النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ ٦٨ - كتابُ الطلاَقِ / باب (١١) أي؛ يجامعها في كل طهر مرة لا مرتين لاحتمال أنه بالجماع الأول صارت حاملاً، فطلقت به. وقال ابن سيرين: يغشاها حتى تحمل، وبه قال الجمهور، وهذا التعليق وصله ابن أبي شيبة عن عبد الأعلى عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة نحوه. وقال الحَسَنُ: إذا قال: إِلْحَقِي بِأهْلِكِ، نيتُهُ أي: قال الحسن البصري: إِذا قال لامرأته: الحقي بأهلك تعتبر نيته أراد أنه كناية يعتبر فيه قصده إن نوى الطلاق وقع وإلاَّ فلا. وروى عبد الرزاق بلفظ: هو ما نوى. وقال ابنُ عبّاسٍ: الطّلاَقُ عنْ وطَرِ والعَتاقُ ما أرِيدَ بِهِ وَجْهُ الله تعالى أي: قال ابن عباس: الطلاق عن حاجة أراد به أنه لا يطلق امرأته إلاَّ عند الحاجة مثل النشوز، وكلمة: عن، تتعلق بمحذوف أي: الطلاق لا ينبغي وقوعه إلاَّ عند الحاجة، والوطر بفتحتين، قال أهل اللغة: لا يبني منه فعل. قوله: والعتاق أريد به وجه الله، يعني: العتاق الله فهو مطلوب دائماً. وقال الزُّهْرِيُّ: إن قال: ما أَنْتِ بامْرَأْتِي نِيْتُهُ، وإنْ نَوَى طلاقاً فهوَ مَا نَوَى أي: قال محمد بن مسلم الزهري: إن قال رجل لامرأته: ما أنت بامرأتي تعتبر نيته، فإن نوى طلاقاً فهو ما نوى، وبه قال مالك وأبو حنيفة والأوزاعي، وقال أبو يوسف ومحمد: ليس بطلاق، وقال الليث: هي كذبة. وقال عِلِيٍّ: أَلَمْ تَعْلَمَ أنَّ القَلَمَ رُفِعَ عنْ ثَلاثَةٍ: عنِ المَجْنُونِ حتّى يُفِيقَ. وعنِ الصَّبيِّ حتّى يُدْرِكَ وعنِ النَّائِمِ حتّى يَسْتَيْقِظ أي: قال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: ألم تعلم؟ يخاطب به عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، وذلك أن عمر أتى بمجنونة قد زنت وهي حبلى، فأراد أن يرجمها، فقال علي له: ألم تعلم ... إلى آخره، وذكر بصيغة جزم لأنه حديث ثابت، وقال ابن. المنذر: ثبت أن رسول الله عَ ◌ّه، قال: رفع القلم ... الحديث، وهذا التعليق رواه ابن حبان في (صحيحه) مرفوعاً من حديث ابن وهب عن جرير عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس عن علي، رضي الله تعالى عنهم، ورواه أبو داود والنسائي من رواية أبي ظبيان عن ابن عباس، قال: مر علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، بمجنونة، وفيه فقال علي: أو ما تذكر أن رسول الله عَ ليه، قال: ((رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون المغلوب على عقله، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم؟ قال: صدقت)) ورواه ابن ماجه من رواية ابن جريج عن القاسم بن يزيد عن علي أن رسول الله عَ ل قال: ((رفع القلم عن الصغير وعن المجنون والنائم)) قوله: ((حتى يدرك)) أي: حتى يبلغ، وفي (الفتاوى الصغرى) لأبي يعقوب ابن يوسف الجصاصي: إن الجنون الطبق عن أبي يوسف أكثر السنة وفي رواية عنه أكثر من ٣٦٢ ٦٨ - كتابُ الطلاقِ / باب (١١) يوم وليلة، وفي رواية سبعة أشهر، والصحيح ثلاثة أيام. واختلفوا في طلاق الصبي، فعن ابن المسيب والحسن: يلزم إذا عقل ميز، وحده عند أحمد أن يطيق الصيام ويحصي، وعند عطاء إذا بلغ اثنتي عشر سنة، وعن مالك رواية إذا ناهز الاحتلام. وقال عليٍّ وَكُلُّ الطَّلاَقِ جَائِزٌ إِلاّ طَلَاقَ المَعْتُوهُ أي: قال علي بن أبي طالب، وذكره أيضاً بصيغة الجزم لأنه ثابت، ووصله البغوي في (الجعديات) عن علي بن الجعد عن شعبة عن الأعمش عن إبراهيم النخعي عن عابس بن ربيعة: أن علياً قال: كل طلاق جائز إلاّ طلاق المعتوه، والمعتوه، بفتح الميم وسكون العين المهملة وضم التاء المثناة من فوق وسكون الواو بعدها: وهو الناقص العقل فيدخل فيه الطفل والمجنون والسكران. وقد روى الترمذي: حدثنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا مروان بن أبي معاوية الفزاري عن عطاء بن عجلان عن عكرمة بن خالد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عَ ◌ّ: ((كل طلاق جائز إلاَّ طلاق المعتوه والمغلوب على عقله)). قال: هذا حديث لا نعرفه مرفوعاً إلاَّ من حديث عطاء بن عجلان، وهو ضعيف ذاهب الحديث، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي عَِّ وغيرهم: إن طلاق المعتوه المغلوب على عقله لا يجوز إلاَّ أن يكون معتوهاً يفيق الأحيان فيطلق في حال إفاقته. وقال شيخنا زين الدين هذا حديث أبي هريرة انفرد بإخراجه الترمذي، وعطاء بن عجلان ليس له عند الترمذي إلاَّ هذا الحديث الواحد، وليس له في بقية الكتاب الستة شيء، وهو حنفي بصري يكنى أبا محمد، ويعرف بالعطار، اتفقوا على ضعفه. قال ابن معين والفلاس: كذاب، وقال أبو حاتم والبخاري: منكر الحديث، زاد أبو حاتم جداً، وهو متروك الحديث. قوله: ((وكل طلاق))، ويروى: ((وكل الطلاق))، بالألف واللام. قوله: ((جائز)) أي: واقع. ٥٢٦٩/١٦ _ حدّثنا مُسْلِمُ بنُ إِبْرَاهِيمَ حدثنا هِشامٌ حدَّثنا قَتَادَةُ عنْ زُرَارَة بنٍ أَوْفَى عن أبي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه عن النبيِّ عَّ له، قال: إنَّ الله تجاوَزَ عن أمّتي ما حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَها ما لمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ. [انظر الحديث ٢٥٢٨ وطرفه] مطابقته للترجمة يمكن أن يكون بينه وبين حديث عقبة بن عامر المذكور في أخبار باب الترجمة المذكورة، وهو قوله: لا يجوز طلاق الموسوس، وقد أعلم أن الوسوسة من أحاديث النفس، فإذا تجاوز الله عن عبده ما حدثت به نفسه يدخل فيه طلاق الموسوس أنه لا یقع. وهشام هو الدستوائي، وزرارة بضم الزاي وخفة الراء الأولى ابن أوفى على وزن أفعل من الوفاء العامري قاضي البصرة. والحديث مضى في العتق في: باب الخطأ والنسيان في العتاقة والطلاق، فإنه أخرجه هناك عن الحميدي عن سفيان عن مسعر عن قتادة ... إلى آخره، وقد ذكرنا هناك أن الحديث أخرجه الجماعة ومضى الكلام فيه هناك. ٣٦٣ ٦٨ - كتابُ الطلاَقِ / باب (١١) قوله: (ما حدثت به أنفسها)) بالفتح على المفعولية، وذكر المطرزي عن أهل اللغة أنهم يقولونه بالضم يريدون بغير اختيارها. قلت قوله: بالضم، ليس بجيد، بل الصواب بالرفع، ولا تعلق له بأهل اللغة بل الكل سائغ في اللغة: حدثت نفسي بكذا، وحدثتني نفسي بكذا. قوله: ((ما لم تعمل))، أي: في العمليات ((أو تتكلم)) في القوليات. وقال الكرماني: قالوا: من عزم على ترك واجب أو فعل محرم ولو بعد عشرين سنة مثلاً عصى في الحال. وأجاب بأن المراد بحديث النفس ما لم يبلغ إلى حد الجزم ولم يستقر. أما إذا عقد قلبه به واستقر عليه فهو مؤاخذة بذلك الجزم، نعم لو بقي ذلك الخاطر ولم يتركه يستقر لا يؤاخذه به بل يكتب له به حسنة. وفيه إشارة إلى أن هذا من خصائص هذه الأمة، وأن الأمم المتقدمة كانوا يؤاخذون بذلك، وقد اختلف أيضاً: هل كان ذلك يؤاخذ به في أول الإسلام؟ ثم نسخ وخفف ذلك عنهم، أو هو تخصيص وليس بنسخ، وذلك قوله تعالى: ﴿وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم الله﴾ [البقرة: ٢٨٤] فقد قال غير واحد من الصحابة، منهم: أبو هريرة وابن عباس وابن عساكر: إنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦] واعلم أن المراد بالكلام كلام اللسان لأنه الكلام حقيقة، وقول ابن العربي المراد به الكلام النفسي، وإن القول الحقيقي هو الموجود بالقلب الموافق للعلم، مردود عليه، وإنما قاله تعصباً لما حكى عن مذهبه من وقوع الطلاق بالعزم وإن لم يتلفظ، وليس لأحد خلاف أنه إذا نوى الطلاق بقلبه ولم يتلفظ به أنه لا شيء عليه إلا ما حكاه الخطابي عن الزهري ومالك: أنه يقع بالعزم، وحكاه ابن العربي عن رواية أشهب عن مالك في الطلاق والغتق والنذر أنه يكفي فيه عزمه وجزمه في قلبه بكلامه النفسي، وهذا في غاية البعد ونقصه الخطابي على قائله بالظهار وغيره، فإنهم أجمعوا على أنه لو عزم على الظهار لم يلزمه حتى يتلفظ به، ولو حدث نفسه بالقذف لم يكن قاذفاً، ولو حدث نفسه في الصلاة لم يكن عليه إعادة. وقد حرم الله الكلام في الصلاة، فلو كان حديث النفس في معنى الكلام لكانت صلاته تبطل، وقد قال عمر، رضي الله تعالى عنه: إني لأجهز جيشي وأنا في الصلاة، وممن قال: إن طلاق النفس لا يؤثر عطاء بن أبي رباح وابن سيرين والحسن وسعيد بن جبير والشعبي وجابر بن زيد وقتادة والثوري وأبو حنيفة وأصحابه الشافعي وأحمد وإسحاق واستدل به جماعة أنه إذا كتب بالطلاق وقع لأن الكتابة عمل، وهو قول محمد بن الحسن وأحمد ابن حنبل، وشرط فيه مالك الإشهاد على الكتابة، وجعله الشافعي غاية إن نوى به الطلاق وقع وإلاَّ فلا، وفي (المحيط): إذا كتب طلاق امرأته في كتاب أو لوح أو على حائض أو أرض وكان مستبنياً ونوى به الطلاق يقع، وإن لم يكن مستبنياً أو كتب في الهواء والماء لا يقع، وإن نوى. وَقَالْ قَتَادَةُ: إذا طَلَّقَ في نفْسِهِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ وقع هذا في بعض النسخ قبل الحديث المذكور، وهنا أنسب كما لا يخفى على الفطن، ووصله عبد الرزاق عن معمر عن قتادة والحسن قالا: من طلق سراً في نفسه فليس ٣٦٤ ٦٨ - كتابُ الطلاَقِ / باب (١١) طلاقه ذلك بشيء. ٥٢٧٠/١٧ - حدّثنا أصْبَغُ أخبرنا ابنُ وهْبٍ عنْ يُونُسَ عنِ ابنِ شهاب قال: أخبرني أَبُو سَلَمَةَ بنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ عنْ جابِرٍ أنَّ رجُلاً مِن أسْلَم أَتَّى النبيَّ عَّهِ وَهْوَ في المَسْجِدِ فقال: إِنَّهُ قَدْ زَنَى، فَأَعْرَضَ عنْهُ فَتَنَخَّى لِشِقِّهِ الَّذِي أَعْرَضَ، فَشَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهادَاتٍ، فَدَعَاهُ فقال: هَلْ بِك ◌ُنُونٌ؟ هَلْ أَخْصِنْتَ؟ قال: نَعَمْ، فَأُمَرَ بِهِ أنْ يُرْجَمَ بالمُصَلَّى، فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الحَجَارَةُ جَمَّزَ حتَّى أَدْرِكَ بِالحَرَّةِ فَقُتِلَ. [الحديث ٥٢٧٠ - أطرافه في: ٥٥٢٧٢ ٦٨١٤، ٦٨١٦، ٦٨٢٠، ٦٨٢٦، ٧١٦٨] مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله في الترجمة: والمجنون، فإن الرجل الذي قتل لو كان مجنوناً لم يعمل بإقراره. وإصبغ هو ابن الفرج بالجيم أبو عبد الله المصريح يروي عن عبد الله بن وهب المصري عن يونس بن يزيد الأيلي عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن جابر بن عبد الله، رضي الله تعالى عنهما. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في المحاربين عن محمد بن مقاتل. وأخرجه مسلم في الحدود عن إسحاق بن إبراهيم وغيره. وأخرجه أبو داود فيه عن محمد بن المتوكل. وأخرجه الترمذي فيه عن الحسن بن علي. وأخرجه النسائي في الجنائز عن محمد بن يحيى وفي الرجم عن ابن السرح وغيره. قوله: ((أن رجلاً)) هو ماعز بكسر العين المهملة وبالزاي ابن مالك الأسلمي، معدود في المدنيين ونسبته إلى أسلم قبيلة. قوله: ((فتنحى)) قال الخطابي: تفعل من نحى إذا قصد الجهة، أي: التي إليها وجهه ونحى نحوه، ويقال: قصد شقه الذي أعرض إليه. قوله: ((فشهد على نفسه أربع شهادات)) المراد بها أربع أقارير. والدليل عليه ما رواه ابن حبان في (صحيحه) من حديث أبي هريرة، قال: جاء ماعز ابن مالك إلى النبي عَّ له قال: إن الأبعد زنى، فقال له: ويل لك، ما يدريك من الزنا. فأمر به فطرد وأخرج، ثم أتاه الثانية فقال مثل ذلك، فأمر به فطرد وأخرج، ثم أتاه الثالثة فقال ذلك فأمر به فطرد وأخرج. ثم أتاه الرابعة، فقال مثل ذلك، قال: أدخلت وأخرجت؟ قال: نعم، فأمر به أن يرجم. وسنذكر الخلاف فيه بين الأئمة. وأخرج أبو داود والنسائي وأحمد من حديث هشام بن سعد: أخبرني يزيد بن نعيم بن هزال عن أبيه قال: كان ماعز بن مالك في حجر أبي فأصاب جارية من الحي. فقال له أبي: ائت رسول الله عَّ له فأخبره بما صنعت لعله يستغفر لك، وإنما يريد بذلك رجاء أن يكون له مخرج، فأتاه فقال: يا رسول الله إني زنيت فأقم علي كتاب الله عز وجل، فأعرض عنه إلى أن أتاه الرابعة، قال: هل باشرتها؟ قال: نعم. قال: هل جامعتها. قال: نعم. فأمر به فرجم. فوجد مس الحجارة فخرج يشتد فلقيه عبد بن أنيس فنزع له بوظيف بعير فقتله، وذ کر ذلك للنبي عَّ له فقال: هلا تركتموه لعله يتوب فيتوب الله عليه. وزاد فيه أحمد: قال هشام فحدثني ٣٦٥ ٦٨ - كتابُ الطلاَقِ / باب (١١) يزيد بن نعيم عن أبيه أن رسول الله عَّ له قال له حين رآه يا هزال! لو كنت سترته لكان خيراً لك مما صنعت به. قال في (التنقیح) إسناده صالح وهشام بن سعد روی له مسلم و کذلك روی لیزید بن نعيم. قلت: يزيد بن نعيم بن هزال ويزيد من رجال مسلم كما ذكرنا ونعيم مختلف في صحبته وهزال هو ابن دياب بن يزيد بن كليب الأسلمي روى عنه ابنه ومحمد بن المنكدر حديثاً واحداً، قال أبو عمر ما أظن له غيره، وهو قول رسول الله عَّه: يا هزال لو سترته بردائك. قوله: ((هل بك جنون)) إنما قال ذلك ليتحقق حاله، فإن الغالب أن الإنسان لا يصر على ما يقتضي قتله مع أن له طريقاً إلى سقوط الإثم بالتوبة. قوله: ((هل أحصنت؟)) على صيغة المجهول أي: هل تزوجت قط؟ قوله: ((بالمصلى)) وهو الموضع الذي كان النبي عَّ يصلي فيه الأعياد وعلى الموتى، وقال الكرماني: والأكثر على أنه مصلى الجنائز وهو بقيع الفرقد. قوله: ((فلما أذلقته الحجارة)) بالذال المعجمة وباللام والقاف أي أقلقته يعني: بلغ منه الجهد حتى قلق، ويقال: أي أصابته بحدها فعقرته، وذلق كل شيء حده. قوله: ((جمز)) بالجيم والميم والزاي أي: أسرع هارباً من القتل، يقال: جمز يجمز جمزاً من باب ضرب يضرب. قوله: ((حتى أدرك)) على صيغة المجهول. قوله: ((بالحرة)) بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء، وهي أرض ذات حجارة سود خارج المدينة. قوله: ((فقتل)) على صيغة المجهول. ويستفاد منه أحكام: الأول: فيه فضيلة ماعز حيث لم يرجع عن إقراره بالزنا حتى رجم، وقال في حديث رواه أبو داود والنسائي عن أبي هريرة في قصة ماعز، وفي آخره: والذي نفسي بيده إنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس فيها، وفي حديث أخرجه أحمد عن أبي ذر في قصة ماعز، وفي آخره قال: يا أبا ذر! ألم تر إلى صاحبكم؟ غفر له وأدخل الجنة. الثاني: أنه لا يجب حد الزاني على المعترف بالزنا حتى يقر به على نفسه أربع مرات، وهو قول سفيان الثوري وابن أبي ليلى والحكم بن عتيبة وأبي حنيفة وأصحابه وأحمد في الأصح وإسحاق، واحتجوا فيما ذهبوا إليه بقوله: ((فشهد على نفسه أربع شهادات)) وقال حماد بن أبي سليمان وعثمان البتي والحسن بن حي ومالك والشافعي وأحمد في رواية، وأبو ثور: إذا أقر الزاني بالزنا مرة واحدة يجب عليه الحد، ولا يحتاج إلى مرتين أو أكثر، واحتجوا فيه بحديث الغامدية، فإنه عدّ له، قال لأنيس: أغد يا أنيس فارجمها، وكانت اعترفت مرة واحدة، وأجاب الطحاوي بأنه قد يجوز أن يكون أنيس قد كان علم الاعتراف الذي يوجب الحد على المعترف ما هو بما علمهم النبي عَ لّه، في ماعز وغيره، وقيل أيضاً: إن الراوي قد يختصر الحديث فلا يلزم من عدم الذكر عدم الوقوع، على أنه قد ورد في بعض طرق حديث الغامدية أنه ردها أربع مرات، أخرجه البزار في (مسنده) فإن قلت: الإقرار حجة في الشرع لرجحان جانب الصدق على جانب الكذب، وهذا المعنى عند التكرار والتوحيد سواء. قلت: هذا هو القياس، ولكنا تركناه بالنص وهو أنه رد ماعزاً أربع ٣٦٦ ٦٨ - كتابُ الطلاَقِ / باب (١١) مرات. فإن قلت: لم لا يجوز أن يكون رده أربع مرات لكونه اتهمه بأنه لا يدري ما الزنا؟ قلت: روى مسلم من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه: أن ماعز بن مالك الأسلمي أتى رسول الله عَّله، فقال: يا رسول الله إني قد ظلمت نفسي وزنيت، وإني أريد أن تطهرني فرده، فلما كان من الغد أتاه فقال: يا رسول الله! إني قد زنيت، فرده الثانية، فأرسل رسول الله عَّ اللهِ، إلى قومه فقال: أتعلمون بعقله بأساً تنكرون منه شيئاً؟ فقالوا: ما نعلمه إلاَّ وفي العقل من صالحينا فيما نرى، فأتاه الثالثة فأرسل إليهم أيضاً فسألهم عنه فأخبروه أنه لا بأس به ولا بعقله، فلما كانت الرابعة حفر له حفرة ... الحديث فقد غفل الكرماني عن هذا الحديث حيث قال: الإقرار بالأربع لم يكن على سبيل الوجوب بدليل أنه عَّ له قال: أغد يا أنيس على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها، ولم يشترط عدداً، وقد مر الجواب الآن عن حديث أنيس وكيف لا يشترط العدد، وقد ورد في حديث أنه عَّه قال لماعز: إنك قد قلتها أربع مرات، وفي لفظ له عن ابن عباسٍ: إنك شهدت على نفسك أربع مرات، وفي لفظ لابن أبي شيبة: أليس أنك قلتها أربع مرات؟ فرتب الرجم على الأربع، وإلاّ فمن المعلوم أنه قالها أربع مرات. الثالث: أن الإحصان شرط في الرجم لقوله عَّه: ((هل أحصنت)) والإحصان على نوعين: إحصان الرجم وإحصان القذف. أما إحصان الرجم فهو في الشرع عبارة عن اجتماع صفات اعتبرها لوجوب الرجم وهي سبعة: العقل والبلوغ، والحرية، والإسلام، والنكاح الصحيح، والدخول في النكاح الصحيح. وأما إحصان القذف فخمسة: العقل، والبلوع والحرية، والإسلام، والعفة عّ الزنا. وشرط أبو حنيفة الإسلام في الإحصان لقوله عَ له: من أشرك بالله فليس بمحصن. رواه إسحاق بن راهويه في (مسنده) من حديث نافع عن ابن عمر عن النبي عَّهِ: من أشرك بالله فليس بمحصن. وقال أبو يوسف والشافعي وأحمد: ليس الإسلام بشرط في الإحصان لأنه عَ ◌ّه رجم يهوديين. قلنا: كان ذلك بحكم التوراة قبل نزول آية الجلد في أول ما دخل عَّ لِ المدينة فصار منسوخاً بها، ثم نسخ الجلد في حق الزاني المحصن. الرابع: أنه عَِّ لم يجمع في ماعز بين الجلد والرجم، وقال الشعبي والحسن البصري وإسحاق وداود وأحمد في رواية: يجلد المحصن ثم يرجم، قال الترمذي: وهو مذهب جماعة من الصحابة. منهم: علي بن أبي طالب وأبي بن كعب وعبد الله بن مسعود وغيرهم، واحتجوا بحديث جابر: أن رجلاً زنى فأمر به النبي عَّهِ فجلد، ثم أخبر أنه كان قد أحصن فأمر به فرجم، رواه أبو داود والطحاوي، وقال إبراهيم النخعي والزهري والثوري والأوزاعي وعبد الله بن المبارك وابن أبي ليلى والحسن بن صالح وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ومالك والشافعي وأحمد في الأصح: حد المحصن الرجم فقط لحديث ماعز. فإن قلت: روى عبادة بن الصامت أن النبي عَّ اللّه قال: خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً: البكر يجلد وينفى، والثيب يجلد ويرجم، رواه مسلم وغيره. قلت: حديث عبادة منسوخ بحديث العسيف، أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة، وفيه: فإن اعترفت فارجمها ... الحديث، ٣٦٧ ٦٨ - كتابُ الطلاَقِ / باب (١١) وهذا آخر الأمرين، لأن أبا هريرة متأخر الإسلام ولم يتعرض فيه للجلد، واستدل الأصوليون أيضاً على تخصيص الكتاب بالسنة بأنه عَ ليه رجم ماعزاً ولم يجلد، وآية الجلد شاملة للمحصن وغيره. الخامس: فيه: الاستفسار عن حال الذي اعترف فإنه عَّ الِ قال لماعز: ((هل أحصنت؟)) وجاء في حديثه أيضاً: هل جامعتها وهل باشرتها، فيما رواه أبو داود، وفي رواية له: فأقبل في الخامسة، فقال: أنكحتها؟ قال: نعم. قال حتى غاب ذلك منك في ذلك منها؟ قال: نعم، قال: كما يغيب المرود في المكحلة والرشاء في البئر؟ قال: نعم. قال: فهل تدري ما الزنا؟ قال: نعم، أتيت منها حراماً مثل ما أتى الرجل من امرأته حلالاً ... الحديث. وفي حديث ماعز يستفاد أحكام أخرى غير ما ذكرنا هنا. منها: أن الستر فيه مندوب لقول النبي عَِّ لهزال لما أرسل ماعزاً إلى النبي عَ لَّه، قال له: لو سترته بثوبك لكان خير لك، أخرجه أبو داود والنسائي عن يزيد بن نعيم عن أبيه، وروى مسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله عَّ له: من ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة. ومنها: أنه عَِّ أخر الحد إلى أن يتم الإقرار أربع مرات. ومنها: أن على الإمام أن يرادد المقر بالزنا بقوله: لعلك قبلت أو مسست، وفي لفظ البخاري، على ما يأتي: لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت. قال: لا. قال: أفنلتها؟ قال: نعم. ومنها: أن المرجوم يصلى عليه، كما روى البخاري على ما سيأتي في كتاب المحاربين: عن محمود بن غيلان عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أبي سلمة عن جابر، فذكر قصة ماعز، وفي آخره، ثم أمر به فرجم، وقال النبي عَ لّه خيراً، وصلى عليه. فإن قلت: قيل للبخاري قوله: وصلى عليه، قاله غير معمر، قال: لا، ورواه أبو داود عن محمد بن المتوكل والحسن بن علي كلاهما عن عبد الرزاق به، ورواه الترمذي عن الحسن بن علي به، وقال: حسن صحيح، ورواه النسائي في الجنائز عن محمد بن يحيى ومحمد بن رافع ونوح بن حبيب، ثلاثتهم عن عبد الرزاق به، وقالوا كلهم فيه: ولم يصل عليه. قلت: أجيب بأن معنى قوله: فصلى عليه، دعا له، وبهذا تتفق الأخبار، ولكن يعكر على هذا ما رواه أبو قرة الزبيري عن ابن جريج عن عبد الله بن أبي بكر عن أبي أيوب عن أبي أمامة بن سهل الأنصاري: أن النبي عَِّ صلى الظهر يوم رجم ماعز، فطول في الأوليين حتى كاد الناس يعجزون من طول الصلاة، فلما انصرف ومر به فرجم فلم يصل حتى رماه عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، بلحي بعير فأصاب رأسه فقتله، وصلى عليه النبي عَّه والناس فإن قلت: روى أبو داود في (سننه) عن أبي عوانة عن أبي بشر: حدثني ثقة من أهل البصرة عن أبي برزة الأسلمي: أن رسول الله عَّه لم يصل على ماعز بن مالك ولم ينه عن الصلاة عليه. قلت: ضعفه ابن الجوزي في (التحقيق) بأن فيه مجاهيل. فإن قلت: أخرج أبو داود ٣٦٨ ٦٨ - كتابُ الطلاقِ / باب (١١) أيضاً عن ابن عباس: أن ماعز بن مالك أتى النبي عَّ فقال: إنه زنى، فأمر به فرجم ولم يصل عليه. قال النووي في (الخلاصة): إسناده صحيح. قلت: أخرجه النسائي مرسلاً، ولئن سلمنا صحته فإن رواية الإثبات مقدمة لأنها زيادة علم. ومنها: أنها يفعل بالمرجوم كما يفعل بسائر الموتى لما روى ابن أبي شيبة في (مصنفه) في كتاب الجنائز حدثنا أبو معاوية عن أبي حنيفة عن علقمة بن مرثد عن ابن بريدة عن أبيه، قال: ((لما رجم ماعز قالوا: يا رسول الله! ما نصنع به؟ قال: اصنعوا به ما تصنعون بموتاكم من الغسل والكفن والحنوط والصلاة عليه)). ومنها: أنه يحفر للمرجوم، لما رواه أحمد في (مسنده) من حديث أبي ذر، رضي الله تعالى عنه، قال: كنا مع رسول الله عَّله، فأتاه رجل يقال إنه زنى، فأعرض عنه ثم ثنى ثم ثلث ثم ربع فأمرنا فحفرنا له فرجم. وقال النووي في (شرح مسلم): أما الحفر للمرجوم والمرجومة ففيه مذاهب للعلماء، قال مالك وأبو حنيفة وأحمد في المشهور عنهم: لا يحفر لواحد منهما. وقال قتادة وأبو ثور وأبو يوسف وأبو حنيفة في رواية: يحفر لهما، وقال بعض المالكية وأصحابنا: لا يحفر للرجل سواء ثبت زناه بالبينة أم بالإقرار، وأما المرأة ففيها ثلاثة أوجه لأصحابنا: أحدها: يستحب الحفر إلى صدرها ليكون أستر لها. والثاني: لا يستحب ولا يكره بل هو إلى خيرة الإمام. والثالث: وهو الأصح: إن ثبت زناها بالبينة استحب، وإن ثبت بالإقرار فلا يمكنها الهرب إن رجعت فإن قلت: في حديث أبي ذر المذكور الحفر، وجاء في حديث أبي سعيد أخرجه مسلم: أن رجلاً من أسلم ... الحديث. وفيه: فما وثقناه ولا حفرنا له قلت: قالوا: إن المراد في قوله: ولا حفرنا له، يعني: حفرة عظيمة. ومنها: درء الحد عن المعترف إذا رجع كما ورد في حديث ماعز، أخرجه الترمذي عن أبي هريرة، قال: ((جاء ماعز الأسلمي إلى رسول الله عَّله، فقال: إنه قد زنى ... )) الحديث، وفي آخره: هلا تركتموني؟ يعني حين ولى ماعز هارباً من ألم الحجارة، وأخبر به النبي عَ ◌ّهِ، قال: ذلك. ومنها: أن المرجوم والمقتول في الحدود والمحاربة وغيرهم يصلى عليهم، وقال الزهري: لا يصلي أحد على المرجوم وقاتل نفسه، وأبو يوسف معه في قاتل النفس، وقال قتادة: لا يصلى على ولد الزنا. ومنها: أن الإمام وأهل الفضل يصلون على المرجوم كما يصلي عليه غيرهم، خلافاً لبعض المالكية. ومنها: أن التلقين للرجوع يستحب لأن حد الزنا لا يحتاط له بالتحرير والتنقير عنه بل الاحتياط في دفعه، وقد روى الترمذي من حديث الزهري عن عروة عن عائشة، رضي الله تعالى عنها، قالت: قال رسول الله عَّهِ: ((ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام يخطىء في العفو خير له من أن يخطىء في ٣٦٩ ٦٨ - كتابُ الطلاَقِ / باب (١١) العقوبة)). وانفرد بإخراجه الترمذي، وأخرج ابن ماجه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عَ ليه: ((إدفعوا الحدود ما وجدتم له مدفعاً)). وفي سنده إبراهيم بن الفضل وهو ضعيف. وأخرج أبو داود والنسائي من حديث ابن جريج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أن رسول الله عَّلِه قال: ((تعافوا الحدود فيما بينكم فما بلغني من حد فقد وجب)). وروى الدارقطني والبيهقي من رواية مختار التمار عن أبي مطر عن علي، رضي الله تعالى عنه: سمعت رسول الله عَّ يقول: ((إدرؤوا الحدود ... )) ومختار هو ابن نافع ضعيف، وروى ابن عدي من رواية ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن عكرمة عن ابن عباس، قال: قال رسول الله عَّ: ((إدرؤوا الحدود بالشبهات، وأقيلوا الكرام عثراتهم إلاّ في حد من حدود الله)). ٥٢٧١/١٨ _ حدّثنا أبو اليَمانِ أخبرنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِي قال: أخبَرَني أَبُو سلَمةَ بنُ عبْدِ الرحمنِ وسعِيدُ بنُ المُسَيِّبِ أَنَّ أبا هُرَيْرَةَ قال: أَتَى رجُلٌ مِنْ أَسْلَمَ رسولَ الله عَ لّه وَهْوَ في المَسْجِدِ فَنَادَاهُ فقال: يا رسولَ الله! إنَّ الآخِرَ قَدْ زَنَّى، يَعْنِي نَفْسَهُ، فَأُعْرَضَ عنْهُ فَتَنَخَّى لِشِقِّ وجِهِهِ الَّذِي أعْرَضَ قِبَلَهُ فقال: يا رسول الله إنَّ الآخرَ قَدْ زَنَى، فَأَعْرضَ عَنْهُ فَتَنَحَّى لِشِقِّ وجهِهِ الَّذِي أعْرَضَ قِبَلَهُ، فقال لهُ ذُلِكَ، فأعْرَضَ عنهُ فَتَتَخَّى لهُ الرَّبِعَةَ، فَلمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ دعاهُ فقال: هَلْ بِكَ جُنُونٌ؟ قال: لا. فقال النبيُّ عَّلَّهِ: اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ، وكانَ قَدْ أُحْصِنَ. [الحديث ٥٢٧١ - أطرافه في: ٦٨١٥، ٦٨٢٥، ٧١٦٧]. ... / ٥٢٧٢ - وعنِ الزُّهْرِيِّ قال: أخبرني مَنْ سَمِعَ جابِرَ بنَ عَبْدِ الله الأنْصَارِيَّ قال: كُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُ، فَرَجَمْنَاهُ بالمُصَلَّى بِالمَدِينَةِ، فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الحِجَارَةُ جَمَزَ حتَّى أدْرَكْنَاهُ بِالحَرَّةِ فَرَجَمْناهُ حتَّى ماتَ. [انظر الحديث ٥٢٧ وأطرافه] هذا حديث آخر في قصة ماعز عن أبي هريرة أخرجه عن أبي اليمان الحكم بن نافع عن شعيب بن أبي حمزة عن محمد بن مسلم الزهري. وأخرجه مسلم أيضاً في الحدود عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي. وأخرجه النسائي في الرجم عن عمرو بن منصور كلاهما عن أبي اليمان. قوله: ((أتى رجل))، هو ماعز بن مالك الأسملي. قوله: ((وهو في المسجد)) الواو فيه للحال. قوله: ((أن الآخِر))، بفتح الهمزة وكسر الخاء أي المتأخر عن السعادة المدبر المنحوس، وقيل: الأرذل، وقيل اللئيم. قوله: ((قبله)) بكسر القاف وفتح الباء الموحدة. قوله: ((وعن الزهري)) عطف على قوله: شعيب عن الزهري إلى آخره، إنما لم يبين الزهري هنا من هو الذي سمعه منه، وقد صرح فيما قبله بأن الذي سمعه منه هو أبو سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن المسيب إشارة إلى أن له شيخاً آخر غير أبي سلمة، وسعيد قد سمع عن أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه. عمدة القاري /ج٢٠ /م٢٤ ٣٧٠ ٦٨ - كتابُ الطلاَقِ / باب (١٢) ١٢ - بابُ الخُلْعِ وكَتِفَ الطَّلاَقُ فِیهِ أي: هذا باب في بيان الخلع، بضم الخاء المعجمة وسكون اللام، مأخوذ من خلع الثوب والنعل ونحوهما، وذلك لأن المرأة لباس للرجل، كما قال الله تعالى: ﴿هن لباس لكم وأنتم لباس لهن﴾ [البقرة: ١٨٧] وإنما جاء مصدره بضم الخاء تفرقة بين الإجرام والمعاني، يقال خلع ثوبه ونعله خلعاً بفتح الخاء، وخلع امرأته خلعاً وخلعة بالضم، وأما حقيقته الشرعية فهو فراق الرجل امرأته على عوض يحصل له، هكذا قاله شيخنا في (شرح الترمذي) وقال: هو الصواب، وقال كثير من الفقهاء: هو مفارقة الرجل امرأته على مال، وليس بجيد، فإنه لا يشترط كون عرض الخلع مالاً، فإنه لو خالعها عليه من دين أو خالعها على قصاص ، لها عليه فإنه صحيح، وإن لم يأخذ الزوج منها شيئاً فلذلك عبرت بالحصول بالأخذ. قلت: قال أصحابنا: الخلع إزالة الزوجية بما يعطيه من المال. وقال النسفي: الخلع الفصل من النكاح بأخذ المال بلفظ الخلع، وشرطه شرط الطلاق، وحكمه وقوع الطلاق البائن، وهو من جهته يمين ومن جهتها معاوضة. وأجمع العلماء على مشروعية الخلع إلاَّ بكر بن عبد الله المزني التابعي المشهور، وحكاه ابن عبد البر في (التمهيد) قال عقبة بن أبي الصهباء: سألت بكر بن عبد الله المزني عن الرجل يريد أن يخالع امرأته، فقال: لا يحل له أن يأخذ منها شيئاً. قلت: فأين قوله تعالى: ﴿فإن خفتم أن لا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت﴾ [البقرة: ٢٢٩] قال: هي منسوخة. قلت: وما نسخها؟ قال: ما في سورة النساء، قوله تعالى: ﴿وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطاراً﴾ [النساء: ٢٠] الآية قال ابن عبد البر: قول بكر بن عبد الله هذا خلاف السنة الثابتة في قصة ثابت بن قيس وحبيبة بنت سهل وخالف جماعة الفقهاء والعلماء بالحجاز والعراق والشام انتهى. وخصص ابن سيرين وأبو قلابة جوازه بوقوع الفاحشة فكانا يقولان: لا يحل للزوج الخلع حتى يجد على بطنها رجلاً، لأن الله تعالى يقول: ﴿إلا أن يأتين بفاحشة مبينة﴾ [النساء: ١٩، الطلاق: ١] قال أبو قلابة: فإذا كان ذلك فقد جاز له أن يضارها ويشق عليها حتى تختلع منه. قال أبو عمر: ليس هذا بشيء لأن له أن يطلقها أو يلاعنها، وأما أن يضارها ليأخذ مالها فليس له ذلك. قوله: وكيف الطلاق فيه؟ أي: كيف حكم الطلاق في الخلع؟ هل يقع الطلاق بمجرده أو لا يقع حتى يذكر الطلاق إما باللفظ أو بالنية؟ وللفقهاء فيه خلاف فعند أصحابنا الواقع بلفظ الخلع والواقع بالطلاق على مال بائن. وعند الشافعي في القديم فسخ وليس بطلاق، يروى ذلك عن ابن عباس، حتى لو خالعها مراراً ينعقد النكاح بينهما بغير تزوج بزوج آخر، وبه قال أحمد، وفي قول الشافعي: إنه رجعي، وفي قول وهو أصح أقواله: إنه طلاق بائن كمذهبنا لقوله عَّهِ: الخلع تطليقة بائنة، وهو مروي عن عمر وعلي وابن مسعود، رضي الله تعالى عنهم، وقد نص الشافعي في الإملاء على أنه من صرائح الطلاق. ٣٧١ ٦٨ - كتابُ الطلاَقِ / باب (١٢) وفي (التوضيح): اختلف العلماء في البينونة بالخلع على قولين: أحدهما: إنه تطليقة بائنة، روي عن عثمان وعلي وابن مسعود، إلا أن تكون سمت ثلاثاً فهي ثلاث، وهو قول مالك والثوري والأوزاعي والكوفيين وأحد قولي الشافعي. والثاني: إنه فسخ وليس بطلاق إلا أن ينويه، روي ذلك عن ابن عباس وطاووس وعكرمة، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور. وهو قول الشافعي الآخر. انتهى. والحديث الذي احتج به أصحابنا وذكروه في كتبهم مروي عن ابن عباس رواه الدارقطني والبيهقي في (سننهما) من حديث عباد بن كثير عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي عَّ له: جعل الخلع تطليقة بائنة، ورواه ابن عدي في (الكامل) وأعله بعباد بن كثير الثقفي وأسند عن البخاري، قال: تركوه، وعن النسائي متروك الحديث، وعن شعبة: إحذروا حديثه، وسكت عنه الدارقطني إلاّ أنه أخرج عن ابن عباس خلافه من رواية طاووس عنه، قال: الخلع فرقة وليس بطلاق وروى عبد الرزاق في (مصنفه): حدثنا بن جريج عن داود بن أبي عاصم عن سعيد بن المسيب أن النبي معَّه جعل الخلع تطليقة، وكذلك رواه ابن أبي شيبة في (مصنفه). وقَوْلِ الله تعالى: ﴿ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا﴾ إلى قوله: ﴿الظالمون﴾ [البقرة: ٢٢٩] وقول الله بالجر عطف على قوله الخلع، المضاف إليه لفظ الباب، وفي لفظ رواية أبي ذر: وقول الله: ﴿ولا يحل لكم﴾ إلى قوله: ﴿إلا أن يقيما حدود الله﴾ [البقرة: ٢٢٩] وفي رواية النسفي: وقول الله تعالى: ﴿ولا يحل لكم﴾ إلى قوله: ﴿إلا أن يخافا﴾، وفي رواية غيرهما من أول الآية إلى قوله: ﴿الظالمون﴾ وهذا كله ليس مما يحتاج إليه، بل ذكر بعض الآية كافٍ، وإنما ذكر هذه الآية لأنها نزلت في قضية امرأة ثابت بن قيس بن شماس التي اختلعت منه، وهو أول خلع كان في الإسلام، وفيها بيان ما يفعل في الخلع. قوله: ((ولا يحل لكم أن تأخذوا)) أي: لا يحل لكم أن تضاجروهن وتضيقوا عليهن ليفتدين منكم بما أعطيتموهن من الأصدقة أو ببعضه. وقال الزمخشري: إن قلت الخطاب للأزواج لم يطابقه: ﴿فإن خفتم أن لا يقيما حدود الله﴾ وإن قلت للأئمة والحكام، فهؤلاء ليسوا بآخذين منهم ولا بمؤتيهن. ثم أجاب بأنه يجوز الأمران جميعاً أن يكون أول الخطاب للأزواج وآخره للأئمة والحكام، وأن يكون الخطاب كله للأئمة والحكام لأنهم الذين يأمرون بالأخذ والإيتاء عند الترافع إليهم، فكأنهم الآخذون والمؤتون. قوله: ((مما آتيتموهن)) أي: مما أعطيتموهن من الصدقات. قوله: ((إلا أن يخافا)) أي: الزوجان ﴿أن لا يقيما حدود الله﴾ أي: ألا يقيما ما يلزمهما من مواجب الزوجية لما يحدث من نشوز المرأة وسوء خلقها، وقرأ الأعرج وحمزة: يخافا بضم الياء وفي قراءة عبد الله: إلا أن يخافوا. قوله: ﴿فلا جناح عليهما﴾ أي: على الزوج فيما أخذ وعلى المرأة فيما أعطت، وأما إذا لم يكن لها عذر وسألت الافتداء منه فقد دخلت فى قوله عَّله: أيما امرأة سألت زوجها طلاقها من غير بأس فحرام عليها رائحة الجنة. ٣٧٢ ٦٨ - كتابُ الطلاَقِ / باب (١٢) أخرجه الترمذي من حديث ثوبان، ورواه ابن جرير أيضاً، وفي آخره قال: المختلعات من المنافقات. وأجازَ عُمَرُ الخلْعَ دُونَ السلْطَانِ أي: أجاز عمر بن الخطاب الخلع دون السلطان، أي: بغير حضور السلطان، وأراد به الحاكم، ووصله ابن أبي شيبة عن وكيع عن شعبة عن الحكم عن خيثمة، قال: أتى بشر بن مروان في خلع كان بين رجل وامرأته، فلم يجزه، فقال له عبد الله بن شهاب: شهدت عمر ابن الخطاب أتى في خلع كان بين رجل وامرأته فأجازه، وحكاه أيضاً عن ابن سيرين والشعبي ومحمد بن شهاب ويحيى بن سعيد، وقال الحسن: لا يكون الخلع دون السلطان، أخرجه سعید بن منصور عن هشیم عن يونس عنه. وأجازَ عُثْمَانُ الخُلْعَ دُونَ عِقاصٍ رأسِها أي: أجاز عثمان بن عفان الخلع دون عقاص رأسها أي: رأس المرأة والعقاص بكسر العين جمع عقصة أو عقيصة، وهي الضفيرة. وقيل: هو الخيط الذي يغقص به أطراف الذوائب. قال ابن الأثير: والأول أوجه، والمعنى أن المختلعة إذا افتدت نفسها من زوجها بجميع ما تملك كان له أن يأخذ ما دون عقاص شعرها من جميع ملكها. وقال صاحب (التلويح): هذا اللفظ يعني قوله: أجاز عثمان الخلع دون عقاص رأسها، لم أره إلاَّ عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، رواه أبو بكر عن عفان: حدثنا همام حدثنا مطر عن ثابت عن عبد الله بن رباح: أن عمر قال: اخلعها بما دون عقاصها، وفي لفظ اخلعها ولو من قرطها، وعن ابن عباس: حتى من عقاصها. وقال صاحب (التوضيح) وأثر عثمان لا يحضرني نعم أخرجه ابن أبي شيبة عن عفان ... الخ نحو ما قاله صاحب (التلويح) وقال بعضهم: إنه رواه موصولاً في (أمالي أبي القاسم) من طريق شريك عن عبد الله بن محمد عن عقيل عن الربيع بنت معوذ قالت: اختلعت من زوجي بما دون عقاص رأسي، فأجاز ذلك عثمان، رضي الله تعالى عنه. وأخرجه البيهقي من طريق روح بن القاسم عن ابن عقيل مطولاً، وقال في آخره: فدفعت إليه كل شيء حتى أجفت الباب بيني وبينه، وهذا يدل على أن معنى: دون، سوى أي: أجاز للرجل أن يأخذ من المرأة في الخلع ما سوى عقاص رأسها. انتھی. قلت: قول ابن عباس الذي ذكرناه آنفاً يدل على أنه يأخذ عقاص شعرها، وهو الخيط الذي يعقص به أطراف الذوائب، كما ذكرناه. وقال ابن كثير: ومعنى هذا أنه لا يجوز أن يأخذ كل ما بيدها من قليل وكثير، ولا يترك لها سوى عقاص شعرها، وبه قال مجاهد وإبراهيم، وقال ابن المنذر: وبنحوه قال ابن عمر وعثمان بن عفان والضحاك وعكرمة، وهو قول الشافعي وداود وروى عبد الرزاق عن المعتمر بن سليمان عن ليث بن أبي سليم عن الحكم بن عتيبة: أن علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه، قال: لا يأخذ من المختلعة ٣٧٣ ٦٨ - كتابُ الطلاقِ / باب (١٢) فوق ما أعطاها. وقال ابن حزم: هذا لا يصح عن علي لأنه منقطع، وفيه ليث، وذكر هذا ابن أبي شيبة في (مصنفه) عن عطاء وطاووس وعكرمة والحسن ومحمد بن شهاب الزهري وعمرو بن شعيب والحكم وحماد وقبيصة بن ذؤيب، وقال ابن كثير في (تفسيره): وهذا مذهب مالك والليث والشافعي وأبي ثور، واختاره ابن جرير، وقال أصحاب أبي حنيفة: إن كان الإضرار من جهته لم يجز أن يأخذ منها شيئاً، وإن أخذ جاز في القضاء وفي (التلويح) قال أبو حنيفة: فإن أخذ أكثر مما أعطاها فليتصدق به. وقال الإمام أحمد وأبو عبيد وإسحاق: لا يجوز أن يأخذ أكثر مما أعطاها، وعن ميمون بن مهران: إن أخذ أكثر مما أعطاها فلم يسرح بإحسان، وعن عبد الملك الجزري: لا أحب أن يأخذ منها كل ما أعطاها حتى يدع لها ما يعيشها. وقال طاؤُوسٌ: ﴿إِلا أن يخافا أن لا يقيما حدود الله﴾ [البقرة: ٢٢٩] فيما افْتَرَضَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُما علَى صاحبِهِ في العِشْرَةِ والصُّخْبَةِ، وَلَمْ يَقَلْ قَوْلَ السُّفَهَاءِ لا يجِلُّ حتَّى تَقُولَ: لا أَغْتَسِلُ لَكَ مِنْ جِنَابَةٍ. أي: قال طاووس في تفسير قوله تعالى: ﴿إلا أن يخافا﴾ أي: الزوجان ﴿أن لا يقيما حدود الله﴾ ... الخ قوله: ((لم يقل)) أي: ولم يقل الله ((قول السفهاء)): لا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً إلا أن تقول المرأة: لا أغتسل لك من جنابة، لأنها حينئذ تصير ناشزة فيحل الأخذ منها. وقولها: ((لا أغتسل)) إما كناية عن الوطء وإما حقيقة. وهذا التعليق رواه ابن أبي شيبة عن ابن علية حدثنا ابن جريج عنه بلفظ: يحل له الفداء، كما قال الله عز وجل: ﴿إلا أن يخافا أن لا يقيما حدود الله﴾ ولم يكن يقول قول السفهاء حتى تقول: لا أغتسل لك من جنابة، ولكنه كان يقول: ﴿إلا أن يخافا أن لا يقيما حدود الله﴾ فيما افترض لكل واحد منهما على صاحبه في العشرة. ١٩/ ٥٢٧٣ - حدّثنا أزْهَرُ بنُ جَمِيلٍ حدثنا عَبْدُ الوَهَّابِ الثقَفِيُّ حدثنا خالِدٌ عنُّ عِكْرمَةَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ: أَنَّ امْرَأَةً ثابتٍ بِن قَيْسٍ أَتَت النبيَّ عَّهِ، فقالَتْ: يا رسولَ الله! ثابتٌ ابن قَيْسٍ! ما أعْتِبُ عَلَيْهِ في خُلقٍ ولاَ دِينٍ، وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الكُفْرَ في الإسْلاَمِ. فقال رسولُ الله عَ لَّهِ: أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. قال رسولُ الله عَلِ اقْبَل الحَدِيقَةَ وَطَلِّفْها تَطْلِيقَةٌ. [الحديث ٥٢٧٣ أطرافه فى: ٥٢٧٤، ٥٢٧٥، ٥٢٧٦، ٥٢٧٧] مطابقته للترجمة من حيث إن فيه بيان كيف الطلاق في الخلع. وأزهر، بفتح الهمزة وسكون الزاي وفتح الهاء: ابن جميل بفتح الجيم أبو محمد البصري، مات سنة إحدى وخمسين ومائتين، وهو من أفراده لم يخرج عنه في الخلع غير هذا الموضع. وقد أخرجه النسائي عنه أيضاً، وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي بالثاء المثلثة والقاف والفاء، وخالد هو ابن مهران الحذاء. ٣٧٤ ٦٨ - كتابُ الطلاَقِ / باب (١٢) قوله: ((أن امرأة ثابت بن قيس)) أبهم البخاري اسمها هنا وفي الطريق التي بعدها، وسماها في آخر الباب بجميلة، بفتح الجيم وكسر الميم. قال أبو عمر: جميلة بنت أبي بن سلول امرأة ثابت بن قيس التي خالعته وردت عليه حديقته، هكذا روى البصريون، وخالفهم أهل المدينة فقالوا: إنها حبيبة بنت سهل الأنصاري، قال: وكانت جميلة قبل ثابت بن قيس تحت حنظلة بن أبي عامر الغسيل، ثم تزوجها بعده ثابت بن قيس بن مالك بن دخشم ثم تزوجها بعده حبيب بن أساف الأنصاري. وقال شيخنا زين الدين، رحمه الله تعالى: اختلفت طرق الحديث في اسم امرأة ثابت بن قيس التي خالعها، ففي أكثر طرقه أن اسمها: حبيبة بنت سهل، هكذا عند مالك في (الموطأ) من حديثها ومن طريقه رواه أبو داود والنسائي، وكذا في حديث عائشة عند أبي داود، وكذا في حديث عبد الله بن عمر، وعند ابن ماجه بإسناد صحيح عن ابن عباس: إنها جميلة بنت سلول، وسلول هي أمها، ويقال: اختلف في سلول: هل هي أم أبي أو امرأته، ووقع في رواية النسائي والطبراني من حديث الربيع بنت معوذ: جميلة بنت عبد الله بن أبي، وبذلك جزم ابن سعد في (الطبقات) فقال: جميلة بنت عبد الله بن أبي، ووقع في رواية البخاري عن عكرمة: أخت عبد الله بن أبي، وهو كبير الخزرج ورأس النفاق، وقع عند النسائي وابن ماجه بإسناد جيد من حديث الربيع بنت معوذ أن اسمها: مريم المغالية، وعند الدارقطني والبيهقي من رواية أبي الزبير: أن ثابت بن قيس كانت عنده زينب بنت عبد الله بن أبي سلول. قال الشيخ وأصح طرقه حديث حبيبة بنت سهل على أنه يجوز أن يكون الخلع قد تعدد غير مرة من ثابت بن قيس لهذه فإن في بعض طرقه: أصدقها حديقة، وفي بعضها: حديقتين، ولا مانع أن يكون واقعتين فأكثر. وقد صح كونها حبيبة وصح كونها جميلة، وصح كونها مريم، وأما تسميتها زينب فلم يصح قلت: لم يذكر أبو عمر مريم وذكرها الذهبي، وقال: مريم الأنصارية المغالية من بني مغالة امرأة ثابت بن قيس، لها ذكر في حديث الربيع انتهى. وثابت بن قيس بن شماس بن مالك بن امرىء القيس الخزرجي، وكان خطيب الأنصار، ويقال: خطيب رسول الله عَّ له، كما يقال لحسان بن ثابت: شاعر رسول الله عَ ليه، شهد أحداً وما بعدها من المشاهد وقتل يوم اليمامة شهيداً في خلافة أبي بكر، رضي الله تعالى عنه. قوله: ((وما أعتب))، بضم التاء المثناة من فوق وكسرها من عتب عليه إذا وجد عليه يقال: عتب على فلان أعتب عتباً والاسم المعتبة، والعتاب هو الخطاب بإدلال، ويروى: وما أعيب، بالياء آخر الحروف من العيب أي: لا أغضب عليه، ولا أريد مفارقته لسوء خلقه ولا لنقصان دينه، ولكن أكرهه طبعاً فأخاف على نفسي في الإسلام ما ينافي مقتضى الإسم باسم ما ينافي في نفس الإسلام، وهو الكفر، ويحتمل أن يكون من باب الإضمار أي: لكني أكره لوازم الكفر من المعاداة والنفاق والخصومة ونحوها، وجاء في رواية جرير بن حازم إلاَّ أني أخاف الكفر، قيل: كأنها أشارت إلى أنها قد تحملها شدة كراهتها على إظهار الكفر لينفسخ ٣٧٥ ٦٨ - كتابُ الطلاَقِ / باب (١٢) نكاحها منه، وهي تعرف أن ذلك حرام، لكن خشيت أن يحملها شدة البغض على الوقوع فيه. وقيل: يحتمل أن يريد بالكفر كفران العشير إذ هو تقصير المرأة في حق الزوج، وجاء في رواية ابن جرير: والله ما كرهت منه خلقاً ولا ذنباً إلاَّ أني كرهت دمامته، وفي رواية أخرى له قالت: يا رسول الله! لا يجمع رأسي ورأسه شيئاً أبداً إني رفعت جانب الحياء فرأيته أقبل في عدة فإذا هو أشدهم سواداً وأقصرهم قامة وأقبحهم وجهاً ... الحديث، وفي رواية ابن ماجه: كان رجلاً دميماً، فقالت: يا رسول الله! والله لولا مخافة الله إذا دخل عليَّ بصقت في وجهه وعن عبد الرزاق عن معمر، قال: بلغني أنها قالت: يا رسول الله! وبي من الجمال ما ترى وثابت رجل دميم، فإن قلت: جاء في رواية النسائي: أنه كسر يدها فكيف تقول لا أعتب ... الخ؟ قلت: أردت أنه سيء الخلق لكنها ما تعيبته بذلك، ولكن تعييبها إياه كان بالوجوه التي ذكرناها. قوله: ((حديقته))، أي: بستانه الذي أعطاها. قوله: ((وطلِّقها)) الأمر فيه للإرشاد والاستصلاح لا للإيجاب والإلزام، ووقع في رواية جرير بن حازم: فردت عليه فأمره ففارقها. قال أبُو عبدِ الله: لا يُتَابَعُ فِيهِ عنِ ابنِ عَبَّاس، رضي الله عنهما أبو عبد الله هو البخاري نفسه أي: لا يتابع أزهر بن جميل على ذكر ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما، في هذا الحديث بل أرسله غيره، ومراده بذلك خصوص طريق خالد الحذاء عن عكرمة، ولهذا عقبه برواية خالد على ما يأتي الآن. ٥٢٧٤/٢٠ - حدّثنا إسحاقُ الوَاسِطِيُّ حدثنا خالِدٌ عنْ خالد الحَذَّاء عنْ عِكْرِمَةَ: أنَّ أُخْتَ عبْدِ الله بن أَبَيِّ بهذَا، وقال: تَوِّدِّينَ حَدِيقَتَهُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَرَدَّتْها وأمَرَهُ يُطَلِّقْها وقال إِبْرَاهِيمُ بنُ طَهْمَانَ عنْ خالِدٍ عنْ عِكْرِمَةَ عنِ النبيِّ عَّهِ. [انظر الحديث ٥٢٧٣ وأطرافه] ذكر هذا تأييداً لقوله: لا يتابع فيه عن ابن عباس، أراد أنه عن عكرمة فقط أخرجه عن إسحاق الواسطي وهو إسحاق بن شاهين أبو بشر، يروي عن خالد بن عبد الله الطحان عن خالد الحذاء عن عكرمة مولى ابن عباس، رضي الله تعالى عنه، مرسلاً. قوله: ((وقال إبراهيم بن طهمان)) بفتح الطاء المهملة وسكون الهاء: الهروي وسكن نيسابور، ويروي عن خالد الحذاء عن عكرمة عن النبي عَّةٍ ولم يذكر فيه ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما، بل أرسله، ووصل هذا الإسماعيلي عن إبراهيم عن أيوب بن أبي تميمة رضي الله تعالى عنهم، على ما يجيء الآن. ... / ٥٢٧٥ - وعنِ ابنِ أبي تَمِيمَةَ عنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عبَّاسِ أنَّهُ قال: جاءَتِ امْرَأةُ ثابِتِ بنِ قَيْسٍ إلى رسولِ اللهِ عَ لَّهِ، فقالَتْ: يا رسولَ الله! إنِّي لا أَعْتِبُ عِلَى ثابتٍ في دِينٍ ولا خُلُقٍ ولَكِنِّي لا أُطِيقُهُ. فقال رسولُ اللهِ عَلِّ: فَتَرُدِّينَ عليْهِ حَدِيقَتَهُ؟ قَالَتْ: نَعمْ. [انظر الحديث ٥٢٧٣ وأطرافه] ٣٧٦ ٦٨ - كتابُ الطلاَقِ / باب (١٣) ((وعن ابن أبي تميمة)) عطف على قوله: عن خالد عن عكرمة، يعني: وقال إبراهيم بن طهمان أيضاً عن أيوب بن أبي تميمة السختياني، واسم أبي تميمة كيسان أبو بكر الغزي مولاهم البصري، يروي عن عكرمة عن ابن عباس إلى آخره، موصولاً. وأخرج الإسماعيلي عن ابن أبي تميمة أيضاً إلى آخره موصولاً. قوله: ((ولكني لا أطيقه) من الإطاقة بالقاف، يعني: لا أطيق معاشرته. قال الكرماني: ويروى: لا أطيعه، من الإطاعة بالعين، وقال بعضهم: هذا تصحيف. قلت: لا يتحقق كونه مصحفاً فلا يجزم به فإن صحت فمعناه: لا أطيعه في معاشرته كما يريد للوجوه التي ذكرناها. قوله: ((فتردين عليه)) بالفاء عطفاً على مقدر، وفي الرواية السابقة: أتردين؟ بهمزة الاستفهام المقدرة. ٥٢٧٦/٢١ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ عبدِ الله بنِ المُبارَكِ المخَرِّمِيُّ حدثنا قُرَادٌ أَبُو نُوحٍ حدثنا جَرِيرُ بنُ حازِمٍ عن أيُّوبَ عنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عبَّاس، رضي الله عنهما، قال: جاءَتِ امْرَأَةُ ثابتِ بن قَيْسٍ بن شَكَّاسٍ إِلى النبيِّ عَّهِ فَقالَتْ: يا سولَ الله! ماأنْقمُ علَى ثابتٍ في دِينٍ ولا خُلُقٍ إلاّ أَنِّي أخافُ الكُفْرَ. فقالَ رسولُ اللهِ عَلِّ: فَتَرُدِّينَ عَليْهِ حَدِيقَتَهُ؟ فقالَتْ: نَعَمْ. فَرُدَّتْ عَلَيْهِ وأَمَرَهُ ففارَقَها. [انظر الحديث ٥٢٧٣ وأطرافه] هذا طريق آخر وهو موصول أخرجه عن محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي، بضم الميم وفتح الخاء المعجمة وكسر الراء المشددة: منسوب إلى محلة من محال بغداد أبي جعفر الحافظ قاضي حلوان، مات سنة أربع وخمسين ومائتين، وقراد بضم القاف وتخفيف الراء لقب، واسمه عبد الرحمن بن غزوان، وكنيته أبو نوح وهو من كبار الحفاظ وثقوه، ولكن خطؤه في حديث واحد حدث به عن الليث خولف فيه، وليس له في البخاري سوى هذا الموضع. قوله: ((فردت عليه)) بصيغة المجهول أي: ردت الحديقة على ثابت. قوله: ((وأمره)) أي: وأمره النبي عَّ ففارقها. ٢٢ / ٥٢٧٧ - حدّثنا سُلَيْمَانُ حدَّثنا حَمَّادٌ عنْ أَيُّوبَ عنْ ◌ِكْرِمَةَ أنَّ جَمِيلَةَ فَذَكَرَ الحَدِيثَ. [انظر الحديث ٥٢٧٣ أطرافه] أشار بهذا إلى أن اسم المرأة التي خالعها ثابت بن قيس جميلة بالجيم، وقد ذكرنا الاختلاف فيه عن قريب، أخرجه عن سليمان بن حرب عن حماد بن زيد عن أيوب السختياني، فذكر الحديث المذكور الخ. ١٣ - بابُ الشِّقاقِ وهَلْ يُشِيرُ بالخُلْعِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ أي: هذا باب في بيان الشقاق المذكور في قوله تعالى: ﴿وإن خفتم شقاق بينهما﴾ [النساء: ٣٥] بالكسر: الخلاف، وقيل: الخصام. قوله: ((هل يشير بالخلع)) فاعل يشير ٣٧٧ ٦٨ - كتابُ الطلاَقِ / باب (١٣) محذوف وهو إما الحكم من أحد الزوجين أو الولي أو أحد منهما أو الحاكم إذا ترافعا إليه، والقرينة الحالية والمقالية تدل على ذلك. قوله: ((عند الضرورة)) وعند النسفي للضرر أي لأجل الضرر الحاصل لأحد الزوجين أو لهما. وقَوْلهِ تعالى: ﴿وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله﴾ إلَى قَوْلِه ﴿خبيرا﴾ [النساء: ٣٥]. وقوله بالجر عطف على: الشقاق، المجرور بالإضافة، وفي بعض النسخ: وقول الله تعالى، وعند أبي ذر والنسفي: وقوله تعالى: ﴿وإن خفتم شقاق بينهما﴾ الآية، وزاد غيرهما. ﴿فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها﴾ إلى قوله: ﴿خبيراً﴾ قوله: ((وإن خفتم)) الخطاب للحكام، وشقاق مضاف إلى قوله: بينهما، على طريق الاتساع كما في قوله تعالى: ﴿بل مكر الليل والنهار﴾ [سبأ: ٣٣] والضمير يرجع إلى الزوجين ولم يجر ذكرهما لجري ذكر ما يدل عليهما، وهو الرجال والنساء، وقال ابن بطال: المراد بقوله: ﴿إن يريدا إصلاحاً﴾ الحكمان، وإن الحكمين يكون أحدهما من جهة الرجل والآخر من جهة المرأة إلاَّ أن لا يوجد من أهلهما من يصلح فيجوز أن يكون من الأجانب ممن يصلح لذلك، وأنهما إذا اختلفا لم ينفذ قولهما، وإن اتفقا نفذ في الجميع بينهما من غير توكيد. واختلفوا فيما إذا اتفقا على الفرقة، فقال مالك والأوزاعي وإسحاق: ينفذ من غير توكيل ولا إذن من الزوجين، وقال الكوفيون والشافعي وأحمد: يحتاجان إلى الإذن، لأن الطلاق بيد الزوج، فإن أذن في ذلك وإلاَّ فالحاكم طلق عليه، وذكر ابن أبي شيبة عن علي رضي الله تعالى عنه قال: الحكمان بهما يجمع الله وبهما يفرق. وقال الشعبي: ما قضى الحكمان جاز، وقال أبو سلمة: الحكمان إن شاءا جمعا وإن شاءا فرقا. وقال مجاهد نحوه، وعن الحسن: إذا اختلفا جعل غيرهما وإن اتفقا جاز حكمهما. وسئل عامر عن رجل وامرأة حكّما رجلاً ثم بدا لهما أن يرجعا، فقال: ذلك لهما ما لم يتكلما، فإذا تكلما فليس لهما أن يرجعا. وقال مالك في الحكمين يطلقان ثلاثاً، قال: تكون واحدة وليس لهما الفراق بأكثر من واحدة بائنة. وقال ابن القاسم: يلزم الثلاث إن اجتمعا عليه، وقال المغيرة وأشهب وابن الماجشون وإصبغ: وقال ابن المواز: إن حكم أحدهما بواحدة والآخر بثلاث فهي واحدة، وحكى ابن حبيب عن إصبغ أن ذلك ليس بشيء. ٥٢٧٨/٢٣ _ حدّثنا أبو الوَلِيدِ حدثَنا اللَّيْثُ عنِ ابنِ أبي مُلَيْكَةً عنِ المِسْوَرِ بن مَخْرَمَةَ الزُّهْرِيِّ قال: سَمِعْتُ النّبِي عَ لَّهِ يَقُولُ: إِنَّ بني المُغيرَةِ اسْتَأْذَنُوا في أَنْ يَنْكِحَ عَلِيٌّ ابْنَتَهُمْ، فَلا آذَنُ. [انظر الحديث ٩٢٦ وأطرافه] قال ابن التين: ليس في الحديث دلالة على ما ترجم، أراد أنه لا مطابقة بين الحديث والترجمة وعن المهلب: حاول البخاري بإيراده أن يجعل قول النبي عَ لَّل: ((فلا آذن خلعاً))، ولا يقوى ذلك لأنه قال في الخبر: إلاَّ أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي فدل على ٣٧٨٪ ٦٨ - كتابُ الطلاقِ / باب (١٤) الطلاق، فإن أراد أن يستدل بالطلاق على الخلع فهو ضعيف، وقيل في بيان المطابقة بين الحديث والترجمة بقوله: يمكن أن تؤخذ من كونه عَّ ل أشار بقوله: ((فلا آذن)) إلى أن علياً رضي الله تعالى عنه، يترك الخطبة، فإذا ساغ جواز الإشارة بعدم النكاح التحق به جواز الإشارة بقطع النكاح. انتهى. وأحسن من هذا وأوجه ما قاله الكرماني بقوله: أورد هذا الحديث هنا لأن فاطمة رضي الله تعالى عنها، ما كانت ترضى بذلك، وكان الشقاق بينها وبين علي، رضي الله تعالى عنه، متوقعاً، فأراد عَّ دفع وقوعه. انتهى. وقيل: يحتمل أن يكون وجه المطابقة من باقي الحديث، وهو إلاّ أن يريد على أن يطلّق ابنتي، فيكون من باب الإشارة بالخلع، وفيه تأمل. وأبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، وابن أبي مليكة هو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي مليكة واسمه زهير المكي القاضي على عهد ابن الزبير، والمسور بكسر الميم ابن مخرمة بفتح الميمين الزهري. !. وهذا قطعة من حديث في خطبة علي رضي الله تعالى عنه بنت أبي جهل، وقد مر في كتاب النكاح في: باب ذب الرجل عن ابنته، فإنه أخرجه هناك عن قتيبة عن الليث عن أبي مليكة عن المسور بن مخرمة إلى آخره ... ومضى الكلام فيه هناك. ١٤ - بابٌ لا يَكُونُ بَيْعُ الأَمَةِ طَلاَقاً أي: هذا باب يذكر فيه لا يكون بيع الأمة المزوجة طلاقاً، وفي رواية المستملي طلاقها، وهو مروي عن عمر وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص، ومذهب كافة الفقهاء، وقال آخرون: بيعها طلاق، روي عن ابن مسعود وأبي بن كعب وابن عباس وابن السيب والحسن ومجاهد. ٥٢٧٩/٢٤ _ حدّثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الله قال: حدّثني مالِكٌ عنْ رَبِيعَةَ بن أبي عبْدٍ الرَّحْمنِ عنِ القاسِمِ بن مُحَمَّدٍ عنْ عَائِشَةَ، رضي الله عنها، زَوْجِ النبيِّ عَُّلِّ، قَالَتْ: كانَ في بَرِيرَةَ ثَلاَثُ سُنَنٍ: إِحْدَى السُّنَنِ أَنَّها أَعْتِقَتْ في زَوْجِها، وقالَ رسولُ الله عَّهِ: الوَلاءِ لِمَنْ أَعْتَقَ، ودَخَل رسولُ الله عَلّهِ، والبُزْمَةُ تَفُورُ بِلَحْمِ، فَقُرَّبَ إلَيْهِ خُبْرٌ وَأَدْمٌ مِنْ أَدْمِ البَيْتِ، فقال: أَلَمْ أَوَ البُرْمَةَ فِيهَا لَحمٌ؟ قالُوا: بَلى ولَكِنْ ذَلِكُ لَحْمٌ تُصَدِّقَ بِهِ علَى بَرِيرَةً وَأَنْتَ لا تأكُلُ الصَّدَقَةَ. قالٍ: عَلَيْها صَدَقَةٌ ولَنَا هَدِيَّةٌ. [انظر الحديث ٤٥٦ وأطرافه] مطابقته للترجمة من حيث إن العتق إذا لم يكن طلاقاً فالبيع بطريق الأولى، ولو كان ذلك طلاقاً لما خيرها رسول الله عَ ليه. وإسماعيل بن عبد الله هو إسماعيل بن أبي أويس ابن أخت مالك، والقاسم بن محمد ابن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه. وقصة بريرة مضت في سبعة عشر موضعاً. وأخرج أولاً في كتاب الصلاة في: باب ٣٧٩ ٦٨ - كتابُ الطلاَقِ / باب (١٥) ذكر البيع والشراء على المنبر في المسجد، ومضت أيضاً في عدة مواضع منها في: باب المكاتب في مواضع، ومنها في الهبة في: باب قبول الهدية، ومنها في الشروط في: باب الشروط في الولاء، وفي: باب المكاتب وما لا يحل من الشروط، ومنها في آخر كتاب العتق ومضى الكلام فيه. وبريرة بفتح الباء الموحدة وكسر الراء الأولى مولاة عائشة، رضي الله تعالى عنها، قيل: إنها نبطية بفتح النون والباء الموحدة، وقيل: قبطية بكسر القاف وسكون الباء الموحدة، واختلف في مواليها ففي رواية أسامة بن زيد، رضي الله تعالى عنه عن عبد الرحمن بن القاسم عن القاسم عن عائشة أن بريرة كانت لناس من الأنصار، وكذا عند النسائي من رواية سماك عن عبد الرحمن، وقيل: لآل بني هلال أخرجه الترمذي من رواية جرير عن هشام. قوله: ((ثلاث سنن)) وفي رواية هشام بن عروة عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه: ثلاث قضيات، وفي حديث ابن عباس عند أحمد وأبي داود قضى فيها النبي عَّ له أربع قضيات، فذكر نحو حديث عائشة، وزاد: وأمرها أن تعتد عدة الحرة، أخرجها الدارقطني، ولم تقع هذه الزيادة في حديث عائشة، فلذلك اقتصرت على ثلاث. قوله: ((أعتقت فخيرت)) كلاهما على صيغة المجهول. قوله: ((في زوجها)) قد ذكرنا فيما مضى أن اسمه مغيث، وكان عبداً أسود. قوله: ((ودخل رسول الله عَّلٍّ)) أي: دخل بيت عائشة، وكذا وقع في رواية إسماعيل بن جعفر. قوله: ((والبرمة)) الواو فيه للحال، والبرمة بضم الباء الموحدة وهي القدر مطلقاً، وهي في الأصل المتخدة من الحجر المعروف بالحجاز واليمن. قوله: ((وأدم)) بضم الهمزة الأدام، وقد أكثر الناس في الكلام في معنى هذا الحديث وتخريج وجوهه، وللناس فيه تصانيف، وقد استقصينا الكلام فيه في مواضع متعددة. ١٥ - بابُ خِيارِ الأمَّةِ تَحْتَ العَبْدِ أي: هذا باب في بيان جواز الخيار للأمة التي كانت تحت العبد إذا أعتقت، وهذه الترجمة تدل على أن البخاري ترجح عنده قول من قال: كان زوج بريرة عبداً، واعترض عليه بأنه ليس في حديث الباب أن زوجها كان عبداً، وأجيب: بأن عادته أنه يشير إلى ما في بعض طرق الحديث الذي يورده، وقصة بريرة لم تتعدد فترجح عنده أنه كان عبداً أسود. وأخرج الجماعة إلاَّ مسلماً عن عكرمة عن ابن عباس أن زوج بريرة كان عبداً أسود فالبخاري أخرجه في هذا الباب وأخرجه أبو داود في الطلاق عن قتادة به. وأخرجه الترمذي في الرضاع عن أيوب وقتادة عن عكرمة. وأخرجه النسائي في القضاء عن خالد الحذاء به. وأخرجه ابن ماجه في الطلاق عن خالد الحذاء عن عكرمة به. وأخرجه الدارقطني وزاد فيه: وأمرها أن تعتد عدة الحرة، هكذا عزاه عبد الحق في أحكامه للدارقطني ولم أجده فليراجع لكنه في ابن ماجه من حديث عائشة: وأمرها أن تعتد ثلاث حيض، وإليه ذهب عطاء بن أبي رباح وسعيد بن المسيب والحسن البصري وابن أبي ليلى والأوزاعي والزهري والليث بن سعد ٣٨٠ ٦٨ - كتابُ الطلاَقِ / باب (١٥) ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق واستدلوا أيضاً بما أخرجه مسلم وأبو داود عن هشام بن عروة عن عائشة محيلاً على ما قبله في قصة بريرة، وزاد وقال: وكان زوجها عبداً فخيرها رسول الله عٍَّ، فاختارت نفسها، ولو كان حراً لم يخيرها. انتهى. قيل: هذا الأخير من كلام عروة قطعاً لوجهين: أحدهما: أنه قال: وفاعله مذكر. والثاني: أن النسائي صرح فيه بقوله: قال عروة. ولو كان حراً ما خيرها، وكذلك رواه ابن حبان في (صحيحه) بلفظ النسائي، وقال الطحاوي: يحتمل أن يكون هذا من كلام عائشة، ويحتمل أن يكون من كلام عروة. فبالاحتمال الأول: لا يثبت الاحتجاج القطعي، ولئن سلمنا أنه من كلام عائشة، ولكن قد تعارضت روايتاها فسقط الاحتجاج بهما. فإن قلت: رواية الأسود قد عارضها من هو ألصق بعائشة وأقعد بها من الأسود، وهما: القاسم بن محمد وعروة بن الزبير، فرويا عنها أنه كان عبداً، والأسود كوفي سمع منها من وراء الحجاب، وعروة والقاسم كانا يسمعان منها بغير حجاب، لأنها خالة عروة وعمة القاسم فهما أقعد بها من الأسود. قلت: لا كلام في صحة الطريقين، والأقعدية لا تنافي التعارض، فافهم. واستدلت طائفة بأنه كان حراً بحديث أخرجه الترمذي من حديث إبراهيم عن الأسود عن عائشة، قالت: كان زوج بريرة حراً حين أعتقت وأنها خيرت وكذلك في رواية النسائي وابن ماجه: كان حراً. وذهب طائفة أنه كان حراً وهم: الشعبي والنخعي والثوري ومحمد بن سيرين وطاووس ومجاهد وأبو ثور وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وآخرون، ولكنهم قالوا: الأمة إذا أعتقت فلها الخيار في نفسها سواء أكان زوجها حراً أو عبداً، أو إليه ذهب الظاهرية. وقالت الطائفة الأولى: إن كان زوجها عبداً فلها الخيار، وإن كان حراً فلا خيار لها. ٥٢٨٠/٢٥ - حدّثنا أبُو الوَلِيدِ حدثنا شُعْبَةُ وهَمَّامُ عنْ قَتَادَةَ عنْ عِكِرْمَةَ عنِ ابنٍ عباسٍ قال: رَأيْتُهُ عَبْداً، يَعْنِي زَوْجَ بَرِيرَةَ. [الحديث ٥٢٨٠ أطرافه في: ٥٢٨١، ٥٢٨٢، ٥٢٨٣] مطابقته للترجمة ظاهرة. وأبو الوليد هشام. وقد مر عن قريب، وهمام بالتشديد ابن يحيى البصري. والحديث أخرجه أبو داود أيضاً في الطلاق عن عثمان بن أبي شيبة، والاحتجاج به على أنه كان عبداً حين أعتقت بريرة غير قوي لأن قوله: ((رأيته عبداً يعني زوج بريرة)) لا يدل على أنه كان عبداً حين أعتقت بريرة، لأن الظاهر أنه يخبر بأنه كان عبداً فلا يتم الاستدلال به. والتحقيق فيه أن نقول: إن اختلافهم فيه في صفتين لا يجتمعان في حالة واحدة فنجعلها في حالتين بمعنى أنه كان عبداً في حالة، حراً في حالة أخرى، فبالضرورة تكون إحدى الحالتين متأخرة عن الأخرى، وقد علم أن الرق تعقبه الحرية والحرية لا يعقبها الرق، وهذا مما لا نزاع فيه، فإذا كان كذلك جعلنا حال العبودية متقدمة وحال الحرية متأخرة، فثبت بهذا الطريق أنه كان حراً في الوقت الذي خيرت فيه بريرة وعبداً قبل ذلك فيكون قول من قال كان عبداً، محمولاً على الحالة المتقدمة، وقول من قال: كان حراً،