النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١ ٧٨ - كتابُ الأدَبِ / باب (٦٢) الرفق والانقياد، يعني: كان خلق رسول الله وَّر، على هذه المرتبة وهو أنه لو كان لأمة حاجة إلى بعض مواضع المدينة وتلتمس منه مساعدتها في تلك الحاجة واحتاجت بأن يمشي معها لقضائها لما تخلف عن ذلك حتى يقضي حاجتها. قوله: ((فتنطلق به حيث شاءت)) وفي رواية أحمد: فتنطلق به في حاجتها، وله من طريق علي بن يزيد عن أنس: إن كانت الوليدة من ولائد أهل المدينة لتجيء وتأخذ بيد رسول الله ملته، فما تنزع يده من يدها حتى تذهب به حيث شاءت، وأخرجه ابن ماجه من هذا الوجه. وهذا دليل على مزيد تواضعه وبراءته من جميع أنواع الكبر وَّ، وفيه أنواع من المبالغة من جهة أنه ذكر المرأة لا الرجل، والأمة لا الحرة، وعمم بلفظ الإماء، أي: أمة كانت، وبقوله: ((حيث شاءت)) من الأمكنة وعبر عنه بالأخذ: باليد، الذي هو غاية التصرف ونحوه. ٦٢ - بابُ الهِجْرَةِ أي: هذا باب في بيان ذم الهجرة بكسر الهاء وسكون الجيم وهي مفارقة كلام أخيه المؤمن مع تلاقيهما وإعراض كل واحد منهما عن صاحبه عند الاجتماع، وليس المراد بالهجرة هنا مفارقة الوطن إلى غيره، فإن هذه تقدم حكمها. وَقَوْلِ رسولِ اللهِ وَّهِ: لا يَحِلُّ لِرجلٍ أنْ يَهْجُرَ أخاهُ فَوْقَ ثَلاثٍ. وقول، مجرور عطفاً على الهجرة أي: وفي بيان قول رسول الله وَله، وقد وصله في الباب عن أبي أيوب على ما يأتي. قوله: ((فوق ثلاث)) ويروى: فوق ثلاث ليال، وقد مضى الكلام فيه عن قريب. وقال النووي: قال العلماء: تحرم الهجرة بين المسلمين أكثر من ثلاث ليال بالنص، ويباح في الثلاث بالمفهوم، وإنما عفى عنه في ذلك لأن الآدمي مجبول على الغضب فسومح بذلك القدر ليرجع ويزول ذلك العارض. ١٠٠ / ٦٠٧٣ - ٦٠٧٤ - ٦٠٧٥ - حدَّثنا أبو اليَمانِ، أخبرنا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قال: حدثني عَوْفُ بنُ مالِكِ بن الطُّفَيْلِ هُوَ ابنُ الحَارِثِ وَهُوَ ابنُ أخِي عَائِشَةَ، زَوْجِ النبيِّ وَِّ لِأُمِّها: أنَّ عائِشَةَ حُدْثَتْ أنَّ عَبْدِ الله بنَ الزُّبَيْرِ قال في بَيْعِ أوْ عَطاء أعْطَتْهُ عائِشَة: والله لَتَنْتَهِيَنَّ عَائِشَةُ أوْ لأحْجُرَنَّ عَلَيْها. فقالَتْ: أهُوَ قال هذا؟ قالوا: نَعَمْ. قَالَتْ: هُوَ الله عَلَيّ نَذْرٌ أنْ لا أُكَلِّمَ ابنَ الزُّبَيْرِ أبداً، فاسْتَشْفَعَ ابنُ الزُّبَيْرِ إِلَيْها حِينَ طالَتْ الهِجْرَةُ، فقالَتْ: لا والله لا أُشَفْعُ فِيهِ أبداً، ولا أتَحَنَّثُ إلى نَذْرِي، فَلَمَّا طالَ ذُلِكَ عَلَى ابنِ الزُّبَيْرِ كَلَّمَ المِسْوَرَ بِنَ مَخْرَمَةَ، وَعَبْدَ الرَّحْمُنِ بِنَ الأَسْوَدِ بنِ عَبْدِ يَغُوثَ، وهُما مِنْ بَنِي زُهْرَةً، وقال لَهُما: أَنْشُدُكُما بالله لَمَّا أدْخَلْتُمانِي عَلَى عائِشَةَ فإنها لا يَحِلُّ لها أنْ تَنْذُرَ قَطِيعَتِي، فأقْبَلَ بِهِ المِسْوَرُ وَعَبْدُ الرَّحْمُنِ مُشْتَمِلَيْنِ بأزْدِيَتِهِما حَتّى اسْتَأْذَنا عَلَى عائِشَةَ، فقالا: السَّلامُ ٢٢٢ ٧٨ - كتابُ الأدَب / باب (٦٢) عَلَيْكِ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، أَنَدْخُلُ؟ قالَتْ عَائِشَةُ: ادْخُلُوا. قالوا: كُلُّنا. قالَتْ: نَعَمْ ادْخُلُوا كُلُّكُمْ، ولا تَعْلَمُ أنَّ مَعَهُما ابنَ الزُّبَيْرِ، فَلمَّا دَخَلُوا دَخَلَ ابنُ الزُّبَيْرِ، الحِجَابَ فَاعْتَنَقَ عائِشَةَ وطَفِقَ يُناشدُها وَيَبْكِي، وطَفِقَ المِسْوَرُ وَعَبْدُ الرَّحْمُنِ بِناشِدانِها إلاَّ ما كَلَّمَتْهُ، وَقَبِلَتْ مِنْهُ، وَيَقُولانِ: إِنَّ النبيَّ ◌ََّ، نَهى عَمَّا قَدْ عَلِمْتِ مِنَ الهِجْرَةِ، فإنَّهُ لا يَحِلُّ لِمُسْلِمِ أنْ يَهْجُرَ أخاهُ فَوْقَ ثَلاثِ لَيَالٍ، فَلَما أكْثِرُوا عَلَى عَائِشَة مِن التِذْكِرَةِ والتَّخْرِيجِ طَفِقَتْ تُذَكَّرُهُما وَتَبْكِي، وَتَقُولُ: إِنِّ نَذَرْتُ والنَّذْرُ شَدِيدٌ، فَلَمْ يَزالا بِها حَتَّى كلمَتِ ابنَّ الزبَيْرِ وأعْتَقَتْ فِي نَذْرِها ذُلِكَ أرْبَعِينَ رَقَبَةَ، وكانَتْ تَذْكُرُ نَذْرَها بَعْدَ ذُلِكَ فَتَبْكي حَتَّى تَبُلَّ دُمُوعُها خِمارَها. [انظر الحديث ٣٥٠٣ وطرفه]. مطابقته للترجمة من حيث إنه متضمن لهجرة عائشة عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهم، أكثر من ثلاثة أيامُ. فإن قلت: لِمَ هجرت عائشة أكثر من ثلاثة أيام؟ قلت: معنى الهجرة المذمومة لا يصدق على هجرتها، لأن الهجرة المذمومة هي ترك الكلام عند التلاقي وعائشة لم تكن تلقاه فتعرض عن السلام عليه، وإنما كانت من وراء حجاب، ولم يكن أحد يدخل عليها إلّ بإذن فلم يكن ذلك من الهجرة المذمومة، وأيضاً إنما ساغ ذلك لعائشة لأنها أم المؤمنين لا سيما بالنسبة إلى ابن الزبير لأنها خالته، وذلك الكلام الذي قال في حقها. وهو قوله: لتنتهين عائشة أو لأحجرن عليها، كالعقوق لها، فهجرتها إياه كانت تأديباً له، وهذا من باب الهجران لمن عصى. وأبو اليمان الحكم بن نافع وشعيب بن أبي حمزة الحمصي، والزهري هو محمد بن مسلم بن شهاب، وعوف بفتح العين المهملة وسكون الواو والفاء ابن الطفيل بضم الطاء المهملة ابن عبد الله بن الحارث بن سخبرة بفتح السين المهملة وسكون الخاء المعجمة وفتح الباء الموحدة وبالراء ابن جرثومة بضم الجيم وسكون الراء وضم الثاء المثلثة وبالميم ابن عائدة بن مرة بن جشم بن أوس بن عامر القرشي، وقال ابن أبي خيثمة: لا أدري من أي قريش هو؟ وقال أبو عمر: ليس من قريش، وإنما هو من الأزد. وقال الواقدي: كانت أم رومان تحت عبد الله بن الحارث بن سخبرة وكان قدم بها مكة فحالف أبا بكر قبل الإسلام فتوفي عن أم رومان وقد ولدت له الطفيل، ثم خلف عليها أبو بكر رضي الله تعالى عنه، فولدت له عبد الرحمن وعائشة، فهما أخوا الطفيل هذا لأمه، وذكر أبو عمر الطفيل هذا في (الاستيعاب) في الصحابة، وقال الذهبي: الطفيل هذا صحابي روى عنه ربعي بن حراش الزهري، وقال في (جامع الأصول): عوف بن مالك بن الطفيل، وقال الكلاباذي: عوف بن الحارث بن الطفيل، وفي سند حديث الباب مثل ما قال في (جامع الأصول). وقال علي بن المديني: هكذا اختلفوا فيه والصواب عندي وهو المعروف: عوف بن الحارث بن الطفيل، فعلى هذا ٢٢٣ ٧٨ - كتابُ الأدَبِ / باب (٦٢) قول صاحب (جامع الأصول): عوف بن مالك بن الطفيل ليس بجيد. قوله: ((حدثت)) على صيغة المجهول، أي: أخبرت، ويروى: حدثته. قوله: ((في بيع أو عطاء أعطته عائشة)) في رواية الأوزاعي: في دار لها باعتها فتسخط عبد الله بن الزبير ببيعٍ تلك الدار، فقال: ((والله لتنتهين عائشة أو لأحجرن عليها))، كلمة أو، ههنا بمعنى إلاّ في الاستثناء، فينصب المضارع بعدها بإضمار أن نحو قولهم: لأقتلنه أو يسلم، والمعنى إلاَّ أن يسلم، والمعنى لههنا لتنتهين عائشة عما هي فيه من الإسراف إلاّ أن أحجر عليها، ويحتمل أن يكون: أو، هنا بمعنى: إلى، وينصب المضارع بعدها بأن مضمرة نحو: ((لألزمنك أو تعطيني حقي)) يعني: إلى أن تعطيني حقي، وفي الرواية المتقدمة في مناقب قريش: كان عبد الله بن الزبير أحب البشر إلى عائشة بعد النبي وَسّ، وسلم وأبي بكر، وكان أبر الناس بها، وكانت لا تمسك شيئاً مما جاءها من رزق الله إلاَّ تصدقت به، فقال ابن الزبير: ينبغي أن يؤخذ على يديها، فقالت: أيؤخذ على يدي؟ علي نذر إن كلمته. وكانت هذه القضية قبل أن يلي عبد الله بن الزبير الخلافة، لأن عائشة ماتت سنة سبع وخمسين في خلافة معاوية، وكان ابن الزبير حينئذٍ لم يلِ شيئاً. قوله: ((قالت: أهو قال هذا؟)) أي: قالت عائشة: أعبد الله بن الزبير قال هذا الكلام؟ قالوا: نعم. قوله: فقالت: هو أي: الشأن: (لله علي نذر أن لا أكلم ابن الزبير أبداً) وقال ابن التين: تقديره علي نذر إن كلمته، وقال الكرماني: ويروى: أن لا أتكلم، بفتح الهمزة وكسرها بزيادة: لا، والمقصود حلفها على عدم التكلم معه. قلت: هذا كلام الكرماني بعين ما قاله، وقال بعضهم: ووقع في بعض الروايات بحذف: لا، وشرح عليها الكرماني وضبطها بالكسر بصيغة الشرط وليس كما نقله فالذي ذكره الكرماني هو الذي ذكرناه. قوله: ((فاستشفع ابن الزبير إليها)» من الشفاعة وهو السؤال في التجاوز عن الذنوب والجرائم. قوله: ((حين طالت الهجرة)) كذا في رواية الأكثرين بلفظ: حين، وفي رواية السرخسي والمستملي: حتى، بدل: حين، وفي رواية: فاستشفع عليها بالناس، فلم تقبل، وفي رواية عبد الرحمن بن خالد: فاستشفع ابن الزبير بالمهاجرين، وقد أخرج إبراهيم الحربي من طريق حميد بن قيس: أن عبد الله بن الزبير أستشفع إليها بعبيد بن عمير، فقال لها: أين حديث أخبرتنيه عن رسول الله مَالچ ، أنه نهى عن الهجرة فوق ثلاث؟ قوله: ((والله لا أشفع فيه)) بكسر الفاء المشددة، أي: لا أقبل الشفاعة فيه. قوله: ((أبدا))، هو رواية الكشميهني، وفي رواية غيره أحداً، وجمع بين اللفظين في رواية عبد الرحمن بن خالد ورواية معمر. قوله: ((ولا أتحنث إلى نذري)) أي: لا أتحنث في نذري منتهياً إليه، وفي رواية معمر: ولا أحنث في نذري. قوله: ((فلما طال ذلك)) أي: هجر عائشة على عبد الله بن الزبير كلم المسور بكسر الميم ابن مخرمة بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة الزهري، وعبد الرحمن بن أسود بن عبد ٢٢٤ ٧٨ - كتابُ الأدَبِ / باب (٦٢) يغوث الزهري وكانا من أخوال رسول الله وَ له. قوله: ((أنشدكما الله)) بضم الدال من أنشدت فلاناً إذا قلت له: نشدتك الله، أي: سألتك بالله. قوله: ((لما)) بتخفيف الميم وما زائدة وبتشديدها وهو بمعنى: إلاَّ، كقوله تعالى: ﴿إِن كُلُّ نَفْسِ لَّاً عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق: ٤] ومعناه: ما أطلب منكما إلاّ الإدخال. قال الزمخشري: نشدتك بالله إلاّ فعلت، معناه: ما أطلب منك إلاَّ فعلك، وفي رواية الكشميهني: إلا أدخلتماني، وفي رواية الأوزاعي: فسألهما أن يشتملا عليه بأرديتهما. قوله: ((فإنها)) أي: فإن الحالة، وفي رواية الكشميهني: فإنه، أي: فإن الشان. قوله: ((تنذر قطيعتي)) أي: قطع صلة الرحم لأن عائشة كانت خالته، وهي التي كانت تتولى تربيته غالباً. قوله: ((أندخل؟)) الهمزة فيه للاستخبار. قوله: ((كلنا)) وفي رواية الأوزاعي، قالا: ومن معنا؟ قالت: ومن معكما. قوله: ((وطفق)) أي: جعل يناشدها. قوله: ((يناشدانها إلاَّ ما كلمته)) أي: ما يطلبان منها إلاَّ التكلم معه وقبول العذر منه. قوله: ((من الهجرة)» بيان ما قد علمت. قوله: ((من التذكرة))، أي: من التذكير بالصلة بالعفو وبكظم الغيظ. قوله: ((والتحريج)) أي: التضييق والنسبة إلى الحرج بالحاء المهملة والجيم. قوله: ((وأعتقت في نذرها ذلك أربعين رقبة))، علم منه أن المراد بالنذر اليمين، وفي (التوضيح) قول عائشة: علي نذر أن لا أكلم ابن الزبير أبداً، هذا نذر في غير الطاعة فلا يجب عليها شيء عند مالك وغيره، واختلف إذا قال: علي نذر لأفعلن كذا فكفارته كفارة بين، وهو قول مالك وغير واحد من التابعين، وعن ابن عباس: عليه أغلظ الكفارات كالظهار لأنه لم يسم اليمين بالله ولا نواها، وقيل: إن شاء صام يوماً أو أطعم مسكيناً أو صلى ركعتين، والله أعلم. ١٠١/ ٦٠٧٦ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ، أخبرنا مالِكٌ، عَن ابنِ شهاب، عَنْ أَنَسٍِ بنِ مالِكِ أنَّ رسولَ اللهِ وََّ، قال: ((لا تَباغضُوا ولا تَحاسَدُوا وَلاَ تَدَابَرُوا وكُونُوا عِبادَ الله إخْوَاناً، ولا يَحِلُّ لِمُسْلِم أنْ يَهْجُرَ أخاهُ فَوْقَ ثَلاثَ لَيَال)). [انظر الحديث ٦٠٦٥]. هذا الحديث مضى في: باب ما ينهى عن التحاسد، عن أبي هريرة ومضى أيضاً عنه في الباب الذي يليه، ومضى الكلام فيه مستقصى، وهناك روى مالك عن أبي الزناد، وهنا روی عن ابن شهاب. ١٠٢/ ٦٠٧٧ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يوسُفَ، أخبرنا مالِكٌ، عَنِ ابنِ شهابٍ، عَنْ عَطاء بنِ يَزِيدَ اللَّيْئِيِّ، عَنْ أبي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ، أنَّ رسولَ اللهِ وَّرَ قال: ((لا يَحِلُ لِرَجُلِ أنْ يَهْجُرَ أخاهُ فَوْقَ ثَلاَثِ لَيَالٍ، يَلْتَقيانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا وَخَيْرُهُما الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلاَمِ» . [الحديث ٦٠٧٧ - طرفه في: ٦٢٣٧]. مطابقته للترجمة ظاهرة، وأبو أيوب الأنصاري اسمه خالد بن زيد بن كليب. ... ٢٢٥ ٧٨ - كتابُ الأدَب / باب (٦٣) والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الاستئذان عن علي عن سفيان. وأخرجه مسلم فيه عن يحيى عن مالك وغيره. وأخرجه أبو داود فيه عن القعنبي عن مالك به. وأخرجه الترمذي في البر عن محمد بن يحيى، وقال الحافظ المزي: هكذا رواه غير، واحد عن الزهري، وهو المحفوظ، ورواه عقيل عن الزهري عن عطاء بن يزيد عن أبي بن كعب، ورواه أحمد بن شبيب عن أبيه عن يونس عن الزهري عن عبد الله أو عبد الرحمن عن أبي بن كعب، وكلاهما خطأ، أما رواية عقيل فلم يتابعه عليها أحد ولعله كان في كتابه عن أبي وسقط منه أيوب فظنه أبي بن كعب، وأما رواية أحمد بن شبيب عن أبيه فقد رواه ابن وهب عن يونس كرواية الجماعة. قوله: ((فيعرض)) بضم الياء من إعراض الوجه. قوله: ((وخيرهما)) أي: أفضلهما الذي يبدأ بالسلام أي: بالسلام عليكم. وفيه: أن الهجرة تنتهي بالسلام، وقد مضى الكلام فيه عن قريب. ٦٣ - بابُ ما يَجُوزُ مِنَ الهِجْرَانِ لِمَنْ عَصَى أي: هذا باب في بيان ما يجوز من الهجران لمن عصى، وقال المهلب: غرض البخاري من هذا الباب أن يبين صفة الهجران الجائز وأن ذلك متنوع على قدر الإجرام، فمن كان جرمه كثيراً فينبغي هجرانه واجتنابه وترك مكالمته، كما جاء في كعب بن مالك وصاحبيه، وما كان من المغاضبة بين الأهل والإخوان فالهجران الجائز فيها ترك التحية والتسمية وبسط الوجه، كما فعلت عائشة في مغاضبتها مع رسول الله وَله . وقال كَعْبٌ، حِينَ تَخَلَّفَ عَنِ النِبِيِّ بَّهِ: وَنَهَى النبيُّ ◌َِّ المُسْلِمِينَ عَنْ كَلاَمِنا، وَذَكَرَ خَمْسِينَ لَيلَةً . أي: قال كعب بن مالك الأنصاري رضي الله عنه. قوله: ((حين تخلف)) أي: في غزوة تبوك، وهو ليس ظرفاً لقال بل لمحذوف أي: حين تخلف، كان كذا وكذا ونهى النبي ◌َّر، عن الكلام معه مع صاحبيه مرارة بن الربيع وهلال بن أمية الثلاثة الذين خلفوا، وذكر أن زمان هجر المسلمين عنهم كان خمسين ليلة، وهذا الذي ذكره طرف من حديث طويل مستوفّى في آخر المغازي. ٦٠٧٨/١٠٣ - حدَّثنا مُحَمَّدٌ، أخبرنا عَبْدَةُ، عن هِشام بنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، قالَتْ: قال رسولُ اللهِ وَّرَ: ((إنّ لأعْرِفُ غَضَبَكِ وَرِضاكٍ)). قالَتْ: قُلْتُ: وَكَيْفَ تَعْرِفُ ذَاكَ يا رسولَ الله؟ قال: ((إنَّكِ إِذَا كُنْتِ راضِيَةً قُلْتِ: بَلَى وَرَبِّ مُحَمَّدٍ، وإِذَا كُنْتِ ساخِطَةً قُلْتِ: لَا وَرَبِّ إِبْرَاهِيمَ)). قالَتْ: قُلْتُ: أجَلْ لَسْتُ أُهاجِرُ إلَّ اسْمَكَ. [انظر الحديث ٥٢٢٨]. عمدة القاري / ج٢٢ - ١٥٣ ٢٢٦ ٧٨ - كتابُ الأدَبِ / باب (٦٤) مطابقته للترجمة في قوله: ((لست أهاجر إلاّ اسمك)) وهذا من الهجران الجائز كما ذكرنا عن المهلب الآن صفة الهجران الجائز، وقال القاضي: مغاضبة عائشة رضي الله عنها، هي من الغيرة التي عفى عنها للنساء ولولا ذلك لكان عليها في ذلك من الحرج ما فيه، لأن الغضب على النبي 98ّ كبيرة عظيمة، وفي قولها: إلا اسمك، دلالة على أن قلبها مملوء من المحبة، وإنما الغيرة في النساء لفرط المحبة. ومحمد هو ابن سلام، وعبدة بفتح العين وسكون الباء الموحدة هو ابن سليمان الكلابي . والحديث أخرجه مسلم في الفضائل عن محمد بن عبد الله بن نمير. قوله: ((أجل)) بوزن: نعم وبمعناه، وقال الأخفش: إلاَّ أن نعم أحسن من أجل في جواب الاستفهام، وأجل أحسن من نعم في التصديق. ٦٤ - بابٌ هَلْ يَزُورُ صاحِبَهُ كُلَّ يَوْمٍ أوْ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً؟ أي: هذا باب يذكر فيه: هل يزور الشخص صاحبه كل يوم أو يزور في طرفي النهار بكرة وعشية: فالبكرة أول النهار من طلوع الشمس إلى نصف النهار، والعشية آخره، وفي كثير من النسخ: وعشياً، بدون التاء وقال الجوهري: العشي والعشية من صلاة المغرب إلى العتمة وقيل: العشي من الزوال إلى العتمة، وقيل: إلى الفجر، وقال بعضهم: وقال ابن فارس: والعشاء بالفتح والمد من الزوال إلى العتمة. قلت: هذا غلط، قال الجوهري: العشاء بالمد والفتح الطعام بعينه، والظاهر أن ابن فارس قال: العشاء بالمد والكسر، والغلط من الناقل. ١٠٤/ ٦٠٧٩ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى، أخبرنا هِشَامٌ، عَنْ مَعْمَرٍ. (ح)، وقال اللَّيْثُ: حدثني عُقَيْلٌ، قال ابنُ شِهابٍ: فأخبرني عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ أنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النبيِّ وَه قالَتْ: لَمْ أعْقِلْ أَبَوَيَّ إلَّ وَهُما يَدِينَانِ الدِّينَ وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْهِما يَوْمٌ إلاَّ يَأْتِينا فِيهِ رسولُ اللهَ وَّل،ِ طَرَفَي النَّهَارِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً، فَبَيْنَما نَحْن جُلُوسٌ فِي بَيْتِ أبِي بَكْرِ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ، قال قائِلٌ: هذا رسولُ اللهِ بَّهِ فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَأْتِينا فِيها، قال أبُو بَكْر: ما جاءَ بِهِ في هذِهِ السَّاعَةِ إِلاَّ أمْرٌ؟ قال: ((إنِّي قَدْ أُذِنَ لِي بالخُرُوجِ)). [انظر الحديث ٤٧٦ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((إلاَّ يأتينا فيه رسول الله *، طرفي النهار بكرة وعشية)) وإبراهيم هو ابن موسى بن يزيد الفراء أبو إسحاق الرازي يعرف بالصغير، وهو شيخ مسلم أيضاً، وهشام هو ابن يوسف، ومعمر بفتح الميمين هو ابن راشد. والحديث قد مضى مطولاً في: باب هجرة النبي وَلّ وأصحابه إلى المدينة، فإنه أخرجه هناك عن يحيى بن بكير، نا الليث عن عقيل ... إلى آخره، وهنا أخرجه عن ٢٢٧ ٧٨ - كتابُ الأدَب / باب (٦٥) إبراهيم عن هشام عن معمر عن الزهري، ثم تحول إلى إسناد آخر بقوله: وقال الليث ... إلى آخره، ووصله في: باب الهجرة عن يحيى بن بكير عن الليث كما ذكرناه . قوله: ((يدينان الدين)) أي: كانا مؤمنين متدينين بدين الإسلام. قوله: ((ولم يمر يوم إلاّ يأتينا فيه)) فإن قلت: يعارضه حديث أبي هريرة: ((زر غباً تزدد حباً) قلت: لا معارضة لأن لكل منهما معنى، فحديث الباب جواز زيارة الصديق الملاطف لصديقه كل يوم على قدر حاجته إليه والانتفاع بمشاركته له، وحديث أبي هريرة فيمن ليست له خصوصية ولا مودة ثابتة، فالإكثار من الزيارة ربما أدت إلى البغضاء فيكون سبباً للقطيعة، فعلى المعنى الأول قال القائل: إذا حققت من شخص وداداً وكن كالشمس تطلع كل يوم وعلى المعنى الثاني قال القائل : فزره ولا تخف منه ملالا ولا تك في زيارته هلالا لا تزر من تحب في كل شهر فاجتلاء الهلال في الشهر يوماً غير يوم ولا تزده عليه ثم لا تنظر العيون إليه قال بعضهم: كأن البخاري رمز بالترجمة إلى توهين الحديث المشهور ((زر غباً تزدد حباً))، قلت: هذا تخمين في حق البخاري لأنه حديث مشهور روي عن جماعة من الصحابة وهم: علي وأبو ذر وأبو هريرة وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن عمر وأبو برزة وأنس وجابر وحبيب بن مسلمة ومعاوية بن حيدة، وقد جمع أبو نعيم وغيره طرقه، ورواه الحاكم في (تاريخ نيسابور) والخطيب في (تاريخ بغداد) بطريق قوي: فإن قلت: كان الصديق أولى بالزيارة لدفع مشقة التكرار عنه وَّر؟ قلت: قال ابن التين: لم يكن يجيء إلى أبي بكر لمجرد الزيارة بل لما يتزايد عنده من علم الله، وقيل: كان سبب ذلك أنه وسي﴿ إذا جاء إلى بيت أبي بكر رضي الله تعالى عنه، يأمن من أذى المشركين، بخلاف ما لو جاء أبو بكر إليه، وقيل: يحتمل أن أبا بكر كان يجيء إليه في النهار والليل أكثر من مرتين. قوله: ((فبينما)) قد قلنا غير مرة إن أصل بينما: بين، فأشبعت الفتحة فصارت ألفاً وزيدت عليه: ما، ويضاف إلى جملة. قوله: ((جلوس)) أي: جالسون. قوله: ((في نحر الظهيرة)) الظهيرة الهاجرة ونحرها أولها. قال الجوهري: نحر النهار أوله. وقال الكرماني: نحر الظهيرة أول الظهر، يريد به شدة الحر. قوله: ((أذن لي بالخروج) يعني: من مكة إلى المدينة. ٦٥ - بابُ الزِّيارَةِ. ومنْ زارَ قَوْماً فَطَعِمَ عِنْدَهُمْ أي: هذا باب في بيان مشروعية الزيارة، وفي بيان من زار قوماً فطعم، أكل ٢٢٨ ٧٨ - كتابُ الأدَبِ / باب (٦٦) عندهم شيئاً، ومن تمام الزيارة أن تقدم للزائر ما حضر، وقال ابن بطال: وهو مما يثبت المودة ويزيد في المحبة، وقد ورد في ذلك حديث أخرجه أحمد وأبو يعلى من طريق عبيد الله بن عبد بن عمير قال. دخل على جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه، نفر من أصحاب النبي ◌َّله فقدم إليهم خبزاً وخلاً، فقال: كلوا، فإني سمعت رسول الله وَل يقول: نعم الإدام الخل، إن هلاك الرجل أن يدخل إليه نفر من إخوانه فيحتقر ما في بيته أن يقدمه إليهم، وهلاك القوم أن يحتقروا ما قدم إليهم. وزارَ سَلْمانُ أبا الدَّزْداءِ رضي الله عنهما، في عَهْدِ النبيِّ ◌َّ﴿ فَأَكَلَ عِنْدُهُ. أبو الدرداء اسمه عويمر - مصغفر عامر - الأنصاري، وهذا طرف من حديث لأبي جحيفة تقدم في كتاب الصيام. ٦٠٨٠/١٠٥ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ سَلام، أخبرنا عَبْدُ الوَهَّابِ، عَنْ خالِدِ الحَذَّاءِ، عَنْ أنسٍ بنِ سِيرِينَ، عَنْ أَنَسٍ بنِ مالِكِ رضي الله عنه، أنَّ رسولَ الله وَ زارَ أهْلَ بَيْت مِنَ الأنصارِ فَطَعِمَ عِنْدَهُمْ طَعاماً، فَلَمَّا أرادَ أنْ يَخْرُجَ أمَرَ بِمَكانٍ مِنَ البَيْتِ فَنْضِحَ لَهُ عَلَى