النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
٧٨ - كتابُ الأدَبِ / باب (٨٠)
مطابقته للترجمة من حيث إن المرأة المذكورة لم تستحي فيما سألته لأن سؤالها
كان للتقرب إلى رسول الله وَلهر، وتصير من أمهات المؤمنين المتضمنة لسعادات
الدارين .
ومرحوم بالراء والحاء المهملتين ابن عبد العزيز العطار البصري، وثابت بالثاء
المثلثة هو البناني.
والحديث مضى في كتاب النكاح في: باب عرض المرأة نفسها على الرجل
الصالح، فإنه أخرجه هناك عن علي بن عبد الله عن مرحوم ... إلى آخره، ومضى
الكلام فيه .
قوله: ((تعرض عليه نفسها)) أي: ليتزوجها رسول الله وَلـ قوله: (في)) بكسر الفاء
وتشديد الياء أي: في نكاحي. قوله: ((ابنته)) أي: ابنة أنس: ما أقل حياء هذه المرأة،
فقال أنس: هي خير منك حيث رغبت في رسول الله ويقول لتصير من أمهات المؤمنين.
٨٠ - بابُ قَوْل النبيِّ وَالَ: ((يَسِّرُوا ولا تُعَسِّرُوا))،
وكانَ يُحِبُّ التخْفِيفَ واليُسْرَ عَلَى النَّاسِ
أي: هذا باب في ذكر قول النبي وَلّ: يسروا ولا تعسروا، وهذا يأتي موصولاً
في الباب. قوله: وكان ... إلى آخره، أخرجه مالك في (الموطأ) عن الزهري عن عروة
عن عائشة، فذكر حديثاً في صلاة الضحى، وفيه: وكان يحب ما خف على الناس.
١٤٨/ ٦١٢٤ - حدَّثني إسْحاقُ، حدثنا النَّضْرُ، أخبرنا شُعْبَةُ، عَنْ سَعِيدٍ بنِ أبي
بُرْدَةَ، عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِهِ قال: لَمَّا بَعَثَهُ رسولُ اللهِ وََّ، ومُعاذَ بنَ جَبَلِ قَال لَهُما: ((يَسِّرَا ولا
تُعَسِرَا وبَشْرَا ولا تُنَفْرا وَتَطَاوَعا)). قال أبُو مُوسى: يا رسولَ الله! إنَّا بِأَرْضِ يُصْنَعُ فِيها شَرَابٌ
مِنَ العَسَلِ يُقالُ لَهُ البتْعُ، وشَرابٌ مِنَ الشَّعِيرِ يقالُ لَهُ المِزْرُ، فقال رسولُ اللهِوَّهِ: («كُلُّ
مُسْكِرٍ حَرامٌ».
[انظر الحديث ٢٢٦١ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((يسرا ولا تعسرا)). وإسحاق قال الكرماني: إما ابن
إبراهيم، وإما ابن منصور. قلت: هو قول الكلاباذي، وقال أبو نعيم: هو إسحاق بن
راهويه، والنضر بفتح النون وسكون الضاد المعجمة ابن شميل - مصغر الشمل -
وسعيد بن أبي بردة بضم الباء الموحدة وسكون الراء وبالدال المهملة واسمه عامر بن
أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري، وسعيد هذا يروي عن أبيه عامر، وعامر يروي
عن أبيه أبي موسى المذكور، ولا شك أنه عن أبيه عن جده.
والحديث مضى في أواخر كتاب المغازي في بعث أبي موسى ومعاذ بن جبل إلى

٢٦٢
٧٨ - كتابُ الأدَبِ / باب (٨٠)
اليمن قبل حجة الوداع.
قوله: ((وتطاوعا)) أي: توافقا في الأمور. قوله: ((بأرض)) يريد بها أرض اليمن.
قوله: ((البتع)) بكسر الباء الموحدة وسكون التاء المثناة من فوق وبالعين المهملة. قوله:
((المزر)) بكسر الميم وسكون الزاي وبالراء.
٦١٢٥/١٤٩ - حدَّثنا آدَمُ، حدثنا شُعْبَةُ، عَنْ أبي التَّيَّح قال: سَمِعْتُ أنَسَ بنَ
مالِكِ، رضي الله عنه، قال: قال النبيُّ وَالَ: ((يَسِّرُوا ولا تُعَسِّرُوا وسَكْنُوا ولا تُنَفِّرُوا)). [انظر
الحديث ٦٩ وطرفه].
الترجمة مأخوذة من هذا الحديث. وآدم هو ابن أبي إياس، وأبو التياح بفتح التاء
المثناة من فوق وتشديد الياء آخر الحروف وبالحاء المهملة يزيد بن حميد الضبعي
البصري .
والحديث مضى في العلم في: باب ما كان النبي وَّ، يتخولنا بالموعظة فإنه
أخرجه هناك عن محمد بن بشار عن يحيى بن سعيد عن شعبة ... إلى آخره.
قوله: ((يسروا)) أمر بالتيسير لينشطوا. قوله: ((ولا تعسروا))، نهى عن التعسير وهو
التشديد في الأمور لئلا ينفروا. قوله: ((وسكنوا)) أمر بالتسكين وهو في اللغة خلاف
التحريك، ولكن المراد هنا عدم تنفيرهم. قوله: ((ولا تنفروا)) كالتفسير له أي لسابقه
ومبنى كل ذلك إن هذا الدين مبني على اليسر لا على العسر، ولهذا قال وَلير: ((لم أبعث
بالرهبانية وإن خير الدين عند الله الحنفية السمحة وإن أهل الكتاب هلكوا بالتشديد،
شددوا فشدد الله عليهم)) .
٦١٢٦/١٥٠ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مالِكِ، عَنِ ابنِ شِهابٍ، عَنْ
عُزْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، رضي الله عنها، أنَّها قالَتْ: ما خُيُّرَ رسولُ اللهِ وَِّ، بَيْنَ أمْرَيْنِ قَطْ إلَّ
أخَذَ أيْسَرَهُما ما لَمْ يَكُنْ إِثْماً، فإنْ كان إِثْماً كان أبْعَد النَّاسِ مِنْهُ، وما انْتَقَّمَ رسولُ اللهِ وَهُ
لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ قَطُ إلا أنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ الله فَيَنْتَقِمَ بِها لله. [انظر الحديث ٣٥٦٠ وطرفيه].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((إلاَّ أخذ أيسرهما)) والحديث مضى في صفة
النبي ◌َّ﴾، ومضى الكلام فيه.
قوله: ((ما خيّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما)) يريد في أمر دنياه ل قوله: ((ما لم
يكن إثماً))، والإثم لا يكون إلاّ في أمر الآخرة. قال الكرماني: كيف خير رسول
الله ◌َلهُ، بين أمرين أحدهما إثم؟ ثم أجاب بقوله: التخيير إن كان من الكفار فظاهر،
وإن كان من الله تعالى أو من المسلمين فمعناه ما لم يؤد إلى إثم، كالتخيير بين
المجاهدة في العبادة والاقتصاد فيها، فإن المجاهدة بحيث تنجر إلى الهلاك غير جائزة .
وقال عياض: يحتمل أن يخيره الله تعالى فيما فيه عقوبتان ونحوه، وأما قولها: ((ما لم

٢٦٣
٧٨ - كتابُ الأدَبِ / باب (٨٠)
يكن إثماً)) فيتصور إذا خيره الكفار. قوله: ((إلاّ أن تنتهك حرمة الله)) يعني: انتهاك ما
حرمه، وهو استثناء منقطع، يعني: إذا انتهكت حرمة الله انتصر الله تعالى وانتقم ممن
ارتكب ذلك.
٦١٢٧/١٥١ - حدَّثنا أبُو النُّعْمانِ، حدثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ، عَنِ الأزرَقِ بنِ قَيْسٍ،
قال: كُنَّا عَلَى شاطِئٍ نَهرِ بالأهوازِ قَدْ نَضَبَ عَنْهُ الماءُ، فَجَاءَ أَبُو بَرْزَةَ الأسْلَمِيُّ عَلَى فَرَسٍ
فَصَلَّى وَخَلَّى فَرَسَهُ، فَانْطَلَقَتِ الفَرَسُ فَتَرَكَ صَلاَتَهُ وتَبعَها حَتَّى أذْرَكَها، فَأَخَذَها ثُمَّ جاءَ
فَقَضَى صَلاتَهُ، وفينا رَجُلٌ لَهُ رَأَيّ، فأقْبَلَ يَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى هذا الشَّيْخِ! تَرَكَ صَلاتَهُ مِنْ
أجْلٍ فَرَسٍ، فَأقْبَلَ فقال: ما عَنَّفَنِي أَحَدٌ مُنْذُ فارَقْتُ رسولَ اللهِوََّ، وقال: إنَّ مَنْزِلِي مُتَرَاخٍ
فَلَوْ صَلَّيْتُ وَتَرَكْتُ لَمْ آتِ أهْلِي إِلَى اللَّيْلِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ صَحِبَ النبيَّ ◌ََّ، فَرَأى مِنْ تَيْسيرِهِ.
[انظر الحديث ١٢١١].
مطابقته للترجمة تؤخذ من معنى الحديث، ومن قوله: «فرأى من تيسيره)) أي:
رأى من التسهيل ما حمله على ذلك إذ لا يجوز له أن يفعله من تلقاء نفسه دون أن
يشاهد مثله من النبي وَطهر .
وأبو النعمان محمد بن الفضل السدوسي الذي يقال له عارم، مات سنة أربع
وعشرين ومائتين، والأزرق بن قيس الحارثي البصري، وأبو برزة بفتح الباء الموحدة
وسكون الراء وبالزاي نضلة بفتح النون وسكون الضاد المعجمة ابن عبيد بن الحارث
الأسلمي بفتح الهمزة واللام، سكن البصرة وسمع النبي وَّد .
والحديث مضى في أواخر كتاب الصلاة في: باب إذا انفلتت الدابة في الصلاة
فإنه أخرجه هناك عن آدم عن شعبة عن الأزرق بن قيس ... إلى آخره. ومضى الكلام
فيه .
قوله: ((بالأهواز))، بفتح الهمزة وسكون الهاء وبالواو وبالزاي موضع بخورستان
بين العراق وفارس. قوله: ((نضب))، بفتح النون والضاد المعجمة وبالباء الموحدة أي:
غاب وذهب في الأرض. قوله: ((وتبعها))، ويروى: ((واتبعها)). قوله: ((فقضى صلاته))
أي: أداها، والقضاء، يأتي بمعنى الأداء كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الضَّلَوَةُ﴾
[الجمعة: ١٠] أي: فإذا أديت. قوله: ((وفينا رجل))، كان هذا الرجل يرى رأي الخوارج.
قوله: ((متراخ)) بالخاء المعجمة أي: متباعد. قوله: ((وتركت))، أي: الفرس، ويروى:
((وتركتها))، والفرس يقع على الذكر والأنثى لكن لفظه مؤنث سماعي. قوله: ((فرأى من
تيسيره))، أي: من تيسير النبي وَّر، وقد مر تفسيره عن قريب.
٦١٢٨/١٥٢ - حدَّثنا أبو اليَمانِ، أخبرنا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. (ح) وقال اللَّيْثُ:
حدّثني يُونُسُ ، عَنِ ابنِ شِهابٍ أخبرني عُبَيْدُ الله بنُ عَبْدِ الله بنِ عُثْبَةَ، أنَّ أبا هُرَيْرَةَ أخْبَرَهُ أنَّ

