النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
٦٨ - كتابُ الطلاَقِ / باب (١٦)
محمولاً على الحالة المتأخرة، فإذاً لا يبقى تعارض، ويثبت قول من قال: إنه كان حراً فيتعلق
الحكم به، ولئن سلمنا أن جميع الروايات أخبرت بأنه كان عبداً فليس فيه ما يدل على
صحة ما يذهب ممن يذهب أن زوج الأمة إذا كان حراً فأعتقت الأمة ليس لها الخيار. لأنه
ليس فيه ما يدل على ذلك، لأنه لم يأت عنه عَّ أنه قال: إنما خيرتها لأن زوجها عبد، وهذا
لا يوجد أصلاً في الآثار، فثبت أنه خيرها لكونها قد أعتقت، فحينئذ يستوي فيه أن يكون
زوجها حراً أو عبداً، ورد بهذا على صاحب (التوضيح) في قوله: ((لأن خيارها إنما وقع من
أجل كونه عبداً) ولو اطلع هذا على ما قلنا من التحقيق لما قال هكذا.
٥٢٨١/٢٦ _ حدّثنا عَبْدُ الأَعْلَى بنُ حَمَّادٍ حدثنا وُهَيْبٌ حدثنا أَيُّوبُ عنْ عِكْرِمَةَ عنِ
ابنِ عبَّاس قال: ذَاكَ مُغِيثٌ عبْدُ بَنِي فُلاَنٍ، يعني: زَوْجَ بَرِيرَةَ كأنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَنْبَعُها في
سِكَكِ المَدِينَةِ یتکِي عَليْها.
مطابقته للترجمة ظاهرة. ووهيب مصغر وهب، وأيوب هو السختياني ..
والحديث مضى في الصلاة عن قتيبة عن الثقفي وأخرجه الترمذي في النكاح عن
هناد.
قوله: ((ذاك)) إشارة إلى زوج بريرة، وقد وضحه بقوله: ((يعني زوج بريرة)) قوله:
((مغيث)) بضم الميم وكسر الغين المعجمة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره ثاء مثلثة،
ووقع عند العسكري بفتح العين المهملة وتشديد الياء وفي آخره باء موحدة، والظاهر أنه
تصحيف، وذكر ابن عبد البر مغيثاً هذا في الصحابة، قال: وكان عبداً لبعض بني مطيع، وفي
رواية الترمذي: كان عبداً أسود لابن المغيرة، في رواية هشيم عند سعيد بن منصور: وكان
عبداً لآل بني المغيرة من بني مخزوم، ووقع في (المعرفة) لابن منده: مغيث مولى ابن أحمد
ابن جحش، وفي رواية أبي داود: عبداً لآل أبي أحمد، والجمع بينهم بعيد، إلاَّ أن يقال: إنه
كان مشتركاً بينهم، وفيه تأمل. قوله: ((في سكك المدينة)) جمع سكة، والسكة في الأصل
المصطفة من النخل، ومنها قيل للأزقة: سكك، لاصطفاف الدور فيها.
٥٢٨٢/٢٧ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حدثنا عبْدُ الوَهَّابِ عِنْ أَيُوبَ عنْ عِكْرِمَةً عنٍ
ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: كانَ زَوْجُ بَرِيرَةَ عَبْداً أسْوَدَ يُقالُ لهُ: مُغِيثٌ، عَبْدَاً لِبَنِي
فُلان كأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَطُوفُ ورَاءَها في سِكَكِ المَدِينَةِ. [انظر الحديث ٥٢٨٠ وطرفيه]
هذا طريق آخر في حديث عكرمة عن ابن عباس أخرجه عن قتيبة بن سعيد عن عبد
الوهاب الثقفي عن أيوب السختياني عن خالد الحذاء ... الخ، ويروى ههنا أيضاً: بيكي عليها
كما في الرواية الأولى.
١٦ - بابُ شَفَاعَةِ النبيِّ عَ ◌ّهِ فِي زَوجِ بَرِيرَةَ
أي: هذا باب في بيان شفاعة النبي عَ له في زوج بريرة لأجل أن تعود بريرة إلى

٣٨٢
٦٨ - كتابُ الطلاَقِ / باب (١٦)
عصمته. قيل: موضع هذه الترجمة من الفقه: تسويغ الشفاعة للحاكم عند الخصم في خصمه
أن يحط عنه أو يسقط أو يترك دعواه ونحو ذلك، واعترض على هذا بأن قصة بريرة لم يقع
الشفاعة فيها عند الترافع. قلت: هذا الاعتراض ساقط لأنه عَّهِ قال لها: لو راجعته، فلم يكن
هذا إلاَّ عند الترافع.
٢٨/ ٥٢٨٣ _ حدّثنا مُحَمَّدٌ أَخْبَرِنا عبْدُ الوَهَّابِ حدثنا خالِدٌ عنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ
عَّاسٍ: أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كانَ عْداً يُقالُ لَهُ مُغِيثٌ، كأنّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَطُوفُ خَلْفَهَا يَتْكِي ودُمُوعُهُ
تَسِيلُ عَلَى لِخيَتِهِ، فقال النبيُّ عَّه لِعَبَّاسِ: يَا عَبَّاسُ! ألاَ تَعْجَبُ مِنْ حُبِّ مُغِيثٍ بَرِيرَةَ ومِنْ
بُغْضِ بَرِيرَةَ مُغِيثاً؟ فقال النبيُّ عَُّله لوْ رَاجَعْتِهِ؟ قالَتْ: يا رسولَ الله! تأمُرُنِي؟ قال: إنّما أنا
أُشْفَعُ. قَالَتْ: لا حاجَةَ لي فِيهِ. [انظر الحديث ٥٢٨٠ وطرفيه]
مطابقته للترجمة في قوله: ((إنما أشفع)). ومحمد هو ابن سلام البيكندي البخاري،
ويحتمل أن يكون محمد بن بشار أو محمد بن المثنى فإنهما من شيوخ البخاري، فإن
النسائي أخرجه عن محمد بن بشار، وابن ماجه من حديث محمد بن مثنى وكلاهما رويا عن
عبد الوهاب الثقفي، وخالد هو الحذاء.
قوله: ((لعباس))، هو ابن عبد المطلب عم النبي عَّةٍ ووالد راوي الحديث، قيل: هذا
يدل على أن قصة بريرة كانت متأخرة في السنة التاسعة أو العاشرة، لأن العباس إنما سكن
المدينة بعد رجوعهم من غزوة الطائف. وكان ذلك في أواخر سنة ثمان، ويؤيد هذا قول ابن
عباس: إنه شاهد ذلك، وهو إنما قدم المدينة مع أبويه، وهذا يرد قول من قال: إن قصة بريرة
قبل الإفك، والذي حمل هذا القائل على هذا وقوع ذكرها في حديث الإفك. قوله: ((ألا
تعجب))؟ محل التعجب هنا هو أن الغالب في العادة أن المحب لا يكون إلاَّ محبوباً
وبالعكس. قوله: ((لو راجعته)) كذا في الأصول بكسر التاء المثناة من فوق بعدها ضمير، ووقع
في رواية ابن ماجه: لو راجعته، بإثبات الياء آخر الحروف بعد التاء، وهي لغة ضعيفة، قاله
بعضهم قلت: إن صح هذا في الرواي فهي فصيحة لأنها من أفصح الخلق، وزاد ابن ماجه
في روايته: فإنه أبو ولدك. قوله: ((تأمرني؟)) ووقع في رواية الإسماعيلي بعده. قال: لا، قيل
فيه إشعار بأن صيغة الأمر لا تنحصر في لفظ: افعل، وفيه نظر، لأن الأمر هو قول القائل
إفعل، وإنما معنى قولها: أتأمرني؟ أشيء واجب علي؟ كما وقع هكذا في مرسل ابن سيرين
فقالت: يا رسول الله! أشيء واجب علي؟ قال: لا.
ويستفاد منه فوائد الأولى: استشفاع الإمام والعالم والخليفة في حوائج الرعية، وقد
قال عَّله: ((اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء)، والساعي فيه مأجور وإن
لم تنقض الحاجة. الثانية: أنه لا حرج على الإمام والحاكم إذا ثبت الحق على أحد
الخصمين إذا سأله الذي عليه الحق أن يسأل من الذي ثبت له تأخير حقه، أو وضعه عنه.
الثالثة: أن من يسأل من الأمور مما هو غير واجب عليه فعله فله رد سائله وترك قضاء حاجته،

٣٨٣
٦٨ - كتابُ الطلاَقِ / باب (١٧ و١٨)
وإن كان الشفيع سلطاناً أو عالماً أو شريفاً، لأنه عَّ له لم ينكر على بريرة ردها إياه فيما شفع
فيه. الرابعة: أن بغض الرجل للرجل المسلم لا على وجه العداوة له، ولكن لاختيار البعد عنه
لسوء خلقه وخبث عشرته، أو لأجل شيء يكرهه الناس جائز كما في قصة امرأة ثابت بن
قيس بن شماس، فإنها بغضته مع مكانته مع الدين والفضل لغير بأس لأجل دمامته وسوء
خلقه، حتى افتدت منه. الخامسة: أنه لا حرج على مسلم في هوى امرأة مسلمة وحبه لها،
ظهر ذلك أو خفي، لا إثم عليه في ذلك؟ وإن أفرط ما لم يأتِ محرماً ولم يغش إثماً.
١٧ - بابٌ
أي: هذا باب ذكره مجرداً لأنه كالفصل لما قبله وقد جرت عادته بذلك كما يذكر
الفقهاء في كتبهم فصل، بعد ذكر لفظة: كتاب أو باب.
٢٩ /٥٢٨٤ _ حدّثنا عَبْدُ الله بنُ رَجاءِ أخبرنا شُعْبَةُ عَنِ الحَكَمِ عنْ إبْرَاهِيمَ عنِ
الأَسْوَدِ أنَّ عَائِشَةَ أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ، فأَتَى مَوَالِيها إلاّ أنْ يَشْتَرِطِ الْوَلاَءَ، فَذَكَرَتْ لِلِنبيِّ
◌َ ◌ّلِ فقال: اشتَرِيها وأعْتِقِيها فإِنَّا الْوَلاءُ لِمَنْ أعْتَقَ، وَأَتِيَ النبيُّ عَ لَه بِلَحْمٍ فَقِيلَ: إِنَّ هذا
ما تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ، فقال: هُو لها صَدَقَةٌ ولَنَا هَدِيَّةٌ. [انظر الحديث ٤٥٦ وأطرافه].
إنما ذكر هذا هنا، لأنه من تعلقات قصة بريرة التي ذكرت مراراً عديدة. أخرجه عن
عبد الله بن رجاء ضد الإياس، وقال الكرماني: ضد الخوف، وليس كذلك، الغداني البصري،
وروى مسلم عنه بواسطة .. والحكم بفتحتين ابن عتيبة بضم العين المهملة وفتح التاء المثناة
من فوق وسكون الياء آخر الحروف وفتح الباء الموحدة، وإبراهيم النخعي، والأسود بن يزيد،
وقد مر الكلام فيه غير مرة.
قوله: ((ومواليها))، أي: ملاكها الذين باعوها، قالوا: لا نبيعها إلّ بشرط أن يكونَ
ولاؤها لنا.
٣٠ - حدّثنا آدَمُ حدثنا شُعْبَةُ، وزَادَ: فَخُيّرَتْ مِنْ زَوْجها.
هذا طريق آخر أخرجه عن آدم بن أبي إياس عن شعبة ولم يسق لفظه لكن قال: ((وزاد
فخيرت من زوجها)) وقد أخرجه في الزكاة بهذا الإسناد ولم يذكر هذه الزيادة. وأخرجه
البيهقي من وجه آخر عن آدم شيخ البخاري فيه، فجعل هذه الزيادة من قول إبراهيم ولفظه
في آخره: قال الحكم: قال إبراهيم: وكان زوجها حراً فخيرت من زوجها، فظهر أن هذه
الزيادة مدرجة، لم يذكرها في الزكاة.
١٨ - بابُ قَوْلِ الله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى .. ولو أعجبتكم﴾
[البقرة: ٢٢١]
أي: هذا باب في قول الله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات﴾ وهذا المقدار في رواية
الأكثرين، وفي رواية كريمة إلى قوله: ﴿ولو أعجبتكم﴾ وإنما ذكر هذه الآية الكريمة توطئة

