النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
٧٠ - كتابُ الأَطْعِمَةِ / باب (١)
والحديث مضى في النكاح في: باب حق إجابة الوليمة، ولفظه: فكوا العاني وأجيبوا
الداعي وعودوا المريض، ومضى أيضاً في الجهاد في: باب فكاك الأسير، ولفظه: فكوا
العاني، يعني: الأسير، وأطعموا الجائع، وعودوا المريض.
قوله: ((فكوا)) من فككت الشيء فانفك. قوله: (العاني)) من عنا يعنو فهو عان،
والمرأة عانية، والجمع: عوان، وكل من ذل واستكان فقد عنا.
٥٣٧٤/٢ - حدَّثنا يُوسُفُ بنُ عَيسى، حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ فُضَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أبِي
حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ، وَّهِ، مِنْ طَعَامِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ حَتَّى قُبِضَ.
مطابقته للترجمة ظاهرة. ويوسف بن عيسى أيو يعقوب المروزي، ومحمد بن فضيل
- مصغر فضل - بالمعجمة يروي عن أبيه فضيل بن غزوان بن جرير، وأبو الفضيل الكوفي
يروي عن أبي حازم سلمان الأشجعي.
والحديث من أفراده.
قوله: ((ما شبع آل محمد))، آل النبي، وَر، أهله الأدنون وعشيرته الأقربون.
قوله: (ثلاثة أيام))، أي: متواليات، وفي رواية مسلم: ثلاث ليال، ويؤخذ منه أن المراد
بالأيام هنا بلياليها كما أن المراد بالليالي هناك بأيامها وفي رواية لمسلم والترمذي، من
طريق الأسود عن عائشة: ما شبع من خبز شعير يومين متتابعين. قال بعضهم: والذي يظهر
أن سبب عدم شبعهم غالباً كان بسبب قلة الشيء عندهم. قلت: لم يكن ذلك إلاَّ لإيثارهم
الغير، أو لأن الشبع مذموم، وأجمعت العرب كما قال فضيل بن عياض على أن الشبع من
الطعام مذموم ولؤم، ونص الشافعي، رحمه الله تعالى، على أن الجوع يذكي، وروى عن
حذيفة مرفوعاً: من قلَّ طعمه صح بطنه وصفا قلبه، ومن كثر طعمه سقم بطنه وقسا قلبه،
وروي: لا تميتوا القلوب بكثرة الطعام والشراب فإن القلب ثمرة كالزرع إذا كثر عليه الماء
انتهى، وروى الزمخشري في (ربيع الأبرار) من حديث المقدام بن معد يكرب مرفوعاً: ما
ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطنه، فحسب الرجل من طعامه ما أقام صلبه.
٥٣٧٥ - وَعَنْ أبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَصَابَنِي جَهْدٌ شَدِيدٌ، فَلَقِيتُ عُمَرُ بنُ
الخَطَابِ، فَاسْتَقْرَأْتُهُ آيَةً مِنْ كِتَابِ الله، فَدَخَلَ دَارَهُ وَفَتَحَهَا عَليَّ، فَمَشَيْتُ غَيْرَ بَعِيدٍ فَخَرَرْتُ
لِوَجْهِي مِنَ الجَهْدِ وَالجُوعِ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ، وَِّ، قَائِمٌ عَلَى رأسِي، فَقَال: ((يَا أبا هُرَيْرَةَ؟))
فَقُلْتُ: لَبَيْكَ رَسُولَ الله وَّسَعْدَيْكَ، فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَقَامَنُي وَعَرَفَ الَّذِي بِي، فَانْطَلَقَ بِي إِلَى
رَخْلِهِ، فَأَمَرَ لِي بِعُسِّ مِنْ لَبَنٍ فَشَرِبْتُ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: ((عُذْ فَاشْرَبْ يَا أَبَا هرِّ)، فَعُدْتُ.
فَشَرِبْتُ ثُمَّ قَالَ: ((عُذْ))، فَعُدْتُ فَشَرِبْتُ حَتَّى اسْتَوَى بَطْنِي فَصَارَ كَالقِدْحِ قَالَ: فَلَقِيتُ عُمَرَ
وَذَكَّرْتُ لهُ الَّذِي كَانَ مِنْ أمْرِي وَقُلَّتُ لهُ: تَوَلَّى الله تعالى ذُلِكَ مَنْ كَانَ أَحَقَّ بِهِ مِنْكَ يَا
عُمَّرُ، وَالله لَقَدِ اسْتَقَرَأَتَكَ الآيَّةَ وَلأَنَا أَقْرَأُ لَهَا مِنْكَ، قَالَ عُمَرُ: وَالله لأنْ أَكُونَ أَدْخَلْتُكَ أَحَبُّ
إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي مِثْلُ حُمْرِ النَّعَمِ. [الحديث ٥٣٧٥ - أطرافه في ٦٢٤٦، ٦٤٥٢].

٤٢
٧٠ - كتابُ الأَطْعِمَةِ / باب (١)
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((فأمر لي بعس من لبن فشربت منه)) قوله: ((وعن أبي
حازم))، موصول بالإسناد المتقدم، وقد أخرجه أبو يعلى عن عبد الله بن عمر بن أبان عن
محمد بن فضيل: بسند البخاري فيه. قوله: ((جهد)) الجهد بالضم الطاقة وبالفتح الغاية
والمشقة، والمراد به هنا الجوع الشديد. قوله: ((فاستقرأته)) أي: سألته أن يقرأ علي آية من
القرآن معينة على طريق الاستفادة، وفي كثير من النسخ: فاستقريته بغير همز وهو جائز لأنه
تسهيل. قوله: ((وفتحها علي)) أي: أقرأنيها، وفي (الحلية) لأبي نعيم في ترجمة، أبي هريرة
من وجه آخر عنه، أن الآية المذكورة من آل عمران. وفيه: أقرأني وأنا لا أريد القراءة. إنما
أريد الإطعام فلم يفطن عمر مراده. قوله: ((فخررت لوجهي) ويروى: على وجهي،
أي: سقطت من خر يخر بالضم والكسر إذا سقط من علو. وفي (الحلية) وكان يومئذ
صائماً. قوله: ((فإذا)) كلمة مفاجأة. قوله: ((إلى رحله) أي: إلى مسكنه. قوله: ((بعس)) بضم
العين وتشديد السين المهملة وهو القدح العظيم. قوله: ((حتى استوى بطني)) أي: حتى
استقام لامتلائه من اللبن. قوله: ((كالقدح)) بكسر القاف وسكون الدال المهملة وهو السهم
الذي لا ريش له. قوله: ((تولى الله تعالى)) من التولية والفاعل هو الله ومن مفعول ویروی:
تولى ذلك أي: باشره من إشباعي ودفع الجوع عني رسول الله وَظاهر. قوله: ((ولانا)) اللام فيه
للتأكيد وهو مبتدأ وقوله: ((واقرأ لها)) خبره أي: للآية التي فتحها عليه عمر، واقرأ أفعل
التفضيل. قال بعضهم: فيه إشعار بأن عمر، رضي الله تعالى عنه، لما قرأها عليه توقف
فيها أو في شيء منها حتى ساغ لأبي هريرة ما قال: ولذلك أقره عمر عليه قلت ليس كذلك
وإنما قال ذلك عتباً على عمر حيث لم يفطن حاله ولم يكن قصده الاستقراء بل كان قصده
أن يطعمه شيئاً، ويوضح هذا ما روي عن أبي هريرة أنه قال: والله ما استقرأته الآية، وأنا
أقرأ بها منه إلاّ طمعاً في أن يذهب بي ويطعمني، وأما قوله: ولذلك أقره عمر عليه فإنما
معناه أنه من استحيائه منه حيث لم يطعمه سكت عنه ولم ينكر عليه وفي الذي قاله هذا
القائل نوع نقص في حق عمر، على ما لا يخفى. قوله: ((لأن أكون)) اللام فيه مفتوحة
للتأكيد. قوله: ((أدخلتك أحب إليَّ من حمر النعم)) أراد به أن ضيافتك كانت عندي أحب
إليّ من حمر النعم أي: النعم أي: الحمر الإبل، وهو أشرف أموال العرب، ولفظ:
أحب، أفعل التفضيل بمعنى المفعول، وهذا حث من عمر وحرص على فعل الخير
والمواساة.
وفي الحديث: التعريض بالمسألة والاستحياء. وفيه: ذكر الرجل ما كان أصابه من
الجهد. وفيه: إباحة الشبع عند الجوع. وفيه: ما كان السلف عليه من الصبر على القلة
وشظف العيش والرضا باليسير من الدنيا. وفيه: ستر الرجل خيلة أخيه المؤمن إذا علم منه
حاجة من غير أن يسأله ذلك. وفيه: أنه كان من عادتهم إذا استقرأ أحدهم صاحب القرآن
يحمله إلى بيته ويطعمه ما تيسر عنده، والله أعلم.

