النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
٦٨ - كتابُ الطلاَقِ / باب (٢٩)
قوله: ((إن الله يعلم أن أحدكما كاذب)) ظاهره يقتضي أنه إنما قاله بعد الملاعنة لأنه
حينئذٍ تحقق الكذب ووجبت التوبة، وذهب بعضهم إلى أنه قاله قبل اللعان لا بعده تحذيراً
لهما ووعظاً، وقال بعضهم: وكلاهما قريب من معنى الآخر.
٢٩ - بابُ اللِّعان ومَنْ طَلَّقَ بَعْد اللِّعَانِ
أي: هذا باب في اللعان وفيمن طلق امرأته بعد اللعان أي: بعد أن لاعن، وفيه إشارة
إلى خلاف: هل تقع الفرقة في اللعان بنفس اللعان أو بإيقاع الحاكم بعد الفراغ أو بإيقاع
الزوج؟ فذهب مالك والشافعي ومن تبعهما إلى أن الفرقة تقع بنفس اللعان، قال مالك وغالب
أصحابه: بعد فراغ المرأة. وقال الشافعي وأتباعه وسحنون من المالكية: بعد فراغ الزوج، وقال
الثوري وأبو حنيفة وأتباعهما: لا تقع الفرقة حتى يوقعها عليهما الحاكم، وعن أحمد روايتان،
وذهب عثمان البتي إلى أنه لا تقع الفرقة حتى يوقعها الزوج، ونقل الطبري نحوه عن أبي
الأشعث جابر بن زيد، وقال أبو عبيد: الفرقة تقع بينهما بنفس القذف ولو لم يقع اللعان،
وكأنه مفرع على وجوب اللعان على من تحقق ذلك من المرأة، فإذا أَخل به عوقب بالفرقة
تغليظاً عليه.
٥٣٠٨/٥١ - حدّثنا إسماعيلُ قال: حدّثني مالِكٌ عنِ ابنِ شِهاب أنَّ سَهْلَ بنَ سَعْدٍ
السَّاعِدِيَّ أَخْبَرَهُ أنْ عُوَيْمِراً العَجْلانيَّ جاءَ إلى عاصِمِ بنِ عَدِيِّ الأنْصَارِيِّ فقال لهُ: يا عاصِمُ!
أَرَأْتَ رجُلاً وجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلاً أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ سَلْ لِي يا عاصِمُ عنْ ذُلِكَ.
فَسألَ عاصِمٌ رسول الله عَّلَّهِ، عَنْ ذُلِكَ فَكَرِهَ رسولُ اللهِ عَّهِ، المَسائِلَ وعابَها حتَّى كَبُرَ عَلَى
عاصم ما سَمِعَ مِنْ رسول الله عَّهِ، فَلَّمَا رَجَعَ عاصمٌ إلى أهْلِهِ جاءَهُ عُوَّيْمِرٌ فقال: يا عاصِمُ!
ماذَا قَال لَكَ رسولُ اللهِ عَّلَه؟ فقال عاصِمٌ لِعُوَيْهٍِ: لَمْ تأتِنِي بِخَيْرٍ، قَدْ كَرِهَ رسولُ اللهِ عَ لَّهِ
المَسْألَةَ الَّتِي سألْتُهُ عنها. فقال ◌ُوَّيْمِرٌ: والله لا أنْتَهِي حتَّى أسألَهُ عَنْها، فَأَقْبَلَ عُوَّيِْرٌ حتَّى جاءَ
رسولَ الله عَ لِ وسَطَ النّاسِ، فقال: يا رسولَ الله! أَرَأَيْتَ رجلاً وجَدَ معَ امْرَأْتِهِ رجلاً أَيَقْتُلُهُ
فَتَقْتُلُونَهُ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلَ؟ فقال رسولُ اللهِ عَ لَلِ: قَدْ أَنْزَلَ الله فِيكَ وفي صاحِبَتِكَ فَاذْهَبْ
فأتِ بِها؛ قال سَهْل: فتلاَعَنَا وأنا مَعَ النَّاسِ عِنْدَ رسولِ اللهِ عَّ ◌ُلّهِ، فَلَّما فَرَغا منْ تَلاَعنُهِما قال
عُوَيْمِرٌ: كَذَبْتُ عَلَيْها يا رسولَ الله إنْ أَمْسَكْتُها، فطَلَّقَها ثَلاثاً قَبلَ أنْ يأمُرَهُ رسولُ اللهِ عَلَّهِ.
قال ابنُ شِهاب: فكانَتْ سُنَّةَ الْمُتَلاَعِنَيْنِ.
مطابقته للترجمة للجزء الأول منها في قوله: ((فتلاعنا)) وللجزء الثاني وهو قوله: ومن
طلق بعد اللعان في قوله: ((فطلقها ثلاثاً قبل أن يأمره رسول الله عَّ له)) فإنه طلقها بعد أن
لا عن.
وهذا الحديث أول ما ذكره البخاري في كتاب الصلاة مختصراً في: باب القضاء
واللعان في المسجد. وأخرجه في التفسير في سورة النور في قوله تعالى: ﴿والذين يرمون
أزواجهم﴾ [النور: ٦] الآية عن إسحاق وأخرجه أيضاً في قوله: ﴿والخامسة أن لعنة الله عليه﴾

٤٢٢
٦٨ - كتابُ الطلاقِ / باب (٣٠)
[النور: ٧] عن سليمان بن داود، وقد ذكرنا هناك من أخرجه غيره، وما يتعلق بمعانيه
والأحكام المستنبطة منه مستوفى فإذا أعدنا الكلام يطول بلا فائدة.
٣٠ _ بابُ التَّلاَعُنِ في المَسْجِدِ
أي: هذا باب في بيان جواز التلاعن في المسجد، وقال بعضهم أشار بهذه الترجمة
إلى خلاف الحنفية: أن اللعان لا يتعين في المسجد، وإنما يكون حيث كان الإمام أو حيث
شاء. قلت: الذي يفهم مما قاله إنما وضع هذه الترجمة لتعين اللعان في المسجد وليس
كذلك، وإنما هذا بيان ما قد وقع من التلاعن في المسجد، ولا يلزم من ذلك أن يكون
المسجد متعيناً، ولهذا قال صاحب (التوضيح): استحب جماعة أن يكون التلاعن بعد العصر
في أي مكان كان، والمسجد الجامع أحرى.
٥٣٠٩/٥٢ - حدّثنا يحيى بنُ جَعْفَرٍ أُخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أخبرنا ابنُ مجرَيْجٍ قال:
أخبرني ابنُ شِهابٍ عنِ المُتَلاَعِنَةِ وعن السُّنَّةِ فِيها عنْ حَدِيثٍ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ أَخِي بَنِي
ساعِدَةَ: أنَّ رجلاً مِنَ الأنْصارِ جاءَ إلى رسُولِ الله ◌ِعَ لَّه فقال: يا رسُولَ الله! أَرَأْنِتَ رنجلاً
وجَدَ مع امْرَأْتِهِ رجلاً أَيَقْتُلُهُ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ فَأَنْزَلَ الله في شأنِهِ ما ذَكَرَ في القُرْآنِ مِنْ أَمْرِ
المُتَلاَعِنَيْن، فقال النبيُّ عَ لَّهِ: قَدْ قَضَى الله فِيكَ وفي امْرَأْتِكَ، قال: فَتَلاَعَنا في المَسْجِدِ
وأنا شاهِدٌ، فَلَمَّا فَرَغا قال: كَذَبْتُ عَلَيْها يا رسولَ الله إنْ أَمْسَكْتُها، فَطَلَّقَها ثَلاثاً قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ
رسولُ اللهِ عَِّ، حِينَ فَرَغا مِنَ التَّلاعُنِ، فَفَارَقَها عِنْدَ النبيِّ عَّ لِ، فقال: ذَاكَ تَفْرِيقٌ بَيْنَ كلِّ
مُتَلاَعِنَيْنِ. قال ابنُ جُرَيْجٍ: قال ابنُ شِهابٍ: فكانَتِ السُّنَّةُ بَعْدَهُما أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ المتَلاَعِنَيْنِ،
وكانَتْ حامِلاً وكانَ ابْنُهَا يُدْعَى لِأَمِّهِ قال: ثمَّ جَرَتِ السُّنَّةُ في مِيرَائِها أَنَّهَا تَرِثُهُ وَيَرِثُ مِنْها ما
فَرَضَ الله له.
قال ابنُ جرَيْجِ عنِ ابنِ شِهابٍ عِنْ سَهْلِ بنِ سَعْدِ السَّاعِدِيِّ في لهذا الحَدِيثِ: أنَّ
النبيُّ عَّ لِ قال: إنْ جَاءَتْ بِهِ أَحْمَرَ قَصِيراً كَأَنَّهُ وَحَرَةً فَلاَ أُرَاها إلاّ قَدْ صَدَقَتْ وكَذَبَ
عَلَيْها، وإنْ جاءَتْ بِهِ أسْوَدَ أعْيَنَ ذَا أَلْيَتَيْنِ فَلاَ أُرَاهُ إلاَّ قَدْ صَدَقَ عَلَيْها، فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى
المُكْرُوهِ مِنْ ذَلِكَ. [انظر الحديث: ٤٢٣ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فتلاعنا في المسجد)). ويحيى هو ابن جعفر البخاري
البيكندي، مات سنة ثلاث وأربعين ومائتين، وقال الكرماني، يحيى هذا إما ابن موسى الختي،
بفتح الخاء المعجمة وشدة التاء المثناة من فوق، وإما يحيى بن جعفر البخاري، قال البخاري:
حدثني يحيى، وفي بعض النسخ: حدثنا يحيى، وابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز بن
جريج.
قوله: ((أخبرنا عبد الرزاق))، وفي بعض النسخ حدثنا. قوله: ((أخي بني ساعدة))
الغرض منه أنه ساعدي فهو في الأنصار في الخزرج ينسب إلى ساعدة بن كعب بن الخزرج،
وقال ابن دريد: ساعدة اسم من أسماء الأسد. والحديث قد مر في التفسير. قوله: ((أرأيت؟))