٣٨٤
. ٦٨ - كتابُ الطلاَقِ / باب (١٨)
للأحاديث التي ذكرها في هذا الباب وفي البابين اللذين بعده، وإنما لم ينبه على المقصود من
إيرادها للاختلاف القائم فيها، وقد أخذ ابن عمر بعموم قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات
حتى يؤمن﴾ حتى كره نكاح أهل الكتاب، وأشار إليه البخاري بإيراد حديثه في هذا الباب:
وعن ابن عباس: أن الله تعالى استثنى من ذلك نساء أهل الكتاب فخصت هذه الآية بالآية
التي في المائدة، وهي قوله عز وجل: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾
[المائدة: ٥] وروى ابن أبي حاتم بإسناده عن ابن عباس، قال: نزلت هذه الآية: ﴿ولا تنكحوا
المشركات حتى يؤمن﴾ [البقرة: ٢٢١] فنكح الناس نساء أهل الكتاب، ونكح جماعة من
الصحابة نساء نصرانيات، ولم يروا بذلك بأساً، وقال أبو عبيد: وبه جاءت الآثار، وعن
الصحابة والتابعين وأهل العلم بعدهم: أن نكاح الكتابيات حلال، وبه قال مالك والأوزاعي
والثوري والكوفيون والشافعي وعامة العلماء، وقال غيره: ولا يروى خلاف ذلك إلاّ عن ابن
عمر، فإنه شذ عن جماعة الصحابة والتابعين ولم يجز نكاح اليهودية والنصرانية وخالف ظاهر
قوله والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب ولم يلتفت أحد من العلماء إلى قوله: ((وقد تزوج))
عثمان بن عفان نائلة بنت الفرافصة الكلبية، وهي نصرانية تزوجها على نسائه، وتزوج طلحة
ابن عبيد الله يهودية، وتزوج حذيفة يهودية وعنده حرتان مسلمتان، وعنه إباحة نكاح
المجوسية، وتأول قوله تعالى: ﴿ولأمة مؤمنة خير من مشركة﴾ [البقرة: ٢٢١] على أن هذا
ليس بلفظ التحريم، وقيل: بني على أن لهم كتاباً. فإن قلت: روى ابن أبي شيبة عن عبد الله
ابن إدريس عن الصلت عن شقيق بن سلمة، قال: تزوج حذيفة يهودية، ومن طريق أخرى:
وعنده عربيتان، فكتب إليه عمر رضي الله تعالى عنه: أن خل سبيلها. قلت: أرسل حذيفة
إليه: أحرام هي؟ فكتب إليه عمر: لا، ولكن أخاف أن يتواقع المؤمنات منهن؟ يعني الزواني
منهن، وقال أبو عبيد: والمسلمون اليوم على الرخصة في نساء أهل الكتاب، ويرون أن
التحليل ناسخ للتحريم، قلت: فدل هذا على أن قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات﴾
[البقرة: ٢٢١] منسوخ بقوله تعالى: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب﴾ [المائدة: ٥]
وروي أيضاً عن ابن عباس أنه قال: إن آية البقرة منسوخة بآية المائدة، وقيل: المراد بقوله:
﴿ولا تنكحوا المشركات﴾ [البقرة: ٢٢١] يعني من عبدة الأوثان. وقال ابن كثير في
(تفسيره) ﴿والمحصنات من المؤمنات﴾ [المائدة: ٥] قيل: الحرائر دون الإماء؟ والظاهر أن
المراد بالمحصنات العفائف عن الزنا، كما قال في آية أخرى: ﴿محصنات غير مسافحات
ولا متخذات أخدان﴾ [النساء: ٢٥] ثم اختلف المفسرون أنه: هل يعم كل كتابية عفيفة
سواء كانت حرة أو أمة؟ فقيل: الحرائر العفيفات، وقيل: المراد بأهل الكتاب ههنا
الإسرائيليات، وهو مذهب الشافعي، وقيل: المراد بذلك الذميات دون الحربيات، والله أعلم.
٥٢٨٥/٣١ _ حدّثنا قُتَئِبَةُ حدثنا لَيْثُ عنْ نَافِعِ أنَّ ابنَ عمَرَ كانَ إذَا سئِلَ عنْ نِكاحِ
النَّصْرَانِيَّةِ وَالْيَهُودِيّةِ قال: إنَّ الله حَرَّمَ المُشْرِكاتِ على المُؤْمِنِينَ، ولا أعْلَمُ مِنَ الإِشْرَاكِ شَيْئاً
أَكْبَرَ مِنْ أنْ تَقُولَ المَرَّةُ: رَبُّها عِيسَى، وهوَ عبدٌ مِنْ عِبادِ الله.

٣٨٥
٦٨ - كتابُ الطلاقِ / باب (١٩)
مطابقته للترجمة من حيث إن ابن عمر قد عمل بعموم الآية التي هي الترجمة ولم يرها
مخصوصة ولا منسوخة.
وهذا الحديث من أفراده.
قوله: ((أكبر))، بالباء الموحدة وبالمثلثة، وهو إشارة إلى ما قالت النصارى: المسيح ابن
الله، واليهود قالوا: عزير ابن الله. قوله: ((وهو)) أي عيسى عليه السلام عبد من عباد الله.
١٩ - بابُ نِكَاحِ مَنْ أُسْلَمَ مِنَ المُشْرِكَاتِ وعِدَّتِهِنَّ
أي: هذا باب في بيان حكم من أسلم من المشركات وبيان حكم عدتهن؛ فإذا
أسلمت المشركة وهاجرت إلى المسلمين فقد وقعت الفرقة بإسلامها بينها وبين زوجها
الكافر عند جماعة الفقهاء، ووجب استبراؤها بثلاث حيض ثم تحل للأزواج، هذا قول مالك
والليث والأوزاعي وأبي يوسف ومحمد والشافعي، وقال أبو حنيفة، رضي الله عنه: لا عدة
عليها، وإنما عليها استبراء رحمها بحيضة، واحتج بأن العدة إنما تكون عن طلاق، وإسلامها
فسخ وليس بطلاق.
٥٢٨٦/٣٢ - حدّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسى أخبرنا هِشامٌ عنِ ابنِ مجرَيج، وقال عَطاءٌ عنِ
ابنِ عَبَّاسٍ: كانَ المُشْرِكُونَ عَلَى مَنْزِلَتَيْنِ مِنَ النبيِّ عَ لَّهِ وَالمُؤْمِنِينَ: كَانُوا مُشْرِكِي أَهْلٍ
حَرْبٍ يُقاتِلُهُمْ ويَقاتِلُونَهُ، ومُشْرِكِي أَهْلِ عَهْدٍ لا يُقاتِلُهُمْ ولا يُقاتِلُونَهُ، وكانَ إذا هاجَرَتِ امْرَأَةٌ
مِنْ أهْلِ الحَرْبِ لمْ تُخْطَبْ حَتَّى تَحِيضَ وتَطْهُرَ فَإِذا طَهُرَتْ حَلَّ لَهَا النِّكَاحُ، فَإِنْ هاجَرَ
زَوْجُها قبْلَ أنْ تَنْكِحَ رُدَّتْ إليْهِ، وإنْ هاجَرَ عَبْدٌ مِنْهُمْ أَوْ أمَةٌ فهُما حُرّانٍ ولَهما ما
لِلْمُهاجِرِينَ، ثمَّ ذكَرَ منْ أهْلِ العَهْدِ مثلَ حَدِيثِ مُجاهِدٍ، وإِنْ هاجَرَ عَبْدٌ أَوْ أمَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ
أهْلِ العَهْدِ لمْ يُرَدُّوا وَرُدَّتْ أثمانُهُمْ.
مطابقته للترجمة ظاهرة. وإبراهيم بن يزيد الفراء الرازي أبو إسحاق يعرف بالصغير،
وهشام هو ابن يوسف الصنعاني أبو عبد الرحمن البناني قاضيها وابن جريج هو عبد الملك بن
عبد العزيز بن جريج قوله: ((وقال عطاء معطوف على شيء محذوف))، أنه كان في جملة
أحاديث حدث بها ابن جريج عن عطاء، ثم قال: وقال عطاء عن ابن عباس.
وهذا الحديث من أفراده. وقال أبو مسعود الدمشقي: هذا الحديث في (تفسير ابن
جريج): عن عطاء الخراساني عن ابن عباس، وكان البخاري ظنه عطاء بن أبي رباح، وابن
جريج لم يسمع التفسير من عطاء الخراساني، بل إنما أخذ الكتاب من ابنه ونظر فيه، ونبه
على هذه العلة أيضاً شيخ البخاري علي بن المديني الذي عليه العمدة في هذا الفن على ما
لا يخفى. وأجيب: بأنه يجوز أن يكون الحديث عند ابن جريج بالإسنادين لأن مثل ذلك لا
يخفى على البخاري مع تشدده في شرط الا تصال.
قوله: ((لم تخطب)) بصيغة المجهول. قوله: ((منهم))، أي من أهل الحرب. قوله:
عمدة القاري / ج٢٠ / ٢٥