٢٦٤
٧٨ - كتابُ الأدَبِ / باب (٨١)
أعرَابِيّاً بال في المَسْجِدِ فَثارَ إلَيْهِ النَّاس لِيَقَعُوا بِهِ، فقال لَهُمْ رسولُ اللهِ وَّرَ: ((دَعُوهُ وأهْرِيقُوا
عَلَى بَوْلِهِ ذَنُوباً مِنْ ماءِ - أَوْ سَجْلاَ مِنْ ماءٍ - فإنَّما بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ)). [انظر
الحديث ٢٢٠].
مطابقته للترجمة ظاهرة. وأخرجه من طريقين: الأول: عن أبي اليمان الحكم بن
نافع عن شعيب بن أبي حمزة عن محمد بن مسلم الزهري. والآخر: عن الليث بن
سعد عن يونس بن يزيد عن ابن شهاب، وهو الزهري ... إلى آخره.
والحديث مضى في كتاب الطهارة في: باب صب الماء على البول في المسجد،
فإنه أخرجه هناك عن أبي اليمان عن شعيب عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن
عتبة بن مسعود عن أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه ... إلى آخره، ومضى الكلام فيه
هناك.
قوله: ((فثار إليه)) من الثوران وهو الهيجان. قوله: ((ليقعوا به)) أي: ليؤذوه. قوله:
(دعوه)) أي: اتركوه إنما قال ذلك لمصلحتين، وهي أنه لو قطع عليه بوله لتضرر وإن
التنجس قد حصل في جزء يسير فلو أقاموه في أثنائه لتنجست ثيابه وبدنه ومواضع كثيرة
من المسجد. قوله: ((واهريقوا)) أي: صبوا، ويروى: ((هريقوا))، وأصله أريقوا من
الإراقة، فأبدلت الهاء من الهمزة. قوله: ((ذنوباً))، بفتح الذال المعجمة وضم النون وهو
الدلو الملآن. قوله: ((أو سجلاً) شك من الراوي، والسجل بفتح السين المهملة وسكون
الجيم الدلو فيه الماء قل أو كثر.
٨١ - بابُ الانْبِساطِ إلى الناسِ
أي: هذا باب في بيان جواز الانبساط إلى الناس وفي رواية الكشميهني: مع
الناس، والمراد به أن يتلقى الناس بوجه بشوش وينبسط معهم بما ليس فيه ما ينكره
الشرع وما يرتكب فيه الإثم، وكان النبي ◌َّ، أحسن الأمة أخلاقاً وأبسطهم وجهاً، وقد
وصفه الله عز وجل بذلك بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] فكان ينبسط إلى
النساء والصبيان ويداعبهم ويمازحهم، وقد قال ◌َّر: إني لأمزح ولا أقول إلاَّ حقاً،
فينبغي للمؤمن الاقتداء بحسن أخلاقه وطلاقة وجهه.
وقال ابنُ مَسْعُودٍ، رضي الله عنه: خالِطِ النَّاسَ ودِينَكَ لا نَكْلِمَنَّهُ.
ذكر هذا التعليق عن عبد الله بن مسعود إشارة إلى أن الانبساط مع الناس
والمخالطة بهم مشروع، ولكن بشرط أن لا يحصل في دينه خلل ويبقى صحيحاً، وهو
معنى قوله: ودينك لا تكلمنه، من الكلم بفتح الكاف وسكون اللام وهو الجرح،
ويجوز في دينك الرفع والنصب، أما الرفع فعلى أنه مبتدأ، ولا تكلمنه خبره، وأما

٢٦٥
٧٨ - كتابُ الأدَبِ / باب (٨١)
النصب فعلى شريطة التفسير والتقدير: لا تكلمن دينك، وفسر المذكور المقدر فافهم،
وقد وصل التعليق المذكور الطبراني في (الكبير) من طريق عبد الله بن بابا، بباءين
موحدتين عن ابن مسعود: خالطوا الناس وصافوهم بما يشتهون ودينكم فلا تكلمنه.
والدُّعابَةِ مَعَ الأهلِ .
والدعابة بالجر عطفاً على: الانبساط، وهي من بقية الترجمة، وهي بضم الدال
وتخفيف العين المهملة وبعد الألف باء موحدة وهي الملاطفة في القول بالمزاح، من
دعب يدعب فهو دعاب. قال الجوهري: أي لعاب، والمداعبة الممازحة، وأما المزاح
فهو بضم الميم وقد مزح يمزح والاسم المزاح بالضم والمزاحة أيضاً، وأما المزح بكسر
الميم فهو مصدر، وروى الترمذي من حديث أبي هريرة قال: قالوا: يا رسول الله! إنك
تلاعبنا؟ قال: إني لا أقول إلاَّ حقاً، وحسنه الترمذي. فإن قلت: قد أخرج من حديث
ابن عباس رفعه: لا تمارٍ أخاك، أي: لا تخاصمه ولا تمازحه ... الحديث. قلت:
يجمع بينهما بأن المنهي عنه فيه إفراط أو مداومة عليه لأنها تؤول إلى الإيذاء
والمخاصمة وسقوط المهابة والوقار، والذي يسلم من ذلك هو المباح، فافهم.
٦١٢٩/١٥٣ - حدَّثنا آدَمُ، حدثنا شُعْبَةُ، حدثنا أبو النَّيَّاحِ، قال: سَمِعْتُ أَنَسَ بن
مالِكِ، رضي الله عنه، يَقُولُ: إنْ كانَ النبيُّ وَّهَ يُخالِطُنا حَتَّى يَقُولَ لأخٍ لِي صَغِيرٍ: يا با
عُمَيْرٍ! ما فَعَلَ النُّغَيْرُ؟. [انظر الحديث ٦١٢٩ - طرفه في: ٦٢٠٣].
مطابقته للترجمة ظاهرة. وأبو التياح مضى عن قريب في: باب قول النبي مَلهو:
يسروا.
والحديث أخرجه مسلم في الصلاة وفي الاستئذان وفي فضائل النبي وَ ◌ّر عن أبي
الربيع الزهراني. وأخرجه الترمذي في الصلاة وفي البر عن هناد عن وكيع. وأخرجه
النسائي في اليوم والليلة عن إسماعيل بن مسعود وغيره. وأخرجه ابن ماجه في الأدب
عن علي بن محمد الطنافسي.
قوله: ((يخالطنا)) أي يلاطفنا بطلاقة الوجه والمزح. قوله: ((یا با عمیر» أصله: یا
أبا عمير، حذفت الألف للتخفيف وعمير تصغير عمرو هو ابن أبي طلحة الأنصاري
واسمه زيد بن سهل وهو أخو أنس بن مالك لأمه وأمهما أم سليم مات على عهد
رسول الله رَّ﴿ وكان يداعب معه النبي وَّله ويقول: ((يا با عمير! ما فعل النغير؟)) بضم
النون وفتح الغين المعجمة - مصغر نغر - بضم النون وفتح الغين وهو جمع نغرة، طير
كالعصفور محمر المنقار وبتصغيره جاء الحديث والجمع نغران کصرد وصردان،
ومعنى: ما فعل النغير؟ أي: ما شأنه وحاله. وقال الراغب: الفعل التأثير من جهة مؤثرة
والعمل كل فعل يكون من الحيوان بقصد وهو أخص من الفعل لأن الفعل قد ينسب إلى