٤٢٣
٦٨ - كتابُ الطلاقِ / باب (٣٠)
أي: أخبرني. قوله: ((أم كيف يفعل؟)) على صيغة المجهول. قوله: ((فتلاعنا في المسجد))
يقال: فيه دلالة على أنه ينبغي لكل حاكم من حكام المسلمين كل من أراد استحلافه على
عظيم من الأمر كالقسامة على الدم وعلى المال ذي القدر والخطر العظيم ونحو ذلك في
المساجد العظام، وإن كانا بالمدينة فعند منبرها، وإن كانا بمكة فبين الركن والمقام، وإن كانا
ببيت المقدس ففي مسجدها في موضع الصخرة، وإن كانا ببلدة غيرها ففي جامعها وحيث
يعظم منها، وإنما أمرهما عَِّ باللعان في مسجده لعلمه أنهما يعظمانه فأراد التعظيم عليهما
ليرجع المبطل منهما إلى الحق وينحجز عن الأيمان الكاذبة، وكذلك كان لعانهما بعد
العصر لعظم اليمين الكاذبة في ذلك الوقت. وقال الشافعي: يلاعن في المسجد إلاَّ أن تكون
حائضاً فعلى باب المسجد. قوله: ((قال ابن جريج قال ابن شهاب)) موصول إليه بالسند
المتقدم. قوله: ((وكانت حاملاً)) أي: كانت المرأة حاملاً حين وقع اللعان بينهما، وقد مر هذا
الحديث في سورة النور في باب: ﴿والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين﴾
[النور: ٧] وفيه: وكانت حاملاً فأنكر حملها، وفيه دليل على جواز الملاعنة بالحمل وإليه
ذهب ابن أبي ليلى ومالك وأبو عبيد وأبو يوسف في رواية فإنهم قالوا: من نفى حمل امرأته
لاعن بينهما القاضي وألحق الولد بأمه. وقال الثوري وأبو حنيفة وأبو يوسف في المشهور عنه
ومحمد وأحمد في رواية ابن الماجشون من المالكية وزفر بن الهذيل: لا يلاعن بالحمل،
وأجابوا عن الحديث بأن اللعان فيه كان بالقذف لا بالحمل، وقد بسطنا الكلام فيه هناك.
قوله: ((في ميراثها)) أي: في ميراث الملاعنة. وأجمع العلماء على جريان التوارث بين الولد
وبين أصحاب الفروض من جهة أمه وهم إخوته وأخواته من أمه وجداته من أمه ثم إذا دفع
إلى أمه فرضها وإلى أصحاب الفروض وبقي شيء فهو لمولى أمه إن كان عليها ولاء. وإلا
يكون لبيت المال عند من لا يرى بالرد ولا بتوريث ذوي الأرحام. قوله: ((ما فرض الله لها»،
وهو الثلث إن لم يكن له ولد ولا ولد ابن ولا اثنان من الإخوة والأخوات، فإن كان شيء من
ذلك فلها السدس، فإن فضل شيء من أصحاب الفروض فهو لبيت المال عند الزهري
والشافعي ومالك وأبي ثور. وقال الحكم وحماد: ترثه ورثة أمه، وقال آخرون: عصبته عصبة
أمه، روي هذا عن علي وابن مسعود وعطاء وأحمد بن حنبل. قال أحمد: فإن انفردت الأم
أخذت جميع ماله بالعصوبة، وقال أبو حنيفة: إذا انفردت أخذت الجميع الثلث بالفرض
والباقي بالرد على قاعدته.
قوله: ((قال ابن جريج عن ابن شهاب))، هو أيضاً موصول بالسند المتقدم. قوله: ((إن
جاءت به)) أي: إن جاءت الملاعنة بالولد المنفي ((أحمر قصيراً)) وفي رواية أبي داود: أحيمر
بالتصغير، وفي رواية الشافعي: أشقر، وقال ثعلب: المراد بالأحمر الأبيض لأن الحمرة إنما
تبدو في البياض قوله: ((وحرة))، بفتح الواو والحاء المهملة وبالراء وهي: دويبة تترامى على
الطعام واللحم وتفسده هي من نوع الوزغ، وقيل: دويبة حمراء تلزق بالأرض. قوله: ((أعين))
يلفظ أفعل الصفة، أي واسع العين. قوله: ((ذا أليتين)) أي: أليتين عظيمتين. قوله: ((فجاءت به

٤٢٤
٦٨ - كتابُ الطلاَقِ / باب (٣١)
على المكروه من ذلك))، وهو الأسود إنما كره لأنه مستلزم لتحقيق الزنا وتصديق الزوج.
٣١ - بابُ قَوْلِ النبيِّ يَّلِ: لَوْ كُنْتُ راجِماً بِغَيْرِ بَيَِّةِ
أي: هذا باب في قوله عَ لَّهِ: ((لو كنت راجماً) أحداً ((بغير بينة)) لرجمته، وجواب: لو،
محذوف وهو الذي قدرناه.
٥٣١٠/٥٣ _ حدّثنا سَعِيدُ بنُ عُفَيْرِ قال: حدّثني الليْثُ عنْ يَحْبَى بنِ سَعيدٍ عنْ عِبْدِ .
الرَّحْمنِ بنِ القاسِمِ عنِ القاسِمِ بنِ مُحَمَّدٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ: أنَّهُ ذُكِرَ التّلاَعُنُ عِنْدَ النبيِّ عَ له
فقال عاصِمُ بنُ عَدَيٍّ في ذُلِكَ قَوْلاً ثُمَّ انْصَرَفَّ. فَأَتَاهُ رْجَلٌ مِنْ قَوْمِهِ يَشْكُو إِلَيْهِ أنَّهُ قَدْ وَجَدَ
مَعَ امْرَأْتِهِ رجلاً، فقال عاصِمٌ: ما ابْتُلِيتُ بِهذا إلا لِقَوْلِي، فَذَهَبَ بِهِ إلى النبيِّ عَُّلَّهِ فَأَخْبَرَهُ
بِالَّذِي وجَدَ عَلَيْهِ امْرَأْتَهُ، وكانَ ذُلِكَ الرَّجُلُ مُصْفَرًّا قَلِيلَ اللَّحْم سَبْطَ الشَّعَرِ، وكانَ الَّذِي الدَّعَى
عَلَيْهِ أنّهُ وجَدَهُ عِنْدَ أهْلِهِ خَذْلاً آدَمَ كَثِيرَ اللّحْمِ، فقال النبيُّ عَِّ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ، فجاءَتْ بِهِ شَبِيهاً
بالرّمجلِ الَّذِي ذَكَرَ زَوْجُها أنَّهُ وجَدَهُ، فَلاَعَنَّ النبيُّ عَِّ بَيْنَهُما، قال رجلٌ لابنِ عَبَّاسٍ في
المَجْلِسِ: هِي الّتِي قال النبيُّ عَّهِ: لَوْ رَجَمْتُ أَحَداً بِغَيْرِ بَيَّةٍ رَجَمْتُ لهذِهِ؟ فقال: لا تِلْكَ
امرأةٌ كانَتْ تُظْهِرُ في الإِسْلاَمِ السُّوءَ.
قال أبُو صالِحِ وعبْدُ الله بنُ يُوسُفَ: خَدِلاً [الحديث ٥٣١٠ - أطرافه: في: ٥٣١٦،
٦٨٥٥، ٦٨٥٦، ٧٢٣٨].
مطابقته للترجمة في قوله: ((لو رجمت أحداً بغير بينة رجمت هذه)) وسعيد بن عفير
هو سعيد بن كثير بن عفير بضم العين المهملة وفتح الفاء مولى الأنصار المصري، ويحيى بن
سعيد هو الأنصاري، وعبد الرحمن بن القاسم يروي عن أبيه القاسم بن محمد بن أبي بكر
الصديق رضي الله تعالى عنهم، ووقع في رواية النسائي عن أبيه.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في المحاربين عن عبد الله بن يوسف، وفي الطلاق
عن إسماعيل بن أبي أويس أيضاً. وأخرجه مسلم في اللعان عن محمد بن رمح وغيره.
وأخرجه النسائي في الطلاق وفي الرجم عن عيسى بن حماد به، وفي الطلاق أيضاً عن يحيى
ابن محمد.
قوله: ((أنه ذكر التلاعن))، يعني: أنه قال: ذكر فحذف لفظ: قال: وصرح به في رواية
سليمان التي تأتي. قوله: ((ذكر)) على صيغة المجهول أسند إلى التلاعن أي: ذكر حكم
الرجل الذي يرمي امرأته بالزنا، فعبر عنه بالتلاعن باعتبارها آل إليه الأمر بعد نزول الآية، ووقع
في رواية سليمان ذكر المتلاعنان. قوله: ((فقال عاصم بن عدي)) أي: ابن الجد بن العجلان
ابن حارثة بن ضبيعة العجلاني ثم البدري، وهو صاحب عويمر العجلاني الذي قال له: سل
لي يا عاصم رسول الله عَ ليه في حديث اللعان، وعاصم شهد بدراً وأحداً والخندق والمشاهد
كلها، وقيل: لم يشهد بدراً بنفسه لأنه عَّلّ قد استخلفه حين خرج إلى بدر على قباء وأهل

٤٢٥
٦٨ - كتابُ الطلاَقِ / باب (٣١)
العالية وضرب له بسهمه فكأنه كان قد شهدها وتوفي سنة خمس وأربعين، وقد بلغ قريباً من
عشرين ومائة سنة. قوله: ((في ذلك)) قولاً هو أنه كان قد قال عند رسول الله عَ لّلم أنه لو
وجد مع امرأته رجلاً لضربه بالسيف حتى يقتله، فابتلي بعويمر العجلاني وهو من قومه ليريه
الله تعالىٍ كيف حكمه في ذلك وليعرفه أن التسليط في الدماء لا يسوغ في الدعوى، ولا
يكون إلاّ بحكم الله تعالى، ليرفع أمر الجاهلية. وقال الكرماني قولاً أي: كلاماً لا يليق نحو
ما يدل على عجب النفس والنخوة والغيرة وعدم الحوالة إلى إرادته وحوله وقوته. وقال
بعضهم: كان ذلك بمعزل عن الواقع ثم طول الكلام. قلت: ليس في كلامه ما هو بمعزل عن
الواقع، لكنه لم يصرح فيه. قوله: إنه لو وجد مع امرأته رجلاً لضربه بالسيف، وذكرها ما
يقتضيه أن يفعل فعل من عنده نخوة ومروءة وغيرة عند وجود هذا الأمر، وأما عدم حوالة
الأمر فيه إلى الله تعالى فيمكن أنه لم يكن علم ما حكم الله في هذا حتى ابتلي وعرف.
قوله: ((ثم انصرف)) أي: عاصم من عند النبي عَّ. قوله: ((فأتاه رجل)) هو عويمر. قوله: ((من
قومه)) لأن كلاً منهما عجلاني. قوله: ((إليه)) أي: إلى عاصم. قوله: ((ما ابتليت)) على صيغة
المجهول ((إلاَّ لقولي)) وهو قوله: لو وجدت رجلاً مع امرأتي لضربه بالسيف، أو كان عيَّر
أحداً فابتلي به، كذا قاله الداودي، ورد عليه بعضهم بأن هذا بمعزل عن الواقع، فقد وقع في
مرسل مقاتل بن حبان عند ابن أبي حاتم: فقال عاصم: إنا لله وإنا إليه راجعون، هذا والله
سؤالي عن هذا الأمر بين الناس فابتليت به، والذي كان قال: لو رأيته لضربته بالسيف هو
سعد بن عبادة، رضي الله تعالى عنه. قلت: فيه نظر، لأن قول سعد بن عبادة في قضية هلال
ابن أمية، وقول عاصم في قضية عويمر، فالكلامان مختلفان، وذكر أن ابن سيرين عيَّر رجلاً
بفلس ثم ندم وانتظر العقوبة أربعين سنة ثم نزل به. قوله: ((وكان ذلك الرجل)) أي: الذي
رمى امرأته به. قوله: ((مصفراً) بتشديد الراء أي: قوي الصفرة، وهذا لا يخالف قوله في
حديث سهل: إنه كان أحمراً وأشقر، لأن ذلك لونه الأصلي والصفرة عارضة. قوله: ((قليل
اللحم)) أي: نحيف الجسم.
قوله: ((سبط الشعر)) بفتح السين المهملة وكسر الباء الموحدة وإسكانها وهو ضد
الجودة أي: مسترسلاً غير جعد. قوله: ((خدلاً)) بفتح الخاء المعجمة وإسكان الدال المهملة
وهو الممتلىء الساق الضخم، وقال ابن الفارس: ممتلىء الأعضاء، وقال الطبري: لا يكون
إلاَّ مع غلظ العظم مع اللحم، وقال ابن التين: ضبط في بعض الكتب بكسر الدال وتخفيف
اللام وفي بعضها بتشديد اللاّم، وفي بعضها بسكون الدال، وكذلك هو في كتب اللغة،
وكذا ضبط في رواية أبي صالح وابن يوسف. قوله: ((اللهم بيّ)) أي: حكم المسألة، ويقال:
معناه الحرص على أن يعلم من باطن المسألة ما يقف به على حقيقتها وإن كات شريعته قد
أحكمها الله في القضاء بالظاهر، وإنما صارت شرائع الأنبياء، عليهم السلام، يقضى فيها
بالظاهر لأنها تكون سبباً لمن بعدهم من أممهم ممن لا سبيل له إلى وحي يعلم به بواطن
الأمور. قوله: ((فجاءت)) في رواية سليمان بن بلال: فوضعت. قوله: ((فلاعن النبي عَّه