بِساطٍ فَصَلَّى عَلَيْهِ ودعا لَهُمْ. [انظر الحديث ٦٧٠ وطرفه]. مطابقته للترجمة ظاهرة. وعبد الوهاب هو ابن عبد المجيد الثقفي، وأنس بن سیرین أخو محمد بن سیرین. والحديث مضى في صلاة الضحى بأتم منه. قوله: ((زار أهل بيت من الأنصار)) هم أهل بيت عتبان بن مالك. قوله: ((فطعم)) بكسر العين أي: أكل، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَأَنْتَشِرُواْ﴾ [الأحزاب: ٥٣] وقد يكون بمعنى: ذاق. قال تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّيَ﴾ [البقرة: ٢٤٩]. قوله: ((فنضح له)) أي رش، ويقال: نضح له لما شك فيه، وقيل: صب الماء عليه صباً فيكون كالغسل. قوله: ((على بساط)) أراد به هنا الحصير، كما جاء في حديث آخر، قوله: ((ودعا لهم) فيه أن الزائر إذا أكرمه المزور ينبغي له أن يدعو له ولأهل بيته. ٦٦ - بابُ مَنْ تَجَمَّلَ لِلْؤُفُودِ أي: هذا باب في بيان جواز من تجمل بالأشياء المباحة، وهو على وزن تفعل بالتشديد من التجمل وهو تحسين الرجل هيئته بأحسن الثياب والتزين بالزي الحسن. قوله: للوفود، جمع وفد، والوفد جمع وافد وهم القوم الذين يجتمعون ويردون البلاد، وكذلك الذين يقصدون الأمراء لزيارة واسترفاد وانتجاع وغير ذلك، تقول: وفد يفد فهو وافد، ووفدته فوفد. ٢٢٩ ٧٨ - كتابُ الأدَبِ / باب (٦٧) ١٠٦/ ٦٠٨١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ، حدثنا عَبْدُ الصَّمَدِ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني يَخْيِى بنُ أبي إسحاقَ قال: قال لي سالِمُ بنُ عَبْدِ الله: ما الإسْتَبْرَقُ؟ قُلْتُ: ما غَلُظَ مِنَ الدِّيباجِ وخَشُنَ مِنْهُ. قال: سَمِعْتُ عَبْدَ الله يَقُولُ: رَأى عُمَرُ على رَجُلٍ حُلَّةٍ مِنْ اسْتَبْرَق فأَتَى بِها النبيَّ ◌َّهِ فقال: يا رسولَ الله! اشْتَرِ هُذِهِ فَالْبَسْها لِوَفْدِ النَّاسِ إذا قَدِمُوا عَلَيْكَ، فقال: ((إنَّما يَلْبَسُ الحَرِيرَ مَنْ لا خَلاقَ لَهُ))، فَمَضَى في ذلكَ ما مَضْى ثُمَّ إِنَّ النبيَّ ◌َّهِ، بَعَثَ إِلَيْهِ بِحُلَّةٍ فأتَى بِها النبيَّ وَّةَ، فقال: بَعَثْتَ إِلَيَّ بهذِهِ، وَقَدْ قُلْتَ في مِثْلِها ما قُلْتَ! قال: ((إنَّما بَعَثْتُ إِلَيْكَ لِتُصِيبَ بِها مالاً))، فَكَانَ ابنُ عُمَرَ يَكْرَهُ العَلَمَ في الثَّوْبِ لِهُذا الحَدِيثِ. [انظر الحديث ٨٨٦ وأطرافه]. أنكر الداودي مطابقته هذا الحديث للترجمة حيث قال: كان ينبغي أن يقول: باب التجمل للوفود، لأنه لا يقال: فعل كذا، إلاَّ لمن صدر منه الفعل، وليس في الحديث أنه وَلّ، فعل ذلك. وأجيب: بأن معنى الترجمة من فعل ذلك متمسكاً بما دل عليه الحديث المذكور، وكذا قال بعضهم. قلت: هذا معنى بعيد، ومعنى الترجمة ما ذكرناه، ولكن المطابقة تفهم من كلام عمر رضي الله تعالى عنه، لأن عادة النبي وَلّر، كانت جارية بالتجمل للوفد لأن فيه تفخيم الإسلام ومباهاة للعدو وغيظاً لهم، غير أن النبي وَلّر، هنا أنكر على عمر لبس الحرير بقوله: ((إنما يلبس الحرير من لا خلاق له)) ولم ينكر عليه مطلق التجمل للوفد حتى قالوا: وفي هذا الحديث لبس أنفس الثياب عند لقاء الوفود. وعبد الله هو ابن محمد الجعفي البخاري المعروف بالمسندي، وعبد الصمد يروي عن أبيه عبد الوارث، وهو يروي عن يحيى بن أبي إسحاق الحضرمي البصري. والحديث مضى في كتاب اللباس في: باب الحرير للنساء، ومضى الكلام فيه. قوله: ((وخشن)) بالخاء والشين المعجمة من الخشونة، وروى بعضهم: حسن، بالمهملتين من الحسن. قوله: ((لا خلاق له))، أي: لا نصيب له في الآخرة، يعني إذا كان مستحلاً. قوله: ((لتصيب بها مالاً)) بأن تبيعها مثلاً. قوله: ((وكان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، يكره العلم في الثوب))، قال الخطابي: ذهب ابن عمر في هذا مذهب الورع، وكان ابن عباس يقول في روايته إلاَّ علماً في ثوب، وذلك لأن مقدار العلم لا يقع عليه اسم اللبس، وقد مضى في كتاب اللباس من رواية أبي عثمان عن عمر رضي الله تعالى عنه، في النهي عن لبس الحرير: إلاّ موضع إصبعين أو ثلاث أو أربع. ٦٧ - بابُ الإخاء والحِلْفِ أي: هذا باب في بيان مشروعية الإخاء، أي: المؤاخاة. قوله: والحلف، بكسر : ٢٣٠ ٧٨ - كتابُ الأدَبِ / باب (٦٨) الحاء المهملة وسكون اللام وبالفاء وهو العهد يكون بين القوم، وقد حالفه أي: عاهده . وقال أبُو جُحَيْفَةَ: آَخَى النبيُّ وَّهِ بَيْنَ سَلْمانَ وأبي الدَّزداءِ. أبو جحيفة، بضم الجيم وفتح الحاء اسمه وهب بن عبد الله السوائي. نزل الكوفة وابتنى بها داراً، وقد مر هذا التعليق في باب: كيف آخى النبي بَلقوله بين أصحابه، وآخى النبي ◌َّ بين المهاجرين والأنصار أول قدومه المدينة، وحالف بينهم وكانوا يتوارثون بذلك الإخاء والحلف دون ذوي الرحم، وقال الحسن: كان هذا قبل نزول آية المواريث، وكان أهل الجاهلية يفعلون ذلك، وقال ابن عباس: فلما نزلت: ﴿وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَالِىَ﴾ [النساء: ٣٣] يعني: ورثة، نسخت. ويقال: إن الحليف كان يرث السدس ممن حالفه حتى نزلت: ﴿وَأَوْلُواْ الْأَرْحَامِ﴾ [الأنفال: ٧٥] وقال الطبري: ولا يجوز الحلف اليوم في الإسلام الحديث جبير بن مطعم عن النبي ولو، أنه قال: لا حلف في الإسلام، وما كان من حلف في الجاهلية فلا يزيده الإسلام إلاَّ شدة، وقال ابن عباس: نسخ الله حلف الجاهلية وحلف الإسلام بقوله: ﴿وَأُوْلُواْ الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَ بِبَعْضٍ﴾ ورد المواريث إلى القرابات. وقال عَبْدُ الرَّحْمُنِ بنُ عَوْفٍ: لَمَّا قَدِمْنا المَدِيئَةَ آَخَى النبيُّ ◌َّهِ بَيْنِي وَبَيْنَ سَعْدِ بِنِ الرَّبِيعِ. هذا التعليق طرف من حديث مضى موصولاً في فضائل الأنصار. ٦٠٨٢/١٠٧ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ، حدثنا يَحْيِى عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ قال: لَمَّا قَدِمَ عَلَيْنا عَبْدُ الرَّحْمُنِ فَآَخْى النبيُّ بِّهِ، بَيْنَهُ وبَيْنَ سَعْدِ بنِ الرَّبِيعِ، فقال النبيُّ نَّهِ: ((أَوْلِمْ وَلَوْ بشاةٍ)) . [انظر الحديث ٢٠٤٩ وأطرافه]. يحيى هو القطان. وحميد هو ابن أبي حميد الطويل. والحديث فيه اختصار، ومر في أول البيع مطولاً، وإنما قال: ((أولم)) لأنه تزوج بعد الحلف. ١٠٨/ ٦٠٨٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ صبَّاح، حدّثنا إسْماعِيلُ بنُ زَكَرِیَّاءَ، حدثنا عاصِمٌ، قال: قُلْتُ لأَنَسٍ بنِ مالِكِ: أَبَلَغَك أنَّ الْنِبِيَّ وَِّ، قال: ((لا حِلْفَ في الإسْلام؟» فقال: قَدْ حالَفَ النبيُّ بَ ◌َّ، بَيْنَ قُرَيْشٍ والأنصارِ في داري. [انظر الحديث ٢٢٩٤ وطرفه]. ٠١ عاصم هو ابن سليمان الأحول. والحديث مضى في الكفالة بعين هذا الإسناد والمتن، وسيجيء في الاعتصام. قوله: ((لا حلف في الإسلام)) لأن الحلف للاتفاق والإسلام قد جمعهم وألف بين ٢٣١ ٧٨ - كتابُ الأدَبِ / باب (٦٨) القلوب فلا حاجة إليه، وكانوا يتحالفون في الجاهلية لأن الكلمة منهم لم تكن مجتمعة . قوله: ((قد حالف النبي (وَي)) ليس بين قوله: ((قد حالف)) وبين قوله: ((لا حلف في الإسلام)) منافاة، لأن المنفي هو المعاهدة الجاهلية، والمثبت هو المؤاخاة. وقال النووي: لا حلف في الإسلام معناه: حلف التوراث وما يمنع الشرع منه، وأما المؤاخاة والمحالفة على طاعة الله والتعاون على البر فلم ينسخ، إنما المنسوخ ما يتعلق بالجاهلية . ٦٨ - بابُ التَّبَسُّمِ والضَّحكِ أي: هذا باب في بيان إباحة التبسم والضحك، التبسم ظهور الأسنان عند التعجب بلا صوت، وإن كان مع الصوت فهو إما بحيث يسمع جيرانه أم لا، فإن كان فهو القهقهة وإلاَّ فهو الضحك. وقال أصحابنا: الضحك أن يسمع هو نفسه فقط، والقهقهة أن يسمع غيره، والتبسم لا يسمع هو ولا غيره، فالضحك يفسد الصلاة لا الوضوء، والقهقهة تفسد الصلاة والوضوء جميعاً، والتبسم لا يفسدهما. ويقال: التبسم في اللغة مبادىء الضحك، والضحك انبساط الوجه حتى تظهر الأسنان من السرور، فإن كان بصوت بحيث يسمع من بعد فهو القهقهة وإلاّ فالضحك، وإن كان بلا صوت فهو التبسم، وتسمى الأسنان في مقدم الفم: الضواحك. وقالَتْ فاطِمَةُ عَلَيْها السَّلامُ: أَسَرَّ إِلَيَّ النبيُّ وَلِّ، فَضَحِكْتُ. هذا التعليق طرف من حديث لعائشة عن فاطمة رضي الله تعالى عنها، قد مضى في وفاة النبي ◌َّ، وكان النبي وَّ، قال لها حين أشرف على الموت: إنك أول من يتبعني من أهلي. وقال ابنُ عَبَّاس: إنَّ اللهَ هُو أضْحَكَ وأنكَى. لأنه لا مؤثر في الوجود إلاَّ الله، كما هو مذهب الأشاعرة، وهذا التعليق طرف من حديث لابن عباس قد مضى في الجنائز. ١٠٩/ ٦٠٨٤ - حدَّثنا حِبَّنُ بنُ مُوسى، أخبرنا عَبْدُ الله، أخبرنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، أنَّ رِفاعَةَ القُرَظِيَّ طَلَّقَ امْرَأْتَهُ فَبَتَّ طَلَاقَها، فَتَزَوَّجَها بَعْدَهُ عَبْدُ الرَّحْمُنِ بنُ الزَّبِيرِ، فَجَاءَتِ النبيَّ وَّهِ، فقالَتْ: يا رسولَ الله! إنَّها كانَتْ عِنْدَ رِفَاعَةً فَطَلَّقَها آخِرَ ثَلاثِ تَطْلِيقاتٍ، فَزَوَّجَها بَعْدَهُ عَبْدُ الرَّحْمُنِ بنُ الزَّبِيرِ وإِنَّهُ - والله - ما مَعَهُ يا رسول الله إلاَّ مِثْلُ هُذِهِ الهُذْبَةِ - لِهُذْبَةِ أخَذَتْها مِنْ جِلْبابِها. قال، وأبُو بَكْرٍ جالِسٌ عِنْدَ النبيِّ وَّهِ، وابنُ سَعِيدِ بنِ العاصِ جالِسٌ بِیابِ الحُجْرَةِ: لِیُوذَنَ لَهُ، فَطَفِقَ خالِدٌ يُنادِي : يا أبا بكر ! يا أبا بكر! ألاَ تَزْجُرُ هُذِهِ عَمَّا تَجْهَرُ بِهِ عِنْدَ رسولِ اللهِ وََّ؟ وما يَزِيدُ رسولُ اللهِ وَّهَ عَلَى التَّبَسُمِ، ثُمَّ قال: ٢٣٢ ٧٨ - كتابُ الأدَبِ / باب (٦٨) ((لَعَلَّكِ تُرِيدِينَ أنْ تَرْجِعِي إلى رِفَاعَةَ؟ لا، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ)). [انظر الحديث ٢٦٣٩ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((وما يزيد رسول الله (وَلقر، على التبسم)). وحبان بكسر الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة ابن موسى المروزي، وعبد الله بن المبارك المروزي، ومعمر بفتح الميمين ابن راشد، وبمثل هذا الحديث عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة مضى في الطلاق في: باب من قال لامرأته: أنت عليّ حرام. قوله: ((رفاعة)) بكسر الراء القرظي بضم القاف وفتح الراء وبالظاء المعجمة نسبة إلى قريظة بن الخزرج، وقريظة أخو النضير. قوله: ((فبت)) أي: قطع بتطليق الثلاث. قوله: ((عبد الرحمن بن الزبير)) بفتح الزاي وكسر الباء الموحدة. قوله: ((الهدبة)) بضم الهاء هي ما على طرف الثوب من الخمل. قوله: ((ليؤذن له)) على صيغة المجهول. قوله: ((وابن سعيد)) هو خالد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي القرشي الأموي. قوله: ((لا حتى تذوقي)) أي: لا رجوع لك إلى رفاعة حتى تذوقي عسيلته، أي: عسيلة عبد الرحمن بن الزبير، والعسيلة تصغير عسل والعسل يذكر ويؤنث، وكنى بها عن لذة الجماع. قيل: كيف تذوق والآلة كالهدبة؟ وأجيب بأنها كالهدبة في الرقة والدقة لا في الرخاوة وعدم الحركة. قلت: هذا قاله الكرماني ولكنه ما هو ظاهر فالظاهر أنها أرادت أنه لا يقدر على الجماع أصلاً، فإذا كان كذلك فالمراد من قوله ◌َّيلر: حتى تذوقي عسيلته، يعني إذا قدر على الجماع فلا بد من صبرها على ذلك إن أقامت في عصمة عبد الرحمن بن الزبير وإلاَّ فلا بد من زوج آخر وجماعها معه، ومع هذا فيكتفي بالإدخال، والإنزال ليس بشرط. ١١٠/ ٦٠٨٥ - حدَّثنا إِسْمَاعِيلُ، حدّثنا إبْرَاهِيمُ، عنْ صالِحٍ بَنِ كَيْسَانَ، عَنِ ابنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الحَمِيدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بنِ زَيْدِ بنِ الخَطَّابِ، عَنْ مُحَمَّدٍ بِنِ سَعْدٍ، عَنْ أبِيهِ قال: اسْتَأْذَنَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رضي الله عنه، عَلَى رسولِ اللهِوَّهُ وَعِنْدَهُ نِسْوَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ يَسْأَلْنَهُ وَيَسْتَكْثِرْنَهُ عالِيَةً أصواتُهُنَّ عَلَى صَوْتِهِ، فَلَمَّا اسْتَأْذَنَ عُمَرُ تَبادَرْنَ الحِجاب، فأذِنَ لَهُ النبيُّ ◌ََّ، فَدَخَلَ والنبِيُّ ◌َِّ يَضْحَكُ، فقال: أضْحَكَ الله سِنَّكَ يا رسولَ الله، بِأبِي أَنْتَ وأُمّي! فقال: ((عَجِبْتُ مِنْ هُؤُلاءِ الَّلاتِي كُنَّ عِنْدِي لَمَّا سَمِعْنَ صَوْتَكَ تَبادَزْنَ الحِجابَ)). فقال: أنْتَ أحَقُّ أنْ يَهَبْنَ يا رسولَ الله، ثُمَّ أقْبَلَ عَلَيْهِنَّ فقال: يا عَدُوَّاتِ أُنْفُسِهِنَّ أَتَهَبْتَنِي وَلَمْ تَهَبِنَ رسولَ الله وَهِ؟ فَقُلْنَ: أَنْتَ أَفَظُ وأغْلَظُ مِنْ رسولِ اللهِ وَِّ. قال رسولُ اللهِ وَِّ: ((إِيهِ يا ابنَ الخَطَّابِ! والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ما لَقِيَكَ الشيطانُ سالِكاً فَجّاً إلاَّ سَلَكَ فَجّاً غَيْرَ فَجِّكَ)). [انظر الحديث ٣٢٩٤ وطرفه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((والنبي يضحك، فقال: أضحك الله سنك)) وإسماعيل ٢٣٣ ٧٨ - كتابُ الأدَبِ / باب (٦٨) هو ابن أبي أويس نص عليه الحافظ المزي وقال الغساني: لعله ابن أبي أويس الأصبحي، وإبراهيم هو ابن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه، وصالح بن كيسان يفتح الكاف وسكون الياء آخر الحروف وبالسين المهملة والنون أبو محمد مؤدب ولد عمر بن عبد العزيز، وابن شهاب هو الزهري محمد بن مسلم، وعبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى، كان والياً لعمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه، على الكوفة، ومحمد بن سعد بن أبي وقاص یروي عن أبيه سعد. وكل هؤلاء مدنيون. والحديث مضى في فضل عمر عن عبد العزيز بن عبد الله وإسماعيل بن عبد الله فرقهما كلاهما عن إبراهيم بن سعد، وفي: باب إبليس، أيضاً ومضى الكلام فيه. قوله: ((وعنده نسوة)) الواو فيه للحال، وكذلك الواو في قوله: ((فدخل والنبي يضحك)). قوله: ((يسألنه)) أيضاً حال. قوله: ((عالية)) نصب على الحال ويجوز الرفع على أن يكون خبر مبتدأ محذوف تقديره، وهن عالية، وأصواتهن مرفوع به. قوله: ((بأبي أنت وأمي)) أي: مفرّى بهما، ((إيه)) بكسر الهمزة وسكون الياء وكسر الهاء، اسم الفعل تقول للرجل إذا استزدته من حديث أو عمل: إيهٍ، وإن وصلت نونت. قوله: ((فجاً)) بفتح الفاء وتشديد الجيم الطريق: الواسع بين الجبلين، وقال ابن فارس: الفج الطريق الواسع، ولم يقيده بقوله: بين