النص المفهرس
صفحات 301-320
٣٠١
٨٣ - كتاب الأيمان والنذور / باب (١٧)
الآية نزلت في الأشعث بن قيس خاصم بعض الهيود في أرض فجحد اليهودي فقدمه
إلى النبي ﴿ فقال: ((ألك بينة؟)) قال: لا. قال لليهودي: ((أتحلف؟)) قال أشعث: إذاً
يحلف فيذهب مالي، ويجيء الآن هذا الحديث. وقال ابن كثير. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
يَشْتَرُونَ﴾ أي: يعتاضون عما هداهم الله عليه من أتباع محمد ﴿ وذكر صفته للناس
وبيان أمره عن أيمانهم الكاذبة الفاجرة الآثمة بالأثمان القليلة وهي عروض هذه الحياة
الدنيا الفانية الزائلة. قوله: ﴿أُوْلَكَ لَا خَلَقَ لَهُمْ﴾ فيها ولاحظ لهم منها. قوله: ﴿وَلَا
يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ﴾ قالوا: إن كانوا كفاراً فلا يكلمهم الله أصلاً، وإن كانوا من العصاة فلا
يسرهم الله ولا ينفعهم. قوله: ﴿وَلَا يَنْكُ إِلَيْهِمْ﴾ أي: ولا يرحمهم ولا يعطف عليهم.
قوله: ﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾ أي: ولا يثني عليهم. واحتج بهذه الآية بعض المالكية على أن
العهد يمين وكذلك الميثاق والكفالة. قوله: ((قوله عز وجل: ﴿وَلَا تَجْعَلُواْ اللَّهَ عُرْضَةٌ
لِأَيْمَنِكُمْ﴾)) وقع في رواية أبي ذر: وقول الله ﴿وَلَا تَجْعَلُواْ اللَّهَ عُرْضَةٌ﴾ وفي رواية
غيره: وقوله جل ذكره. قال النسفي: نزلت هذه الآية في أبي بكر، رضي الله تعالى
عنه، حين حلف أن لا يصل ابنه عبد الرحمن حتى يسلم، وقيل: نزلت في عبد الله بن
رواحة، وذلك أنه حلف أن لا يدخل على ختنه ولا يكلمه. قوله: ﴿عُرْضَةٌ﴾ أي علة
مانعة لكم من البر والتقوى والإصلاح فإن تحلفوا أن لا تفعلوا ذلك فتعللوا بها أو
تقولوا: حلفنا ولم تحلفوا به، وعرضة على وزن فعلة من الاعتراض، والمعترض بين
الشيئين مانع. وقال ابن عباس: عرضة، أي حجة. قوله ﴿أَن تَبَرُوا﴾ أي: على أن لا
تبروا. وكلمة: لا، مضمرة فيه كما في قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّواْ﴾
[النساء: ١٧٦] ويقال: كراهة أن تبروا. وقال سعيد بن جبير: هو الرجل يحلف أن لا يبر
ولا يصلي ولا يصلح. فيقال له فيه، فيقول: قد حلفت. قوله: ﴿وَلَا تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ
ثَمَنَّا قَلِيلًا﴾ [النحل: ٩٥] إلى قوله: ﴿ كَفِيلًا﴾ بتمامه وقع في رواية أبي ذر، وسقط جميعه
لغيره، وقال ابن بطال: في هذه الآية دليل على تأكيد الوفاء بالعهد لأنه تعالى قال:
﴿وَلَا تَنْقُضُواْ الْأَيْمَنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩١] ولم يتقدم غير ذكر العهد. قوله: ﴿وَقَدْ
جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كِفِيلًا﴾ [النحل: ٩١] أي: شهيداً في العهد، هكذا روي عن
سعيد بن جبير وعن مجاهد. يعني: وكيلاً. أخرجه ابن أبي حاتم عنه.
٦٦٧٦/٥٥ - حدّثنا مُوسَى بنُ إسْماعِيلَ، حدثنا أبُو عَوَانَةَ، عنِ الأعْمَشِ، عَنْ
أبي وائِلٍ، عنْ عَبْدِ الله رضي الله عنه، قال: قال رسولُ اللهِوَّرَ: ((مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ
صَيْرٍ يَقْتَطِعُ بِها مالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللهُ وهُوَ عَلَيْهِ غَضْبان)).
فأنْزَلَ الله تَصْدِيقَ ذُلِكَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧]
إلى آخِرِ الآيَةِ. [انظر الحديث ٢٣٥٦ وأطرافه].
٣٠٢
٨٣ - كتاب الأيمان والنذور / باب (١٧)
٦٦٧٧/٥٦ - فَدَخَلَ الأشْعَثُ بنُ قَيْسٍ فقال: ما حَدَّتَكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمُنِ؟ فقالُوا:
كَذا وكَذا. قال: فِيَّ أَنْزِلَتْ، كانَتْ لِي بِثْرٌ في أرْضِ ابنِ عَمِّ لِي، فَأَتَيْتُ رسولَ اللهِ وَو
فقال: (بَيَّنَتُكَ أوْ يَمِينُهُ)) قُلْتُ: إذاً يَخْلِفَ عَلَيْها يا رسولَ الله! فقال رسولُ اللهِوَلِهِ: ((مَنْ
خَلَفَ عَلَى يَمِينٍ صَبْرٍ وهُوَ فِيها فاجِرٌ يَقْتَطِعُ بِها مالَ امرِىءٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللهُ يَوْمَ القِيامَةِ وهُوَ
عَلَيْهِ غَضْبانُ)) .
[انظر الحديث ٢٣٥٧ وأطرافه].
مطابقته للترجمة التي هي الآية الأولى ظاهرة. وأبو عوانة بفتح العين المهملة
وتخفيف الواو الوضاح اليشكري، والأعمش سليمان، وأبو وائل شقيق بن سلمة،
وعبد الله هو ابن مسعود.
والحديث قد مضى في الشرب في: باب الخصومة في البئر والقضاء فيها، فإنه
أخرج هناك عن عبدان عن أبي حمزة عن الأعمش عن شقيق .. إلى آخره، ومر الكلام
فيه .
قوله: ((على يمين صبر)) بفتح الصاد المهملة وسكون الباء الموحدة وهي التي يلزم
ويجبر عليها حالفها، ويقال: هي أن يحبس السلطان رجلاً على يمين حتى يحلف بها،
يقال: صبرت يميني أي: حلفت بالله، وأصل الحبس، ومعناه: ما يجبر عليها. وقال
الداودي: معناه: وأن يوقف حتى يحلف على رؤوس الناس. قوله: ((وهو فيها)) الواو
للحال قوله: ((فاجر)) أي: كاذب، كذا في رواية الأعمش: فيها، وفي رواية أبي معاوية:
عليها، ووقع في رواية شعبة: على يمين كاذباً. قوله: ((يقتطع)) حال، وفي رواية
حجاج بن منهال: ليقتطع، بزيادة لام التعليل، ويقتطع يفتعل من القطع كأنه يقطعه عن
صاحبه أو يأخذ قطعة من ماله بالحلف المذكور. قوله: ((وهو عليه)) الواو للحال، وفي
رواية مسلم: وهو عنه معرض، وفي رواية أبي داود، إلاَّ لقي الله وهو أجذم، وفي
حديث أبي أمامة بن ثعلبة عند مسلم والنسائي في نحو هذا الحديث. فقد أوجب الله له
النار وحرم عليه الجنة، وفي حديث عمران عند أبي داود: فليتبوأ بوجهه مقعده من
النار. قوله: ((فأنزل الله تصديق ذلك)) أي: تصديق قوله ◌َ﴾. فإن قلت: قد تقدم في
تفسير سورة آل عمران أنها نزلت فيمن أقام سلعته بعد العصر، فحلف كاذباً .
قلت: يجوز أن تكون نزلت في الأمرين معاً في وقت واحد، واللفظ عام متناول
للقضيتين ولغيرهما. قوله: ((ما حدثكم أبو عبد الرحمن))؟ هو كنية عبد الله بن مسعود.
فإن قلت: هنا: فدخل الأشعث بن قيس، وفي رواية في كتاب الرهن: ثم إن
الأشعث بن قيس خرج إلينا فقال: ما يحدثكم أبو عبد الرحمن.
قلت: الجمع بین الروایتین بأن يقال: إنه خرج عليهم من مکان کان فيه فدخل
٣٠٣
٨٣ - كتاب الأيمان والنذور / باب (١٧)
المكان الذي كانوا فيه. فإن قلت: سيأتي في الأحكام في رواية الثوري عن الأعمش
ومنصور جمیعاً: فجاء الأشعٹ وعبد الله يحدثهم.
قلت: التوفيق هنا أن يقال: إن خروج الأشعث من مكانه الذي كان فيه إلى
المكان الذي كان فيه عبد الله وقع وعبد الله يحدثهم، فلعل الأشعث تشاغل بشيء فلم
يدرك تحديث عبد الله، فسأل أصحابه بقوله: ((ما حدثكم أبو عبد الرحمن؟)) قوله:
((فقالوا: كذا وكذا)) ويروى: قالوا، بدون الفاء، وفي رواية جرير: فحدثناه يعني
الأشعث، وبيَّن شعبة في روايته أن الذي حدثه بما حدثهم به عبد الله بن مسعود هو أبو
وائل الراوي شقيق بن سلمة. فإن قلت: قد مر في الأشخاص: قال: فلقيني
الأشعث بن قيس فقال: ما حدثكم عبد الله اليوم؟. قلت: كذا وكذا.
قلت: ليس بين الروايتين منافاة لأنه إنما أفرده في هذه الرواية لكونه المجيب.
