النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ ٦٨ - كتابُ الطلاقِ / باب (٧) كفارة يمين وليس بقول، وقال ابن عباس: يلزمه كفارة ظهار، وهو قول أبي قلابة وسعيد بن جبير وأحمد، وقيل: إنها يمين فيكفر، وروى عن الصديق وعمر وابن مسعود وعائشة وسعيد ابن المسيب وعطاء والأوزاعي وأبي ثور، وقيل: لا شيء فيه ولا كفارة كتحريم الماء، وروي عن الشعبي ومسروق وأبي سلمة، وقال أبو سلمة: ما أدري حرمتها القرآن، وهو شذوذ. وقال أهْلُ العِلْمِ: إِذَا طَلَّقَ ثَلاَثَاً فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ، فَسَمَّوْهُ حَرَاماً بالطّلاَقِ والفِرَاق، ولَيْسَ هُذَا كَالَّذِي يُحَرِّمُ الطعامَ لأنهُ لا يُقالُ لِطَعامِ الحِلِّ: حرَامٌ، ويُقالُ لِلْمُطَلَّقَةِ: حَرَامٌ. وقال في الطَّلاَقِ ثَلاَثًاً: لا تَحِلُّ لهُ حتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ. لما وضع الترجمة بقوله: من قال لامرأته أنت علي حرام ولم يذكر الجواب فيها أشار بقوله: ((وقال أهل العلم)) الخ. إلى أن تحريم الحلال ليس على إطلاقه، فإن من طلق امرأته ثلاثاً تحرم عليه، وهو معنى قوله: ((فقد حرمت عليه)) فسموه أي: فسماه العلماء حراماً بالطلاق، أي: بقول الرجل: طلقت امرأتي ثلاثاً. قوله: ((والفراق)) أي وبقوله: فارقتك، ومن حرم عليه أكل الطعام لا يحرم عليه وهو معنى قوله: ((وليس هذا)) أي: الحكم المذكور في الطلاق ثلاثاً كالذي يحرم الطعام أي كحكم الذي يقول: هذا الطعام عليَّ حرام لا آكله فإنه لا يحرم، وأشار إلى الفرق بينهما بقوله: لا يقال لطعام الحل أي الحلال حرام، ويقال للمطلقة ثلاثاً: حرام. والدليل عليه قوله تعالى: ﴿فإن طلقها﴾ أي: الثالثة ﴿فلا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره﴾ [البقرة: ٢٣٠] وقال المهلب: من نعم الله تعالى على هذه الأمة، فيما خفف عنهم، أن من قبلهم كانوا إذا حرموا على أنفسهم شيئاً حرم عليهم، كما وقع ليعقوب، عليه الصلاة والسلام، فخفف الله ذلك عن هذه الأمة ونهاهم عن أن يحرموا على أنفسهم شيئاً مما أحل لهم، فقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم﴾ [المائدة: ٨٧] انتهى. وحاصل الكلام أن بين المسألتين فرقاً، وأن تحريم المباح يمين، وأن فيه رداً على من لم يفرق بين قوله لامرأته: أنت علي حرام، وبين قوله: هذا الطعام علي حرام، حيث لا يلزمه شيء فيهما، كما ذكرناه عن قريب من قال ذلك، وذكرنا أقوال العلماء فيه. ... / ٥٢٦٤ _ وقال اللَّيْثُ عنْ نافع: كانَ ابنُ عُمَرَ إِذَا سُئِلَ عَمَّنْ طَلَّقَ ثَلاَثًاً، قال: لوْ طَلَّقْتَ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ فإن النبيَّ عَّهِ أَمَرَّنِي بِهذَا، فإنْ طَلَّقَها ثَلاَثَاً حَرُمَتْ حتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَكَ. [انظر الحديث ٤٩٠٨ وأطرافه] أورد هذا التعليق عن الليث بن سعد تأييداً لما قال أهل العلم: إذا طلق ثلاثاً فقد حرمت عليه، وأطلقوا عليه حراماً كما مر الآن. وهذا هو وجه المناسبة بينه وبين الترجمة، وخفي هذا على صاحب (التلويح). وقال: لا مناسبة بينهما. وقال صاحب (التوضيح): وكأن البخاري أراد بإيراد هذا أن فيه لفظة: حرمت عليك، وإلّ فلا مناسبة بينهما في الباب (قلت) هذا أقرب إليه، وصاحب (التلويح) أبعد. قوله: ((عن نافع)) ويروى: حدثني نافع ((كان عبد الله بن عمر، رضي الله تعالى ٣٤٢ ٦٨ - كتابُ الطلاقِ / باب (٧) عنهما، إذا سئل عمن طلق امرأته ثلاثاً)) أي ثلاث تطليقات، قال: لو طلقت مرة أي طلقة واحدة أو مرتين أي: طلقتين قال الكرماني: وجواب لو، يعني جزاؤه محذوف، وهو لكان خيراً، أو هو حرف لو للتمني فلا يحتاج إلى جواب، وقال بعضهم: ليس كما قال، بل الجواب لكان لك الرجعة. قلت: مقصود الكرماني أن: لو إذا كان للشرط لا بد له من جزاء. فلذلك قدره بقوله: لكان خيراً، وهو معنى قوله: لكان لك الرجعة، وذلك لانسداد باب الرجعة بعد الثلاث، بخلاف ما بعد مرة أو مرتين. وهذا القرطبي أيضاً قال في هذا الموضع: فكأنه قال للسائل: إن طلقت تطليقة أو تطليقتين فأنت مأمور بالمراجعة لأجل الحيض، وإن طلقت ثلاثاً لم يكن لك مراجعة، لأنه لا تحل لك إلاَّ بعد زوج انتهى. وهكذا قدر الجزاء بما ذكره، وتقدير الكرماني مثله أو قريب منه، فلا حاجة إلى الرد عليه بغير وجه. قوله: ((فإن النبي عَّهِ، أمرني بهذا)) أي: بأن أراجع بعد المرتين. قوله: ((فإن طلقها)) كذا هو في رواية الكشميهني بصيغة المفرد الغائب من الماضي: ((حرمت عليه)) بضمير الغائب، وفي رواية غيره: فإن طلقتها بتاء المخاطب حرمت عليك. حتى