٤٣
٧٠ - كتابُ الأَطْعِمَةِ / باب (٢)
٢ - بَابُ: التسْمِيَةِ عَلَى الطَّعامِ وَالأكْلِ بِالْيَمِينِ
أي: هذا باب في بيان التسمية على الطعام، أي: القول باسم الله في ابتداء الأكل
وأصرح ما ورد في صفة التسمية ما رواه أبو داود والترمذي من طريق أم كلثوم عن عائشة،
رضي الله تعالى عنها مرفوعاً إذا أكل أحدكم الطعام فليقل: بسم الله فإن نسي في أوله فليقل
بسم الله أوله وآخره، والأمر بالتسمية عند الأكل محمول على الندب عند الجمهور، وحمله
بعضهم على الوجوب لظاهر الأمر، وقال النووي: استحباب التسمية في ابتداء الطعام
مجمع عليه، وكذا يستحب حمد الله في آخره. قال العلماء: يستحب أن يجهر بالتسمية
لينبه غيره فإن تركها عامداً أو ناسياً أو جاهلاً أو مكرهاً أو عاجزاً لعارض ثم تمكن في أثناء
أكله يستحب له أن يسمي، وتحصل التسمية بقوله: بسم الله فإن اتبعها بالرحمن الرحيم كان
حسناً، ويسمى كل واحد من الآكلين. وقال الشافعي، فإن سمى واحد منهم حصلت
التسمية. قوله: ((والأكل باليمين)) بالجر عطف على التسمية أي: وفي بيان الأكل باليمين،
ويأتي عن قريب في حديث عمر بن أبي سلمة: يا غلام سم الله وكلَّ بيمينك وكل مما
يليك، وقال شيخنا زين الدين: الأمر بالأكل مما يليه والأكل باليمين حمله أكثر أصحابنا
على الندب، وبه صرح الغزالي والنووي، وقد نص الشافعي في (الأم) على وجوبه، وزعم
القرطبي أن الأكل باليمين محمول على الندب، ولأنه من باب تشريف اليمين، ولأنها أقوى
في الأعمال وأسبق وأمكن ولأنها مشتقة من اليمن والبركة وفي حديث أبي داود: يجعل
يمينه لطعامه وشرابه وشماله لما سوى ذلك، فإن احتيج إلى الاستعانة بالشمال فبحكم
التبعية، وذكر القرطبي أن الأكل مما يلي الآكل سنة متفق عليها وخلافها مكروه شديد
الاستقباح إذا كان الطعام واحداً.
٥٣٧٦/٣ - حدَّثنا عَلِيُّ بِنُ عَبْدِ الله، أخْبَرَنا سُفْيَانُ قَالَ: الوَلِيدُ بنُ كَثِيرٍ: أخْبَرَنِي
أَنَّهُ سَمِعَ وَهْبَ بنَ كَيْسَانَ أنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بنَ أبِي سَلَمَةَ يَقُولُ: كُنْتُ غُلاماً في حَجْرِ رَسُولٍ
اللهِ وَ﴿ُ، وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَله: ((يَا غُلامُ سَمِّ الله، وَكُلْ
بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ))، فَمَا زَالَتْ تِلْكَ طَعْمَتِي بَعْدُ. [الحديث ٥٣٧٦ - أطرافه في ٥٣٧٧،
٥٣٧٨].
مطابقته للجزء الثاني للترجمة. وهو قوله: ((والأكل باليمين))، وعلي بن عبد الله هو
ابن المديني، وسفيان هو ابن عيينة.
قوله: ((قال: الوليد بن كثير)) بالثاء المثلثة المخزومي القرشي من أهل المدينة
((أخبرني أنه)) أي: أن الوليد سمع وهب بن كيسان مولى عبد الله بن الزبير بن العوام،
وهكذا وقع أخبرنا سفيان قال: الوليد بن كثير أخبرني أنه سمع وهب بن كيسان، وآخر
لفظه: أخبرني، وزاد لفظ: قال: وهذا التصرف من الراوي جائز وقد أخرجه الحميدي في
(مسنده) وأبو نعيم في (المستخرج) من طريقه عن سفيان. قال: حدثنا الوليد بن كثير إلى

٤٤
٧٠ - كتابُ الأَطْعِمَةِ / باب (٢)
آخره، وعمر بن أبي سلمة بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، واسم
أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد وأمه برة بنت عبد المطلب بن هاشم وأم عمر المذكور
هي أم سلمة زوج النبي ◌َّ ه وهو ربيب رسول الله ◌َيَّار. وله أحاديث توجب له فضل
الصحبة مع رسول الله وَّر وطال عمره.
قوله: «کنت غلاماً» أي: دون البلوغ، يقال للصبي من حیث یولد إلی أن یبلغ غلام،
وقد ذكر ابن عبد البر أنه ولد في السنة الثانية من الهجرة بأرض الحبشة وتبعه غير واحد،
قيل: فيه نظر بل الصواب أنه ولد قبل ذلك، فقد صح في حديث عبد الله بن الزبير أنه
قال: كنت أنا وعمر بن أبي سلمة مع النسوة يوم الخندق، وكان أكبر مني بسنتين، ومولد
ابن الزبير في السنة الأولى على الصحيح، فيكون مولد عمر قبل الهجرة بسنتين انتهى.
قلت: في نظر هذا القائل نظر، لأن ابن عبد البر ذكر: قيل: إن عمر كان يوم قبض رسول
الله ◌َّ ابن تسع سنين، فافهم. قوله: ((في حجر رسول الله (وَ(98)، ضبطه بعضهم بفتح
الحاء وسكون الجيم، أي: في تربيته وتحت نظره، وأنه يربيه في حضنه تربية الولد واقتصر
عليه، وقال الكرماني: في حجره بفتح المهملة وكسرها وهو الصواب بل الأصوب بالكسر
على ما نقول، وقال عياض: الحجر يطلق على الحضن وعلى الثوب فيجوز فيه الفتح
والكسر، وإذا أريد به الحضانة فبالفتح لا غير، وإن أريد به المنع من التصرف فبالفتح في
المصدر وبالكسر في الاسم لا غير، وفي (المغرب) حجر الإنسان بالفتح والكسر: حضنه،
وهو ما دون إبطه إلى الكشح ثم قالوا: فلان في حجر فلان أي: في كنفه ومنعته، ومنه
قوله تعالى: ﴿وَرَبَيْبُكُمُ الَّتِى فِ حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]؛ قوله: ((وكانت يدي تطيش))،
بالطاء المهملة والشين المعجمة أي: تتحرك حوالي الصحفة ولا تقتصر على موضع واحد،
وقال: الطيبي: والأصل: أطيش بيدي فأسند الطيش إلى يده مبالغة، والصحفة ما يشبع
خمسة، والقصعة ما يشبع عشرة. قوله: ((فما زالت تلك طعمتي بعد)) أشار بقوله: ((تلك))
إلى جميع ما ذكر من الابتداء بالتسمية والأكل باليمين والأكل مما يليه. قوله: ((طعمتي))
بكسر الطاء وهذه الصيغة للنوع وأراد أن أكله كان بعد ذلك على هذا النوع المذكور الذي
أشار إليه بقوله: تلك، وقال الكرماني: ويروى بضم الطاء، والطعمة بالضم بمعنى الأكلة،
يقال: طعم طعمة إذا أكل أكلة. قوله: ((بعد))، مبني على الضم أي: بعد ذلك، فلما حذف
المضاف إليه بنى على الضم.
وقد ذكرنا عن قريب أن الأمر بالتسمية محمول على الندب عند الجمهور، وأما الأكل
باليمين فقد ذهب بعضهم إلى أنه واجب لظاهر الأمر ولورود الوعيد في الأكل بالشمال ففي
(صحيح مسلم) من حديث سلمة بن الأكوع: أن النبي وَّ رأى رجلاً يأكل بشماله. فقال:
((كل بيمينك. قال: لا أستطيع)). فما منعه إلاَّ الكبر. ((فقال: لا استطعت فما رفعها إلى فيه
بعد)). وروى أحمد بسند حسن عن عائشة رفعته: ((من أكل بشماله أكل معه الشيطان»،
وروى مسلم من حديث جابر عن رسول الله وَ طير قال: ((لا تأكلوا بالشمال فإن الشيطان يأكل

٤٥
٧٠ - كتابُ الأَطْعِمَةِ / باب (٣)
بالشمال)»، وقال الطيبي: معنى قوله: إن الشيطان يأكل بشماله، أي: يحمل أولياءه من
الإنس على ذلك ليضار به عباد الله الصالحين، وقال بعضهم: فيه عدول عن الظاهر
والأولى حمل الخبر على ظاهره، وأن الشيطان يأكل حقيقة لأن العقل لا يحيل ذلك، وقد
ثبت الخبر به فلا يحتاج إلى تأويله. قلت: للناس فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن صنفاً منهم
يأكلون ويشربون. والثاني: أن صنفاً منه لا يأكلون ولا يشربون. والثالث: أن جميعهم
يأكلون ولا يشربون. وهذا قول ساقط. وروى أبو عمر بإسناده عن وهب بن منبه. بقوله:
وسئل عن الجن ما هم؟ وهل يأكلون ويشربون ويتناكحون ويموتون. فقال: هم أجناس،
فأما خالص الجن فهم ريح لا يأكلون ولا يشربون ولا يتوالدون، ومنهم أجناس يأكلون
ويشربون ويتوالدون ويتناكحون، منهم السعالي والغول والقطرب وغير ذلك، والذين
يقولون: هم يأكلون ويشربون اختلفوا على قولين: أحدهما: أن أكلهم وشربهم تشمم
واسترواح لا مضغ وبلع، وهذا قول لم يرد عليه الدليل، والآخر: أن أكلهم وشربهم مضغ
وبلع، هذا القول الذي تشهد له الأحاديث الصحيحة.
٣ - بَابُ: الأْلِ مِمَّا يَلِيهِ
أي: هذا باب في بيان سنية الأكل مما يليه، وليس في بعض النسخ لفظ: باب.
وَقَالَ أَنَسٌ: قَالَ النِبِيُّ نَّهِ: (اذْكُرُوا اسْمَ الله، وَلْيَأْكُلْ كُلُّ رَجُلٍ مِمَّا يَلِيهِ)).
هذا تعليق أسنده ابن أبي عاصم في الأطعمة له: حدثنا هدبة حدثنا مبارك حدثنا بكر
وثابت عن أنس به وأصله في (الصحيحين).
٤/ ٥٣٧٧ - حدَّثني عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله قَالَ: حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ عَنْ
مُحَمَّدٍ بِنِ عَمْروٍ بِنِ حَلْحَلَةَ الدِّيلِيِّ عَنْ وَهْبٍ بنِ كَيْسَانَ أَبِي نُعَيْمِ عَنْ عُمَرَ بنِ أبِي سَلَّمَةَ،
وَهُوَ ابْنُ أَمْ سَلَمَةَ زَوْجِ النبيِّ، وَّهَ، قَالَ: أَكَّلْتُ يَوْماً مَعَ رَسُولِ اللهِ وَ طعاماً فَجَعَلْتُ آكُلُ
مِنْ نَوَاحِي الصَّخْفَةِ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وََّ: ((كُلْ مِمَّا يَلِيكَ)). [انظر الحديث ٥٣٧٦ وطرفه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، وهذا طريق آخر لحديث عمر بن أبي سلمة المذكور في الباب
الذي قبله .
وأخرجه مسلم أيضاً من حديث محمد بن جعفر عن محمد بن عمرو بن حلحلة عن
وهب بن كيسان عن عمر بن أبي سلمة. قال: أكلت يوماً مع رسول الله مح له فجعلت آخذ
من لحم حول الصحفة. فقال رسول الله ◌َّطاهر: كل مما يليك.
٥٣٧٨/٥ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ، أخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ وَهْبٍ بِنِ كَيْسَانَ أبِي
نُعَيْم: قَالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ بِطَعامٍ، وَمَعَهُ رَبِيبُهُ عُمَرُ بنُ أَبِي سَلَمَةَ، فَقَالَ: ((سَمِّ الله،
وَكُلّ مِمَّا يَلِيكَ)). [انظر الحديث ٥٣٧٦ وطرفه].
هذا مرسل، كذا رواه أصحاب مالك في (الموطأ) عنه، وقد وصله خالد بن مخلد