٢٦٦
٧٨ - كتابُ الأدَبِ / باب (٨١)
الحيوانات التي يقع منها فعل بغير قصد، وقد ينسب إلى الجمادات.
٦١٣٠/١٥٤ - حدَّثنا مُحَمَّدٌ، أخبرنا أبُو مُعاوِيَةَ، حدثنا هِشامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ
عائِشَةَ، رضي الله عنها، قالَتْ: كُنْتُ الْعَبُ بالبنَاتِ عِنْدَ النبيِّ وََّ، وكانَ لِي صَوَاحِبُ
يَلْعَبْنَ مَعِي، فَكَانَ رسولُ اللهِ بَّهِ إِذَا دَخَلَ يَنْقَمِعْنَ مِنْهُ فَيُسَرِّبُهُنَّ إِلَيَّ فَيَلْعَبْنَ مَعِي.
مطابقته للترجمة من حيث إن رسول الله و لو كان ينبسط إلى عائشة حيث يرضى
بلعبها بالبنات ويرسل إليها صواحبها حتى يلعبن معها، وكانت عائشة حينئذٍ غير بالغة،
فلذلك رخص لها. والكراهة فيها قائمة للبوالغ.
ومحمد هو ابن سلام، وجوّز الكرماني أن يكون محمد بن المثنى، وأبو معاوية
محمد بن خازم بالخاء المعجمة والزاي، وهشام هو ابن عروة يروي عن أبيه عروة بن
الزبير عن عائشة أم المؤمنين، رضي الله تعالى عنها.
والحديث أخرجه مسلم في الفضائل عن أبي كريب عن أبي معاوية.
قوله: ((بالبنات))، وهي التماثيل التي تسمى لعب البنات، وهي مشهورة، وقال
الداودي: يحتمل أن يكون الباء بمعنى: مع، والبنات الجواري. قوله: ((صواحب))،
جمع صاحبة وهي الجواري من أقرانها. قوله: ((إذا دخل))، أي: البيت. قوله: ((ينقمعن
منه))، أي: يذهبن ويستترن من النبي ◌َّ، وهو من الانقماع من باب الانفعال وهو رواية
الكشميهني، وعند غيره: يتقمعن من التقمع من باب التفعل ومادته قاف وميم وعين
مهملة، وقال أبو عبيد: يتقمعن يعني يدخلن البيت ويغبن، ويقال: الإنسان قد انقمع
وتقمع إذا دخل في الشيء، وقال الأصمعي: ومنه سمي القمع الذي يصب فيه الدهن
وغيره لدخوله في الإناء. قوله: ((فيسرِّبهن)) بالسين المهملة أي: يرسلهن، من التسريب
وهو الإرسال والتسريح، والسارب الذاهب، يقال: سرب عليه الخيل وهو أن يبعث
عليه الخيل قطعة بعد قطعة. قوله: ((إلي)) بتشديد الياء المفتوحة، واستدل بهذا الحديث
على جواز اتخاذ صور اللعب من أجل لعب البنات بهن، وخص ذلك من عموم النهي
عن اتخاذ الصور، وبه جزم عياض ونقله عن الجمهور، وأنهم أجازوا بيع اللعب للبنات
لتدربهن من صغرهن على أمر بيوتهن وأولادهن، قال: وذهب بعضهم إلى أنه منسوخ
وإليه مال ابن بطال، وقد ترجم له ابن حبان: الإباحة لصغار النساء اللعب باللعب،
وترجم له النسائي: إباحة الرجل لزوجته اللعب بالبنات، ولم يقيد بالصغر وفيه نظر،
وجزم ابن الجوزي بأن الرخصة لعائشة في ذلك كان قبل التحريم، وقال المنذري: إن
كانت اللعب كالصورة فهو قبل التحريم وإلا فقد يسمى ما ليس بصورة لعبة، وقال
الخطابي، في هذا الحديث: إن اللعب بالبنات ليس كالتلهي بسائر الصور التي جاء فيها
الوعيد، وإنما أرخص لعائشة، رضي الله تعالى عنها، فيها لأنها إذ ذاك كانت غير بالغ.

٢٦٧
٧٨ - كتابُ الأدَبِ / باب (٨٢)
٨٢ - باب المُدَارةِ مَعَ النَّاسِ
أي: هذا باب في بيان مندوبية المداراة وهي لين الكلمة وترك الإغلاظ لهم في
القول، وهي من أخلاق المؤمنين، والمداهنة محرمة، والفرق بينهما أن المداهنة هي أن
يلقى الفاسق المعلن بفسقه فيؤالفه ولا ينكر عليه ولو بقلبه، والمداراة هي الرفق بالجاهل
الذي يستتر بالمعاصي واللطف به حتى يرده عما هو عليه، وقال بعضهم: المداراة مع
الناس بغير همز، وأصله الهمز لأنه من المدافعة والمراد به الدفع بالرفق. قلت: قوله:
لأنه من المدافعة، غير صحيح بل يقال من الدرء وهو الدفع، وقال ابن الأثير: المداراة
في حسن الخلق والصحبة غير مهموز، وقد يهمز.
ويُذْكَرُ عَنْ أبي الدَّرداءِ إِنَّا لَتَكْشِرُ فِي وُجُوهِ أَقْوَامِ وإِنَّ قُلُوبَنا لَتَلْعَتُهُمْ.
ذكر هذا عن أبي الدرداء عويمر بن مالك بصيغة التمريض. قوله: لنكشر،
بسكون الكاف وكسر الشين المعجمة من الكشر وهو ظهور الأسنان، وأكثر ما يطلق عند
الضحك والإسم الكشرة كالعشرة، وفي (التوضيح): الكشر ظهور الأسنان عند
الضحك، وكاشره إذا ضحك في وجهه وانبسط إليه، وعبارة ابن السكيت: الكشر
التبسم. قوله: ((لتلعنهم)) اللام فيه مفتوحة للتأكيد وهو من اللعن، كذا هو في رواية
الأكثرين، وفي رواية الكشميهني: لتقليهم أي: لتبغضهم من القلى بكسر القاف
مقصوراً، وهو البغض يقال: قلاه يقليه قلا وقلا، قال ابن فارس: وقد قالوا: قليته
أقلاه، وفي (الصحاح): يقلاه لغة طيىء وهي من النوادر، لأن فعل يفعل بالفتح فيهما
بغير حرف حلق نادر، وهذا الأثر أخرجه موصولاً ابن أبي الدنيا من طريق أبي الزاهرية
عن جبير بن نغير عن أبي الدرداء، فذكر مثله.
١٥٥/ ٦١٣١ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ، حدثنا سُفْيانُ، عَنِ ابنِ المُنْكَدِرِ حدَّثَهُ عَنْ
عُزْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ، أنَّ عائِشَةَ أخبرَتْهُ أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ عَلَى النبيِّ وََّهَ رَجُلٌ فقال: ((اتْذَنُوا لَهُ فَبِتْسَ
ابنُ العَشِيرَةِ - أوْ بِئْسَ أَخُو العَشِيرَةِ» - فَلَمَّا دَخَلَ ألانَ لَهُ الكَلاَمَ. فَقُلْتُ لَهُ: يا رسولَ الله!
قُلْتَ ما قُلْتَ، ثُمَّ أَلَنْتَ لَهُ في القَولِ، فقال: ((أيْ عَائِشَةُ! إنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ الله مَنْ
تَرَكَهُ - أوْ وَدَعَهُ - النَّاسُ اتَّقاءَ فخشِهِ)). [انظر الحديث ٦٠٣٢ وطرفه].
مطابقته للترجمة ظاهرة. وسفيان هو ابن عيينة يروي عن محمد بن المنكدر عن
عروة .
وأخرجه البخاري أيضاً عن صدقة بن الفضل في: باب ما يجوز من اغتياب أهل
الفساد، ومضى الكلام فيه هناك، وعن عمرو بن عيسى. وأخرجه مسلم في الأدب عن
عمرو بن محمد وآخرين عن سفيان وعن محمد بن رافع وعبد بن حميد كلاهما عن

٢٦٨
٧٨ - كتابُ الأدَبِ / باب (٨٢)
عبد الرزاق عن معمر عن محمد بن المنكدر. وأخرجه أبو داود فيه عن مسدد عن
سفيان به. وأخرجه الترمذي في البر عن ابن أبي عمر عن سفيان.
قوله: ((رجل)) قال الكرماني: هو عيينة بن حصن. قوله: ((فبئس ابن العشيرة))
أي: بئس هذا الرجل من القبيلة. قوله: ((أي عائشة)) أي: يا عائشة. قوله: ((أو ودعه))
شك من الراوي أي: تركه، وهذا يرد قول أهل الصرف، وأماتوا ماضي يدع ويذر.
قوله: ((اتقاء فحشه)) أي: للتجنب عن فحشه. وقال الكرماني: الكافر أشر منزلة منه،
وأجاب بأن المراد من الناس المسلمون، وهو للتغليظ.
وفيه: جواز غيبة الفاسق المعلن ولمن يحتاج الناس إلى التحذير منه، وكان
الرجل المذكور كما قاله 8* لأنه كان ضعيف الإيمان في حياته وَلقر، فارتد بعدها،
وقال ابن بطال: كان ◌َله، مأموراً بأن لا يعامل الناس إلاَّ بما ظهر منهم دون غيره،
وكان يظهر الإسلام، فقال قبل الدخول ما كان يعلمه وبعده ما كان ظاهراً منه عند
الناس.
١٥٦/ ٦١٣٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ عَبْدِ الوَهَّابِ، أخبرنا ابنُ عُلَيَّةَ، أخبرنا أيُّوبُ،
عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ أبِي مُلَيْكَةَ أنَّ النبيَّ وَ أُهْدِيَتْ لَهُ أقْبِيَةٌ مِنْ ديباج مُزَرِّرةٌ بالذَّهَبِ، فَقَسَمَها
في ناسٍ مِنْ أصْحابِهِ وَعَزَلَ مِنْها واحِداً لِمَخْرَمَةَ، فَلما جاءَ قالَ: ((خَبَأْتُ هُذَا لَكَ)). قال
أيُّوبُ بِثَوْبِهِ، أَنَّهُ يُرِيهِ إِيَّاهُ، وكانَ في خُلُقِهِ شَيْءٌ. [انظر الحديث ٢٥٩٩ وأطرافه].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((وكان في خلقه شيء)) أي: في خلق مخرمة
شيء أي نوع من الشكاسة.
وابن علية بضم العين المهملة وفتح اللام وتشديد الياء آخر الحروف وهو
إسماعيل بن إبراهيم، وعلية اسم أمه، وأيوب هو السختياني وعبد الله بن عبد
الرحمن بن أبي مليكة بضم الميم وفتح اللام واسمه زهير القرشي، وعبد الله هذا
تابعي، وحديثه مرسل، ومخرمة بفتح الميمين وسكون الخاء المعجمة والد المسور
بكسر الميم وسكون السين المهملة وكلاهما صحابي، وقد مر حديثهما في كتاب اللباس
في : باب القباء وفروج حریر .
قوله: ((أقبية)) جمع قباء من ديباج وهو الثوب المتخذ من الإبريسم وهو فارسي
معرب. قوله: ((مزررة)) من التزرير وهو جعلك للثياب أزراراً. قوله: ((بالذهب)) يتعلق
بالمزررة. قوله: ((فقسمها في ناس)) أي: قسم النبي ◌ِّر، الأقبية المذكورة بين ناس،
وكلمة: في، بمعنى بين، كما في قوله تعالى: ﴿فَأَدْخُلِ فِ عِبَدِى﴾ [الفجر: ٢٩] أي: بين
عبادي. قوله: (واحداً)) أي: ثوباً واحداً من الأقبية لأجل مخرمة، وكان غائباً. قوله:
((فلما جاء)) أي: مخرمة، قال رَالتر: خبأت هذا لك، وفي رواية الكشميهني: قد خبأت.