تنكح أي المرأة زوجاً غيرك ويروى: غيره. وهذا لا يجيء إلاّ على رواية الكشميهني فافهم. والتعليق المذكور رواه مسلم في (صحيحه) عن يحيى بن يحيى وقتيبه ومحمد بن رمح عن الليث. ٥٢٦٥/١٢ _ حدّثنا مُحَمَّدٌ حدثنا أَبُو مُعاوِيَةَ حدثنا هِشامُ بنُ عُرْوَةَ عنْ أَبِيهِ عنْ عائِشَةَ قالَتْ: طَلَّقَ رَجُلٌ امْرِأَتَهُ فَتَزَوَّجَتْ زَوْجاً غَيْرَهُ فَطَلَّقَها وكانَتْ مَعَهُ مِثْلُ الهُدْبَةِ فَلَمْ تَصِلْ مِنْهُ إلى شَيءٍ تُرِيدُهُ، فَلَمْ يَلْبَتْ أَنْ طَلَّقَها، فأتَتِ النبيَّ ◌َّهِ، فقالتْ: يا رَسُولَ الله! إنَّ زَوْجِي طَلَّقَنِي، وإِنِّي تَزَوَّجْتُ زَوْجاً غَيْرَهُ فَدَخَلَ بِي وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِلَّ مِثْلُ الهُدْبَةِ فَلَمْ يَقْرَيْنِي إلّ هَنَةً واحِدَةً لَمْ يَصِلْ مِنِّي إلى شَيْءٍ، فأحلُّ لِزَوْجِي الأوَّل؟ فقال رسولُ اللهِ عَ لَّهِ: لا تَحِلِّينَ لِزَوْجِكِ الأوَّل حتَّى يَذُوقَ الآخَرُ عُسَيْلَتَكِ وَتَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ. [انظر الحديث ٢٦٣٩ وأطرافه] مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((لا تحلين لزوجك)) فإنه كان قد طلقها ثلاثاً وأنه أطلق الحرام بعد الطلقات الثلاث. وحديث عائشة فى هذا الباب قد مر، وهذه رواية أخرى عنها أخرجها البخاري عن محمد بن سلام عن أبي معاوية محمد بن خازم بالخاء المعجمة والزاي عن هشام بن عروة عن أبيه عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله تعالى عنها. قوله: ((مثل الهدبة)) قد مر تفسيرها أنها طرف الثوب مما يلي طرته. قوله: ((فلم تصلٍ منه)) أي: لم تصل المرأة من زوجها إلى شيء تريده هي، وهو الوطء المشبع. قوله: ((وإلاّ هنة واحدة))، بفتح الهاء وتخفيف النون، وقد حكى الهروي تشديدها وأنكره الأزهري قبله، وقال الخليلٍ هي كلمة يكنى بها عن شيء يستحي من ذكره باسمه، وقال ابن التين: معناه لم يطأني إلاّ مرة واحدة، يقال هنا: امرأته إذا غشيها، وروى ابن السكن بياء موحدة ثقيلة أي: ٣٤٣ ٦٨ - كتابُ الطلاَقِ / باب (٨) مرة واحدة، ذكره صاحب (المشارق) عنه، وكذا ذكره الكرماني، وقال: في أكثر النسخ بموحدة ثقيلة أي: مرة، وقال صاحب (المشارق) وعند الكافة بالنون، وقيل: هي من هب إذا احتاج إلى الجماع، يقال: هب التيس يهب هبيباً. ٨ - بابٌ ﴿لم تحرم ما أحل الله لك﴾ [التحريم: ١] أي هذا باب في قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك وقد مر تفسيره في أول سورة التحريم، وليس في رواية النسفي لفظ: باب، ووقع عوضها: قوله تعالى: ﴿لم تحرم﴾. ٥٢٦٦/١٣ _ حدّثنا الحَسَنُ بنُ الصَّبَّاحِ سَمِعَ الرَّبِيعَ بنَ نافعِ حدثنا مُعاوِيَةُ عنْ يَحْبِى ابن ◌ُأبي كَثِيرٍ عنْ يَعْلَى بنِ حَكِيمٍ عَنْ سَعيدِ بنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنّهُ سّمِعَ ابنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إذَا حَرَّمَ امْرَأْتَهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ. وقال: لَكُمْ في رسولِ اللهِ أَسْوَةٌ حَسَنَةٌ. [انظر الحديث ٤٩١١] مطابقته للترجمة ظاهرة. والحسن بن الصباح بتشديد الباء الموحدة البزار بالراء في آخره الواسطي، ونزل بغداد وثقه الجمهور، ولينه النسائي قليلاً. وأخرج عنه البخاري في غير موضع ولم يكثر، مات يوم الإثنين لثمان بقين من ربيع الآخر سنة تسع وأربعين ومائتين وللبخاري شيخ آخر يقال له: الحسن بن الصباح الزعفراني، لكن إذا وقع هكذا يكون منسوباً لجده فهو الحسن بن محمد بن الصباح، وهو الذي روى عنه في الحديث الثاني من هذا الباب، وله أيضاً في الرواة عن شيوخه ومن في طبقتهم محمد بن الصباح الدولابي أخرج عنه في الصلاة والبيوع وغيرهما وليس هو أخاً للحسن بن الصباح، وفيهم أيضاً محمد بن الصباح الجرجر. أخرج عنه أبو داود وابن ماجه، وهو غير الدولابي، وعبد الله بن الصباح أخرج عنه البخاري في البيوع وغيره وليس أحد من هؤلاء أخاً للآخر، والربيع بن نافع الحلبي أبو ثوبة سكن طرسوس، ومعاوية هو ابن سلام بتشديد اللام، ويحيى ويعلى وسعيد كلهم من التابعين روى بعضهم عن بعض. والحديث مر في أول سورة التحريم عن معاذ بن فضالة. قوله: ((وإذا حرم امرأته) أي: إذا حرم رجل امرأته بأن قال: أنت علي حرام. قوله: ((ليس بشيء)) يعني هذا القول ليس بشيء يعني: لا يترتب عليه الحكم، وهذا هكذا في رواية الكشميهني، وفي رواية غيره: ليست بشيء. أي: هذه الكلمة والمقالة ليست بشيء قوله: ((وقال: لكم في رسول الله عَّلِ أسوة حسنة)) وقال ابن الأثير: الأسوة