الجبلين. ٦٠٨٦/١١١ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ، حدثنا سُفْيانُ، عَنْ عَمْرٍو، عن أبي العَبَّاسِ، عَنْ عَبْدِ الله بنِ عَمْرو قال: لَمَّا كانَ رسولُ اللهِ وَّهِ بِالطَّائِفِ قال: ((إِنَّا قَافِلُونَ غَداً إنْ شاءَ الله))، فقال ناسٌ مِنْ أصْحابِ رسولِ اللهِ وََّ: لَا نَبْرَحُ أوْ نَفْتَحَها. فقال النبيُّ ◌َّ: ((فاغدُوا عَلَى القِتالِ))، قال: فَغَدَوْا فَقَاتَلُوهُمْ قِتالاً شَدِيداً وكَثُرَ فِيهِمُ الجِراحاتُ، فقال رسولُ اللهِ وَلَّ: ((إنَّا قافِلُونَ غَداً إنْ شاءَ الله))، قال: فَسَكَتُوا فَضَحِكَ رسولُ اللهِ وَ. قال الحُمَيْدِيُّ: حدثنا سُفْيَانُ كُلَّهُ بِالخَبَرِ. [انظر الحديث ٤٣٢٥ وطرفه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((فضحك رسول الله وَالقر)) وكان ضحكه هنا للتعجب. وسفيان هو ابن عيينة، وعمرو هو ابن دينار، وأبو العباس السائب بن فروخ الشاعر الأعمى المكي، وعبد الله بن عمرو بفتح العين ابن العاص هذا في رواية الحموي وحده، وفي رواية الأكثرين: عبد الله بن عمر بن الخطاب، وقال الحافظ المزي منهم من قال: عن عبد الله بن عمرو، وكان القدماء من أصحاب سفيان يقولون: عن عبد الله بن عمر، كما وقع للبخاري في عامة النسخ، وكان المتأخرون منهم يقولون: عن عبد الله بن عمرو، كما وقع عند مسلم والنسائي في أحد الموضعين، ومنهم من لم ينسبه كما وقع عند النسائي في الموضع الآخر، والاضطراب فيه من ٢٣٤ ٧٨ - كتابُ الأدَبِ / باب (٦٨) سفيان، وقال أبو عوانة: قال يعقوب بن إسحاق الإسفرايني: بلغني أن إسحاق بن موسى الأنصاري وغيره قالوا: عبد الله بن عمرو، ورواه عنه يعني: عن سفيان من أصحابه من يفهم ويضبط فقالوا: عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما. والحديث مضى في المغازي في غزوة الطائف ومضى الكلام فيه. قوله: ((لا نبرح أو نفتحها)) وكلمة. أو نفتحها، بالنصب أي: لا نفارق إلى أن نفتحها . قوله: ((قال الحميدي)) هو عبد الله بن الزبير بن عيسى. قوله: ((كله بالخبر)) أي: حدثنا كل الحديث بلفظ الخبر لا بلفظ العنعنة، ويروى: بالخبر كله، أي: حدثنا بجميع هذا الخبر، وهذه رواية الأكثرين، والأولى رواية الكشميهني. ٦٠٨٧/١١٢ - حدَّثنا مُوسى، حدّثنا إبراهيمُ، أخبرنا ابنُ شِهابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ أنَّ أبا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قال: أتَى رَجُلٌ النبيَّ بَّهِ فقال: هَلَكْتُ! وقَعْتُ عَلَى أهْلِي في رَمَضَانَ. قال: ((أعْتَقْ رَقَبَةً)). قال: لَيْسَ لِي. قال: ((فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنٍ))، قال: لا أُسْتَطِيعُ. قال: ((فأطْعِمْ سِتِينَ مِسْكِيناً))، قال: لا أجِدُ، فَأَتِيَ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ - قال إبْراهِيمُ: العَرَقُ المِكْتَلُ - فقال: ((أيِنَ السَّائِلُ؟ تَصَدَّقْ بِها)) قال: عَلَى أفْقَرَ مِنِّي؟ والله ما بَيْنَ لابَتَيْها أهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنَّ، فَضَحِكَ النبيُّ وَّهِ حَتَى بَدَتْ نَواجِذُهُ، قَالَ: ((فَأَنْتُمْ إِذاً). [انظر الحديث ١٩٣٦ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((فضحك النبي ◌َا*، حتى بدت نواجذه)). وموسى هو ابن إسماعيل، وإبراهيم هو ابن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، روى هنا عن ابن شهاب الزهري بلا واسطة، ويروي عنه أيضاً بواسطة مثل صالح بن كيسان وغيره، وحميد بن عبد الرحمن الحميري. والحديث مضى في كتاب الصوم في: باب المجامع في رمضان. قوله: ((قال إبراهيم)» هو إبراهيم بن سعد وهو موصول بالسند الأول وفيه بيان لما أدرجه غيره فجعل تفسير العرق من نفس الحديث، والعرق بفتح العين المهملة والراء: السعيفة المنسوجة من الخوص، قال الكرماني: فإن صحت الرواية بالفاء فالمعنى أيضاً صحيح إذا العرق مكيال يسع خمسة عشر رطلاً. قوله: ((لابتيها)) أي: لابتي المدينة، واللابة بتخفيف الباء الموحدة الحرة بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء وهي أرض ذات حجارة سود، والمدينة بين الحرتين. قوله: ((تصدق بها)) أمر. قوله: ((حتى بدت نواجذه)) النواجذ بالذال المعجمة أخريات الأسنان الأضراس، أولها في مقدم الفم الثنايا ثم الرباعيات ثم الأنياب ثم الضواحك ثم النواجذ. فإن قلت: بين هذا وبين حديث عائشة الذي يأتي عن قريب: ما رأيته ◌َلر، مستجمعاً ضاحكاً حتى أرى منه لهواته، ٢٣٥ ٧٨ - كتابُ الأدَبِ / باب (٦٨) تعارض ومنافاة؟ قلت: لا تعارض ولا منافاة، لأن عائشة إنما نفت رؤيتها وأبو هريرة أخبر بما شاهده، والمثبت مقدم على النافي، أو نقول: عدم رؤية عائشة رضي الله تعالى عنها، لا تستلزم نفي رؤية أبي هريرة، وكل واحد منهما أخبر بما شاهده، والخبران مختلفان ليس بينهما تضاد، وفيه وجه آخر: إن من الناس من يسمي الأنياب والضواحك النواجذ، ووقع في الصيام: حتى بدت أنيابه، فزال الاختلاف بذلك، وهذا يرد ما روي عن الحسن البصري أنه كان لا يضحك، وكان ابن سيرين يضحك ويحتج على الحسن ويقول: الله هو الذي أضحك وأبكى، وكانت الصحابة يضحكون، وروي عن عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: سئل ابن عمر: هل كان أصحاب رسول الله وَلته، يضحكون؟ قال: نعم! والإيمان في قلوبهم أعظم من الجبال. انتهى، ولا يوجد أحد زهده كزهد سيد الخلق، وقد ثبت عنه أنه ضحك، وفي رسول الله وَ له، وأصحابه المهديين الأسوة الحسنة. وأما المكروه من هذا الباب فهو الإكثار من الضحك، كما قال لقمان عليه السلام، لابنه: إياك وكثرة الضحك فإنها تميت القلب والإكثار منه وملازمته حتى يغلب على صاحبه مذموم منهي عنه، وهو من أهل السفه والبطالة. قوله: ((فأنتم إذ))، جواب وجزاء أي: إن لم يكن أفقر منكم فكلوا أنتم حينئذٍ منه. ٦٠٨٨/١١٣ - حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله الأُوَيْسِيُّ، حدّثنا مالِكٌ، عَنْ إِسْحاقَ بنِ عَبْدِ الله بنِ أبي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسَ بنِ مالِكِ، قال: كُنْتُ أمْشِي مَعَ رَسُولِ اللهَ وَّ، وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيَّ غَلِيظُ الحَاشِيَةِ، فَأذْرَكَهُ أعْرَابِيٍّ فَجَبَذَ بِرِدَائِهِ جَبْذَةٌ شَدِيدَةً، قال أنَسٌ: فَنَظَرْتُ إلى صَفَحَةِ عانِقِ النبيِّ ◌َّهِ، وقَدْ أثَّرَتْ بِها حاشِيَةُ البُرْدِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ، ثُمَّ قال: يا مُحَمَّدُ! مُزْ لِي مِنْ مالِ الله الَّذِي عِنْدَكَ، فالْتَفَتَ إِلَيْهِ فَضَحِكَ ثُمَّ أمَرَ لَهُ بِعَطاءٍ. [انظر الحدیث ٣١٤٩ وطرفه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((فضحك)) وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة واسمه زيد بن سهل الأنصاري ابن أخي أنس بن مالك. والحديث مضى في الخمس عن يحيى بن بكير وفي اللباس عن إسماعيل بن أبي أویس. قوله: ((برد)) البرد بضم الباء الموحدة نوع من الثياب معروف. قوله: ((نجراني)) بفتح النون وسكون الجيم نسبة إلى نجران بلدة معروفة بين الحجاز واليمن. قوله: ((فأدركه أعرابي)) زاد همام: ((من أهل