قوله: ((قال: فيّ أنزلت)) أي: قال الأشعث، فيّ أنزلت هذه الآية، وكلمة: في، بكسر
الفاء وتشديد الياء. قوله: ((كانت لي بئر)) كذا هو في رواية الكشميهني: كانت،
بالتأنيث، وفي رواية غيره: كان بالتذكير. قوله: ((كانت لي بئر)) في رواية أبي معاوية:
أرض، وادعى الإسماعيلي في الشرب أن أبا حمزة تفرد بقوله: في بئر، وليس كما
قال، فقد وافقه أبو عوانة كما ترى، وكذا وقع عند أحمد من رواية عاصم عن شقيق:
في بئر، ووقع في رواية جرير عن منصور: في شيء. قوله: ((ابن عم لي)) كذا وقع
للأكثرين أن الخصومة كانت في بئر يدعيها الأشعث في أرض لخصمه. فإن قلت: في
رواية أبي معاوية: كان بيني وبين رجل من اليهود أرض فجحدني.
قلت: المراد أرض البئر لا جميع الأرض التي من جملتها أرض البئر، ولا منافاة
بين قوله: ابن عم لي، وبين قوله: من اليهود، لأن جماعة من أهل اليمن كانوا يهوداً،
لما غلب يوسف ذو نواس على اليمين وطرد عنها الحبشة فجاء الإسلام وهم على
ذلك، وقد أخرج الطبراني من طريق الشعبي عن الأشعث قال: خاصم رجل من
المخضرمين رجلاً منا يقال له: الخفشيش إلى النبي ﴿ في أرض له فقال النبي وَيه
للمخضرم، جىء بشهودك على حقك وإلاَّ حلف لك ... الحديث، وهذا مخالف
لسياق ما في الصحيح، فإن كان ثابتاً حمل على تعدل القضية. قوله: ((بينتك)) بالنصب
أي: أحضر أو اطلب بينتك، بالنصب ويروى: بالرفع، أي: المطلوب بينتك. أو يمينه
إن لم تكن لك بينة، وفي رواية أبي معاوية: وقال: ألك بينة؟. قلت: لا. فقال
لليهودي: احلف. وفي رواية أبي حمزة: فقال: ألك شهود؟.
قلت: ما لي شهود. قال: فيمينه. وفي رواية وكيع عند مسلم: ألك عليه بينة؟
وفي رواية جرير عن منصور: شاهداك أو يمينه. قوله: ((إذاً يحلف)) جواب وجزاء
بنصب يحلف.
٣٠٤
٨٣ - كتاب الأيمان والنذور / باب (١٨)
١٨ - بابُ اليَمِينِ فِيما لا يَمْلِكُ وفي المَعْصِيَةِ وفي الغَضَبِ
أي: هذا باب في بيان حكم اليمين فيما لا يملكه الحالف، وفي اليمين في
المعصية وفي اليمين في حالة الغضب، فذكر ثلاثة أحاديث لكل واحد من هذه الثلاثة
حديثاً على الترتيب، يفهم حكم كل واحد من كل واحد من الأحاديث الثلاثة.
٦٦٧٨/٥٧ - حدّثني مُحَمَّدُ بنُ العلاءِ، حدّثنا أبُو أُسامَةَ، عنْ بُرَيْد، عن أبي
بُرْدَةً، عن أبي مُوسَى قال: أرْسَلَنِي أصحابي إلى النبيِّ وَّ أسألُهُ الحُمْلاَنَ. فقال: ((والله لا
أخْمِلُكُمْ عَلَى شَيْءٍ» ووافقْتُهُ وهُوَ غَضْبَانُ، فلمَّا أَتَيْتُهُ قال: «انْطَلِقْ إلى أصحابِكَ فَقُلْ: إنَّ
الله - أوْ: إِنَّ رسولَ اللهِ وَ﴿ يَحْمِلُكُمْ)). [انظر الحديث ٣١٣٣ وأطرافه].
مطابقته للجزء الأول للترجمة وهو اليمين فيما لا يملك.
وهذا الحديث بعين هذا الإسناد مر في أول: باب غزوة تبوك، فإنه أخرجه هناك
أيضاً عن محمد بن العلاء عن أبي أسامة عن بريد بضم الباء الموحدة وفتح الراء
وسكون الياء آخر الحروف ابن عبد الله بن أبي بردة اسمه عامر، وقيل: الحارث عن
أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري، وبريد هذا يروي عن جده أبي بردة، وأبو بردة
يروي عن أبيه أبي موسى، وهنا اختصره، وحاصل الكلام أن النبي وَّ حلف أن لا
يحملهم ولم يكن مالكاً لما سألوه في ذلك الوقت، ثم أرسل بلالاً وراء أبي موسى
وأعطاه ستة أبعرة، ثم إنه * حذر عن يمينه فدل هذا على انعقاد يمينه. وقال ابن
بطال: ومثال هذا أن يحلف رجل على أن لا يهب أو لا يتصدق أو لا يعتق وهو في
هذه الحالة لا يملك شيئاً من ذلك، ثم حصل له مال بعد ذلك فوهب أو تصدق أو
أعتق، فعند جماعة الفقهاء: تلزمه الكفارة كما فعل الشارع بالأشعريين أنه حلل عن
يمينه وأتى بالذي هو خير، ولو حلف أن لا يهب أو لا يتصدق ما دام معدماً وجعل
العدم علة لامتناعه من ذلك، ثم حصل له مال بعد ذلك لم يلزمه عند الفقهاء كفارة إن
وهب أو تصدق، لأنه إنما وقع يمينه على حالة العدم لا على حالة الوجود. وفي
(التوضيح): إذا حلف الرجل بعتق ما لا يملك إن ملكه في المستقبل؟ فقال مالك: إن
عين أحداً أو قبيلة أو جنساً لزمه العتق، وإن قال: كل مملوك أملكه أبداً حر، لم يلزمه
عتق، وكذلك في الطلاق إن عين قبيلة أو بلدة أو صفة ما، لزمه الحنث، وإن لم يعين
لم يلزمه. وقال أبو حنيفة وأصحابه: يلزمه الطلاق والعتق سواء عم أو خص. وقال
الشافعي: لا يلزمه خص أو عم.
قوله: ((أسأله الحملان)) بضم الحاء المهملة وسكون الميم وهو ما يحمل عليه من
الدواب في الهبة خاصة. قوله: ((والله)) معترض بين القول ومقوله. قوله: ((ووافقته)) أي:
٣٠٥
٨٣ - كتاب الأيمان والنذور / باب (١٨)
النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، والحال أنه غضبان، وجمهور الفقهاء يلزمون
الغاضب الكفارة ويجعلون غضبه مؤكداً ليمينه، روي عن ابن عباس: أن الغضبان يمينه
لغو ولا كفارة فيها. وروي عن مسروق والشعبي وجماعة: أن الغضبان لا يلزمه شيء لا
طلاق ولا عتاق، واحتجوا بقوله وَل9: لا طلاق في إغلاق ولا عتق قبل ملك. وفي
حديث الأشعريين رد لهذه المقالة لأن الشارع حلف وهو غاضب ثم قال: ((والله لا
أحلف على يمين ... )) الحديث. وأما حديث: ((لا طلاق في إغلاق)) فليس بثابت ولا
مما يعارض به مثل حديث الأشعريين ونحوه.
والحديث أخرجه أبو داود وابن ماجه واستدركه الحاكم، وقال: صحيح على
شرط مسلم. أخرجوه من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، وقال أبو داود: أظنه في
الغضب، وقال غيره: الإغلاق الإكراه والمحفوظ: إغلاق، كما هو لفظ ابن ماجه
والحاكم، ولفظ أبي داود: غلاق، وأما حديث: ((لا عتق قبل ملك))، فهو من حديث
عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعاً: ((لا طلاق إلاَّ فيما يملك)) رواه الأربعة
والحاكم، ورواه أبو داود بإسناد صحيح، وقال الترمذي: حديث حسن، وتأول
المدنيون والكوفيون الإغلاق على الإكراه. قوله: ((فلما أتيته)) أي: النبي وَل *، أي: مرة
أخرى بعد ذلك.
٦٦٧٩/٥٨ - حدّثنا عبْدُ العَزِيزِ، حدثنا إبْرَاهِيمُ، عنْ صالِحٍ، عن ابن شِهابٍ.
(ح) وحدثنا الحَجَّاجُ، حدثنا عَبْدُ الله بنُ عُمَرَ النُّمَيْرِيُّ، حدثنا يُونُسُ بَنُ يَزِيدَ الأنْلِيُّ قال:
سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ قال: سَمِعْتُ عُزْوَةَ بنَ الزُّبَيْرِ وسَعيدَ بِنَ المُسَيَّبِ وعَلْقَمَةَ بنَ وقّاصٍ
وعُبَيْدَ الله بنَ عَبْدِ اللهِ بنِ عُتْبَةَ عنْ حَدِيثٍ عَائِشَةَ رضي الله عنها، زَوْجِ النبيِّ وَ ﴿ حِينَ قال
لَها أهْلُ الإفْكِ ما قالُوا، فَبَرَّأها الله ممَّا قالُوا، كُلِّ حدّثني طائِفَةٌ مِنَ الحَدِيثِ، فَأَنْزَلَ الله
﴿إِنَّ الَّذِينَ جَُو بِآلْإِكِ ... ﴾ [النور: ١١] العَشْرَ الآياتِ كلَّها في بَرَاءَتِي، فقال أبُو بَكْرِ الصِّدِّيقُ،
وكانَ يُنْفِقُ عَلى مِسْطَح لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ: والله لا أُنْفِقُ عَلى مِسْطَحِ شَيْئاً أَبَداً بَعْدَ الّذِي قال
لِعَائِشَة، فَأَنْزَل الله: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنَكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُواْ أُوْلِ الْقُرْبَ﴾ [النور: ٢٢] الآية.