٢٦٩
٧٨ - كتابُ الأدَبِ / باب (٨٣)
قوله: ((قال أيوب)) موصول بالسند المذكور، وقال، هنا بمعنى: أشار، لأن لفظ القول
يطلق ويراد به الفعل أي: أشار أيوب إلى ثوبه ليستحضر فعل النبي وج لتر، قائلاً: إنه أي:
إن النبي ◌َّر، يريه إياه أي: يري مخرمة الثوب الذي خبأه له يطيب قلبه به، لأنه كان
في خلقه شيء کما ذكرنا، ویروی: وأنه یریه إياه، بالواو.
وَرَوَاهُ حَمَّادُ بِنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ. وقال حاتِمُ بنُ وَزْدَانَ: حدثنا أيُوبُ عَنِ ابنِ أبي
مُلَيْكَةَ عَنِ المِسْوَرِ: قَدِمَتْ عَلَى النبيِّ وَّ أُقْبِيَةٌ.
أي: روى الحديث المذكور حماد بن زيد عن أيوب السختياني، ورواه البخاري
موصولاً في: باب قسمة الإمام ما يقدم عليه، أخرجه عبد الله بن عبد الوهاب عن
حماد بن زيد عن أيوب عن عبد الله بن أبي مليكة: أن النبي وَلّ، أهديت له أقبية ...
الحديث. قوله: وقال حاتم، بالحاء المهملة ابن وردان البصري ... إلى آخره وقد تقدم
في: باب قسمة الإمام ما يقدم عليه، وهذا تعليق وصورة رواية حماد إرسال، ولكن
الحديث في الأصل موصول وتعليق حاتم وصله البخاري في الشهادات في: باب شهادة
الأعمى، وأمره ونكاحه عن زياد بن يحيى حدثنا حاتم بن وردان حدثنا أيوب عن
عبد الله عن ابن أبي مليكة عن المسور بن مخرمة، قال: قدمت على النبي وَلغيره، أقبية
الديباج ... الحديث.
٨٣ - بابٌ لا يُلْدَغُ المُؤْمِنُ مِنْ جُحْرِ مَرَّتَيْنِ
أي: هذا باب في ذكر قول النبي وَطاهر: لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين، غير أن
في الحديث من: جحر واحد، واللدغ بالدال المهملة والغين المعجمة ما يكون من
ذوات السموم، واللذع بالذال المعجمة والعين المهملة ما يكون من النار، والجحر بضم
الجيم وسكون الحاء المهملة.
وقال مُعاوِيَةُ: لا حَلِيمَ إلاَّ ذُو تَجْرِبَةِ.
معاوية هو ابن أبي سفيان. ومناسبة ذكر أثره للحديث الذي هو الترجمة هي أن
الحليم الذي ليس له تجربة قد يقع في أمر مرة بعد أخرى فلذلك قيد الحليم بذي
التجربة. قوله: لا حليم إلاَّ ذو تجربة، أي: صاحب تجربة، والحليم على وزن عظيم
وهذا هكذا رواية الأصيلي، ورواية الأكثرين: لا حليم إلا بتجربة، وفي رواية أبي ذر:
لا حلم بكسر الحاء وسكون اللام إلاَّ بتجربة، وفي رواية الكشميهني: إلاَّ لذي تجربة،
والحلم عبارة عن التأني في الأمور المقلقة، والمعنى: أن المرء لا يوصف بالحلم حتى
يجرب الأمور، وقيل: إن من جرب الأمور وعرف عواقبها آثر الحلم وصبر على قليل
الأذى ليدفع به ما هو أكثر منه، وتعليق معاوية وصله أبو بكر بن أبي شيبة في (مصنفه)

٢٧٠
٧٨ - كتابُ الأدَبِ / باب (٨٤)
عن عيسى بن يونس عن هشام بن عروة عن أبيه، قال: قال معاوية: لا حلم إلاَّ
بالتجارب.
٦١٣٣/١٥٧ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ، حدثنا اللَّيْثُ، عنْ عُقَيْلٍ، عنِ الزُّهْرِيِّ، عنِ ابنِ
المُسَيَّب عنْ أبي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، عن النبي وَّرِ أنه قال: ((لا يُلْدِغُ المُؤْمِنُ مِنْ جُخْرٍ
واحدٍ مَرَّتَيْنِ)) .
الحديث هو عين الترجمة. وعقيل بضم العين المهملة وفتح القاف ابن خالد عن
محمد بن مسلم الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه.
والحديث أخرجه مسلم في آخر الكتاب وأبو داود في الأدب كلاهما عن قتيبة.
وأخرجه ابن ماجه في الفتن عن محمد بن الحارث المصري.
قوله: ((لا يلدغ)) على صيغة المجهول، والمؤمن مرفوع به على صيغة الخبر،
وقال الخطابي: هذا لفظه خبر ومعناه أمر أي: ليكن المؤمن حازماً حذراً لا يؤتى من
ناحية الغفلة فينخدع مرة بعد أخرى، وقد يكون ذلك في أمر الدين كما يكون في أمر
الدنيا، وهو أولاهما بالحذر. قال: وقد روي بكسر الغين في الوصل فيتحقق معنى
النهي فيه، وقال ابن التين: وكذلك قرأناه، وقال أبو عبيد: معناه لا ينبغي للمؤمن إذا
نكث من وجه أن يعود إليه، وقيل: المراد بالمؤمن في هذا الحديث الكامل الذي قد
وقفته معرفته على غوامض الأمور حتى صار يحذر مما سيقع، وأما المؤمن المغفل فقد
يلدغ مراراً، وهذا الكلام مما لم يسبق إليه بَله، وأول ما قاله لأبي غرة الجمحي وكان
شاعراً فأسر ببدر فشكى عائلة وفقراً فمن عليه النبي وَلقر وأطلقه بغير فداء، فظفر به بأحد
فقال: من علي وذكر فقره وعياله، فقال: لا تمسح عارضيك بمكة، وتقول: سخرت
بمحمد مرتين، وأمر به فقتل.
٨٤ - باب حَقِّ الضَّيْفِ
أي: هذا باب في بيان إقامة الضيف وسيأتي بيان حقه إن شاء الله تعالى، والضيافة
من سنن المرسلين وعباد الله الصالحين.
٦١٣٤/١٥٨ - حدَّثنا إسحاقُ بنُ مَنْصُور، حدثنا رَوْحُ بنُ عُبادةَ، حدثنا حُسَيْنٌ،
عَنْ يَخِيَّى بنِ أبي كَثِيرٍ، عَنْ أبي سلَمَةَ بن عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْروٍ قال: دَخَلَ
عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ وَّهِ، فقال: ((أَلَمْ أَخْبَرْ أَنَّكَ تَقُومُ اللَّيْلَ وَتَصُومُ النَّهَارَ؟)) قُلْتُ: بَلى. قال:
((فَلاَ تَفْعَلْ تُمْ وَتَمْ، وَصُمْ وَأَفْطِزْ، فإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقّاً، وإنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقّاً، وإنَّ
لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقّاً، وإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقّاً، وإنَّكَ عَسَى أَنْ يَطُولَ بِكَ عُمرٌ، وإِنَّ مِنْ
حَسْبِكَ أَنْ تَصُومَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلاثَةَ أَّامٍ فَإِنَّ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أمْثالِها، فَذَلِكَ الدَّهْرُ كُلُّهُ))،