٣٨٦
٦٨ - كتابُ الطلاقِ / باب (٢٠)
((ولهما)) أي: للعبد والأمَة ((ما للمهاجرين)) من مكة إلى المدينة في تمام حرمة الإسلام
والحرية. قوله: ((ثم ذكر)) أي: عطاء. قوله: ((من أهل العهد)) أي: من قصة أهل العهد ((مثل
حديث مجاهد)) الذي وصفه. بالمثلية، وهو ما ذكره بعده من قوله: ((وإن هاجر عبداً أو أمة
للمشركين أهل العهد لم يردوا وردت أثمانهم)) وهذا من باب فداء أسرى المؤمنين ولم
يجز تملكهم لانتفاء علة الاسترقاق التي هي الكفر فيهم، وقيل: يحتمل أن يريد به كلاماً آخر
يتعلق بنساء أهل العهد، وهو أولى لأنه قسم المشركين على قسمين من أهل حرب وأهل
عهد، وذكر حكم نساء أهل الحل والحرب، ثم ذكر أرقاءهم فكأنه أحال حكم نساء أهل
العهد على حديث مجاهد، ثم عقبه بذكر أرقائهم وحديث مجاهد وصله عبد بن حميد من
طريق ابن أبي نجيح عنه في قوله: ﴿وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم﴾
[الممتحنة: ١١] أي: إن أصبتم مغنماً من قريش فأعطوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا
عوضاً.
... / ٥٢٨٧ _ وقال عَطَاءٌ عنِ ابنِ عبّاسٍ: كانَتْ قَرِيبَةُ بنْتُ أبي أُميةَ عنْدَ عُمَرَ بنِ
الخَطَّابِ فَطلّقْهَا فَتَزوَّجَها مُعاوِيَةُ ابنُ أبي سُفْيَانَ، وكانَتْ أَمُّ الحَكمِ ابْنَةُ أَبِي سُفْيانَ تَحْتَ
عِياضٍ بنِ غَنْمِ الفِهْرِيِّ فَطَلَّقَها فَتَزَوَّجَهَا عَبْدُ الله بنُ عُثْمَانَ النَّقَفِيُّ.
هو معطوف على قوله: عن ابن جريج، وقال عطاء عن ابن عباس بالتقدير الذي مر
ذكره هناك.
قوله: ((قريبة)) بضم القاف وفتح الراء - مصغر قربة - كذا هو في أكثر النسخ، وضبطها
الحافظ الدمياطي بفتح القاف وكسرا الراء - وكذا في حديث عائشة الذي مضى في
الشروط، وكذا هو في رواية الكشميهني وهي بنت أبي أمية أخت أم سلمة أم المؤمنين، وأبو
أمية ابن المغيرة ابن عبد الله بن عمر بن مخزوم، واسم أبي أمية حذيفة، وقيل سهيل، واسم أم
سلمة: هند، وقريبة ذكرت في الصحابيات ذكرها الذهبي أيضاً، وكانت حاضرة ببناء رسول
الله عَ ليه، على أختها، وأم الحكم أسلمت يوم الفتح وكانت أخت أم حبيبة ومعاوية لأبيهما،
وقال أبو عمر: كانت في حين نزول: ﴿ولا تمسكوا بعصم الكوافر﴾ [الممتحنة: ١٠] تحت
عياض بن غنم الفهري فطلقها حينئذٍ فتزوجها عبد الله بن عثمان الثقفي، وهي أم عبد الرحمن
ابن الحكم، وقال ابن سعد: أمها هند بنت عتبة بن ربيعة، وعياض بن غنم بفتح الغين
المعجمة وسكون النون، قال أبو عمر: لا أعلم خلافاً أنه افتتح عامة بلاد الجزيرة والرقة
وصالحه وجوه أهلها، وهو أول من أجاز الدرب إلى الروم، وكان شريفاً في قومه، مات بالشام
سنة عشرين وهو ابن ستين سنة، وعبد الله بن عثمان الثقفي، بالثاء المثلثة.
٢٠ - بابٌ إذا أسْمَتِ المُشْرِكَةُ أَوِ النَّصْرَانِيَّةُ تَحْتَ الذُّمِّيِّ أو الحَزِبِيِّ
أي: هذا باب في بيان ما إذا أسلمت المشركة أو النصرانية، واقتصاره على النصرانية
ليس بقيد لأن اليهودية أيضاً مثلها. ولو قال: إذا أسلمت المشركة أو الذمية لكان أحسن

٣٨٧
٦٨ - كتابُ الطلاقِ / باب (٢٠)
وأشمل، ولم يذكر جواب: إذا الذي هو الحكم لإشكاله. قال بعضهم: قلت: هذا غير موجه
فإذا كان مشكلاً فما فائدة وضع الترجمة؟ بل جرت عادته على أنه يذكر غالب التراجم
مجردة عن بيان الحكم فيها اكتفاء بما يعلم الحكم من أحاديث الباب التي فيه، وحكم
المسألة التي وضعت الترجمة له هو أن المرأة إذا أسلمت قبل زوجها هل تقع الفرقة بينهما
بمجرد إسلامها أو يثبت لها الخيار أو يوقف في العدة؟ فإن أسلم استمر النكاح وإلاَّ وقعت
الفرقة بينهما.
وفيه اختلاف مشهور. وقال ابن بطال: الذي ذهب إليه ابن عباس وعطاء إن إسلام
النصرانية قبل زوجها فاسخ لنكاحها لعموم قوله عز وجل: ﴿لا هن حل لهم ولا هم يحلون
لهن﴾ [الممتحنة: ١٠] فلم يخص وقت العدة من غيرها، وروي مثله عن عمر رضي الله
تعالى عنه، وهو قول طاووس وأبي ثور. وقالت طائفة: إذا أسلم في العدة تزوجها، هذا قول
مجاهد وقتادة، وبه قال مالك والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد. وقالت طائفة:
إذا عرض على زوجها الإسلام فإن أسلم فهما على نكاحهما وإن أبى أن يسلم فرق بينهما،
وهو قول الثوري وأبي حنيفة إذا كانا في دار الإسلام، وأما في دار الحرب فإذا أسلمت
وخرجت إلينا بانت منه بافتراق الدارين، وفيه قول آخر يروى عن عمر بن الخطاب أنه: خيّر
نصرانية أسلمت وزوجها نصراني إن شاءت فارقته وإن شاءت أقامت معه.
وقال عبدُ الوَارِث: عنْ خالِدٍ عنْ عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبَّاسٍ: إذا أُسْلمَتِ النَّصْرَانِيَّةُ
قبْلَ زَوْجِها بِساعةٍ حَرُمَتْ عَلَيْهِ.
مطابقته للترجمة ظاهرة. وتوضيح الترجمة أيضاً أورده معلقاً عن عبد الوارث بن سعيد
التميمي البصري عن خالد الحذاء إلى آخره، وهو من أفراده، وهو عام يشمل المدخول بها
وغيرها.
وقال داؤُدُ: عنْ إِبْرَاهِيم الصَّائِغِ سُئِلَ عَطَاءٌ عنِ امْرَأةٍ مِنْ أهْلِ العَهْدِ أسْلَمتْ ثُمّ
أَسْلَمَ زَوْجُها في العِدَّةِ أَهِيَ امْرَأْتُه؟ قال: لا، إلاّ أنْ تَشَاءَ هِيَ بِنكاح جدِید وصَدَاقٍ.
أخرج هذا المعلق عن داود بن أبي الفرات واسمه عمرو بن الفرات عن إبراهيم بن
ميمون الصائغ المروزي، قتل سنة إحدى وثلاثين ومائة، وعطاء هو ابن أبي رباح. قوله: ((من
أهل العهد)) أي: من أهل الذمة إلى آخره. وأخرج ابن أبي شيبة بمعناه: عن عبادة بن العوام عن
حجاج عن عطاء في النصرانية تسلم تحت زوجها، قال: يفرق بينهما.
وقال مُجاهِدٌ: إذا أسْلَمَ في العِدَّةِ يتَزَوِّجُها
أخرج هذا المعلق أيضاً عن مجاهد: إذا أسلم ذمي في عدة المرأة صورته أسلمت
امرأته، ثم أسلم هو في عدتها له أن يتزوجها، ووصله الطبري من طريق ابن أبي نجيح عنه.

٣٨٨
٦٨ - كتابُ الطلاَقِ / باب (٢٠)
وقال الله تعالى: ﴿لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن﴾ [الممتحنة: ١٠].
أورد البخاري هذه الآية للاستدلال بها في تقوية قول عطاء المذكور ((الآن)) وأنه اختار
هذا القول، وهو أن النصرانية إذا أسلمت ثم أسلم زوجها في العدة فإنها لا تحل له إلاّ بنكاح
جديد وصداق. فإن قلت: روى عطاء في الباب الذي قبله عن ابن عباس أن المرأة إذا
هاجرت من أهل الحرب لم تخطب حتى تحيض وتطهر، فإذا طهرت حل لها النكاح، فإن
هاجر زوجها قبل أن تنكح ردت إليه .. الحديث، فبين قوله، وروايته عن ابن عباس تعارض.
قلت: أجيب بأن قوله: لم تخطب حتى تحيض وتطهر، يحتمل أن يراد به انتظار إسلام
زوجها ما دامت هي في عدتها، ويحتمل أيضاً أن تأخير الخطبة إنما هو لكون المعتدة لا
تخطب ما دامت في العدة، فإذا حمل على الاحتمال الثاني ينتفي التعارض.
وقال الحَسَنُ وقَتَادَةُ في مَجُوسِيَّيْنِ أسْلمَا: هُما عَلى نِكاحِهِما، وإِذَا سَبَقَ
أحَدُهُما صاحِبَهُ وَأبَى الآخَرُ بانَتْ، لا سَبِيلَ لهُ عَيْها.
أي قال الحسن البصري وقتادة بن دعامة إلى آخره، وهو ظاهر، وأخرج ابن أبي شيبة
عن كل منهما نحوه.
وقال ابنُ جُرَيْجٍ: قُلْتُ لِعَطاءٍ: امْرَأَةٌ مِنَ المُشرِكِينَ جاءَتْ إلى المُسْلِمِينَ،
أَيُعاوَضُ زَوْجُها مِنْها؟ لقُوْلِهِ تعالى ﴿وآتوهم ما أنفقوا﴾ [الممتحنة: ١٠] قال: لا! إِنَّا
كانَ ذَاكَ بَيْنَ النبيِّ عَّهِ وَبَيْنَ أَهْلِ العَهْدِ.
أي: قال عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج إلى آخره .. قوله: ((أيعاوض)) على صيغة
المجهول، من المعاوضة، ويروى: أيعاض، من العوض أراد: هل يعطى زوجها المشرك عوض
صداقها؟ قال عطاء: لا يعطى لأن قوله تعالى: ﴿وآتوهم ما أنفقوا﴾ إنما كان في زمن النبي
عٍَّ بينه وبين المشركين من أهل العهد، وكان الصلح انعقد بينهم على ذلك، وأما اليوم
فلا. وأخرج عبد الرزاق عن ابن جريج قال: قلت لعطاء ... إلى آخره نحوه.
وقال مُجاهدٌ: هذا كُلُهُ فِي صُلْحِ بَيْنَ النبيِّ عٍَّ وبَيْنَ قُرَيْشٍ.
أشار بقوله هذا إلى إعطاء المرأة التي جاءت إلى المسلمين زوجها المشرك عوض
صداقها. ويوضح هذا ما رواه ابن أبي حاتم من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله
تعالى: ﴿واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا﴾ [الممتحنة: ١٠] قال: من ذهب من أزواج
المسلمين إلى الكفار فليعطهم الكفار صدقاتهن وليمسكوهن، ومن ذهب من أزواج الكفار
إلى أصحاب محمد عَّم فكذلك، هذا كله في صلح كان بين النبي عَّ له وبين قريش.
٣٣/ ٥٢٨٨ - حدّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرِ حدثَنَا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عن ابنِ شِهابٍ.
ح. وقال إبْرَاهِيمُ بنُ المُنْذِرِ: حدّثني ابنُ وهْبٍ حدثني يُونسُ قال ابنُ شهاب: أخْبرِني