قال أبُو بَكْرٍ: بلى والله إنِّي لأَحبُّ أنُ يَغْفِرَ الله لي، فَرَجَعَ إلى مِسْطَحِ النّفْقَةَ الَّتِي كانَ يُنْفِقُ
عَلَيْهِ، وقال: والله لا أنْزِعُها عنْهُ أبَداً .
[انظر الحديث ٢٥٩٣ وأطرافه].
مطابقته للجزء الثاني للترجمة في قوله: ((والله لا أنفق على مسطح شيئاً أبداً» وهو
مطابق لترك اليمين في المعصية لأنه حلف أن لا ينفع مسطحاً أبداً لكلامه في عائشة،
فكان حالفاً على ترك طاعة فنهي عن الاستمرار على ما حلف عليه، فيكون النهي عن
الحلف على فعل المعصية بطريق الأولى.
٣٠٦
٨٣ - كتاب الأيمان والنذور / باب (١٩)
ثم إنه أخرج هذه القطعة من حديث الإفك المطول من طريقين: الأول: عن
عبد العزيز بن عبد الله الأويسي عن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن
عوف عن صالح بن كيسان عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري. والثاني: عن
حجاج بن منهال عن عبد الله بن عمر النميري بضم النون وفتح الميم وسكون الياء آخر
الحروف عن يونس بن يزيد الأيلي بفتح الهمزة وسكون الياء آخر الحروف، نسبة إلى
مدينة أيلة على ساحل بحر القلزم مما يلي الشام، وهي اليوم خرابة.
قوله: ((وطائفة)) أي: قطعة. وقد مضى الكلام فيه مستوفَى في: باب حديث
الإفك، في كتاب المغازي.
٦٦٨٠/٥٩ - حدّثنا أبُو معْمَرٍ، حدّثنا عبْدُ الوَارِثِ، حدثنا أيُّوبُ، عنِ القاسِمِ،
عنْ زَهْدَم قال: كُنَّا عِنْدَ أبي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ فَقال: أتَيْتُ رسولَ اللهِ وَّهِ فِي نَفَرٍ مِنَ
الأشْعَرِيِّينّ فَوَافَقْتُهُ وهُوَ غَضْبانُ، فاسْتَحْمَلْنَاهُ فَحَلَف أنْ لا يَحْمِلَنا، ثُمَّ قال: ((والله إنْ شاءَ
الله لا أخلِفُ عَلى يَمِينٍ، فأرى غيْرَها خَيْراً مِنْها إلاّ أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَتَحَلَّلْتُها)). [انظر
الحديث ٣١٣٣ وأطرافه].
مطابقته للجزء الثالث من الترجمة في قوله: ((فوافقته وهو غضبان، فاستحملناه
فحلف أن لا يحملنا)) وقد مر الكلام في حلف الغاضب عن قريب في الحديث الأول.
وأخرجه عن أبي معمر بفتح الميمين عبد الله بن عمرو، وعن عبد الوارث بن
سعيد عن أيوب السختياني عن القاسم بن عاصم عن زهدم بفتح الزاي وسكون الهاء
وفتح الدال المهملة ابن مضرب الجرمي إلى آخره ... وقد مر هذا الحديث بأتم منه عن
قريب في، باب لا تحلفوا بآبائكم، فإنه أخرجه عن قتيبة عن عبد الوهاب عن أيوب عن
أبي قلابة والقاسم التميمي عن زهدم ... إلى آخره، وقد مر الكلام فيه.
١٩ - بابٌ إذا قال: والله لا أتَكَلَّمُ اليَوْمَ،
فصَلَّى أوْ قَرَأْ أوْ سَبَّحَ أوْ كَبَّرَ أوْ حَمِدَ أوْ هَلَّلَ، فَهْوَ عَلَى نِيَّتِهِ
أي: هذا باب في بيان ما إذا قال شخص: والله ... إلى آخره، قوله: ((فهو على
نيته)) يعني: إن قصد بالكلام ما هو كلام عرفاً لا يحنث بهذه الأذكار والقراءة والصلاة،
وإن قصد الأعم يحنث بها، قاله الكرماني وقال صاحب (التوضيح): أي إذا كانت نيته
لا يتكلم في شيء من أمر الدنيا فلا حنث عليه إذا سبح، وقال ابن بطال: المعنى في
الحالف أن لا يتكلم اليوم أنه محمول على كلام الناس لا على التلاوة والتسبيح، وقال
أصحابنا: حلف أن لا يتكلم فقرأ القرآن في صلاته أو سبح لم يحنث وإن قرأ في غير
الصلاة يحنث، خلافاً للشافعي، والقياس أن يحنث فيهما. وقال الفقيه أبو الليث: إن
٣٠٧
٨٣ - كتاب الأيمان والنذور / باب (١٩)
عقد اليمين بالعربية فكذلك، وإن عقدها بالفارسية لا يحنث إذا قرأ القرآن أو سبح في
غير صلاته.
وقال النبيُّ ◌َّهِ: ((أَفْضَلُ الكَلامِ أَرْبَعْ: سُبْحانَ الله، والحَمْدُ لله، ولا إلهَ إلاّ الله، والله
أكبرُ)).
مطابقته للترجمة من حيث إن غرض البخاري بيان أن الأذكار ونحوها كلام،
وكلمة: فيحنث بها، قيل: هذا من الأحاديث التي لم يصلها البخاري في موضع آخر،
وقد وصله النسائي من طريق ضرار بن مرة عن أبي صالح عن أبي سعيد وأبي هريرة
مرفوعاً بلفظه. وأخرجه مسلم من حديث سمرة بن جندب لكن بلفظ: أحب الكلام،
ووجه أفضليته أن فيه إشارة إلى جميع صفات الله عز وجل عدمية ووجودية إجمالاً، لأن
التسبيح إشارة إلى تنزيه الله تعالى عن النقائص والتحميد إلى وصفه بالكمال. فالأول: فيه
النقصان. والثاني: فيه إثبات الكمال. والثالث: إلى تخصيص ما هو أصل الدين وأساس
الإيمان، يعني: التوحيد. والرابع: إلى أنه أكبر مما عرفناه، سبحانك ما عرفناك حق
معرفتك.
وقال: أَبُو سُفْيانَ: كَتَبَ النبيُّ نَِّ إلى هِزْقَلَ: ﴿تَعَالَوْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوٍَّ بَيْنَنَا
وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤].
أبو سفيان صخر بن حرب بن أمية أبو معاوية، وهذا طرف من حديث طويل
أخرجه في أول الكتاب، وأراد به هنا الإشارة إلا أن لفظ: الكلمة، قد يطلق على الكلام
من باب إطلاق البعض على الكل، مثلاً إذا أطلق لفظ: كلمة، على مثل: سبحان الله
والحمد لله ... إلى آخره، يكون المراد منها الكلام، كما يقال: كلمة التوحيد، وهي
تشتمل على كلمات.
وقال مُجاهدٌ: كَلِمَةُ التَّقْوى: لا إلهَ إلاّ الله.
أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿وَأَلْزَّمَهُمْ كَلِمَةَ النَّقْوَى﴾ [الفتح: ٢٦] أي: لا إله
إلاَّ الله، فإن: لا إله إلا الله، كلام أطلق عليه الكلمة.
٦٠/ ٦٦٨١ - حدّثنا أبو اليَمانِ، أخبرنا شُعَيْبٌ، عن الزُّهْرِيِّ قال: أخبرني
سَعِيدُ بنُ المُسَيَّب عنْ أَبِيهِ قال: لَمَّا حَضَرَتْ أبا طالِبِ الوَفاءُ جاءَهُ رسولُ اللهِِّ فقال:
((قُلْ: لا إلهَ إلاّ الله، كَلِمَةً أُحَاجٌّ لَكَ بها عِنْدَ الله)). [انظر الحديث ١٣٦٠ وأطرافه].
الكلام في ذكر هذا هنا مثل الكلام الذي ذكرناه الآن فيما قبله، فإنه أطلق على
قول: ((لا إله إلا الله)) كلمة، وهذا مختصر تقدم تمامه في قصة أبي طالب في آخر كتاب
فضائل الصحابة .
٣٠٨
٨٣ - كتاب الأيمان والنذور / باب (١٩)
وأبو اليمان الحكم بن نافع، والمسيب بفتح الياء وكسرها، وقال الكرماني:
قالوا: هذا مما يبطل القاعدة القائلة بأن شرط البخاري أن لا يروي عن شخص حتى
یکون له راويان، وليس للمسيب إلاَّ راوٍ واحدٍ وهو ابنه فقط.
قوله: ((كلمة)) بالنصب على أنه في محل: لا إله إلاَّ الله، ويجوز رفعها على
تقدير: هي كلمة. قوله: ((أحاج)) بضم الهمزة وأصله: أحاجج، يعني: أظهر لك بها
الحجة عند الله، يعني: يوم القيامة.
٦٦٨٢/٦١ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ، حدثنا مُحَمَّدُ بنُ فُضَيْلٍ، حدّثنا عمارَةُ بنُ
القَعْقاعِ، عن أبي زُرْعَةَ، عنْ أبي هُرَيْرَةَ قال: قال رسولُ اللهِوَهِ: ((كَلِمِتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلى اللِسانِ
ثَقِيلتانِ فِي المِيزانِ، حبيبتانِ إلى الرَّحْمُنِ: سُبْحانَ الله وبِحَمْدِهِ، سُبْحانَ اللهُ العَظِيمِ)). [انظر
الحديث ٦٤٠٦ وطرفه].
الكلام فيه مثل الكلام فيما قبله. وأبو زرعة هرم البجلي.
والحديث قد مضى في كتاب الدعوات في: باب فضل التسبيح، فإنه أخرجه هناك عن
زهير بن حرب عن ابن فضيل ... إلى آخره نحوه، وسيجيء في آخر الكتاب عند ختمه إن
شاء الله تعالى.
