النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
٨٢ - كتاب القدر / باب (٩)
لا يتوبون، يعني في تفسير قوله عز وجل: ﴿وَحَرَامُ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْتَهَا أَنَّهُمْ لَا
يَرَّجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٥] وعن أبي عبيدة: لا، هنا زائدة، وذهب إلى أن حراماً على بابه،
وأنكر البصريون زيادة: لا، هنا. وقيل: المعنى: وحرام أن يتقبل منهم عمل لأنهم لا
يرجعون، أي: لا يتوبون، وكذا قال الزجاج، وقيل: الحرام المنع، فالمعنى حرام
عليهم الرجوع إلى الدنيا، وقال المهلب: وجب عليهم أنهم لا يتوبون، وحرم وحرام
بمعنى واحد، والتقدير: وحرام على قرية أردنا إهلاكها التوبة من كفرهم، وهذا كقوله:
﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ ءَامَنَ﴾ [هود: ٣٦] أي: تقدم علم الله في قوم نوح أنه
لن يؤمن منهم غير من آمن، ولذلك قال نوح عليه السلام: ﴿رَّبِّ لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ
اَلْكَفِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦] إلى قوله: ﴿فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: ٢٧] إذ قد أعلمتني ﴿أَنَّهُ لَن
يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ ءَامَنَ﴾ [هود: ٣٦] وأهلكهم لعلمه تعالى أنهم لا يرجعون إلى
الإيمان .
-
١٩/ ٦٦١٢ - حدّثني مَحْمُودُ بنُ غَيْلاَنَ، حدثنا عَبْدُ الرَّزَّاق، أخبرَنا مَعَمَرٌ، عنِ
ابنِ طاوُس، عنْ أبِيهِ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ قال: ما رأيتُ شَيْئاً أشْبهَ باللّمَم مِمَّا قال أبُو هُرَيْرَةَ،
رضي الله عنه، عن النبيِّ وَّهِ: ((إنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَى ابنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزَّنى، أدْرَكَ ذَلِكَ لا
مْحالَةَ، فَزِنى العيْنِ النَّظَرُ، وزِنى اللِسانِ المَنْطِقُ، والنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي، والفَرْجُ يُصَدِّقُ
ذُلِكَ وَيُكَذِّبُهُ)).
[انظر الحديث ٦٢٤٣].
مطابقته للترجمة التي هي الآيات التي تدل على أن كل شيء غير خارج عن سابق
قدره، وكذلك حديث الباب، لأن الزنى ودواعيه كل ذلك مكتوب مقدر على العبد غير
خارج من سابق قدره.
ومحمود بن غيلان بفتح الغين المعجمة وسكون الياء آخر الحروف،
وعبد الرزاق بن همام، ومعمر هو ابن راشد، وابن طاوس هو عبد الله يروي عن أبيه
عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.
قوله: ((ما رأيت شيئاً أشبه باللمم)) بفتحتين وهو صغار الذنوب، وأصله: ما يلم
به الشخص من شهوات النفس، والمفهوم من كلام ابن عباس أنه النظر، والنطق. وقال
الخطابي: يريد به المعفو عنه المستثنى في كتاب الله: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَ اُلْإِثْمِ
وَالْفَوَِّشَ إِلَّ اللَُّمْ﴾ [النجم: ٣٢] وسمى المنطق والنظر زنّى لأنهما من مقدماته، وحقيقته
إنما يقع بالفرج، وعن ابن عباس: اللمم أن يتوب من الذنوب ولا يعاودها، وروى
عنه: كل ما دون الزنى فهو اللمم. قوله: ((فزنى العين النظر)) أي: النظر إلى الأجنبية.
وقال ابن مسعود: العينان تزنيان بالنظر، والشفتان تزنيان وزناهما التقبيل، واليدان تزنيان

٢٤٢
٨٢ - كتاب القدر / باب (١٠)
وزناهما اللمس، والرجلان تزنيان وزناهما المشي، وقيل: إنما سميت هذه الأشياء زناً
لأنها دواعي إليه. قوله: ((لا محالة)) بفتح الميم أي: لا بد له من ذلك ولا تحول له
عنه. قوله: ((تمنى)) أصله: تتمنى، فحذفت منه إحدى التاءين. قوله: ((والفرج يصدق
ذلك ويكذبه)) يعني: إذا قدر على الزنى فيما كان فيه النظر، والتمني كان زناً صدق ذلك
فرجه، وإن امتنع وخاف ربه كذب ذلك فرجه، وتكتب له حسنه. قيل: التصديق
والتكذيب من صفات الإخبار. وأجيب بأن إطلاقهما هنا على سبيل التشبيه.
وقال شَبابَةُ: حدّثنا وزقاءُ عنِ ابنِ طاوُسٍ عنْ أَبِيهِ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عنِ النّبِيِّ ◌َِ ◌ّ.
شبابة بفتح الشين المعجمة. وتخفيف الباء الموحدة الأولى ابن سوار بفتح السين
المهملة وتشديد الواو وبالراء الفزاري روى عنه محمود، وورقاء مؤنث الأورق بالواو
وبالراء والقاف ابن عمر الخوارزمي سكن المدينة، وأشار البخاري بهذا التعليق إلى أن
طاوساً سمع القصة من ابن عباس عن أبي هريرة أيضاً. والظاهر أنه سمعه من أبي هريرة
بعد أن سمعه من ابن عباس، ووصل هذا التعليق صاحب (التلويح) فقال: رويناه في
(معجم الطبراني الأوسط) فقال: حدثنا عمر بن عثمان حدثنا ابن المنادى عنه، فذكره
وتبعه في ذلك صاحب (التوضيح): وقال بعضهم: راجعت (المعجم الأوسط): فلم
أجد هذا فيه.
قلت: صاحب (التلويح): يصرح بأنه رواه، وتبعه أيضاً صاحب (التوضيح) الذي
هو شيخ هذا القائل مع علمه بأن المثبت مقدم على النافي، ولكن عرق العصبية ينبض
فيؤدي صاحبها إلى حط من هو أكبر منه في العلم والسن والقدم.
١٠ - بابُ ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِىِّ أَرَيْنَكَ إِلَّا فِتْنَةُ لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]
أي: هذا باب في قول الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا﴾ ... إلى آخره. قال الثعلبي في
قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا﴾ الآية قال قوم: هي رؤيا عين ما رأى النبي ◌َّز، ليلة المعراج
من العجائب والآيات فكان ذلك فتنة للناس، فقوم أنكروا وكذبوا وقوم ارتدوا وقوم
حدثوا. قوله: ((إلاَّ فتنة)) أي: بلاء للناس، وقيل: رأى رسول الله وَّته، بني أمية ينزون
على منبره نزو القردة فساءه ذلك، فما استجمع ضاحكاً حتى مات. فأنزل الله تعالى:
﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِيَّ أَرَيْنَكَ﴾ ... الآية، وقيل: إنما فتن الناس بالرؤيا والشجرة لأن
جماعة ارتدوا، وقالوا: كيف سرى به إلى بيت المقدس في ليلة واحدة، وقالوا: لما
أنزل الله تعالى شجرة الزقوم كيف تكون في النار شجرة لا تأكلها؟ فكانت فتنة لقوم
واستبصاراً لقوم منهم أبو بكر الصديق، رضي الله تعالى عنه. ويقال: إنه سمي صديقاً
ذلك اليوم، وأصل الفتنة في الأصل الاختبار، ثم استعملت في الكفر كقوله تعالى:

٢٤٣
٨٢ - كتاب القدر / باب (١١)
﴿ وَالْفِئْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١] وفي الإثم كقوله تعالى: ﴿أَلَا فِ اَلْفِتْنَةِ سَقَطُواْ﴾
[التوبة: ٤٩]، وفي الإحراق ك قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَنُواْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾ [البروج: ١٠] وفي
الإزالة عن الشيء ك قوله: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ﴾ [الإسراء: ٧٣] وغير ذلك، والمراد بها
في هذا الموضع: الاختبار.
٦٦١٣/٢٠ - حدّثنا الحُمَيْدِيُّ، حدّثنا سُفْيانُ، حدثنا عَمْرٌو عنْ عِكْرِمَةً، عنِ ابنِ
عبَّاسٍ، رضي الله عنهما ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرِّيَا أَلَّفِي أَرَيْنَكَ إِلَّا فِتْنَةُ لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] قال: هِيَ
رؤيا عَيْنٍ أريَها رسولُ اللهِ وَ ﴿ لَيْلَة أُسْرِيَ بِهِ إِلى بَيْتِ المَقْدِسِ، قال: والشّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في
القُرْآنِ؟ قال: هِيَ شَجَرَةُ الزَّقُومِ. [انظر الحديث ٣٨٨٨ وطرفه].
قال ابن التين وجه دخول هذا الحديث في كتاب القدر الإشارة إلى أن الله تعالى
قدر للمشركين التكذيب لرؤيا نبيه الصادق، فكان ذلك زيادة في طغيانهم.
والحميدي عبد الله بن الزبير نسبته إلى أحد أجداده حميد - مصغر حمد - وسفيان
هو ابن عيينة، وعمرو هو ابن دینار.
والحديث مضى في تفسير سورة الإسراء عن علي بن عبد الله. وأخرجه الترمذي
في التفسير عن محمد بن يحيى. وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن منصور.
قوله: ((رؤيا عين)) أي: في اليقظة لا رؤيا منام. قوله: ((والشجرة الملعونة)) يعني:
شجرة الزقوم المذكورة في القرآن، والشجرة مبتدأ وخبره هي شجرة الزقوم، وإنما ذكر
الشجرة الملعونة لأنها مثل الرؤيا كانت فتنة، وقد ذكرنا كيف كانت فتنة، والزقوم شجرة
بجهنم طعام أهل النار. فإن قلت: لم يذكر في القرآن لعن هذه الشجرة.
طَعَامُ
٤٣
قلت: قد لعن آكلوها وهم الكفار، قال تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُومِ
الْأَثِيمِ﴾ [الدخان: ٤٣ - ٤٤] وقال: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِىَّ أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٤]
وقال: ﴿فَإَِّهُمْ لَكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِثُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ [الصافات: ٦٦] فوصفت بلعن آكليها، وقيل:
طعام مكروه ملعون، ثم إن هذه الشجرة تنبت في النار مخلوقة من جوهر لا تأكله النار
كسلاسل النار وأغلالها وعقاربها وحياتها .
١١ - بابٌ تَحاجَّ آدَمُ ومُوسَى عَلَيْهِما السَّلامُ، عِنْدَ الله عَزَّ وجَلَّ
أي: هذا باب يذكر فيه تحاج آدم وموسى. قوله: ((تحاج))، فعل ماضٍ من
المحاججة وأصله: تحاجج، بجيمين فأدغمت إحداهما في الأخرى. قوله: ((عند الله))،
قيل: يعني: في يوم القيامة، وقيل: في الدنيا.
قلت: اللفظ أعم من ذلك وقد روى أحمد من طريق يزيد بن هرمز عن أبي هريرة

٢٤٤
٨٢ - كتاب القدر / باب (١١)
بلفظ: احتج آدم وموسى عند ربهما، والعندية عندية اختصاص وتشريف لا عندية
مكان .
٦٦١٤/٢١ - حدّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله، حدّثنا سُفْيانُ قال: حَفِظْنَاهُ مِنْ عَمْرٍو، عنْ
طاوُسٍ سَمِعْتُ أبا هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ نَّه قال: ((اخْتَجّ آدَمُ ومُوسَى فقال لهُ مُوسَى: يا آدَمُ! أَنْتَ
أَبُونا خَيَيْتَنا وأخْرَجْتَنا مِنَ الجَنَّة، قال لهُ آدَمُ: يا مُوسَى! اضْطَفاَ الله بكَلاَمِهِ وخَطّ لَكَ بِيَدِهِ،
أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدَّرَهُ الله عَلَيَّ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَة؟ فَحَجَّ آدَمُ مُوَسَى، فَحَجَّ آدَمُ
مُوسَى)) ... ثَلاثَاً. [انظر الحديث ٣٤٠٩ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة. وعلي بن عبد الله هو ابن المديني، وسفيان هو ابن
عيينة، وعمرو هو ابن دینار.
والحديث أخرجه مسلم في القدر أيضاً عن محمد بن حاتم وغيره. وأخرجه أبو
داود في السنة عن مسدد وأحمد بن صالح. وأخرجه النسائي في التفسير عن محمد بن
عبد الله. وأخرجه ابن ماجه في السنة عن هشام بن عمار وغيره.
قوله: ((حفظناه من عمرو)) وفي (مسند الحميدي): عن سفيان حدثنا عمرو بن
دينار، وفيه التأكيد لصحة روايته. قوله: ((احتج)) أي: تحاج وتناظر، وفي رواية همام
ومالك: تحاج، كما في الترجمة، وهي أوضح، وفي رواية أيوب عند البخاري
ويحيى بن آدم: حج آدم موسى وعليهما (شرح الطيبي) فقال: معنى قوله: ((حج آدم
موسى)) غلبه بالحجة. وقوله: بعد ذلك ((قال موسى: يا آدم أنت)) ... إلى آخره،
توضيح لذلك وتفسير لما أجمل. وقوله في آخره ((فحج آدم وموسى)) تقرير لما سبق
وتأكيد له. قوله: ((أنت أبونا)) وفي رواية ابن أبي كثير: أنت أبو الناس، وفي رواية
الشعبي: أنت آدم أبو البشر. قوله: ((خيبتنا)) أي: أوقعتنا في الخيبة وهي الحرمان.
قوله: ((وأخرجتنا من الجنة)) وهي دار الجزاء في الآخرة وهي مخلوقة قبل آدم. قوله:
((وخط لك بيده) من المتشابهات فإما أن يفوض إلى الله تعالى، وإما أن يؤول بالقدرة،
والغرض منه كتابة ألواح التوراة. قوله: ((على أمر قدره الله)) ويروى: قدر الله، بدون
الضمير، وهي رواية السرخسي والمستملي، والمراد بالتقدير هنا الكتابة في اللوح
المحفوظ أو في صحف التوراة، وإلاَّ فتقدير الله أزلي. قوله: ((بأربعين سنة)) قال ابن
التيني: يحتمل أن يكون المراد بالأربعين سنة ما بين قوله تعالى: ﴿إِنِّ جَاعِلٌ فِى الْأَرْضِ
خَلِيفَةٌ﴾ [البقرة: ٣٠] إلى نفخ الروح في آدم، وقيل: ابتداء المدة وقت الكتابة في الألواح
وآخرها ابتداء خلق آدم. وقال ابن الجوزي: المعلومات كلها قد أحاط بها علم الله
القديم قبل وجود المخلوقات كلها. ولكن كتابتها وقعت في أوقات متفاوتة، وقد ثبت
في (صحيح مسلم): أن الله قدر المقادير قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف

٢٤٥
٨٢ - كتاب القدر / باب (١١)
سنة، فيجوز أن تكون قصة آدم بخصوصها كتبت قبل خلقه بأربعين سنة، ويجوز أن
يكون ذلك القدر مدة لبثه طيناً إلى أن نفخت فيه الروح، فقد ثبت في (صحيح مسلم):
أن بين تصويره طيناً ونفخ الروح فيه كان مدة أربعين سنة، ولا يخالف ذلك كتابة
المقادير عموماً قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة. فإن قلت: وقع في
حديث أبي سعيد الخدري، رضي الله تعالى عنه: أتلومني على أمر قدره الله عليّ قبل أن
يخلق السموات والأرض؟.
قلت: تحمل مدة الأربعين سنة على ما يتعلق بالكتابة، ويحمل الآخر على ما يتعلق
بالعلم. قوله: ((فحج آدم موسى))، آدم مرفوع بلا خلاف وشذ بعض الناس فقرأه بالنصب
على أن آدم المفعول وموسى في محل الرفع على أنه الفاعل، نقله الحافظ أبو بكر بن
الخاصة عن مسعود بن ناصر السجزي الحافظ، قال: سمعته يقرأ: فحج آدم، بالنصب
قال: وكان قدرياً. وقد روى أحمد من رواية الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة بلفظ :
((فحجه آدم)»، وهذا يقطع الإشكال فإن رواته أئمة حفاظ، والزهري من كبار الفقهاء الحفاظ،
ومعنى: فحج، أي: غلبه بالحجة، يقال: حاججت فلاناً فحججته مثل خاصمته فخصمته،
وقال الخطابي: إنما حجه آدم في رفع اللوم إذ ليس لأحد من الآدميين أن يلوم أحداً به. وقال
النووي: معناه أنك تعلم أنه مقدر فلا تلمني، وأيضاً اللوم شرعي لا عقلي، وإذا تاب الله
عليه وغفر له ذنبه زال عنه اللوم فمن لامه كان محجوجاً. قوله: ((ثلاثاً) أي قال: ((حج آدم
موسى)) ثلاث مرات، وفي حديث رواه عمرو بن أبي عمرو عن الأعرج. ((لقد حج آدم
موسی، لقد حج آدم موسی، لقد حج آدم موسی)).
فإن قلت: متى كان ملاقاة آدم وموسى؟.
قلت: قيل يحتمل أن يكون في زمن موسى عليه السلام، وأحيا الله له آدم معجزة
له فكلمه أو كشف له عن قبره فتحدثا، أو أراه الله روحه كما أرى النبي صلى الله تعالى
عليه وآله وسلم، ليلة المعراج أرواح الأنبياء عليهم السلام، أو أراه الله في المنام رؤيا،
ورؤيا الأنبياء وحي، أو كان ذلك بعد وفاة موسى فالتقيا في البرزخ أول ما مات موسى
فالتقت أرواحهما في السماء، وبذلك جزم ابن عبد البر والقابسي، أو أن ذلك لم يقع،
وإنما يقع بعد في الآخرة، والتعبير عنه بلفظ الماضي لأنه محقق الوقوع فكأنه قد وقع.
فإن قلت: لم خص موسى عليه السلام، بالذكر؟.
قلت: لكونه أول نبي بعث بالتكاليف الشديدة. فإن قلت: ما وجه وقوع الغلبة
لآدم، عليه السلام؟ .
قلت: لأنه ليس لمخلوق أن يلوم مخلوقاً في وقوع ما قدر عليه إلا بإذن من الله،
فيكون الشارع هو اللائم، فلما أخذ موسى في لومه من غير أن يؤذن له في ذلك عارضه

٢٤٦
٨٢ - كتاب القدر / باب (١٢)
بالقدر. فأسكته، وقيل: إن الذي فعله آدم اجتمع فيه القدر والكسب والتوبة تمحو أثر
الكسب، وقد كان الله تاب عليه فلم يبق إلاّ القدر، والقدر لا يتوجه عليه لوم لأنه فعل
الله، ولا يسأل عما يفعل. وقيل: إن آدم أب وموسى ابن وليس للابن أن يلوم أباه،
حكاه القرطبي. فإن قلت: فالعاصي اليوم لو قال: هذه المعصية قدرت عليّ، فينبغي أن
يسقط عنه اللوم.
قلت: هو باق في دار التكليف، وفي لومه زجر له ولغيره عنها، وأما آدم فميت
خارج عن هذه الدار، فلم يكن في القول فائدة سوى التخجيل ونحوه.
قال سُفْيانُ: حدّثنا أبُو الزَّنادِ عَنِ الأعْرَجِ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ وَِّ .. مِثْلَهُ.
أي: قال سفيان بن عيينة: حدثنا أبو الزناد بالزاي والنون عبد الله بن ذكوان عن
عبد الرحمن بن هرمز الأعرج عن أبي هريرة، وهذا موصول وهو معطوف على قوله:
حفظناه من عمرو وفي رواية الحميدي قال: وحدثنا أبو الزناد، بإثبات الواو، وهي أظهر
في المراد، وقيل: أخطأ من زعم أن هذا الطريق معلق، وقد أخرجه الإسماعيلي منفرداً
بعد أن ساق طريق طاوس عن جماعة عن سفيان، فقال: أخبرنيه القاسم يعني ابن زكريا
حدثنا إسحاق بن حاتم العلاف حدثنا سفيان عن عمرو مثله، سواء، وزاد: قال:
وحدثني سفیان عن أبي الزناد به.
١٢ - بابٌ لا مانِعَ لِما أعْطَى الله
أي: هذا باب في بيان: لا مانع لما أعطى الله، ويروى: لما أعطاه الله، وهذا
منتزع من معنى حديث الباب، فلفظ الحديث: لا مانع لما أعطيت.
٦٦١٥/٢٢ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ سِنانٍ، حدّثنا فُلْحٌ، حدثنا عَبْدَةُ بنُ أبي لُبابَةَ، عَنْ
ورَّادٍ مَوْلَى المغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ قال: كَتَبَ مُعاوِيَةُ إلى المُغِيرَةِ: اكْتُبْ إِلَيَّ ما سَمِعْتَ النبيِّ ◌َِلـ
يَقُولُ خَلْفَ الصَّلاَةَ، فَأَمْلَى عَليَّ المُغِيرَةُ، قال: سَمِعْتُ النبيِّ وَّهِ يَقُولُ: خَلْفَ الصَّلاَةِ:
((لا إلهَ إلاّ الله وحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، اللَّهُمَّ لا مانِعَ لِما أعْطَيْتَ، ولاَ مُعْطِيَ لِما مَنَعْتَ، ولا
يَتْفَعُ ذا الجدِّ مِنْكَ الجَدُّ)). [انظر الحديث ٨٤٤ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة وإن كان بينهما نوع تغيير. ومحمد بن سنان بكسر السين
المهملة وبالنونين، وفليح - مصغر الفلح - بالفاء والحاء المهملة ابن سليمان، وكان
اسمه عبد الملك وفليح لقبه فغلب على اسمه، وعبدة - ضد الحرة - ابن أبي لبابة بضم
اللام وبالباءین الموحدتین الأسدي الکوفي سکن دمشق، ووراد بفتح الواو وتشديد الراء
مولى المغيرة بن شعبة وكاتبه.

٢٤٧
٨٢ - كتاب القدر / باب (١٣)
والحديث مضى في الصلاة في: باب الذكر بعد الصلاة. وأخرجه في مواضع
كثيرة في الاعتصام وفي الرقاق وفي الدعوات وغيرها، ومضى الكلام فيه في الصلاة.
قوله: ((الجد)) وهو ما جعل الله للإنسان من الحظوظ الدنيوية، وكلمة: من،
تسمى: من البدلية. كقوله تعالى: ﴿أَرَضِيتُم بِالْحَيَوَةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةَ﴾ [التوبة: ٣٨]
أي: بدل الآخرة، أي: المحظوظ لا ينفعه حظه بذلك أي: بدل طاعتك، وقال
الراغب: قيل: أراد بالجد أب الأب أي: لا ينفع أحداً نسبه. وقال النووي: منهم من
رواه بالكسر وهو الاجتهاد أي: لا ينفع ذا الاجتهاد منك اجتهاده إنما ينفعه رحمتك.
وقال ابنُ جُرَيْجِ: أخبَرني عَبْدَةُ أنَّ ورَّاداً أخْبَرَهُ بِهُذَا، ثُمَّ وفَدْتُ بَعْدُ إلى مُعاوِيَةَ فَسَمِعْتُهُ
يأمُرُ النَّاسَ بِذَلِكَ القَوَّلِ.
ابن جريج هو عبد الملك بن العزيز بن جريج، وهذا التعليق وصله أحمد ومسلم
من طريق ابن جريج، والمقصود من هذا التعليق التصريح بأن وراداً أخبر به عبدة لأنه
وقع في الرواية الأولى بالعنعنة. قوله: ثم وفدت، القائل بهذا عبدة، ووفدت من الوفود
وهو قصد الأمراء لزيارة واسترفاد وانتجاع وغير ذلك، يقال: وفد يفد فهو وافد. قوله :
بعد، مبني على الضم أي: بعد أن سمعته من وراد. قوله: إلى معاوية، هو ابن أبي
سفيان لما كان في الشام حاكماً. قوله: بذلك القول، أشار به إلى القول الذي كان
يقوله 9، وهو الدعاء المذكور عقيب الصلاة.
١٣ - بابُ مَنْ تَعَوَّذَ بالله مِنْ دَرَكِ الشَّقاءِ وسُوءِ القَضاءِ
أي: هذا باب في بيان أمر المتعوذ من هذين الشيئين. أحدهما: درك الشقاء،
بفتح الراء: اللحاق والتبعة والشقاء بالفتح والمد الشدة والعسر وهو يتناول الدينية
والدنياوية. والآخر: سوء القضاء، أي المقضي إذ حكم الله كله حسن.
وقَوْلِهِ تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ
مِن شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق: ١ - ٢].
أشار بذكر هذه الآية الكريمة إلى الرد على من زعم أن العبد يخلق فعل نفسه،
لأنه لو كان السوء المأمور بالاستعاذة منه مخترعاً لفاعله لما كان للاستعاذة بالله منه
معنّى، لأنه لا يصح التعوذ إلاَّ بمن قدر على إزالة ما استعيذ به منه.
٦٦١٦/٢٣ - حدّثنا مُسَدَّدٌ، حدثنا سُفيانُ، عنْ سُمَيٍّ، عن أبي صالحٍ، عن أبي
هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ رَّه قال: ((تَعَوَّذُوا بالله مِنْ جَهْدِ البِلاَءِ ودَرَكِ الشَّقاءِ، وسُوءِ القَضَاءِ وشَماتَةِ
الاعْدَاءِ».
[انظر الحديث ٦٣٤٧].

٢٤٨
٨٢ - كتاب القدر / باب (١٤)
مطابقته للترجمة ظاهرة. وسفيان هو ابن عيينة، وسمي بضم السين المهملة وفتح
الميم وتشديد الياء مولى أبي بكر المخزومي، وأبو صالح ذكوان الزيات.
والحديث مضى في كتاب الدعوات في: باب التعوذ من جهد البلاء، فإنه أخرجه
هناك عن علي بن عبد الله عن سفيان عن سمي ... إلى آخره.
قوله: ((جهد البلاء) بضم الجيم أشهر وهو الحالة التي يختار عليها الموت،
وقيل: هو قلة المال وكثرة العيال وفي (التوضيح): جهد البلاء أقصى ما يبلغ وهو
الجهد بضم الجيم وفتحها قوله: ((وشماتة الأعداء)) الشماتة هي: الحزن يُفرح العدو
والفرح يُحزنه.
١٤ - باب ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤]
أي هذا باب في قوله تعالى ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلِهِ﴾ وأوله ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ
يَقُولُ بَيْنَ اَلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ، وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٤] وعن سعيد بن جبير معناه:
يحول بين الكافر أن يؤمن وبين المؤمن أن يكفر، وعن ابن عباس: يحول بين الكافر
وطاعته وبين المؤمن ومعصيته، وكذا روي عن الضحاك، وعن مجاهد: يحول بين
المرء وقلبه فلا يعقل ولا يدري ما يعمل، والغرض من هذه الترجمة الإشارة إلى أن الله
خالق لجميع كسب العباد من الخير والشر، وأنه قادر على أن يحول بين الكافر والإيمان
ولم يقدره إلاَّ على ضده وهو الكفر، وعلى أن يحول بين المؤمن والكفر، وأقدره على
ضده وهو الإيمان، وفعل الله عدل فيمن أضله لأنه لم يمنعهم حقاً وجب عليه،
وخلقهم على إرادته لا على إرادتهم، وكان ما خلق فيهم من قوة الهداية والتوفيق على
وجه التفصيل.
٦٦١٧/٢٤ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ مقاتِلِ أبُو الحَسَنِ، أخبرنا عَبْدُ الله، أخبرنا مُوسَى بنُ
عُقْبَةَ، عنْ سالِمٍ عنْ عَبدِ الله قال: كَثِيراً مِمَّا كانَ النبيِّي ◌َّهُ يَخْلِفُ: ((لا وَمُقَلْبِ القُلُوبِ)).
مطابقته للترجمة من حيث إن معنى: مقلب القلوب تقليبه قلب عبده عن إيثار
الإيمان إلى إيثار الكفر وعكسه، وفعل الله عدل في ذلك كما ذكرناه الآن.
وعبد الله هو ابن المبارك، وموسى بن عقبة بضم العين المهملة وسكون القاف،
وسالم هو ابن عبد الله يروي عن أبيه عبد الله بن عمر بن الخطاب.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في التوحيد عن سعيد بن سليمان، وفي الأيمان
والنذور عن محمد بن يوسف. وأخرجه الترمذي في الإيمان عن علي بن حجر
وعبد الله بن جعفر. وأخرجه النسائي عن أحمد بن سليمان وغيره. وأخرجه ابن ماجه
في الكفارات عن علي بن محمد الطنافسي. قوله: ((كثيراً) نصب على أنه صفة لمصدر

٢٤٩
٨٢ - كتاب القدر / باب (١٤)
محذوف تقديره: يحلف حلفاً كثيراً مما كان يريد أن يحلف به من ألفاظ الحلف. قوله:
(لا)) فيه حذف نحو: لا أفعل، أو: لا أترك، وحق مقلب القلوب، وهو الله عز وجل،
والواو فيه للقسم. قال الكرماني: مقلب القلوب أي: يقلب أغراضها وأحوالها من
الإرادة وغيرها إذ حقيقة القلب لا تنقلب.
وفيه: دلالة على أن أعمال القلوب من الإرادات والدواعي وسائر الأغراض بخلق
الله تعالى كأفعال الجوارح.
٦٦١٨/٢٥ - حدّثنا عَلِيُّ بنُ حَفْصٍ، وبِشْرُ بنُ مُحَمَّدٍ قالا: أخبرنا عَبْدُ الله، قال:
أخبرنا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ سالم عَنِ ابنِ عُمَرَ، رضي الله عنهما، قال: قال النبيُّ ◌ِّـ
لابنٍ صَيَّادٍ: ((خبَأْتُ لَكَ خَبِيثًا)) قالَ: الدُّخُ. قال: ((إخسأُ فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ)) قال عُمَرُ: اثْذَنْ
لي فأضرْبَ عُثُقَهُ، قال: ((دَعْهُ إنْ يَكُنُ هوَ لا تُطِيقُهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ فَلاَ خَيْرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ)) .
[انظر الحديث ١٣٥٤ وطرفيه].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((إن يكن هو ... )) إلى آخره، يعني: إن كان الذي
قال قد سبق في علم الله خروجه وإضلاله الناس فلن يقدرك خالقك على قتل من سبق في
علمه أنه يخرج ويضل الناس، إذ لو أقدرك على هذا لكان فيه انقلاب علمه، والله تعالى
عن ذلك.
وعلي بن حفص المروزي سكن عسقلان، وبشر بكسر الباء الموحدة وسكون
الشين المعجمة ابن محمد أبو محمد السختياني المروزي، وعبد الله هو ابن المبارك
المروزي، ومعمر بفتح الميمين ابن راشد، والزهري محمد بن مسلم، وسالم بن عبد
الله بن عمر.
والحديث مضى في كتاب الجنائز في: باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى
عليه؟ فإنه أخرجه هناك مطولاً، ومضى الكلام فيه مستوفى.
قوله: ((لابن صياد)) اسمه: صاف. قوله: ((خبيئاً)) ويروى: خبأ. قوله: ((الدخ))
بضم الدال المهملة وتشديد الخاء المعجمة الدخان، وقيل: أراد أن يقول: الدخان، فلم
يمكنه لهيبة رسول الله *، أو زجره رسول الله وَ﴾، فلم يستطع أن يخرج الكلمة
تامة. قوله: ((اخسأ)) بالهمز يقال خسأ الكلب إذا بعد، وأخساً أمر منه وهو خطاب زجر
وإهانة. قوله: ((فلن تعدو)) ويروى بحذف الواو تخفيفاً، أو بتأويل: لن، بمعنى: لم،
والجزم بلن لغة حكاها الكسائي. قوله: ((إن يكن هو)) ويروى: إن يكنه، وفيه رد على
النحوي حيث قال: والمختار في خبر: كان، الانفصال. قوله: ((فلا تطيقه)) أي: لا
تطيق قتله، إذ المقدر أنه يخرج في آخر الزمان خروجاً يفسد في الأرض ثم يقتله
عيسى، عليه السلام. قوله: ((فلا خير لك)) قيل: كان يدعي النبوة فلم لا يكون قتله

٢٥٠
٨٢ - كتاب القدر / باب (١٥)
خيراً؟ وأجيب: بأنه كان غير بالغ، أو كان في مهادنة أيام اليهود وحلفائهم، وأما
امتحانه * بالخبء فلإظهار بطلان حاله للصحابة، وأن مرتبته لا تتجاوز عن الكهانة.
١٥ - بابُ ﴿قُل لَّنْ يُصِيبَنَّا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: ٥١] قَضَى
أي: هذا باب في قوله تعالى: ﴿قُل لَّنْ يُصِيبَنَّآ ... ) إلى آخره. قوله: قضى،
تفسير لقوله: كتب، وأشار بهذه الآية إلى أن الله تعالى أعلم عباده أن ما يصيبهم في
الدنيا من الشدائد والمحن والضيق والخصب والجدب إن ذلك كله فعل الله تعالى،
يفعل من ذلك ما يشاء لعباده ويبتليهم بالخير والشر، وذلك كله مكتوب في اللوح
المحفوظ .
قال مُجاهِدٍ: ﴿بِفاتِنِينَ﴾ بِمُضِلِينَ، إلاّ مَنْ كَتَب الله. أنَّهُ يَصْلَى الجَحِيمَ.
أي قال مجاهد في تفسير قوله تعالى: ﴿مَآ أَتْ عَلَيْهِ بِفَتِينٌ (١٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالٍ
اَلَْحِيمِ﴾ [الصافات: ١٦٢ - ١٦٣] أي: ما أنتم عليه بمضلين إلاَّ من كتب الله تعالى أنه يصلى
أي: يدخل الجحيم، وهذا التعليق وصله عبد بن حميد بمعناه من طريق إسرائيل عن
منصور في هذه الآية، قال: لا يفتنون إلاَّ من كتب عليه الضلالة.
﴿قَدَّرَ فَهَدَى﴾ قَدَّرَ الشَّقَاءَ والسَّعادَةَ وَهَدَى الأنْعامَ لِمَرَاتِعِها.
أشار به إلى تفسير مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَلَّذِى قَدَرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ٣] وفسره بقوله:
قدر الشقاء والسعادة، ووصله الفريابي عن ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد. قوله:
وهدى الأنعام لمراتعها، ليس له تعلق بما قبله بل هو تفسير لمثل قوله تعالى: ﴿رَبُّنَا الَّذِىّ
أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠].
٦٦١٩/٢٦ - حدّثني إِسْحَاقُ بنُ إبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِيُّ، أخبرنا النَّضْرُ، حدّثنا داوُدُ بنُ
أبي الفُراتِ، عنْ عَبْدِ الله بنِ بُرَيْدَةً، عنْ يَحْيَى بنِ يَعْمَرُ أنَّ عَائِشَةَ، رضي الله عنها، أخْبَرَتْهُ
أَنَّها سَأَلَتْ رسولَ الله وَّهِ عنِ الطَّاعُونِ. فقال: ((كان عذاباً يَبْعَثُهُ الله عَلى مَنْ يَشَاءُ، فَجَعَلَهُ الله
رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، مَا مِنْ عَبْدِ يَكُونُ فِي بَلْدَةٍ يَكُونُ فِيها وَيَمْكُثُ فِيها لا يخْرُجُ مِنَ البَلْدَةِ صابِراً
مُخْتَسِباً، يَعْلَمُ أنّهُ لا يُصِيبُهُ إلاّ ما كَتَبَ الله لهُ، إلاَّ كان لهُ مِثْلُ أجْرٍ شَهِيدٍ)) [انظر الحديث ٣٤٧٤
وطرفه].
مطابقته للترجمة في آخر الحديث. وإسحاق بن إبراهيم هو ابن راهويه، ونسبته
إلى حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم بطن عامتهم بالبصرة، والنضر بفتح النون
وسكون الضاد المعجمة ابن شميل، وداود بن أبي الفرات بضم الفاء وتخفيف الراء
المروزي تحول إلى البصرة، وعبد الله بن بريدة - مصغر البردة - الأسلمي قاضي مرو،

٢٥١
٨٢ - كتاب القدر / باب (١٦)
ويحيى بن يعمر بفتح الياء آخر الحروف وسكون العين المهملة وضم الميم وبالراء
القاضي أيضاً بمرو، والرجال كلهم مروزيون. وهو من الغرائب.
والحديث مضى في التفسير وفي ذكر بني إسرائيل وفي الطب عن إسحاق عن
حبان. وأخرجه النسائي في الطب عن العباس بن محمد ومضى الكلام فيه.
قوله: ((الطاعون)) الوباء قاله أهل اللغة، وقال الداودي: إنه حب ينبت في
الأرفاغ، وقيل: هو بثر مؤلم جداً يخرج غالباً من الآباط مع اسوداد حواليه وخفقان
القلب. قوله: ((رحمة)) قيل ما معنى كون العذاب رحمة؟. وأجيب: بأنه وإن كان هو
محنة في الصورة لكنه رحمة من حيث إنه يتضمن مثل أجر الشهيد فهو سبب الرحمة
لهذه الأمة.
١٦ - بابٌ ﴿وَمَا كُنَا لِنَهْتَدِىَ لَوْلَا أَنْ هَدَنَا اُللَّهُ ﴾ [الأعراف: ٤٣] ﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَينِى
لَكُنتُ مِنَ الْمُنَّقِينَ﴾ [الزمر: ٥٧]
أي: هذا باب في قوله تعالى: ﴿وَمَا كُثَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلَا أَنْ هَدَنَا الَّهُ﴾ وقوله تعالى:
﴿لَوْ أَشَّ اللَّهَ هَدَنِنِى لَكُنتُ مِنَ الْمُنَّقِينَ﴾ إلى آخره. هاتان آيتان، وحديث الباب
نص على أن الله تعالى انفرد بخلق الهدى والضلال، وأنه قدر العباد على اكتساب ما
أراد منهم من إيمان وكفر، وأن ذلك ليس بخلق للعباد، كما زعمت القدرية.
٦٦٢٠/٢٧ - حدّثنا أبو النُّعْمانِ، أخبرنا جَرِيرٌ هُوَ ابنُ حازِمِ، عنْ أبي إسْحَاقَ،
عنِ الْبَراءِ بنِ عازِبٍ قال: رَأيْتُ النبيِّ ◌َهِ يَوْمَ الخَتْدَقِ يَنْقِلُ مَعَنا التُّرابَ وهُوَ يَقُولُ:
ولا صُمْنا ولا صَلَّيْنا
والله لَوْلاَ الله ما اهْتدَيْنا
وثَبِّت الأقدامَ إنْ لاقَيْنا
فأنْزِلَنْ سَكِينَةً عَليْنا
إذا أرَادُوا فِتْنَةٌ أَبَيْنا
والمُشْركُونَ قَدْ بَغَوْا عَلیْنا
[انظر الحديث ٢٨٣٦ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله :
لولا الله ما اهتدينا
وأبو النعمان محمد بن الفضل السدوسي البصري، وجرير بن حازم بالحاء
المهملة والزاي، وأبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي.
والحديث مضى في الجهاد في: باب حفر الخندق فإنه أخرجه هناك عن

٢٥٢
٨٢ - كتاب القدر / باب (١٦)
حفص بن عمر عن شعبة عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه،
ومضى الكلام فيه هناك.
قوله: ((قد بغوا)) أي: ظلموا. قوله: ((أبينا)) من الإباء وهو الامتناع. ويروى:
أتينا، من الإتيان.
والله ولي التوفيق.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(٨٣) كِتابُ الأيْمانِ والنُّذُور
أي: هذا كتاب في بيان أنواع الأيمان وأنواع النذور، والأيمان جمع يمين وهو
لغة القوة، قال الله عز وجل: ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِلْيَمِينٍ﴾ [الحاقة: ٤٥] أي: بالقوة والقدرة، وهي
الجارحة أيضاً وفي الشرع تقوية أحد طرفي الخبر بالمقسم به، وقال الكرماني: اليمين
تحقيق ما يجب وجوده بذكر الله تعالى والتزام المكلف قربة أو صفتها، وقال أصحابنا:
النذر إيجاب شيء من عبادة أو صدقة أو نحوهما على نفسه تبرعاً، يقال: نذرت الشيء
أنذر وأنذر بالضم والكسر نذراً.
١ - بابُ قَوْلِ الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِلَّغْوِ فِّ أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَِّذُكُم بِمَا
عَقَّدُمُ الْأَيْمَنِّ فَكَفََّرَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةٍ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَو
كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَّخْرِيُرُ رَقَبَّةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَهِيَامُ ثَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفََّرَةُ أَيْمَنِكُمْ إِذَا
حَلَفْتُمْ وَأَحْفَظُواْ أَيَمَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ ءَايَتِهِ، لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٨٩]
أي: هذا باب في ذكر قول الله تعالى، هكذا وقع في بعض النسخ ولم يقع لفظ:
باب عند أكثر الرواة، وذكر الآية كلها، إنما هو في رواية كريمة. قوله: ﴿بِلَّغْوِ﴾، هو
قول الرجل في الكلام من غير قصد: لا والله، وبلى والله، هذا مذهب الشافعي. وقيل:
هو في الهزل، وقيل: في المعصية، وقيل: على غلبة الظن. وهو قول أبي حنيفة
وأحمد، وقيل: اليمين في الغضب، وقيل: في النسيان. قوله: ﴿بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَنِّ﴾
أي: بما صممتم عليه من الأيمان وقصدتموها، قرىء بتشديد القاف وتخفيفها، والعقد
في الأصل الجمع بين أطراف الشيء، ويستعمل في الأجسام ويستعار للمعاني نحو:
عقد البيع، وعن عطاء معنى: عقدتم الأيمان: أكدتم. قوله: ﴿مَسَكِينَ﴾ أي: محاويج
من الفقراء ومن لا يجد ما يكفيه. قوله: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيُمْ ﴾ قال ابن عباس
وسعيد بن جبير وعكرمة: من أعدل ما تطعمون أهليكم، وقال عطاء الخراساني: من
أمثل ما تطعمون أهليكم، وقال ابن أبي حاتم بإسناده عن علي، رضي الله تعالى عنه،
قال: خبز ولبن وسمن، وبإسناده عن ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، أنه قال: ﴿مِنَّ
٢٥٣

٢٥٤
٨٣ - كتاب الأيمان والنذور / باب (١)
أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ قال: الخبز واللحم والسمن، والخبز واللبن، والخبز
والزيت، والخبز والخل. واختلفوا في مقدار ما يطعمهم، فقال ابن أبي حاتم بإسناده
عن على، ي رضي الله تعالى عنه، قال: يغديهم ويعشيهم، وقال الحسن ومحمد بن
سيرين: يكفيه أن يطعم عشرة مساكين أكلة واحدة خبزاً ولحماً، وزاد الحسن، فإن لم
يجد فخبزاً وسمناً ولبناً، فإن لم يجد فخبزاً وزيتاً وخلاً. حتى يشبعوا، وقال قوم: يطعم
كل واحد من العشرة نصف صاع من بر أو تمر ونحوهما، وهذا قول عمر وعليّ وعائشة
ومجاهد والشعبي وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي ومنصور بن مهران ومالك والضحاك
والحكم ومكحول وأبي قلابة ومقاتل بن حيان، وقال أبو حنيفة، رضي الله تعالى عنه:
نصف صاع من بر أو صاع من غيره، وهو قول مجاهد ومحمد بن سيرين والشعبي
والثوري والنخعي وأحمد، وروي ذلك عن علي وعائشة، رضي الله تعالى عنهما، وقال
الشافعي: الواجب في كفارة اليمين مد بمد النبي وَ﴾، قوله: ﴿أَو كِسْوَتُهُمْ﴾ قال
الشافعي: لو دفع إلى كل واحد من العشرة ما يصدق عليه اسم الكسوة من قيمص أو
سراويل أو إزار أو عمامة أو مقنعة أجزأه ذلك. واختلف أصحابه في القلنسوة: هل
تجزىء أم لا؟ على وجهين: وحكى الشيخ أبو حامد الإسفرايني في الخف وجهين
أيضاً، والصحيح عدم الإجزاء، وقال مالك وأحمد: لا بد أن يدفع إلى كل واحد منهم
ما يصح أن يصلي فيه إن كان رجلاً أو امرأة كل بحسبه، وقال العوفي عن ابن عباس :
عباءة لكل مسكين أو شملة، وقال مجاهد: أدناه ثوب وأعلاه ما شئت، وعن سعيد بن
المسيب: عباءة يلف بها رأسه وعباءة يأتزر بها. قوله: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ أخذ أبو
حنيفة، رضي الله تعالى عنه، بإطلاقها فجوز الكافرة، وقال الشافعي وآخرون: لا يجوز
إلاَّ مؤمنة. قوله: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدٌ﴾ أي: فإن لم يقدر المكلف على واحدة من هذه
الخصال الثلاث ﴿فَصِيَامُ﴾ أي: فعليه صيام ﴿ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾. واختلفوا فيه: هل يجب
التتابع أو يستحب؟ فالمنصوص عن الشافعي: أنه لا يجب التتابع، وهو قول مالك،
وقال أبو حنيفة وأحمد: يجب التتابع، ودلائلهم مذكورة في كتب الفقه. قوله: ﴿ذَلِكَ﴾
إشارة إلى المذكور قبله. قوله: ﴿وَأَحْفَظُواْ أَيْمَنَّكُمْ﴾ عن الحنث فإذا حنثتم فاحفظوها
بالكفارة .
٦٦٢١/١ - حدثنا مُحمَّدُ بنُ مُقاتِلٍ أبُو الحَسَنِ، أخبرنا عَبْدُ الله، أخبرنا هِشامُ بنُ
عُزْوَةَ، عنْ أَبِيهِ عنْ عَائِشَةَ: أنَّ أبا بَكْرٍ، رضي الله عنه، لَمْ يَكُنْ يخْنَثُ فِي يَمِينٍ قَطْ، حتَّى
أَنْزَلَ الله تعالى كَفَّارَةَ اليَمِينِ. وقال: لا أخْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأيْتُ غَيْرَها خَيْراً مِنْها إلاّ أتَيْتُ
الّذِي هُوَ خَيْرٌ وكَفِّرْتُ عنْ يَمِينِي. [انظر الحديث ٤٦١٤].
مطابقته للآية التي هي الترجمة ظاهرة. وشيخه مروزي، وعبد الله هو ابن المبارك

٢٥٥
٨٣ - كتاب الأيمان والنذور / باب (١)
مروزي أيضاً، وهشام بن عروة يروي عن أبيه عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين.
والحديث من أفراده .
قوله: ((أن أبا بكر)) الصديق وفي رواية عبد الله بن نمير عن هشام بسنده عن أبي
بكر الصديق. قوله: ((لم يكن حنث)) إنما زادت لفظ الكون للمبالغة فيه، ولبيان أنه لم
يكن من شأنه ذلك. قوله: ((قط))، أصله: قطط، فأدغمت الطاء فى الطاء ومنهم من
يقول: قط، بضم القاف تبعاً لضم الطاء ومنهم من يخففه. قوله: ((كفارة اليمين)) أي:
آيتها وهي المذكورة في أول الباب. قوله: ((لا أحلف على يمين)) إلى آخره قالوا: إنما
قال أبو بكر هذا لما حلف أنه لا يبر مسطحاً لما تكلم في قصة الإفك، وأنزل الله
تعالى: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اَللَّهُ لَكُمُّ﴾ [النور: ٢٢] قال: بلى يا رب! إنا لنحب ذلك، ثم
عاد إلى بره كما كان أولاً. قوله: ((غيرها)) الضمير يرجع إلى اليمين باعتبار أن المقصود
منها المحلوف عليه مثل الخصلة المفعولة، أو المتروكة، إذ لا معنى ل قوله: ((لا أحلف))
على الحق.
٦٦٢٢/٢ - حدّثنا أبو النُّغْمانِ مُحَمِدُ بنُ الفَضْلِ، حدّثنا جَرِيرُ بنُ حازِم، حدثنا
الحَسَنُ، حدثنا عَبْدُ الرَّحْمُنِ بنُ سَمِرَةَ قال: قال النبيِّ وَِّ: ((يا عَبْدَ الرَّحْمْنِ بِنَ سَمُرَةَ! لا
تَسْألِ الإِمارَةَ، فإنّكَ إِنْ أوتِيتَها عنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْها، وإنْ أُوتِيتَها مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أعنْتَ
عَلَيْها، وإذا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأيْتَ غَيْرَها خَيْراً مِنْها فَكَفِّرْ عِنْ يَمِينَكَ وَأْتِ الّذِي هُوَ
خيرً)).
مطابقته للترجمة في قوله: ((فكفر عن يمينك)) والحسن هو البصري،
وعبد الرحمن بن سمرة بن حبيب وهو من مسلمة الفتح وقد شهد فتوح العراق وكان
فتح سجستان على يديه، أرسله عبد الله بن عامر أمير البصرة وليس له في البخاري إلاّ
هذا الحديث.
والحديث أخرجه البخاري في الأحكام عن حجاج بن منهال وفي الكفارات عن
محمد بن عبد الله. وأخرجه مسلم في الأيمان عن شيبان بن فروخ وغيره، وأخرجه أبو
داود في الخراج عن محمد بن الصباح وغيره. وأخرجه الترمذي في الأيمان عن
محمد بن عبد الأعلى. وأخرج النسائي قصة الإمارة في القضاء وفي السير عن
مجاهد بن موسى، وقصة اليمين في الأيمان عن جماعة آخرين.
قوله: ((الإمارة)) بكسر الهمزة أي: لا تسأل أن تعمل أميراً أي: حاكماً. قوله:
((أوتيتها)) على صيغة المجهول بالتشديد والتخفيف. قوله: ((أعنت))، على صيغة
المجهول أيضاً.
وفيه: كراهة سؤال ما يتعلق بالحكومة نحو القضاء والحسبة ونحوهما، وإن من

٢٥٦
٨٣ - كتاب الأيمان والنذور / باب (١)
سأل لا يكون معه إعانة من الله تعالى، فلا يكون له كفاية لذلك العمل فينبغي أن لا
یولی .
قلت: إذا كان عن مجرد السؤال، فما يكون حال من يسأل بالرشوة ويجتهد فيه؟
خصوصاً في غالب قضاة مصر فلا يتولون إلاَّ بالبراطيل والرشى؟ ولا يخاف من
استحقاق اللعنة من الله تعالى في ذلك، وقد روى عبد الله بن عمرو عن النبي ◌َّ:
(لعن الله الراشي والمرتشي والرائش)). وفيه: إن من حلف على فعل أو ترك وكان
الحنث خيراً من التمادي عليه استحب له الحنث، بل يجب، نظراً لظاهر الأمر. وفيه:
جواز التكفير قبل الحنث، وبه أخذ الشافعي ومالك في رواية، ولا يجوز عند الحنفية
لأن الكفارة لستر الجناية ولا جناية قبل الحنث، فلا يجوز.
وحكم الحديث أنه تعارضه رواية مسلم أخرجه عن أبي هريرة: من حلف على
يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه، وكذلك في حديث
عبد الرحمن بن سمرة، غير أن البخاري انفرد بتقديم الحنث قبل الكفارة، وكذلك في
رواية أبي داود في (سننه) تقديم الكفارة قبل الحنث، وجاء تقديم الحنث على الكفارة
في حديث أبي موسى الذي أخرجه البخاري ومسلم، وفي لفظ لهما تقديم الكفارة فإذا
كان الأمر كذلك فالأخذ برواية تقديم الحنث على الكفارة أولى لما ذكرنا.
٦٦٣٣/٣ - حدّثنا أبو النُّعْمانِ، حدّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ، عَنْ غَيْلانَ بنِ جَرِيرٍ، عنْ
أبي بُرْدَةَ عنْ أَبِيهِ قال: أتَيْتُ النبيِّ وَ﴿ فِي رَهْطٍ مِنَ الأشْعَرِيِّينَ أَسْتَحْمِلُهُ، فقال: ((والله لا
أحْمِلُكم، وما عِنْدِي ما أحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ». قال: ثُمَّ لَبِثْنا ما شاءَ الله أنْ نَلْبَثَ، ثُمَّ أُتِيَ بِثَلاثِ
ذَوْدٍ غُرِّ الذُّرْى - فَحَمَلَنا عَلَيْها، فَلَمَّا انْطَلَقْنَا قُلْنا - أوْ قالَ بَعْضُنا: والله لا يُبارَكُ لَنا، أَتَيْنا
النبيَّ رَ﴿ نَسْتَحْمِلُهُ فَحَلَفَ أنْ لا يَحْمِلَنا ثُمَّ حَمَلَنَا، فارْجِعُوا بِنا إلى النبيِّ ◌َ ﴿ فَتُذَكِّرَهُ،
فأتَيْناهُ فقال: ((ما أنا حَمَلْتُكُمْ، بَلِ الله حَمَلَكمْ وإنّي والله - إن شاءَ الله - لا أخلِفُ عَلَى يَمِينِ
فأرى غَيْرَهَا خَيْراً مِنْها إلاّ كَفَّرْتُ عِنْ يَمِينِ، وأَتَيْتُ الّذِي هُوَ خَيْرٌ، أوْ أَتَيْتُ الْذِي هُوَ خَيْرٌ
وكَفَّرْتُ عنْ یَمِيني).
[انظر الحديث ٣١٣٣ وأطرافه].
مطابقته للترجمة تفهم من معنى الحديث. وأبو النعمان محمد كما مر، وغيلان
بفتح الغين المعجمة وسكون الياء آخر الحروف ابن جرير بفتح الجيم الأزدي البصري،
وأبو بردة بضم الباء الموحدة وسكون الراء، قيل: اسمه الحارث. وقيل: عامر يروي
عن أبيه أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في كفارات الأيمان عن قتيبة، وأخرجه أيضاً
مطولاً في كتاب الخمس في: باب ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين،

٢٥٧
٨٣ - كتاب الأيمان والنذور / باب (١)
فلينظر فيه. وأخرجه مسلم في الأيمان عن خلف بن هشام وغيره. وأخرجه أبو داود في
الأيمان عن سليمان بن حرب. وأخرجه النسائي في الأيمان عن قتيبة. وأخرجه ابن
ماجه في الكفارات عن أحمد بن عبدة.
قوله: ((في رهط)) قد ذكرنا غير مرة أن الرهط ما دون العشرة من الرجال لا يكون
فيهم امرأة ولا واحد له من لفظه. قوله: ((من الأشعريين)) جمع أشعري نسبة إلى
الأشعر، واسمه: نبت بن أدد بن يشخب بن عريب بن زيد بن كهلان، وإنما قيل له
الأشعر لأن أمه ولدته أشعر. قوله: ((أستحمله)) أي: أطلب منه ما يحملنا من الإبل
ويحمل أثقالنا، وذلك كان في غزوة تبوك. قال الله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوَّكَ
لِتَحْمِلَهُمْ﴾ [التوبة: ٩٢] الآية. قوله: ((ثم أتي)) على صيغة المجهول أي النبي ◌َّهِ. قوله:
((بثلاث ذود)) بفتح الذال المعجمة وسكون الواو وبالدال المهملة: وهو الإبل من الثلاث
إلى العشرة، وهي مؤنثة ليس لها واحد من لفظها، والكثير أنواد، وقيل: الذود الواحد
من الإبل بدليل قوله: ((ليس فيما دون خمس ذود صدقة))، وقال القزاز: العرب تقول:
الذود من الثلاثة إلى التسعة، وقال أبو عبيد: هي من الإناث، فلذلك قال: بثلاث ذود،
ولم يقل: بثلاثة. وقال الكرماني: قيل: هو من باب إضافة الشيء إلى نفسه. قوله:
((غر الذرى))، بضم الغين المعجمة وتشديد الراء وهو جمع الأغر وهو الأبيض الحسن،
والذرى بضم الذال المعجمة وفتح الراء وكسرها جمع ذروة بالكسر والضم، وذروة كل
شيء أعلاه، والمراد هنا الأسنمة، وقد تقدم في كتاب الجهاد في: باب الخمس في
غزوة تبوك، أنه ستة أبعرة، ولا منافاة بينهما، إذ ليس في ذلك الثلاث نفي الستة.
قوله: ((فحملنا)) بفتح اللام أي: حملنا رسول الله وَ﴿ وكذلك: ثم حملنا، بفتح اللام.
قوله: ((بل الله حملكم)) يعني: لا معطي إلاَّ الله، والمعنى: إنما أعطيتكم من مال الله،
أو: بأمر الله لأنه كان يعطي بالوحي. قوله: ((وإني)) اسم: إن، ياء الإضافة، وخبرها
قوله: ((لا أحلف)) .. إلى آخره، والجملتان معترضتان بين اسم إن وخبرها. قوله: ((أو
أتيت)) إما شك من الراوي في تقديم: أتيت، على تقديم: كفرت، والعكس، وإما تنويع
من رسول الله * إشارة إلى جواز تقديم الكفارة على الحنث وتأخيرها.
٤ / ٦٦٢٤ - حدّثنا إسحاقُ بنُ إِبْرَاهِيمَ، أخبرنا عبْدُ الرَّزَّاقِ، أخبرنا مَعْمَرٌ، عنْ
هَمَّامِ بنِ مُنَبِّهِ قال: هُذَا ما حدّثنا بِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النبيِّ وَ ﴿ قال: ((نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ
يَوْمِ القِيامَةِ)). [انظر الحديث ٢٣٨ وأطرافه].
٦٦٢٥/٥ - فقال رسولُ اللهِوَ﴿: (والله لأنْ يَلَجْ أحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ في أهْلِهِ آَثَمُ لَهُ عِنْدَ
الله مِنْ أَنْ يُعْطِيَ كَفَّارَتَهُ الْتِي افْتَرَضَ الله عَلَيْهِ)). [الحديث ٦٦٢٥ - طرفه في: ٦٦٢٦].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((لأن يلج)) ... إلى آخره. وأما وجه إدخال
عمدة القاري / ج٢٣ - م١٧

٢٥٨
٨٣ - كتاب الأيمان والنذور / باب (١)
قوله: ((نحن الآخرون السابقون يوم القيامة))، فهو أن هذا أول حديث في صحيفة همام
عن أبي هريرة، وكان همام إذا روى الصحيفة استفتح بذكره ثم سرد الأحاديث فذكره
الراوي أيضاً كذلك، وقال ابن بطال: وجه ذلك أنه يمكن أن يكون سمع أبا هريرة
كذلك من رسول الله ◌َير، في نسق واحد فحدث بهما جميعاً كما سمعهما، ويمكن أن
الراوي فعل ذلك لأنه سمع من أبي هريرة أحاديث. أولها: ذلك فذكرها على الترتيب
الذي ذكره.
وإسحاق بن إبراهيم يحتمل أن يكون ابن راهويه، ويحتمل أن يكون إسحاق بن
نصر لأن كلاً منهما روى عن عبد الرزاق ومعمر بفتح الميمين ابن راشد.
والحديث أخرجه ابن ماجه في الكفارات عن سفيان من قوله: إذا استلج.
قوله: ((نحن الآخرون)) أي: آخر الأمم ((السابقون)) يوم القيامة في الحساب ودخول
الجنة .
قوله: ((فقال رسول الله (وَله)) بالفاء وفي رواية الكشميهني بالواو. قوله: ((لأن يلج))
من الإلجاج بالجيمين يعني: أقام على يمينه ولا يكفرها فيحللها ويزعم أنه صادق،
وقيل: هو أن يحلف ويرى أن غيرها خير منها، فيقيم على ترك الكفارة، وذلك إثم وفي
(الصحاح): لججت، بالكسر يلج لجاجاً ولجاجة، ولججت بالفتح لغة. قوله: ((بيمينه
في أهله)) يعني: إذا حلف يميناً يتعلق بأهله ويتضررون بعدم حنثه ولا يكون في الحنث
معصية ينبغي له أن يحنث ويكفر، فإن قال: لا أحنث وأخاف الإثم، فهو مخطىء.
قوله: ((آثم له)) بمد الهمزة وفتح الثاء المثلثة على وزن لفظ أفعل التفضيل وهو خير.
قوله: ((لأن يلج)) لأن: أن مصدرية واللام للتأكيد. تقديره: لجاجه باستمراره في يمينه
أشد إثماً من أن يعطي ... إلى آخره. ويجوز كسر إن. ف قوله: ((آثم)) بالمد، أي: أكثر
إثماً قال الكرماني: هذا يشعر بأن إعطاء الكفارة فيه إثم لأن الصيغة تقتضي الاشتراك،
ثم أجاب بأن نفس الحنث فيه إثم لأنه يستلزم عدم تعظيم اسم الله تعالى، وبين إعطاء
الكفارة وبينه ملازمة عادة.
٦/ ٦٦٢٦ - حدّثني إسحاقُ - يَعْني ابن إبْرَاهِيمَ - حدثنا يحيى بنُ صالِحٍ، حدثنا
مُعاوَيَةُ، عَنْ يَحْيِى، عنْ عِكْرِمَةَ عنْ أبي هُرَيْرَةَ قال: قال رسولُ اللهِوَله: ((مَنِ اسْتَلَجَّ في
أهْلِهِ بِيَمِينٍ، فَهُوَ أَعْظَمُ إِثْماً لِيَبَرَّ) - يَعْني: الكَفَّارَةَ. [انظر الحديث ٦٦٢٥].
هذا طريق آخر في حديث أبي هريرة السابق أخرجه عن إسحاق ثم بينه بقوله: ابن
إبراهيم، وقال الغساني: إسحاق يشبه أن يكون ابن منصور، فالظاهر أنه هو الصواب
لأن في كثير من النسخ ذكر إسحاق مجرداً حتى قال جامع (رجال الصحيحين) في
ترجمة يحيى بن صالح الحمصي، روى عنه إسحاق، غير منسوب وهو ابن منصور.

٢٥٩
٨٣ - كتاب الأيمان والنذور / باب. (٢)
وأما النسخة التي فيها يعني: ابن إبراهيم ما أزالت الإبهام لأن في مشايخ البخاري
إسحاق بن إبراهيم بن نصر، وإسحاق بن إبراهيم، بن عبد الرحمن، وإسحاق بن
إبراهيم الصواف، وإسحاق بن إبراهيم المعروف بابن راهويه، ويحيى بن صالح روى
عنه البخاري أيضاً بلا واسطة في الصلاة، ومعاوية هو ابن سلام بالتشديد الحبشي
الأسود، ویحیی هو ابن كثير - ضد القليل -.
قوله: ((من استلج)) من باب الاستفعال، والسين فيه للتأكيد، وذكر ابن الأثير أنه وقع
في رواية: من استلجج، بفك الإدغام. قوله: ((ليبر)) بلفظ أمر الغائب من البر أو الإبرار
يعني: ليفعل البر أي: الخير بترك اللجاج، يعني: ليعط الكفارة، وإنما فسره بذلك لئلا يظن
أن البر هو البقاء على اليمين. وقوله: ((ليبر)» هكذا في رواية ابن السكن، ولأبي ذر عن
الكشمينهي. قوله: ((يعني)) بفتح الياء آخر الحروف وسكون العين المهملة وكسر النون
تفسير: ليبر، ويروى: ليس تغني الكفارة، وهذه الرواية أولى إذ هو تفسير لاستلج بمعنى
الاستلجاج وهو عدم عناية الكفارة وإرادتها، وأما المفضل عليه فمحذوف، يعني: أعظم من
الحنث، والجملة استئناف أو صفة للإثم يعني: إثماً لا يغني عنه كفارة.
٢ - بابُ قَوْلِ النبيِّ ◌َّ: «وايْمُ الله)»
أي: هذا باب في ذكر قول النبي و 8* في يمينه: وأيم الله، الهمزة فيه للوصل،
وهو اسم وضع للقسم أو هو جمع يمين وحذف منه النون، وعند الفراء وابن كيسان ألفه
ألف القطع. وقال الجوهري: ربما حذفوا الياء، فقالوا: أم الله، وربما أبقوا الميم
مضمومة فقالوا: أم الله .
٧/ ٦٦٢٧ - حدّثنا قتَيْبَةُ بنُ سَعيدٍ، عنْ إِسْماعِيلَ بنِ جَعْفَرٍ، عنْ عَبْدِ الله بن
دِينارٍ، عنِ ابنِ عُمَرَ، رضي الله عنهما، قال: بَعَثَ رسولُ اللهِوَ ﴿ بَعْثاً، وأمَّرَ عَلَيْهِمْ
أُسَامَةَ بنَ زَيْدٍ، فَطَعَنَ بَعْضُ النَّاسَ في إمْرَتِهِ، فقامَ رسولُ اللهِوَ ﴿ فقال: ((إنْ كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ
فِي إِمْرَتِهِ، فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعُتُونَ في إمْرَةِ أَبِيهِ مِنْ قَبْلُ، وايمُ الله إنْ كان لَخَلِيقاً لِلإِمارَةِ، وإنْ كان
لِمَنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، وإنَّ هذا لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ بَعْدَهُ)). [انظر الحديث ٣٧٣٠ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((وايم الله)) والحديث مضى في: باب مناقب زيد بن
حارثة مولى رسول الله
قوله: ((بعثاً)) أي: سرية. قوله: ((في إمرته)) بكسر الهمزة وسكون الميم، ويروى:
في إمارته. قوله: ((تطعنون)) المشهور فيه فتح العين، وقال ابن فارس عن بعضهم: طعن
بالرمح يطعن بالضم وطعن بالقول يطعن بالفتح. قوله: ((وأيم الله)) يعني: يمين الله،
ولكن معناه: يمين الحالف بالله لأنه لا يجوز أن يوصف الله بأن يحلف بيمين، وإنما هو

٢٦٠
٨٣ - كتاب الأيمان والنذور / باب (٣)
من صفات المخلوقين، وروي عن ابن عمر وابن عباس أنهما كانا يحلفان: بأيم الله،
وأبى الحلف بها الحسن البصري وإبراهيم النخعي وهو يمين عند أصحابنا، قاله
الطحاوي، وبه قال مالك، وقال الشافعي: إن لم يرد بها يميناً فليست بيمين، وروي
عن ابن عباس أنه اسم من أسماء الله تعالى، فإن صح ذلك فهو الحلف بالله. قوله: ((إن
كان)) إن مخففة من الثقيلة. قوله: ((لخليقاً بالإمارة)) أي: لجديراً لها وأهلاً. قوله: ((لمن
أحب الناس)) قال الكرماني: الأحب بمعنى المحبوب، وفيه تأمل: قوله: ((إليّ)) بتشديد
الياء .
٣ - بابُ حَيْفَ كَانَتْ يَمِين النبيِّ ◌َآر؟
أي: هذا باب في بيان كيفية يمين النبي وَله.
وقال سَعْدٌ: قال النبيُّ وَّهِ: ((وَالْذِي نَفْسِي بِيَدِهِ)) .
أي: قال سعد بن أبي وقاص، وأخرج البخاري هذا المعلق موصولاً في مناقب
عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، مطولاً فارجع إليه.
وقال أبُو قَتَادَةَ: قال أَبُو بَكْرٍ، رضي الله عنه، عنْدَ النبيّ وَِّ، لاَهَا الله إذاً.
أبو قتادة هو الحارث بن ربعي الأنصاري الخزرجي، فارس رسول الله وصلفيه،
وحديثه مضى في كتاب الخمس في: باب من لم يخمس الأسلاب: حدثنا عبد الله بن
مسلمة عن مالك عن يحيى بن سعيد عن ابن أفلح عن أبي محمد مولى أبي قتادة عن
أبي قتادة قال: خرجنا مع رسول الله وَلفر عام حنين ... الحديث إلى أن قال: صدق يا
رسول الله وسلبه عندي فأرضه يا رسول الله، فقال أبو بكر الصديق، رضي الله تعالى
عنه: لاها الله، إذاً يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله يعطيك سلبه؟ فقال
النبي *: صدق، فأعطاه. قوله: لاها الله، قال ابن الأثير: هكذا جاء الحديث: لاها
الله، إذاً، والصواب: لاها الله، بحذف الهمزة ومعناه: لا والله، لا يكون إذاً، ولا والله
ما الأمر ذا. فحذف تخفيفاً، ولك في ألف: ها، مذهبان. أحدهما: تثبت ألفها في
الوصل لأن الذي بعدها مدغم مثل دابة. والثاني: تحذفها لالتقاء الساكنين. وقال
صاحب (المطالع): لاها الله كذا، رويناه بقصرها، وإذا قال إسماعيل القاضي عن
المازني: إن الرواية خطأ. وصواب: لاها الله ذا، وذا صلة في الكلام، قال: وليس في
كلامهم: لاها الله، إذاً، وقاله أبو زيد. وقال أبو حاتم: يقال في القسم: لاها الله ذا،
والعرب تقول: لاها الله ذا، بالهمزة والقياس ترك الهمزة والمعنى: لا والله هذا ما أقسم
به، فأدخل اسم الله بين هذا وذا، وقال الكرماني: إذا جواب وجزاء أي: لا والله إذا