القدوة، والمواساة المشاركة. وفي (المغرب) الأسوة اسم من ائتسى به إذا اقتدى به واتبعه، وأشار به ابن عباس مستدلاً على ما ذهب إليه إلى قصة التحريم، وبينًا ذلك في سورة التحريم. ١٤/ ٥٢٦٧ - حدّثنا الحَسَنُ بنُ مُحَمَّدٍ بنِ الصَّبَّاحِ حدثنا حَجَّاجْ عنِ ابنِ جُرَيْجٍ قال: زَعَمَ عطاءٌ أَنّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ بنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ، رضي الله عنها، أنَّ النبيَّ ٣٤٤ ٦٨ - كتابُ الطلاَقِ / باب (٨) عَّ لَه كان يَمْكُثُ عِنْدِ زَيْنَبَ ابْنَةِ جَحْشٍ ويَشْرَبُ عِنْدَها عَسَلاً، فَتَواصَيْتُ أنا وحَفْصَةُ أَنَّ أَيَّتَنَا دَخَلَ عَليْها النبيُّ عَّ ◌ُلَّهِ، فَلْتَقُلْ: إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغافِيرَ، أُكَلْتَ مَغْافِير؟ فَدَخَلَ عَلى إِحْدَاهُمَا فقالَتْ لهُ ذُلِكَ، فقال: لا بَلْ شَرِبْتُ عَسَلاً عِنْدَ زَيْنَبَ ابْنَةِ جَخْشٍ، ولَنْ أَعُودَ لهُ. فَتَزَلَتْ: ﴿يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك﴾ ﴿إِن تتوبا إلى الله﴾ [التحريم: ١ - ٤] لِعَائِشَةَ وحَفْصَةَ و ﴿إِذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا﴾ [التحريم: ٣] لِقَوْلِهِ: بَلْ شَرِبْتُ عَسَلاً. [انظر الحديث ٤٩١٢ وأطرافه] مطابقته للترجمة ظاهرة. والحسن بن محمد بن الصباح هو الزعفراني. وقد مر ذكره عن قريب، وحجاج هو ابن محمد الأعور، وابن جريج عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، وعطاء هو ابن أبي رباح، وأهل الحجاز يطلقون الزعم على مطلق القول، والمعنى: قال: قال عطاء، ووقع في رواية هشام بن يوسف عن ابن جريج عن عطاء، وقد مضى في التفسير: وعبيد بن عمير كلاهما بالتصغير هو أبو عاصم الليثي المكي. وهنا ثلاثة مكيون متوالية، وهم: ابن جريج وعطاء وعبيد. والحديث قد مر في سورة التحريم. ومضى الكلام فيه هناك. قوله: ((فتواصيت)) بالصاد المهملة قال بعضهم من المواصاة. قلت: ليس كذلك، بل من التواصي، ومن لم يفرق بين باب التفاعل وباب المفاعلة كيف تقدم إلى ميدان الشرح، وفي رواية هشام: فتواطأت بالطاء، وكذلك قال القائل المذكور إنه من المواطأة، وليس كذلك بل هو من التواطؤ. وفيه: قوله: ((أن أيتنا)) بفتح الهمزة وتشديد الياء آخر الحروف المفتوحة وفتح التاء المثناة من فوق، وهي كلمة: أي، أضيفت إلى نون المتكلم، وقال الكرماني: ويروى أن أوتينا ودخل علينا. قلت: ولا تحققت لي صحتها، ويروى: ما دخل وكلمة: ما زائدة. قوله: ((مغافير)) بالياء آخر الحروف بعد الفاء في جميع نسخ البخاري، ووقع في بعض النسح عند مسلم في بعض المواضع: مغافر بحذف الياء، وقال عياض: الصواب إثباتها لأنها عوض عن الواو التي للمفرد، لأنه جمع مغفور بضم الميم وإسكان الغين المعجمة وضم الفاء وبالواو والراء، وليس في كلامهم مفعول بالضم إلّ مغفور ومغرور بالغين المعجمة من أسماء الكماة، ومنخور من أسماء الأنف ومغلوق بالغين المعجمة، وأحد المغاليق وقال ابن قتيبة: المغفور صمغ حلو له رائحة كريهة، وذكر البخاري: إن المغفور شبيه بالصمغ يكون في الرمث بكسر الراء وسكون الميم وبالثاء المثلثة وهو من الشجر التي ترعاها الإبل، وهو من الحمض، وفي الصمغ المذكور حلاوة وذكر أبو زيد الأنصاري أن المغفور يكون في العشر بضم العين المهملة وفتح الشين المعجمة وبالراء في الثمام بالثاء المثلثة والسدر والطلح، ويقال: المغافير جمع مغفار، وقال الكرماني: وهو نوع من الصمغ يحلب عن بعض الشجر يحل بالماء ويشرب، وله رائحة كريهة: وقال أبو حنيفة في (كتاب النبات): يقال: مغثور، بالثاء المثلثة موضع الفاء، وقيل: الميم فيه زائدة، وبه قال الفراء ٣٤٥ ٦٨ - كتابُ الطلاقِ / باب (٨) والجمهور على أنها أصلية. قوله: ((أكلت مغافير؟)) أصله بهمزة الاستفهام فحذفت. قوله: ((فدخل) أي النبي عَّ لِ على إحداهما أي إحدى المذكورتين وهما عائشة وحفصة، ولم يعلم أيتهما كانت قبل، وبالظن أنها حفصة. قوله: ((لا بل شربت عسلاً) كذا في رواية الأكثرين، وفي رواية أبي ذر عن شيوخه: لا شربت عسلاً، بل قوله: ((ولن أعود له)) أي للشرب، وزاد في رواية هشام: وقد حلفت لا تخبري بذلك أحداً، فظهر بهذه الزيادة أن الكفارة في قوله: ﴿قد فرضِ الله لكم تحلة أيمانكم﴾ [التحريم: ٢] لأجل يمينه عَ لَّه بقوله، وقد حلفت ولم يكن لمجرد التحريم، وبهذه الزيادة أيضاً مناسبة. قوله: ((في رواية حجاج بن محمد)) فنزلت ﴿يا أيها النبي﴾ [التحريم: ٣] الآية وبدون هذه الزيادة لا يظهر لقوله: فنزلت، معنى يطابق ما قبله. قوله إلى ﴿إن تنويا﴾ [التحريم: ١] أي قرأ من أول السورة إلى هذا الموضع قوله: ((لعائشة وحفصة)) أي: الخطاب لهما في قوله: ﴿وإذ أسر النبي﴾ [التحريم: ٣] إلى آخره، من بقية الحديث، وكذا وقع في رواية مسلم في آخر الحديث، وكان المعنى: وأما المراد بقوله تعالى: ﴿وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثاً﴾ [التحريم: ٣] فهو لأجل قوله: ((بل شربت عسلاً)). ٥٢٦٨/١٥ _ حدّثنا فَرْوَةُ بنُ أبي المَغرَاءِ حدثنا عَلِيُّ بنُ مُشْهِرٍ عنْ هِشامٍ بِنِ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ، رضي الله عنها، قالَتْ: كانَ رسولُ الله عَّ ◌ُلَّهِ، يُحِبُّ العَسَلَ والحَلْوَاءَ، وكانَ إذا انصَرَفَ مِنَ العَصْرِ دَخَلَ علَى نِسائِهِ فَيَدْنُو مِنْ إِحْدَاهُنَّ، فَدَخَلَ علَى حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ فاحْتَبَسَ أْثَرَ ما كانَ يَحْتَبِسُ فَغِرْتُ فَسأَلْتُ عنْ ذُلِكَ فَقِيلَ لِي: أَهْدَتْ لها امْرَأَةٌ من قَوْمِها حُكَّةٌ مِنْ عَسَلٍ فَسَقَتِ النبيَّ عَّهِ، مِنْهُ شَرْبَةً فَقُلْتِ: أما والله لَنَحْتَالَنَّ لهُ. فَقُلْتُ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ: إِنَّهُ سَيَدْنُو مِنْكِ، فَإِذَا دَنا مِنْكِ فَقُولي: أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ فإِنَّهُ سَيَقُولُ لَكِ: لا، فَقُولِي لهُ: ما هذِهِ الرِّيحُ الَّتي أَجِدُ مِنْكَ؟ فإنَّهُ سَيَقُولَ لَكِ سَقَتْنِي حَفْصَةُ شَرْبَةً عَسَل، فَقُولي لهُ: جَرَسَتْ نَحْلُهُ العُرْفُطَ. وسأَقُولُ ذَلِكِ، وقُوِلِي أَنْتِ يا صَفِيَّةُ ذَاكِ، قالَتْ: تَقُولُ سَوْدَةُ: فَوَ الله ما هُوَ إلاّ أنْ قامَ علَى البابِ، فَأرَدْتُ أَنْ أَبَادِئَهُ بِمَا أَمَرْتِنِي بِهِ فَرَقاً مِنْكِ، فَلَمَّا دَنا مِنْها قالَتْ لهُ سَوْدَةُ: يا رسولَ الله أكَلْتَ مَغافِيرَ؟ قال: لا. قالَتْ: فَما هذِهِ الرِّيحُ الّتي أَجِدُ مِنْكَ؟ قال: سَقَتْنِي حَفْصَةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ، فقالَتْ: جَرِسَتْ نَخْلُهُ الغُرْفُطَ، فَلَمّا دارَ إليَّ قُلْتُ لهُ نَحْوَ ذُلِكَ، فَلمّا دَارَ إِلى صَفِيَّةَ قالَتْ لهُ مِثلَ ذلِكَ، فَلَمّا دارَ إلى حَفْصَةَ قالَتْ: يا رسولَ الله ألا أَسْقِيكَ مِنْهُ؟ قال: لا حاجة لي فِيهِ. قَالَتْ: تَقُولُ سَوْدَةُ: والله لَقَدْ حِرَمْناهُ. قُلْتُ لَهَا: اسْكُتِي. [انظر الحديث ٤١٩٢ وأطرافه] مطابقته للترجمة من حيث أن فيه منع النبي معَّ نفسه عن شرب العسل، يفهم ذلك من قوله: ((لا حاجة لي فيه)) ويؤيد هذا زيادة هشام في روايته في الحديث السابق: وقد حلفت لا تخبري بذلك أحداً، فنزلت: ﴿يا أيها النبي لم تحرم﴾ الآية. وقال القاضي: اختلف في سبب نزول هذه الآية، فقالت عائشة: في قصة العسل، وعن زيد بن أسلم: أنها نزلت في تحريم مارية جاريته وحلفته أن لا يطأها. والصحيح في سبب نزول الآية أنه في قصة العسل ٣٤٦ ٦٨ - كتابُ الطلاقِ / باب (٨) لا في قصة مارية المروي في غير (الصحيحين) وقال النووي: ولم تأت قصة مارية من طريق صحيح قال النسائي: حديث عائشة في العسل حديث صحيح غاية. ثم إن البخاري أخرج طرفاً من هذا الحديث في كتاب النكاح في: باب دخول الرجل على نسائه في اليوم، عن فروة عن علي بن مسهر عن هشام عن أبيه عن عائشة، ثم أخرجه هنا مطولاً بهذا الإسناد ثم صدره بقول عائشة، رضي الله تعالى عنها: كان رسول الله عَ ليه يحب العسل والحلواء، تمهيداً لما سيذكره من قصة العسل مع أنه أفرد ذكر محبة العسل، والحلواء في كتاب الأطعمة، وكتاب الأشربة وغيرهما على ما سيأتي إن شاء الله تعالى وأخرجه مسلم أيضاً من طريق أبي أمامة عن هشام عن أبيه عن عائشة مطولاً نحو إخراج البخاري، ثم قال: وحدثنيه سويد بن سعيد، قال: حدثنا علي بن مسهر عن هشام بن عروة بهذا الإسناد نحوه، مطولاً ولكن وقع في رواية مسلم: ((كان يحب الحلواء والعسل))، بتقديم الحلواء على العسل، وههنا قدم العسل على الحلواء. وقال الكرماني: ذكر العسل بعده للتنبيه على شرفه، وهو من باب عطف العام على الخاص. وقال النووي في (شرح مسلم): قال العلماء: المراد بالحلواء هنا كل شيء حلو، وذكر العسل بعدها تنبيهاً على شرفه ومزيته وهو من باب ذكر الخاص بعد العام. وقال بعضهم: ولتقديم كل منهما على الآخر جهة من جهات التقديم، فتقديم العسل لشرفه ولأنه أصل من أصول الحلواء ولأنه مفرد والحلواء مركب، وتقديم الحلواء لشمولها وتنوعها لأنها تتخذ من العسل وغيره، وليس ذلك من عطف العام على الخاص كما زعم بعضهم، وإنما العام الذي يدخل الجميع فيه انتهى قلت: الظاهر أن تشنيعه على الكرماني لا وجه له لأن الصريح من كلامه أنه من باب عطف العام على الخاص كما في قوله تعالى: ﴿ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم﴾ [الحجر: ٨٧] وقوله: إنما العام الذي يدخل فيه الجميع يرد عليه كلامه: لأن الحلواء يدخل فيها كل شيء حلو، كما ذكره النووي، فكيف يقول: وليس ذلك من باب عطف العام على الخاص؟ وهذه مكابرة ظاهرة، فأما النووي فإنه صرح بأنه من باب عطف الخاص على العام، كما في قوله تعالى: ﴿تنزل الملائكة والروح﴾ [القدر: ٤] وكل منهما ذكر ما يليق بالمقام. قوله: ((العسل))، وهو في الأصل يذكر ويؤنث. قوله: ((والحلواء)) فيه المد والقصر، قاله ابن فارس، وقال الأصمعي: هي مقصورة تكتب بالياء، ووقعت في رواية علي بن مسهر بالقصر، وفي رواية أبي أسامة بالمد. قوله: ((من العصر))، أي: من صلاة العصر، كذا ذكر في رواية الأكثرين، وخالفهم حماد بن سلمة عن هشام بن عروة، فقال: من الفجر، أخرجه عبد ابن حميد في تفسيره عن أبي النعمان عن حماد، وتساعده رواية يزيد بن رومان عن ابن عباس، ففيها: وكان رسول الله عَّه إذا صلى الصبح جلس في مصلاه وجلس الناس حوله حتى تطلع الشمس، ثم يدخل على نسائه امرأة امرأة يسلم عليهن ويدعو لهن، فإذا كان يوم إحداهن كان عندها ... الحديث أخرجه ابن مردويه. (فإن قلت) كيف التوفيق بين هاتين الروايتين؟ قلت: رواية عائشة من العصر محفوظ، ورواية حماد شاذة ولئن سلمنا فيمكن أن ٣٤٧ ٦٨ - كتابُ الطلاقِ / باب (٨) تحمل رواية، إذا انصرف من صلاة الفجر أو الصبح، على أنه كان الذي يقع منه في أول النهار محض السلام والدعاء، والذي كان بعد العصر الجلوس والاستئناس والمحادثة، أو نقول: إنه كان في أول النهار تارة وفي آخره تارة، ولم يكن مستمراً في واحد منهما. قوله: ((دخل على نسائه))، وفي رواية أبي أسامة: أجاز إلى نسائه أي: مضى قوله: ((فيدنو من إحداهن)) أي: يقرب منهن. والمراد التقبيل والمباشرة من غير جماع. قوله: ((فاحتبس))، أي: مكث زماناً عند حفصة وفي رواية أبي أسامة: ((فاحتبس عندها أكثر ما كان يحتبس))، وكلمة ما مصدرية أي: أكثر احتباسه خارجاً عن العادة. قوله: ((فغرت)) أي: قالت عائشة: فغرت، بكسر الغين المعجمة وسكون الراء وضم التاء: من الغيرة، وهي التي تعرض للنساء من الضرائر. قوله: ((فسألت عن ذلك)) أي: عن احتباسه الخارج عن العادة عند حفصة، ووقع في حديث ابن عباس بيان ذلك. ولفظه: فأنكرت عائشة احتباسه عند حفصة، فقالت لجويرية حبشية يقال لها خضراء: إذا دخل على حفصة فادخلي عليها فانظري ماذا تصنع، فإن قلت: في الحديث السابق أنه شرب في بيت زينب، وفي هذا الحديث أنه شرب في بيت حفصة، فهذا ما في (الصحيحين)، وروى ابن مردويه من طريق ابن أبي مليكة عن ابن عباس: أن شرب العسل كان عند سودة. قلت: قالوا طريق الجمع بين هذا الاختلاف الحمل على التعدد، فلا يمتنع تعدد السبب للأمر الواحد، وأما ما وقع في (تفسير السدي): أن شرب العسل كان عند أم سلمة، أخرجه الطبري وغيره، فهو مرجوح لإرساله وشذوذه. قوله: ((أهدت لها» أي: لحفصة رضي الله تعالى عنها، ((امرأة من قومها)) لم يدر اسمها ((عكة من عسل)) وفي حديث ابن عباس: عسل من طائف، والعكة، بضم العين المهملة وتشديد الكاف: وهي الزق الصغير. وقيل: آنية السمن. قوله: ((أما والله)) كلمة: أما، بفتح الهمزة وتخفيف الميم حرف استفتاح، ويكثر قبل القسم. قوله: ((لنحتالن)) بفتح اللام للتأكيد من الاحتيال. قال الكرماني: كيف جاز على أزواج رسول الله عَ لَّلِ الاحتيال؟ فأجاب بأنه من مقتضيات الغيرة الطبيعية للنساء وهو صغيرة معفو عنها مكفرة. قوله: ((إنه)) أي: إن رسول الله عَّلِ (سيدنو منك))، وقد مر بيان المراد من الدنو عن قريب. قوله: ((فإذا دنا منك)) وفي رواية حماد بن سلمة: إذا دخل على إحداكن فلتأخذ بأنفها، فإذا قال ما شأنك؟ فقولي: ريح المغافير، وقد مر تفسيره عن قريب. قوله: ((سقتني حفصة شربة عسل)) وفي رواية حماد بن سلمة: إنما هي عسيلة سقتنيها حفصة. قوله: ((جرست نحله العرفط)) جرست بفتح الجيم والراء والسين المهملة أي: رعت، وقال الكرماني: أي أكلت، وقال صاحب (العين) جرست النحل بالعسل يجرسه جرساً وهو لحسها إياه، والعرفط بضم العين المهملة والفاء وسكون الراء وبالطاء المهملة من شجر العضاة، والعضاة كل شجر له شوك، وإذا استيك به كانت له رائحة حسنة تشبه رائحة طيب الند، ويقال: هو نبات له ورقة عريضة تفترش على الأرض له شوكة حجناء وثمرة بيضاء كالقطن مثل ذر القميص خبيث الرائحة يلحسه النحل ويأكل منه ليحصل منه العسل، قيل: هو الشجر ٣٤٨ ٦٨ - كتابُ الطلاَقِ / باب (٨) الذي