٦٦٨٣/٦٢ - حدّثنا مُوسى بنُ إسْماعِيلَ، حدّثنا عَبْدُ الواحِدِ، حدثنا الأعْمَشُ،
عنْ شَقِيقٍ، عنْ عَبْدِ الله، رضي الله عنه، قال: قال رسولُ الله ﴿ كَلِمَةٌ وَقُلْتُ أُخْرَى:
(مَنْ مات يَجْعَلُ الله نِذاً أُدْخِلَ النَّارَ، وقُلْتُ أُخْرَىُ: مَنْ ماتَ لا يَجْعَلُ الله نِدَاً أدْخِلَ الجَنَّةَ)).
[انظر الحديث ١٢٣٨ وطرفه].
هو أيضاً مثل ما قبله من إطلاق الكلمة على الكلام، وعبد الواحد هو ابن زياد،
والأعمش سليمان، وشقيق هو ابن سلمة أبو وائل، وعبد الله هو ابن مسعود، رضي الله
تعالى عنه.
قوله: ((قال رسول الله وَلقر، كلمة)) وهي قوله: ((من مات وهو يشرك بالله شيئاً
دخل النار)). قوله: ((وقلت أخرى)) من كلام ابن مسعود أي: قلت أنا أخرى، وهي ((من
مات لا يجعل الله نداً أدخل الجنة)) وهذا مر في أول كتاب الجنائز فإنه أخرجه هناك عن
عمر بن حفص عن أبيه عن الأعمش إلى آخره. قوله: ((ندا)) بكسر النون وتشديد الدال:
المثل والنظير. وقال الكرماني العكس، الظاهر أن يقال: من مات لا يجعل لله نداً لا
يدخل النار، ثم قال: هذا هو الصحيح، لأن الموحد ربما يدخل النار، لكن دخول
الجنة محقق لا شك فيه. وإن كان آخراً. انتهى. قلت: كلامه في كلام ابن مسعود،
فافهم.
٣٠٩
٨٣ - كتاب الأيمان والنذور / باب (٢٠ و٢١)
٢٠ - بابُ مَنْ حَلَف أنْ لا يَدْخُلَ عَلى أهْلِهِ شَهْراً وكانَ الشَّهْرُ تِسْعاً وعِشْرِينَ
أي: هذا باب في بيان من حلف أن لا يدخل على أهله شهراً. واتفق أن الشهر
كان تسعاً وعشرين يوماً. أي: ناقصاً، ثم دخل عليه فلا يحنث لأن الشهر يكون تسعاً
وعشرين، وهذا لا خلاف فيه إذا حلف في أول جزء من الشهر، وأما إذا حلف في أثناء
الشهر يتعين أن يلفق ثلاثين يوماً عند الجمهور. وقالت طائفة من المالكية، منهم
عبد الحكم: یکتفی بتسع وعشرين.
٦٦٨٤/٦٣ - حدّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله، حدّثنا سُلَيْمانُ بنُ بِلالٍ، عنْ حُمَيْدٍ،
عنْ أَنَسٍ قال: آلى رسولُ اللهِ وَّهِ مِنْ نِسَائِهِ، وكانَتِ انْفَكْتْ رِجْلُهُ فأقام في مَشْرُبَةٍ تِسْعاً
وعِشْرِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ نَزَل فقالوا: يا رسولَ الله! آلَيْتَ شَهْراً. فقال: ((إنَّ الشَّهْرَ يَكُونَ تِسْعاً
وعِشْرِينَ)).
[انظر الحديث ٣٧٨ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة. والحديث مضى في الصوم عن عبد العزيز أيضاً، وفي
النكاح عن خالد بن مخلد، وفي الطلاق عن إسماعيل بن أبي أويس.
قوله: ((آلى)) أي: حلف وليس المراد منه الإيلاء الفقهي. قوله: ((في مشربة)) بفتح
الميم وسكون الشين المعجمة وضم الراء وفتحها: الغرفة.
٢١ - بابٌ إِنْ حَلَفَ أنْ لا يَشْرَبَ نَبِيذاً فَشَرِبَ طِلاءً أوْ سَكَراً أوْ عَصِيراً لَمْ يَحْنَثْ
في قَوْلٍ بَعْضِ النَّاسِ، ولَيْسَتْ هُذِهِ بِاتْبِذَةٍ عِنْدَهُ
أي: هذا باب يذكر فيه: إن حلف شخص أن لا يشرب نبيذاً ... إلى آخره، والنبيذ
فعيل بمعنى مفعول، وهو الذي يعمل من الأشربة من: التمر والزبيب والعسل والحنطة
والشعير والذرة والأرز ونحو ذلك، من نبذت التمر إذا ألقيت عليه الماء ليخرج عليه
حلاوته، سواء كان مسكراً أو غير مسكر، فإنه يقال له: نبيذ، ويقال للخمر المعتصر من
العنب: نبيذ، كما يقال للنبيذ خمر. قوله: طلاء، بكسر الطاء المهملة والمد، ويروى:
الطلاء، بالألف واللام. وقال ابن الأثير: هو الشراب المطبوخ من العنب وهو الرب،
وأصله القطران الخائر الذي يطلى به الإبل، وقال أصحابنا: الطلاء الذي يذهب ثلثه وإن
ذهب نصفه فهو المنصف، وإن طبخ أدنى طبخه فهو الباذق، والكل حرام إذا غلا واشتد
وقذف بالزبد. قوله: ((أو سكراً)) بفتحتين وهو نقيع الرطب وهو أيضاً حرام إذا غلا واشتد
وقذف بالزبد، وقال الكرماني: السكر نبيذ يتخذ من التمر. قوله: ((لم يحنث في قول بعض
الناس)) قال ابن بطال: مراد البخاري ببعض الناس أبو حنيفة ومن تبعه، فإنهم قالوا: إن
الطلاء والعصير ليسا نبيذاً لأن النبيذ في الحقيقة ما نبذ في الماء ونقع فيه ومنه سمي المنبوذ
٣١٠
٨٣ - كتاب الأيمان والنذور / باب (٢١)
منبوذاً لأنه ينبذ ويطرح، فأراد البخاري الرد عليهم، ورد عليه من ليس له تعصب، فقال:
الذي قاله هذا الشارح بمعزل عن مقصود البخاري، وإنما أراد تصويب قول أبي حنيفة، ومن
قال: لم يحنث ولا يضره. قوله: ((بعده)) في قول بعض الناس فإنه لو أراد خلافه لترجم على
أنه يحنث، وكيف يترجم على وفق مذهب ويخالفه؟ انتهى.
ثم حسن بعضهم ممن لم يدرك دقائق مذهب أبي حنيفة كلام ابن بطال، فقال:
والذي فهمه ابن بطال أوجه وأقرب إلى مراد البخاري، وليت شعري ما وجه الأوجهية
والقرب وأبو حنيفة ما رأى من شرب الطلاء، إلا الطلاء الذي كان يشربه أنس بن
مالك، رضي الله تعالى عنه، وروى ابن أبي شيبة فقال: حدثنا عبد الرحيم بن سليمان
ووكيع عن عبيدة عن خيثمة عن أنس، رضي الله تعالى عنه، أنه كان يشرب الطلاء على
النصف، وكذا روي عن البراء وأبي جحيفة وجرير بن عبد الله وابن الحنفية وشريح
القاضي وقيس بن سعد وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي والشعبي، وقال الطحاوي:
حدثنا فهد قال: حدثنا أحمد بن يونس قال: حدثنا أبو شهاب عن ابن أبي ليلى عن
عيسى أن أباه بعثه إلى أنس بن مالك في حاجة فأبصر عنده طلاء شديداً، واسم أبي
شهاب عبد ربه بن نافع الحناط بالنون الكوفي، وابن أبي ليلى هو محمد بن
عبد الرحمن بن أبي ليلى القاضي الكوفي، وهو يروي عن أخيه عيسى بن
عبد الرحمن.
قوله: ((وليست هذه)) أي: الطلاء والسكر والعصير ليست بأنبذة، وفي رواية
الكشميهني: وليس. قوله: ((عنده))، أي: عند بعض الناس وهو أبو حنيفة وفيه نظر لأنه
يحتاج إلى دليل ظاهر أنه نقل هكذا عن أبي حنيفة، ولئن سلمنا ذلك فمعناه أن كل
واحد منها يسمى باسم خاص، وإن كان يطلق عليها اسم النبيذ في الأصل. فإن قلت:
فعلى هذا من حلف على أنه لا يشرب نبيذاً فشرب شيئاً من هذه الثلاثة ينبغي أن لا
يحنث.
قلت: إن نوى تعيين أحد هذه الأشياء ينبغي أن لا يحنث، وإن أطلق يحنث
بالنظر إلى أصل المعنى لا بالنظر إلى العرف.
٦٦٨٥/٦٤ - حدّثني عَلِي سَمعَ عَبْدَ العَزِيزِ بنَ أبي حازمٍ، أخبرَنِي أبي عنْ
سَهْلٍ بنِ سَعْدٍ، أنَّ أبا أسَيْدٍ صاحِبَ النبيِّ ◌َ ﴿ أَعْرَس، فَدَعا النبيِّ وَّ لِعُرْسِهِ فَكَانَتِ
العَرُوسُ خادِمَهُمْ، فقال سَهْلٌ لِلْقَوْمِ: هَلْ تَدْرُونَ ما سَقَتْهُ؟ قال: أَنْقَعَتْ لهُ تَمْراً في تَوْرٍ مِنَ
اللَّيْلِ حتَّى أصْبَحَ عَلَيْهِ فَسَقَتْهُ إِيَّهُ. [انظر الحديث ٥١٧٦ وأطرافه].
