النص المفهرس
صفحات 401-420
: ٤٠١ ٧٦ - كِتَابُ الطَّب / باب (٣٩) قوله: ((كان يقول للمريض)) وفي رواية أبي داود: كان يقول للإنسان إذا اشتكى. قوله: ((تربة أرضنا)) مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي: هذه تربة أرضنا أو: هذا المريض. قوله: ((بريقة بعضنا)) فيه دلالة على أنه كان يتفل عند الرقية، وقال النووي: معنى الحديث أنه إذا أخذ من ريق نفسه على إصبعه السبابة ثم وضعها على التراب فعلق به شيء منه ثم مسح به الموضع العليل أو الجريح قائلاً الكلام المذكور في حالة المسح، وتكلموا في هذا الموضع بكلام كثير، وأحسنه ما قاله التوربشتي: بأن المراد بالتربة الإشارة إلى فطرة آدم، والريقة الإشارة إلى النطفة، كأنه تضرع بلسان الحال أنك اخترعت الأصل الأول من التراب ثم أبدعته منه من ماء مهين فهين عليك أن تشفي من كانت هذه نشأته. وقال النووي: قيل المراد بأرضنا أرض المدينة خاصة لبركتها، وبعضنا رسول الله صل و الشرف ريقه، فيكون ذلك مخصوصاً، وفيه نظر لا يخفى. قوله: ((يشفي سقيمنا)) على بناء المجهول، وسقيمنا مرفوع، به ويروى: يشفي به سقيمنا، ويروى يشفي سقيمنا، على بناء الفاعل فاعله مقدر، وسقيمنا بالنصب على المفعولية. ٦١/ ٥٧٤٦ - حدّثني صَدَقَةُ بنُ الفَضْلِ، أخبرنا ابنُ عُيَيْنَةَ، عنْ عبْدِ ربِّهِ بنِ سَعيدٍ عنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كانَ النبيُّ وَّهِ يَقُولُ في الرُّقْيَةِ: ((بسْمِ اللهِ تُربَةُ أرضِنا ورِيقَةُ بَعْضِنا يُشْفَى سَقِيمُنا بِإِذْنِ رَبِّنا)). [انظر الحديث: ٥٧٤٥]. مطابقته للترجمة ظاهرة، وهذا طريق آخر أخرجه عن صدقة عن سفيان بن عيينة إلى آخره. ٣٩ - بابُ النّفْثِ في الرُّقْيَةِ أي: هذا باب في بيان جواز النفث بفتح النون وسكون الفاء وبالثاء المثلثة في الرقية، وفيه رد على من كره النفث فيها كالأسود بن يزيد التابعي، وقد مر الكلام فيه عن قريب. ٥٧٤٧/٦٢ - حدّثنا خالِدُ بنُ مَخْلَدٍ، حدثنا سُليمانُ عَنْ يَخْيَى بنِ سَعيدٍ، قال: سَمِعْتُ أبا سَلمَةَ، قال: سَمِعتُ أبا قَتَادَةً يَقُولُ: سَمِعْتُ النبيِّ وَّهَ يَقُولُ: ((الرُّؤْيا مِنَ الله والْحُلُمُ مِنَ الشيطانِ، فإِذَا رأى أحَدُكُمْ شَيْئاً يَكْرَهُهُ فَلْيَنْفِثْ حِينَ يَسْتَيْقِظُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ويَتَعَوَّذْ مِنْ شَرِّها، فإِنَّها لا تضُرُّهُ»: وقال أبُو سَلَمَةَ: فإنْ كُنْتُ لأرَى الرُّويا أَثْقَلَ عَليَّ منَ الجَبَلِ، فَما هُوَ إلاَّ أنْ سَمِعْتُ هُذَا الحَدِيثَ فَما أُبالِيها. [انظر الحديث: ٣٢٩٢ وأطرافه]. قال بعضهم: قوله: ((فلينفث)) هو المراد من الحديث المذكور في هذه الترجمة. قلت: الترجمة في النفث في الرقية، وفي الحديث: النفث في الرؤيا، فلا مطابقة إلاَّ في مجرد ذكر النفث، ولكن النفث إذا كان مشروعاً في هذا الموضع، يكون مشروعاً في غير هذا الموضع أيضاً قياساً عليه، وبهذا يحصل التطابق بين الترجمة والحديث، وقال الكرماني: فإن قلت: ما وجه تعلقه بالترجمة إذ ليس فيه ذكر الرقية؟ قلت التعوذ هو الرقية ٤٠٢ ٧٦ - كِتابُ الطّبْ / باب (٣٩) انتهى. قلت: هذا أيضاً مثل كلام البعض المذكور، وليس فيما قالاه ما يشفي العليل، ولا ما يروي الغلیل، والوجه ما ذكرناه. قوله: ((حدثنا خالد)» ویروی: حدثني خالد بن مخلد بفتح الميم، وسليمان هو ابن بلال، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وأبو قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري، وقيل غير ذلك. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في التعبير عن أحمد بن يونس وغيره. وأخرجه مسلم في الرؤيا عن عمرو الناقد وغيره. وأخرجه أبو داود فيه عن عبد الله بن محمد النفيلي. وأخرجه الترمذي في الرؤيا عن قتيبة به. وأخرجه النسائي فيه عن قتيبة وعن آخرين. وأخرجه ابن ماجه في الديات عن محمد بن رمح به. قوله: ((الرؤيا)) أي: الصالحة من الله، يعني: بشارة من الله يبشر بها عبده ليحسن به ظنه ويكثر عليها شكره. قوله: ((والحلم)) بضم اللام وسكونها أي: الرؤيا المكروهة هي التي يريها الشيطان الإنسان ليحزنه فيسوء ظنه بربه، ويقل حظه من الشكر، فلذلك أمره أن ينفث ــ أي: يبصق - من جهة شماله ثلاث مرات، ويتعوذ من شره كأنه يقصد به طرد الشيطان وتحقيره، واستقذاره. قوله: ((ويتعوذ)) بالجزم قوله: ((وقال أبو سلمة)) موصول بالإسناد المذكور. قوله: ((فإن كنت)) وفي رواية الكشميهني: إن كنت بدون الفاء. قوله: ((أثقل علي من الجبل)) أي: لأجل ما كان يتوقع من شرها. قوله: ((فما هو إلاَّ أن سمعت)) أي: ما الشأن إلاَّ سماعي، وقال المازري: حقيقة الرؤيا أن الله تعالى يخلق في قلب النائم اعتقادات، فإن كان ذلك الاعتقاد علامة على الخير كان خلقه بغير حضرة الشيطان، وإن كان على الشر فهو بحضرته، فنسب إلى الشيطان مجازاً إذ لا فعل له حقيقة، إذ الكل خلق الله تعالى، وقيل: أضيفت المحبوبة إلى الله تعالى إضافة تشريف بخلاف المكروهة وإن كانا بخلق الله تعالى. ٥٧٤٨/٦٣ - حدّثنا عبدَ العَزِيزِ بنُ عِبْدِ الله الأُوَيْسِيُّ، حدثنا سُليمانُ، عنْ يُونُسَ عنِ ابنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ عنْ عَائِشَةَ. رضيَ الله عنها، قالَتْ: كانَ رسولُ اللهِوَه إِذَا أَوَى إلى فِرَاشِه نَفَثَ في كَفَّيْهِ بِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ وبالمُعَوِّذَتَيْنِ جَميعاً، ثُمَّ يَمْسَح بِهِما وجْهَهُ، وما بَلَغَتْ يَدَاهُ منْ جَسَدِهِ، قالَتْ عَائِشَةُ: فَلمَّا اشْتَكَى كانَ يأمُرُنِي أَنْ أَفْعَلَ ذُلِكَ بِهِ. قال يُونُسُ: كُنْتُ أَرَى ابن شِهاب يَصْنَعُ ذَلِكَ إذَا أوى إلى فِرَاشِهِ. [انظر الحديث ٥٠١٧ وطرفه]. وجه المطابقة بين الحديث. والترجمة هو الذي ذكرناه عند الحديث السابق، والأويسي نسبة إلى أحد أجداده أويس بن سعد، وسليمان هو ابن بلال، ويونس هو ابن یزید . ٤٠٣ ٧٦ - كِتَابُ الطَّب / باب (٣٩) والحديث مضى في المغازي عن حبان عن عبد الله. وأخرجه مسلم في الطب عن أبي الطاهر بن السرح وغيره. قوله: بـ ﴿قُلّ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ أي: يقرؤها ويقرأ معها المعوذتين بكسر الواو وينفث حالة القراءة. قوله: ((فلما اشتكى)) أي: فلما مرض. قوله: ((كان)) أي النبي ◌َّ، قوله: ((قال يونس)) أي: الراوي عن ابن شهاب. ٥٧٤٩/٦٤ - حدّثنا مُوسَى بنُ إسْماعِيل، حدَّثنا أبُو عَوَانَةَ، عَنْ أبي بِشْرٍ عنْ أبي المُتَوَكِّلِ عَنْ أبي سَعيدٍ أنَّ رَهْطاً مِنْ أصْحابِ رسولِ اللهِ نَّهِ انْطَلَقُوا في سفْرَةٍ سافَرُوها حتَّى نَزَلُوا بِحَيٍّ مِنْ أحْياءِ العَرَبِ، فاسْتَضافُوهُمْ فأبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُمْ، فَلُدِغَ سَيِّدُ ذَلِكَ الحَيِّ فَسَعَوْا لهُ بِكُلَ شَيْءٍ لا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ، فقال بَعْضُهُمْ: لَوْ أَتَيْتُمْ هُؤُلاَءِ الرَّهْصَ الذِينَ قَدْ نزَلُوا بِكُمْ لَعَلَّهُ أنْ يَكُونَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ شَيْءٌ، فَأَتَوْهُمْ فقالُوا: يا أيُّها الرَّهْطُ إنَّ سَيِّدَنا لُدِغَ فَسعَيْنا لَهُ بِكُلِّ شَيءٍ لا يَنْفَعُهُ شَيءٌ فَهَلْ عِنْدَ أحَدٍ مِنْكُمْ شَيءٌ؟ فقالَ بَعْضُهُمْ: نعَمْ، والله إنِّي لَرَاقٍ، ولكِنْ والله لَقَدِ اسْتَضَفْنَاكَمْ فَلَمْ تُضَيِّقُونا فَما أنا بِرَاقٍ لَكُمْ حتَّى تَجْعَلُوا لَنا ◌ُعْلاَ، فَصالَحُوهُمْ عَلى قَطِيعِ مِنَ الغَنَم، فانْطلَقَ فَجَعَلَ يَتْفِلُ ويَقْرَأُ ﴿الخمْدُ لله ربِّ العالَمِينَ﴾ حتَّى لَكأنَّما نُشِطَ مِنْ عِقالَ، فَانْطَلَقَ يَمْشِي ما بِهِ قَلَبَةٌ، قال: فأوْفَوْهُمْ جُعْلَهُمُ الَّذي صالَحُوهُمْ عَليْهِ، فقال بَعْضُهُمْ: اقْسمُوا. فقال الَّذِي رَقى: لا تَفْعَلُوا، حتَّى نأتِيَ رسولَ اللهِ وََّ، فَتَذْكُرَ لهُ، الَّذِي كانَ فَنَنْظُرَ ما يأمُرُنا، فَقَدِمُوا عَلى رسولَ اللهِ نَّهِ فَذَكَرُوا لَهُ، فقال: ((وما يُدْرِيكَ أنها رُقْيَةٌ؟ أَصَبْتُمْ، اقْسِمُوا واضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ بِسَهْم)). [انظر الحديث: ٢٢٧٦ وطرفيه]. مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((فجعل يتفل)) على الوجه الذي ذكرناه عند أول حديث الباب. وأبو عوانة الوضاح اليشكري، وأبو بشر بكسر الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة جعفر بن أبي إياس اليشكري البصري، وأبو المتوكل علي بن داود الناجي بالنون والجيم. والحديث قد مضى عن قريب في: باب الرقية بفاتحة الكتاب. قوله: ((فجعل يتفل)) وقد مضى أن النفث دون التفل فإذا جاز التفل جاز النفث بالطريق الأولى. قوله: ((نشط)) قيل: صوابه أنشط. قال الجوهري: أنشطته أي: حللته، ونشطته أي: عقدته والعقال بكسر العين المهملة وبالقاف: الحبل الذي يشد به. قوله: (يمشي)) حال وكذا قوله: ((ما به قلبة)) بالفتحات ومعناه: ما به ألم يقلب على الفراش لأجله، وقيل: أصله من القلاب بضم القاف وهو داء يأخذ البعير فيمسك على قلبه فيموت من يومه. قوله: ((فقال الذي رقى)) هو أبو سعيد الخدري. قوله: ((فذكروا له)) أي للنبي وَل قوله: ((وما يدريك؟)) أي: أي شيء دراك أنها أي: إن قراءة الفاتحة رقية. قوله: ((اقسموا)) هذه القسمة من باب المروءات والتبرعات وإلاَّ فهو ملك للراقي مختص به، وإنما قال مَاآت: (اضربوا إلي معكم بسهم)) أي: بنصيب، تطبيباً لقلوبهم ومبالغة في تعريفهم أنه حلال. ٤٠٤ ٧٦ - كِتَابُ الطَّب / باب (٤٠ و٤١ و ٤٢) ٤٠ - بابُ مَسْحِ الرَّاقِي الوَجَعَ بِيَدِهِ اليُمْنَى أي: هذا باب في بيان مسح الذي يرقي الوجع بيده. ٦٥/ ٥٧٥٠ - حدّثني عبْدُ الله بنُ أبي شَيْبَةَ، حدثنا يَخْيَى، عنْ سُفْيانَ عنِ الأعْمَشِ عنْ مُسْلِم عَنْ مَسْرُوقٍ عنْ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - قالَتْ: كانَ النبيُّ وَِّ يُعَوَّذُ بَعْضَهُمْ يَمْسَحُهُ بَيَّمِينِهِ أَذْهِبِ الباسَ ربَّ النَّاس واشْفِ أنْتَ الشَّافي لا شِفاءً إلاّ شِفَاؤُكَ شِفاءَ لا يُغَادِرُ سَقماً، فَذَكَرْتُهُ لِمَنْصُورٍ فَحَدَّثَنِي عِنْ إِبْرَاهِيمَ عنْ مَسْرُوق عنْ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - بِنَخْوِهِ. [انظر الحديث: ٥٦٧٥ وطرفيه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((يمسحه بيمينه)) وعبد الله بن أبي شيبة هو أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان العبسي الكوفي شيخ مسلم أيضاً، ويحيى القطان، وسفيان الثوري، والأعمش سليمان، ومسلم هو أبو الضحى، ومسروق بن الأجدع. والحديث مر عن قريب ومر الكلام فيه. قوله: ((يعوذ بعضهم)) وفي الرواية المتقدمة: يعوذ بعض أهله. قوله: ((یمسحه بیمینه)) جملة حالية، قوله: ((أذهب الباس)) مقول قول مقدر. قوله: ((فذكرته)) قائله سفيان الثوري أي: فذكرت الحديث لمنصور بن معتمر فحدثني عن إبراهيم النخعي عن مسروق. قوله: (بنحوه)) أي: بنحو الحديث المذكور في رواية مسلم عن مسروق. ٤١ - بابٌ المَرْأةُ تَرْقِي الرجُلَ أي: هذا باب في بيان حكم المرأة ترقي الرجل. ٦٦/ ٥٧٥١ - حدّثني عبْدُ الله بنُ مُحَمَّدِ الجُعْفِيُّ، حدثنا هِشامٌ، أخبرنا مَعْمَرٌ عنٍ الزُّهْرِيِّ عنْ عُرْوَةَ عنْ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - أنَّ النبيَّ وََّ، كَانَ يَنْفِثُ عَلى نَفْسِهِ في مَرَضِهِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ بِالمُعوِّذَاتِ، فَلمَّا ثَقُلَ كُنْتُ أنا أنْفِثُ عليْهِ بِهِنَّ فأمْسَحُ بِيَدِ نَفْسِهِ لِبَرَكَتِها، فَسألتُ ابنَ شِهابٍ: كَيْف كانَ يَنْفِثُ؟ قال: يَنْفِثُ عَلى يَدَيْهِ ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِما وجْهَهُ . [انظر الحديث: ٤٤٣٩ وطرفيه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((كنت أنا أنفث عليه)) وهشام هو ابن يوسف. والحديث قد مر عن قريب في: باب النفث في الرقية. قوله: ((بالمعوذات)) هي سورة الإخلاص والمعوذتان. ومضى الكلام فيه هناك. ٤٢ - بابُ مَنْ لَمْ يَرْق أي هذا باب في بيان من لم يرقٍ بفتح الياء وكسر القاف وبضم الياء وفتح القاف أعني على صيغة المعلوم وصيغة المجهول. ٤٠٥ ٧٦ - كِتَابُ الطَّب / باب (٤٣) ٥٧٥٢/٦٧ - حدّثنا مُسَدَّدٌ، حدثنا حُصَيْنُ بنُ نُمِيْرِ عنْ حُصَيْنِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ عن سَعِيد بنِ جُبَيْرٍ، عِنِ ابنِ عبّاسٍ - رضي الله عنهما - قال: خَرَجَ عَليْنا النبيُّ وَلِّ يوْماً، فقال: ((عُرِضَتَ عَليَّ الأَمُمُ فَجَعَلَ يَمُرُّ النبيُّ ومعَهُ الرَّجُلُ، والنبي ومعَهُ الرَّجُلانِ، والنبيُّ ومَعَهُ الرَّهُطُ، والنبيُّ لَيْسَ مَعَهُ أحَدٌ، وَرَأيْتُ سَواداً كَثِيراً سَدَّ الأُفَقَ فَرَجَوْتُ أنْ يَكُونَ أُمَّتِي، فَقيلَ: هذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ، ثُمَّ قِيل لي: انْظُرْ فَرَأيْتُ سَواداً كَثِيراً سَدَّ الأُفُقَ، فَقيلَ لِي: انْظُرْ هُكَذَا وهُكَذَا، فَرَأيْتُ سَواداً كَثيراً سَدَّ الأُفُقَ فقيلَ: هَؤُلاءِ أُمَّتُكَ ومعَ هؤلاءِ سَبْعُونَ ألْفاً يَدْخُلُون الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ))، فَتَفَرَّقَ النَّاسُ ولمْ يُبَيِّنْ لَهُمْ، فَتَذَاكَرَ أصْحابُ النبيِّ وَّرَ، فقالوا: أما نحْنُ فَوُلِدْنا في الشِّرْكِ ولكِنَّا آمَنَّا بالله ورَسُولِهِ، ولَكِنْ هُؤُلاءِ هُمْ أبْناؤُنا، فَبَلَغَ النبيَّ ◌َُِّ فقال: ((هُمُ الذِينَ لا يَتَطَّيَّرُونَ ولا يَسْتَرْقونَ ولا يَكْتَؤُونَ وعلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكِلُون))، فقامَ عُكَاشَةُ بنُ مِخْصَنٍ فقال: أمِنْهُمْ أنا يا رسولَ الله؟ قال: نَعَمْ، فقامَ آخرُ فقال: أمِنْهُمْ أنا؟ فقال: ((سَبَقَكَ بِها مُكَاشَةُ)). [انظر الحديث: ٣٤١٠ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((ولا يسترقون)) وحصين بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين وبنون ابن نمير - مصغر نمر - الحيوان المشهور الواسطي الضرير، وما له في البخاري سوى هذا الحديث، وحصين كذلك ابن عبد الرحمن الكوفي. والحديث قد مر في: باب من اكتوى، ومضى الكلام فيه هناك. قوله: ((ومعه الرجل))، هذه الكلمة في هذه المواضع جاءت بالواو وبدونها. ٤٣ - بابُ الطِّيَرَةِ أي: هذا باب في بيان الطيرة بكسر الطاء وفتح الياء آخر الحروف وقد تسكن وهو التشاؤم بالشيء، وقال ابن الأثير: وهو مصدر تطير يقال تطير طيرة وتخير خيرة، ولم يجىء من المصادر هكذا غير هذين. قلت: قد ذكر هو أيضاً طيبة بكسر الطاء وفتح الياء فعلة من الطيب، ولكن الظاهر أنه اسم لا مصدر كالتولة بكسر التاء المثناة وفتح الواو، وجاء في الحديث التولة من الشرك، وهو ما يحبب المرأة إلى زوجها من السحر وغيره، وجعله من الشرك لاعتقادهم أن ذلك - يؤثر ويفعل خلاف ما قدره الله تعالى. ٥٧٥٣/٦٨ - حدّثني عبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ، حدثنا عُثْمانُ بنُ عُمَرَ، حدثنا يُونُسُ عنِ الزّهْرِيِّ عن سالِم عنِ ابنِ عُمَرَ - رضي الله عنهما - أنَّ رسولَ اللهِنَ ◌ّهِ قال: ((لَا عَذْوَى ولا طِيْرَةَ والشُّؤْمُ فِي ثَلاثٍ: في المَرأةِ والدارِ والدَّابَّةِ)). [انظر الحديث: ٢٠٩٩ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((ولا طيرة)) وعبد الله بن محمد الجعفي المسندي، وعثمان بن عمر بن فارس البصري، ويونس بن يزيد، وسالم هو ابن عبد الله بن عمر. : ٤٠٦ ٧٦ - كِتابُ الطّب / باب (٤٣) والحديث أخرجه النسائي في عشرة النساء عن محمد بن المثنى. قوله: ((لا عدوى)) أي: لا تعدية للمرض من صاحبه إلى غيره، وقد