صمغه المغافير. قوله: ((يا صفية)) أي: بنت حي أم المؤمنين قوله: ((ذاك)) إشارة إلى قوله: ((أكلت المغافير؟)) قوله قالت: تقول سودة أي: قالت عائشة حكاية عن قول سودة لما دخل عليها النبي عَّلِ قوله: ((فوالش) إلى قوله: ((فلما دنا منها)) مقول سودة. قوله: ((ما هو إلاّ أن قام على الباب)) أي: رسول الله عَّهِ. قوله: ((فأردت أن أناديه)) بالنون من المناداة. هكذا في رواية ابن عساكر، وفي أكثر الروايات: أبادئه، بالباء الموحدة والهمزة، من المبادأة وفي رواية أبي أسامة: أبادره، من المبادرة، وهي المسارعة. قوله: ((فرقاً منك)) أي: خوفاً. والخطاب لعائشة. قوله: ((فلما دنا منها)) أي: فلما دنا رسول الله عَ له من سودة. قوله: ((فلما دار إلى)) من الدوران، معناه: لما دخل عليها، وكذا في رواية مسلم، قال الكرماني: فلما دار رسول الله عَّم إليها ولم يكن لها نوبة. فأجاب بأنه معَّم كان يدخل عليها ويتردد إليها، أو كان هذا قبل هبة نوبتها، وكذا معنى قوله: ((فلما دار إلى صفية)). قوله: ((قالت له مثل ذلك)) أي: مثل ما قالت سودة: ((جرست نحلة العرفط)) فإن قلت: قال عند إسناد القول إلى صفية مثل ذلك، وفي إسناده إلى سودة نحو ذلك أي نحو ما قالت عائشة لأنها أيضاً قالت، لأنه قال فيما قبل عن عائشة، وسأقول ذلك، وقولي أنت يا صفية. قلت: قال بعضهم ما ملخصه: إن عائشة لما كانت مبتكرة لهذا الأمر، قيل: نحو ذلك لهذا الأمر، وأما صفية فإنها كانت مأمورة به، وليس لها تصرف قيل مثل ذلك، ثم قال: رجعت إلى سياق أبي أسامة فوجدته عبَّر بالمثل في الموضعين فغلب على الظن أن تغيير ذلك من ترف الرواة. قلت: لم يذكر جواباً يشفي العليل ولا يروي الغليل، فإذا علم الفرق بين النجوم والمثل علمت النكتة فيه، فالنحو في اللغة عبارة عن القصد، يقال: نحوت نحوك أي: قصدت قصدك، ومثل الشيء شبهه ومماثل له، ثم إنهم يستعملون لفظ النحو بمعنى المثل إذا كان لهم قصد كلي في بيان المماثلة، بخلاف لفظة المثل، فإن فيها مجرد بيان المماثلة مع قطع النظر عن غيرها، ولما كانت عائشة رضي الله تعالى عنها، قاصدة بالقصد الكلي تبليغ هذه الكلمة، أعني لفظ: ((جرست نحله العرفط)» قالت سودة: نحو ذلك، بخلاف صفية فإنها لم تقصد ذلك أصلاً، ولكنها قالته للامتثال، ولا ينبغي أن يظن في الرواة التغيير بالظن الفاسد، فأقل الأمر فيه أن يقال: هذا من باب التفنن فإن فيه تحصيل الرونق للكلام فافهم قوله: ((حرمناه)) بتخفيف الراء المفتوحة أي: منعناه، من حرم يحرم من باب ضرب يضرب، يقال: حرمه الشيء يحرمه حرماً بالكسر وحرمه كذلك وحريمه وحرماناً إذا منعه، وكذلك أحرمه، وأما حرَّم الشيء بضم الراء فمصدره: حرمة بالضم. قوله: ((قلت لها: اسكتي)) أي: قالت عائشة لسودة كأنها خشيت أن يفشو ذلك فيظهر ما دبرته من كيدها لحفصة. ثم اعلم أن في هذا الحديث فوائد منها: أن الغيرة مجبولة في النساء طبعاً، فالغيرى تعذر في منع ما يقع منها من الاحتيال في وقع ضرر الضرة. ومنها: ما فيه بيان علو مرتبة عائشة عند النبي عَّم حتى كانت ضرتها تهابها وتطيعها في كل شيء تأمرها به حتى في مثل هذه القضية مع الزوج الذي هو أرفع الناس قدراً. ومنها: أن عماد القسم الليل وإن النهار ٣٤٩ ٦٨ - كتابُ الطلاقِ / باب (٩) يجوز فيه الاجتماع بالجميع بشرط ترك المجامعة إلاّ مع صاحبة النوبة، ومنها: أن الأدب استعمال الكنايات فيما يستحي من ذكره كما في قوله في الحديث: فيدنو منهن والمراد التقبيل والتحضين لا مجرد الدنو، ومنها: أن فيه فضيلة العسل والحلواء لمحبة النبى عليه إياهما. ومنها: أن فيه بيان صبر النبي عَّلَِّ غاية ما يكون ونهاية حلمه وكرمه الواسع. ٩ - بابٌ لا طَلاَقَ قَبْلَ النِّكاحِ أي: هذا باب في بيان أنه: لا طلاق قبل وجود النكاح. وقال الكرماني: مذهب الحنفية صحة الطلاق قبل النكاح، فأراد البخاري الرد عليهم. قلت: لم تقل الحنفية: إن الطلاق يقع قبل وجود النكاح، وليس هذا بمذهب لأحد، فالعجب من الكرماني ومن وافقه في كلامه هذا كيف يصدر منهم مثل هذا الكلام، ثم يردون به عليهم من غير وجه، وإنما تشبثهم في هذا بمسألة التعليق وهي ما إذا قال الرجل لأجنبية، إذا تزوجتك فأنت طالق، فإذا تزوجها يقع الطلاق عند الحنفية، خلافاً للشافعية، فإن أشلاءهم على الحنفية ههنا، ويحتجون فيما ذهبوا إليه بقول ابن عباس، على ما يجيء الآن، بما رواه أحمد وابن ماجه من قوله عد له: لا نذر لابن آدم فيما لا يملك، ولا طلاق لابن آدم فيما لا يملك، ولا بيع فيما لا يملك والحنفية يقولون: هذا تعليق بالشرط وهو يمين فلا يتوقف صحته على وجود ملك المحل كاليمين بالله، وعند وجود الشرط يقع الطلاق وهو طلاق بعد وجود النكاح، فكيف يقال: إنه طلاق قبل النكاح؟ والطلاق قبل النكاح فيما إذا قال لأجنبيه: أنت طالق فهذا كلام لغو، وفي مثل هذا يقال لا طلاق قبل النكاح، والحديث المذكور لم يصح، قاله أحمد، وقال أبو الفرج: روي بطريق مخية بمرة، قال ابن العربي: أخبارهم ليس لها أصل في الصحة فلا تشتغل بها، ولئن صح فهو محمول على التخيير. وقَوْلُ الله تعالى: ﴿يا أيُّها الذِينَ آمنُوا إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَ طلَّقْتُمُوهُنَّ منْ قَبْلِ أنْ تَمسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهنَّ منْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فمَتِّعُوهُنَّ وسَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَمِيلاً﴾ [الأحزاب: ٤٩]. أكثر النسخ هكذا: باب ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات﴾ الآية، وليس فيه: لا طلاق قبل النكاح، وكذا في رواية أبي ذر، غير أنه قال: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، وساقها إلى قوله: ﴿من عدة﴾ وحذف الباقي. وقال: الآية، وفي رواية النسفي: باب ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات﴾ الآية، وعليه أكثر النسخ كما ذكرناه، وقال ابن التين: احتجاج البخاري بهذه الآية على عدم الوقوع لا دلالة فيه، وكذا قال ابن المنير: ليس فيها دليل لأنها إخبار عن صورة وقع فيه الطلاق بعد النكاح، ولا حصر هناك، وليس في السياق ما يقتضيه. وقال بعضهم: احتج بالآية قبل البخاري ترجمان القرآن عبد الله بن عباس ومراده هو قوله: جعل الله الطلاق بعد النكاح. قلت: هذا هروب من هذا القائل لعجزه عن الجواب عما قاله ابن التين وابن المنير، وإنباض عرق العصبية لمذهبه، ولترويج كلام البخاري في الترجمة ٣٥٠ ٦٨ - كتابُ الطلاقِ / باب (٩) المذكورة، ونتكلم في هذا الآن بما يقتضيه طريق الصواب من غير ميل عن الحق في الجواب. وقال ابنُ عبّاسٍ جَعَلَ الله الطَّلاَقَ بعْدَ النُّكاحِ هذا تعليق رواه ابن أبي شيبة عن عبد الله بن نمير عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس، بلفظ: ((لا طلاق إلاّ بعد نكاح ولا عتق إلاّ بعد ملك)) انتهى، هذا لا خلاف فيه أن الله جعل الطلاق بعد النكاح، والحنفية قائلون به، فلا يجوز للشافعية أن يحتجوا به عليهم في مسألة التعليق، فإن تعليق الطلاق غير الطلاق، لأنه ليس بطلاق في الحال، فلا يشترط لصحته قيام المحل. وحكى أبو بكر الرازي عن الزهري في قوله: لا طلاق إلاّ بعد نكاح، قال: هو الرجل يقال له: تزوج فلانة، فيقول: هي طالق، فهذا ليس بشيء، فأما من قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق، فإنما تطلق حين يتزوجها، وروى عبد الرزاق في (مصنفه) فقال: أخبرنا معمر عن الزهري أنه قال في رجل قال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق، وكل أمة تشتريها فهي حرة، كما قال: فقال معمر: أو ليس قد جاء: لا طلاق قبل النكاح ولا عتق إلا بعد ملك؟ قال: إنما ذلك أن يقول الرجل: امرأة فلان طالق وعبد فلان حر، واحتج بعضهم أيضاً بما رواه ابن خزيمة والبيهقي من طريقه عن سعيد بن جبير، قال: سئل ابن عباس عن الرجل يقول: إن تزوجت فلانة فهي طالق قال ليس بشيء، إنما الطلاق لما ملك. قالوا: فابن مسعود كان يقول: إذا وقت وقتاً فهو كما قال! قال: رحم الله أبا عبد الرحمن لو كان كما قال لقال الله تعالى: ﴿إذا طلقتم المؤمنات ثم نكحتموهن﴾ انتهى. قالوا: الآية دلت على أنه إذا وجد النكاح ثم طلق قبل المسيس فلا عدة، ولم تتعرض الآية لصورة النزاع أصلاً، وقال الطحاوي: قال عَّ له لعمر رضي الله تعالى عنه: حبس الأصل وسبل الثمرة، فدل على جواز المعقود فيما لم يملكه وقت العقد، بل فيما يستأنف، وأجمعوا على أنه لو أوصى بثلث ماله أنه يعتبر وقت الموت لا وقت الوصية، وقال تعالى: ﴿ومنهم من عاده الله لئن آتانا من فضله لتصدقن﴾ [التوبة: ٧٥] فهذا نظير: إن تزوجت فلانة فهي طالق، وفي (الاستذكار) لم يختلف عن مالك أنه إن عمم لم يلزمه. وإن سمى امرأة أو أرضاً أو قبيلة لزمه، وبه قال ابن أبي ليلى والحسن بن صالح والنخعي والشعبي والأوزاعي والليث، وروى عن الثوري، وقال ابن أبي شيبة: حدثنا عبد الله بن نمير وأبو أسامة عن يحيى بن سعيد، قال: كان القاسم وسالم وعمر ابن عبد العزيز يرون الطلاق جائزاً عليه إذا عين، وقال: حدثنا أبو أسامة عن عمر بن حمزة أنه سأل القاسم بن محمد وسالماً وأبا بكر بن عبد الرحمن وأبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وعبد الله بن عبد الرحمن عن رجل