قال الكرماني مناسبة الحديث للباب مفهوم نبيذ، إذ المتبادر إلى الذهن منه أن
العروس المذكورة فيه سقت المتخذ من التمر، ففيه الرد على بعض الناس. وقال صاحب
٣١١
٨٣ - كتاب الأيمان والنذور / باب (٢١)
(التوضيح): وجه تعلق البخاري من حديث سهل في الرد على أبي حنيفة وهو أن سهلاً
إنما عرف أصحابه أنه لم تسق الشارع إلا نبيذاً قريب العهد بالانتباذ مما يحل شربه، ألا
ترى قوله: ((أنقعت له تمراً في تور من الليل حتى أصبح عليه فسقته إياه؟)) وهكذا كان ينبذ
له *، ليلاً ويشربه غدوة، وينبذ له غدوة ويشربه عشية انتهى.
قلت: ليس في حديث سهل رد قط على أبي حنيفة لأنه لم ينف اسم النبيذ عن
المتخذ من التمر، وإنما قال: الطلاء والسكر والعصير ليست بأنبذة على تقدير صحة
النقل عنه بذلك، لأن كلّاً منها يسمى باسم خاص، كما ذكرناه الآن.
وعلي شيخ البخاري فيه هو ابن المديني، وعبد العزيز فيه يروي عن أبيه أبي
حازم سلمة بن دينار الأعرج، وهو يروي عن سهل بن سعد الساعدي الأنصاري، كان
اسمه حزناً فسماء النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، سهلاً، وأبو أسيد، بضم
الهمزة مصغر الأسد: مالك الساعدي.
والحديث قد مضى في كتاب الأشربة في: باب الانتباذ في الأوعية. قوله:
(صاحب النبي (وَّ﴾)، ذكر لفظ: صاحب، إما استلذاذاً وإما افتخاراً وإما تعظيماً له، وإما
تفهيماً لمن لا يعرفه. قوله: ((فكانت العروس))، على وزن: فعول يستوي فيه الذكر
والأنثى والمراد به هنا الزوجة. قوله: ((خادمهم))، بالتذكير لأنه يطلق على الرجل والمرأة
كليهما. قوله: ((في تور))، بفتح التاء المثناة من فوق وسكون الواو وبالراء هو إناء من
صفر أو حجر كالأجانة وقد يتوضأ منه. قوله: ((فسقته إياه))، أي: فسقت العروس
المذكورة النبي و 38 إياه، أي: التمر المنقوع في التور.
٦٦٨٦/٦٥ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ مُقاتِلٍ، أخبرنا عَبْدُ الله، أخبرنا إسْماعِيلُ بن أبي
خالِدٍ، عن الشَّغْبِيِّ، عنْ عِكْرِمَةَ، عن ابن عَبَّاسٍ، رضي الله عنهما، عنْ سَوْدَةَ زَوْجِ
النبيِ ﴿ قَالَتْ: ماتَتْ لَنا شاةٌ فَدَبَغْنا مَسْكَها ثُمَّ ما زِلْنا نَشِْذُ فِيهِ حتَّى صارَتْ شَئاً.
قيل: مطابقته للترجمة في قوله: ((ما زلنا ننبذ فيه)) وأنهم دبغوا مسك الشاة للانتباذ
فيه. وقال صاحب (التوضيح): هذا وجه استدلال البخاري من حديث سودة.
قلت: لا مطابقة بينه وبين الترجمة، إلاَّ أن يؤخذ ذلك بالوجه المذكور بالتعسف
وليس المراد ذلك لأن في زعم هؤلاء أن هذا يرد على أبي حنيفة فيما نقلوا عنه، فلذلك
أورده البخاري هنا، ولیس کذلك كما ذكرناه الآن.
ومحمد بن مقاتل المروزي يروي عن عبد الله بن المبارك المروزي عن
إسماعيل بن أبي خالد واسمه سعد، ويقال: هرمز البجلي عن عامر الشعبي عن عكرمة
عن عبد الله بن عباس عن سودة بنت زمعة، رضي الله عنها. والحديث من أفراده.
٣١٢
٨٣ - كتاب الأيمان والنذور / باب (٢٢)
قوله: ((مسكها)) بفتح الميم وهو الجلد. قوله: ((شنّاً)) بفتح الشين المعجمة وتشديد
النون وهو القربة الخلق.
٢٢ - بابٌ إذا حَلَفَ أنْ لا يَأْتَدِمَ فاكَلَ تَمْراً بِخُبْزٍ، وما يَكُونُ مِنَ الأَذَمِ
أي: هذا باب يذكر فيه إذا حلف أن لا يأكل أدماً فأكل تمراً بخبز أي: ملتبساً به
مقارناً له. وجواب: إذا محذوف تقديره: هل يكون بذلك مؤتدماً أم لا. قوله: ((ما
يكون من الأدم» عطف على جملة الشرط والجزاء أي: باب يذكر فيه أيضاً ما يكون
أي: شيء يكون من الأدم، ولم يذكر حكم هذين المذكورين اعتماداً على مستنبط
الأحكام من النصوص. أما الفصل الأول: فقد روى فيه عن حفص بن غياث عن
محمد بن يحيى الأسلمي عن يزيد الأعور عن ابن أبي أمية عن يوسف عن عبد الله بن
سلام قال: رأيت النبي و أخذ كسرة من خبز شعير فوضع عليها تمراً، وقال: هذه
إدام هذه فأكلها، وبهذا يحتج أن كل ما يوجد في البيت غير الخبز فهو إدام سواء كان
رطباً أو يابساً، فعلى هذا إن من حلف أن لا يأتدم فأكل خبزاً بتمر فإنه يحنث، ولكن
قالوا: إن هذا محمول على أن الغالب في تلك الأيام أنهم كانوا يتقوتون بالتمر لشظف
عيشهم ولعدم قدرتهم على غيره إلاّ نادراً. وأما الفصل الثاني: ففيه خلاف بين العلماء
فقال أبو حنيفة وأبو يوسف: الإدام ما يصطبغ به مثل الزيت والعسل والملح والخل،
وأما ما لا يصطبغ به مثل اللحم المشوي والجبن والبيض فليس بإدام، وقال محمد:
هذه إدام وبه قال مالك والشافعي وأحمد، وهو رواية عن أبي يوسف. فإن قلت: معنى
ما يصطبغ به ما يختلط به الخبز، فكيف يختلط الخبز بالملح؟.
قلت: يذوب في الفم فيحصل الاختلاط. وفي (التوضيح): وعند المالكية يحنث
بكل ما هو عند الحالف إدام ولكل قوم عادة.
٦٨٧/٦٦٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ، حدثنا سفيانُ، عنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بنِ عابس
عنْ أبِيهِ، عنْ عَائِشَةَ، رضي الله عنها، قالَتْ: ما شَبعَ آلُ محَمَّد ◌َ﴿ مِنْ خُبْزِ بُرِّ مَأْدُومِ ثَلاثَةَ
أَيَّامِ حتَّى لَحِقَ بالله. [انظر الحديث ٥٤٢٣ وطرفيه].
قال الكرماني: كيف دل الحديث على الترجمة؟ ثم قال: لما كان التمر غالب
الأوقات موجوداً في بيت رسول الله ﴿ وكانوا شباعاً منه، علم أنه ليس أكل الخبز به
انتداماً أو ذكر هذا الحديث في هذا الباب بأدنى ملابسة وهو لفظ؛ المأدوم، ولم يذكر
غيره لأنه لم يجد حديثاً بشرطه يدل على الترجمة، أو هو أيضاً من جملة تصرفات النقلة
على الوجه الذي ذكروه. انتهى.
٣١٣
٨٣ - كتاب الأيمان والنذور / باب (٢٢)
قلت: ذكر فيه ثلاثة أوجه: الوجه الأول: رده بعضهم بقوله: هو مباين لمراد
البخاري ولم يبين المراد ما هو؟.
قلت: حديث عبد الله بن سلام المذكور آنفاً أقوى في الرد عليه. الوجه الثاني:
قال فيه بعضهم: إنه هو المراد لكن ينضم إليه ما ذكره ابن المنير، والذي ذكره ابن
المنير هو أنه قال: مقصود البخاري الرد على من زعم أنه لا يقال انتدم إلاّ إذا أكل ما
يصطبغ به. انتهى.
قلت: الحديث لا يدل أصلاً على رد الزاعم بهذا لأن لفظ: مأدوم، أعم من أن
يكون الإدام فيه مما يصطبغ به أو لا يصطبغ به. الوجه الثالث: بعيد جداً على ما لا
يخفى .
ومحمد بن يوسف شيخ البخاري هو البخاري البيكندي، وسفيان هو ابن عيينة،
وعبد الرحمن بن عابس بالعين المهملة وبالباء الموحدة المكسورة وبالسين المهملة
يروي عن أبيه عابس بن ربيعة النخعي.
والحديث مضى في الأطعمة عن خلاد بن يحيى عن سفيان مطولاً، وهنا ذكر
قطعة منه .
قوله: ((تباعاً)) بكسر التاء أي: متتابعة. قوله: ((حتى لحق بالله)) كناية عن الموت.
وقال ابنُ كَثِيرٍ: أخبرنا سُفْيانُ حدّثنا عَبْدُ الرَّحْمُنِ عنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قال لِعَائِشَةَ بِهُذَا.
أي: قال محمد بن كثير بالثاء المثلثة البصري وهو أحد مشايخ البخاري، وسفيان
هو الثوري، وعبد الرحمن هو ابن عابس المذكور في الحديث السابق، وإنما ذكره
البخاري مذاكرة عن ابن كثير إشارة لدفع ما يتوهم من العنعنة في الطريق التي قبلها من
الانقطاع، وقد صرح في هذا الطريق لقوله أنه قال لعائشة أي: أن عابساً والد
عبد الرحمن قال لعائشة بهذا، يعني: سأل منها بعد أن لقيها عن هذا الحديث.