٣٨٩
٦٨ - كتابُ الطلاقِ / باب (٢٠)
عُزْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ أنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها زَوْجَ النبيِّ عَّ ◌ُلّهِ، قَالَتْ: كانَتِ المُؤْمِنَاتُ إذَا هاجَرْنَ
إلى النبيِّ عَّهِ، يَمْتَحِنُهُنَّ بقَوْلِ الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم .. فامتحنوهن﴾
[الممتحنة: ١٠] إلى آخرِ الآيةِ. قالَتْ عَائِشَةُ: فَمَنْ أَقَرَّ بهذا الشَّرْطِ من المُؤْمِنَاتِ فَقَدْ أَقَرَّ
بالْمِحْنَةِ، فكانَ رسولُ اللهِ عَّهِ، إِذَا أَقْرَوْنَ بِذَلِكَ مِنْ قوْلهِنَّ قَال لَهُنَّ رسولُ الله عَلِ:
انْطَلِقْنَ فَقَدْ بايَعْتُكُنَّ لا والله ما مَسَتْ يَدُ رسولِ اللهِ عَ لَِّ يَدَ امْرَأَةٍ قَطُ غَيْرَ أَنّهُ بايَعَهُنَّ
بالكَلاَم، والله ما أخَذَ رسولُ اللهِ عَّله، على النِّساءِ إلّ بِمَا أمَرَهُ الله يَقُولُ لهُنَّ إِذَا أَخَذَ عَلَيْهِنَّ:
قَدْ بايَغْتَكُنَّ كَلاَمَاً. [انظر الحديث ٧١٣ وأطرافه].
مطابقته للترجمة من حيث إن له تعلقاً بأصل المسألة الذي تضمتها الترجمة ولا يلزم
التنقير في وجه المطابقة، بل الوجه اليسير كافٍ فافهم.
وأخرج هذا الحديث من طريقين: أحدهما موصول: عن يحيى بن بكير وهو يحيى
ابن عبد الله بن بكير المخزومي المصري عن الليث بن سعد المصري عن عقيل بضم العين
ابن خالد الأموي الأيلي عن محمد بن مسلم ابن شهاب الزهري. والآخر معلق: عن إبراهيم
ابن المنذر بن عبد الله المديني عن عبد الله بن وهب عن يونس بن يزيد الأيلي عن ابن
شهاب، فرواية الموصول تقدمت في أول الشروط فيما مضى، والمعَلق وصله ابن مسعود عن
إبراهيم بن المنذر.
قوله: ((إذا هاجرن)) أي: من مكة إلى المدينة قبل عام الفتح. قوله: (يمتحنهن)) أي:
يختبرهن فيما يتعلق بالإيمان فيما يرجع إلى ظاهر الحال دون الإطلاع على ما في القلوب،
وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿الله أعلم بإيمانهن﴾ [الممتحنة: ١٠] قوله:
((والمؤمنات)) سماهن مؤمنات لتصديقهن بألسنتهن ونطقهن بكلمة الشهادة. ولم يظهر منهن
ما ينافى ذلك. قوله: ((مهاجرات)) نصب على الحال جمع مهاجرة أي: حال كونهن
مهاجرات من دار الكفر إلى دار الإسلام. قوله تعالى: ﴿فامتحنوهن﴾ [الممتحنة: ١٠] أي:
فابتلوهن بالحلف والنظر في الأمارات ليغلب على ظنونكم صدق إيمانهن. وعن ابن عباس:
معنى امتحانهن أن يستحلفن ما خرجن من بغض زوج، وما خرجن رغبة من أرض إلى أرض،
وما خرجن لالتماس دنيا، وما خرجن إلاَّ حبًّا لله ورسوله. قوله: ((الله أعلم بإيمانهن)) يعني:
أعلم منكم لأنكم لا تكسبون فيه علماً تطمئن معه نفوسكم وإن استحلفتموهن. وعند الله
حقيقة العلم به، فإن علمتموهن مؤمنات العلم الذي تبلغه طاقتكم، وهو الظن الغالب بالحلف
وظهور الأمارات، فلا ترجعوهن إلى الكفار يعني: لا تردوهن إلى أزواجهن الكفار، لا هن حل
لهم ولا هم يحلون لهنَّ لأنه أي: لا حل بين المؤمنة والمشرك، وآتوهم ما أنفقوا مثل ما
دفعوا إليهن من المهر. ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن أي: مهورهن،
وإن كان لهن أزواج كفار في دار الحرب لأنه فرق الإسلام بينهم.
قوله: ((ولا تمسكوا بعصم الكوافر)) [الممتحنة: ١٠] قال ابن عباس: لا تأخذوا بعقد
الكوافر، فمن كانت له امرأة كافرة بمكة فلا يعتدن بها فقد انقطعت عصمتها منه وليست له

٣٩٠
٦٨ - كتابُ الطلاقِ / باب (٢١)
بامرأة، وإن جاءت امرأة من أهل مكة ولها بها زوج فلا تعتدن به فقد انقطعت عصمته منها،
والعصم جمع عصمة وهي ما يعتصم به من عقد. قوله: ((واسألوا ما أنفقتم)) أي: أسالوا أيها
المؤمنون الذين ذهبت أزواجهم فلحقن بالمشركين ما أنفقتم عليهن من الصداق من يزوجهن
منهم. قوله: ((وليسألوا)) يعني المشركين الذين لحقت أزواجهم بكم مؤمنات إذا تزوجهن
فيكم من يتزوجها منكم ما أنفقوا، أي: أزواجهن المشركون من المهر. قوله: ((ذلكم)) إشارة
إلى جميع ما ذكر في هذه الآية، حكم الله يحكم بينكم كلام مستأنف، وقيل: حال من
حكم الله على حذف الضمير أي: يحكمه الله بينكم والله عليم بجميع أحوالكم، حكيم
يضع الأشياء في محلها، وإنما فسرت هذه الآية بكمالها لأنه قال: ((فامتحنوهن .. )) الآية.
قوله: ((قالت عائشة)) موصول بالإسناد المذكور. قوله: ((فمن أقر هذا الشرط)) وهو أن لا
يشركن بالله شيئاً ولا يسرقن ولا يزنين. قوله: ((فقد أقر بالمحنة)) أي: بالامتحان، وقال
الكرماني: ما المراد بالإقرار بالمحنة؟ فأجاب بقوله: من أقر بعدم الإشراك ونحوه فقد أقر
بوقوع المحنة ولم يحوجه في وقوعها إلى المبايعة باليد ونحوها، ولهذا جاء في بقية الرواية:
إن رسول الله عَّلِ إذا التزمن هذه الأمور كان يقول: انطلقن، يعني: فقد حصل الامتحان.
قوله: ((انطلقن فقد بايعتكن)) بينت هذا بعد ذلك بقولها في آخر الحديث: فقد بايعتكن
كلاماً، أي: بقوله، ووقع في رواية عقيل: كلاماً ما يكلمها به ولا يبايع بضرب اليد على اليد
كما كان يبايع الرجال، وأوضحت ذلك بقولها: لا والله ما مست يد رسول الله عَّة ... إلى
آخره. وفي رواية عقيل في المبايعة: غير أنه بايعهن بالكلام.
٢١ - بابُ قولِ الله تعالى: ﴿للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر﴾ إلى قوله:
﴿سميع عليم﴾ [البقرة: ٢٢٦ - ٢٢٧]
وفي رواية كريمة من لفظ: باب إلى ((سميع عليم)) وفي رواية الأكثرين إلى قوله:
((تربص أربعة أشهر)) وفي بعض النسخ: باب الإيلاء وقوله تعالى: ﴿للذين يؤلون﴾ الآية.
الإيلاء في اللغة الحلف، يقال: آلى يولي إيلاء: حلف قوله: ((تربص أربعة أشهر)) مبتدأ وقوله:
((للذين يؤلون)) خبره أي: للذين يحلفون على ترك الجماع من نسائهم تربص أي: انتظار
((أربعة أشهر)) من حين الحلف ثم يوقف ويطالب بالفيئة أو الطلاق، ولهذا قال: ((فإن فاؤوا))
أي رجعوا ((إلى ما كانوا عليه)) وهو كناية عن الجماع، قاله ابن عباس ومسروق والشعبي
وسعيد بن جبير وغير واحد، منهم ابن جرير ﴿فإن الله غفور رحيم﴾ [البقرة: ٢٢٦] أي: لما
سلف من التقصير في حقهن بسبب اليمين، وفي قوله تعالى: ﴿فإن فاؤوا فإن الله غفور
رحيم﴾ [البقرة: ٢٢٦] دلالة لأحد قولي العلماء، وهو القول القديم للشافعي: إن المولى إذا فاء
بعد الأربعة أشهر أنه لا كفارة عليه، وفي التفسير: فإن فاؤوا أي: في الأشهر، بدليل قراءة عبد
الله فإن فاؤوا فيهنّ.
واعلم أن الكلام ههنا في مواضع.

٢
٣٩١
٦٨ - كتابُ الطلاَقِ / باب (٢١)
الأول: الإيلاء المذكور في قوله: ﴿للذين يؤلون﴾ ما هو؟ هو الحلف على ترك قربان
امرأته أي: وطئها أربعة أشهر وأكثر منها، كقوله لامرأته: والله لا أقربك أربعة أشهر، أو: لا
أقربك، وهو قول الثوري وأبي حنيفة وأصحابه، ويروى عن عطاء، قال ابن المنذر: أكثر أهل
العلم قالوا: لا يكون الإيلاء أقل من أربعة أشهر، قال ابن عباس: كان إيلاء أهل الجاهلية
السنة والسنتين وأكثر، فوقت لهم أربعة أشهر، فمن كان إيلاؤه أقل من أربعة أشهر فلیس پإيلاء
قالت طائفة: إذا حلف لا يقرب امرأته يوماً أو أقل من أربعة أشهر فليس پايلاء قالت طائفة: إدا
حلف لا يقرب امرأته يوماً أو أقل أو أكثر ثم لم يطأها أربعة أشهر بانت منه بالإيلاء، روي هذا .
عن ابن مسعود والنخعي وابن أبي ليلى والحكم، وبه قال إسحاق، وقال مالك والشافعي
وأحمد وأبو ثور: الإيلاء أن يحلف أن لا يطأ امرأته أكثر من أربعة أشهر، فإن حلف على أربعة
أشهر، أو: فما دونها لم يكن مولياً، وهذا عندهم يمين مخفي لو وطىء في هذا اليمين حنث
ولزمته الكفارة، وإن لم يطأ حتى انقضت المدة لم يكن عليه شيء كسائر الأيمان. وقال ابن
المنذر: روي عن ابن عباس لا يكون مولياً حتى يحلف أن لا يطأها أبداً.
الموضع الثاني: في حكم الإيلاء: وهو أنه إن وطئها في الأربعة الأشهر كفر لأنه
حنث في يمينه وإن لم يطأها حتى مضت أربعة أشهر بانت المرأة منه بتطليقة واحدة، وهو
قول ابن مسعود وابن عمر وابن عباس وزيد بن ثابت وعثمان وعلي رضي الله عنهم، وبه قال
ابن سيرين ومسروق والقاضي والقاسم وسالم والحسن وقتادة وشريح القاضي وقبيصة بن
ذؤيب والحسن بن صالح، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه، وعند سعيد بن المسيب
ومكحول وربيعة والزهري ومروان بن الحكم: يقع تطليقة رجعية. وذكر البخاري عن ابن
عمر: أن المولى يوقف حتى يطلق، وقال مالك: كذلك الأمر عندنا، وبه قال الليث والشافعي
وأحمد وإسحاق وأبو ثور، فإن طلق فهي واحدة رجعية، إلاّ أن مالكاً قال: لا تصح رجعته
حتى يطأ في العدة، ولا يعلم أحد قاله غيره.
والموضع الثالث: في أن الإيلاء لا يصح إلا باسم الله تعالى. أو بشيء يتحقق به
اليمين، كما لو حلف بحج بأن قال: إن قربتك فلله علي حجة، أو بصوم بأن قال: إن قربتك
فلله علي صوم شهر، أو صدقة بأن قال: إن قربتك فلله علي أن أتصدق بمائة درهم مثلاً، أو
عتق بأن قال: إن قربتك فلله علي عتق رقبةٍ أو فعبدي حر فهو مولٍ بهذه الأشياء عند أبي
حنيفة وأبي يوسف، بخلاف الحلف بالصلاة أو الغزو. وعند محمد يكون مولياً فيهما أيضاً
لأنه قربة وهو قول أبي يوسف أولاً. وفي عتق العبد المعين خلاف لأبي يوسف، وقال ابن
حزم: ومن حلف في ذلك بطلاق أو عتق أو صوم أو صدقة أو مشي أو غير ذلك فليس بمول،
وعليه الأدب. وفي (الروضة) للشافعية: هل يختص الإيلاء باليمين بالله وصفاته؟ فيه قولان:
القديم: نعم، والجديد الأظهر: لا، بل إذا قال: إن وطئتك فعلي صوم أو صلاة أو حج أو
فعبدي حر أو فأنت طالق أو فضرتك طالق أو نحو ذلك كان مولياً، وفي (الجواهر) للمالكية:
المحلوف به هو الله تعالى أو صفة من صفاته النفسية المعنوية أو ما فيه التزام من عتق أو

٣٩٢
٦٨ - كتابُ الطلاَقِ / باب (٢١)
طلاق أو لزوم صدقة أو صوم أو نحوه علق بالوطء كل ذلك إيلاء. وفي (الحاوي) في فقه
أحمد: الإيلاء بحلفة بالله أو باسمه أو بصفته، فإن حلف بعتق أو طلاق أو نذر أو ظهار أو
تحريم مباح، أو يمين أخرى فروايتان، وعنه: لا ينعقد بغير يمين مكفرة.
الموضع الرابع: أن إيلاء الذمي منعقد عند أبي حنيفة، خلافاً لهما ولمالك، وبقول
أبي حنيفة قال الشافعي وأحمد، وفي (الروضة): سواء في صحة الإيلاء العبد والأمة والكافر
وأضدادهم ولا ينحل الإيلاء بإسلام الكافر، وإذا ترافع إلينا ذميان وقد آلى، أوجبنا الحكم،
وإن لم نوجبه لم يجبر الحاكم الزوج على الفيئة ولا الطلاق، ولا يطلق عليه، بل لا بد من
رضاه. وقال أحمد فيما حكى عنه الخلال في (علله) يروى عن الزهري أنه كان يقول: إيلاء
العبد شهران، وقال ابن حزم: وصح عن عطاء أنه قال: لا إيلاء للعبد دون سيده وهو شهران،
وبه قال الأوزاعي والليث ومالك وإسحاق، وقالت طائفة: الحكم في ذلك للنساء، فإن كانت
أمة فلزوجها الحر والعبد عليها شهران، وهو قول إبراهيم وقتادة والحسن والحكم والشعبي
والضحاك والثوري وأبي حنيفة وأصحابه، وقالت طائفة: إيلاء الحر والعبد من الزوجة الحرة
والأمة سواء، وهو أربعة أشهر، وهو قول الشافعي وأحمد وأبي ثور وأبي سليمان وأصحابهم.
الموضع الخامس: أنها تعتد بثلاث حيض، قاله مسروق وشريح وعطاء قال ابن عبد
البر: كل الفقهاء فيما علمت يقولون: إنها تعتد بعد الطلاق عدة المطلقة إلاّ جابر بن زيد فإنه
يقول: لا تعتد، يعني: إذا، كانت حاضت ثلاث حيض في الأربعة الأشهر، وقال بقوله طائفة،
وكان الشافعي يقول به في القديم ثم رجع عنه، وقد روي عن ابن عباس نحوه.
الموضع السادس: في حكم الفيء للعاجز، قال أصحابنا: وإن عجز المولي عن
وطئها بسبب مرضه أو مرضها أو بسبب الرتق، وهو انسداد فم الرحم بلحمة أو عظمة أو
نحوهما، أو بسبب الصفراء أو لبعد مسافة بينهما ففيؤه أن يقول: فئت إليها بشرط أن يكون
عاجزاً من وقت الإيلاء إلى أن تمضي أربعة أشهر، حتى لو آلى منها وهو قادر ثم عجز عن
الوطء بعد ذلك لمرض أو بعد مسافة أو حبس أو أسر أوجب أو نحو ذلك، أو كان عاجزاً
حين آلى وزال العجز في المدة لم يصح فيؤه باللسان. وقال الشافعي: لا يصح الفيء باللسان
أصلاً، وإليه ذهب الطحاوي وأحمد، وتحرير مذهب الشافعي ما ذكره في (الروضة) إذا وجد
مانع من الجماع بعد مضي المدة المحسوبة نظر أهو فيها أم في الزوج؟. فإن كان فيها بأن
كانت مريضة لا يمكن وطؤها أو محبوسة لا يمكن الوصول إليها، أو حائضاً أو نفساء أو
محرمة أو صائمة أو معتكفة لم يثبت لها الفيئة بالمطالبة لا فعلاً ولا قولاً، وإن كان المانع
فيه فهو طبيعي وشرعي، فالطبيعي: أن يكون مريضاً لا يقدر على الوطء أو يخاف منه زيادة
العلة أو بطء البرء فيطالب بالفيئة باللسان أو بالطلاق إن لم يف، والفيئة باللسان أن يقول: إذا
قدرت فئت، واعتبر الشيخ أبو حامد أن يقول مع ذلك: ندمت على ما فعلت، وإن كان
محبوساً ظلماً فكالمريض، وإن حبس في دين يقدر على وفائه أمر بالأداء والفيئة بالوطء أو
الطلاق، وأما الشرعي: فكالصوم والإحرام والظهار قبل التكفير ففيه وجهان: أحدهما: وهو

٣٩٣
٦٨ - كتابُ الطلاَقِ / باب (٢١)
الأصح: يطالب بالطلاق، والآخر: يقنع منه بفيئة اللسان. ومذهب أحمد إن كان العذر
بالرجل طويلاً أو عجز عن الوطء شرعاً أو حساً فاء نطقاً، وإن كان مظاهراً لم يطأ حتى
يكفر. ومذهب مالك: لا مطالبة للمريضة التي لا تتحمل الجماع ولا للرتقاء ولا للحائض
حالة الحيض، وإن كان للرجل مانع طبيعي كالمرض فلها مطالبته بالوعد والفيئة باللسان
وتكفير اليمين، وإن كان شرعياً كالظهار والصوم والإحرام فليس لها المطالبة، وعليه أن يطلق
إلاّ أن يقضي بالوطء. وقيل: لا يصح بالوطء المحرم، وقال ابن القاسم: إذا آلى وهي صغيرة
لا يجامع مثلها لم يكن موليا حتى تبلغ الوطء، ثم يوقف بعد مضي أربعة أشهر منذ بلغت
الوطء، قال: ولا يوقف الخصي بل إنما يوقف من قدر على الجماع. وقال الشافعي: إذا لم
يبق للخصي ما ينال به من المرأة ما يناله الصحيح بمغيب الحشفة فهو كالمجبوب فاء بلسانه
ولا شيء عليه، وقال في موضع آخر: لا إيلاء على مجبوب، واختاره المزني، وقال أبو
حنيفة: ولو كان أحدهما محرماً بالحج وبينه وبين وقت الحج أربعة أشهر لم يكن فيئه إلا
بالجماع، وكذا المحبوس، وقال زفر: فيئه بالقول، وقال الشافعي: إذا آلى وهي بكر وقال: لا
أقدر على اقتضاضها أُنجل أجل العنين.
فإِنْ فاؤُوا رجَعُوا.
أشار به إلى أن معنى: فاؤوا في قوله تعالى: ﴿فإن فاؤوا فإن الله غفور رحيم﴾
[البقرة: ٢٢٦] رجعوا عن اليمين، هكذا فسره أبو عبيدة في هذه الآية، يقال: فاء يفيء فيئاً
وأخرج الطبري عن إبراهيم النخعي قال: الفيء الرجوع باللسان، ومثله عن أبي قلابة، وعن
سعيد بن المسيب والحسن وعكرمة: الفيء الرجوع بالقلب واللسان لمن به مانع عن
الجماع، وفي غيره بالجماع.
٥٢٨٩/٣٤ - حدّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ أبي أُوَيْسٍ عنْ أخيه عنْ سُلَيْمان عِنْ حُمَيْدٍ
الطِّيلِ أَنّهُ سَمِعَ أنْسَ بنَ مالِكِ يقُولُ: آلَى رسولُ اللهِ عَلَّهِ، مِنْ نِسائِهِ وكانَتِ انْفَكّْتْ رِجْلُهُ،
فأقَامَ في مَشْرُبَةٍ له تِسْعاً وعِشرِينَ ثُمَّ نَزَلَ، فَقالوا: يا رسولَ الله! آلَيْتَ شَهْراً، فقال: الشّهْرُ
تِسْعٌ وعِشْرُونَ. [انظر الحديث: ٣٧٨ وأطرافه].
:
قيل: لا وجه لإيراد هذا الحديث في هذا الباب لأن الإيلاء المعقود له الباب حرام
يأثم به من علم بحاله، فلا يجوز نسبته إلى النبيّ عَّ له. انتهى. قلت: يرد ما قاله ما رواه
الترمذي: حدثنا الحسن بن قزعة البصري حدثنا مسلم بن علقمة حدثنا داود عن عامر عن
مسروق عن عائشة رضي الله تعالى عنهما، قالت: آلى رسول الله عَ لِ من نسائه وحرم،
فجعل الحرام حلالاً وجعل في اليمين كفارة. انتهى. قلت: فسر شيخنا زين الدين، رحمه الله
قوله: وحرَم فجعل الحرام حلالاً، ليس قوله: فجعل، بياناً للتحريم في قوله: وحرم، ولو كان
كذلك لقال: فجعل الحلال حراماً، وإنما هو بيان لما جعله الله فيمن حرم حلالاً، وعلى هذا
فإما أن يكون فاعل حرم هو الله تعالى، أو يكون فاعله رسول الله عَّله، فكيف يكون فاعله

٣٩٤
٦٨ - كتابُ الطلاَقِ / باب (٢١)
هو الله تعالى؟ لأن فيه انفكاك الضمير فلا يجوز، ظاهر المعنى أنه عَّم حرم ثم جعل ذلك
الحرام الذي كان في الأصل مباحاً حلالاً، ولهذا قال: وجعل في اليمين كفارة، لأن تحريم
المباح يمين ففيه الكفارة، والذي يقال هنا إن المراد بالإيلاء المذكور في الآية الإيلاء الشرعي
وهو الحلف على ترك قربان امرأته أربعة أشهر أو أكثر، كما ذكرناه في أول الباب، والإيلاء
المذكور في حديث الباب الإيلاء اللغوي وهو الحلف، فالمعنى اللغوي لا ينفك عن المعنى
الشرعي، فمن هذه الحيثية توجد المطابقة بين الترجمة والحديث، وأدنى المطابقة كافٍ
فافهم.
وإسماعيل بن أبي أويس ابن أخت مالك بن أنس، وأبو أويس اسمه عبد الله، وأخوه
عبد الحميد، وسلميان هو ابن هلال.
والحديث قد مر في الصوم عن عبد العزيز بن عبد الله، وسيجيء في النذر عنه أيضاً.
وفي النكاح عن خالد بن مخلد. ومضى الكلام فيه.
قوله: ((مشربة))، بفتح الميم وسكون الشين المعجمة وفتح الراء وضمها وبالباء
الموحدة: وهي الغرفة. قوله: ((الشهر)) أي: ذلك الشهر المعهود ((تسع وعشرون يوماً)) أراد أنه
کان ناقصاً.
٥٢٩٠/٣٥ - حدّثنا قُتَيْبَةُ حدثنا الّيْثُ عِنْ نِافِع أنَّ ابنَ عُمَرَ، رضِي الله عنهما، كانَ
يُقُولُ، في الإِيلاَءِ الّذي سَمَّى الله تعالى: لا يَحِلُّ لأَحَدِّ بَعْدَ الأَجَلِ إلاّ أنْ يُمْسِكَ بالمَعْرُوفِ
أَوْ يَعْزِمَ بالطّلاَقِ كما أمَرَ الله عَزَّ وجَلَّ.
مطابقته للترجمة ظاهرة هذا وما بعده إلى آخر الباب لم يثبت في رواية النسفي، وثبت
في رواية الباقين، واحتج بهذا الحديث جماعة منهم الشافعي، وقالوا: إن المدة إذا انقضت
يخير الحالف إما أن يفيء وإما أن يطلق، وقال أصحابنا الحنفية: إن فاء بالجماع قبل انقضاء
المدة استمرت العصمة، وإن مضت المدة وقع الطلاق بنفس مضي المدة، واحتجوا بما رواه
عبد الرزاق في (مصنفه): حدثنا معمر عن عطاء الخراساني عن أبي سلمة بن عبد الرحمن:
أن عثمان بن عفان وزيد بن ثابت رضي الله تعالى عنهما، كانا يقولان في الإيلاء: إذا مضت
أربعة أشهر فهي تطليقة واحدة، وهي أحق بنفسها، وتعتد عدة المطلقة، قال: أخبرنا معمر عن
قتادة أن علياً وابن مسعود وابن عباس، رضي الله تعالى عنهم، قالوا: إذا مضت أربعة أشهر
فهي تطليقة، وهي أحق بنفسها وتعتد عدة المطلقة، فإن قلت: قد روى عن علي خلاف هذا
مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه، أنه كان
يقول: إذا آلى الرجل من امرأته لم يقع عليه الطلاق، فإن مضت الأربعة أشهر يوقف حتى
يطلق أو يفيء. قلت: هذا ابن عمر أيضاً روي عنه خلاف ما روي في هذا الباب، رواه ابن
أبي شيبة في (مصنفه): حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن حبيب عن سعيد بن جبير عن ابن
عباس وابن عمر قالا: إذا آلى فلم يفيء حتى مضت أربعة أشهر فهي تطليقة بائنة.

٣٩٥
٦٨ - كتابُ الطلاقِ / باب (٢١)
... /٥٢٩١ - وقال لِي إسماعيلُ: حدّثني مالِكٌ عن نافع عنِ ابنِ عُمَرَ: إِذَا مَضَتْ
أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ يُوقَفُ حَتّى يُطَلِّقَ وَلا يَقعُ عَيْهِ الطَّلاَقُ حَتى يُطَلِّقَ.
إسماعيل هو ابن أبي أويس المذكور آنفاً. ويروى: قال إسماعيل، بدون لفظة: لي، وبه
جزمت جماعة، فيكون تعليقاً والعمدة على الأول وهو أيضاً رواية أبي ذر وغيره، وإنما لم يقل
حدثني إشعاراً بالفرق بين ما يكون على سبيل التحديث وما يكون على سبيل المحاورة،
والمذاكرة، وقد ذكرنا الآن في رواية ابن أبي شيبة خلاف هذا عن ابن عمر.
ويُذْكَرُ ذُلِكَ عنْ عُثْمانَ وعلِيٍّ وأبي الدَّرْدَاءِ وعائِشَةَ واثْنَىْ عشَرَ رجُلاً منْ أَصْحَابِ
النبيّ ◌َّهِ.
ذلك إشارة إلى الإيقاف الذي يدل عليه قوله: ((يوقف حتى يطلق)) أي: يحبس ولا
يقع الطلاق بنفسه بعد انقضاء المدة والامتناع من الفيء. قوله: ((يذكر))، على صيغة
المجهول لأجل التمريض، أما الذي ذكره ممرضاً عن عثمان رضي الله تعالی عنه، رواه ابن
أبي شيبة: حدثنا ابن علية عن مسعر عن حبيب بن أبي ثابت عن طاووس عن عثمان قال أبو
حاتم: طاووس أدرك زمن عثمان؟ قلت: روى عن عثمان خلاف هذا، وقد ذكرناه عن عبد
الرزاق آنفاً. وقول أبي حاتم: طاووس أدرك زمن عثمان، لا يستلزم سماعه عنه، وأما أثر علي،
رضي الله عنه، فرواه ابن أبي شيبة أيضاً عن وكيع عن سفيان عن الشيباني عن بكير بن
الأخفش عن مجاهد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عنه. قلت: قد ذكرنا في رواية عن عبد
الرزاق عن علي خلاف هذا، وأما أثر أبي الدرداء فرواه أيضاً ابن أبي شيبة عن عبيد الله بن
موسى عن أبان العطار عن قتادة عن سعيد بن المسيب عنه أنه قال: يوقف في الإيلاء عند
انقضاء الأربعة، فإما أن يطلق وإما أن يفيء. قلت: في سماع سعيد بن المسيب عن أبي
الدرداء نظر، وأما عائشة، رضي الله تعالى عنها، فرواه سعيد بن منصور بسند صحيح عنها
بلفظ: أنها كانت لا ترى الإيلاء حتى يوقف، وأما الرواية بذلك عن اثني عشر رجلاً من
الصحابة فرواه البخاري في (التاريخ) من طريق عبد ربه بن سعيد بن ثابت بن عبيد مولی زید
ابن ثابت عن اثني عشر رجلاً من أصحاب رسول الله عَ لَّه، قالوا: الإيلاء لا يكون طلاقاً
حتى يوقف، وأخرجه الشافعي، رضي الله تعالى عنه، من هذا الوجه فقال: بضعة عشر.
وأخرج إسماعيل القاضي من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري عن سليمان بن يسار، قال:
أدركت بضعة عشر رجلاً من أصحاب رسول الله عَّ له قالوا: الإيلاء لا يكون طلاقاً حتى
يوقف. وأخرج الدارقطني من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه أنه قال: سألت اثني عشر
رجلاً من الصحابة عن الرجل يولي. فقالوا: ليس عليه شيء حتى تمضي أربعة أشهر فيوقف،
فإن فاء لا طلاق. قلت: قد جاء عن جماعة من الصحابة معينين بخلاف ذلك. وهو أقوى من
الذكر بالإجمال وهم: عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن
مسعود وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وزيد بن ثابت، وقد ذكرنا الروايات عن الكل
هنا في هذا الباب ما خلا رواية عمر بن الخطاب فنذكرها الآن فروى الدارقطني من حديث

٣٩٦
٦٨ - كتابُ الطلاَقِ / باب (٢٢)
سعيد بن المسيب وأبي بكر بن عبد الرحمن: أن عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه،
كان يقول: إذا مضت أربعة أشهر فهي طالق تطليقة، وهو أملك بردها في عدتها.
٢٢ - بابُ حُكْمِ المَفْقُودِ فِي أهْلِهِ ومالِهِ
أي: هذا باب في بيان حكم المفقود حال كونه في أهله وماله، وحكم المال لا يتعلق
بأبواب الطلاق ولكنه ذكره هنا استطراداً، وحكم الأهل يتعلق ولكنه ما أفصح به اكتفاء بما
يذكره في بابه جرياً على عادته في ذلك كذلك.
وقال ابنُ المُسَيِّبِ: إذا فقِدَ في الصفِّ عنْدَ القِتالِ تَرَبَّصُ امْرَأْتُهُ سَنَةً.
مطابقته للترجمة ظاهرة. وتعليق سعيد بن المسيب هذا وصله عبد الرزاق بأتم منه عن
الثوري عن داود بن أبي هند عنه قال: إذا فقد في الصف تربصت امرأته سنة، وإذا فقد في
غير الصف فأربع سنين. قوله: ((تربص امرأته)) بفتح التاء وضم الصاد، أصله تتربص فحذفت
منه إحدى التاءين كما في ﴿ناراً تلظى﴾ [الليل: ١٤] أصله: تتلظى. قوله: ((سنة)) كذا هو في
جميع النسخ والشروح وغيرها من المستخرجات إلا ابن التين فإنه قد وقع عنده: ستة أشهر،
فلفظ: ستة تصحيف ولفظ: أشهر، زيادة. قوله: ((تربص)) يعني تنتظر سنة يعني تؤجل، وروى
أشهب عن مالك أنه يضرب لامرأته أجل سنة بعد أن ينظر في أمرها ولا يضرب لها من يوم
فقد، وسواء فقد في الصف بين المسلمين أو في قتال المشركين. وروى عيسى عن ابن
القاسم عن مالك: إذا فقد في المعترك أو في فتن المسلمين بينهم أنه ينتظر يسيراً بمقدار ما
ينصرف المنهزم ثم تعتد امرأته ويقسم ماله، وروى ابن القاسم عن مالك في المفقود في فتن
المسلمين أنه يضرب لامرأته سنة ثم تتزوج، وقال الكوفيون والثوري في الذي يفقد بين
الصفين كقولهم في المفقود ولا يفرق بينهما، والكوفيون يقولون: لا يقسم ماله حتى يأتي
عليه من الزمان ما لا يعيش مثله، وقال الشافعي: لا يقسم ماله حتى تعلم وفاته.
واشْتَرَى ابْنُ مَسْعُودٍ جارِيَةً وَالْتَمَسَ صاحِبَهَا سَنَةً فَلَمْ يَجِدْهُ وفُقِدَ فَأَخَذَ يُعْطِي
الدِّزْهَمَ والدِّرْهَمَيْنِ، وقال: اللَّهُمَّ عنْ فُلاَنٍ فإِنْ أَبَى فلانٌ فِلِي وعلَيَّ. وقال: هُكَذَا فافْعَلُوا
باللُقَطَّةِ.
لم يقع هذا من رواية أبي ذر عن السرخسي. ووصل هذا التعليق سفيان بن عيينة في
(جامعه) من رواية سعيد بن عبد الرحمن عنه. وأخرجه أيضا سعيد بن منصور عنه بسند له
جيد إن ابن مسعود اشترى جارية بسبعمائة درهم فإما غاب عنها صاحبها وإما تركها فنشده
حولاً فلم يجده، فخرج بها إلى مساكين عند سدة بابه وجعل يقبض ويعطي، ويقول: اللهم
عن صاحبها فإن أبى فمني وعليَّ الغرم. وأخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح عن شريك عن
عامر بن شقيق عن أبي وائل بلفظ: اشترى عبد الله جارية بسبعمائة درهم فغاب صاحبها
فأنشده حولاً، أو قال: سنة ثم خرج إلى المسجد فجعل يتصدق ويقول: اللهم فله، وإن أبى

٣٩٧
٦٨ - كتابُ الطَّلاَقِ / باب (٢٢)
فعليّ. ثم قال: هكذا افعلوا باللقطة والضالة. قوله: ((والتمس صاحبها)) أي طلب بائعها ليسلم
إليه الثمن فلم يجده فأخذ عبد الله يعطي الدرهم والدرهمين للفقراء من ثمن الجارية، ويقول:
اللهم تقبله عن فلان أي: صاحب الجارية. قوله: ((فإن أبى)) من الإباء وهو الامتناع، هكذا في
رواية الكشميهني وفي رواية الأكثرين: فإن أتى، بالتاء المثناة من فوق من الإتيان، أي: فإن
جاء. قوله: ((فلي وعلي)) فلي الثواب وعلي الغرامة. أراد أن صاحبها إذا جاء بعد الصدقة
بثمنها وأبى فعله ذلك وطلب ثمنها. وقال الكرماني: فإن أبى فالثواب والعقاب ملتبسان بي،
أو فالثواب لي وعلي دينه من ثمنها. وقال بعضهم: وغفل بعض الشراح، وأراد به الكرماني،
فإنه نقل كلامه مثل ما قلنا ثم نسبه إلى الغفلة ثم قال: والذي قلته أولى لأنه وقع مفسراً في
رواية ابن عيينة كما ترى. قلت: الغفلة منه لا من الكرماني، لأن الذي فسره لا يخالف تفسير
ابن عيينة في الحقيقة بل أدق منه. يظهر ذلك بالنظر والتأمل. قوله: ((وقال: هكذا) أي: قال
ابن مسعود. ((هكذا افعلوا باللقطة))، وعرف حكم اللقطة في موضعها في الفروع. وقال
بعضهم: أشار بذلك إلى أنه انتزع فعله في ذلك من حكم اللقطة للأمر بتعريفها سنة
والتصرف فيها بعد ذلك انتهى. قلت: لأن حكم اللقطة معلوماً عندهم، ولم تكن قضية ابن
مسعود معلومة عندهم، فلذلك قال لهم: إفعلوا مثل اللقطة؟ يعني افعلوا في مثل قضيتي إذا
وقعت مثل ما كنتم تفعلونه في اللقطة بالتعريف سنة والتصرف فيها بعد ذلك على الوجه
المذكور في الفروع.
وقال ابنُ عَّاسٍ نَحْوُهُ.
هذا التعليق عن ابن عباس لم يثبت إلاَّ في رواية أبي ذر عن المستملي والكشميهني،
ووصله سعد بن منصور من طريق عبد العزيز بن ربيع عن أبيه: أنه ابتاع ثوباً من رجل بمكة
فضل منه في الزحامِ، قال: فأتيت ابن عباس فقال: إذا كان العام المقبل فأنشده في المكان
الذي اشتريت منه فإن قدرت عليه وإلاّ تصدق بها، فإن جاء فخيره بين الصدقة وإعطاء
الدراهم.
وقال الزُّهْرِيُّ في الأَسِيرِ يُعْلمُ مَكانُهُ: لا تَتَزَوَّجُ امْرَأْتُهُ ولا يُقْسَمُ مَالُهُ، فَإِذَا انْقَطَعَ
خَبَرُهُ فِسُنْتُهُ سُنَّةُ المفْقُودِ.
أي: قال محمد بن مسلم بن شهاب الزهري الخ، ووصل تعليقه ابن أبي شيبة من
طريق الأوزاعي. قال: سألت الزهري عن الأسير في أرض العدو متى تزوج امرأته؟ فقال: لا
تزوج ما علمت أنه حي، ومن وجه آخر عن الزهري قال: يوقف مال الأسير وامرأته حتى
يسلما أو يموتا. قوله: ((فسنته)) أي: حكمه حكم المفقود، ومذهب الزهري في امرأة المفقود
أنها تربص أربع سنين، وقال ابن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن زوجة
الأسير لا تنكح حتى يعلم يقين وفاته ما دام على الإسلام، هذا قول النخعي والزهري ومكحول
ويحيى الأنصاري، وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وأبي ثور وأبي عبيد، وبه نقول.

٣٩٨
٦٨ - كتابُ الطلاقِ / باب (٢٢)
وقال ابن بطال: اختلف العلماء في حكم المفقود إذا لم يعلم مكانه وعمي خبره،
فقالت طائفة: إذا خرج من بيته وعمي خبره فإن امرأته لا تنكح أبداً ولا يفرق بينه وبينها
حتى يوقن بوفاته أو ينقضي تعميره، وسبيل زوجته سبيل ماله، روى هذا القول عن علي رضي
الله عنه، وهو قول الثوري وأبي حنيفة ومحمد والشافعي، وإليه ذهب البخاري. وقالت طائفة:
تتربص امرأته أربع سنين ثم تعتد عدة الوفاة. وروي أيضاً عن علي بن أبي طالب وابن عباس
وابن عمرو وعطاء وابن أبي رباح، وإليه ذهب مالك وأهل المدينة وأحمد وإسحاق.
٥٢٩٢/٣٦ _ حدّثنا عَلِيُّ بنُ عبدِ الله حدثنا سُفْيانُ عنْ يَحْيَى بنِ سعِيدٍ عِنْ يَزِيدَ
مَوْلِى المُنْبَعِثِ أنَّ النبيَّ عَّلِ سُئِلَ عنْ ضِالَّةِ الغَنَمِ فقال: خُذْها فإِنَّمَا هِيَ لَّكَ أوْ لأَخِيكَ أوْ
لِلذِّثْبِ. وسُئِلَ عنْ ضالّةِ الإِبِلِ فَغَضِبَ واحْمَرَّتَ وجْنَتاهُ. وقال: مَالكَ ولَها معَه الحِذَاءُ
والسِّقاءُ؟ تشْرَبُ المَاءَ وتأكُلُّ الشَّجَرَ حتّى يَلْقاها رَبُّها. وسُئلَ عنِ اللّقَطَةِ، فقال: اغْرِفْ
وِكَاءَها وعِفاصَها وعَرِّفْها سَنَةً، فإنّ جاءَ مَنْ يَعْرِفُها وإِلاّ فاخْلِطُها بِالِكَ.
قال سُفْيَانُ: فَلَقِيتُ ربِيعَةَ بنَ أبِي عَبْدِ الرَّحْمنِ قال سُفْيانُ: ولَمْ أَحْفَظْ عنْهُ شَيْئاً غَيْرَ
لهذَا، فَقُلْتُ: أَرَأَيْتَ حَدِيثَ يَزِيدَ مَوْلَى المُنْبَعِثِ في أَمْرِ الضَّالَّةِ هُوَ عنْ زَيْدِ بنِ خالِدٍ؟ قال:
نَعَمْ، قال يَخْيَى: ويَقُولُ رَبِيعَةُ عنْ يَزِيدَ مَوْلى المُنْبَعِثِ عنْ زَئِدِ بنِ خالِدٍ قال سُفْيانُ: فَلَقِيتُ
رَبِيعَةً فَقُلْتُ لهُ. [انظر الحديث: ٩١ وأطرافه].
مطابقته للترجمة من حيث إن الضالة كالمفقود فكما لم يزل ملك المالك فيها
فكذلك يجب أن يكون النكاح باقياً بينهما.
وعلي بن عبد الله هو ابن المديني وسفيان هو ابن عيينة، ويحيى بن سعيد الأنصاري
ويزيد من الزيادة مولى المنبعث بضم الميم وسكون النون وفتح الباء الموحدة وكسر العين
المهملة وبالمثلثة المديني التابعي.
وهذا الحديث قد مضى في كتاب العلم وفي كتاب اللقطة فإنه أخرجه هناك في ثلاثة
أبواب متوالية ومضى الكلام فيه هناك، وهذا ظاهره في الأول مرسل ويعلم من قوله في آخره:
((فقلت: أرأيت حديث يزيد))؟ إلى آخره أنه مسند.
قوله: ((معها الحذاء)) وهو ما وطىء عليه البعير من خفه، والحذاء النعل. قوله: ((عن
اللقطة)) وهي في اصطلاح الفقهاء: ما ضاع عن الشخص بسقوط أو غفلة فيأخذه، وهي بفتح
القاف على اللغة الفصيحة المشهورة، وقيل بسكونها، وقال الخليل بالفتح هو اللاقط
وبالسكون الملقوط ((والوكاء)) بكسر الواو وهو الذي يشد به رأس الصرة والكيس ونحوهما
((والعفاص)) بكسر العين المهملة وبالفاء وبالصاد المهلمة هو ما يكون فيه النفقة. قوله:
((فاخلطها بمالك)) أخذ بظاهره داود على أنه يملكها، وخالف فقهاء الأمصار والمراد: اخلطها
به على جهة الضمان، بدليل الرواية الأخرى: فإن جاء طالبها يوماً من الدهر فأدها إليه.
قوله: ((ربيعة بن عبد الرحمن)) هو المشهور بربيعة الرأي. قوله: ((قال: يحيى)) يعني

٣٩٩
٦٨ - كتابُ الطلاَقِ / باب (٢٣)
ابن سعيد الذي حدثه مرسلاً، وإنما قال ذلك لأن أكثر مقاصد سفيان الحديث والغالب على
ربيعة الفقه. قوله: ((قلت له)) قيل: لم كرره؟ وأجيب بأنه ليس بمكرر إذ المفعول الثاني له هو
نقله عن يحيى، وهو غير ما قال له أولاً، فافهم والله أعلم.
٢٣ - بابُ الظُّهارِ
أي: هذا باب في بيان أحكام الظهار، وهو بكسر الظاء. وقال صاحب (كتاب العين):
هو مظاهرة الرجل من امرأته إذا قال: هي عليَّ كظهر ذات رحم محرم، وفي (المحكم):
ظاهر الرجل امرأته مظاهرة وظهاراً إذا قال: هي علي كظهر ذات رحم محرم، وقد تظهر منها
وتظاهر، زاد المطرزي: وظاهر، وفي (الجامع) للقزاز: ظاهر الرجل من امرأته إذا قال: أنت
عليَّ كظهر أمي، أو: كذات محرم، وتبعه على هذا غير واحد من اللغويين، وقال حافظ الدين
النسفي: الظهار تشبيه المنكوحة بامرأة محرمة عليه على التأبيد مثل: ((الأم والبنت والأخت،
حرم عليه الوطء ودواعيه بقوله: أنت علي كظهر أمي)) حتى يكفر، وقيل: إنما خص الظهر
بذلك دون سائر الأعضاء لأنه محل الركوب غالباً، ولذلك يسمى المركوب ظهراً فشبه
الزوجة بذلك لأنها مركوب الرجل، فلو أضاف لغير الظهر مثل البطن والفخذ والفرج كان
ظهاراً بخلاف اليد، وعند الشافعي في القديم: لا يكون ظهاراً لو قال كظهر أختي، بل يختص
بالأم، ولو قال: كظهر أبي مثلاً لا يكون ظهاراً عند الجمهور، وعن أحمد في رواية: ظهار.
وقَوْل الله تعالى: ﴿قَدْ سَمَعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تجادلكُ فِي زَوْجِها﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنْ لَمْ
يَسْتَطِعْ فإطعامُ ستِّينَ مِسْكِيناً﴾ [المجادلة: ١ - ٤].
وقول الله بالجر عطفاً على قوله الظهار. وقوله: إلى قوله: ((فمن لم يستطع)) يعني لم
يسبق بالتلاوة قوله تعالى: ﴿قد سمع الله﴾ إلى قوله: ﴿ستين مسكيناً﴾ كذا في رواية أبي ذر
والأكثرين، وفي رواية كريمة ساق الآيات كلها بالكتابة إلى الموضع المذكور، وهي ثلاث
آيات قوله: ((قول التي)) أي: قول المرأة التي تجادلك أي: تخاصمك وتحاورك في زوجها
وهي امرأة من الأنصار ثم من الخزرج، واختلفوا في اسمها ونسبها، فعن ابن عباس: هي خولة
بنت خويلد وعن أبي العالية: خولة بنت دليم، وعن قتادة: خويلة بنت ثعلبة، وعن مقاتل بن
حيان: خولة بنت ثعلبة بن مالك بن حرام الخزرجية من بني عمرو بن عوف، وعن عطية عن
ابن عباس: خولة بنت الصامت، وروى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن اسمها: جميلة
وزوجها أوس بن الصامت أخو عبادة بن الصامت، وقيل: كانت أمة لعبد الله بن أبي، وهي
التي نزل فيها: ﴿ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء﴾ [النور: ٣٣] وقال أبو عمر: هي خولة بنت
ثعلبة بن أصرم بن فهر بن ثعلبة بن غنم بن سالم بن عوف وهو الأصح، ولا يثبت شيء غير
ذلك، وزوجها أوس بن الصامت بن قيس بن أصرم بن فهر ابن ثعلبة ابن غنم بن سالم بن
عوف بن الخزرج الأنصاري، شهد بدراً وأحداً والمشاهد كلها مع رسول الله عَ ليه، وبقي
إلى زمن عثمان، رضي الله عنه.
.
٠٠

٤٠٠
٦٨ - كتابُ الطلاَقِ / باب (٢٣)
الكلام فيه على أنواع:
الأول في سبب نزول هذه الآيات، وهو أن خولة بنت ثعلبة كانت امرأة جسيمة
الجسم فرآها زوجها ساجدة في صلاتها فنظر إلى عجيزتها، فلما انصرفت أرادها فامتنعت
عليه وكان أمرأ فيه سرعة ولمم فقال لها: أنت علي كظهر أمي، ثم ندم على ما قال. وكان
الإيلاء والظهار من طلاق أهل الجاهلية، فقال لها: ما أظنك إلاّ قد حرمت علي، فأتت النبي
عَّ فقالت: يا رسول الله! إن زوجي أوس بن الصامت تزوجني وأنا شابة غنية ذات مال
وأهل حتى أكل مالي وأفنى شبابي وتفرق أهلي وكبر سني ظاهر مني، وقد ندم فهل من
شيء يجمعني وإياه ينعشني به؟ فقال رسول الله عٍَّ: حرمت عليه، فقالت: يا رسول الله!
والذي أنزل عليك الكتاب ما ذكر طلاقاً وإنه أبو ولدي وأحب الناس إلي. فقال رسول الله
عَ لّ: حرمت عليه. فقالت: أشكوا إلى الله فاقتي ووحدتي. قد طالت صحبتي ونفضت له
بطني، أي: كثر ولدي، فقال رسول الله عَّ له: ما أراك إلا قد حرمت عليه، ولم أومر في
شأنك بشيء، فجعلت تراجع رسول الله عَّ له، فإذا قال لها رسول الله عَ لّر: حرمت عليه،
هتفت وقالت: أشكو إلى الله فاقتي وشدة حالي، اللهم أنزل على لسان نبيك، وكان هذا أول
ظهار في الإسلام، فأنزل الله تعالى عليه: ﴿وقد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها﴾
[المجادلة: ١] ... الآيات قال لها: إدعي زوجك، فجاء فتلا عليه رسول الله عَّلِ: ((قد سمع
الله)) الآيات ثم قال له: هل تستطيع أن تعتق رقبة؟ قال: إذاً يذهب مالي كله، الرقبة غالية وأنا
قليل المال. فقال عَّله: هل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: والله يا رسول الله إن
لم آكل في اليوم ثلاث مرات كلَّ بصري وخشيت أن تغشو عيني، قال فهل تستطيع أن
تطعم ستين مسكيناً؟ قال: لا والله إلاَّ أن تعينني على ذلك يا رسول الله. قال رسول الله
عدّ له: إني معينك بخمسة عشر صاعاً، واجتمع لهما أمرهما، فذلك قوله تعالى: ﴿الذين
يظاهرون منكم من نسائهم﴾ [المجادلة: ٢] وكلمة: منكم، توبيخ للعرب وتهجين لعادتهم في
الظهار لأنه كان من أيمان أهل جاهليتهم خاصة دون سائر الأمم. قوله: ﴿ما هن أمهاتهم﴾
أي: ليست النساء اللاتي يظاهرون منهن أمهاتهم، لأنه تشبيه باطل لتباين الحالين. ﴿إن
أمهاتهم﴾ أي: ما أمهاتهم ﴿إلا اللائي ولدنهم وإنهم ليقولون منكراً من القول﴾ [المجادلة: ٢]
لا يعرف صحته ﴿وزورا﴾ يعني: كذبا باطلاً منحرفاً عن الحق.
النوع الثاني: في صورة الظهار: إعلم أن الألفاظ التي يصير بها المرء مظاهراً على
نوعين: صريح، نحو أنت علي كظهر أمي، أو أنت عندي كظهر أمي، وكناية نحو: أن يقول:
أنت علي كأمي، أو مثل أمي، أو نحوهما، يعتبر فيه نيته، فإن أراد ظهاراً كان ظهاراً، وإن لم
ينو لا يصير ظهاراً وعند محمد بن الحسن: هو ظهار، وعن أبي يوسف: هو مثله إن كان في
الغضب وعنه أن يكون إيلاء وإن نوى طلاقاً. كان طلاقاً بائناً.
النوع الثالث: لا يكون الظهار إلا بالتشبيه بذات محرم، فإذا ظاهر بغير ذات محرم
فليس بظهار، وبه قال الحسن وعطاء والشعبي، وهو قول أبي حنيفة والشافعي في قول، وعنه