البادية)). قوله: ((فجبذ))، وفي رواية الأوزاعي: ((فجذب)). قوله: ((جبذة شديدة)) وفي رواية عكرمة: ((حتى رجع النبي ◌َّ، في نحر الأعرابي)). قوله: ((إلى صفحة عاتق))، وفي رواية مسلم: ((إلى صفحة عنق)). قوله: ٠٠٠ (أثرت بها)) هي في رواية الكشميهني، وفي رواية غيره: ((فيها))، وفي رواية همام: ٢٣٦ ٧٨ - كتابُ الأدَبِ / باب (٦٨) ((حتى انشق البرد وذهبت حاشيته في عنقه))، وزاد: ((أن ذلك وقع من الأعرابي لما وصل النبي ◌َّ، إلى حجرته)). قوله: ((مر لي))، وفي رواية الأوزاعي: ((أعطنا)). قوله: ((فضحك)) وفي رواية الأوزاعي: ((فتبسم ثم قال: مروا له))، وفي رواية همام: ((مروا له بشيء)). وفيه: دلالة على قوة حلمه وشدة صبره على الأذى في النفس والمال، والتجاوز عن جفاء من يريد تألفه على الإسلام، وليتأسى به الولاة بعده في خلقه الجميل من الصفح والإغضاء والدفع بالتي هي أحسن. ٦٠٨٩/١١٤ - حدَّثنا ابنُ نُمَيْرٍ، حدّثنا ابنُ إذرِيسَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ جَرير، قال: ما حَجَبَني النبيُّ وَّهِ، منْذُ أسْلَمْتُ ولاَ رآنِي إلاَّ تَبَسَّمَ في وَجْهِي. [انظر الحديث ٣٠٢٠ وأطرافه]. ٦٠٩٠ - وَلَقَدْ شَكَوْتُ إلَيْهِ أَنِّي لا أثْبُتُ عَلَى الخَيْلِ فَضَرَبَ بِيَدِهِ في صَدْرِي وقال: ((اللَّهُمَّ ثَبّتْهُ واجْعَلْهُ هادِياً مَهْدِيّا)). [انظر الحديث ٣٠٣٥ وطرفه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((إلاَّ تبسم في وجهي)). وابن نمير هو محمد بن عبد الله بن نمير، وابن إدريس هو عبد الله الأودي بفتح الهمزة وسكون الواو، وإسماعيل هو ابن أبي خالد، وقيس هو ابن أبي حازم بالحاء المهملة والزاي، وجرير هو ابن عبد الله البجلي. والحديث مضى في الجهاد عن ابن نمير أيضاً، وفي فضل جرير عن إسحاق الواسطي. قوله: ((ما حجبني))، قيل: كيف جاز دخوله في حجر النبي وَلو بلا حجاب؟ وأجيب: بأن معناه: ما حجبني من دخولي على مجلسه المختص بالرجال، أو: ما منعني عطاء طلبته منه. قوله: ((ثبته)) لفظ عام للثبات على الخيل وغيرها. ٦٠٩١/١١٥ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى، حدّثنا يَخْيَى، عَنْ هِشام، قال: أخبرني أبي عَنْ زَيْئَبَ بِئْتِ أُمّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمْ سَلَمَةَ أنَّ أُمَّ سُلَيْم قالَتْ: يا رَسُولَ الله! إنَّ اللهِ لا يَسْتَحِي مِنَ الحقُّ! هَلْ عَلَى المَرْأة غُسْلٌ إِذَا اخْتَلَمَثَ؟ قال: ((نَعَمْ، إذَا رأت الماءَ)) فَضَحِكَتْ أُمُ سَلَمَةَ، فقالَتْ: أَتَحْتَلِمُ المَرْأةُ؟ فقال النبيُّ وَِّ: ((فَبِمَ شبه الوَلَدِ؟)). [انظر الحديث ١٣٠ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((فضحكت أم سلمة)) وقد وقع ذلك بحضرة النبي وَ ل ولم ينكر عليها ضحكها، وإنما أنكر عليها إنكارها احتلام المرأة. ٢٣٧ ٧٨ - كتابُ الأدَبِ / باب (٦٨) ويحيى هو القطان، وهشام يروي عن أبيه عروة عن زينب بنت أم سلمة عن أم سلمة زوج النبي ◌ِّل، وأم سليم بضم السين أم أنس واسمها الرميصاء - مصغر مؤنث الأرمص - بالمهملة زوج أبي طلحة الأنصاري. والحديث مضى في كتاب الطهارة في أبواب الغسل في: باب إذا احتلمت المرأة. قوله: ((إذا رأت الماء)) أي: المني، أي: يجب الغسل إذا احتلمت وأنزلت. قوله: ((فبم شبه الولد)). أي فبأي شيء وصل شبه الولد بالأم، أو يشبه الأم؟ ويروى: فيم، بكسر الفاء وسكون الياء آخر الحروف، أي: في أي شيء المشابهة بينهما لولا أن لها ماء ينعقد منه؟ قالوا: في ماء الرجل قوة عاقدة، وفي ماء المرأة قوة منعقدة. ١١٦/ ٦٠٩٢ - حدَّثنا يَخْيَى بِنُ سُلَيْمانَ قال: حدثني ابنُ وهْبٍ، أخبرنا عَمْرو، أنَّ أبا النَّضْرِ حَدَّثَهُ عَنْ سُلَيْمانَ بنِ يَسارٍ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، قالَتْ: ما رأيتُ النبيِّ وَِّ، مُسْتَجْمعاً قَطْ ضاحِكاً، حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتِهِ، إنَّما كانَ يَتَبَسَّمُ. [انظر الحديث ٤٨٢٨]. مطابقته للترجمة في قوله: ((إنما كان يتبسم)) ويحيى بن سليمان أبو سعيد الجعفي الكوفي نزيل مصر، يروي عن عبد الله بن وهب عن أبي عمرو بن الحارث عن النضر بفتح النون وسكون الضاد المعجمة عن سليمان بن يسار - ضد اليمين -. والحديث مضى في تفسير سورة الأحقاف، ومضى الكلام فيه. قوله: ((مستجمعاً) أي: مجتمعاً وهو لازم، وضاحكاً تمييز أي: من جهة الضحك، يعني: ما رأيته يضحك تماماً لم يترك منه شيئاً. قوله: ((لهواته)) جمع لهاة وهي الهنة المطبقة في أقصى سقف الفم، وقيل: هي اللحمة التي فيها، وقال الجوهري: اللهوات جمع اللهاو يجمع على لهيات أيضاً، وقال الداودي: هي ما دون الحنك إلى ما يلي الحلق، وما فوق الأضراس من اللحم. ٦٠٩٣/١١٧ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ مَحْبُوبٍ، حدثنا أبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ. وقال لي خلِيفَةُ: حدثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْع، حدثنا سَعيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أنَسٍ، رضي الله. عنه: أنَّ رجلاً جاءَ إلى النبيِّ وََّ، يَوْمَ الجُمُعَةِ وَهُوَ يَخْطُبُ بالمَدِينَةِ، فقال: قَحَطَ المَطَرُ فاسْتَسْقِ رَبَّكَ. فَنَظَرَ إلى السَّماءِ وما تَرَى مِنْ سَحابٍ، فاسْتَسْقَى فَنَشَأ السَّحابُ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ، ثُمَّ مُطِرُوا حَتَّى سَالَتْ مَناعِبُ المَدِينَةِ، فَما زالَّتْ إِلَى الجُمُعَةِ المُقْبِلَةِ ما تُقْلِعُ، ثُمَّ قام ذَلِكَ الرَّجُلُ أوْ غَيْرُهُ - وَالنّبِيُّ نَّهَ، يَخْطُبُ - فقال: غَرِقْنا فاذع ربكَ يَخْبِسُها عَنَّا، فَضَحِكَ ثُمَّ قال: ((اللَّهُمَّ حَوَالَيْنا ولا عَلَيْنا)»، مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثَاً، فَجَعَلَ السَّحابُ يَتَصَدَّعُ عَنِ المَدِينَةِ يَمِيناً وشِمالاً يُمْطَرُ ما حَوَالَيْنا ولا يُمْطَرُ مِنْهَا شَيْءٌ، يُرِيهُمُ اللّه كَرَامَةَ نَبِّهِ وََِّّ وإجابَةَ دَعْوَتِهِ. [انظر الحديث ٩٣٢ وأطرافه]. ٢٣٨ ٧٨ - كتابُ الأدَب / باب (٦٩) مطابقته للترجمة في قوله: ((فضحك)). ومحمد بن محبوب أبو عبد الله البناني البصري، وقال صاحب (التوضيح): ومحمد بن محبوب هذا هو محمد بن الحسن ولقب الحسن محبوب بن هلال أبو جعفر، وقيل: أبو عبد الله القرشي البناني البصري روى عنه أبو داود والترمذي، مات سنة ثلاث وعشرين ومائتين، وقال بعضهم: محمد بن محبوب شيخ البخاري غير محمد بن الحسن الذي لقبه محبوب، ووهم من وحدهما كشيخنا ابن الملقن فإنه جزم بذلك، وزعم أن البخاري روى عنه هنا وروى عن رجل عنه، وليس كذلك، بل هما اثنان أحدهما في عداد شيوخ الآخر، وشيخ البخاري اسمه محمد واسم أبيه محبوب، والآخر اسمه محمد واسم أبيه الحسن، ومحبوب لقب محمد لا لقب الحسن، وقد أخرج له البخاري في كتاب الأحكام حديثاً واحداً قال فيه: حدثنا محبوب بن الحسن، وسبب الوهم أنه وقع في بعض الأسانيد: حدثنا محمد بن الحسن محبوب، فظنوا أنه لقب الحسن، وليس كذلك. قلت: أراد بشيخه ابن الملقن سراج الدين عمر بن نور الدين علي الأنصاري الشافعي الذي شرح البخاري شرحاً مطولاً وسماه (التوضيح لشرح