٦٦٨٨/٦٧ - حدّثنا قُتَيْبَةُ عنْ مالِكِ، عنْ إسْحاقَ بنِ عَبْدِ الله بنِ أبي طَلْحَةَ أَنَّهُ
سَمِعَ أنَس بنَ مالِكِ قال: قال أبُو طَلْحَةَ لأُمُّ سُلَيْمِ: لَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتِ رسولِ اللهِ وَّ
ضَعِيفاً أغْرِفُ فِيهِ الجُوعَ، فَهَلْ عِنْدَكِ مِنْ شَيْءٍ؟ فقالَتْ: نَعَمْ. فأخْرَجَتْ أقْراصاً مِنْ شَعِيرِ،
ثُمَّ أَخَذَتْ خِماراً لها فَلَفَّتِ الخُبْزَ بِبَعْضِهِ ثُمَّ أَرْسَلَتْنِي إلى رسول اللهِوَ﴿، فَذَهَبْتُ فَوَجَدْتُ
رسولَ اللهِلَ﴿ فِي المَسْجِدِ ومَعَهُ النَّاسُ، فَقُمْت عَلَيْهِمْ، فقال رسولُ اللهِ ﴿ِ: ((أرْسَلَكَ أَبُو
طَلْحَةَ؟)) فَقُلْتُ: نَعَمْ. فقال رسولُ اللهِ وَهْ لِمَنْ مَعَهُ: ((قُومُوا فَانْطَلَقُوا)) وانْطَلَقْتُ بَيْنَ أيدِيهِمْ
حتّى جِثْتُ أبا طَلْحَةَ فَأَخْبَرْتُهُ، فقال أبو طَلْحَةَ: يا أُمَّ سُلَيْم! قَدْ جاءَ رسولُ اللهِوَهِ وَلَيْسَ
عِنْدَنَا مِنَ الطّعامِ ما نُطْعِمُهُمْ. فقالَتِ: الله ورَسولُهُ أَعْلَمٌّ، فانْطَلَقَ أَبُو طَلْحَةَ حتَّى لَقِيَ
٣١٤
٨٣ - كتاب الأيمان والنذور / باب (٢٣)
رسُولَ اللهِوَ﴿، فأقْبَلَ رسولُ اللهِوَهِ وَأَبُو طَلْحَةَ مَعهُ حتَّى دَخَلاَ، فقال رسولُ اللهِ وَالَ:
((هَلُمِّي يا أمَّ سُلَيْم، ما عِنْدَكَ؟)) فأَتَتْ بِذْلِكَ الخُبْزِ، قال: فأمَرَ رسولُ اللهِ { ل* بِذْلِكَ الخُبْزِ
فَفْتَّ وعَصَرَتْ أمُّ سُلَيْمِ عُكَّةٌ لَها فأَدَمَّتْهُ، ثُمَّ قال فِيهِ رسولُ اللهِ وَ﴿ ما شاءَ الله أن يَقُولَ، ثُمَّ
قال: ((إِْذَنْ لِعَشَرَةِ) فَأَذِنَ لَهُمْ فأكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قال: ((اتْذَنْ لِعَشَرَةٍ» فأذِنَ
لَهُمْ فأكلُوا حتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قال: ((اثْذَنْ لِعَشَرَةٍ) فأَكَلَ القَوْمُ كُلُّهُمْ وشَبِعُوا والقَوْمُ
سَبْعُونَ - أو ثَمَانُونَ - رَجُلاً.
[انظر الحديث ٤٢٢ وأطرافه].
مطابقته للجزء الثاني للترجمة تؤخذ من قوله: ((فأدمته)).
والحديث قد مضى في علامات النبوة بطوله وفي الصلاة مختصراً عن عبد الله بن
يوسف وفي الأطعمة عن إسماعيل ومضى الكلام فيه.
وأبو طلحة هو زيد بن سهل الأنصاري زوج أم سليم أم أنس بن مالك.
قوله: ((عكة)) بضم العين المهملة وتشديد الكاف وهي إناء السمن. قوله: ((فأدمته))
أي خلطت الخبز بالإدام.
وفيه: معجزة لرسول الله مقلد.
٢٣ - بابُ النِّيَّةِ في الأيْمانِ
أي: هذا باب في بيان النية في الأيمان بفتح الهمزة جمع يمين، كذا في رواية
الجميع. وقال الكرماني: في بعض الرواية الأيمان بكسر الهمزة، ثم قال: مذهب
البخاري أن الأعمال داخلة في الإيمان، وقال المهلب وغيره، إذا كانت اليمين بين العبد
وربه لا خلاف بين العلماء أنه ينوي ويحمل على نيته، وإذا كانت بينه وبين آدمي وادعى
في نيته غير الظاهر لم يقبل قوله. وحمل على ظاهر كلامه إذا كانت عليه بينة بإجماع،
واستدل به على أن اليمين على نية الحالف إلاّ في حق الآدمي على نية المستحلف، كما
ذكرنا. وقال آخرون: النية نية الحالف أبداً وله أن يوري، واحتجوا بحديث الباب
وأجمعوا على أنه: لا يوري فيما إذا اقتطع مال امرىء مسلم بيمينه.
٦٦٨٩/٦٨ - حدّثنا قتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ، حدثنا عَبْدُ الوَهَّابِ، قال: سَمِعْتُ يَحْيِى بنَ
سَعِيدٍ يَقُولُ: أخبرني مُحَمَّدُ بنُ إِبْرَّهِيمَ أنّهُ سَمِعَ عَلْقَمَةَ بنَ وَقَّاصِ اللَّيْئِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ
عُمَّرَ بنَ الخَطَّابِ، رضي الله عنه، يَقُولُ: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ وَ﴿ يَقُولُ: ((إنّما الأعمالُ بالنّئَةِ،
وإنما لامْرِىٍ ما نَوىُ، فَمَنْ كانَت هِجْرَتُهُ إِلى الله ورسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إلى الله ورسُولِهِ، ومَنْ
٣١٥
٨٣ - كتاب الأيمان والنذور / باب (٢٤)
كانَتْ هِجْرَّتُهُ إلى دُنْيا يُصِيبُها - أوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُها - فَهِجْرَتُهُ إلى ما هاجَرَ إِلَيْهِ)). [انظر الحديث !
وأطرافه].
مطابقته للترجمة من حيث إن اليمين أيضاً عمل، وعبد الوهاب هو ابن
عبد المجيد الثقفي، ويحيى بن سعيد هو الأنصاري، ومحمد بن إبراهيم بن الحارث
التيمي القرشي المدني. والحديث مر في أول الكتاب، ومر الكلام فيه مستقصى.
٢٤ - بابٌ إذا أهْدَى مالَهُ عَلى وَجْهِ النَّذْرِ والتَّوْبَةِ
أي: هذا باب يذكر فيه إذا أهدى شخص ماله أي جعله هدية للمسلمين أو تصدق
به على وجه النذر أو على وجه التوبة بفتح التاء المثناة من فوق وسكون الواو، وهكذا
هو في رواية الجميع إلاّ الكشميهني، فإن في روايته: إلاّ القربة، بضم القاف وسكون
الراء، وجوابه محذوف تقديره: هل ينفذ ذلك إذا نجزه أو علقه؟ وهذا الباب أول أبواب
النذور لأن الكتاب كان في الأيمان والنذور، وفرغ من أبواب الأيمان وشرع في أبواب
النذور، وهو جمع نذر وهو إيجاب شيء من عبادة أو صدقة أو نحوهما على نفسه
تبرعاً، يقال: نذرت الشيء أنذر وأنذر بالكسر والضم نذراً. ويقال النذر في اللغة التزام
خير أو شر، وفي الشرع: التزام المكلف شيئاً لم يكن عليه منجزاً أو معلقاً، والنذر
نوعان: نذر تبرر، ونذر لجاج.
فالأول: على قسمين: أحدهما: ما يتقرب به ابتداء كقوله: لله علي أن أصوم
كذا ... مطلقاً، أو: أصوم شكراً على ان شفى الله مريضي .. ونحوه، وقيل: الاتفاق
على صحته في الوجهين وعن بعض الشافعية في الوجه الثاني أنه لا ينعقد. والثاني: من
القسمين: ما يتقرب به معلقاً كقوله: إن قدم فلان من سفره فعليّ أن أصوم كذا، وهذا
لازم اتفاقاً.
ونذر اللجاج كذلك على قسمين: أحدهما: ما يعلقه على فعل حرام أو ترك
واجب فلا ينعقد. والقسم الآخر: ما يتعلق بفعل مباح أو ترك مستحب أو خلاف
الأولى، ففيه ثلاثة أقوال للعلماء: الوفاء أو كفارة يمين أو التخيير بينهما عند الشافعية،
وعند المالكية: لا ينعقد أصلاً، وعند الحنفية: يلزمة كفارة اليمين في الجميع.
٦٦٩٠/٦٩ - حدّثنا أحمَدُ بنُ صالِح، حدثنا ابنُ وَهْبٍ، أخبرني يُونُسُ، عن ابنِ
شِهابٍ، أخبرني عَبْدُ الرَّحْمُنِ بنُ عَبْدِ الله بَنِ كَعْبِ بنِ مَالِكِ - وكان قائِدَ كَعْبٍ مِنْ بَنِيهِ
حِينَ عَمِيَ - قال: سَمِعْتُ كغْبَ بنِ مالِكِ في حَدِيثِهِ: ﴿وَعَلَى الَّلَثَةِ الَّذِينَ خُلِفُواْ﴾
[التوبة: ١١٨] فقال في آخر حَدِيثِهِ: إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أنْ أنْخَلِعَ مِنْ مالِي صَدَقَةً إلى الله ورسُولِهِ،
فقال النبيُّ رَِّ: ((أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مالِكَ فَهْوَ خَيْرٌ لَكَ)). [انظر الحديث ٢٧٥٧ وأطرافه].