٤٦
٧٠ - كتابُ الأَطْعِمَةِ / باب (٤)
ويحيى بن صالح الوحاظي، قالا: عن مالك عن وهب بن كيسان عن عمر بن أبي سلمة.
فإن قلت: روى إسحاق بن إبراهيم الحنينى فقال: عن مالك عن وهب بن كيسان عن
جابر؟ قلت: هذا منكر، وإسحاق ضعيف فإن قلت: فكيف استجاز البخاري إخراجه
والمحفوظ عن مالك إرساله؟ قلت: لما تبين بالطريق الذي قبله صحة سماع وهب بن
كيسان عن عمر بن أبي سلمة تحقق أنه موصول في الأصل وأن مالكاً قصر بإسناده حيث لم
يصرح بوصله، فاستجاز إخراجه.
٤ - بَابُ: مَنْ تَتَبَّعَ حَوَالِي القَصْعَةِ مَعَ صَاحِبِهِ إِذَا لَمْ يَعْرِفْ مِنْهُ كَرَاهِيَةً
أي: هذا باب في بيان جواز من تتبع حوالي القصعة أي: جوانبها وهو بفتح اللام.
يقال: رأيت الناس حوله وحوليه وحواليه، واللام مفتوحة في الكل، ولا يجوز كسرها.
قوله: ((إذا لم يعرف منه))، أي: من الذي يتتبع حوالي القصعة، أراد أن التتبع المذكور إنما
لا يكره إذا لم يعرف منه كراهية. فإن قلت: هذا يخالف الحديث الذي قبله في الأمر
بالأكل مما يليه؟ قلت: حمل البخاري هنا الجواز على ما إذا علم رضا من يأكل معه. وقال
بعضهم: رمز البخاري بذلكِ إلى تضعيف حديث عكراش الذي أخرجه الترمذي قال:
حدثنا محمد بن بشار حدثنا العلاء بن فضل بن عبد الملك بن أبي سرية أبو الهذيل،
حدثنا عبيد الله بن عكراش عن أبيه عكراش بن ذؤيب قال: بعثني بنو مرة بن عبيد
بصدقات أموالهم إلى رسول الله وَّر، فقدمت المدينة فوجدته جالساً بين المهاجرين
والأنصار. قال: ثم أخذ بيدي فانطلق بي إلى بيت أم سلمة. فقال: هل من طعام؟ فأتتنا
بجفئة كثيرة الثريد والودك. فأقبلنا نأكل منها، فخبطت بيدي في نواحيها وأكل رسول
الله وَ ل من بين يديه، فقبض بيده اليسرى على يدي اليمنى، ثم قال: يا عكراش؟ كل من
موضع واحد، ثم أتتنا بطبق فيه ألوان التمر أو الرطب، شك عبيد الله، فجعلت آكل من
بين يدي، وجالت يد رسول الله وَّهر في الطبق قال: يا عكراش كل من حيث شئت فإنه غير
لون واحد ... الحديث. ثم قال الترمذي: هذا حديث غريب، وقد تفرد العلاء بهذا
الحديث، وقال ابن حبان له صحبة غير أني لست بمعتمد على إسناد خبره، وقال البخاري
في (التاريخ) روى عنه العلاء بن المفضل ولا يثبت، وقال أبو حاتم: مجهول، وقال ابن
حبان: منكر الحديث. قلت: ليت شعري ما دليل هذا القائل على أن البخاري رمز هنا إلى
تضعيف هذا الحديث؟.
٥٣٧٩/٦ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ عَنْ مَالِكِ عَنْ إسْحَاقَ بنِ عَبْدِ الله بنِ أبِي طَلْحَةَ أنَّهُ سَمِعَ
أَنَسَ بنَ مَالِكٍ يَقُولُ: إنَّ خَيَّطاً دَعَا رَسُولَ اللهَِّ، لِطعام صَنَعَهُ. قَالَ أنَسٌ: فَذَهَبْتُ مَعَ
رَسُولِ اللهِ وَ، فَرَأَيْتُهُ يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ مِنْ حَوَالِي القَصْعَةِ، قَالَ: فَلَمْ أزَلْ أحِبُ الدُّبَّاءَ مِنْ
يَوْمَئِذٍ .
[انظر الحديث ٢٠٩٢ وأطرافه].

٤٧
٧٠ - كتابُ الأَطْعِمَةِ / باب (٥ و٦)
مطابقته للترجمة ظاهرة. والحديث مضى في البيوع عن عبد الله بن يوسف، ومضى
الكلام فيه هناك.
قوله: ((الدباء))، بضم الدال المهملة وتشديد الباء الموحدة وبالمد، وحكى القزاز
القصر ووقع للنووي في (شرح المهذب) أنه القرع اليابس، وما ذاك إلاَّ سهو، وواحده دباة
ودبة ودبة تقتضي أن تكون الهمزة زائدة، ويدل عليه أن الهروي أخرجه في باب دبب.
وأخرجه الجوهري على أن همزته منقلبة. قال ابن الأثير: وكأنه أشبه، وقال أيضاً: ووزن
الدباء فعال ولامه همزة لأنه لم يعرف انقلاب لامه عن واو أو ياء قاله الزمخشري.
٥ - بَابُ: التَّيَمُّنِ فِي الأكْلِ وَغَيْرِهِ
أي: هذا باب في بيان سنية التيمن في كل شيء، في الأكل والشرب وغيره.
٧/ ٥٣٨٠ - حدَّثنا عَبْدَانُ، أخْبَرنا عَبْدُ الله، أخبرَنا شُعْبَةُ عَنْ أَشْعَثَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ
مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْها قَالَتْ: كَانَ النبيُّ وَهِ يُحِبُّ النََّمْنَ مَا اسْتَطَاعَ فِي طُهُورِهِ
وَتَنَعُلِهِ وَتَرَجُلِهِ، وَكَانَ قَالَ بِوَاسِطٍ قَبْلَ هُذا، فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ. [انظر الحديث ١٦٨ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة. وعبدان لقب عبد الله بن عثمان بن جبلة المروزي، يروي
عن عبد الله بن المبارك المروزي عن شعبة عن أشعث، بفتح الهمزة وسكون الشين
المعجمة وفتح العين المهملة وبالثاء المثلثة، يروي عن أبيه سليم بضم السين التابعي
الكوفي .
والحديث مر في كتاب الوضوء في باب التيمن في الوضوء والغسل، ومضى الكلام
فيه .
قوله: ((وكان))، أي: شعبة. قال قبله بواسط في الزمان السابق ((في شأنه كله)) أي:
زاد عليه هذه الكلمة. وقال الكرماني: قال بعض المشايخ: القائل بواسط هو أشعث، والله
أعلم .
٦ - بَابُ: مَنْ أَكَلَ حَتَّى شَبِعَ
أي: هذا باب في بيان حال من أكل من الطعام حتى شبع.
٨/ ٥٣٨١ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ، قَالَ: حدَّثني مَالِكٌ عَنْ إسْحاقَ بنِ عَبْدِ الله بنِ أبِي
طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أنَسَ بنَ مَالِكِ يَقُولُ: قَالَ أَبُو طَلْحَةً: لأُمُّ سُلَيْمِ: لَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتَ رَسُولٍ
اللهَ وَّ، ضَعِيفاً أعْرِفُ فِيهِ الجُوعَ، فَهَلْ عِنْدَكِ مِنْ شَيْءٍ؟ فَأَخْرَجَتْ أقْرَاصاً مِنْ شَعِيرٍ، ثُمَّ
أخْرَجَتْ خياراً لَهَا فَلفَّتِ الخُبْزَ بِبَعْضِهِ، ثُمَّ دَسَّتْهُ تَحْتَ ثَوْبِي وَرَدَتْنِي بِبَعْضِهِ، ثُمَّ أَرْسَلَثْنِي
إِلَى رَسُولِ اللهِ نَّهِ، قَالَ: فَذَهَبْتُ بِهِ فَوَجَدْتُ رَسُولَ اللهِ ◌َّ، فِي المَسْجِدِ وَمَعَهُ النَّاسُ،
فَقُمْتُ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((آرْسَلَكَ أَبُو طَلْحَةَ؟)) فَقُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: ((بِطَعامٍ؟))