الجامع الصحيح)، وأبو عوانة بفتح العين المهملة وتخفيف الواو واسمه الوضاح بن عبد الله اليشكري الواسطي. والحديث مضى في كتاب الاستسقاء في: باب الاستسقاء على المنبر فإنه أخرجه هناك عن مسدد عن أبي عوانة ... إلى آخره، ومضى الكلام فيه هناك. ٦٩ - باب قَوْلِ الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَّكُونُواْ مَعَ الصَّدِّقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] وما يُنْهَى عَنِ الكَذِبِ أي: هذا باب في ذكر قول الله عز وجل: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا ... ﴾ الآية، قوله: ﴿وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ أي: مثلهم أو منهم، والصادقون هم الذين يصدقون في قولهم وعملهم، وقيل: في أيمانهم يوفون بما عاهدوا. قوله: ((وما ينهى)) أي: الباب أيضاً في باب ما ينهى عن الكذب. ١١٨/ ٦٠٩٤ - حدَّثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَة، حدثنا جَرِيرُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أبي وائِلٍ، عَنْ عَبْدِ الله رضي الله عنه، عَنِ النبيِّ وَِّ قال: ((إنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إلى البرّ وإِنَّ الِبِرَّ يَهْدِي إلى الجَنَّةِ، وإنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يَكُونَ صِدِيقاً، وإنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إلى الفُجُورِ، وإنَّ الفُجُورَ يَهْدِي إِلى النَّار، وإنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّابًا)). وجه المطابقة بينه وبين الآية المذكورة ظاهر، وهو أن الصدق يهدي إلى الجنة والآية فيها أيضاً الأمر بالكون مع الصادقين والكون معهم أيضاً يهدي إلى الجنة. وعثمان بن أبي شيبة أخو أبي بكر بن أبي شيبة، واسم أبي شيبة إبراهيم وهو جد ٢٣٩ ٧٨ - كتابُ الأدَبِ / باب (٦٩) عثمان لأنه ابن محمد بن إبراهيم، وجرير هو ابن عبد الحميد، ومنصور هو ابن المعتمر، وأبو وائل شقيق بن سلمة وعبد الله هو ابن مسعود. والحديث أخرجه مسلم في الأدب أيضاً عن عثمان وعن أخيه أبي بكر بن أبي شيبة . قوله: ((يهدي)) من الهداية وهي الدلالة الموصلة إلى البغية. قوله: ((إلى البر)) بكسر الباء الموحدة وتشديد الراء وهو العمل الصالح الخالص من كل مذموم وهو اسم جامع للخيرات كلها. قوله: ((صديقاً)) بكسر الصاد وتشديد الدال وهو صيغة المبالغة. قوله: ((إلى الفجور)) وهو الميل إلى الفساد، وقيل: الانبعاث في المعاصي وهو جامع للشرور وهما متقابلان، قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ ﴿ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِى ◌َمِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣ - ١٤]. قوله: ((حتى يكتب))، أي: يحكم له، وفي رواية الكشميهني: حتى يكون، والمراد الإظهار للمخلوقين إما للملأ الأعلى وإما أن يلقى ذلك في قلوب الناس وألسنتهم، وإلاَّ فحكم الله أزلي، والغرض: أنه يستحق وصف الصديقين وثوابهم وصفة الكذابين وعقابهم، وكيف لا وإنه من علامات النفاق، ولعله لم يقل في الصديق بلفظ يكتب إشارة إلى أن الصديق من جملة الذين قال الله فيهم: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّئِنَ وَالصِّدِّيقِينَ﴾ [النساء: ٦٩]. فإن قلت: حديث عبد الله هذا يعارضه حديث صفوان بن سليم الذي رواه مالك عنه أنه قيل للنبي وَلهير: أيكون المؤمن كذاباً؟ قال: لا. وحديث: يطبع المؤمن على كل شيء ليس الخيانة والكذب. قلت: المراد بالمؤمن في حديث صفوان المؤمن الكامل أي: لا يكون المؤمن المستكمل لأعلى درجات الإيمان كذاباً حتى يغلبه الكذب، لأن كذاباً وزنه فعال وهو من أبنية المبالغة لمن يكثر الكذب منه ويتكرر حتى يعرف به، وكذلك الكذوب، وكذلك الكلام في الحديث الآخر. ٦٠٩٥/١١٩ - حدّثنا ابنُ سَلاَم، حدثنا إسْماعِيلُ بنُ جَعْفَر، عَنْ أبي سُهَيْلٍ، نافِعِ بنِ مالِكِ بنِ أبي عامِرٍ، عَنْ أبِيهِ عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ: أنَّ رسولَ اللهِ وَّرَ، قال: ((آيَةُ المُنافِقِ ثَلاَثُ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وإذَا اقْتُمِنَ خانَ)). [انظر الحديث ٣٣ وأطرافه]. مطابقته ل قوله: ((وما ينهى عن الكذب)) الذي هو جزء الترجمة من حيث إن معناه يستلزم النهي عن الكذب على ما لا يخفى. وابن سلام هو محمد بن سلام، وإسماعيل بن جعفر أبو إبراهيم الأنصاري، كان ببغداد مات سنة ثمانين ومائة، وسهيل بضم السين المهملة وفتح الهاء - مصغر سهل - واسمه نافع يروي عن أبيه مالك بن أبي عامر الأصبحي جد مالك بن أنس. والحديث مر في كتاب الإيمان في: باب علامات المنافق، ومر الكلام فيه هناك. ٢٤٠ ٧٨ - كتابُ الأدَبِ / باب (٧٠) قوله: ((آية المنافق)) أي: علامته. وقال الكرماني: الإجماع منعقد على أن المسلم لا يحكم بنفاقه الموجب لكونه في الدرك الأسفل من النار بواسطة الكذب. وأخويه، وأجاب بأن المراد به أنه يشابه المنافق، أو إذا كان معتاداً بذلك أو للتغليظ أو الذين كانوا في عهد النبي ◌َلّ من المنافقين، أو كان منافقاً خاصاً، أو لا يريد به النفاق الإيماني بل النفاق العرفي. ١٢٠/ ٦٠٩٦ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْماعِيلَ، حدثنا جَرِيرٌ، حدثنا أبو رجاءٍ، عن سَمُرَةَ بن جُنْدبٍ رضي الله عنه، قال: قال النبيُّ ◌َّ: ((رأيتُ اللَّيْلَةَ وَجَلَين آتَياني قالا: الَّذِي رأيتَهُ يُشَقُّ شِدْقُهُ فَكَذَّابٌ يَكْذِبُ بِالْكَذْبَةِ تُحْمَلُ عَنْهُ حَتَّى تَبْلُغَ الآفاقَ، فَيُصْنَعُ بِهِ إِلى يَوْمِ القيامةِ» . [انظر الحديث ٨٤٥ وأطرافه]. وجه المطابقة مثل الذي ذكرناه في الحديث السابق. وجرير هو ابن حازم، وأبو رجاء بالجيم اسمه عمران العطاردي. وهذا طرف من حديث مطول رواه مقطعاً في الصلاة وفي الجنائز وفي البيوع وفي الجهاد وفي بدء الخلق وفي صلاة الليل وهنا عن موسى بن إسماعيل، وفي أحاديث الأنبياء وفي التفسير وفي التعبير عن مؤمل بن هشام. قوله: ((رأيت))، أي: في المنام وليس في كثير من النسخ لفظة الليلة: قوله: «الذي رأیته بشق شدقه)) وكان ێے، رأى رجلاً جالساً ورجلاً قائماً بيده کلوب من حدید يدخله في شدقه حتى يبلغ قفاه ثم يفعل بشدقه الآخر مثل ذلك ويلتئم شدقه هذا فيصنع مثله، قلت: ما هذا؟ فقالا: الذي رأيته يشق شدقه فكذاب يصنع به إلى يوم القيامة. قوله: ((فكذاب)) فإن قيل: شرط الموصول الذي يدخل في خبره الفاء أن يكون مبهماً بل عاماً، قيل له: جعل المعين كالعام حتى جاز دخول الفاء في الخبر، وإنما جعل عذابه في موضع المعصية وهو فمه الذي کان یکذب به. ٧٠ - بابٌّ في الهَدْيِ الصَّالِحِ أي: هذا باب في بيان الهدي الصالح، والهدي بفتح الهاء وسكون الدال المهملة. وقال ابن الأثير: الهدي السيرة والهيئة والطريقة، وفي الحديث: واهدوا هدي عمار، أي: سيروا بسيرته وتهيؤوا بهيئته، يقال: هدى هدي فلان إذا سار بسيرته، وهذه الترجمة لفظ حديث أخرجه البخاري في (الأدب المفرد) من طريق قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس رفعه: الهدي الصالح والسمت الصالح والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزءاً من النبوة وأخرجه أبو داود وأحمد أيضاً.