٣١٦
٨٣ - كتاب الأيمان والنذور / باب (٢٥)
مطابقته للترجمة من حيث إن كعب بن مالك جعل من توبته انخلاعه من ماله
صدقة إلى الله ورسوله. قيل: فيه نظر لأنه ليس في الانخلاع المذكور ما يدل على النذر
منه، والترجمة فيها النذر ويمكن الجواب بأن يقال: إن في الانخلاع معنى الالتزام،
وفي الالتزام معنى النذر، ولم يذكر هذا أحد من الشراح.
وأحمد بن صالح أبو جعفر المصري يروي عن عبد الله بن وهب المصري عن
يونس بن يزيد الأيلي عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري.
والحديث مضى بطوله في كتاب المغازي.
وكعب بن مالك هو أحد ﴿ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ ونزلت الآية فيه وفي صاحبيه،
وهما: مرارة بضم الميم وهلال. قوله: ((في حديثه)) أي: في حديث تخلفه عن غزوة
تبوك. قوله: ((أن أنخلع)) كلمة: أن، مصدرية، وأنخلع من الانخلاع أي: أن أعرى من
مالي كما يعرى الإنسان إذا خلع ثوبه. قوله: ((أمسك عليك بعض مالك)) وفي رواية أبي
داود عن أحمد بن صالح بهذا السند: فقلت: إني أمسك سهمي الذي بخيبر. قوله:
((فهو خير لك)) أي: إمساك بعض مالك خير لك، وعين البعض في رواية لأبي داود
قال: يجزىء عنك الثلث.
واختلف العلماء فيمن نذر أن يتصدق بجميع ماله على عشرة أقوال.
الأول: يلزمه ثلث ماله، وبه قال مالك. الثاني: أنه إن كان ملياً فكذلك، وإن
كان فقيراً فكفارة يمين، وبه قال الليث وابن وهب. الثالث: إن كان متوسطاً يخرج
بحصة الثلث، وهو قول ربيعة. الرابع: يخرج ما لا يضر به، وهو قول سحنون من
المالكية. الخامس: يخرج زكاة ماله، يروى ذلك عن ربيعة أيضاً. السادس: يخرج
جميع ماله، وهو قول إبراهيم النخعي. السابع: إن علقه بشرط كقوله: إن شفى الله
مريضي، أو إن دخلت الدار ... فالقياس أن يلزمه إخراج كل ماله، وهو قول أبي
حنيفة. الثامن: إن أخرج نذره مخرج التبرر مثل: إن شفى الله مريضي فيلزمه جميع
ماله، وإن كان لجاجاً وغضباً فيقصد منع نفسه من فعل مباح كإن دخلت الدار فهو
بالخيار إن شاء أن يفي بذلك أو يكفر كفارة يمين، وهو قول الشافعي. التاسع: لا يلزمه
شيء أصلاً، وهو قول ابن أبي ليلى، وطاوس والشعبي. العاشر: يحبس لنفسه من ماله
قوت شهرین ثم یتصدق بمثله إذا أفاد، وهو قول زفر.
٢٥ - بابٌ إذا حَرَّمَ طَعامَهُ
أي: هذا باب يذكر فيه إذا حرم الشخص طعامه بأن قال: طعام كذا أو شراب كذا
عليّ حرام، أو قال: نذرت الله أن لا آكل كذا أو لا أشرب كذا، ولم يذكر جواب: إذا،
٣١٧
٨٣ - كتاب الأيمان والنذور / باب (٢٥)
على عادته. قوله: طعامه، وروي عن أبي ذر، طعاماً، والجواب ينعقد يمينه، وعليه
كفارة يمين إذا استباحه، لكن إذا حلف وهو الذي ذهب إليه البخاري، فلذلك أورد
حديث الباب، لأن فيه: قد حلفت، وعن أبي حنيفة والأوزاعي كذلك، ولكن لا
يشترط لفظ الحلف. وقال الشافعي: لا شيء عليه في ذلك، وقال مالك: لا يكون
الحرام يميناً في طعام ولا شراب إلاَّ في المرأة، فإنه يكون طلاقاً يحرمها عليه، وروي
عن الشافعي كذلك، رواه الربيع عنه، وروي عن بعض التابعين أن التحريم ليس بشيء
سواء حرم عليه زوجته أو شيئاً من ذلك لا يلزمه كفارة في شيء من ذلك، وبه قال أبو
سلمة ومسروق والشعبي.
وقَوْلُهُ تعالى: ﴿يَُهَا النَِّىُّ لِمَ نُرِّمُ مَا أَعَلَّ اللَّهُ لَكَّ ◌َبْنَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَبِكَ وَالَهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (١) قَدْ
فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ غَجِلَّةَ أَيْمَنِكُمْ وَاللّهُ مَوْلَنْكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ اَلْتَكِيمُ﴾ [التحريم: ١ - ٢] وقَوْلُهُ: ﴿لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ
مَآ أَحَلَ اَللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧].
ذكر هاتين الآيتين إشارة إلى بيان ما ذكره من الترجمة بأن تحريم المباح يمين،
وفيها الكفارة. لكن لفظ الحلف شرط عنده كما ذكرناه، وسبب نزول الآية الأولى قد
مر في كتاب الطلاق في: باب ﴿لِمَ تُحُرِّمُ مَآ أَعَلَّ اللَّهُ لَكَّ﴾ وأورد فيه حديثين عن عائشة،
رضي الله عنها، وبين فيهما قصة تحريم النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، مارية
التي أهداها إليه المقوقس صاحب إسكندرية، والعسل، وذكرنا الاختلاف فيه: هل نزلت
الآية في تحريم مارية أو في تحريم العسل؟ قوله: ﴿يَبْتَفِى مَرْضَاتَ أَزْوَهِكٌ﴾ أي: تطلب
رضاهن بتحريم ذلك قوله: ﴿قَدْ فَضَ اَللَّهُ لَكُنْ تَحِلَّةَ أَيْمَنِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]. أي: قد قدر الله ما
تحللون به أيمانكم، وأصل تحلة تحللة على وزن: تفعلة، فأدغمت اللام في اللام وهي من
المصادر كالترضية والتسمية قوله: ﴿لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَآ أَحَلَّ اَللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧] هذا
توبيخ لمن فعل ذلك، فلذلك قال: ﴿وَلَا تَمْتَدُوَأْ﴾ فجعل ذلك من الاعتداء.
٧٠/ ٦٦٩١ - حدّثنا الحَسَنُ بنُ مُحَمَّدٍ، حدثنا الحَجَّاجُ عنِ ابنِ جُرَيْج قال: زَعَمَ
عَطاءٌ أنّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ بنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَزْعُمُ أنَّ النبيَّ ◌ِ ﴿ كانَ يَمْكُثُ عِنْدَ
زَيْنَبَ بِنْت جَحش ويَشْرَبُ عِنْدَها عَسَلاً، فَتَواصَيْتُ أنا وحَفْصَةُ أنَّ أَيَّتَنا دَخْلَ عَلَيْها
النبيُّ ◌َ﴿ فَلْتَقُلْ: إنِّي أجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغافِيرَ! أكَلْتَ مَغافِيرَ؟ فَدَخَلَ عَلى إِحْداهُما فَقالَتْ
ذُلِكَ لهُ، فقال: ((لا! بَلْ شَرِبْتُ عَسَلاً عِنْدَ زَيْتَبَ بِنْتِ جَخْشٍ، وَلَنْ أَعُودَ لَهُ)) فَنَزَلَتْ: ﴿يَأَيُّهَا
الَِّىُّ لِمَ تُحُعُ مَّا أَمَّ الَهُ لَكَّ﴾ [التحريم: ١] ﴿إِن نَنُوبَآ إِلَى الَّهِ﴾ [التحريم: ٤] لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةً:
﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَِّىُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَِهِ حَدِيثًا﴾ [التحريم: ٣] لِقَوْلِهِ: (بَلْ شَرِبْتُ عَسَلاً).
وقال لِي إِنْراهِيمُ بنُ مُوسى عنْ هِشام: ((وَلَنْ أَعُودَ لَهُ، وقَد حَلَفْتُ فَلا تُخْبِرِي
بِذلِكَ أَحَداً)). [انظر الحديث ٤٩١٢ وأطرافه].
٣١٨
٨٣ - كتاب الأيمان والنذور / باب (٢٦)
مطابقته للترجمة ظاهرة. والحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني، والحجاج هو
ابن محمد المصيصي، وابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي،
وعطاء هو ابن أبي رباح، وعبيد بن عمير كلاهما مصغر.
والحديث قد مر في كتاب الطلاق بعين هذا الإسناد والمتن، ومر الكلام فيه.
قوله: ((زعم) أي: قال، وكذا معنى: تزعم، أي: تقول. قوله: ((أن أيتنا)) بالتاء
لغة في أينا، والمشهور بغير التاء. قوله: ((مغافير)) بالغين المعجمة والفاء جمع مغفور،
وهو نوع من الصمغ يتحلب عن بعض الشجر حلو كالعسل وله رائحة كريهة، ويقال
أيضاً: مغاثير، بالثاء المثلثة بدل الفاء جمع: مغثور كثوم وفوم، ويقال: المغفور شيء
ينضحه شجر العرفط كريه الرائحة، وقيل: هو حلو كالناطف يحل بالماء ويشرب، وقال
أبو عمر: ويقال أغفر الرمث إذا ظهر ذلك فيه، وقال الكسائي: خرج الناس يتمغفرون
إذا خرجوا يجتنونه من ثمره، وكان النبي ◌َّله يكره أن توجد منه الرائحة لأجل مناجاة
الملائكة فحرم على نفسه بظن، صدقهما. قال الكرماني: كيف جاز على أزواجه وَلخر
أمثال ذلك؟ ثم أجاب بقوله: هو من مقتضيات الغيرة الطبيعية للنساء، أو هو صغيرة
معفو عنها، ثم قال: فإن قلت: تقدم في كتاب الطلاق أنه وَّر، شرب في بيت حفصة،
والمتظاهرات هي عائشة وسودة وزينب.