٤٢٦
٦٨ - كتابُ الطلاقِ / باب (٣٢)
بينهما)) قيل: اللعان مقدم على وضع الولد، فعلى ما عطف: فلاعن؟ وأجيب: بأن المراد منه:
فحكم بمقتضى اللعان، وقيل: ظاهره أن الملاعنة بينهما تأخرت حتى وضعت، ولكن معناه أن
قوله: ((فلاعن)) معقب بقوله: فذهب به إلى النبي عَّمه فأخبره بالذي وجد عليه امرأته،
واعترض قوله: ((وكان ذلك الرجل ... )) إلى آخره. قوله: ((فقال رجل)) هو عبد الله بن شداد
ذكره البخاري في كتاب المحاربين. قوله: ((قال النبي عَّلـ: لو رجمت أحداً بغير بينة
رجمت هذه))، أراد به امرأة عويمر، يعني: إنما لا عن بينها وبين زوجها ولم يرجمها بالشبه،
لأن الرجم لا يكون إلاَّ ببينة. قوله: ((تلك امرأة)) إشارة إلى امرأة عويمر، وأراد: بالسوء،
الفاحشة. قال الداودي: فيه جواز الغيبة لمن يظهر السوء، وفي الحديث: لا غيبة لمجاهر.
قوله: ((قال أبو صالح)) هو عبد الله بن صالح الجهني بالجيم والهاء والنون، وهو
كاتب الليث بن سعد وعبد الله بن يوسف التنيسي، بكسر التاء المثناة من فوق وتشديد النون
المكسورة وسكون الياء آخر الحروف وبالسين المهملة: نسبة إلى تنيس بلدة كانت في
جزيرة في وسط بحيرة بالقرب من دمياط وخربت وبادت. قوله: ((خدلاً)) قال الكرماني: هما
قالا آدم خدلاً بدون ذكر: كثير اللحم؟ قلت: رواية عبد الله بن يوسف أخرجها البخاري في
كتاب المحاربين ولفظه: وجده عند أهله آدم خدلاً كثير اللحم، فالذي قاله الكرماني يخالف
هذه، وإنما قال ذلك بالتخمين، بل المراد أن في روايتهما خدلاً بفتح الخاء وكسر الدال،
وفي الرواية المتقدمة: خدلاً، بسكون الدال. فافهم.
٣٢ - بابُ صداقُ الْمُلَاعَنَةِ
أي: هذا باب في بيان الحكم في صداق المرأة الملاعنة.
٥٣١١/٥٤ _ حدّثني عَمْرُو بنُ زُرَارَة أخبرنَا إِسْمَاعِيلُ عنْ أَيُّوبَ عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ
قال: قُلْتُ لابْنِ عُمَرَ: رَجُلٌ قَذَفَ امْرَأَتَهُ؟ فقال: فَرَّقَ النبيُّ عَ لَّ بَيْنَ أُخَوَيْ بَنِي العَجْلاَنِ،
وقال: الله يَعْلَمُ أنَّ أحَدَكُما كاذبٌ فَهَلْ مِنْكما تائِبٌ؟ فأبيا، فقال: الله يَعْلَمُ أنَّ أحَدَكُما
كاذِبٌ فَهَلْ مِنْكُما تائِبٌ؟ فأبيا، فقال: الله يَعْلَمُ أن أحَدَكُما كاذِبٌ فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟ فَأَبَيا،
فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا. قال أيُّوبُ: فقال لِي عَمْرُو بنُ دِينارٍ: إنَّ في الحدِيثِ شَيْئاً لا أَرَاكَ تُحَدِّثُهُ.
قال: قال الرَّجُلُ: ما لِي؟ قال: قِيلَ: لا مالَ لَكَ، إِنْ كُنْتَ صادِقاً فَقَدْ دَخَلَتْ بِها، وإنْ
كُنْتَ كاذِباً فَهْوَ أَبْعَدُ مِنْكَ. [الحديث ٥٣١١ - أطرافه في: ٥٣١٢، ٥٣٤٩، ٥٣٥٠].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله ((لا مال لك)) إلى آخره، لأن المراد منه الصداق الذي
لها عليه ودخل بها، وانعقد الإجماع على أن المدخول بها تستحق جميع الصداق،
والخلاف في غير المدخول بها، فالجمهور على: أن لها النصف كغيرها من المطلقات قبل
الدخول وقال أبو الزناد والحكم وحماد: بل لها جميعه، وقال الزهري: لا شيء لها أصلاً،
وروي عن مالك نحوه. وعمرو بن زرارة مر عن قريب.
وإسماعيل هو ابن علية وأيوب هو السختياني.

٤٢٧
٦٨ - كتابُ الطلاقِ / باب (٣٣)
والحديث أخرجه مسلم في اللعان عن أبي الربيع الزهراني وغيره. وأخرجه أبو داود
في الطلاق عن أحمد بن حنبل. وأخرجه النسائي فيه عن زياد بن أيوب.
قوله: ((رجل قذف امرأته))، يعني: ما الحكم فيه. قوله: ((بين أخوي بني العجلان)»،
حاصل معناه: بين الزوجين كليهما من قبيلة بين عجلان. وقوله: ((بين أخوي بني العجلان))
من باب التغليب حيث جعل الأخت كالأخ، وإطلاق الأخوّة بالنظر إلى أن المؤمنين أخوة،
والعرب تطلق الأخ على الواحد من قوم فيقولون: يا أخا بني تميم، يريدون واحداً منهم، ومنه
قوله تعالى: ﴿إِذ قال لهم أخوهم نوح﴾ [الشعراء: ١٠٦]. قيل: أخوهم لأنه كان منهم. قوله:
((وقال: الله يعلم أن أحدكما كاذب))، يحتمل أن يكون قبل اللعان تحذيراً لهما منه وترغيباً
في تركه، وأن يكون بعده، والمراد بيان أنه يلزم الكاذب التوبة، وفي رواية المستملي:
أحد كما لكاذب، باللام. قوله: ((فهل منكما تائب؟)) ظاهره أن ذلك كان قبل صدور اللعان
منهما.
قوله: ((قال أيوب)) موصول بالسند المتقدم، وهو أيوب السختياني الراوي. قوله: ((قال
لي عمرو بن دينار ... )) إلى آخره، حاصله أن عمرو بن دينار وأيوب سمعا الحديث من سعيد
ابن جبير فحفظ عمرو ما لم يحفظه أيوب وهو قوله: ((قال الرجل: مالي)» أي: الصداق الذي
دفعه إليها، فقيل له: لا مال لك لأنك إن كنت صادقاً فيما ادعيته عليها فقد دخلت بها
واستوفيت حقك منها قبل ذلك، وإن كنت كاذباً فيما قلته فهو أبعد لك من مطالبتها بمال،
لئلا تجمع عليها الظلم في عرضها ومطالبتها بمال قبضته منك قبضاً صحيحاً تستحقه.
وقال ابن المنذر: فيه: دليل على وجوب صداقها، وأن الزوج لا يرجع عليها بالمهر
وإن أقرت بالزنا لقوله عَ لَّهِ: ((إن كنت صادقاً .. ) الخ.
٣٣ _ بابُ قَوْلِ الإِمامِ لِلْمُتَلاَعِتَيْنِ: إِنَّ أحَدَكُمَا كاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُما تائِبٌ؟.
أي: هذا باب في بيان قول الإمام إلى آخره، وقال بعضهم: فيه تغليب المذكر على
المؤنث. قلت: لا يقال في مثل هذا: تغليب للمذكر على المؤنث، لأن التثنية إذا كانت
للخطاب يستوفي فيها المذكر والمؤنث، وقال عياض: في قوله: أحد كما، رد على من قال
من النحاة: إن لفظ أحد لا يستعمل إلاَّ في النفي، وعلى من قال منهم: لا يستعمل إلاّ في
الوصف، وأنه لا يوضع موضع واحد ولا يقع موقعه، وقد جاء في هذا الحديث في غير
وصف ولا نفي، وبمعنى: واحد، ورد عليه بأن الذي قالته النحاة إنما هو في أحد الذي للعموم
نحو: ما في الدار من أحد، وما جاءني من أحد، وأما أحد بمعنى واحد فلا خلاف في
استعماله في الإثبات. نحو: ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: ١] ونحو: ﴿فشهادة أحدهم﴾
[النور:٦] ونحو: أحد كما كاذب. قوله: ((فهل منكما تائب)) يحتمل أن يكون إرشاداً لأنه لم
يحصل منهما ولا من أحدهما اعتراف، ولأن الزوج إذا أكذب نفسه كانت توبة منه.
٥٣١٢/٥٥ _ حدّثنا عَلِيُّ بنُ عبدِ الله حدَّثنا سُفْيانُ قال عَمْرٌو: سَمِعْتُ سَعيدَ بنَ