٤٨
٧٠ - كتابُ الأَطْعِمَةِ / باب (٦)
قَالَ: فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَ لِمَنْ مَعَهُ: ((قَومُوا))، فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ
حَتَّى جِئْتُ أبَا طَلْحَةَ، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: يا أُمُّ سُلَيْم! قَدْ جَاءَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ بِالنَّاسِ، وَلَيْسَ
عِنْدَنَا مِنَ الطّعام مَا نُطْعِمُهُمْ. فَقَالَتْ: الله وَرَسُولَهُ أَعْلَمُ. قَالَ: فَانْطَلَقَ أَبُو طَلْحَةَ حَتَّى لَقِيَ
رَسُولَ اللهِ وََّ،َ فَأَقْبَلَ أَبُو طَلْحَةَ ورسولُ اللهِ وَلَهُ حَتَّى دَخَلا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((هَلُمّي
يَا أُمَّ سُلَيْم مَا عِنْدَكِ؟)) فَأَتَتْ بِذَلِكَ الخُبْزِ، فَأَمَرَ بِهِ فَفُتَّ وَعَصَرَتْ عَلَيْهِ أُمُ سُلَيْمِ عُكَّةً لَهَا
فأدَمَتْهُ، ثُمَّ قَالَ فِيهِ رَسُول الله ◌َِّ، مَا شَاءَ الله أنْ يَقُولَ، ثُمَّ قَالَ: ((اثْذَنْ لِعَشَرَةِ)).َ فَأَذِنَ لَهُمْ
فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا. ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: ((ائْذَنْ لِعَشْرَةِ)). فأذِنَ لَهُمْ فَأْكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ
خَرَجُوا ، ثُمَّ قَالَ: ((ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ) فَأَذِنَ لَهُمْ فَأْكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا. ثُمَّ أذِنَ لِعَشَرَةٍ
فأكَلَ القَوْمُ كُلُّهُمْ وَشَبِعُوا وَالقَوْمُ ثَمَانُونَ رَجُلاً.
[انظر الحديث ٤٢٢ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة. وإسماعيل هو ابن أبي أويس. والحديث مضى في علامات
النبوة بطوله، وفي الصلاة مختصراً عن عبد الله بن يوسف، ومضى الكلام فيه هناك وأبو
طلحة اسمه زيد الأنصاري النجاري، وأم سليم بضم السين اسمها سهلة أو الرميصا زوجة
أبي طلحة أم أنس.
قوله: ((دست))، من دسست الشيء في التراب إذا أخفيته فيه. قوله: ((وردتني)) من
التردية أي: جعلته رداء لي. ((والعكة)) بالضم آنية السمن. قوله: ((وأدمته)) من قولهم: أدم
الخبز يأدمه بالكسر وهو بالمد والقصر لغتان. قوله: ((ائذن)) أي: بالدخول.
٩/ ٥٣٨٢ - حدَّثْنا مُوسَى حدَّثنا مُعْتَمِرٌ عَنْ أبِيهِ قَالَ: وَحَدَّثَ أبُو عُثْمَانَ أيْضاً عَنْ
عَبْدِ الرَّحْمُنِ بنِ أبِي بَكْرٍ، رَضِيَ الله عَنْهُمَا. قَالَ: كُنَّا مَعَ النّبِيِّ نَّهِ: ثَلاثِينَ ومِائَةَ فَقَالَ
النبيُّ ◌َّرَ: ((هَلْ مَعَ أَحَدٍ مِنْكُمْ طَعَامٌ؟)) فَإِذَا مَعَ رَجُلٍ صَاعْ مِنْ طَعَامِ أَوْ نَحْوُهُ. فَعُجِنَ، ثُمَّ
جَاءَ رَجُلٌ مُشْرِكٌ مُشْعانٌ طَوِيلٌ بِغَنَمِ يَسُوقُها، فَقَّالَ النبيّ وَّهِ: ((أَبَيْعٌ أَمْ عَطِيَّةِ؟)) أَوْ قَالَ:
((هِبَةٌ؟)) قَال: لا بَلْ بَيْعٌ قَالَ: فَاشْتَرَى مِنْهُ شَاةٌ. فَصُنِعَتْ فَأْمَرَ نَبِيُّ اللهَ وَّهِ بِسَوَادِ البَطْنِ
يُشْوِي. وَايمُ الله مَا مِنَ الثَّلاثِينَ وَمائَةٍ إلاَّ قَدْ حَزَّ لَهُ حُزَّةً مِنْ سَوَادٍ بَطْنِها، إنْ كَانَ شَاهِداً
أعطاها إيَّاهُ، وَإِنْ كَانَ غَائِباً خَبَأْهَا لَهُ، ثُمَّ جَعَلَ فِيها قَصْعَتَيْنٍ، فَأكلْنا أجْمَعُونَ وَشَبِعنًا،
وَفَضَلَ فِي القَصْعَتَيْنِ فَحَمَلَتْهُ عَلَى الْبَعِيرِ. أَوْ كَمَا قَالَ. [انظر الحديث ٢٢١٦ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة. وموسى هو ابن إسماعيل المنقري، ومعتمر هو ابن سليمان
يروي عن أبيه سليمان بن طرخان التيمي البصري.
قوله: ((قال وحدث أبو عثمان أيضاً)، أراد به أن سليمان قال: حدثني غير أبي عثمان
وحدثني أبو عثمان، وهو أيضاً عبد الرحمن بن مل النهدي بالنون، كذا قاله الكرماني:
وقال بعضهم: ليس ذلك المراد إنما أراد أن أبا عثمان حدثه بحديث سابق على هذا ثم

٤٩
٧٠ - كتابُ الأَطْعِمَةِ / باب (٦)
حدثه بهذا فلذلك قال: أيضاً أي: حدثه بحديث بعد حديث. قلت: من تأمل وجه ما قاله
الكرماني علم أنه هو الوجه.
والحديث مضى في البيوع في: باب الشراء والبيع مع المشركين، فإنه أخرجه هناك
عن أبي النعمان عن معتمر إلى آخره، ومضى أيضاً في الهبة عن أبي النعمان، ومضى
الكلام فيه .
قوله: ((مشعان))، بضم الميم وقيل: بكسرها وسكون الشين المعجمة وبالعين المهملة
وبالنون المشددة، وهو الطويل في الغاية. وقيل: طويل الشعر منتفشه ثائره. قوله: ((أم
عطية))، أي: هدية. قوله: ((بسواد البطن)) هو الكبد. قوله: ((حز له حزة)) الحز بفتح الحاء
المهملة وتشديد الزاي وهو: القطع.
١٠/ ٥٣٨٣ - حدَّثْنا مُسْلِمٌ، حدَّثْنَا وُهَيْبٌ، حذَّنَا مَنْصُورٌ، عَنْ أُمِّهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ
الله عَنْها: تُوُفِّيَ النبيُّ وَّهِ حِينَ شَبِعْنَا مِنْ الأسْوَدَيْنِ: التَّمْرِ وَالمَاءِ.
مطابقته للترجمة ظاهرة. ومسلم هو ابن إبراهيم البصري القصاب، ووهيب مصغر
وهب ابن خالد البصري، ومنصور هو ابن عبد الرحمن التيمي، يروي عن أمه صفية بنت
شيبة بن عثمان الحجبي.
والحديث أخرجه مسلم في آخر الكتاب عن يحيى بن يحيى وغيره.
قوله: ((حين شبعنا)) ظرف كالحال. معناه: ما شبعنا قبل زمان وفاته، يعني: كنا
متقللين من الدنيا زاهدين فيها، هكذا فسره الكرماني وليس معناه هكذا، وإنما معناه توفي
النبي ، وَ﴿، وقت كوننا شباعى من الأسودين، والدليل على صحة ما قلنا ما مضى في
غزوة خيبر من طريق عكرمة عن عائشة. قالت: لما فتحت خيبر قلنا: الآن نشبع من التمر،
ومن حديث ابن عمر، قال: ما شبعنا حتى فتحنا خيبر، وظهر من هذا أن ابتداء شبعهم كان
من فتح خيبر، وذلك قبل موته بثلاث سنين. قوله: ((من الأسودين)) تثنية الأسود وهما التمر
والماء، وهذا من باب التغليب وإن كان الماء شفافاً لا لون له وذلك كالأبوين: للأب
والأم، والقمرين، للشمس والقمر، والأحمرين: للحم والشراب، وقيل: للذهب
والزعفران، والأبيضين: للماء واللبن، والأسمرين: للماء والملح. وكذلك قالوا: العمرين
لأبي بكر وعمر، رضي الله تعالى عنهما. فغلبوا عمر لأنه أخف وأبعد من قال: هما
عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز، رضي الله تعالى عنهما، ويقال: هذه تسمية الشيء
بما يقاربه لأن الأسود منهما التمر خاصة، وقال الكرماني: فإن قلت: إنهم كانوا في سعة
من الماء فأجاب بأن الري من الماء لم يكن يحصل لهم من دون الشبع من الطعام، وقرنت
بينهما لفقد التمتع بأحدهما دون الآخر، وعبرت عن الأمرين الشبع والري بفعل واحد، كما
عبرت عن التمر والماء بوصف واحد، وإن كان للماء الري لا الشبع، وقال ابن بطال: في
هذه الأحاديث جواز الشبع وإن كان تركه أحياناً أفضل، وقد ورد عن سليمان وأبي جحيفة

٥٠
٧٠ - كتابُ الأَطْعِمَةِ / باب (٧)
أن النبي وَلّه قال: إن أكثر الناس شبعاً في الدنيا أطولهم جوعاً في الآخرة. وقال الطبري:
الشبع وإن كان مباحاً فإن له حداً ينتهي إليه، وما زاد على ذلك سرف، والمطلق منه ما
أعان إلاَّ كل على طاعة ربه، ولم يشغله ثقله عن أداء ما وجب عليه.
واختلف في حد الجوع على رأيين: أحدهما: أن يشتهي الخبز وحده، فمتى طلب
الأدام فليس بجائع. ثانيهما: أنه إذا وقع ريقه على الأرض لم يقع عليه الذباب، ذكره في
(الإحياء) وذكر أن مراتب الشبع تنحصر في سبعة: الأول: ما تقوم به الحياة. الثاني: أن يزيد
حتى يصلي عن قيام ويصوم وهذان واجبان. الثالث: أن يزيد حتى يقوى على أداء النوافل.
الرابع: أن يزيد حتى يقدر على التكسب، وهذان مستحبان. الخامس: أن يملأ الثلث وهذا
جائز. السادس: أن يزيد على ذلك وبه يثقل البدن ويكثر النوم وهذا مكروه. السابع: أن يزيد
حتى يتضرر وهي البطنة المنهي عنها وهذا حرام.
٧ - بَابٌ: ﴿لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [النور: ٦١]
أي: هذا باب في قوله عز وجل: ﴿لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ
تَعْقِلُونَ﴾ كذا وقع لبعض رواة (الصحيح) وكذا وقع في رواية الإسماعيلي قوله: إلى قوله
(لعلكم تعقلون)) أشار به إلى تمام الآية التي في سورة النور، وهي آية طويلة لا الآية التي
في سورة الفتح، لأن المناسب لأبواب الأطعمة هي الآية التي في سورة النور، وفي رواية
أبي ذر ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ الآية. ووقع في
كتاب صاحب (التوضيح) باب: ﴿لَّْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ
حَرَجٌ﴾ إلى قوله: ﴿مُبَرَكَةُ طَيِّبَةٌ﴾ الآية.
وَالنَّهْدُ وَالاجْتِمَاعُ عَلَى الطَّعَّامِ.
لم تثبت هذه الترجمة، إلاَّ في رواية النسفي وحده، والنهد بكسر النون وسكون
الهاء وبالدال المهملة من المناهدة، وهي إخراج كل واحد من الرفقة نفقة على قدر نفقة
صاحبه، وتقدم تفسيره أيضاً في أول الشركة في: باب الشركة والطعام والنهد. قوله:
((على الطعام)) وفي بعض النسخ: في الطعام، وقد جاء كلمة: في، بمعنى: على، كما
في قوله تعالى: ﴿وَلَُّّصَلِيَنَّكُمْ فِ جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] أي عليها.
١١/ ٥٣٨٤ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله، حدَّثنا سُفْيَانُ قَالَ: يَحْيَى بنُ سَعِيد: سَمِعْتُ
بُشَيْرَ بنَ يَسَارِ يَقُولُ: حدَّثنا سُوَيْدُ بنُ النَّعْمَانِ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهَِّ إِلَى خَيْبَرَ،
فَلَمَّا كُنَّا بِالصَّهْبَاءِ قَالَ يَحْيَى وَهِيَ مِنْ خَيْبَرَ عَلَى رَوْحَةٍ: دَعَا رَسُولُ اللهِ نَّهِ بِطَعَامِ، فَمَا أُتِيَ
إلاَّ بِسوِيقٍ، فَلُكْناهُ فَأْكَلْنَا مِنْهُ، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَمَضْمَضَ وَمَضْمَضْنا، فَصَلَّى بِنا المَّغْرِبَ وَلَمْ
يَتَوَضَّأُ. قَالَ سُفْيَانُ: سَمِعْتُهُ مِنْهُ عَوْداً وَبَدْءاً. [الحديث ٢٠٩١ وأطرافه].
مطابقته للترجمة تؤخذ من وسط الآية المذكورة، وهو قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَّكُمْ

٥١
٧٠ - كتابُ الأَطْعِمَةِ / باب (٨)
جُنَاعُ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعًا أَوْ أَشْتَانًا﴾ وهو أصل في جواز المخارجة، ولهذا ذكر في
الترجمة: النهد، وقال بعضهم: في الحديث لم يؤت إلا بسويق، وليس هو ظاهر المراد
من النهد لاحتمال أن يكون ما جيء في السويق إلاَّ من جهة واحدة. قلت: هذا الاحتمال
بعيد لا يترتب عليه شيء، بل الظاهر أن من كان عنده شيء من السويق أحضره، لأن قوله:
(دعا رسول الله ◌َ ﴿ بطعام)) لم يكن من شخص معين، بل كان عاماً والحال يدل على أن
كل من كان عنده شيء من ذلك أحضره.
وقال المهلب: مناسبة الآية لحديث سويد ما ذكره أهل التفسير من أنهم كانوا إذا
اجتمعوا للأكل عزل الأعمى على حدة والأعرج على حدة والمريض على حدة لتقصيرهم
عن أكل الأصحاء، فكانوا يتحرجون أن يتفضلوا عليهم، وهذا قول الكلبي، وقال عطاء بن
يزيد: كان الأعمى يتحرج أن يأكل طعام غيره لجعل يده في غير موضعها، والأعرج كذلك
لاتساعه في موضع الأكل، والمريض لرائحته، فنزلت هذه الآية، فأباح الله لهم الأكل مع
غيرهم وفي حديث سويد معنى الآية لأنهم جعلوا أيديهم فيما حضر من الزاد سواء، ألا
يرى أن النبي ◌َّ حين أملقوا في السفر جعل أيديهم جميعاً فيما بقي من الأزواد سواء، ولا
يمكن أن يكون أكلهم سواء أصلاً لاختلاف أحوالهم في الأكل، وقد سوغهم ذلك من
الزيادة والنقصان فصار ذلك سنة في الجماعات التي تدعى إلى طعام في النهد والولائم
والإملاق في السفر، وما ملكت مفاتيحه بأمانة أو قرابة أو صداقة فلك أن تأكل مع الغريب
أو الصديق أو وحدك.
والحديث المذكور قد ذكره في كتاب الوضوء في: باب من مضمض من السويق ولم
يتوضأ. وأخرجه عن عبد الله بن يوسف عن مالك عن يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار
عن سويد بن النعمان إلى آخره، وأخرجه أيضاً في أول باب غزوة خيبر عن عبد الله بن
مسلمة عن مالك عن يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار ... الخ، وهنا أخرجه عن علي بن
عبد الله المعروف بابن المديني عن سفيان بن عيينة عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن
بشير، بضم الباء الموحدة وفتح الشين المعجمة ابن يسار، ضد اليمين عن سويد، بضم
السين المهملة وفتح الواو وسكون الياء آخر الحروف ابن النعمان الأنصاري المدني.
قوله: ((قال يحيى)) هو ابن سعيد الأنصاري الراوي قوله: ((على روحة)) هي ضد
الغدوة. قوله: ((فلكناه)) بضم اللام من اللوك، يقال: لكته في فمي إذا علكته. قوله: ((قال
سفيان)) هو ابن عيينة الراوي. قوله: ((عوداً وبدءاً) أي: عائداً ومبتدئاً أي: ((أولاً وآخراً».
٨ - بَابُ: الخُبْزِ المُرَقَّقِ وَالأْلِ عَلَى الخِوانِ وَالسُّفْرَةِ
أي: هذا باب في بيان الخبز المرقق وهو على صيغة المجهول من رقق على وزن
فعل بالتشديد يقال: رقق الصانع الخبز أي: لينه وجعله رقيقاً وهو الرقاق أيضاً بالضم،
وقال الجوهري: الرقاق، بالضم الخبز الرقيق، وقال عياض: قوله: ((مرققاً)) أي: مليناً

٥٢
٧٠ - كتابُ الأَطْعِمَةِ / باب (٨)
محسناً كخبز الحواري وشبهه، وقال ابن التين: المرفق الخبز السميد وما يصنع منه من
كعك وغيره، وقال ابن الجوزي: المرقق هو الخفيف كأنه مأخوذ من الرقاق وهي الخشبة
التي يرقق بها. قوله: ((على الخوان)) بكسر الخاء المعجمة، وهو المشهور، وجاء ضمها.
وفيه لغة ثالثة: إخوان، بكسر الهمزة وسكون الخاء وهو معرب. قال الجواليقي: تكلمت
به العرب قديماً، وقال ابن فارس: إنه اسم أعجمي، وعن ثعلب: سمي بذلك لأنه يتخون
ما عليه، أي: ينتقص. وقال عياض: إنه المائدة ما لم يكن عليه طعام ويجمع على أخوته
في القلة وخوون بضم أوله في الكثرة والأكل على الخوان من دأب المترفين وصنع
الجبابرة. قلت: ليس فيما ذكر كله بيان هيئة الخوان، وهو طبق كبير من نحاس تحته كرسي
من نحاس ملزوق به، طوله قدر ذراع يرص فيه الزبادي ويوضع بين يدي كبير من المترفين
ولا يحمله إلاَّ اثنان فما فوقهما. قوله: ((والسفرة)) وهي: الطعام يتخذه المسافر وأكثر ما
يحمل في جلد مستدير حوله حلق من حديد يضم به ويعلق فنقل اسم الطعام إلى الجلد
وسمي به كما سميت المزادة رواية.
٥٣٨٥/١٢ - حدَّثْنا مُحَمَّدُ بنُ سِنانٍ، حدّثنا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَنَسٍ
وَعِنْدَهُ خَبَّازٌ لَهُ، فَقَالَ: مَا أَكَلَ النبيُّ نَّهِ خُبْزاً مُرَفَّقاً، وَلا شَاةً مَسْمُوطَةً، حَتَّى لَقِيَ الله.
[الحديث ٥٣٨٥ طرفاه في ٥٤٢١، ٦٣٥٧].
مطابقته للترجمة ظاهرة. ومحمد بن سنان، بكسر السين المهملة وتخفيف النون
وبعد الألف نون أخرى. أبي بكر العوفي الباهلي الأعمى، وهما بتشديد الميم الأولى هو
ابن يحيى بن دينار الشيباني البصري.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الرقاق وأخرجه ابن ماجه في الأطعمة عن
إسحاق بن منصور وغيره.
قوله: ((ولا شاة مسموطة)) قال ابن الأثير: الشاة السميط أي المشوية فعيل بمعنى
مفعول، قال ابن الجوزي: وهو أكل المترفين وإنما كانوا يأخذون الجلد لينتفعوا به،
ويقال: المسموط الذي أزيل شعره بالماء المسخن ويشوى بجلده أو يطبخ، وإنما يفعل
ذلك في الصغير السن الطري، وذلك من فعل المترفين من وجهين: أحدهما: المبادرة إلى
ذبح ما لو بقي لازداد ثمنه. وثانيهما: أن المسلوخ ينتفع بجلده في اللبس وغيره، وعبارة
ابن بطال: المسموط المشوية بجلدها. وقال صاحب (العين): سمطت الجمل أسمطه
سمطاً تنقيه من الصوف بعد إدخاله في الماء الحار، وقال صاحب (الأفعال): سمط الجدي
وغيره علقه من السموط، وهي معاليق من السرج. وقال الداودي: المسموط التي يغلى لها
الماء فتدخل فيه بعد أن تذبح ويزال بطنها فيزول عنها الشعر أو الصوف ثم تشوى. وقال
ابن بطال: أكل المرفق جائز مباح ولم يتركه سيدنا رسول الله وسم#، إلاَّ زهداً في الدنيا
وتركاً للتنعم وإيثاراً لما عند الله وغير ذلك، وكذلك الأكل على الخوان، وليس نفي أنس،

٥٣
٧٠ - كتابُ الأَطْعِمَةِ / باب (٨)
رضي الله تعالى عنه، أن النبي وَّ ولم يأكل على خوان، ولا أنه أكل شاة سميطاً يرد قول
من روى أنه، وَّر، أكل على خوان وأنه أكل شواء، وإنما أخبر كل بما علم، ومن علم
حجة على من لم يعلم، لأنه زاد عليه فوجب قبولها، وكذلك قال أنس: ما أعلم أو ما
رأيت أنه أكل شاة مسموطة، ولم يقطع على أنه لم يأكل، وجرى ابن بطال فيما قاله على
أن المسموط هو المشوي عنده. فإن قلت: إذا كان المسموط هو المشوي عنده فيعارضه
حديث أم سلمة الذي أخرجه الترمذي أنها قربت للنبي وَلقر جنباً مشوياً فأكل منه. قلت:
الجواب ما ذكرناه من أن من علم حجة على من لم يعلم ... إلى آخره.
٥٣٨٦/١٣ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله، حدَّثنا مُعاذُ بنُ هِشام، قَالَ: حدَّثني أبِي عَنْ
يُونُسَ قَالَ: عَلِيٍّ، هُوَ الإِسْكَافُ: عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ، رَضِيَ الله عنه. قَالَ: مَا عَلِمْتُ
النبيِّ وَّ أَكَلَ عَلَى سُكُرُّجَةٍ قَطْ، وَلا خُبزَ لَهُ مُرَقَقْ قَطُّ، وَلا أَكَلَ عَلَى خِوَانٍ فَقِيلَ لِقَتَادَةً:
فَعَلَى مَا كَانُوا يَأْكُلُونَ؟ قَالَ: عَلَى السُّفَرِ. [الحديث ٥٣٨٦ طرفاه في ٥٤١٥، ٦٤٥٠].
مطابقته للترجمة ظاهرة. وعلي بن عبد الله هو ابن المديني، ومعاذ بن هشام يروي
عن أبيه هشام بن أبي عبد الله الدستوائي واسم أبي عبد الله سفيان، والدستوائي نسبته إلى
دستوا من نواحي الأهواز.
قوله: ((عن يونس))، وقع هكذا في السند غير منسوب فبينه علي وهو ابن المديني،
وقال: هو الإسكاف، وهو يونس بن أبي الفرات القرشي مولاهم البصري، وإنما بينه لأن
في طبقته يونس بن عبيد البصري أحد الثقات المكثرين، ووقع في رواية ابن ماجه مصرحاً
عن يونس بن أبي الفرات، وليس ليونس هذا في البخاري إلا هذا الحديث الواحد، وثقه
أحمد وابن معين، وقال ابن عدي: ليس بالمشهور، وقال ابن سعد كان معروفاً وله
أحاديث، وقال ابن حبان: لا يجوز أن يحتج به.
وفي سند هذا الحديث رواية الأقران لأن هشاماً ويونس من طبقة واحدة.
والحديث أخرجه الترمذي في الأطعمة أيضاً عن محمد بن بشار. وأخرجه النسائي
في الرقائق عن إسحاق بن إبراهيم وفي الوليمة عن عمرو بن علي. وأخرجه ابن ماجه في
الأطعمة عن محمد بن بشار.
قوله: ((على سكرجة)) بضم السين والكاف والراء المشددة بعدها جيم مفتوحة. قال
عياض كذا قيدناه، ونقل عن ابن مكي أنه صوب فتح الراء وكذا قال التوربشتي، وزاد أنه
فارسي معرب والراء في الأصل مفتوحة، ولا حجة في ذلك لأن الاسم الأعجمي إذا نطقت
به العرب لم تبقه على أصله غالباً. قال ابن الجوزي: عن شيخه أبي منصور الجواليقي أنه
قال بفتح الراء، قال: وكان بعض أهل اللغة يقول: أسكرجة، بالألف وفتح الراء وهي
فارسية معربة. وترجمها معرب الحل، وقد تكلمت به العرب، وقال أبو علي: فإن حقرت
يعني فإن صغرت حذفت الجيم والراء قلت: أسيكرة. وإن عوضت من المحذوف تقول:

٥٤
٧٠ - كتابُ الأَطْعِمَةِ / باب (٨)
أسيكيرة، وزعم سيبويه أن تصغير الخماسي مستكره، وقال ابن مكي: وهي قصاع صغار
يؤكل فيها. ومنها كبيرة وصغيرة، فالكبيرة تحمل قدر ست أواق، وقيل: ما بين ثلثي أوقية
إلى أوقية، ومعنى ذلك أن العجم كانت تستعملها في الكواميخ وما أشبهها من الجوار
شنات حول الموائد للتشهي والهضم، وقال الداودي: هي قصعة صغيرة مدهونة، وقال ابن
قرقول: رأيت لغيره أنها قصعة ذات قوائم من عود كمائدة صغيرة. قوله: فقيل: لقتادة
القائل هو الراوي. قوله: ((فعلى))، ما كذا هو في رواية الكشميهني بالألف وفي رواية غيره:
فعلى م، بغير الألف. قوله: ((كانوا يأكلون))، إنما عدل عن قوله: ((فعلى ما كان يأكل)) إلى
قوله: ((کانوا یأکلون» بالجمع إشارة إلى أن ذلك لم یکن مختصاً بالنبي پۇ وحده، بل كان
أصحابه يقتفون أثره ويقتدون بفعله ويراعون سنته. قوله: ((على السفر)) جمع سفرة، وقد مر
تفسيرها .
١٤/ ٥٣٨٧ - حدَّثنا ابنُ أبِي مَرْيَمَ، أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ، أخْبَرَنِي حُمَيْدٌ، أنَّهُ
سَمِعَ أنَساً يَقُولُ: قَامَ النبيُّ نَّه يَبْنِي بِصَفِيَّةَ، فَدَعَوْتُ المُسْلِمِينَ إِلَى وَلِيمَتِهِ، أَمَرَ بِالأنْطاعِ
فَبُسِطَتْ، فَأُلْقِيَ عَلَيْهَا النَّمْرُ وَالأقِطُ وَالسَّمْنُ. [انظر الحديث ٣٧١ وأطرافه].
وَقَالَ عَمْرٌو: عَنْ أَنَسِ بَنَّى بِهَا النبيُّ نَّهِ، ثُمَّ صَنَعَ حَيْساً فِي نِطَّعٍ.
مطابقته للترجمة ظاهرة. وابن أبي مريم هو سعيد بن محمد بن الحكم بن أبي مريم
المصري، وحديثه قد مضى في غزوة خيبر مطولاً عنه أيضاً أي: عن ابن أبي مريم.
قوله: ((وقال عمرو))، هو عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب
عن أنس، رضي الله تعالى عنه، ومضى حديثه في المغازي مطولاً. قوله: ((حيساً)) بفتح
الحاء المهملة وسكون الياء آخر الحروف وبالسين المهملة، وهو الخلط من التمر والسمن
ونحوه. قوله: ((في نطع)) بسكون الطاء وفتحها وكسر النون وفتحها.
٥٣٨٨/١٥ - حدَّثنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حذَّثنا هِشامٌ عَنْ أبِيهِ وَعَنْ
وَهْبٍ بِنِ كَيْسَانَ قَالَ: كَانَ أهْلُ الشَّأْمِ يُعَيِّرُونَ ابنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُونَ: يَا ابنِ ذَاتِ النِّطاقَيْنِ،
فَقَالَتْ لَهُ أَسْمَاءُ: يَا بُنَيَّ! إنَّهُمْ يُعَيِّرُونَكَ بِالنِّطاقَيْنِ؟ هَلْ تَدْرِي مَا كَانَ النِّطاقَانِ؟ إنَّمَا كَانَ
نِطاقِي شَقَقْتُهُ نِصْفَيْنٍ، فَأُوْكَيْتُ قِرْبَةَ رَسُولِ اللهِ وََّ، بأحَدِهِما، وَجَعَلْتُ فِي سُفْرَتِهِ آخَرَ،
قَالَ: فَكَانَ أهْلُ الشَّأْمِ إِذَا عَيَّرُوهُ بِالنَّطَاقَيْنِ يَقُولُ: إِيهاَ وَالإلِهِ.
[انظر الحديث ٢٩٧٩ وطرفه].
تِلْكَ شَكاةٌ ظاهِرٌ عَنْكَ عَارُها
مطابقته للترجمة في قوله: ((وجعلت في سفرته)) ومحمد هو ابن سلام وأبو معاوية هو
محمد بن خازم بالمعجمتين الضرير، وهشام هو ابن عروة يروي عن أبيه عروة بن الزبير
ويروي أيضاً عن وهب بن كيسان.

٥٥
٧٠ - كتابُ الأَطْعِمَةِ / باب (٨)
وأخرجه أبو نعيم في (المستخرج) من طريق أحمد بن يونس عن أبي معاوية، فقال: فيه:
عن هشام عن وهب بن كيسان وأخرجه أبو نعيم في المستخرج من طريق أحمد بن يونس عن
أبي معاوية فقال فيه عن هشام بن كيسان فقط وأصل الحديث مضى في: باب الهجرة إلى
المدينة عن عبد الله بن أبي شيبة عن أبي أسامة عن هشام عن أبيه، وعن فاطمة عن أسماء
صنعت سفرة للنبي بَّر ... الخ.
قوله: ((كان أهل الشام)) المراد به عسكر الحجاج بن يوسف حيث كانوا يقاتلون
عبد الله بن الزبير على مكة، وهم من قبل عبد الملك بن مروان والمراد عسكر
الحصين بن نمير الذين قاتلوه قبل ذلك من قبل يزيد بن معاوية عليه ما يستحق. قوله:
(يعيرون)) بالعين المهملة أي: يعيبون عبد الله بن الزبير. قوله: ((فقالت له أسماء)) أي:
قالت أسماء بنت أبي بكر الصديق لابنها عبد الله بن الزبير، ((يا بني)) بتصغير الشفقة إنهم
أي: إن أهل الشام يعيرونك بالنطاقين؟ قيل: الأفصح أن يعدى التعبير بنفسه. يقال: عيرته
كذا وقد سمع بكذا يعني: بالباء مثل ما هنا. قوله: ((هل تدري ما كان النطاقان)) قيل: وقع
عند بعضهم في شرحه ما كان النطاقين؟ فإن صح فالمضاف فيه محذوف تقديره: ما كان
شأن النطاقين، والنطاق بكسر النون ما كان يشد به الوسط وشقة تلبسها المرأة وتشد وسطها
وترسل أعلاها على الأسفل إلى الركبة، وقال القزاز: النطاق ما تشد به المرأة وسطها ترفع
به ثيابها وترسل عليه إزارها، وقال ابن فارس: هو إزار فيه تكة تلبسه النساء. وقال ابن
الأثير في تفسير المنطق فقال: المنطق النطاق وجمعه مناطق وهو أن تلبس المرأة، ثوبها ثم
تشد وسطها بشيء وترفع وسط ثوبها وترسله على الأسفل عند معاناة الأشغال لئلا تعثر في
ذيلها وبه سميت أسماء بنت أبي بكر الصديق، رضي الله تعالى عنهما، ذات النطاقين لأنها
كانت تطارق نطاقاً فوق نطاق. وقيل: كان لها نطاقان تلبس أحدهما وتحمل في الآخر الزاد
إلى النبي، وَ﴾، وأبي بكر، رضي الله تعالى عنه، وهما في الغار. قوله: ((فأوكيت)) من
الوكاء وهو الذي يشد به رأس القربة. قوله: ((إيه)) بكسر الهمزة وسكون الياء آخر الحروف
وبالتنوين معناه: الاعتراف بما كانوا يقولونه. والتقرير له تقول العرب في استدعاء القول من
الإنسان إيها وإيه، بغير تنوين قاله الخطابي، واعترض بأن الذي ذكره ثعلب وغيره: إذا
استزدت من الكلام قلت: إيه، وإذا أمرت بقطعه. قلت: إيهاً، ورد بأن غير ثعلب قد جزم
بأن إيهاً كلمة استزادة وبغير التنوين لقطع الكلام، وقال ابن التين: في سائر الروايات يقول:
ابنها والإله بالباء الموحدة أي: ابن الزبير ولقد أغرب ابن التين فيه حتى نسبه بعضهم إلى
التصحيف. قوله: ((تلك شكاة ظاهر عنك عارها)).
هذا عجز بيت وصدره:
وعيّرها الواشون أني أحبها
وهذا من قصيدة لأبي ذؤيب الهذلي من الطويل يرئي بها نسيبة بنت عنس بن محرث
الهذلي وأولها:

٥٦
٧٠ - كتابُ الأَطْعِمَةِ / باب (٨)
وإلاّ طلوع الشمس ثم غيارها
هل الدهر إلاَّ ليلة ونهارها
أبى القلب إلاَّ أم عمرو فأصبحت
تحرق ناري بالشكاة ونارها
وبعده: وعيرها الواشون ... إلى آخره، وبعده:
وأظلم دوني ليلها ونهارها
فلا يهنىء الواشين أني هجرتها
وإن تعتذر يردد عليها اعتذارها
فإن أعتذر منها فإني مكذب
تنوش البرير حيث نال اهتصارها
فما أم خشف بالعلاية شادن
وهي تنوف على ثلاثين بيتاً وقفت عليها في ديوانه قوله: ((شكاة))، بفتح الشين
المعجمة ومعناها: رفع الصوت بالقول القبيح، وقيل: بكسر الشين والفتح أصوب لأنه
مصدر شكا يشكو شكاية، وشكوى وشكاة إذا أخبر عنه بشر. قوله: ((ظاهر))، معناه أنه
ارتفع عنك ولم يعلق بك من الظهور والصعود على أعلى الشيء ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَا
أَسْطَعُواْ أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ [الكهف: ٩٧] أي: يعلو عليه، ومنه ومعارج يظهرون. قوله: ((فلا
يهنىء الواشين)) من هنا في الطعام يهنئني ويهنأني. قال الجوهري: ولا نظير له في
المهموز. قوله: ((وأظلم دوني ليلها ونهارها))، معناه: بعدت عني فلا أستطيع أن آتيها فصار
الليل والنهار واحداً. قوله: ((فإن اعتذر)) إلى آخره معناه إن اعتذر من حبها وأقول: ما بيني
وبينها شيء فإني مكذب، وإن تعتذر هي أيضاً تكذب. قوله: ((فما أم خشف))، بكسر الخاء
المعجمة وبالشين المعجمة وبالفاء وهو ولد الظبية قوله: ((بالعلاية)) اسم موضع قوله:
(شادن)) من شدن لحمه إذا قوي. قوله: ((تنوش)) أي: تتناول. قوله: ((البرير))، بفتح الباء
الموحدة وكسر الراء وسكون الياء آخر الحروف وبالراء أيضاً، ثمر الأراك. قوله:
((اهتصارها)) أي: حيث نال أن يهتصره أي: تجذبه.
٥٣٨٩/١٦ - حدَّثنا أبو النُّعْمَانِ، حدَّثنا أبُو عَوَانَةَ، عَنْ أبِي بِشْرِ عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ
عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ أنَّ أُمَّ حُفَيْدٍ بِنْتَ الحَارِثِ بنِ حَزْنٍ خَالَةَ ابنِ عَبَّاسٍ أَهْدَتْ إِلَى النبيِّ ◌ََِّ، سَمْنَاً
وأَقَطاً وأضُبّاً، فَدَعا بِهِنَّ فَأَكِلْنَ عَلَى مَائِدَتِهِ، وَتَرَكَهُنَّ النبيُّ ◌َِّ كَالمُتَّقَذْرِ لَهُنَّ، وَلَوْ كُنَّ حَرَاماً
مَا أُكِلْنَ عَلَى مَائِدَةِ النبيِّ وََّ وَلا أمَرَ بِأَكْلِهِنَّ. [انظر الحديث ٢٥٧٥ وطرفيه].
مطابقته للترجمة يمكن أن تؤخذ من قوله: ((على مائدته)) لأنها تطلق على السفرة،
وقد ذكر بعض المفسرين أن المائدة التي نزلت على عيسى، عليه السلام، كانت سفرة من
جلد أحمر، وذكر أكثر المفسرين أن المائدة المذكورة في قصة عيسى، عليه السلام، هي
الخوان، وكذلك قال الجوهري: المائدة خوان عليه طعام، وإن لم يفسر المائدة هنا بالسفرة
يعكر عليه ما رواه قتادة عن أنس، ولا أكل على خوان، وقد مر الحديث عن قريب فافهم.
فإن هذا قد فتح لي من الفيض الإلهي.
وأبو النعمان محمد بن الفضل الملقب بعارم بالعين المهملة والراء، وأبو عوانة بفتح
العين المهملة وتخفيف الواو وبعد الألف نون اسمه الوضاح بن عبد الله اليشكري، وأبو بشر

٥٧
٧٠ - كتابُ الأَطْعِمَةِ / باب (٩ و١٠)
بكسر الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة جعفر بن إياس اليشكري.
والحديث قد مضى في كتاب الهبة في: باب قبول الهدية، فإنه أخرجه هناك عن آدم
عن شعبة عن جعفر بن إياس إلى آخره، وقد مضى الكلام فيه.
قوله: ((أم حفيد))، بضم الحاء المهملة وفتح الفاء وسكون الياء آخر الحروف وبالدال
المهملة: بنت الحارث بن حزن بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي وبالنون واسمها هزيلة
مصغر هَزلة ولها أخوات: أم خالد بن الوليد واسمها لبابة بضم اللام الصغرى، وأم ابن
عباس وهي اللبابة الكبرى، وميمونة زوج النبي، وَّر، أم المؤمنين كلهن بنات الحارث بن
حزن الهلالي. قوله: ((وأضبّاً)، بفتح الهمزة وضم الصاد وتشديد الباء جمع ضب مثل فلس
وأفلس، وفي (العين): الضب يكنى أبا حلس وهي دويبة تشبه الورل تأكله الأعراب.
وتقول العرب: هو قاضي الطير والبهائم. قوله: ((كالمتقذر)) أي: كالكاره من القذارة بالذال
المعجمة وهو خلاف النظافة، يقال: قذرت الشيء بالكسر أقذره بالفتح، وذكر ابن العربي
أنه روي: كالمتقزز من القز بزاءين معجمتين وهو الكراهة لكل محتقر.
٩ - بَابُ: السَّوِيقِ
أي: هذا باب في بيان ذكر السويق وهو معروف.
١٧/ ٥٣٩٠ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا حَمّادْ عَنْ يَخْيَى عَنْ بُشَيْرِ بنِ يَسارٍ
عَنْ سُوَيْدٍ بِنِ الثَّعْمَانِ أَنَّهُ أخبره أنَّهُمْ كَانُوا مَعَ النبيِّ بَِّ، بِالصَّهْبَاءِ، وَهِيَ عَلَى رَوْحَةٍ مِنْ
خَيْبَرَ، فَحَضَرَتِ الصَّلاةُ، فَدَعا بِطعام، فَلَمْ يَجِدْهُ إِلاَّ سَوِيقاً، فَلاكَ مِنْهُ، فَلْكنا مَعَهُ، ثُمَّ دَعا
بِماءٍ فَمَضْمَضَ ثُمَّ صَلَّى وصَلَّيْنا، مَعَةً وَلَمْ يَتَوَضأ. [انظر الحديث ٢٠٩ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة. وحماد هو ابن زيد، ويحيى هو ابن سعيد الأنصاري، وبشير
بضم الباء الموحدة وفتح الشين المعجمة ابن يسار ضد اليمين.
والحديث قد مر قبل الباب الذي قبله، ومر الكلام فيه.
قوله: ((فلاك منه))، ويروى: فلاكه، من اللوك وهو إدارة الشيء في الفم. قوله:
((ولم يتوضأ))، ذكره لبيان أنه لم يجعل أكل السويق ناقضاً للوضوء دفعاً لمذهب من يقول:
يجب الوضوء مما مسته النار.
١٠ - بَابٌ: مَا كَانَ النبيُّ ◌ََّ لا يَأكُلُ شَيْئاً إِذَا حَضَرَ بَيْنَ يَدَيْهِ
حَتَّى يُسَمَّى لَهُ فَيَغْلَمَ مَا هُوَ
أي: هذا باب فيه ذكر ما كان النبي ◌َ ﴿ لا يأكل شيئاً إذا حضر بين يديه حتى يسمى
له على صيغة المجهول. أي: يذكر له اسم ذلك الشيء. قوله: ((فيعلم))، بالنصب هو
عطف على المنصوب قبله بتقدير: أن، وقال ابن بطال كان سؤاله لأن العرب كانت لا