قلت: لعل الشرب كان مرتين. قوله: ((ولن أعود له)) أي: قال: والله لا أعود له،
فلذلك كفره. قوله: ((لعائشة)) أي: الخطاب لعائشة وحفصة. قوله: ﴿وَإِذْ أَسَرِّ النَّبِىُّ إِلَى
بَعْضِ أَزْوَجِهِ حَدِيثًا﴾ [التحريم: ٣] ل قوله: ((بل شربت عسلاً)) أي: الحديث المسر كان ذلك
القول.
قوله: وقال لي إبراهيم بن موسى، وفي رواية أبي ذر: وقال إبراهيم، بغير لفظ:
لي، وقد تقدم في التفسير بلفظ: حدثنا إبراهيم بن موسى وهو أبو إسحاق الرازي يعرف
بالصغير يروي عن هشام بن يوسف وصرح به في التفسير، وقد اختصر هنا بغير السند
ومراده أن هشاماً رواه عن ابن جريج بالسند المذكور والمتن إلى قوله: قوله: ((ولن
أعود)» فزاد: ((وقد حلفت فلا تخبري بذلك أحداً».
٢٦ - بابُ الوَفَاءِ بالنَّذْرِ
أي: هذا باب في بيان حكم وفاء الناذر بنذره، وفي بيان فضل الوفاء بالنذر.
وقَوْلِهِ تعالى: ﴿يُوقُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧].
أورد هذه الآية إشارة إلى أن الوفاء بالنذر مما يجلب الثناء على فاعله، ولكن
المراد هو نذر الطاعة لا نذر المعصية، وقام الإجماع على وجوب الوفاء إذا كان النذر
٣١٩
٨٣ - كتاب الأيمان والنذور / باب (٢٦)
بالطاعة، وقد قال الله تعالى: ﴿أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] وقال ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ فمدحهم
بذلك، واختلف في ابتداء النذر فقيل: إنه مستحب، وقيل: مكروه وبه جزم النووي،
ونص الشافعي على أنه خلاف الأولى، وحمل بعض المتأخرين النهي على نذر الدجاج،
واستحب نذر التبرر.
٦٦٩٢/٧١ - حدّثنا يحيى بنُ صالح، حدّثنا فُلَيْحُ بنُ سُلَيْمانَ، حدّثنا سَعِيد بنُ
الحارِثِ أنّه سَمِعَ ابنَ عُمَرَ، رضي الله عنهما، يَقُولُ: أوَلَمْ يُنْهَوْا عن النَّذْرِ؟ إنَّ النبيَّ لاَّ
قال: (إنَّ النَّذْرَ لا يُقَدِّمُ شَيْئاً ولا يؤخّرُ، وإنَّما يُسْتَخْرَجُ بالنَّذْرِ مِنَ البَخِيلِ)). [انظر الحديث
٦٦٠٨ وطرفه].
مطابقته للترجمة ظاهرة. ويحيى بن صالح الوحاظي بضم الواو وتخفيف الحاء
المهملة وبعد الألف ظاء معجمة، وفليح - مصغر فلح - وسعيد بن الحارث الأنصاري
المدني قاضي المدينة. والحديث من أفراده.
قوله: ((أولم ينهوا عن النذر)) على صيغة المجهول. وقال الكرماني بلفظ المعروف
والمجهول، وفيه حذف بينه الحاكم في (المستدرك): والإسماعيلي عن سعيد بن
الحارث قال: كنت عند ابن عمر فأتاه مسعود بن عمرو أحد بني عمرو بن كعب فقال:
يا أبا عبد الرحمن! إن ابني كان مع عمر بن عبيد الله بن معمر بأرض فارس، فوقع فيها
وباء وطاعون شديد، فجعلت على نفسي لئن الله سلم ابني ليمشين إلى بيت الله تعالى،
فقدم علينا وهو مريض ثم مات، فما تقول؟ فقال ابن عمر: أولم ينهوا عن النذر؟ إن
النبي 9 ... فذكر الحديث المرفوع، وزاد: أوف بنذرك، وقال أبو عامر: فقال: يا أبا
عبد الله! إنما نذرت أن يمشي ابني. فقال: أوف بنذرك، قال سعيد بن الحارث: فقلت
له: أتعرف سعيد بن المسيب؟ قال: نعم. قلت له: اذهب إليه ثم أخبرني ما قال لك.
قال: فأخبرني أنه قال له: امش عن ابنك.
قلت: يا أبا محمد! وترى ذلك مقبولاً؟ قال: نعم. أرأيت لو كان على ابنك دين
لا قضاء له فقضيته أكان ذلك مقبولاً؟ قال: نعم. قال: فهذا مثل هذا. انتهى. وأبو
عبد الرحمن كنية عبد الله بن عمر، وأبو محمد كنية سعيد بن المسيب. وقال
الكرماني: فإن قلت: ليس في الحديث ما يدل على كونهم منهيين.
قلت: يفهم من السياق أو لما كان مشهوراً بينهم لم يذكره ههنا وجاء صريحاً في
الحديث بعده. قوله: ((لا يقدم شيئاً ولا يؤخر)) ويروى: ولا يؤخره، بضمير المنصوب
ومعناه: لا يقدم شيئاً من قدر الله ومشيئته، ولا يؤخره، وفي رواية عبد الله بن مرة: لا
يرد شيئاً، وهي أعم على ما يأتي الآن. وكذلك يأتي في حديث أبي هريرة: لا يأتي ابن
آدم النذر بشيء لم يكن قدر له، وفي رواية: لا يقرب من ابن آدم شيئاً لم يكن الله قدره
٣٢٠
٨٣ - كتاب الأيمان والنذور / باب (٢٦)
له. قوله: ((وإنما يستخرج بالنذر من البخيل)) يعني: أن من الناس من لا يسمح من
بالصدقة والصوم إلاَّ إذا نذر شيئاً لخوف أو طمع، فكأنه لو لم يكن ذلك الشيء الذي
طمع فيه أو خافه لم يسمح بإخراج ما قدره الله تعالى، ما لم يكن يفعله فهو بخيل.
٦٦٩٣/٧٢ - حدّثنا خَلاَّدُ بنُ يَحيى، حدثنا سُفْيانُ، عنْ مَنْصُور، أخبرنا
عَبْدُ الله بن مُرَّةَ، عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ قال: نَهى النبيُّ :﴿ عن النَّذْرِ. وقال: ((إِنَّهُ لا يَرُدُّ
شَيْئاً، ولَكِنَّهُ يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ البَخِيلِ)). [انظر الحديث ٦٦٠٨ وطرفه].
هذا طريق آخر في حديث ابن عمر أخرجه عن خلاد بن يحيى بن صفوان
الكوفي، سكن مكة، يروي عن سفيان الثوري عن منصور بن المعتمر عن عبد الله بن
مرة بضم الميم وتشديد الراء. ومضى الحديث في القدر عن أبي نعيم.
قوله: ((من البخيل)) وفي رواية مسلم: من الشحيح، وفي رواية ابن ماجه: من
اللئیم.
٦٦٩٤/٧٣ - حدّثنا أبو اليَمانِ، أخبرنا شُعَيْبٌ، حدّثنا أبُو الزِّنادِ، عن الأعْرَج،
عن أبي هُرَيْرَةَ قال: قال النبيُّ وَلِ: ((لا يَأْتِي ابنَ آدَمَ النَّذْرُ بِشيءٍ لَمْ يَكُنْ قُدِّرَ لَهُ، وَلَكِنْ
يُلْقِيهِ النَّذْرُ إلى القَدَرِ قَدْ قُدِّرَ لَهُ، فَيَسْتَخْرِجُ الله ◌ِهِ مِنَ الْبَخِيلِ فَيُؤْتِينِي عَلَيْهِ ما لَمْ يَكُنْ يُؤْتِينِي
عَلَيْهِ مِنْ قَبْلُ)).
[انظر الحديث ٦٦٠٩].
مطابقته للترجمة ظاهرة. وأبو اليمان الحكم بن نافع، وأبو الزناد بالزاي والنون
عبد الله بن ذكوان، والأعرج عبد الرحمن بن هرمز.
ورواه ابن ماجه من طريق الثوري عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة في
الكفارات ولفظه: إن النذر لا يأتي ابن آدم بشيء إلاَّ ما قدر له.
قوله: ((ابن آدم)) منصوب لأنه مفعول، ((والنذر))، بالرفع فاعله. قوله: ((لم يكن
قدر له)) على صيغة المجهول، والجملة صفة ل قوله: ((بشيء)) وفي رواية لأبي ذر. لم
أكن قدرته، وعلى هذا فهو في الحقيقة من الأحاديث القدسية، ولكنه ما صرح برفعه
إلى الله تعالى. وفي رواية النسائي: لم أكن، وفي أواخر كتاب القدر من طريق همام عن
أبي هريرة بلفظ: لم يكن قد قدرته، ويروى هنا: قدر به، بضم القاف وكسر الدال
المشددة. قوله: ((يلقيه)) بضم الياء من الإلقاء والنذر بالرفع فاعله. قوله: ((قد قدر له))
على صيغة المجهول والجملة حال من القدر، وقيل: الأمر بالعكس فإن القدر يلقيه إلى
النذر. وأجيب: بأن تقدير النذر غير تقدير الإنفاق فالأول يلجئه إلى النذر والنذر يوصله
إلى الإيتاء والإخراج. قوله: ((فيستخرج الله به من البخيل)) فيه التفات على رواية: لم
أكن قدرته، وأصل الكلام أن يقال: فاستخرج به، ليوافق رواية: لم أكن قدرته. قوله: