّمُونَ بِالظَّنِّ.
عقبة بالقاف ابن عامر الجهني والي مصر من قبل معاوية، وليها سنة أربع وأربعين
ثم عزله بمسلمة بن مخلد، وجمع له معاوية بين مصر والمغرب، مات سنة اثنتين
وستين بالمدينة، وقيل: بمصر، وقال ابن يونس: توفي بإسكندرية، وكان عقبة ابتنى
بمصر داراً. وقال أبو عمر: توفي في آخر خلافة معاوية. وقال الواقدي: ودفن في
المقطم. وقال خليفة: توفي سنة ثمان وخمسين. قوله: ((تعلموا)) أي العلم حذف
مفعوله ليشمل كل علم ويدخل فيه علم الفرائض أيضاً، وهذا وجه المناسبة، وبهذا يرد
كلام (التوضيح): حيث قال: وأما كلام عقبة والحديث الذي بعده فلا مناسبة بينهما لما
ذكره.
قلت: من له أدنى فهم يقول بالمناسبة لما ذكرنا، على أنه يجوز أن يكون مراد
عقبة من قوله: تعلموا، أي: علم الفرائض، يريد به هذا العلم المخصوص شدة
الاهتمام به لأن الحديث الذي ذكرناه الآن يدل على شدة الاعتناء بعلم الفرائض وبتعلمه
وتعليمه، وكيف لا وقد جعله النبي ول9 نصف العلم في حديث أبي هريرة. رواه ابن
ماجه عنه: أن النبي ◌َّفي قال: ((تعلموا الفرائض وعلموها الناس فإنها نصف العلم، وهو
أول شيء ينسى من أمتي)) وروى الحاكم من حديث عبد الله بن عمرو: أن
رسول الله وَ الر قال: ((العلم ثلاثة وما سوى ذلك فهو فضل: آية محكمة، أو سنة قائمة،
أو فريضة عادلة)). قوله: ((قبل الظانين)) فسره بقوله: يعني الذين يتكلمون بالظن، قال
الكرماني: أي قبل اندراس العلم والعلماء وحدوث الذين لا يعلمون شيئاً ويتكلمون
بمقتضى ظنونهم الفاسدة.
٦٧٢٤/٢ - حدّثنا مُوسَى بنُ إسْماعِيلَ، حدّثنا وُهَيْبٌ، حدثنا ابنُ طاوُس، عَنْ أبِيهِ
عن أبي هُرَيْرَةَ قال: قال رسولُ اللهِ وَلِّ: ((إِيَّاكُمْ والظَّنَّ، فإنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ، ولا
تَحَسَّسُوا ولا تَجَسَّسُوا، ولا تَبَاغَضُوا ولا تَدَابَرُوا وكُونُوا عِبادَ الله إخواناً)). [انظر الحديث ٥١٤٣
وطرفیه].
مطابقته لأثر عقبة ظاهرة في قوله: ((إياكم والظن)) ووهيب - مصغر وهب ـ هو
ابن خالد البصري، يروي عن عبد الله بن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله تعالى
عنه .
والحديث مضى في كتاب النكاح في: باب لا يخطب على خطبة أخيه.
قوله: ((إياكم والظن)) معناه: اجتنبوه، قال المهلب: هذا الظن ليس هو الاجتهاد

٣٦٠
٨٥ - كتاب الفرائض / باب (٣)
على الظن وإنما هو الظن المنهي عنه في الكتاب والسنة وهو الذي لا يستند إلى أصل.
وقال الكرماني: والأظهر أن المراد به ظن السوء بالمسلمين لا ما يتعلق بالأحكام.
قوله: ((أكذب الحديث)) قيل: الكذب لا يقبل الزيادة والنقصان. فكيف جاء منه أفعل
التفضيل؟ وأجيب: بأن معناه الظن أكثر كذباً من سائر الأحاديث. قيل: الظن ليس
بحديث. وأجيب: بأنه حديث نفساني ومعناه: الحديث الذي منشؤه الظن أكثر كذباً من
غيره. وقال الخطابي أي: الظن منشأ أكثر الكذب. ((ولا تجسسوا)) بالجيم وهو ما تطلبه
لغيرك ((ولا تحسسوا)) بالحاء وهو ما تطلبه لنفسك. وقيل: التجسس بالجيم البحث عن
بواطن الأمور وأكثر ما يقال ذلك في الشر، وقيل: بالجيم في الخير وبالحاء في الشر،
وقال الجرمي: معناهما واحد وهما تطلب معرفة الأخبار. قوله: ((ولا تدابروا)) أي: ولا
تقاطعوا ولا تهاجروا.
٣ - بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ نَّهِ: «لا نُورَثُ، مَا تَرَكْنا صَدَقَةٌ))
أي: هذا باب في ذكر قول النبي ◌ّ له: ((لا نورث)) على صيغة المجهول، ولو
روي بكسر الراء على صيغة المعلوم لكان له وجه لصحة المعنى.
قلت: ووجه هذا أن الله عز وجل لما بعثه إلى عباده ووعده على التبليغ لدينه
والصدع بأمره الجنة، وأمره أن لا يأخذ أجراً ولا شيئاً من متاع الدنيا بقوله: ﴿قُلْ مَآ
أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ [الفرقان: ٥٧، وصّ: ٨٦] أراد ◌َّي أن لا ينسب إليه من متاع الدنيا
شيء يكون عند الناس في معنى الأجر والثمن، فلم يحل له شيء منها، وما وصل إلى
المرء وأهله فهو واصل إليه فلذلك حرم الميراث على أهله لئلا يظن به أنه جمع المال
لورثته، كما حرم عليهم الصدقات الجارية على يديه في الدنيا لئلا ينسب إلى ما تبرأ منه
في الدنيا، وكذلك سائر الرسل على ما عرف في موضعه. قوله: ((ما تركنا صدقة))
كلمة: ما، موصولة ((وتركنا)) صلة ((وصدقة)) بالرفع خبره أعني: خبر: ما، ويجوز أن
يقدر فيه لفظة هو: أي الذي تركناه هو صدقة، وهو معنى قوله: إن آل محمد لا تحل
لهم الصدقة، وعن أبي هريرة أن النبي 38 قال: ((إنا معشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا
صدقة)) فهذا عام في جميع الأنبياء عليهم السلام، ولا يعارضه قوله تعالى: ﴿وَوَرِثَ
سُلَيْمَنُ دَاوُودٌ﴾ [النمل: ١٦] لأن المراد إرث النبوة والعلم والحكم، وكذلك قوله تعالى:
﴿يَرِثُنِى وَبَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبِّ﴾ [مريم: ٦].
٦٧٢٥/٣ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ، حدثنا هِشامٌ، أخبرنا مَعْمَرٌ، عنِ الزُّهْرِيّ، عنْ
عُزوةَ، عنْ عَائِشَةَ أنَّ فاطِمَةَ والعَبَّاسَ عَلَيْهِما السّلامُ، أتَيا أبا بَكْرٍ يَلْتَمِسانِ مِيرَاثَهُما مِنْ
رسولِ الله ◌َ﴿ وَهُما حِينَئِذٍ يَطْلُبان أرْضَيْهِما مِنْ فَدَكٍ وسَهْمَهُما مِنْ خَيْبَرَ. [انظر الحديث ٣٠٩٢
وأطرافه].
!