٤٢٨
٦٨ - كتابُ الطلاقِ / باب (٣٤)
مُجُبَيْرٍ، قال: سألْتُ ابنَ عُمَرَ عن المُتَلاعِنَيْنِ، فَقال: قال النبيُّ عَّله، لِلْمُتَلاَعِنَيْنِ: حِسابُكُما
علَى الله، أحَدُكُما كاذِبٌ لاَ سَبِيلَ لَكَ عَليْها. قال: مالِي؟ قال: لا مالَ لَكَ، إِنْ كُنْتَ
صَدَقْتَ عَلَيْهَا فَذَاكَ أَبْعَدُ لَكَ.
قال سُفيانُ: حَفِظْتُهُ مِنْ عَمْرٍو. وقال أَيُّوبُ سَمِعْتُ سَعِيد بنَ مُجُبَيْرٍ قال: قُلْتُ لابنٍ
عُمَرَ: رجلٌ لاَنَ امْرَأَتَهُ، فقال باصْبَعَيْهِ، وفَّقَ سُفْيانُ بَيْنَ أصْبَعَيْهِ السَّبَّايَةِ والؤُسْطَى، وفَّقَ
النبيُّ عَ لَّهِ بَيْنَ أَخَوَيْ بَنِي العَجْلاَنِ، وقال: الله يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُما كاذِبٌ فَهَلْ مِنْكما تائِبٌ؟
ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، قال سُفْيانُ: حَفِظْتُهُ مِنْ عَمْرٍو وأيُّوبَ كما أَخْبَرْتُكَ. [انظر الحديث: ٥٣١١
وطرفيه].
مطابقته للترجمة ظاهرة. وعلي بن عبد الله هو ابن المديني، وسفيان هو ابن عيينة،
وعمرو هو ابن دینار.
قوله: ((عن المتلاعنين)) أي: عن حكمهما. قوله: ((لا سبيل لك عليها)) أي: على
الملاعنة لأن اللعان رفع سبيله عليها. قوله: ((فذاك)) ويروى: فذلك إشارة إلى الطلب، واللام
في ذلك للبيان نحو: هيت لك.
قوله: ((وقال أيوب)) موصول بالسند المتقدم وليس بتعليق. قوله: ((فقال بإصبعيه)) هو
من إطلاق القول على الفعل. قوله: ((قال سفيان: حفظته من عمرو وأيوب))، هذا من كلام
علي بن عبد الله شيخ البخاري، يريد به سماع سفيان من عمرو وأيوب.
٣٤ - بابُ التَّفْرِيقِ بَيْنَ المُتَلاَعَنَیْنِ
أي: هذا باب في بيان التفريق بين الزوجين المتلاعنين، وهذه الترجمة ثبتت للمستملي
وثبت لفظ: باب، فقط عند النسفي بلا ترجمة وسقط ذلك للباقين.
٥٦/ ٥٣١٣ - حدّثني إبْرَاهِيمُ بنُ المُنْذِرِ حدَّثَنَا أَنَسُ بنُ عِياضٍ عنْ عُبَيْدِ الله عنْ
نافِعٍ: أَنَّ ابنَ عُمَرَ، رضي الله عنهما، أخْبَرَهُ أنَّ رسولَ الله عَّهِ فَرَّقَ بَيْنَ رجُلٍ وامرَأَةٍ قَذَفَهَا
وأخْلَفَهُما. [انظر الحديث: ٤٧٤٨ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة وعبيد الله هو ابن عمر العمري. قوله: ((قذفها)) جملة وقعت
حالاً أي: حال كونه قذف المرأة بالزنا. قوله: ((وأحلفهما)) من الإحلاف قوله: ((فرق))، دليل
لأبي حنيفة وصاحبيه أن اللعان لا يتم إلاَّ بتفريق الحاكم، وهو قول الثوري أيضاً وقد مر
الكلام فيه مبسوطاً.
٥٣١٤/٥٧ - حدّثنا مُسَدَّدٌ حدثنا يَحْيَى عنْ عُبَيْدِ الله أخبرني نافِعٌ عنِ ابنِ عُمَرَ
قال: لاَعَنَ النبيُّ عَُّلّهِ، بَيْنَ رجُلٍ وامرأةٌ منَ الأنْصَارِ، وفَّقَ بَيْنَهُمَا. [انظر الحديث: ٤٧٤٨
وأطرافه].
هذا طريق آخر في حديث ابن عمر. أخرجه عن مسدد عن يحيى القطان عن عبيد الله

٤٢٩
٦٨ - كتابُ الطلاقِ / باب (٣٥)
ابن عمر العمري إلى آخره.
قوله: ((بين رجل وامرأة)) من الأنصار، فالرجل هو هلال بن أمية الأنصاري وهو الذي
قذف امرأته بشريك بن السحماء وهو شريك بن عبد بن مغيث حليف للأنصار وسحماء
بالسين المهملة اسم أمه، وقال أبو عمر رحمه الله: روى جرير بن حازم عن أيوب عن عكرمة
عن ابن عباس قال: لما قذف هلال بن أمية امرأته قيل له: والله ليجلدنك رسول الله عَ ليه،
ثمانين. فقال: الله أعدل، وقد علم أني رأيت، فنزلت آية الملاعنة. وقال ابن التين: الأصح أن
هلالاً لاعن قبل عويمر - وقال الماوردي في (الحاوي): الأكثرون على أن قصة هلال أسبق
من قصة عويمر، وفي (الشامل) لابن الصباغ: قصة هلال تنبىء أن الآية الكريمة نزلت فيه أولاً،
وما قيل لعويمر: قد أنزل فيك وفي صاحبتك، يعني: ما نزل في قصة هلال، لأن ذلك حكم
عام لجميع الناس. قلت: هذا الذي يقوله الأصوليون العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب.
فإن قلت: قال في الرواية الأولى: فرق بين رجل وامرأة قذفها وأحلفهما، وفي هذه الرواية:
قال: ((لاعن النبي عَّله ... )) إلى آخره، ثم قال: وفرق بينهما. قلت: لا فرق بينهما في
المعنى في الحقيقة لأنه لا بد من الملاعنة .. والتفريق من الحاكم. وهو حجة قوية للحنفية
أن اللعان لا يتم إلاَّ بتفريق الحاكم بينهما، وقد ذكرنا الخلاف فيه عن قريب.
٣٥ - بابٌ يُلْحَقُ الوَلدُ بالمُلاَعَنِةِ
أي: هذا باب في بيان أن الولد يلحق بالمرأة الملاعنة إذا نفاه الزوج قبل الوضع أو
بعده.
٥٣١٥/٥٨ _ حدّثنا يختَى بنُ بُكَثِرٍ حدثنا مالك قال: حدّثني نافِعٌ عن ابنٍ عُمَرَ: أَنَّ
النبيَّ ◌َِّ لاعَنَ بَيْنَ رَجُلٍ وامْرَأْتِهِ فَانْتَفَى مِنْ وَلدها، فَفَرَّقَ بَيْنَهما وألْحق الوَلَدَ بِالمَرْأَةِ. [انظر
الحديث: ٤٧٤٨ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة.
والحديث رواه البخاري أيضاً في الفرائض عن يحيى بن قزعة. وأخرجه مسلم في
اللعان عن يحيى بن يحيى وغيره. وأخرجه أبو داود في الطلاق عن القعنبي. وأخرجه
الترمذي في النكاح، والنسائي في الطلاق جميعاً عن قتيبة. وأخرجه ابن ماجه في الطلاق عن
أحمد بن سنان عن عبد الرحمن بن مهدي سبعتهم عن مالك به.
وهذا الحديث مشتمل على ثلاثة أحكام.
الأول: اللعان، وليس فيه خلاف وأجمعوا على صحته ومشروعيته.
الثاني: التفرقة. واختلف العلماء فيها، وقد ذكرنا عن قريب عن مالك والشافعي أنه
تقع الفرقة بينهما بنفس التلاعن، وعن أبي حنيفة. لا يحصل إلاَّ بتفريق الحاكم لظاهر
الحديث المذكور، وهو حجة على المخالفين.

٤٣٠
٦٨ - كتابُ الطَلاَقِ / باب (٣٦)
الثالث: إلحاق الولد بالأم. بظاهر الحديث، وذلك أنه إذا لاعنها ونفى عنه نسب
الحمل انتفى عنه ويثبت نسبه من الأم ويرثها وترث منه، وقد مر الكلام فيه عن قريب. وقال
الطحاوي: ذهب قوم إلى أن الرجل إذا نفى ولد امرأته لم ينتف به ولم يلاعن به، واحتجوا
في ذلك بقوله عَّ له: الولد للفراش وللعاهر الحجر. قلت: أخرجه الجماعة من حديث عائشة
غير الترمذي قالوا: الفراش يوجب حق الولد في إثبات نسبه من الزوج والمرأة فليس لهما
إخراجه بلعان ولا غيره. قلت: أراد الطحاوي بالقوم هؤلاء: عامر الشعبي ومحمد بن أبي ذئب
وبعض أهل المدينة، وخالفهم الآخرون وهم جمهور الفقهاء من التابعين ومن بعدهم، منهم
الأئمة الأربعة وأصحابهم فإنهم قالوا: إذا نفى الرجل ولد امرأته يلاعن وينتفي نسبه منه، ويلزم
أمه ثم فيه خلاف آخر من وجه آخر، فقال أصحابنا: إذا كان القذف بنفي الولد بحضرة
الولادة أو بعدها بيوم أو يومين أو نحو ذلك من مدة يأخذ فيها التهنئة وابتياع آلات الولادة
عادة صح ذلك. فإن نفاه بعد ذلك لا ينتفي، ولم يوقت أبو حنيفة، رحمه الله، وقتاً، وروى
عنه أنه وقَّت لذلك سبعة أيام وأبو يوسف ومحمد وقتاه بأكثر النفاس وهو أربعون يوماً،
والشافعي، رحمه الله: اعتبر الفور، فقال: إن نفاه على الفور انتفى وإلاَّ لا. وأجابوا عن حديث
أهل المقالة الأولى أنه: لا ينفي وجوب اللعان بنفي الولد، ولا يعارض الأحاديث التي تدل
على ذلك.
٣٦ - بابُ قوْلِ الإِمام: اللَّهُمَّ بَيِّنْ
أي: هذا باب في بيان قول الإمام في اللعان: اللهم بيّ، أي: أظهر حكم هذه المسألة
الواقعة. وقال ابن العربي، رحمه الله: ليس معنى هذا الدعاء طلب ثبوت صدق قول الإمام
فقط، بل معناه أن تلد ليظهر الشبه.
:
٥٣١٦/٥٩ - حدّثنا إسماعيلُ قال: حدّثني سُليْمانُ بنُ بلاَلٍ عنْ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ
قال: أخبرَني عبْدُ الرَّحْمنِ بنُ القاسِمِ عن القاسِمِ بن مُحَمَّدٍ عن ابنِ عبَّاسٍ أنَّهُ قال: ذُكرِ
المُتَلاَعِنانِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ عَّهِ، فقالَ عاصِمُ بنُ عَدِيٍّ فِي ذَلِكَ قَوْلاً ثمَّ انْصَرَفَ، فأتاه رجلٌ
مِنْ قَوْمِهِ فَذَكَرَ لهُ أنَّهُ وجَدَ مَعَ امْرَأْتِهِ رَجُلاً، فقال عاصِمٌ: ما ابْتُلِيتُ بِهذَا الأمْرِ إلاَّ لِقَوْلِي،
فَذَهَبَ بِهِ إلى رَسُولِ اللهِ عَّ ◌ُلَّهِ، فَأَخْبَرَهُ بِالَّذِي وجَد عَليْهِ امْرَأْتَهُ، وكانَ ذلِكَ الرَّجُلُ مُصْفَرًّا
قَلِيلَ اللَّحْم سَبْطَ الشَّعَرِ، وكانَ الذِي وجَدَ عِنْدَ أهْلِهِ آدَمَ خَذْلا كَثِيرَ اللَّخْم جَعْداً قَطَطاً،
فقال رسولُ الله عَ لَّهِ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ، فَوَضَعَتْ شَبِيهاً بالرّجُلِ الّذِي ذَكَرَ زَوْجُها أَنَّهُ وجَدَ عِنْدَها،
فَلاَ عَنَ رسولُ اللهِ عَ لَّهِ، بَيْنَهُما فقال رجُلٌ لَابْنِ عَبَّاسٍ في المَجْلِسِ: هِيَ الّتِي قال رسولُ الله
عَ لَّهِ: لَوْ رَجَمْتُ أَحَداً بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ لِرَجَمْتُ لهذِهِ؟ فقال ابنُ عَبَّاس: لا، تِلْكَ امْرَأَةٌ كانَتْ تُظْهرُ
السُّوءَ فِي الإِسْلاَمِ. [انظر الحديث: ٥٣١٠ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((اللهم بين فوضعت .. )) إلى آخره. وإسماعيل هو ابن أبي
أويس، ويحيى بن سعيد هو الأنصاري. والحديث قد مر قبله بأربعة أبواب، ومضى الكلام فيه