٢٧١
٧٨ - كتابُ الأدَبِ / باب (٨٥)
قال: فَشَدَّدْتُ فَشُدِّدَ عَلَيَّ. فَقُلْتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ غَيْرَ ذُلِكَ، قال: ((فَصُمْ مِنْ كُلِّ جُمُعَةٍ ثَلاثَةَ
أَيَّام))، قال: فَشَدَّدْتُ فَشُدْدَ عَلَيَّ. قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ غَيْرَ ذُلِكَ، قال: ((فَصُمْ صَوْمَ نَبِيّ الله
داوُدَ)). قُلْتُ: وما صَوْمُ نَبِيِّ الله داوُدَ؟ قال: ((نِصْفُ الدَّهرِ)). [انظر الحديث ١١٣١ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((وإن لزورك عليك حقاً)) والزور بفتح الزاي وسكون
الواو وبالراء بمعنى الزائر وهو الضيف، وحقه يوم وليلة. واختلف في وجوبها: فأوجبها
الليث بن سعد فرضاً ليلة واحدة، وأجاز للعبد المأذون له أن يضيف مما في يده،
واحتج بحديث عقبة، وقالت جماعة من أهل العلم: الضيافة من مكارم الأخلاق في
باديته وحاضرته، وهو قول الشافعي. وقال مالك: ليس على أهل الحضر ضيافة، وقال
سحنون: إنما الضيافة على أهل القرى، وأما الحضر فالفندق ينزل فيه المسافرون،
وحديث عقبة كان في أول الإسلام حين كانت المواساة واجبة، فأما إذا أتى الله بالخير
والسعة فالضيافة مندوب إليها. وقوله وَالر: جائزته في يوم وليلة، دليل على أن الضيافة
ليست بفريضة، والجائزة في لسان العرب المنحة والعطية، وذلك تفضل وليس بواجب
وحسين في السند هو المعلم.
والحديث قد مضى في كتاب الصوم في: باب حق الضيف في الصوم، ومضى
الكلام فيه مشروحاً .
قوله: ((دخل علي)) بتشديد الياء وفاعل دخل هو النبي وَّر. قوله: ((ألم أخبر؟))
بلفظ المجهول. قوله: ((أن يطول بك عمر)) يعني: عسى أن تكون طويل العمر فتبقى
ضعيف القوى كليل الحواس نهيك النفس فلا تقدر على المداومة عليه وخير الأعمال ما
دام وإن قل. قوله: ((وإن من حسبك)) أي: من كفايتك، ويروى: وأن حسبك أي:
كافيك، ويحتمل زيادة: من، على رأي الكوفيين. قوله: (الدهر)) بالرفع والنصب، أما
الرفع فعلى تقدير هو الدهر كله، وأما النصب فعلى تقدير: أن تصوم الدهر.
٨٥ - بابُ إِكْرَامِ الضَّيْفِ وخِذْمَتِهِ إِيَّاهُ بِنَفْسِهِ
وَقَوْلِهِ: ﴿ضَّيْفِ إِبْرَهِيَمَ اُلْمُكْرَمِينَ﴾ [الذاريات: ٢٤]
أي: هذا باب في بيان مندوبية إكرام الضيف والإكرام مصدر مضاف إلى مفعوله،
وطوى ذكر الفاعل تقديره: إكرام الرجل ضيفه وخدمته إياه، أي: الضيف بنفسه، وهذا
تخصيص بعد التعميم لأن إكرام الضيف أعم من أن يكون بنفسه أو بأحد من خدمه، وفيه
زيادة تأكيد لا تخفى. قوله: ﴿ضَيْفِ إِبْرَهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [الذاريات: ٢٤] إنما ذكر هذا إشارة إلى
أن لفظ الضيف يطلق على الواحد والجمع ولهذا وقع المكرمين صفة الضيف وجمع القلة
منه أضياف وجمع الكثرة ضيوف وضيفان، يقال: ضفت الرجل إذا نزلت به في ضيافة،

٢٧٢
. ٧٨ - كتابُ الأدَبِ / باب (٨٥)
وأضفته إذا أنزلته وتضيفته إذا نزلت به، وتضيفني إذا أنزلني .
قال أبُو عَبْدِ الله: يُقالُ: هُوَ زَوْرٌ وَهُؤُلاء زَوْرٌ وَضَيْفٌ، وَمَعْنَاه: أضْيافُهُ وزُوَّارُهُ، لأنها
مَضْدَرٌ مِثْلُ: قَوْمِ رِضاً وعَذْل، وَيُقالُ: ماءٌ غَوْرٌ وبِثْرٌ غَوْرٌ وماءانٍ غَوْرٌ ومِياهُ غَوْرٌ، ويُقالُ: الغَوْرُ
الغائِرُ لا تَنَالُهُ الذَّلاءُ كُلُّ شَيءٍ غُرْتَ فِيهِ فَهْوَ مَغَارَةٌ؛ تَزَّاوَرُ تَمِيل مِنَ الزَّوْرِ؛ الأزْوَرُ الأَمْيَّل.
أبو عبد الله هو البخاري نفسه. وقوله: هذا إلى قوله: ((ومياه غور)) إنما ثبت في
رواية أبي ذر عن المستملي والكشميهني فقط قوله: يقال: ((هو زور)) أراد به أن لفظ:
زور، يطلق على الواحد والجمع يقال هو الزور للواحد وهؤلاء القوم زور للجمع
والحاصل أن لفظ زور مصدر وضع موضع الاسم، كصوم بمعنى الصائم ونوم بمعنى
نائم، وقد یکون جمع زائر کرکب جمع راكب. قوله: ((ومعناه))، أي: معنى هؤلاء زور
هؤلاء أضيافه وزواره بضم الزاي وتشديد الواو وهو جمع زائر. قوله: ((لأنها مصدر))
مثل قوم المثلية بينهما في إطلاق زور على زوار كإطلاق لفظ قوم على جماعة وليست
المثلية في المصدرية لأن لفظ: قوم اسم وليس بمصدر بخلاف لفظ: زور، فإنه في
الأصل مصدر. قوله: ((رضاً وعدلٍ)) يعني: يقال قوم رضاً بمعنى مرضيون، وقوم عدل
بمعنى عدول، وتوصيفه بالمفرد باعتبار اللفظ لأنه مفرد وفي المعنى جمع. قوله:
((ويقال: ماء غور)) بفتح الغين المعجمة وسكون الواو وبالراء ومعناه: غائر، أي:
الذاهب إلى أسفل أرضه يقال: غار الماء يغور غؤوراً وغوراً والغور في الأصل مصدر
فلذلك يقال: ماء غور وماءان غور ومياه غور، قوله: ويقال: الغور الغائر أي: الذاهب
بحيث لا تناله الدلاء، وهكذا فسره أبو عبيدة. قوله: كل شيء غرت فيه أي: ذهبت فيه
يسمى مغارة ويسمى غاراً، وكهفاً، وإنما قال: فهي، بالتأنيث نظراً للمغارة. قوله:
(تزاور)) أشار به إلى قوله تعالى في قصة أصحاب الكهف: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَوَرُ
عَنْ كَهْفِهِمْ [الكهف: ١٧] أي: تميل وهو من الزور بفتح الواو بمعنى الميل، والأزور هو
أفعل أخذ منه بمعنى الأميل، وتزاور أصله: تتزاور، فأدغمت إحدى التاءين في الزاي.
٦١٣٥/١٥٩ - حدَّثْنا عَبْدُ الله بنُ يُوسَفَ، أخبرَنا مالِكٌ، عَنْ سَعِيدِ بنِ أبِي سَعِيدٍ
المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي شُرَيْحِ الكَغْبِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قال: ((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بالله واليَوْمِ الآخِرِ،
فَلْيُكْرِغَ ضَيْفَهُ. جائِزَتُهُ يَوْمٌ ولَيْلَةٌ، والضِّيَافَةُ ثَلاثَةُ أَيَّامٍ فَمَا بَعْدَ ذُلِكَ فَهْوَ صَدَقَةٌ، ولاَ يَحِلُّ لَهُ
أَنْ يَثْوِيَ عِنْدَهُ حَتَّی یُخرِجَهُ)). [انظر الحديث ٦٠١٩ وطرفه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فليكرم ضيفه)). وأبو شريح، بضم الشين المعجمة
وفتح الراء وبالحاء المهملة واسمه خويلد بن عمرو وقيل، غير ذلك، وهو من بني
عدي بن عمرو بن لحي أخي كعب بن عمرو، فلذلك قيل له: الكعبي، مات سنة ثمان
وستين بالمدينة .
٢٠٠٠ .

٢٧٣
٧٨ - كتابُ الأدَبِ / باب (٨٥)
والحديث قد مضى في أوائل كتاب الأدب في: باب من كان يؤمن بالله واليوم
الآخر، فلا يؤذ جاره.
قوله: ((جائزته)) على وزن فاعله من الجواز وهي العطاء لأنه حق جوازه عليهم،
وقدرها الشارع بيوم وليلة لأن عادة المسافرين ذلك، وقال السهيلي: روى: جائزته،
بالرفع على الابتداء وهو واضح وبالنصب على بدل الاشتمال أي: يكرم جائزته يوماً
وليلة. قوله: ((والضيافة ثلاثة أيام)) اختلف في أنه هل اليوم والليلة التي هي الجائزة
داخلة في الثلاث أم لا؟ وإذا قلنا بدخولها يقدم له في اليوم الأول ما يقدم عليه من البر
والألطاف وفي اليومين الآخرين ما يحضره، وإذا قلنا بخروجها فهل هي قبل الثلاثة أو
بعدها، فقد روى مسلم وأحمد من رواية عبد الحميد بن جعفر عن سعيد المقبري عن
أبي شريح بلفظ: الضيافة ثلاثة أيام وجائزته يوم وليلة، فهذا يدل على المغايرة بين
الضيافة والجائزة، ويدل على أن الجائزة بعد الضيافة، وقال ابن بطال: قسم وَلقد أمر
الضيف ثلاثة أقسام: يتحفه في اليوم الأول، ويتكلف له في اليوم الثاني، وفي الثالث
يقدم إليه ما يحضره، ويخير بعد الثالث كما في الصدقة. وقال ابن بطال أيضاً: سئل عنه
مالك فقال: يكرمه ويتحفه يوماً وليلة وثلاثة أيام ضيافة، فهذا يدل على أن اليوم والليلة
قبل الضيافة بثلاثة أيام. قوله: ((ولا يحل له أن يثوي عنده)) من الثوى وهو الإقامة في
المكان. وفي (التوضيح): أن يثوي بفتح أوله وكسر الواو وبالفتح في الماضي ثوى إذا
قام، وأثويت عنده لغة في ثويت، أي: لا يقيم عنده بعد الثلاث. قوله: ((حتی بحرجه))
من الإحراج ومن التحريج أيضاً فعلى الأول بالتخفيف وعلى الثاني بالتشديد، أي: لا
يضيق صدره بالإقامة عنده بعد الثلاثة، وفي رواية لمسلم: حتى يؤثمه، يعني: يوقعه في
الإثم، لأنه قد يغتابه لطول مقامه أو يظن به ظناً سيئاً، وفي رواية لأحمد عن أبي
شريح، قيل: يا رسول الله! وما يؤثمه؟ قال: يقيم عنده لا يجد شيئاً يقدمه.
حدثنا إسْماعِيلُ قال: حدّثني مالِك مِثْلَهُ، وزَادَ: مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بالله واليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ
خَيْراً أَوْ لِيَضْمُتْ.
هذا طريق آخر في الحديث المذكور أخرجه عن أسماعيل بن أبي أويس عن مالك
مثله، يعني: بإسناده وزاد فيه: من كان يؤمن ... إلى آخره، أي: من كان إيمانه إيماناً
كاملاً فينبغي أن يكون هذا حاله وصفته. قوله: ((أو ليصمت))، ضبطه النووي بضم
الميم، وقال بعضهم: قال الطوفي: بكسرها وهو القياس كضرب يضرب، قلت: ما
للقياس تعلق هنا، وهو كلام واهٍ والأصل في هذا السماع، فإن سمع أنه من باب فعل
يفعل بالفتح في الماضي والكسر في المضارع فلا كلام، أو يكون قد جاء من بابين من
باب نصر ينصر ومن باب ضرب يضرب، قيل: التخيير فيه مشكل لأن المباح إن كان
٢٢٠ ١٨٠

٢٧٤
٧٨ - كتابُ الأدَبِ / باب (٨٥)
في أحد الشقين لزم أن يكون مأموراً به فيكون واجباً أو منهياً فيكون حراماً. وأجيب:
بأن كلّ من: ليقل وليصمت، أمر مطلق بتناول المباح وغيره فيلزم من ذلك أن يكون
المباح حسناً لدخوله في الخير، وفيه تأمل.
١٦٠ / ٦١٣٦ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّد، حدثنا ابنُ مَهْدِيّ، حدَّثنا سُفْيَانُ عَنْ
أبِي حصَيْنٍ، عَنْ أبي صالِحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةً، عَنِ النبيِّ نَِّ قال: ((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بالله واليَوْم
الآخِرِ فَلاَ يُؤْذِ جارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بالله واليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بالله
واليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً أَوْ لِيَضْمُتْ)). [انظر الحديث ٥١٨٥ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فليكرم ضيفه)). وعبد الله بن محمد الجعفي المعروف
بالمسندي يروي عن عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان الثوري عن أبي حصين بفتح
الحاء وكسر الصاد المهملتين عثمان الأسدي عن أبي صالح ذكوان الزيات.
والحديث قد مضى في : باب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومضى
الكلام فيه .
١٦١/ ٦١٣٧ - حدَّثْنَا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ، حدثنا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بنِ أبِي حِبِيبٍ، عَنْ
أبِي الخَيْرِ عَنْ عُقْبَةَ بنِ عامِرٍ، رضي الله عنه، أنَّهُ قال: قُلْنا: يا رسولَ الله! إِنَّكَ تَبْعَثْنَا فَتَنْزِلُ
بِقَوْمٍ فَلاَ يَقْرُونَنا، فَما تَرَى؟ فقال لَنا رسولُ الله ◌ََّ: ((إِنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْم فأَمَرُوا لَكُمْ بِما يَتْبِغِي
للضَّيْفِ فاقْبَلُوا، فإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقِ الضَّيْفِ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ)). [انظر الحديث
٢٤٦١].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا)) لأنه يفهم
منه إكرام الضيف.
ويزيد من الزيادة ابن أبي حبيب المصري واسم أبي حبيب سويد، وأبو الخير مرثد
بفتح الميم وسكون الراء وفتح الثاء المثلثة وبالدال المهملة ابن عبد الله اليزني.
والحديث قد مضى في المظالم في: باب قصاص المظلوم إذا وجد مال ظالمه،
ومضى الكلام فيه.
قوله: ((فلا يقروننا)) بالإدغام والفك. قوله: ((فخذوا)) أي: خذوا أخذاً قهرياً،
وهذا لا يكون إلاَّ عند الاضطرار وبالثمن حالاً أو مؤجلاً.
١٦٢/ ٦١٣٨ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ، حدثنا هِشامٌ، أخبرنا معْمَرٌ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ عَنْ أبي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، عَنِ النّبِيِّ وَِّ، قال: ((مَنْ كان
يُؤْمِنُ بالله واليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمُ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كان يُؤْمِنُ بالله واليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ. وَمَنْ
كان يُؤْمِنُ بِالله وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً أَوْ لِيَصْمُتْ)). [انظر الحديث ٥١٨٥ وأطرافه].

٢٧٥
٧٨ - كتابُ الأدَبِ / باب (٨٦)
هذا حديث أبي هريرة مضى في هذا الباب، وأعاده هنا عن عبد الله بن محمد
المسندي عن هشام بن يوسف عن معمر بن راشد عن محمد بن مسلم الزهري عن أبي
سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة ... إلى آخره. وفيه زيادة قوله: ((ومن
كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه)) وصلة الرحم تشريك ذوي القرابات في
الخيرات، والله أعلم.
٨٦ - بابُ صُنْعِ الطَّعامِ والتَّكَلُّفِ للضَّيْفِ
أي: هذا باب في بيان صنع الطعام لأجل الضيف والتكلف لمن قدر عليه لأجل
الضيف لأنه من سنن المرسلين، ألا يُرى أن إبراهيم الخليل، صلوات الله عليه، وسلامه
ذبح لضيفه عجلاً سميناً، فقال أهل التأويل: كانوا ثلاثة: جبرائيل وميكائيل وإسرافيل،
عليهم السلام، فتكلف لهم ذبح عجل وقربه إليهم وقصته مشهورة.
٦١٣٩/١٦٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّار، حدثنا جَعْفَرُ بنُ عَوْنٍ، حدثنا أبُو
العُمَّيْسِ، عَنْ عَوْنِ بنِ أبي جُحَيْفَةَ، عَنْ أبِيهِ قال: آخَى النَّبِيُّ وَّهِ، بَيْنَ سَلْمانَ وأبي الدَّرْدَاءِ
فَزارَ سَلْمانُ أبا الدَّزداءِ، فَرأى أُمَّ الدَّرداءِ مُتَبَذْلَةً فقال لها: ما شَأْنُكِ؟ قالَتْ: أخُوكَ أبو
الدَّزداءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ في الدُّنْيا، فَجاءَ أبُو الدَّرْداءِ فَصَنَعَ لَهُ طَعاماً فقال: كُلْ فَإِنِّي صائِمٌ.
قال: ما أنا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ، فَأَكَلَ، فَلَمَّا كان اللَّيْلُ ذَهَبَ أَبُو الدَّرداءِ يَقُومُ فقال: نَمْ، فَنامَ
ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ، فقال: نَمْ فَلَمَّا كان آخِرُ اللَّيْلِ قال سَلْمانُ: قُم الآنَ قال: فَصَلَّا، فقال لَهُ
سَلْمَانُ: إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقّاً، ولِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقّاً، ولأهْلِكَ عَلَيْكَ حَقّاً، فأعطِ كُلَّ ذِي
حَقّ حَقَّهُ، فَأَتَى النبيَّ نَّهِ، فَذَكَرَ ذُلِكَ لَهُ فقال النبيُّ ◌َّرَ: ((صَدَقَ سَلْمانُ)).
أَبُو جُحَيْفَةَ وَهُبُ السُّوائِيُّ، يُقالُ: وَهْبُ الخَيْرِ. [انظر الحديث ١٩٦٨ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فصنع له طعاماً)) وجعفر بن عون بالنون المخرومي،
وأبو العميس بضم العين المهملة وفتح الميم وسكون الياء آخر الحروف وبالسين المهملة
واسمه عتبة بسكون التاء المثناة من فوق ابن عبد الله المسعودي الكوفي، وعون بالنون
أيضاً ابن أبي جحيفة يروي عن أبيه أبي جحيفة - مصغر جحفة بالجيم والحاء المهملة واسمه
وهب ذكره البخاري في آخر الحديث واسم أبي الدرداء عويمر، وسلمان هو الفارسي.
والحديث قد مضى في كتاب الصوم في: باب من أقسم على أخيه ليفطر في
التطوع، فإنه أخرجه هناك بعين هذا الإسناد والمتن، ومضى الكلام فيه.
قوله: ((أم الدرداء)) قال النووي: لأبي الدرداء زوجتان كل واحدة منهما كنيتها أم
الدرداء: الكبرى صحابية وهي خيرة بفتح الخاء المعجمة، والصغرى تابعية وهي هجيمة
- مصغر الهجمة - بالجيم.

٢٧٦
٧٨ - كتابُ الأدَبِ / باب (٨٧)
قوله: ((متبذلة))، يعني: لابسة ثياب البذلة والخدمة بلا تجمّل وتكلّف بما يليق
بالنساء من الزينة ونحوها. قوله: ((أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا)) عممت
بلفظ: في الدنيا للاستحياء من أن تصرح بعدم حاجته إلى مباشرتها.
وفي الحديث: زيارة الصديق، ودخول داره في غيبته، والإفطار للضيف، وكراهية
التشدّد في العبادة وأن الأفضل التوسط، وأن الصلاة آخر الليل أولى، ومنقبة لسلمان
حيث صدقه رسول الله وَلچر .
قوله: ((وأبو جحيفة ... )) إلى آخره، لم يثبت في رواية أبي ذر.
٨٧ - بابُ ما يُكْرَهُ مِنَ الغَضَبٍ والجَزَعِ عِنْدَ الضَّيْفِ
أي: هذا باب في بيان ما يكره إلى آخره، والغضب غليان دم القلب لأجل الانتقام
والجزع بفتح الزاي نقيض الصبر.
١٦٤/ ٦١٤٠ - حدَّثنا عَيَّاشُ بنُ الوَلِيدِ، حدثنا عَبْدُ الأعْلَى، حدثنا سَعِيدٌ
الجُرَيْرِيُّ، عَنْ أبي عُثْمانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بنِ أبِي بَكْرٍ - رضي الله عنهما - أنَّ أبا بَكْرٍ
تَضَيَّفَ رَهْطاً فقال لِعَبْدِ الرَّحْمُنِ: دُونَكَ أضْيافَكَ فإِنِّي مُنْطَلِقٌ إلى النبيِّ ◌ََّ، فَافْرُغُ مِن
قِراهُمْ قَبْلَ أنْ أجيءَ، فانْطَلَقَ عَبْدُ الرَّحْمُنِ فأتاهُمْ بما عِنْدَهُ، فقال: اطْعَمُوا. فقالوا: أيْنَ
رَبُّ مَنْزِلنا؟ قال: اطْعَمُوا، قالوا: ما نَحْنُ بِآكِلِينَ حَتَّى يَجِيءَ رَبُّ مَنْزِلِنا؟ قال: اقْبَلُوا، عَنَّا
قِرَاكُمْ فإنَّهُ إنْ جاءَ وَلَمْ تَطْعَمُوا لَنَلْقَيَنَّ مِنْهُ، فَأَبَوْا فَعَرَفْتُ أَنَّهُ يَجِدُ عَلَيَّ فَلَمَّا جاءَ تَنَخَّيْتُ عَنْهُ
فقال: ما صَنَعْتُم؟ فأخْبَرُوهُ. فقال: يا عَبْدَ الرَّحْمُن! فَسَكَتُّ. ثُمَّ قال: يا عَبْدَ الرَّحْمُنِ!
فَسَكَتُّ. فقال: يا غُنْثَرُ! أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ إنْ كُنتَ تَسْمَعُ صَوْتِي لَمَّا جِئْتَ، فَخَرَجْتُ، فَقُلْتُ
سَلْ أضْيافَكَ. فقالوا: صَدَقَ أتانا بِهِ، قال: فإنَّما انْتَظَرْتُمُوني؟ والله لا أطْعَمُهُ اللَّيْلَةَ. فقال
الآخَرُونَ: والله لا نَطْعَمُهُ حتى تَطْعَمَهُ. قال: لَمْ أَرَ في الشَّر كاللَّيْلَةِ، وَيْلَكُمْ مَا أَنْتُمْ؟ لِمَ لا
تَقْبَلُوا عَنَّا قِرَاكُمْ؟ هاتِ طَعامَكَ فَجَاءَهُ فَوَضَعَ يَدَهُ فقال: بِاسْمِ الله الأُولَى لِلشَّيْطانِ، فأكَلَ
وأكّلوا. [انظر الحديث ٦٠٢ وطرفيه].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((إنه يجد علي)) أي: يغضب علي، ويجد من
الموجدة وهي الغضب، ووقع التصريح بالغضب في الطريق الذي بعد هذا.
وعياش بفتح العين المهملة وتشديد الياء آخر الحروف وبالشين المعجمة ابن
الوليد، وأبو الوليد الرقام البصري مات سنة ست وعشرين ومائتين، وعبد الأعلى بن
عبد الأعلى وسعيد بن إياس الجريري، وقال الحافظ الدمياطي: مات سنة أربع وأربعين
ومائة، والجريري قال الكرماني: الجريري - مصغر الجر - بالجيم والراء المشددة. قلت:

٢٧٧
٧٨ - كتابُ الأدَبِ / باب (٨٨)
هذا وهم عظيم، والجرير نسبة إلى جرير بضم الجيم وفتح الراء ابن عباد بضم العين
المهملة وتخفيف الباء الموحدة أخي الحارث بن عباد بن ضبيعة بن قيس بن بكر بن
وائل، وأبو عثمان عبد الرحمن بن مل النهدي بفتح النون.
والحديث مضى في: باب علامات النبوة، فإنه أخرجه هناك بأطول منه عن
موسى بن إسماعيل عن معتمر عن أبيه عن أبي عثمان عن عبد الرحمن بن أبي بكر -
رضي الله تعالى عنهما - ومضى الكلام فيه هناك.
قوله: ((تضيف))، أي: اتخذ الرهط ضيفاً. قوله: ((دونك أضيافك)) أي: خذهم
والزمهم من قراهم، القرى بكسر القاف: الضيافة وإضافة القرى إليهم مثل الإضافة في
قول الشاعر :
لتغني عني ذا نابك أجمعـا
قوله: (لنلقين منه)) أي: الأذى وما يكرهنا. قوله: ((إنه يجد علي)) أي: يغضب
كما ذكرناه. قوله: ((تنحيت عنه)) أي: جعلت نفسي في ناحية بعيدة عنه. قوله: ((غنثر))
بضم الغين المعجمة والنون الساكنة وفتح الثاء المثلثة وبالراء ومعناه: الجاهل، وقيل:
اللئيم، وقيل: الثقيل، وروى: يا عنتر، بفتح العين المهملة وسكون النون وفتح التاء
المثناة من فوق وهو الذباب وشبهه حين حقره بالذباب. قوله: ((لما جئت)) بمعنى: ألا
جئت، أي: لأطلب منك إلاَّ مجيئك. وقال الكرماني: ما زائدة. قوله: ((كالليلة)) أي:
لم أر ليلة مثل هذه الليلة في الشر. قوله: ((ويلكم)) لم يكن مقصوده منه الدعاء عليهم.
قوله: ((ما أنتم؟)) كلمة: ما استفهامية. قوله: ((الأولى للشيطان)) أي: الحالة الأولى أو
الكلمة القسمية، وقال ابن بطال: الأولى، يعني اللقمة الأولى ترغيم للشيطان لأنه هو
الذي حمله على الحلف، وباللقمة الأولى وقع الحنث فيها. وقال: وإنما حلف لأنه
ترغيم للشيطان، وأنه اشتد عليه تأخير عشائهم ثم لما لم يسعه مخالفة أضيافه ترك
التمادي في الغضب فأكل معهم استمالة لقلوبهم، قال الكرماني: كيف جاز مخالفة
اليمين ثم أجاب بأنه إتيان بالأفضل كما ورد في الحديث.
٨٨ - بابُ قَوْلِ الضَّيْفِ لِصَاحِبِهِ: والله لا آكُلُ حَتَّى تَأْكُلَ
أي: هذا باب ما وقع في الحديث من قول الضيف ... إلى آخره.
فِيهِ حَدِيثُ أبي جُحَيْفَةَ عَنِ النّبِيِّ وَِّ .
أي: في هذا الباب حديث أبي جحيفة عن النبي ◌َّ وهو الحديث الذي قال فيه
سلمان لأبي الدرداء: ما أنا بآكل حتى يأكل. وقد مر عن قريب في: باب صنع الطعام
والتكلف للضيف، ولم تقع هذه الترجمة ولا التعليق المذكور في رواية أبي ذر، وإنما

٢٧٨
٧٨ - كتابُ الأدَبِ / باب (٨٩)
ساق هذا الحديث الذي في هذا الباب عقيب الحديث الذي في الباب السابق.
١٦٥/ ٦١٤١ - حدَّثني محَمَّدُ بنُ المُثَنَّى، حدثنا ابنُ أبي عَديّ، عنْ سُلَيْمانَ، عَنْ
أبي عُثْمانَ قال: قال عَبْدُ الرَّحْمُنِ بن أبي بَكْرِ الصِّدِّيقِ - رضي الله عنهما: جاء أَبُو بَكْرِ بِضَيْفٍ
لَهُ - أو بِأضيْافٍ لَهُ - فأمْسَى عِنْدَ النبي، وََّ، فَلَمَّا جَاء قالَتْ لَهُ أُمّي: احْتَبَسْتَ عِنْ ضَيْفِكَ -
أوْ أَضْيافِكَ ـ اللَّيْلَةَ؟ قال: أوَ ما عَشَّيْتِهِمْ؟ فقالَتْ: عَرَضْنا عَلَيْهِ - أوْ عَلَيْهِمْ - فأبَوْا - أوْ فأبى -
فَغَضِبَ أَبُو بَكْرٍ فَسَبَّ وجَدَّعَ وَحَلَفَ أنْ لا يَطْعَمَهُ، فَاخْتَبَأْتُ أنا فقال: يا غُنْثَرُ، فَحَلَفَتِ المَرْأة
لا تَطْعَمُهُ حَتَّى يَطْعَمَهُ، فَحَلَفَ الضَّيْفُ - أوِ الأضْيافُ - أنْ لا يَطْعَمَهُ - أوْ لا يَطْعَمُوهُ - حَتَّى
يَطْعَمَهُ، فقال أبُو بَكْرٍ: كأنَّ هُذِهِ مِنَ الشَّيْطانِ، فَدَعا بالطَّعام فأكَلّ وأكَلُوا فَجَعَلُوا لا يَرْفَعُونَ
لُقْمَةٌ، إلاَّ رَبا مِنْ أسْفَلِها أكْثَرُ منها، فقال: يا أُخْتَ بَنِي فِراسَ ما هذا؟ فقالَتْ: وقُرَّةِ عَيْنِي إِنَّها
الآنَ لأكْثَرُ قَبْلَ أنْ نَأْكُلَ، فأكَلُوا، وَبَعَثَ بِها إلى النبيِّ ◌َ ﴿ فَذَكَرَ أَنَّهُ أُكَلَ مِنْها. [انظر الحديث
٦٠٢ وطرفيه].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((فحلف الضيف)) إلى قوله: ((حتى تطعمه)) وابن
أبي عدي هو محمد بن أبي عدي واسم أبي عدي إبراهيم البصري، وسليمان بن
طرخان التيمي، وأبو عثمان هو عبد الرحمن النهدي مضى عن قريب.
قوله: ((ما عشيتهم؟)) ويروى: ما عشيتهيم، بإشباع تاء الخطاب. قوله: ((وجدع))
بفتح الجيم وتشديد الدال وبالعين المهملة أي قال: يا مجدوع الأذنين، فدعى عليه
بذلك، والجدع قطع الأنف وفي رواية الشيخ أبي الحسين: جزع، بفتح الجيم وكسر
الزاي من الجزع وهو نقيض الصبر. قوله: ((فاختبأت)) أي: اختفيت خوفاً من خصومته.
قوله: ((فحلفت المرأة)) وهي أم عبد الرحمن. قوله: ((كأن هذه)) أي: هذه الحالة - أو
اليمين - قوله: ((ربا)) أي: زاد، ويروى: إلاَّ ربت أي: اللقمة أو البقية. قوله: ((أكثر))
بالنصب ويروى: لأكثر، باللام وصلته محذوفة تقديره أكثر منها. قوله: ((أخت بني
فراس)) بكسر الفاء وتخفيف الراء وبالسين المهملة هي بنت عبد دهمان بضم الدال
المهملة وسكون الهاء أحد بني فراس، واسمها زينب، وهي مشهورة بأم رومان. قوله:
((وقرة عيني)) بالجر، قيل: المراد به القسم برسول الله وَّر، وقيل: لعل هذا كان قبل
النهي عن الحلف بغير الله، أو لم تعلمه.
٨٩ - بابُ إِكْرامِ الكَبِيرِ، وَيَبْدَأُ الأَكْبَرُ بِالْكَلامِ والسُّؤَالِ
أي: هذا باب في بيان إكرام الكبير، لما روى الحاكم من حديث أبي هريرة
مرفوعاً: ((من لم يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا فليس منا)). وأخرجه أبو داود من