٥٨
٧٠ - كتابُ الأَطْعِمَةِ / باب (١٠)
تعاف شيئاً من المآكل لقلتها عندهم، فلذلك كان يسأل قبل الأكل منه.
١٨/ ٥٣٩١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ مُقاتِلٍ أَبُو الحَسَنِ أخبرَنا عَبْدُ الله أخْبرنَا يُونُسُ عَن
الزّهْرِيِّ قَالَ: أخْبَرَنِي أَبُو أمَامَةَ بنُ سَهْلٍ بَنِ حُنَيْفِ الأنْصَارِي أنَّ ابنَ عَبَّاسِ أخبرهُ أنَّ
خَالِدَ بنَ الوَلِيدِ الَّذِي يُقَالُ: لَهُ سَيْفُ الله أخبره أنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُول اللهِوَهُ، عَلَى مَيْمُونَةً
وَهِيَ خَالَتُهُ وَخَالَةُ ابنِ عِبَّاسٍ فَوَجَدَ عِنْدَها ضبّاً مَحْنُوذاً قَدِمَتْ بِهِ أَخْتُها حُفَيْدَةُ بِنْتُ الحَارِثِ
مِنْ نَجْدٍ، فَقَدَّمَتْ الضَّبَّ لِرَسُولِ اللهِّهِ، وَكَانَ قَلْمَا يُقَدِّمُ يَدَهُ لِطعامٍ حَتَّى يُحِدَّثَ بِهِ
وَيُسَمَّى لَهُ: فَأَهْوَىُ رَسُولُ اللهِ نََّ، يَدَهُ إلَى الضَّبِّ فَقَالَتِ امْرَأةٌ مِنْ النِّسْوَةَ الحُضُورِ: أخْبِرْنَ
رسولَ اللهِ وَّهِ مَا قَدَّمتُنَّ لَهُ؟ هُوَ الضَبُّ يَا رَسُولَ الله! فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِوَهِ يَدَهُ عَنِ الضّبْ،
فَقَالَ خَالِدُ بنُ الوَلِيدِ: أحَرَامُ الضَبُّ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((لا، وَلْكِنْ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي،
فَأَجِذْنِي أَعَافُهُ)). قَالَ خَالِدٌ: فَاحْتَزَزْتُهُ فَأَكَلْتُهُ وَرَسُولُ اللهِ وَهِ يَنْظُرُ إلَيَّ. [الحديث ٥٣٩١ -
أطرافه في ٥٤٠٠، ٥٥٣٧].
مطابقته للترجمة. في قوله: ((وكان قل ما يقدم يده لطعام حتى يحدث به ويسمى له))
وعبد الله هو ابن المبارك المروزي، ويونس هو ابن يزيد، والزهري هو محمد بن مسلم،
وأبو أمامة أسعد بن سهل بن حنيف، بضم الحاء المهملة وفتح النون.
والحديث أخرجه البخاري في مسند خالد بن الوليد في الأطعمة هنا وفي الذبائح عن
القعنبي. وأخرجه مسلم في مسند ابن عباس في الذبائح عن يحيى بن يحيى وغيره.
وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه مثل البخاري في مسند خالد فأبو داود في الأطعمة
عن القعنبي، والنسائي في الصيد عن أبي داود والحراني وغيره، وفي الوليمة عن هارون بن
عبد الله، وابن ماجه في الصيد عن محمد بن مصفى.
قوله: ((وهي خالته))، أي: ميمونة خالة خالد بن الوليد خالة ابن عباس أيضاً، وقد
ذكرنا عن قريب في: باب الخبز المرقق أن ميمونة ولبابة الصغرى أم خالد بن الوليد، ولبابة
الكبرى أم ابن عباس وأم حفيدة أخوات، وهن بنات الحارث بن حزن، وذكر هنا حفيدة
وهي أم حفيدة، وهو المحفوظ عند أهل النسب، واسمها: هزيلة وقد ذكرناه. قوله:
((محنوذاً)، أي: مشوياً. قال الله عز وجل: فـ ﴿جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيدٍ﴾ [هود: ٦٩] أي:
مشوي، يقال: حنذت الشاة أحنذها حنذاً أي: شويتها وجعلت فوقها حجارة محماة
لتنضجها فهي حنيذ. قوله: ((وكان قلما يقدم))، من التقديم، وقل، فعل ماض، وما يقدم
فاعله وما مصدرية، أي: قل تقديم يده لطعام حتى يُحدَّث على صيغة المجهول أي: حتى
يخبر به ما هو ويُسمى مجهول أيضاً. قوله: ((له))، أي: النبي ◌َّر. قوله: ((فأهوى))، أي:
مد رسول الله وسلم يده إلى الضب. قوله: ((فقالت امرأة من النسوة الحضور)) ووقع في رواية
لمسلم: فلما أراد النبي ◌َّلو أن يأكل قالت له ميمونة: إنه لحم ضب فكف يده، ووصف
النسوة بالحضور الذي هو جمع حاضر مع أن المطابقة شرط بين الصفة والموصوف في

٥٩
٧٠ - كتابُ الأَطْعِمَةِ / باب (١٠)
التذكير والتأنيث وغيرهما. لأنه لوحظ فيهما صورة الجمع أو يقال: إن الحضور مصدر.
قوله: ((أحرام الضب))؟ نحو: أقائم زيد؟ فيجوز فيه الأمران. قوله: ((فأجدني))، أي: فأجد
نفسي. قوله: ((أعاقه)) أي: أكرهه من عاف الرجل الطعام والشراب يعافه عيافاً. أي: كرهه
فهو عائف. قوله: ((ورسول الله (﴿)) الواو فيه للحال، واحتج بهذا الحديث
عبد الرحمن بن أبي ليلى وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي ومالك والشافعي وأحمد
وإسحاق. فقالوا: بجواز أكل الضب، وهو مذهب الظاهرية أيضاً، وقال ابن حزم:
وصحت إباحته عن عمر بن الخطاب وغيره.
وقال صاحب (الهداية) ويكره أكل الضب لأنه وَطّ نهى عائشة، رضي الله عنها، حين
سألته عن أكله، ولكن الطحاوي في (شرح معاني الآثار) رجح إباحة أكل الضب. وقال: لا
بأس بأكل الضب، وهو القول عندنا. وقال: وقد كره قوم أكل الضب منهم أبو حنيفة وأبو
يوسف ومحمد. قلت: أراد بالقوم الحارث بن مالك ويزيد بن أبي زياد ووكيعاً فإنهم قالوا:
أكل الضب مكروه، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب وجابر بن عبد الله، ثم الأصح عند
أصحابنا أن الكراهة كراهة تنزيه لا كراهة تحريم لتظاهر الأحاديث الصحاح، بأنه ليس
بحرام، وقال بعض أصحابنا: أحاديث دلت على الإباحة وأحاديث دلت على الحرمة.
والتاريخ مجهول فيجعل المحرم مؤخراً عن المبيح فيكون ناسخاً له تعليلاً للنسخ، ومن
جملة الأحاديث الدالة على الحرمة حديث عائشة الذي ذكره صاحب (الهداية). ولكن فيه
مقال: ولما ذكر صاحب (تخريج أحاديث الهداية) حديث عائشة قال: هذا حديث غريب.
قلت: رواه محمد بن الحسن عن الأسود عن عائشة أنه ◌َ ر أهدي له ضب فلم يأكله.
فسألته عن أكله فنهاني، فجاء سائل فأرادت عائشة أن تعطيه فقال ◌َله: تعطينه ما لا تأكلينه؟
فالنهي يدل على التحريم، ومنها: ما رواه أبو داود في الأطعمة عن إسماعيل بن عياش عن
ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد عن أبي راشد الحبراني عن عبد الرحمن بن شبل: أن
رسول الله وَّ نهى عن أكل لحم الضب، فإن قلت: قال البيهقي: تفرد به ابن عياش وليس
بحجة، وقال المنذري: إسماعيل بن عياش وضمضم فيهما مقال، وقال الخطابي: ليس
إسناده بذلك. قلت: ضمضم حمصي وابن عياش إذا روى عن الشاميين كان حديثه
صحيحاً، كذا قاله البخاري ويحيى بن معين وغيرهما والعجب من البيهقي أنه قال في باب
ترك الوضوء من الدم مثل ما قال البخاري ويحيى، وهنا يقول: ليس بحجة، ولما أخرج أبو
داود هذا الحديث سكت عنه وهو حسن عنده على ما عرف، وقد صحح الترمذي لابن
عياش عن شرحبيل بن مسلم عن أبي أمامة وشرحبيل شامي، وروى الطحاوي في (معاني
الآثار) مسنداً إلى عبد الرحمن بن حسنة. قال: نزلنا أرضاً كثيرة الضباب، فأصابتنا مجاعة
فطبخنا منها. وإن القدور لتغلي بها إذ جاء رسول الله وَ لهير فقال: ما هذا؟ فقلنا: ضباب
أصبناها، فقال: إن أمة من بني إسرائيل مسخت دواب في الأرض إني أخشى أن تكون
هذه، فأکفئوها.

٦٠
٧٠ - كتابُ الأَطْعِمَةِ / باب (١١)
١١ - بَابٌ: طَعامُ الواحِدِ يَكْفِي الاثْنَيْنِ
أي: هذا باب في بيان أن طعام الواحد يكفي الاثنين، وهذه الترجمة لفظ حديث
أخرجه ابن ماجه بإسناده عن عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول
الله وَلقر: إن طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الثلاثة، والأربعة وطعام
الأربعة يكفي الخمسة والستة وروى الطبراني من حديث ابن عمر، رضي الله عنهما، قال:
قال رسول الله وَله: كلوا جميعاً ولا تفرقوا فإن طعام الواحد يكفي الاثنين، وروى الطبراني
أيضاً من حديث ابن مسعود. قال: قال رسول الله وَّلهو طعام الواحد يكفي الاثنين وطعام
الاثنين يكفي الأربعة، وروى الطبراني أيضاً من حديث سمرة بن جندب أن رسول الله وَله
قال: طعام الواحد يكفي الاثنين، وحديث الباب يخالف الترجمة على ما لا يخفى لأن
مرجع قضية الترجمة النصف ومرجع قضية حديث الباب الثلث والربع. وأجيب: بأنه أشار
بالترجمة إلى أن هذه الألفاظ المذكورة في الأحاديث المذكورة، ولما لم يكن أحاديث
هؤلاء المذكورين على شرطه ذكر في الترجمة. وذكر حديث أبي هريرة في الباب لكونه
على شرطه .
٥٣٩٢/١٩ - حدَّثنا عَبْدَ الله بنُ يُوسُفَ، أخبرنا مَالِكٌ، وَحَدَّثنا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ:
حذَّثَني مَالِكٌ، عَنْ أبِي الزَّنادِ عَنِ الأعْرَجَ عَن أبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ الله عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِوََّ: ((طَعَامُ الاثْنَيْنِ كَافِي الثَلاثَةِ، وَطَعَامُ الثَّلاثَةِ كَافِي الأَرْبَعَةِ).
وجه المطابقة بين الترجمة والحديث يفهم مما ذكرناه الآن، وأخرجه من طريقين:
أحدهما: عن عبد الله بن يوسف عن مالك عن أبي الزناد عبد الله بن ذكوان عن
عبد الرحمن بن هرمز الأعرج عن أبي هريرة. والآخر: عن إسماعيل بن أبي أويس عن
مالك ... إلى آخره.
والحديث أخرجه مسلم في الأطعمة عن يحيى بن يحيى عن مالك وأخرجه الترمذي
فيه عن قتيبة عن مالك وأخرجه النسائي في الوليمة عن قتيبة عن مالك وعن غيره.
قوله: ((وطعام الاثنين كاف الثلاثة)) يعني: ما يشبع به اثنان يشبع ثلاثة وما يشبع به
ثلاثة يشبع أربعة. قال المهلب: المراد بهذه الأحاديث الحض على المكارمة والتقنع
بالكفاية يعني: ليس المراد الحصر في مقدار الكفاية وإنما المراد المواساة، وأنه ينبغي
للاثنين إدخال ثالث لطعامهما وإدخال رابع أيضاً بحسب من يحضر، وقال ابن المنذر:
يؤخذ من حديث أبي هريرة استحباب الاجتماع على الطعام، وأن لا يأكل المرء وحده، فإن
البركة في ذلك. قلت: وقد ذكرنا أن الطبراني، روى من حديث ابن عمر: ((كلوا جميعاً ولا
تفرقوا)» الحديث.