٤٣١
٦٨ - كتابُ الطلاقِ / باب (٣٧)
مبسوطاً.
قوله: ((قططاً) بالفتحات معناه: الشديد الجعودة، وقيل: الحسن الجعودة، الأول أكثر.
قوله: ((فوضعت)) أي: ولداً، وفي الرواية المتقدمة: فجاءت شبيهاً بالرجل الذي ذكره.
٣٧ - بابٌ إِذَا طَلّقها ثَلاثاً ثُمَّ تَزَوَّجَتْ بَعْدَ العِدَّةِ زَوْجاً غَيْرَهُ فَلَمْ يَسَّها
أي: هذا باب في بيان ما إذا طلقها الملاعن ثلاث طلقات ثم تزوجت الملاعنة بعد
انقضاء عدتها زوجاً غيره فلم يسمها. أي: فلم يجامعها، وجواب: إذا، محذوف تقديره: هل
تحل للأول إن طلقها الثاني، قبل المسيس أم لا؟ وتمام الجواب: لا تحل للأول إلاَّ بطلاق
الزوج الثاني، وكان قد وطئها.
٢٠ / ٥٣١٧ - حدّثنا عَمْرُو بنُ عَلِيّ حدثنا يَحْيَى حدثنا هِشامٌ قال: حدّثني أبي عنْ
عائِشَةَ عنِ النبيّ ◌َ﴾.
٦١ - ح - وحدّثنا عُثْمَانُ بنُ أبي شَيْبَةَ حدثنا عَبْدَةُ عنْ هِشامٍ عنْ أَبِيهِ عنْ
عَائِشَةَ رضِي الله عنها: أنَّ رِفاعَةَ القُرَِيَّ تَزَوَّجَ امْرَأَةٌ ثُمَّ طَلَّقَهَا فَتَزَوَّجَتْ آخَرَ فَأَتَّتِ النبيَّ عَلَّه
فَذَكَرَتْ لهُ أَنَّهُ لا يأتِيها وأَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ إِلَّ مِثْلُ هُذْبَةٍ، فقال: لا حتَّى تَذُوقِي عُسَيلَتَهُ ويَذُوقَ
عُسَيْلَتَكِ. [انظر الحديث ٢٦٣٩ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، ويوضح الحديث معنى الترجمة.
وأخرجه من طريقين. الأول: عن عمرو بن علي الفلاس بالفاء وتشديد اللام عن يحيى
القطان عن هشام بن عروة عن أبيه عروة بن الزبير عن عائشة. الثاني عن عثمان بن أبي شيبة
أخي أبي بكر بن أبي شيبة عن عبدة بفتح العين وسكون الباء الموحدة ابن سليمان الكوفي،
واسمه عبد الرحمن وعبدة لقبه عن هشام إلى آخره.
والحديث قد مر في: باب من أجاز الطلاق الثلاث، ومضى الكلام فيه هناك.

بسم الله الرحمن الرحيم
٦٩ - كتابُ العِدَّةِ
أي: هذا باب في بيان أحكام العدة، ولفظ: كتاب، وقع في كتاب ابن بطال وهو
الصواب، والعدة اسم لمدة تتربص بها المرأة عن الزوج بعد وفاة زوجها أو فراقه لها إما
بالولادة أو بالإقراء أو بالأشهر. قلت: العدة مصدر من عد يعد، يقال: عددت الشيء إذا
أحصيته، وفي الشرع: هي تؤبص أي انتظار مدة تلزم المرأة عند زوال النكاح أو شبهه، وعدة
المرأة الحرة الطلاق أو الفسخ بغير طلاق مثل خيار العتق والبلوغ، وملك أحد الزوجين
صاحبه، والردة، وعدم الكفاءة: ثلاثة أقراء إن كانت من ذوات الحيض وكان بعد الدخول
بها، وثلاثة أشهر لصغر أو كبر، والموت أربعة أشهر وعشرة أيام سواء كانت المرأة مسلمة أو
كتابية تحت مسلم، صغيرة أو كبيرة قبل الدخول أو بعده، وللأمة قرآن في الطلاق إن كانت
ممن تحيض، وإن كانت ممن لا تحيض لصغرٍ أو كبرٍ أو كانت توفي عنها زوجها شهر
ونصف في الطلاق بعد الدخول، وشهران وخمسة أيام في الوفاة، ولا فرق في ذلك بين القنة
وأم الولد والمدبرة والمكاتبة ومعتقة البعض عند أبي حنيفة، وعدة الحامل وضعه أي: وضع
الحمل سواء كانت حرة أو أمة، وسواء كانت العدة عن طلاق أو وفاة أو غير ذلك، وعدة
الغار أبعد الأجلين من عدة الوفاة من عدة الطلاق عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف:
تعتد عدة الوفاة.
١ - بابُ قَوْلِ الله ﴿واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم﴾ [الطلاق: ٤].
أي: هذا باب في قوله تعالى: ﴿واللائي﴾. إلى آخره، وسقط لفظ: باب، لأبي ذر
ولكريمة، وثبت للباقين، وقال الفراء في (كتاب معاني القرآن): ذكروا أن معاذ بن جبل، رضي
الله عنه، سأل سيدنا رسول الله عَّ له فقال: يا رسول الله! قد عرفنا عدة التي تحيض، فما عدة
الكبيرة التي يئست؟ فنزلت: ﴿فعدتهن ثلاثة أشهر﴾ [الطلاق: ٤]، فقام رجل فقال: فما عدة
الصغيرة التي لم تحض؟ فقال ﴿واللائي لم يحضن﴾ بمنزلة الكبيرة التي قد يئست عدتها
ثلاثة أشهر، فقام آخر فقال: فالحوامل يا رسول الله ما عدتهن؟ فقال: ﴿وأولات الأحمال
أجلهن أن يضعن حملهن﴾ [الطلاق: ٤] فإذا وضعت الحامل ذا بطنها حلت للزوج وإن كان
الميت على السرير لم يدفن، وذكره عبد بن حميد في تفسيره عن عمر بن الخطاب نحوه،
وعند الواحدي من حديث أبي عثمان عمرو بن سالم قال: لما نزلت عدة النساء في سورة
البقرة قال أبي بن كعب: يا رسول الله! إن أناساً من أهل المدينة يقولون: قد بقي من النساء
ما لم يذكر فيهن شيء ... قال: وما هو؟ قال: الصغار والكبار وذوات الحمل؟ فنزلت هذه
الآية الكريمة. وفي (تفسير مقاتل) قال خلاد الأنصاري: يا رسول الله! ما عدة من لم تحض؟
فنزلت.
٤٣٢

٤٣٣
٦٨ - كتابُ العِدَّةِ / باب (٢)
قال مُجاهدٌ: إِنْ لَمْ تَعْلَمُوا يَحِضْنَ أوْ لاَ يَحِضْنَ والَلائِي فَعَدْنَ عن الخَيْضِ
والّلائِي لَمْ يَحِضْنَ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ.
أي: قال مجاهد في تفسير قوله: ﴿إِن ارتبتم﴾ [الطلاق: ٤] بقوله: ((إن لم تعلموا)) ..
الخ ووصل هذا التعليق عبد بن حميد عن شبابة عن ورقاء عن ابن أبي نجيح عنه، وقد أجمع
العلماء على أن عدة الآيسة من المحيض ثلاثة أشهر، وأما أولات الأحمال .. فقال إسماعيل
ابن إسحاق: أكثر العلماء، والذي، مضى عليه العمل أنها إذا وضعت حملها فقد انقضت
عدتها، وخالف في ذلك علي وابن عباس، رضي الله تعالى عنهم، فإنهما قالا: عدتها آخر
الأجلين، وروي أيضاً عن سحنون، وروي عن ابن عباس: الرجوع عن ذلك، ويؤيد ذلك أن
أصحابه عطاء وعكرمة وجابر بن زيد قالوا كقول الجماعة، وقال حماد بن أبي سليمان: لا
تخرج عن العدة حتى ينقضي نفاسها وتغتسل منه.
٢ - بابُ قَوْلِهِ تعالى: ﴿وأولاتُ الأحمالِ أجلهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]
أي: هذا باب في قوله تعالى: ﴿وأولات الأحمال﴾ [الطلاق: ٤] وقد مر بيانه عن
قريب، وأولات الأحمال الحبالى.
٦٢ / ٥٣١٨ - حدّثنا يَخيَى بنُ بُكَيْرٍ حدثنا اللّيْثُ عنْ جَعْفَرِ بنِ رِبِيعَةَ عنْ عَبْد
الرَّحْمنِ بنِ هُرْمُزَ الأعْرَجِ قال: أخبرني أَبُو سَلَمَة بنُ عبدِ الرَّحمنِ أنَّ زَيْنَبَ ابْنَةً أبي سَلَمَة
أَخْبَرَتْهُ عنْ أَمِّها أُمّ سَلَمَّة - زَوْجِ النبيّ عَلِ: أنَّ امْرَأَةً مِنْ أَسْلَمَ يُقالُ لها: سُبَيْعَةُ، كَانَتْ
تَحْتَ زَوْجِها تُؤُفِّيَ عنْها وهي خُبْلَى، فَخَطَبَها أبُو السَّنابِلِ بنُ بَعْكَكٍ، فَأَبَتْ أنْ تَنْكِحَهُ،
فقال: والله ما يَصْلُحُ أنْ تَنْكحِيهِ حتَّى تَعْتَدِّي آخِرَ الأجَلْيْنِ، فَمَكَفَتْ قَرِيباً مِنْ عَشْرِ لَيَالٍ ثُمّ
جاءَتِ النبيَّ عَّهِ فقال: أَنْكِحِي. [انظر الحديث: ٤٩٠٩].
مطابقته للترجمة ظاهرة. ورجاله قد ذكروا غير مرة.
والحديث أخرجه النسائي في الطلاق أيضاً عن عبد الملك بن شعيب بن الليث بن
سعد عن أبيه عن جده به.
قوله: ((من أسلم)) بلفظ أفعل التفضيل نسبة إلى أسلم بن أفصى بن حارثة بن عمرو.
قوله: ((سبيعة)) مصغر السبعة التي بعد الستة بنت الحارث، وزوجها سعد بن خولة من بني
عامر بن لؤي من أنفسهم، وقيل: هو حليف لهم، مات بمكة في حجة الوداع وهو الصحيح.
قوله: ((وهي حبلى)) الواو فيه للحال. قوله: ((أبو السنابل)) جمع سنبلة، واسمه عمرو، وقيل:
حبة بن بعكك بن الحجاج بن الحارث ابن السباق بن عبد الدار بن قصي القرشي العبدري،
كان من مسلمة الفتح، وكان شاعراً ومات بمكة. قوله: ((فأبت أن تنكحه)) أي: فامتنعت من
أن تنكحه، وأن مصدرية. قوله: ((فقال)) القائل هو أبو السنابل، ووقع عند الشيخ أبي الحسن:
فقالت، وهو تحريف لأن أبا السنابل خاطبها بذلك. قوله: ((آخر الأجلين)) يعني: وضع
الحمل وتربص أربعة أشهر وعشر، يعني: تعتدي بأطولهما. قوله: (أنكحي)) أمرها النبي عَ ◌ّه.
عمدة القاري ١- ٢٨٠/٢٠
لماری

٤٣٤
٦٨ - كتابُ العِدَّةِ / باب (٢)
بالنكاح لأن مدتها انقضت بوضع الحمل لقوله تعالى: ﴿وأولات الأحمال﴾ [الطلاق: ٤] ...
الآية وقوله معَ له: هذا أيضاً خصص عموم الآية لأن الآية وهي قوله تعالى: ﴿والذين يتوفون
منكم ويذرون أزواجاً﴾ [الطلاق: ٤] عامة في كل معتدة من طلاق أو وفاة إذ جاءت مجملة
لم يذكر فيها أنها للمطلقة خاصة، ولا للمتوفى عنها زوجها، خاصة. والعمل على حديث
الباب بالحجاز والعراق والشام، ولا يعلم فيه مخالف إلاّ ما روي عن علي وابن عباس، رضي
الله تعالى عنهم، وقد ذكرناه في آخر الباب الذي قبل.
٦٣ /٥٣١٩ - حدّثنا يَخْيَى بنُ بُكَيْرٍ عنِ اللَّيْثِ عنْ يَزِيدَ أنَّ ابنَ شِهابٍ كَتَبَ إِلَيْهِ
أَنَّ عُبَيْدَ الله بنَ عبْدِ الله أَخْبَرَهُ عنْ أَبِيهِ أَنّهُ كَتَبَ إلى ابنِ الأرْقَمِ أن يَسْألَ سُبَيْعَةَ الأَسْلَمِيَّةَ:
كَيْفَ أَقْتَاها النبيُّ عَّ؟ فقالَتْ: أَقْتَانِي إذَا وضَعْتُ أَنْ أَنْكَحَ. [انظر الحديث: ٣٩٩١].
هذا طريق آخر عن يحيى بن بكير عن يزيد، ويزيد هذا من الزيادة هو ابن أبي حبيب
أبو رجاء المصري واسم أبي حبيب سويد، أعتقته امرأة مولاة لبني حسان بن عامر بن لؤي
القرشي، وأم يزيد مولاة نجيب، كذا قال أبو مسعود في (أطرافه) إنه يزيد بن أبي حبيب،
وصرح به أبو نعيم والطبراني والنسائي في رواياتهم. وقال صاحب (التلويح): وأبى ذلك
شيخنا أبو محمد الدمياطي، فقال: يزيد هذا هو ابن عبد الله بن أسامة بن الهاد، وخالفهم
وخالف الشراح أيضاً. وقال صاحب (التلويح) وصاحب (التوضيح): فينظر، وقيل: هذا وهم
منه. قلت: الظاهر أنه وهم.
قوله: ((كتب إليه)) فيه حجة في جواز الرواية بالمكاتبة. قوله: ((أن عبيد الله بن عبد
الله أخبره عن أبيه))، هو عبد الله بن عتبة بن مسعود. قوله: ((إلى ابن الأرقم)) هو عمر بن
عبد الله بن الأرقم، كذا في (صحيح مسلم) مصرحاً به، ولفظه: عن ابن شهاب قال: حدثني
عبيد الله بن عتبة بن مسعود أن أباه كتب إلى عمر بن عبد الله بن الأرقم، وجميع الشراح
جزموا أنه عبد الله بن الأرقم، والظاهر أن أول شارح للبخاري وهم فيه ثم تبعه كل من أتى
بعده من الشراح، وأما ترجمة عبد الله فهو: عبد الله بن الأرقم بن عبد يغوث بن وهب بن
عبد مناف بن زهرة، أسلم يوم الفتح وكتب لرسول الله عَ ليه ثم لأبي بكر ثم لعمرو،
واستعمله عثمان على بيت المال سنين، ثم استعفاه فأعفاه. وقال خليفة بن خياط: لم يزل
عبد الله بن الأرقم على بيت المال خلافة عمر كلها وسنتين من خلافة عثمان رضي الله
تعالى عنه. وقال عمر رضي الله تعالى عنه: ما رأيت أحداً أخشى لله منه.
٥٣٢٠/٦٤ - حدثنا يَحْيَى بن قَزَعَةَ حدثنا مالِكٌ عنْ هِشامٍ بِنِ عُزْوَةَ عنْ أَبِيهِ عنِ
المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمَةَ أنَّ سُبَيْعَةَ الأَسْلَمِيَّةَ نُفِسَتْ بَعْدَ وفاةِ زوْجِها بِلَيَالٍ، فَجَاءَتِ النبيَّ عَلَّهِ،
فاستَأْذَنَتْهُ أَنْ تَنْكِحَ، فأذِنَ لها فَكَحَتْ.
هذا طريق آخر في الحديث المذكور عن يحيى بن قزعة إلى آخره.
قوله: ((نفست))، بضم النون وفتحها وكسر الفاء من النفاس بمعنى الولادة، وقال

٤٣٥
٦٨ - كتابُ العِدَّةِ / باب (٣)
الهروي: إذا حاضت فالفتح لا غيره. قوله: ((بليال))، قيل: خمس وعشرون ليلة، وقيل: أقلِ
من ذلك، ووقع في رواية الزهري: ((فلم تلبث أن وضعت))، وعند أحمد: ((فلم أمكث إلاّ
شهرين حتى وضعت))، وفي الرواية الماضية في تفسير الطلاق: فوضعت بعد موته بأربعين
ليلة، وعند النسائي: بعشرين ليلة، وعند أبي حاتم: بعشرين أو خمس عشرة، وعند الترمذي
والنسائي: بثلاثة وعشرين يوماً أو خمسة وعشرين يوماً، وعند ابن ماجه ببضع وعشرين،
والجمع بين هذه الروايات متعذر لاتحاد القصة، فلعل ذلك هو السر في إبهام من أبهم المدة.
٣ - بابُ قَوْلِ الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَّ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ فَرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]
أي: هذا باب في قوله تعالى: ﴿والمطلقات﴾ .. إلى آخره، وسقط لفظ: باب، لأبي
ذر، وثبت لغيره، والمراد بالمطلقات المدخول بهن من ذوات الإقراء. قوله: ((يتربصن)) أي:
ينتظرن، وهذا خبر بمعنى الأمر ﴿ثلاثة قروء﴾ بعد طلاق زوجها ثم تتزوج إن شاءت، وقد
أخرج الأئمة الأربعة من هذا العموم الأمة إذا طلقت فإنها تعتد عندهم بقرأين لأنها على
النصف من الحرة، والقرء لا يتبعض فكمل لها قرءان، ولما رواه ابن جريج عن مظاهر بن
أسلم المخزومي المدني عن القاسم عن عائشة: أن رسول الله عَ الله قال: («طلاق الأمة
تطليقتان وعدتها حيضتان))، ورواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، قال ابن كثير: ولكن ظاهر
هذا ضعيف بالكلية، وقال الدارقطني وغيره: الصحيح أنه من قول القاسم بن محمد نفسه،
ورواه ابن ماجه من طريق عطية العوفي عن ابن عمر مرفوعاً، قال الدارقطني: والصحيح ما
رواه سالم ونافع عن ابن عمر. قوله: وهكذا روى عن عمر بن الخطاب، قالوا: ولم يعرف بين
الصحابة خلاف، وقال بعض السلف: بل عدتها عدة الحرة لعموم الآية، ولأن هذا أمر جبلي
فالحرائر والإماء في ذلك سواء، وحكى هذا القول أبو عمر عن ابن سيرين وبعض أهل الظاهر
وضعفه.
وقال إبْرَاهِيمُ، فِيمَنْ تَزَوَّجَ في العِدَّةِ فَحَاضَتْ عِنْدَهُ ثَلاَثَ حِيَضٍ: بانَتْ مِنَ الأَوَّلِ
ولا تَخْتَسِبُ بِهِ لِمَنْ بَعْدَهُ.
إبراهيم هو النخعي، وهذه مسألة اجتماع العدتين، فنقول أولاً: إن العلماء مجمعون
على أن الناكح في العدة يفسخ نكاحه ويفرق بينهما، فإذا تزوج في العدة فحاضت عنده
ثلاث حيض بانت من الأول لأنها عدتها منه. قوله: ((ولا تحتسب به)) أي لا تحتسب هذه
المرأة بهذا الحيض لمن بعده أي: بعد الزوج الأول، بل تعتد عدة أخرى للزوج الثاني، هذا
قول إبراهيم رواه ابن أبي شيبة عن عبدة بن أبي سليمان عن إسماعيل بن أبي خالد عنه،
وروى المدنيون عن مالك: إن كانت حاضت حيضة أو حيضتين من الأول أنها تتم بقية
عدتها منه ثم تستأنف عدة أخرى من الآخر، على ما روي عن عمر بن الخطاب وعلي بن
أبي طالب، وهو قول الليث والشافعي وأحمد وإسحاق. وروى ابن القاسم عن مالك: أن عدة
واحدة تكون لهما جميعاً، وهو قول الأوزاعي والثوري وأبي حنيفة وأصحابه.

٤٣٦
٦٨ - كتابُ العِدَّةِ / باب (٣)
وقال الزُّهْرِيُّ: تَخْتَسِبُ، وهذا أحَبُّ إلى سُفْيَانَ، يَعْنِيٍ: قَوْلَ الزُّهِرِيِّ.
أي: قال محمد بن مسلم الزهري: تحتسب هذا الحيض فيكون عدة لهما، كما
ذكرنا الآن، وهذا أي قول الزهري أحب إلى سفيان الثوري وحجة الزهري ومن تبعه في هذا
إجماعهم أن الأول لا ينكحها في بقية العدة من الثاني، فدل على أنها في عدة من الثاني،
ولولا ذلك لنكحها في عدتها منه، وحجة الأولين أنهما حقان قد وجبا عليها لزوجين كسائر
الحقوق لا يدخل أحدهما في صاحبه.
وقال مَعْمَرٌ: يُقالُ: أَقْرَأَتِ المَزْأَةُ إِذَا دَنا حَيْضُها، وأَقْرَأتْ إِذَا دَنا طُهْرُها، ويُقالُ: ما
قَرَأَتْ بسِلَى قَطُ: إِذَا لَمْ تَجْمَعْ ولَداً فِي بَطْنِها.
معمر بفتح الميمين وسكون العين أبو عبيدة بن المثنى مات سنة عشر ومائتين. قوله:
((يقال: أقرأت المرأة)) غرضه أن القرء يستعمل بمعنى الحيض والظهر، يعني: هو من
الأضداد، واختلف العلماء في الأقراء التي تجب على المرأة إذا طلقت، فقال الضحاك
والأوزاعي والثوري والنخعي وسعيد بن المسيب وعلقمة والأسود ومجاهد وعطاء وطاووس
وسعيد بن جبير وعكرمة ومحمد بن سيرين والحسن وقتادة والشعبي والربيع، ومقاتل بن
حبان والسدي ومكحول وعطاء الخراساني: الإقراء الحيض، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه
وأحمد في أصح الروايتين وإسحق، وهكذا روي عن أبي بكر الصديق وعمر وعثمان وعلي
وأبي الدرداء وعبادة بن الصامت وأنس بن مالك وابن مسعود وابن عباس ومعاذ وأبي بن
كعب وأبي موسى الأشعري، رضي الله تعالى عنهم، وقال سالم والقاسم وعروة وسليمان بن
يسار وأبو بكر بن عبد الرحمن وأبان ابن عثمان والزهري وبقية الفقهاء السبعة ومالك
والشافعي وأبو ثور وداود وأحمد في رواية: الأقراء هي الأطهار، وروي عن ان عباس وزيد بن
ثابت، وقال أبو عمر، وهو قول عائشة وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمر: فالمطلقة عندهم
تحل للأزواج بدخولها في الدم من الحيضة الثالثة، وسواء بقي من الطهر الذي طلقت فيه
المرأة يوم واحد أو أكثر أو ساعة واحدة فإنها تحتسب به المرأة قرءاً. وقالت الطائفة الأولى:
المطلقة لا تحل للأزواج حتى تغتسل من الحيضة الثالثة، وطائفة أخرى توقفوا في الأقراء هل
هي حيض أم أطهار؟ وهم: سليمان بن يسار وفضالة بن عبيد وأحمد في رواية. قوله:
((ويقال: ما قرأت بِسلّى)) بكسر السين المهملة وبالقصر، وهي الجلدة الرقيقة التي يكون
فيها الولد من المواشي، معناه: لم تضم رحمها على ولد. وأشار بهذا إلى أن القرء جاء بمعنى
الجمع والضم أيضاً. وقال الأصمعي: القرء بضم القاف، وقال أبو زيد بفتح القاف، وأقرأت
المرأة إذا استقر الماء في رحمها، وقعدت المرأة أيام إقرائها أي: أيام حيضها. وقال أبو عمر:
أصل القرء في اللغة الوقت والطهر والحمل والجمع، وقال ثعلب: القروء الأوقات والواحدة
قرء، وهو الوقت وقد يكون حيضاً ويكون طهراً، وقال قطرب: تقول العرب: ما أقرأت الناقة
سلاً قط، أي: لم ترم به، وأقرأت الناقة قرءاً، وذلك معاودة الفحل إياها، وأن كل ضراب،
وقالوا أيضاً: قرأت المرأة قرءاً إذا حاضت وطهرت، وقرأت أيضاً إذا حملت، وقيل: هو من

٤٣٧
٦٨ - كتابُ العِدَّةِ / باب (٤)
الأسماء المشتركة، وقيل: حقيقة في الحيض، مجاز في الطهر.
.
٤ - بابُ قِصَّةِ فاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ
أي: هذا باب في بيان قصة فاطمة بنت قيس، لم يذكر لفظ: باب، في رواية
الأكثرين، ولبعضهم ذكر لفظ: باب، وعليه مشى ابن بطال. وفاطمة بنت قيس بن خالد
الأكبر بن وهب بن ثعلبة بن عمرو بن شيبان بن محارب بن فهر القرشية الفهرية أخت
الضحاك بن قيس، يقال: إنها كانت أكبر منه بعشر سنين، وكانت من المهاجرات الأول،
وكانت ذات جمال وعقل وكمال، وفي بيتها اجتمعت أصحاب الشورى عند قتل عمر بن
الخطاب، رضي الله تعالى عنه، وخطبوا خطبتهم المأثورة، وقال الزبير: وكانت امرأة بخوداً،
والبخود: النبيلة، قال أبو عمر: روى عنها الشعبي وأبو سلمة، وأما الضحاك بن قيس فإنه كان
من صغار الصحابة. وقال أبو عمر: يقال: إنه ولد قبل وفاة النبي عَّله بسبع سنين أو نحوها،
وينفون سماعه من النبي عَّه، وكان على شرطة معاوية ثم صار عاملاً له على الكوفة بعد
زياد، وولاه عليها معاوية سنة ثلاث وخمسين وعزله سنة سبع وخمسين وولى مكانه عبد
الرحمن بن أم الحكم وضمه إلى الشام، فكان معه إلى أن مات معاوية، فصلى عليه، وقام
بخلافته حتى قدم يزيد بن معاوية، فكان معه إلى أن مات يزيد، ومات بعده ابنه معاوية بن
يزيد، ووثب مروان على بعض أهل الشام وبويع له فبايع الضحاك بن قيس أكثر أهل الشام
لابن الزبير وعاد إليه فاقتتلوا فقتل الضحاك بن قيس بمرج راهط للنصف من ذي الحجة سنة
أربع وستين، روى عنه الحسن البصري وتميم بن طرفة ومحمد بن سويد الفهري وميمون بن
مهران وسماك بن حرب.
وأما قصة فاطمة بنت قيس فقد رويت من وجوه صحاح متواترة، وقال مسلم في
(صحيحه): باب المطلقة ثلاثاً لا نفقة لها، ثم روى قصتها من طرق متعددة فأول ما روي:
حدثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان
عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن فاطمة بنت قيس أن أبا عمر بن حفص طلقها البتة وهو
غائب، فأرسل إليها وكيله بشعير فسخطته، فقال: والله مالك علينا من شيء، فجاءت رسول
الله عَِّ فذكرت ذلك له، فقال: ليس لك عليه نفقة، فأمرها أن تعتد في بيت أم شريك، ثم
قال: تلك امرأة يغشاها أصحابي، اعتدي عند ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك فإذا
حللت فاذنيني. قالت: فلما حللت ذكرت له أن معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم خطباني،
فقال رسول الله عَّ لهٍ: أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له،
أنكحي أسامة بن زيد فكرهته ثم قال: أنكحي أسامة فنكحته فجعل الله فيه خيراً واغتبطت.
وفي رواية أخرى لا نفقة لك ولا سكنى، وفي رواية: لا نفقة لك فانتقلي فاذهبي إلى ابن أم
مكتوم فكوني عنده، وفي رواية أبي بكر بن أبي الجهم. قال: سمعت فاطمة بنت قيس
تقول: أرسل إلي زوجي أبو عمر بن حفص بن المغيرة عياش بن أبي ربيعة بطلاقي، وأرسل

٤٣٨
٦٨ - كتابُ العِدَّةِ / باب (٤)
معه بخمسة آصع تمر وخمسة آصع شعير، فقلت: أما لي نفقة إلاَّ هذا وألا أعتد في منزلكم؟
قال: لا. قالت: فشددت علي ثيابي وأتيت رسول الله عَ له فقال: كم طلقك؟ قلت: ثلاثاً.
قال: صدق، ليس لك نفقة اعتدي في بيت ابن عمك ابن أم مكتوم .. الحديث.
وأخرج الطحاوي حديث فاطمة بنت قيس هذه من ستة عشر طريقاً كلها صحاح.
منها: ما قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن ميمون، قال: حدثنا الوليد بن مسلم عن الأوزاعي
عن يحيى قال: حدثنا أبو سلمة قال: حدثتني فاطمة بنت قيس أن أبا عمرو بن حفص
المخزومي طلقها ثلاثاً. فأمر لها بنفقة فاستقلتها. وكان النبي عَّم بعثه نحو اليمن، فانطلق
خالد بن الوليد، رضي الله تعالى عنه، في نفر من بني مخزوم إلى النبي عَّ له وهو في بيت
ميمونة فقال: يا رسول الله إن أبا عمرو بن حفص طلق فاطمة ثلاثاً فهل لها من نفقة؟ فقال
النبي عَ لَّهِ: ليس لها نفقة ولا سكنى وأرسل إليها أن تنتقل إلى أم شريك، ثم أرسل إليها أن
أم شريك يأتيها المهاجرون الأولون فانتقلي إلى ابن أم مكتوم فإنك إذا وضعت خمارك لم
يرك.
ثم العلماء اختلفوا في هذا الباب في فصلين. الأول: أن المطلقة ثلاثاً لا تجب لها
النفقة ولا السكنى عند قوم إذا لم تكن حاملاً، واحتجوا بالأحاديث المذكورة، وهم: الحسن
البصري وعمرو بن دينار وطاووس وعطاء بن أبي رباح وعكرمة والشعبي وأحمد وإسحاق
وإبراهيم في رواية وأهل الظاهر، وقال قوم: لها النفقة والسكنى حاملاً أو غير حامل، وهم
حماد وشريح والنخعي والثوري وابن أبي ليلى وابن شبرمة والحسن بن صالح وأبو حنيفة
وأبو يوسف ومحمد بن الحسن وهو مذهب عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعد رضي الله
تعالى عنهما، وقال قوم: لها السكنى بكل حال والنفقة إذا كانت حاملاً، وهم: عبد الرحمن
ابن مهدي ومالك والشافعي وأبو عبيدة واحتج أصحابنا فيما ذهبوا إليه بأن عمر وعائشة
وأسامة بن زيد ردوا حديث فاطمة بنت قيس وأنكروه عليها وأخذوا في ذلك بما رواه
الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عمر، رضي الله تعالى عنه، أنه قال: لا ندع كتاب ربنا
وسنة نبينا لقول امرأة وهمت أو نسيت، وكان عمر يجعل لها النفقة والسكنى، وروى مسلم:
حدثنا أبو أحمد حدثنا عمار بن زريق عن أبي إسحاق قال: كنت مع الأسود بن يزيد جالساً
في المسجد الأعظم ومعنا الشعبي، فحدث الشعبي حديث فاطمة بنت قيس أن رسول الله
عَّم لم يجعل لها سكنى ولا نفقة، ثم أخذ الأسود كفاً من حصا فحصبه به، فقال: ويلك
تحدث بمثل هذا؟ قال عمر، رضي الله تعالى عنه: لا نترك كتاب الله وسنة نبينا بقول امرأة لا
ندري حفظت أو نسيت لها السكنى والنفقة قال الله تعالى: ﴿لا تخرجوهن من بيوتهن ولا
يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة﴾ [الطلاق: ١] وأخرجه أبو داود ولفظه: لا ندري أحفظت
أولاً، وأخرجه النسائي ولفظه: قال عمر لها إن جئت بشاهدين يشهدان أنهما سمعاه من
رسول الله عَ لَّه وإلاَّ لم نترك كتاب الله لقول امرأة.
الفصل الثاني: في حكم خروج المبتوتة بالطلاق من بيتها في عدتها، فمنعت من

٤٣٩
٦٨ - كتابُ العِدْةِ / باب (٤)
ذلك طائفة، روي ذلك عن ابن مسعود وعائشة، وبه قال سعيد بن المسيب والقاسم وسالم
وأبو بكر بن عبد الرحمن وخارجة بن زيد وسليمان بن يسار، وقالوا: تعتد في بيت زوجها
حيث طلقها، وحكى أبو عبيد هذا القول عن مالك والثوري والكوفيين، وأنهم كانوا يرون أن
لا تبيت المبتوتة والمتوفى عنها زوجها إلاَّ في بيتها، وفيه قول آخر: أن المبتوتة تعتد حيث
شاءت، روي ذلك عن ابن عباس وجابر وعطاء وطاووس والحسن وعكرمة، وكان مالك
يقول: المتوفى عنها زوجها تزور وتقيم إلى قدر ما يهدأ الناس بعد العشاء ثم تنقلب إلى
بيتها، وهو قول الليث والشافعي وأحمد، وقال أبو حنيفة: تخرج المتوفى عنها نهاراً ولا تبيت
إلاَّ في بيتها، ولا تخرج المطلقة ليلاً ولا نهاراً. قال محمد: لا تخرج المطلقة ولا المتوفى
عنها زوجها ليلاً ولا نهاراً في العدة، وقام الإجماع على أن الرجعية تستحق السكنى والنفقة،
إذ حكمها حكم الزوجات في جميع أمورها.
وقَوْلِهِ تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّه ربَّكُم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين
بفاحشةٍ مبينة وتلك حدود اللَّه ومن يتعدَّ حدود اللَّه فقد ظلم نفسه لا تدري لعل الله
يحدث بعد ذلك أمراً ... أسكنوهن من حيث سَكّنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا
عليهن وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن﴾ [الطلاق: ١ - ٦] إلى
قوله: ﴿بعد عسر يسراً﴾ [الطلاق: ٦ - ٧].
وقوله بالجر أي: قول الله تعالى: ﴿واتقوا الله﴾ هذا المقدار من الآية ثبت هنا في
رواية الأكثرين، وفي رواية النسفي بعد قوله: بيوتهن الآية إلى قوله: ﴿بعد عسر يسرا﴾. وفي
رواية كريمة ساق الآيات كلها وهي ست آيات أولها من قوله: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم
النساء﴾ [الطلاق: ١] إلى قوله: ﴿سيجعل الله بعد عسر يسرا﴾ [الطلاق: ٧] قوله: ﴿واتقوا الله
ربكم﴾ أوله قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة
واتقوا الله ربكم﴾ [الطلاق: ١] أي: خافوا الله ربكم الذي خلقكم ولا تخرجوهن من بيوتهن
أي: من مساكنهن التي يسكنها وهي بيوت الأزواج، وأضيفت إليهن لاختصاصها بهن من
حيث السكنى قوله: ((الآية)) يعني: اقرأ الآية إلى آخرها، وهي قوله تعالى: ﴿ولا يخرجن إلا
أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعل الله
يحدث بعد ذلك أمرا﴾ قوله: ((ولا يخرجن)) أي: من مساكنهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة،
قيل: هي الزنا، فيخرجن لإقامة الحد عليهن، وقيل: الفاحشة النشوز، والمعنى: إلا أن يطلقن
على نشوزهن فيخرجن لأن النشوز يسقط حقهن في السكن، وقيل: إلاّ أن يبذون فيحل
إخراجهن لبذائهن، والبذاء بالباء الموحدة والذال المعجمة وبالمد: الفحش في الأقوال، يقال:
فلان بذيء اللسان إذا كان أكثر كلامه فاحشاً. قوله: ((وتلك)) أي: الأحكام المذكورة
((حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه)) استحق عقاب الله. قوله: ((لا تدري)) أي
النفس، وقيل: لا تدري أنت يا محمد، وقيل: لا تدري أيها المطلق. قوله: ((لعل الله يحدث
بعد ذلك)) أي: بعد الطلاق مرة أو مرتين. ((أمراً) أي رجعة ما دامت في العدة، وهنا آخر الآية

٤٤٠
٦٨ - كتابُ العِدَّةِ / باب (٤)
من سورة الطلاق. قوله: ((أسكنوهن من حيث سكنتم)) ابتداء آية أخرى من سورة الطلاق
أيضاً إلى قوله: ﴿سيجعل الله بعد عسر يسراً﴾ قوله: ((أسكنوهن)) أي: أسكنوا المطلقات من
نسائكم. قوله: ((من حيث سكنتم)) كلمة من للتبعيض أي: من بعض مكان سكناكم، وعن
قتادة: إن لم يكن له إلاَّ بيت واحد فإنه يسكنها في بعض جوانبه. قوله: ((من وجدكم)) بيان
وتفسير لقوله: ((من حيث سكنتم)) كأنه قيل: أسكنوهن مكانا من سكنكم من سعتكم
وطاقتكم حتى تنقضي عدتهن. قوله: ((ولا تضاروهن)) أي: ولا تؤذوهن لتضيقوا عليهن
مساكنهن فيخرجن. قوله: ((وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن))
فيخرجن من العدة. قوله: ((فإن أرضعن لكم)) أي: أولادكم منهن فآتوهن أجورهن على
رضاعهن. قوله: ((وائتمروا بينكم بمعروف)) يعني: ليقبل بعضكم على بعض إذا أمروا
بالمعروف، وقال الفراء أي: هموا، وقال الكسائي: أي شاوروا، وقيل: فإن أرضعن لكم يعني
هؤلاء المطلقات إن أرضعن لكم ولداً من غيرهن أو منهن بعد انقطاع عصمة الزوجية فآتوهن
أجورهن وحكمهن في ذلك حكم الآظار، ولا يجوز عند أبي حنيفة وأصحابه الاستئجار إذا
كان الولد منهن ما لم تبن ويجوز عند الشافعي. قوله: ((وإن تعاسرتم)) يعني في الإرضاع فأبى
الزوج أن يعطي المرأة أجرة رضاعها وأبت الأم أن ترضعه فليس له إكراهها على إرضاعه
((فسترضع له أخرى)) أي فستوجد ولا تعوز مرضعة غير الأم ترضعه. قوله: ((لينفق ذو سعة
من سعته)) أي: على قدر غناه، ومن قدر عليه أي ومن ضيق عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله.
أي: فلينفق من ذلك الذي أعطاه الله، وإن كان قليلاً لا يكلف الله نفساً إلاَّ ما آتاها أي إلاَّ ما
أعطاها من المال. قوله: ((سيجعل الله بعد عسر) أي: بعد ضيق في المعيشة ((يسراً)) أي: سعة
هذا وعد لفقراء الأزواج بفتح أبواب الرزق عليهم.
أُجُورَهُنَّ مُهُرَهُنَّ.
أشار إلى تفسير قوله: ((أجورهن)) في قوله تعالى: ﴿فما استمتعتم به منهن فآتوهن
أجورهن﴾ [النساء: ٢٤] أي: مهورهن، هذا في سورة النساء، ولا يتأتى أن يصرف هذا إلى
قوله هنا: ﴿فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن﴾ [الطلاق: ٦] لأن المراد من الأجور هنا الذي
هو جمع أجر بمعنى أجرة الرضاع، والذي في سورة النساء جمع أجر بمعنى المهر، وفي ذكره
نوعُ بعدٍ، ولهذا لا يوجد في بعض النسخ.
٥٣٢١/٦٥ _ ٥٣٢٢ _ حدّثنا إسماعيل حدثنا مالِكٌ عنْ يَخْيَى بنِ سَعيدٍ عِنِ
القاسمِ بنِ مُحَمَّدٍ وسُلَيْمانَ بنِ يسارٍ أَنّ سَمِعَهْما يَذْكُرَانِ أنَّ يَحْتَى بِنَ سَعِيدِ بنِ العاصِ طَلَّقَ
بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمنِ بنِ الحكم، فانْتَقَلها عبْدُ الرَّحْمنِ، فَأَرْسَلَتْ عَائِشَةُ أَمُّ المُؤْمِنِينَ إلى مَرْوَانَ،
وهْوَ أمِيرُ المَدِينَةِ: أنَّقِ الله واردُدْها إلى بيتها. قال مَرْوانُ في حَدِيثٍ سُلَيْمانِ: إِنَّ عبْدَ
الرحمنِ بنَ الحِكَمِ غَلَيْنِي.
وقال القاسِمُ بنُ مُحَمَّدٍ: أوَ ما بَلَغَكِ شأْنُ فاطِمَةً بِنْتِ قَيْسٍ؟ قالَتْ: لا يَضُرُكَ أَنْ لا