مر الكلام فيه عن قريب قوله: ((ولا طيرة)) قد فسرناها الآن. قال ابن العربي: اختلفوا في تأويل قوله: ((لا طيرة)) فمنهم من قال معناه الإخبار عما يعتقده الجاهلية، وقيل: معناه الإخبار عن حكم الله الثابت في الدار والمرأة والفرس بأن الشؤم فيها عادة، أجراها الله تعالى وقضاه أنفذه يوجده حيث شاء منها متى شاء، والأول ساقط لأن النبي وَل# لم يبعث ليخبر عن الناس ما كانوا يعتقدونه، وإنما بعث ليعلم الناس ما يلزمهم أن يعملوه ويعتقدوه، وأصل الطيرة أنهم كانوا ينفرون الظباء والطيور فإن أخذت ذات اليمين تبركوا به ومضوا في حوائجهم، وإن أخذت ذات الشمال رجعوا عن ذلك وتشاءموا بها، فأبطله الشرع، وأخبر بأنه لا تأثير له في نفع أو ضرر. ويقال: إنهم كانوا يعتمدون في الجاهلية على الطير فإذا كان لأحدهم أمر، فإن رأى الطيز طار يمنة تيمن به واستمر، وإن رآه طار يسرة تشاءم به ورجع، وكانوا يسمونه: السانح والبارح، فالسانح بسين مهملة ثم نون مكسورة وبحاء مهملة وهو ما والاك ميامنة بأن يمر عن يسارك إلى يمينك، والبارح بباء موحدة وراء مكسورة ثم حاء مهملة هو بعكس ذلك. قوله: ((والشؤم في ثلاث)) أي: في ثلاثة أشياء، هذا معارض في الظاهر لقوله: ((لا طيرة)) ودفع الخطابي هذه المعارضة حيث قال: هذا عام مخصوص إذ هو في معنى الاستثناء من الطيرة، أي: الطيرة منهي عنها إلاَّ أن يكون له دار يكره سكناها، أو امرأة يكره صحبتها، أو فرس كذلك فليفارقهن، وقيل: شؤم الدار ضيقها وسوء جارها، وشؤم المرأة سلاطة لسانها وعدم ولادتها، وشؤم الفرس أن لا يغزى عليها. وقال مالك: هو على ظاهره، فإن الدار قد يجعل الله سكناها سبباً للضرر، وكذا المرأة المعينة أو الفرس قد يحصل الضرر عنده بقضاء الله تعالى، وقال ابن الجوزي. قوله: ((الشؤم في ثلاث)) ولم يقل فيه: إن، وفي رواية أخرى: إن كان الشؤم في شيء، وفي أُخرى: إن كان في شيء ففي كذا وكذا، فكيف يجمع بين هذه وبين قوله: ((لا طيرة؟)) الجواب: إن عائشة، رضي الله عنها، قد غلظت على من روى هذا الحديث، وقالت: إنما كان أهل الجاهلية يقولون: الطيرة في المرأة والدار والدابة. قال: وهذا رد لصريح خبر رواته ثقات، والصحيح أن المعنى إن خيف من شيء أن يكون سبباً لما يخاف شره ويتشاءم به فهذه الأشياء لا على السبيل الذي يظنها أهل الجاهلية من الطيرة والعدوى. وقال الخطابي: لما كان الإنسان لا يستغني عن هذه الأشياء: الدار والفرس والزوجة، وكن لا يسلمن من عارض مكروه، فأضيف إليها الشؤم إضافة محل، وقال ابن التين: الشؤم مهموز ويسمى كل محذور ومكروه شؤماً ومشامة والشومى الجهة اليسرى . ٥٧٥٤/٦٩ - حدّثنا أبو اليَمَانِ، أخبرنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قال: أخبرني عُبَيْدُ الله بنُ عَبْدِ الله بنِ عُثْبَةَ أنَّ أبا هُرَيْرَةَ قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ لَ يَقُولُ: ((لا طِيرَةَ ٤٠٧ ٧٦ - كِتَابُ الطَّب / باب (٤٤) وخيرُها الفَأْلُ))، قالوا: وما الفَأْلُ؟ قال: ((الكَلِمَةُ الصَّالِحَةُ يَسْمَعُها أحَدُكُمْ)). [انظر الحديث: ٥٧٥٤ _ طرفه في: ٥٧٥٥]. مطابقته للترجمة ظاهرة. وأبو اليمان الحكم بن نافع وشعيب بن أبي حمزة. والحديث أخرجه مسلم في الطب أيضاً عن عبد بن حميد وغيره. قوله: ((وخيرها)) أي: خير الطيرة، قال الطيبي: وقد علم أن الطيرة كلها لا خير فيها فهو كقوله تعالى: ﴿أَصْحَبُ الْجَنَّةِ يَوْمَيِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًا﴾ [الفرقان: ٢٤]. وهو مبني على زعمهم أو هو من باب قولهم: الصيف خير من الشتاء، أي: الفأل في بابه أبلغ من الطيرة في بابها، ومعنى الترخص في الفأل والمنع من الطيرة هو أن الشخص لو رأى شيئاً فظنه حسناً وحرضه على طلب حاجته فليفعل ذلك، وإن رأى ما يعده مشؤوماً ويمنعه من المضي إلى حاجته فلا يجوز قبوله، بل يمضي لسبيله، فإذا قبل وانتهى عن المضي في طلب حاجته فيه فهو الطيرة لأنها اختصت أن تستعمل في الشؤم. وقال الكرماني: إضافة الخير إلى الطيرة مشعرة بأن الفأل من جملة الطيرة، ثم قال: الإضافة لمجرد التوضيح فلا يلزم أن يكون منها، وأيضاً الطيرة في الأصل أعم من أن يكون في الشر، لكن العرب خصصته بالشر، وقال ابن الأثير: الطيرة بمعنى الجنس والفأل بمعنى النوع، ومنه الحديث: أصدق الطيرة الفأل، وقال النووي: الفأل يستعمل فيما يسر وفيما يسوء، والغالب في السرور، والطيرة لا تكون إلاَّ في السوء، وقد تستعمل مجازاً في السرور. وقال الخطابي: الفرق بين الفأل والطيرة أن الفأل إنما هو من طريق حسن الظن بالله، والطيرة إنما هي من طريق الاتكال على ما سواه. قوله: ((قالوا)) ويروى: قال. قوله: ((الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم)) مثل من خرج من داره لطلب حاجة فسمع شخصاً يقول للآخر، يا نجاح، وقال الأصمعي: سألت ابن عون عن الفأل فقال: هو أن يكون مريضاً فيسمع: يا سالم، وروى أبو داود من حديث بريدة أن النبي وَّر كان لا يتطير من شيء وكان إذا بعث غلاماً سأل عن اسمه، فإذا أعجبه اسمه فرح به وإن كره اسمه رئي كراهة ذلك في وجهه، وإذا دخل قرية سأل عن اسمها فإن أعجبه فرح به ورئي بشر ذلك في وجهه، وإن كره اسمها رئي كراهة ذلك في وجهه . ٤٤ - بابُ الفَأْلِ أي: هذا باب في بيان أمر الفأل وأصله الهمزة وقد يسهل، والجمع فؤول بالهمزة جزماً، يقال: تفاءلت وتفاولت على التخفيف والقلب. ٧١/ ٥٧٥٥ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ، أخبرنا هِشامٌ، أخبرنا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيُّ عِنْ عُبَيْدِ الله بنِ عَبْدِ الله، عِنْ أبي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، قال: قال النبيُّ وَّ: ((لا طِيَرَةَ وخَيْرُها الفأْلُ، قَالَوا: وما الفَأْلُ يا رسُولَ الله؟ قال: الكَلِمَةُ الصَّالِحَةُ يَسْمَعُها أحَدُكُمْ)). [انظر الحديث: ٥٧٥٤]. ٤٠٨ ٧٦ - كِتَابُ الطِّب / باب (٤٥ و ٤٦) مطابقته للترجمة ظاهرة. وعبد الله بن محمد المسندي، وهشام الدستوائي عن معمر بن راشد عن محمد بن مسلم الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن أبي هريرة. وأخرجه مسلم في الطب عن عبد بن حميد ومضى الكلام فيه الآن. قوله: ((قالوا)) بصيغة الجمع رواية الكشميهني، وفي رواية الأكثرين: قال، بالإفراد. ٥٧٥٦ - حدّثنا مُسْلِمُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا هِشامٌ، عِنْ قَتادةَ، عنْ أَنَسٍ، رضي الله عنه، عن النبيِّ وَّرِ قال: ((لا عَذْوَى ولا طِيَرَةَ، ويُعْجِبُني الفْلُ الصَّالِحُ: الكَلِمَةُ الحَسَنَةُ». [انظر الحديث: ٥٧٥٦ - طرفه في: ٥٧٧٦]. مطابقته للترجمة في قوله: ((ويعجبني الفأل)) وهشام هو الدستوائي كما في الحديث السابق . والحديث أخرجه أبو داود عن مسلم بن إبراهيم شيخ البخاري أيضاً في الطب. وأخرجه الترمذي في السير عن محمد بن بشار. قوله: ((الكلمة الحسنة)) بيان لقوله: ((الفأل الصالح)) وكان وَلّ يستحب الاسم الحسن والفأل الصالح، وقد جعل الله في النظر محبة ذلك كما جعل فيهم الارتياح بالمنظر الأنيق والماء الصافي وإن لم يشربه ولم يستعمله. ٤٥ - بابٌ لا هامَةَ أي: هذا باب في بيان ما ورد في الحديث: لا هامة، وفي بعض النسخ: باب لا هامة ولا صفر. ٧٢/ ٥٧٥٧ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ الْحكَم، حدثنا النَّضْرُ، أخبرنا إسْرائِيلُ، أخبرنا أبُو حَصِينٍ، عن أبي صالِحِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، عن النبيِّ وََّ قال: ((لاَ عَدْوَى ولا طِيَرَةَ ولا هامَةً ولا صِفَرَ)). [انظر الحديث: ٥٧٠٧ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((ولا هامة)) ومحمد بن الحكم بالفتحتين الأحول المروزي والنضر بفتح النون وسكون الضاد المعجمة ابن شميل بضم الشين المعجمة وإسرائيل هو ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، وأبو حصين بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين عثمان بن عاصم الأسدي، وأبو صالح ذكوان الزيات السمان. والحديث من أفراده وتفسير هذه الأشياء الأربعة قد مر في: باب الجذام، مستقصىّ. ٤٦ - بابُ الكَهانةِ أي: هذا باب في بيان أمور الكهانة ووقع لابن بطال: باب الكهانة والسحر وقد ترجم البخاري للسحر باباً مفرداً على ما يأتي إن شاء الله تعالى، وهي بكسر الكاف وفتحها ٤٠٩ ٧٦ - كِتَابُ الطّب / باب (٤٦) والفتح أشهر، وهي ادعاء علم الغيب كالإخبار بما سيقع في الأرض مع الاستناد إلى سبب، ويقال: هي الإخبار بما يكون في أقطار الأرض أما من جهة التنجيم أو العرافة وهي الاستدلال على الأمور بأسبابها أو بالزجر أو نحوه، والكاهن يطلق على العراف والمنجم الذي يضرب بالحصى، وفي (المحكم): الكاهن القاضي بالغيب. وقال في (الجامع): العرب تسمي كل من آذن بشيء قبل وقوعه كاهناً. وقال الخطابي: الكهنة قوم لهم أذهان حادة ونفوس شديدة وطباع نارية فألفتهم الشياطين لما بينهم من التناسب في هذه الأمور وساعدتهم بكل ما اتصلت به قدرتهم إليه، وكانت الكهانة في الجاهلية فاشية خصوصاً في العرب لانقطاع النبوة فيهم، فلما جاء الإسلام ندر ذلك جداً حتى كاد يضمحل. ٥٧٥٨/٧٣ - حدّثنا سَعيدُ بنُ عُفَيْرٍ، حدثنا اللَّيْثُ قال: حدثني عَبْدُ الرحْمُنِ بنُ خالِدٍ، عنِ ابنِ شِهاب عنْ أبي سَلَمَةَ عِنْ أَبِي هُرَيْرَةً: أنَّ رسولَ اللهِ وَّرِ قَضَى في امْرَأْتَيْنِ مِنْ هُذَيْلِ اقْتَتَلَتَا، فَرَمَتْ إحْدَاهُما الأُخْرَى بحَجَرٍ فأصابَتْ بَطْنَها وهُيَ حامِلٌ فَقَتَلَتْ ولدها الّذي في بَطْنِها، فاخْتَصَمُوا إلى النبيِّ وَّ فَقضَى أنَّ دِيَّةَ ما في بطْنِها غُرَّة عبْدٌ أوْ أمَّةٌ فقال ولِيُّ المَزْأةِ التي غَرِمَتْ: كَيْفَ أغْرَمُ يا رسول الله مَنْ لا شَرِبَ ولا أكَلَ ولا نَطَقَ ولا اسْتَهَلَّ؟ فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ. فقال النبيُّ ◌َرَ: ((إِنَّمَا هَذَا مِنْ إخْوَانِ الكُهَّانِ)). [الحديث: ٥٧٥٨ - أطرافه في: ٥٧٥٩، ٥٧٦٠، ٥٧٦٠، ٦٧٤٠، ٦٧٠٤، ٦٩٠٤، ٦٩٠٩، ٦٩١٠]. مطابقته للترجمة في قوله: ((إنما هذا من إخوان الكهان)) وسعيد بن عفير بضم العين المهملة وفتح الحاء وسكون الياء آخر الحروف وبالراء. وهو سعيد بن كثير بن عفير المصري. والحديث من أفراده. قوله: ((هذيل)) بضم الهاء وفتح الذال المعجمة وهو ابن مدركة بن الياس بن مضر قبيلة. قوله: ((اقتتلتا)) أي: تقاتلتا. قوله: ((وهي خامل)) جملة حالية. قوله: ((فاختصموا)) مثل قوله: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُواْ﴾ [الحج: ١٩]. قوله: ((غرة)) بضم الغين المعجمة وتشديد الراء وهي بياض في الوجه وعبر بالغرة عن الجسم كله إطلاقاً للجزء وإرادة الكل ولفظ : غرة بالتنوين ولفظ: عبد أو أمة بدل منه، ويروى بالإضافة وكلمة: أو، هنا للتقسيم لا للشك. قوله: ((فقال وليّ المرأة)) هو حمل بفتح الحاء المهملة وتخفيف الميم ابن مالك بن النابغة الهذلي الصحابي نزل البصرة وكنيته أبو فضلة. قوله: ((ولا استهل)) يقال استهل الصبي إذا صاح عند الولادة. قوله: ((يطل)) بضم الياء آخر الحروف وفتح الطاء وتشديد اللام، هكذا في رواية الأكثرين ومعناه: يهدر، يقال: طل الدم بضم الطاء وبفتحها، وحكي: أطل. وأنكره الأصمعي، وقال أبو زيد: طل دمه فهو مطلول وأطل دمه وطله الله وأطله، قال: ولا يقال: طل دمه، بالفتح، وأبو عبيدة والكسائي يقولانه، وفي رواية الكشميهني: بطل، بالباء الموحدة من البطلان وقال عياض: إنه وقع هنا للجميع بالباء ٤١٠ ٧٦ - كِتَابُ الطَّب / باب (٤٦) الموحدة، قال: وبالوجهين في (الموطأ) وقد رجح الخطابي أنه من البطلان، وأنكره ابن بطال فقال: كذا يقول أهل الحديث من طل الدم إذا هدر قيل: لا وجه لإنكاره بعد ثبوت الرواية، ومعناه يرجع إلى الرواية الأخرى. قوله: ((إنما هذا من إخوان الكهان)) شبهه بهم إذ الأخوة تقتضي المشابهة، وذلك بسبب السجع، وقال الخطابي: لم يرده رسول الله وَل، لأجل السجع نفسه لكنه إنما أعاب منه رد الحكم وتزيينه بالسجع على مذهب الكهان في ترويج أباطيلهم بالأسجاع التي يروجون بها الباطل ويوهمون الناس أن تحتها طائلاً، والسجع هو تناسب آخر الكلمة لفظاً والجمع أسجاع وأساجيع، وقال ابن بطال: فيه ذم الكهان ومن تشبه بهم في ألفاظهم حيث كانوا يستعملونه في الباطل، كما أراد هو بسجعه دفع ما أوجبه وير فاستحق بذلك الذم إلاّ أنه وَ﴿ جبل على الصفح عن الجاهلين. فإن قلت: قد وقع في كلامه وَّر: الأسجاع مثل صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، وغير ذلك. قلت: الفرق أنه عارض به حكم الشرع ورام إبطاله، وأيضاً أنه تكلف فيه بخلاف ما في كلام الرسول وَلّهِ . وفيه: وجوب الغرة عند كافة العلماء، وخالف فيه قوم فقالوا لا شيء فيه حكاه في (المعونة) وهو منابذة للنص فلا يلتفت إليه. وفيه: أن الغرة عبد أو أمة، وقال مالك: الحمران أحب إلي من السودان، يريد البيض، فإن لم يكن في البلد فالسود قاله الأبهري، وقال أبو عمرو بن العلاء: لا يؤخذ إلاَّ من البيض ل قوله: ((غرة)) وإلاَّ لقال: عبداً ووليدة، وقال مالك عن ربيعة: يقوم بخمسين ديناراً أو ستمائة درهم. واختلف فيمن يرث الجنين، فقال مالك: هو موروث على فرائض الله، وقال أيضاً: هو كبضعة من أمه ترثه وحدها، وقال أيضاً هو بين أبويه: الثلثان للأب وللأم الثلث، وبه قال أبو حنيفة والشافعي. ٥٧٥٩/٧٤ - حدّثنا قُتَيْبَةُ، عنْ مالِكِ، عن ابنِ شِهاب، عن أبي سَلمةَ، عنْ أبي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه: أنَّ امْرَأْتَيْنِ رَمَتْ إِخْدَاهُما الأُخْرَى بِحَجَر، فَطَرَحَتْ جَنِينَها، فَقَضَى فِيهِ النبيُّ وَّهِ بِغُرَّةِ عَبْدٍ أوْ وَلِيدَةٍ. [انظر الحديث: ٥٧٥٨ وأطرافه]. هذا طريق آخر في حديث أبي هريرة، وهو مختصر. ٥٧٦٠ - وعنِ ابنِ شهابٍ عنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ أنَّ رسولَ اللهِ وَ﴿ قَضَى في الجَنين يُقْتَلُ في بَطْنِ أُمِّهِ بِغُرَّةِ عَبْدٍ أوْ وَلِيدَةٍ، فقال الَّذِي قُضِيَ عَلَيْهِ: كيْفَ أغْرَمُ ما لا أُكَلَ ولا شَرِبَ ولاَ نَطَقَ ولا اسْتَهَلَّ، ومِثْلُ ذَلِكَ بَطَلَ؟ فقال رسولُ الله ◌َ: ((إنَّما هُذَا مِنْ إِخْوَانِ الكُهَّانِ)). [انظر الحديث: ٥٧٥٨ وأطرافه]. هذا مرسل. قوله: ((يقتل)) على صيغة المجهول في محل الحال من الجنين. قوله: ((قضى عليه)) أي: على ولي المرأة لأن الغرة متى وجبت فهي على العاقلة. ٥٧٦١/٧٥ - حدّثنا عبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ، حدَّثنا ابنُ عُيَيْنَةَ عنِ الزُّهْرِيّ عنْ أبي بَكْرِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بنِ الحارِثِ عنْ أَبي مَسْعُودٍ، قال: نَهَى النبيُّ ◌ََّ عن ثَمَنِ الكَلْبِ ٤١١ ٧٦ - كِتَابُ الطَّب / باب (٤٦) ومَهْرِ البغِيِّ وحُلُوَان الكاهِنِ. [انظر الحديث: ٢٢٣٧ وطرفيه]. مطابقته للترجمة في آخر الحديث. وعبد الله بن محمد المسندي وابن عيينة سفيان، وأبو مسعود هو عقبة البدري الأنصاري الكوفي. والحديث قد مر في البيع في: باب ثمن الكلب، فإنه أخرجه هناك عن عبد الله بن يوسف عن مالك عن ابن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن إلى آخره، ومر الكلام فيه هناك . قوله: (مهر البغي)) البغي فعيل أو فعول، وهي الزانية ومهرها هو ما تأخذه على الزنى، والحلوان بالضم ما يعطى على الكهانة. ٧٦/ ٥٧٦٢ - حدّثنا عَلِيُّ بنُ عبدِ الله، حدثنا هِشامُ بنُ يُوسُفَ، أخبرنا مَعْمَرٌ عنٍ الزُّهْرِيِّ عنْ يَخْيُى بنِ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ عنْ عُرْوةَ عنْ عَائِشَةَ، رضي الله عنها، قالَتْ: سأل رسُولَ اللهِ وَ ناسٌ عَنِ الْكُهَّانِ، فقال: ((لَيْسَ بِشَيءٍ)). فقالوا: يا رسولَ الله! إنهُمْ يُحَدِّثُونا أحياناً بِشيءٍ فَيَكُونُ حَقّاً، فقال رسولُ اللهِ وََّ: ((تِلْكَ الكَلِمَةُ مِنَ الحَقِّ يَخْطَفُها مِنَ الجِنِّيّ فَيَقُرُّها في أُذُنِ ولِيَّهِ فَيَخْلِطُونَ مَعَها مائَةَ كَذْبَةٍ))، قال عَلِيٍّ: قال عبْدُ الرَّزَّاقِ: مُرْسَلٌ، الكَلِمَةُ مِنَ الحَقِّ، ثُمَّ بَلَغَنِي أَنَّهُ أسْنَدَهُ بَعْدُهُ. [انظر الحديث: ٣٢١٠ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((عن الكهان)) وعلي بن عبد الله بن المديني، ويحيى بن عروة بن الزبير بن العوام القرشي المدني، يروي عن أبيه عروة، والظاهر أن الزهري فاته هذا الحديث عن عروة مع كثرة روايته عن عروة، فحمله عن ابنه يحيى وليس ليحيى في البخاري إلاَّ هذا الحديث، ويحيى وقع عن ظهر بيت تحت أرجل الدواب فقطعته. والحديث أخرجه البخاري في التوحيد عن أحمد بن صالح وفي الأدب عن محمد بن سلام. وأخرجه مسلم في الطب عن عبد بن حميد وغيره. قوله: ((سأل رسولَ اللهوَ لَهُ ناسٌ)) وفي رواية الكشميهني: سأل ناس رسول الله وَل وعند مسلم من رواية معقل مثله. قوله: ((فقال: ليس بشيء)) أي: ليس قولهم بشيء يعتمد عليه، وفي رواية مسلم: ليسوا بشيء. قوله: ((يحدثونا)) ويروى يحدثوننا بنونين على الأصل. قوله: ((حقاً) أي: واقعاً ثابتاً، وليس المراد به ضد الباطل. قوله: ((تلك الكلمة من الحق)) كذا بحاء مهملة وقاف، ووقع في مسلم: تلك الكلمة المسموعة من الجن. وقال النووي: كذا في نسخ: بلادنا، بالجيم والنون، أي: الكلمة المسموعة من الجن، وقال: حكى عياض أنه وقع في مسلم بالحاء والقاف. قوله: ((يخطفها من الجني)» هكذا رواية السرخسي أن الكاهن يخطفها من الجني، وفي رواية الأكثرين: يخطفها الجني، والخطف الأخذ بالسرعة، وفي رواية الكشميهني: يحفظها، بتقديم الفاء بعدها ظاء معجمة من الحفظ. قوله: ((فيقرها)) بفتح الياء والقاف وتشديد الراء، أي: يصبها، تقول: قررت على رأسه دلواً إذا صببته فكأنه صب في أذنه ذلك الكلام، وقال القرطبي: ويصح أن يقال: ٤١٢ ٧٦ - كِتَابُ الطَّب / باب (٤٧) معناه ألقاها في أذنه بصوت يقال: قر الطائر إذا صوت، وفي رواية يونس: فيقرقرها، أي: يرددها. يقال: قرقرت الدجاجة تقرقر قرقرة إذا رددت صوتها، وقال الخطابي: ويقال أيضاً: قرت الدجاجة تقرقراً وقريراً، وإذا رجعت في صوتها يقال: قررت قرقرة وقرقرية، والمعنى أن الجني إذا ألقى الكلمة لوليه تسامع بها الشياطين فيناقلوها كما إذا صوتت الدجاجة فسمعها الدجاج فجاوبتها. قوله: ((في إذن وليه)) أي: الكاهن إنما عدل من الكاهن إلى قوله: ((وليه)) للتعميم في الكاهن وغيره ممن يوالي الجن. قوله: ((مائة كذبة)) وفي رواية ابن جريج: أكثر من مائة كذبة، ويدل هذا على أن ذكر المائة للمبالغة لا للتعيين. قوله: ((كذبة)) بالفتح وحكي الكسر، قال بعضهم: وأنكره بعضهم لأنه بمعنى الهيئة والحالة وليس هذا موضعه. قلت: هذا موضعه لأن كذبتهم بالكسر تدل على أنواع الكذبات، وهذا أبلغ من معنى الفتح على ما لا يخفى قوله: ((قال علي)) هو ابن المديني، ((قال عبد الرزاق: هو مرسل الكلمة الحق)) أراد أن ابن المديني قال: إن عبد الرزاق كان يرسل هذا القدر من الحديث، ثم إنه بعد ذلك وصله بذكر عائشة فيه، وقد أخرجه مسلم عن عبد بن حميد من حديث عبد الرزاق موصولاً كرواية هشام بن يوسف عن معمر. ٤٧ - بابُ السِّخْرِ أي: هذا باب في بيان السحر وأنه ثابت محقق، ولهذا أكثر البخاري في الاستدلال عليه بالآيات الدالة عليه. والحديث الصحيح وأكثر الأمم من العرب والروم والهند والعجم بأنه ثابت وحقيقته موجودة وله تأثير، ولا استحالة في العقل في أن الله تعالى يخرق العادة عند النطق بكلام ملفق أو تركيب أجسام ونحوه على وجه لا يعرفه كل أحد، وأما تعريف السحر فهو أمر خارق للعادة صادر عن نفس شريرة لا يتعذر معارضته، وأنكر قوم حقيقته وأضافوا ما يقع منه إلى خيالات باطلة لا حقيقة لها، وهو اختيار أبي جعفر الاستراباذي من الشافعية وأبي بكر الرازي من الحنفية وابن حزم الظاهري، والصحيح قول كافة العلماء يدل عليه الكتاب والسنة. فإن قلت: ما وجه إيراد: باب السحر، في كتاب الطب؟ قلت: لا شك أن السحر نوع من المرض وهو يمرض المسحور، ولهذا ذكر النبي وَلّ: ((أما والله لقد شفاني)) على ما يأتي عن قريب في: باب هل يستخرج السحر، والشفاء يكون لمرض موجود ثم إنه جمع بين: باب السحر، وباب الكهانة، لأن مرجع كل منهما الشياطين، وكأنهما من واد واحد، ولا يقال: لم قدم باب الكهانة على باب السحر؟ لأنه سؤال دوري وهو غير وارد، فافهم. وقَوْلِ الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَطِينَ كَغَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ اَلسّحْرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَرُوتَّ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا غَخْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرُّ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ، بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ، وَمَا هُمْ بِضَآرِينَ بِهِ، مِنْ أَحَدٍ إلَّا بِإِذْنِ اللَّهِّ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمَّ وَلَقَدْ عَلِّمُواْ لَمَنِ أَشْتَرَهُ مَا لَهُ فِىِ الْآَخِرَةِ مِنْ خَقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢]، وقولهٍ ٤١٣ ٧٦ - كِتَابُ الطَّب / باب (٤٧) تعالى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَ﴾ [طه: ٦٩]، وقَوْلِهِ: ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٣]، وقَوْلِهِ: ﴿يُغَيِّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَّا تَتْعَى﴾ [طه: ٦٦]، وقَوْلِهِ: ﴿وَمِن شَرِّ التََّّئَتِ فِىِ الْعُقَدِ﴾ [الفلق: ٤]، والنَّفَّثاتُ: السَّوَاحِرُ، تُسْحَرُونَ: تُعَمَّونَ. وقول الله بالجر عطفاً على السحر المضاف إليه لفظ: باب، والتقدير: باب في بيان السحر وفي بيان قول الله عز وجل، وذكر هذه الآيات الكريمة للاستدلال بها على تحقق وجود السحر وإثباته، وعلى بيان حرمته أما الآية الأولى وهي قوله تعالى ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ ففي رواية الأكثرين ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السّحْرَ﴾ ... الآية فهذا المقدار هو المذكور، وفي رواية كريمة ساقها إلى قوله ﴿مِنْ خَلَقٍ﴾ ففي هذه الآية بيان أصل السحر الذي تعمل به اليهود ثم هو مما وضعته الشياطين على سليمان بن داود، عليهما السلام، ومما ﴿أنزل الله تعالى على هاروت وماروت بأرض بابل﴾ وهذا متقدم على الأول لأن قصة هاروت وماروت كانت من قبل زمن نوح، عليه الصلاة والسلام، وكان السحر أيضاً فاشياً في زمن فرعون، وملخص ما ذكر في هذه الآية الكريمة ما قاله السدي في قوله تعالى: ﴿وَأَتَّبَعُواْ مَا تَثْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَنَّ﴾ أي: على عهد سليمان، قال: كانت الشياطين تصعد إلى السماء فتقعد منها مقاعد للسمع فيسمعون من كلام الملائكة ما يكون في الأرض من موت أو غيث أو أمر، فيأتون الكهنة فيخبرونهم فتحدث الكهنة الناس فيجدونه كما قالوا، وزادوا مع كل كلمة سبعين كلمة، فاكتتب الناس ذلك الحديث في الكتب وفشا في بني إسرائيل: أن الجن تعلم الغيب، فبعث سليمان، عليه الصلاة والسلام، لجمع تلك الكتب فجعلها في صندوق ثم دفنها تحت كرسيه، ولم يكن أحد من الناس يستطيع أن يدنو من الكرسي إلاّ احترق. وقال: لا أسمع أحداً يذكر أن الشياطين يعلمون الغيب إلاَّ ضربت عنقه، فلما مات سليمان وذهب العلماء الذين كانوا يعرفون أمر سليمان جاء شيطان في صورة إنسان إلى نفر من بني إسرائيل فقال لهم: هل أدلكم على كنز لا تأكلونه أبداً؟ قالوا: نعم. قال: فاحفروا تحت الكرسي، فحفروا ووجدوا تلك الكتب، فلما أخرجوها قال الشيطان: إن سليمان إنما كان يضبط الإنس والجن والطير بهذا السحر، ثم طار وذهب وفشا في الناس أن سليمان كان ساحراً، فاتخذت بنو إسرائيل تلك الكتب، فلما جاء محمد بََّ، خاصموه بها فذلك قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السّحْرَ﴾ ف قوله: الناس: مفعول أول. والسحر مفعول ثان، والجملة حال من فاعل كفروا، أي: كفروا معلمين، وقيل: هي بدل من كفروا. وقوله عز وجل ﴿وَمَآ أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ كلمة: ما، موصولة ومحلها النصب عطفاً على السحر، تقديره يعلمون الناس السحر والمنزل على الملكين. قوله: ((ببابل)) يتعلق: بأنزل، أي: في بابل وهي مدينة بناها نمرود بن كنعان وينسب إليها السحر والخمر، وهي اليوم خراب، وهي أقدم أبنية العراق وكانت مدينة الكنعانيين وغيرهم. وقيل: إن الضحاك أول من بنى بابل، وقال مؤيد الدولة: وببابل ألقى إبراهيم، عليه السلام، في النار. قوله: ((هاروت وماروت)) بدل من الملكين أو ٤١٤ ٧٦ - كِتَابُ الطَّب / باب (٤٧) عطف بيان وفيهما اختلاف كثير، والأصح أنهما كانا ملكين أنزلا من السماء إلى الأرض فكان من أمرهما ما كان، وقصتهما مشهورة. قوله: ((وما يعلمان)) وقرىء: يعلمان، من الإعلام. قوله: ((فتنة)) أي: محنة وابتلاء، وقال سنيد: عن حجاج عن ابن جريج في هذه الآية: لا يجترىء على السحر إلاَّ كافر، وقال النووي: عمل السحر حرام، وهو من الكبائر بالإجماع، وقد عده النبي ◌َّر من الموبقات، ومنه ما يكون كفراً، ومنه ما لا يكون كفراً، بل معصية كبيرة، فإن كان فيه قول أو فعل يقتضي الكفر فهو كفر وإلاَّ فلا، وأما تعلمه وتعليمه فحرام، فإن كان فيه ما يقتضي الكفر كفر واستتيب منه ولا يقتل، فإن تاب قبلت توبته وإن لم يكن فيه ما يقتضي الكفر عزر، وعن مالك: الساحر كافر يقتل بالسحر ولا يستتاب بل يتحتم قتله كالزنديق، قال عياض: وبقول مالك: قال أحمد وجماعة من الصحابة والتابعين، وفي (الفتاوى الصغرى): الساحر لا يستتاب في قول أبي حنيفة ومحمد خلافاً لأبي يوسف، والزنديق يستتاب عندهما، وعن أبي حنيفة روايتان وعن أبي حنيفة: إذا أتيت بزنديق استتبته، فإن تاب قبلت توبته، وقال ابن بطال: واختلف السلف هل يسأل الساحر عن حل من سحره فأجازه سعيد بن المسيب وكرهه الحسن البصري، وقال: لا يعلم ذلك إلاَّ ساحر، ولا يجوز إتيان الساحر لما روى سفيان عن أبي إسحاق عن هبيرة عن ابن مسعود: من مشى إلى ساحر أو كاهن فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل الله على محمد ◌َّيّة، وقال الطبري: نهيه، ولو عن إتيان الساحر إنما هو على التصديق له فيما يقول: فأما إذا أتاه لغير ذلك، وهو عالم به وبحاله، فليس بمنهي عنه ولا عن إتيانه، وقد أجاز بعض العلماء تعلم السحر لأحد أمرين: إما لتمييز ما فيه كفر من غيره، وإما لإزالته عمن وقع فيه. قوله: ﴿وَلَا يُفْلِعُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَنَ السِّحْرِّ وَلَنَعْلَمُنَّطه: ٦٩] فيه نفي الفلاح وهو الفوز عن الساحر وليس فيه ما يدل على كفره. قوله: ﴿أَفَتَأْتُنَ السّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٣] هذا خطاب لكفار قريش يستبعدون كون محمد نَّهُ رسولاً لكونه بشراً، فقال قائلهم منكراً على من اتبعه: ﴿أَفَتَأْتُونَ السّحْرَ﴾ أي: أفتتبعونه حتى تصيروا كمن اتبع السحر، وهو يعلم أنه سحر. قوله: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَّا تَتْعَى﴾ [طه: ٦٦] أوله ﴿فَإذَا جِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيِّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَّا تَتْعَى﴾ يعني: يخيل إلى موسى، عليه السلام، أنها حيات تسعى، وذلك لأنهم لطخوا حبالهم بالزيبق، فلما حميت الشمس اهتزت وتحركت فظن موسى رَّلو أنها تقصده احتج بهذا من زعم أن السحر إنما هو تخييل ولا حجة لهم في هذا، لأن هذه وردت في قصة سحرة فرعون، وكان سحرهم كذلك ولا يلزم أن جميع أنواع السحر كذلك تخييل. قوله: ﴿وَمِن شَرِّ النَّفَّشَتِ [الفلق: ٤] قد فسر النفاثات: بالسواحر، وهو تفسير الحسن البصري، وأريد به السواحر ينفثن في عقد الخيوط للسحر قوله: ((تسحرون)) أشار به إلى قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهَّ قُلْ فَأَّى تُسْحَرُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢] أي: كيف تعمون عن هذا وتصدون عنه. قوله: ((تعمون)) بضم التاء المثناة من فوق وفتح العين المهملة وتشديد الميم المفتوحة، وقيل بسكون العين، وقال ابن عطية. السحر هنا ٤١٥ ٧٦ - كِتَابُ الطَّب / باب (٤٧) مستعار لما وقع منهم من التخليط، ووضع الشيء في غير موضعه كما يقع من المسحور. فإن قلت: هذا لا يقوم به الاحتجاج على ما ذكر البخاري في هذه الآيات للاحتجاج على تحريم السحر. قلت: السحر على أنواع: منها: أنه بمعنى لطف ودق، ومنه: سحرت الصبي خدعته واستملته، فكل من استمال شيئاً فقد سحره، وفي هذه الآية إشارة إلى هذا النوع. الثاني: ما يقع بخداع أو تخييلات لا حقيقة لها، نحو ما يفعله المشعوذ من صرف الأبصار عما يتعاطاه بخفة يده، وإليه الإشارة بقوله: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أََّ تَتْعَى﴾ [طه: ٦٦]. الثالث: ما يحصل بمعاونة الشياطين بضرب من التقرب إليهم وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السَّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢]. الرابع: ما يحصل بمخاطبة الكواكب واستنزال روحانياتها. الخامس: ما يوجد من الطلسمات. ٥٧٦٣/٧٧ - حدّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى، أخبرنا عيسَى بنُ يُونُسَ عنْ هِشام عن أبيهِ عنْ عائِشةَ، رضي الله عنها، قالَتْ: سَحَرَ رسولَ الله وَّوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي زُرَيْقِ يَّقالُ لهُ: لَبِيدُ بنُ الأعْصَم، حتَّى كانَ رسولُ اللهِ وَّهِ يُخَيَّلُ إلَيْهِ أنَّهُ كانَ يَفْعَلُ الشَّيءَ وما فَعَلُهُ، حتى إذَا كانَ ذَاتَ يَوْمَ - أو ذَاتَ لَيْلةٍ - وهوَ عِنْدي لُكِنَّهُ دعا ودعا، ثُمَّ قال: ((يا عائِشَةُ أشَعَرْتِ أنَّ الله أفْتَانِي فيما اَسْتَفْتَيْتَهُ فيهِ؟ أتانِي رَجُلانِ فَقَعَدَ أحَدُهُما عِنْدَ رَأْسِي والآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ، فقال أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: ما وجَعُ الرَّجُلِ؟ فقال مَطْبُوبٌ. قال: مَنْ طَبهُ؟ قال: لَبِيدُ بنُ الأعْصَم. قال: في أيِّ شَي؟ قال: في مُشْطٍ ومُشاطِةٍ، وجُفِ طَلْعِ نخْلَةٍ ذكَرٍ. قال: وأيْنَ هُوَ؟ قالَ: في بِثْرِ ذَرْوانَ))، فأتاها رسولُ اللهِ وََّ، في ناسٍ مِنْ أَضَحابِهِ فَجاءَ فقال: ((يا عائِشةُ! كأنَّ ماءَها نُقاعَةُ الحِنَّاءِ» أوْ: ((كأنَّ رُؤُوسَ نَخْلِها رُؤُوسُ الشَّياطِينِ)). قُلْتُ: يا رسولَ الله أَفَلا اسْتَخْرَجْتَهُ؟ قال: ((قَدْ عافانِي الله فَكَرِهْتُ أنْ أَثَوَّرَ عَلى النَّاسِ فيهِ شرّاً»، فأمَرَ بِها فَدُفِنَتْ. [انظر الحديث: ٣١٧٥ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((سحر رسول الله (َّ* رجل)) وعيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، وهشام هو ابن عروة يروي عن أبيه عروة بن الزبير عن أم المؤمنين عائشة، رضي الله تعالى عنها. والحديث مضى في صفة إبليس، بعين هذا الإسناد. قوله: ((حدثنا إبراهيم بن موسى)) وفي رواية أبي ذر: حدثني بالإفراد. قوله: ((عن أبيه)) وقع في رواية يحيى القطان عن هشام: حدثني أبي، وسيأتي في رواية ابن عيينة عن ابن جريج: حدثني آل عروة عن عروة، وفي رواية الحميدي: عن سفيان عن ابن جريج حدثني بعض آل عروة عن عروة. قوله: ((من بني زريق)) بضم الزاي وفتح الراء وسكون الياء آخر الحروف وبالقاف وهم بطن من الأنصار مشهور من الخزرج، وكان بين كثير من الأنصار وبين كثير من اليهود قبل الإسلام حلف وود، فلما جاء الإسلام ودخل الأنصار فيه تبرؤوا منهم، والسنة التي وقع فيها السحر سنة سبع، قاله الواقدي، وعن الإسماعيلي: أقام ٤١٦ ٧٦ - كِتَابُ الطّب / باب (٤٧) فيه أربعين ليلة، وعند أحمد: ستة أشهر، وعن السهيلي: أنه لبث سنة، ذكره في (جامع معمر) عن الزهري. قوله: ((حتى كان رسول الله ( * يخيل إليه)) على صيغة المجهول من التخييل وبعض المبتدعة أنكروا هذا الحديث وزعموا أنه يحط منصب النبوة ويشكك فيها لأن كل ما أدى إلى ذلك فهو باطل، وتجويز هذا يعدم الثقة بما شرعوه من الشرائع، ورد عليهم ذلك بقيام الدليل على صدقه فيما بلغه من الله تعالى وعلى عصمته في التبليغ، وأما ما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يبعث لأجلها فهو في ذلك عرضة لما يعترض البشر: كالأمراض، وقيل: لا يلزم من أنه كان يظن أنه فعل الشيء ولم يكن فعله أن يجزم بفعله ذلك، وقال عياض: السحر تسلط على جسده وظواهر جوارحه لا على تمييزه ومعتقده، والدليل عليه ما روى في مرسل سعيد بن المسيب: حتى كاد ينكر بصره. قوله: ((حتى إذا كان ذات يوم)) لفظ: ذات، مقحم للتأكيد. وقال الزمخشري: هو من إضافة المسمى إلى اسمه، وقال الكرماني: ذات يوم، بالرفع، ويروى بالنصب. قوله: ((أو ذات ليلة)) شك من الراوي، وقال بعضهم: الشك من البخاري لأنه أخرجه في صفة إبليس: حتى كان ذات يوم، ولم يشك. قلت: الشك من عيسى بن يونس فإن إسحاق بن راهويه أخرجه في (مسنده) عنه على الشك. قوله: ((لكنه دعا ودعا)) قال الكرماني: لكنه، للاستدراك فما المستدرك منه؟ فأجاب بقوله: إما هو عندي أي: كان عندي، لكن لم يشتغل بي بل بالدعاء، وإما كان يخيل إليه أنه يفعله أي: كان المتخيل في الفعل لا في القول، والعلم إذ كان دعاؤه على الصحيح والقانون المستقيم، ووقع في رواية ابن نمير عند مسلم: فدعا ثم دعا ثم دعا، وهذا هو المعهود منه أنه كان يكرر الدعاء ثلاثاً. قوله: ((أشعرت؟)) أي: أعلمت. قوله: ((أفتاني فيما استفتيته)) أي: أجابني فيما دعوته، وفي رواية الحميدي: ((أفتاني في أمر استفتيته فيه))، ووقع في رواية عمرة عن عائشة: ((إن الله أنبأني بمرضي)). قوله: ((أتاني رجلان)) ووقع في رواية أحمد والطبراني كلاهما عن هشام: ((أتاني ملكان))، وسماهما ابن سعد في رواية منقطعة: ((جبرائيل وميكائيل، عليهما السلام. قوله: ((فقعد أحدهما عند رأسي))، الظاهر أن الذي قعد عند رأسه جبريل، عليه الصلاة والسلام، لخصوصيته به *1. قوله: ((فقال أحدهما لصاحبه ما وجع الرجل؟)) روى النسائي من حديث زيد بن أرقم: ((سحر النبي وَل# رجل من اليهود فاشتكى لذلك أياماً، فأتاه جبريل، عليه السلام، فقال: إن رجلاً من اليهود سحرك. عقد لك عقداً في بئر كذا)). فدل هذا على أن المسؤول هو جبريل والسائل ميكائيل، عليهما السلام. قوله: ((ما وجع الرجل؟)) كذا في رواية الأكثرين، وفي رواية ابن عيينة: ((ما بال الرجل؟)) وفي حديث ابن عباس عند البيهقي: ما نرى فيه. فإن قلت: هذا السؤال والجواب: هل كانا والنبي وَ ر نائم أو في اليقظة؟ قلت: قيل كان ذلك في المنام: إذ لو جاء إليه وهو يقظان كانا يخاطبانه، وهو يسمع، وأطلق في رواية عمرة عن عائشة أنه كان نائماً، ووقع عند ابن سعد من حديث ابن عباس بسند ضعيف جداً، فهبط عليه ملكان وهو بين النائم واليقظان، وعلى كل حال رؤيا ٤١٧ ٧٦ - كِتَابُ الطّب / باب (٤٧) الأنبياء، عليهم السلام، وحي. قوله: ((مطبوب)) أي: مسحور، يقال: طب الرجل بالضم إذا سحر، فقال: كنوا عن السحر بالطب تفاؤلاً، كما قالوا للديغ: سليم، وقال ابن الأنباري الطب من الأضداد، يقال لعلاج الداء: طب، والسحر من الداء، فيقال له: طب. قوله: ((في مشط ومشاطة)) المشط بضم الميم وسكون الشين وبضمها ويكسر الميم وإسكان الشين، وأنكر أبو زيد كسر الميم وأثبته أبو عبيد، وهو الآلة المعروفة التي يسرح بها الرأس واللحية، والمشط العظم العريض في الكتف وسلاميات القدم ونبت صغير يقال له مشط الذئب، وقال القرطبي: يحتمل أن يكون الذي سحر فيه النبي أحد هذه الأربعة. قلت: المشهور هو الأول والمشاطة بضم الميم وتخفيف الشين المعجمة ما يخرج من الشعر عند التسريح، وفيه خلاف يأتي في آخر الباب. قوله: ((وجف طلع نخلة ذكر)) بإضافة جف إلى طلع، وإضافة طلع إلى نخلة، ويروى: طلعة نخلة، وقال الكرماني: التاء في طلعة ونخلة للفرق بين الجنس ومفرده، كتمر وتمرة، وقال عياض: وقع للجرجاني في البخاري، وللعذري في مسلم: جف، بالفاء ولغيرهما بالباء الموحدة، وفي رواية عيسى بن يونس هنا بالفاء، وللكشميهني ولغيره بالباء الموحدة، وفي روايته في بدء الخلق بالفاء للجميع، وفي رواية أبي أسامة للمستملي بالباء الموحدة، وللكشميهني بالفاء، وفي رواية أبي ضمرة في الدعوات بالفاء للجميع، وهو بضم الجيم وتشديد الفاء وعاء طلع النخل: وهو الغشاء الذي يكون عليه. وذكر القرطبي: الذي هو بالفاء وعاء الطلع مثل ما ذكرنا، وبالباء الموحدة داخل الطلعة إذا خرج منها الكفري، قاله شمر، ويطلق الجف على الذكر والأنثى فلذلك وصفه بقوله ((ذكر)) و((الطلع)) ما يطلع من النخل وهو الكمء قبل أن ينشق، ويقال: ما يبدو من الكمء طلع أيضاً وهو شيء أبيض يشبه بلونه الإنسان وبرائحته المني. قاله في (المغرب) قوله: ((ذروان)) بفتح الذال المعجمة وسكون الراء، وحكى ابن التين فتحها وأنه قرأه كذلك، قال: ولكنه بالسكون أشبه، وقال صاحب (التوضيح) وفي بعض نسخه: ذي أروان، بفتح الهمزة وسكون الراء وبالواو والنون، وهو بالمدينة في بني زريق، ووقع في (كتاب الدعوات): منه ذروان في بني زريق وعند الأصيلي عن أبي زيد: ذي أوان، بواو من غير راء، قال ابن قرقول: هو وهم إنما: ذو أوان، موضع آخر على ساعة من المدينة وبه بني مسجد الضرار. وفي كتاب البكري: قال القتبي: هي بئر أروان، بالهمزة مكان الذال، وقال الأصمعي: وبعضهم يخطىء ويقول: ذروان. قوله: ((فأتاها)) أي: فأتى البئر رسول الله وَله قوله: ((فجاء)) أي: لما أتاها النبي وَلّ وشاهدها، ثم رجع فجاء إلى عائشة وأخبرها، وفي رواية وهيب: فلما رجع قال: يا عائشة، وفي رواية أبي أسامة: فذهب النبي ◌َّ إلى البئر فنظر إليها ثم رجع إلى عائشة. قوله: ((نقاعة الحناء)) بضم النون وتخفيف القاف، أراد أن ماء هذا البئر لونه كلون الماء الذي ينقع فيه الحناء، يعني: أحمر، والحناء بالمد معروف. وقال القرطبي: كان ماء البئر تغير إما لرداءته وطول إقامته، وإما لما خالطه من الأشياء التي ألقيت في البئر. قوله: ((وكان رؤوس نخلها رؤوس الشياطين)) وفي رواية بدء الخلق كأنه ٤١٨ ٧٦ - كِتَابُ الطَّب / باب (٤٧) رؤوس الشياطين بدون ذكر النخل، شبهها برؤوس الشياطين في وحاشة منظرها وسماجة شكلها، وهو مثل في استقباح الصورة، قال الفراء: فيه ثلاثة أوجه. أحدها: أن يشبه طلعها في قبحه برؤوس الشياطين لأنها موصوفة بالقبح. الثاني: أن العرب تسمي بعض الحيات شيطاناً. الثالث: نبت قبيح يسمى رؤوس الشياطين، قيل إنه يوجد باليمين. فإن قلت: كيف شبهه بها ونحن لم نرها؟ قلت: على قول من قال: هي نبت أو حيات، ظاهر. وعلى القول الثالث: إن المقصود ما وقع عليه التعارف من المعاني، فإذا قيل: فلان شيطان، فقد علم أن المعنى خبيث قبيح، والعرب إذا قبحت مذكراً شبهته بالشيطان، وإذا قبحت مؤنثاً شبهته بالغول، ولم ترها. والشيطان نونه أصلية ويقال: زائدة. قوله: ((قلت: يا رسول الله)) القائلة هي عائشة، ويروى: أفلا استخرجته. قوله: ((قد عافاني الله)) يحتمل معنيين: أحدهما: لما عافاني الله من مرض السحر فلا حاجة إلى استخراجه، والآخر: عافاني الله من الاشتغال باستخراج ذلك، لأن فيه تهييج الشر، وما أنا بفاعل لذلك. قوله: ((أن أثور)) بفتح الثاء المثلثة وتشديد الواو، ويروى: أن أثير، من الإثارة، وكلاهما بمعنى واحد. قوله: ((شراً)) منصوب لأنه مفعول: أثور، وفي رواية الكشميهني سوء وهو تعليم المنافقين السحر من ذلك ويؤذون المسلمين به، وهذا من باب ترك مفسدة لخوف مفسدة أعظم منها، ووقع في رواية ابن عيينة أنه استخرجه، وأن سؤال عائشة إنما وقع عن النشر فأجابها بلا، وفي رواية عمرة عن عائشة: فنزل رجل فاستخرجه، وفيه من الزيادة أنه وجد في الطلعة تمثالاً من شمع، تمثال رسول الله وَ ﴿، وإذا فيه إبر مغروزة وإذا وتر فيه إحدى عشرة عقدة، فنزل جبريل، عليه السلام، بالمعوذتين، وكلما قرأ آية انحلت عقدة، وكلما نزع إبرة وجد لها ألماً، ثم يجد بعدها راحة. وقوله: ((على الناس)) فيه تعميم ووقع في رواية ابن نمير: على أمتي، وهو أيضاً قابل للتعميم، لأن الأمة تطلق على أمة الإجابة، وأمة الدعوة، وعلى ما هو أعم، وهو يرد على من زعم: أن المراد بالناس هنا لبيد بن الأعصم، لأنه كان منافقاً فأراد و # أن لا يثير عليه شراً، لأنه كان يؤثر الإغضاء عمن يظهر الإسلام ولو صدر منه ما صدر، ووقع في حديث عمرة عن عائشة: فقيل: يا رسول الله! لو قتلته. قال: ما وراءه من عذاب الله أشد، وفي رواية عمرة: فأخذه النبي وَّ فاعترف فعفا عنه، وقد تقدم في كتاب الجزية قول ابن شهاب: إن النبي وَّر لم يقتله. وأخرج ابن سعد من مرسل عكرمة: أنه لم يقتله، ونقل عن الواقدي أن ذلك أصح من رواية من قال: إنه قتله. قوله: ((فأمر بها)) - أي: بالبئر - ((فدفنت)). تَابَعَهُ أَبُو أُسَامَةَ وأَبُو ضَمِرَةَ وابنُ أبي الزناد عنْ هِشامٍ . أي: تابع عيسى بن يونس هؤلاء الثلاثة في روايتهم عن هشام بن عروة. الأول: أبو أسامة حماد بن أسامة ويأتي موصولاً بعد بابين، وهو: باب السحر، فإنه أخرجه هناك عن عبيد بن إسماعيل عن هشام إلى آخره. الثاني: أبو ضمرة، بفتح الضاد المعجمة وإسكان الميم وبالراء: أنس بن عياض الليثي المدني، وسيأتي موصولاً في كتاب الدعوات إن شاء ٠ ٤١٩ ٧٦ - كِتَابُ الطَّب / باب (٤٨) الله تعالى. الثالث: ابن أبي الزناد، بالزاي والنون عبد الرحمن بن عبد الله بن ذكوان مفتي بغداد . وقال اللَّيْثُ وابنُ عُيَيْنَةَ عنْ هِشامٍ: في مُشْطٍ ومُشاقَّةٍ. أي: قال الليث بن سعد وسفيان بن عيينة في روايتهما عن هشام بن عروة: في مشط ومشاقة، بضم الميم وتخفيف الشين المعجمة وبالقاف، قال الكرماني: ما يغزل من الكتان. قلت: المشاقة ما يتقطع من الكتان عند تخليصه وتسريحه، وقيل: المشاقة هي المشاطة بعينها، والقاف بدل من الطاء لقرب المخرج، وفيه نظر. ويُقالُ: المُشاطَةُ ما يخْرُجُ مِنَ الشَّعَرِ إذا مُشِطَ، والمُشاقَةُ مِنْ مُشاقَةِ الكَتَانِ. وهي رواية أبي ذر قوله: ((مشط)) على صيغة المجهول. قوله: ((والمشاقة من مشاقة الكتان)»، والصواب: المشاقة من الكتان، إلاَّ إذا فتح الميم من مشاقة الكتان، ويكون معنى المشاقة من: مشق الكتان، وهو تخليص الكتان منه. ٤٨ - بابٌ الشِّرْكُ والسَّخْرُ مِنَ المُوبقاتِ أي: هذا باب في بيان أن الشرك بالله والسحر من الموبقات أي: المهلكات، وهو جمع موبقة، من أوبق يقال: وبق يبق من باب ضرب يضرب، ووبق يوبق من باب علم إذا هلك، وأوبقه غيره فهو موبق بفتح الباء، والفاعل موبق بكسرها، وهذا الباب لم يذكره ابن بطال وغيره، وحذف الحديث أيضاً لكونه سلف في الوصايا. ٥٧٦٤/٧٨ - حدّثني عبْدُ العَزِيزِ بنُ عبدِ الله، قال: حدّثني سُلَيْمانُ عنْ ثَوْرِ بنِ زَيْدٍ عنْ أبي الغيْثِ عنْ أبي هُرَيْرَةً، رضي الله عنه، أن رسولَ اللهِوَّه قال: ((اجْتَنِبُوا الْمُوبِقَاتِ الشّرْكُ بالله والسِّخْرُ)). [انظر الحديث: ٢٧٦٦ وطرفه]. مطابقته للترجمة ظاهرة وعبد العزيز بن عبد الله بن يحيى الأويسي المدني، وسليمان هو ابن بلال، وثور بلفظ الحيوان المشهور ابن زيد الدئلي المدني، وأبو الغيث بفتح الغين المعجمة وسكون الياء آخر الحروف وبالثاء المثلثة سالم مولى عبد الله بن مطيع، وهكذا أورد الحديث مختصراً، وقد تقدم في كتاب الوصايا في: باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اَلْيَتَى خُلِلْمًا﴾ [النساء: ١٠] الآية فإنه أخرجه هناك بكماله بعين هذا الإسناد عن عبد العزيز بن عبد الله عن سليمان الخ ... قال بعضهم: النكتة في اقتصاره على اثنتين من السبع هنا الرمز إلى تأكيد أمر السحر، وظن بعض الناس أن هذا القدر جملة الحديث، فقال: ذكر الموبقات وهو صيغة جمع وفسرها باثنتين فقط، وهو من قبيل قوله تعالى: ﴿فِيهِ ءَايَكُ بَيْنَكُ مَّقَامُ إِبْرَهِيمٌ وَمَن دَخَلَمُ كَانَ مَامِنَا﴾ [آل عمران: ٩٧] فاقتصر على اثنتين فقط، فهذا على أحد الأقوال في الآية ولكن ليس الحديث كذلك فإنه في الأصل: سبعة، حذف منها البخاري خمسة، وليس شأن الآية كذلك انتهى. قلت: النكتة في اقتصاره على اثنتين من ٤٢٠ ٧٦ - كِتَابُ الطِّب / باب (٤٩) السبع هنا الرمز إلى تأكيد أمر السحر كلام واهٍ جداً، لأنه لو ذكر الحديث كله مع وضع الترجمة المذكورة له لما كان فيه رمز إلى تأكيد أمر السحر. قوله: ((وظن بعض الناس ... )) الخ أراد به الكرماني، ولكن الذي ذكره تقول على الكرماني فإنه لم يقل إن هذا القدر جملة الحديث بل صرح بقوله: هذا الذي في الكتاب مختصر من مطول، ولهذا ذكر الاثنتين فقط. وقوله: وليس شأن الآية كذلك، كلام مردود، وكيف لا يكون كذلك فإنه ذكر فيه أولاً. ﴿فِيهِ مَايَتُ بَيْنَكٌ﴾ فهذا يتناول العدد الكثير ثم ذكر منه اثنين فقط، وهما: مقام إبراهيم بَلٍ. وقوله: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ ءَامِنًا﴾ وقد ذكر الزمخشري فيه وجوهاً كثيرة، فمن أراد الوقوف عليه فليرجع إليه. قوله: ((الشرك بالله والسحر)) قال ابن مالك: يجوز الرفع فيهما على تقدير: منهن. قلت: الأحسن أن يقال: إن التقدير الأول: الشرك بالله والثاني السحر، وكذلك يقدر في البواقي هكذا فيكون وجه الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف. ٤٩ - بابٌ هَلْ يَسْتَخْرِجُ السِّخْرَ أي: هذا باب في بيان: هل يستخرج السحر، إنما ذكره بحرف الاستفهام إشارة إلى الاختلاف فيه . وقال قتادَةُ: قُلْتُ لِسَعِيد بنِ المُسَيَّبِ: رجُلٌ بِهِ طِبٍّ، أَوْ يُؤَخِذُ عن امْرَأْتِهِ - أَيُحَلُّ عَنْهُ أوْ يُتَشَّرُ؟ قال: لا بأسَ بِهِ، إنَّما يُرِيدُونَ بِهِ الإصلاحَ، فأما ما يَنْفَعُ فَلَمْ يُتْهَ عَنْهُ. لما ذكر الترجمة بالاستفهام أورد الذي روى عن قتادة إشارة إلى ترجيح جواز استخراج السحر وعلقه عن قتادة، ووصله أبو بكر الأثرم في (كتاب السنن) من طريق أبان العطار مثله. قوله: ((به طب)) بكسر الطاء وتشديد الباء أي: سحر. قوله: ((أو يؤخذ)) بضم الياء آخر الحروف وفتح الهمزة على الواو وتشديد الخاء المعجمة وبالذال المعجمة أي: يحبس الرجل عن مباشرة امرأته ولا يصل إلى جماعها، وهذا هو المشهور بعقد الرجل، وقال الجوهري: الأخذة بالضم الرقية كالسحر، أو حرزة يؤخذ بها الرجال عن النساء من التأخيذ. قوله: ((أيحل؟)) بهمزة الاستفهام على صيغة المجهول. قوله: ((أو ينشر؟)) بضم الياء آخر الحروف وفتح النون وتشديد الشين المعجمة وبالراء على صيغة المجهول أيضاً: من التنشير من النشرة، بضم النون وسكون الشين وهي كالتعويذ والرقية يعالج به المجنون ينشر عنه تنشيراً، وكلمة: أو، يحتمل أن تكون شكاً وأن تكون تنوعاً شبيهاً باللف والنشر، بأن يكون الحل في مقابلة الطب والتنشير في مقابلة التأخيذ. قوله: ((فأما)) ما ينفع، ويروى: ما ينفع الناس فلم ينه عنه على صيغة المجهول. ٧٩/ ٥٧٦٥ - حدّثني عبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قال: سَمِعْتُ ابنَ عُيَيْنَةَ، يَقُولُ: أوَّلُ مَنْ حَدَّثنا بِهِ ابْنُ جُرَيْجِ يَقُولُ: حَدَّثَني آلُ عُزْوَةَ عنْ عُزْوَةَ، فَسَألْتُ هِشاماً عَنْهُ فَحَدَّثَنَا عِنْ أبيهِ عِنْ عائِشَةَ - رضي الله عنها، قالَتْ: كان رسولُ اللهِ وَّهِ سُجِرَ حتَّى كان يَرَى أَنَّهُ يَأْتِي النّساءَ ولا يَأْتِيهِنَّ، قال سفيانُ: وهذَا أشَدُّ ما يَكُونُ مِنَ السِّخْرِ إذا كانَ كَذَا، فقال: (يا عائِشَةُ!