٢٧٩
٧٨ - كتابُ الأدَبِ / باب (٨٩)
حديث عبد الله بن عمر، وذكر عبد الرزاق أن في الحديث من تعظيم جلال الله أن يوفر
ذو الشيبة في الإسلام. قوله: ((ويبدأ الأكبر بالكلام)) لأنه من آداب الإسلام ومحاسن
الأخلاق، ولكن ليس هذا على العموم لأنه إنما يبدأ الأكبر به. فيما إذا استوى فيه علم
الصغير والكبير، وإذا علم الصغير ما يجهل الكبير فالصغير يقدم حينئذٍ ولا يكون هذا
سوء أدب ولا نقص في حق الكبير. قوله: والسؤال، أي: ويبدأ الأكبر أيضاً بالسؤال
وهذا أيضاً إذا استوى الكبير مع الصغير، وإذا كان الصغير أعلم يقدم على الكبير، وكان
ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - يسأل وهو صبي وهناك مشيخة.
١٦٦/ ٦١٤٢ - ٦١٤٣ - حدَّثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ حدثنا حَمَّدٌ هُوَ ابْنُ زَيْدٍ، عنْ
يَخْيَى بِنِ سَعِيدٍ عَنْ بُشَيْرِ بنِ يَسَارِ مَوْلَى الأَنْصارِ، عَنْ رافِعِ بنِ خَدِيجٍ، وَسَهْلٍ بن أبي
حَثْمَةَ أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ أنَّ عَبْدَ اللهِ بنَ سَهْلٍ، ومُخَيْصَةَ بنَ مَسْعُودٍ أتَيَا خَيْبَرَ فَتَفَرَّقا في النَّخلِ،
فَقُتِلَ عَبْدُ الله بنُ سَهْلٍ، فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمُنِ بنُ سَهْلٍ وحُوَيْصَةَ وَمُحيصَةُ ابْنا مَسْعُودٍ إلى
النبيِّ وََّ، فَتَكَلَّموا في أمْرٍ صاحِبِهِمْ، فَبَدَأْ عَبْدُ الرَّحْمُنِ وكان أصْغَرَ القَوْمِ، فقال
النبيُّ ◌َّهِ: (كَبِّرِ الكُبْرَ)). قال يَحْيَى: لِيَلِيَ الكَلامَ الأكْبَرُ، فَتَكَلَّمُوا في أمْرِ صَاحِبِهِمْ فقال
النبيُّ وَلِّ: ((أَتَسْتَحِقُونَ قَتِيلَكُمْ - أو قال: صاحِبَكُمْ - بِأئْمانِ خَمْسِینَ مِنكُمْ؟)) قالوا: يا
رسولَ الله! أمْرٌ لَمْ نَرَهُ، قال: ((فَتُبْرِتُكُمْ يَهُودُ في أيمانِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ؟» قالوا: يا رسولَ الله!
قَوْمٌ كُفَّارٌ، فَوَدَاهُمْ رسولُ اللهِ وََّ، مِنْ قِبَلِهِ.
قال سَهْلٌ: فأدْرَكْتُ نَاقَةً مِنْ تِلْكَ الإِبِلِ فَدَخَلَتْ مِرْبَدَاً لَهُمْ فَرَكْضَتْنِي بِرِجْلِها.
[الحديث ٦١٤٣ - انظر الحديث ٢٧٠٢ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: (كبر الكبر)) وفي قوله: ((ليلي الكلام الأكبر)).
ويحيى بن سعيد الأنصاري، وبشير بضم الباء الموحدة وفتح الشين المعجمة ابن
يسار - ضد اليمين - ورافع بن خديج بفتح الخاء المعجمة وكسر الدال وبالجيم ابن
رافع بن عدي بن زيد بن جشم بن حارثة الأوسي المديني، سمع النبي ◌َّ، مات سنة
ثلاث وقيل: أربع وسبعين، وكان يوم مات ابن ست وثمانين سنة، وسهل بن أبي حثمة
بفتح الحاء المهملة وسكون الثاء المثلثة، واسمه عامر بن ساعدة بن عامر أبو يحيى،
وقيل: أبو محمد الأنصاري الحارثي المديني، سمع النبي وَّ عندهما، ويقال: قبض
النبي ◌ّلر وهو ابن ثمان سنين، وقد حفظ عنه، وعبد الله بن سهل الأنصاري أخو عبد
الرحمن بن سهل الأنصاري ابني أخي حويصة ومحيصة ابني مسعود بن كعب بن
عامر بن عدي.
ومضى الحديث في آخر الجهاد في: باب الموادعة والمصالحة مع المشركين،

٢٨٠
٧٨ - كتابُ الأدَبِ / باب (٨٩)
فإنه أخرجه هناك عن مسدد عن بشر بن المفضل عن يحيى عن بشير بن يسار عن
سهل بن أبي حثمة ... إلى آخره، وبينهما تفاوت في الطول والقصر، واختلاف بعض
الألفاظ .
قوله: ((ابنا مسعود)) بكسر الهمزة تثنية ابن. قوله: ((في أمر صاحبهم)) أي:
مقتولهم، وهو عبد الله. قوله: ((كبر الكبر)) بضم الكاف وسكون الباء الموحدة وهو
جمع الأكبر أي: قدم الأكبر للتكلم، وإنما أمر أن يتكلم الأكبر في السن ليحقق صورة
القضية وكيفيتها لا أنه يدعيها، إذ حقيقة الدعوى إنما هي لأخيه عبد الرحمن. قوله:
((قال يحيى)) هو يحيى بن سعيد الراوي، قال في روايته: ((ليلي الكلام الأكبر)) بالرفع
أي: ليتولى الأكبر الكلام. قوله: ((أتستحقون قتيلكم)) أي: دية قتيلكم. قوله: ((أو قال:
صاحبكم)) شك من الراوي، وأراد بالصاحب المقتول. قوله: ((بأيمان خمسين منكم))
بإضافة أيمان إلى خمسين أي: بأيمان خمسين رجلاً منكم، ويروى: بأيمان، بالتنوين
في الموضعين أي: خمسين يميناً صادرة منكم، وبالرواية الأولى. احتجت الحنفية حيث
اعتبروا العدد في الرجال. قوله: «أمر لم نره)» أي: لم نشاهده، وكيف نحلف عليه؟
قوله: فتبرئكم أي فتخلصكم من اليمين. واعلم أن حكم القسامة مخالف لسائر الدعاوى
من جهة أن اليمين على المدعي، وقال الكرماني: الوارث هو الأخ وهو المدعي لا أبناء
العم، فلم عرض اليمين عليهم، وأجاب بأنه كان معلوماً عندهم أن اليمين يختص
بالوارث فأطلق الخطاب لهم، وأراد من يختص به ومن جهة أنها خمسون يميناً وذلك
لتعظيم أمر الدماء، وبدأ رسول الله و 8، بالمدعين فلما تكلموا رد على المدعى عليه،
ولما لم يرضوا بأيمانهم من جهة أنهم كفار لا يبالون بذلك عقله من عنده لأنه عاقلة
المسلمين، وإنما عقله قطعاً للنزاع وجبراً لخاطرهم، وإلاَّ فاستحقاقهم لم يثبت. قوله:
((فوداهم)) أي: أعطى لهم ديته من قبله بكسر القاف وفتح الباء الموحدة أي: من عنده،
ويحتمل أن يراد به من خالص ماله أو من بيت المال.
قوله: ((مربداً لهم)) المربد بكسر الميم وسكون الراء وفتح الباء الموحدة أي:
الموضع الذي يجتمع فيه الإبل. قوله: ((فركضتني)) أي: رفستني وأراد بهذا الكلام ضبط
الحديث وحفظه حفظاً بليغاً .
وفيه: أنه ينبغي للإمام مراعاة المصالح العامة، والاهتمام بإصلاح ذات البين،
وإثبات القسامة، وجواز اليمين بالظن وصحة يمين الكافر.
قال اللَّيْثُ: حدّثني يَحْيِى عَنْ بُشَيْرٍ عَنْ سَهْلٍ قال يَخْيَى: حَسِبْتُ أَنَّهُ قال: مَعَ
رافعٍ بن خَدِیچٍ.
أي: قال الليث بن سعد: حدثني يحيى بن سعيد الأنصاري عن بشير بضم الباء