قال: يوم أتزوج فلانة فهي طالق البتة، فقالوا كلهم: لا يتزوجها وقال أيضاً: حدثنا حفص بن غياث عن عبيد الله بن عمر، قال: سألت القاسم عن رجل قال: يوم أتزوج فلانة فهي طالق، قال: هي طالق. ٣٥١ ٦٨ - كتابُ الطلاقِ / باب (٩) ويُزْوَى فِي ذَلِكَ عنْ عِلِيٍّ وسعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ وعُزْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ وأبي بَكْرِ بنِ عِبْدِ الرَّحمْنِ وعُبَيْدِ الله بنِ عَبْدِ الله بن عُثْبَةَ وأبانَ بنِ عُثْمَانَ وعليٍّ بنِ حُسَيْنٍ وشَرِيحٍ وسَعِيدِ بنِ مجُبَيْرٍ والقاسِمِ وسالِمٍ وطاؤُوس والحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَطاءِ وعامِرِ بنِ سَغدٍ وجابِرِ بنِ زَئد ونافِعٍ بنٍ مُبَيَرٍ ومَحَمَّدٍ بنِ كَغْبٍ وسُلَيْمانَ بنِ يَسارٍ ومُجاهِدٍ والقاسِمِ بنِ عِبْدِ الرَّحْمنِ وعَمْرٍو بنِ هَرِمٍ والشَّغْبِيِّ: أَنَّها لا تَطْلُقُ. أي: يروى في أن لا طلاق قبل النكاح، عن علي بن أبي طالب إلى آخره، وذكر الرواية عنهم بصيغة التمريض، ولو ثبت عنده في ذلك خبر مرفوع صحيحٍ لذكره، وهؤلاء الأربعة وعشرون ذهبوا إلى أن لا طلاق قبل النكاح، وهؤلاء كلهم تابعيون، إلاّ أولهم وهو علي بن أبي طالب، وإلاَّ ابن هرم فإنه من أتباع التابعين. أما التعليق عن علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه، فرواه ابن أبي شيبة عن محمد بن فضل عن ليث عن عبد الملك بن ميسرة عن النزال عنه، وأما التعليق عن عروة فرواه أيضاً عن الثقفي عن عروة فذكره، وأما التعليق عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فرواه يعقوب بن سفيان والبيهقي من طريق عن يزيد بن الهاد عن المنذر بن علي بن أبي الحكم أن ابن أخيه خطب ابنة عمه، فتشاجروا في بعض الأمر فقال الفتى: هي طالق إن نكحتها حتى آكل الغضيض، قال: والغضيض طلع النخل الذكر، ثم ندموا على ما كان من الأمر، فقال المنذر: أنا آتيكم بالبيان من ذلك، فانطلق إلى سعيد بن المسيب فذكر له فقال ابن المسيب: ليس عليه شيء طلق ما لا يملك. قال: ثم إني سألت عروة بن الزبير فقال مثل ذلك، ثم سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن فقال مثل ذلك. ثم سألت أبا بكر بن عبد الرحمن بن هشام فقال مثل ذلك، ثم سألت عبيد الله بن عتيبة بن مسعود فقال مثل ذلك، ثم سألت عمر بن عبد العزيز، فقال: هل سألت أحداً؟ قلت: نعم. فسماهم قال: ثم رجعت إلى القوم فأخبرتهم، وأما تعليق عبيد الله ابن عبد الله بن عتيبة ففي ما ذكره يعقوب بن سفيان المذكور الآن، وأما تعليق أبان بن عثمان فلم يذكره أحد من الشراح، وأما تعليق علي بن حسين بن علي المشهور بزين العابدين فذكره في (الغيلانيات) من طريق شعبة عن الحكم هو ابن عتيبة؛ سمعت علي بن حسين بن علي يقول: ((لا طلاق إلاّ بعد نكاح. وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة عن غندر عن شعبة. وأما تعليق شريح القاضي فرواه أيضاً ابن أبي شيبة عن أبي أسامة ووكيع حدثنا شعبة عن سعيد بن جبير عنه، قال: لا طلاق قبل نكاح. وأما تعليق سعيد بن جبير فرواه ابن أبي شيبة أيضاً عن عبد الله بن نمير عن عبد الملك ابن أبي سليمان عن سعيد بن جبير في الرجل يقول: يوم أتزوج فلانة فهي طالق، قال: ليس بشيء، إنما الطلاق بعد النكاح. وأما تعليق القاسم بن معد بن أبي بكر الصديق، رضي الله تعالى عنه، فرواه أبو عبيد في (كتاب النكاح) له عن هشيم، ويزيد بن هارون كلاهما عن يحيى بن سعيد، قال: كان القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله بن عمر وعمر بن عبد العزيز لا يرون الطلاق قبل النكاح. وأما تعليق سالم بن عبد الله فهو المذكور الآن وأما تعليق طاووس فرواه أبو بكر بن أبي شيبة أيضاً عن معتمر عن ليث عن عطاء. وطاووس به. وأما ٣٥٢ ٦٨ - كتابُ الطلاَقِ / باب (٩) تعليق الحسن فرواه عبد الرزاق عن معمر عن الحسن وقتادة قالا: لا طلاق قبل النكاح ولا عتق قبل الملك. وأما تعليق عكرمة فرواه أبو بكر الأثرم عن الفضل بن دكين عن سويد بن نجيح، قال: سألت عكرمة مولى ابن عباس. قلت: رجل قالوا له: تزوج فلانة قال: هي يوم أتزوجها طالق. كذا، وكذا قال: إنما الطلاق بعد النكاح. وأما تعليق عطاء فقد مر مع طاووس. وأما تعليق عامر بن سعيد، قيل: البجلي الكوفي من كبار التابعين. فلم أقف على أثره. وقال الكرماني: هو عامر بن سعد بن أبي وقاص، وقال بعضهم: فيه نظر. قلت: لم يذكر صاحب (رجال الصحيحين) عامر بن سعد البجلي هذا، والظاهر أنه عامر بن سعد بن أبي وقاص فإنه أيضاً من كبار التابعين. وأما تعليق جابر بن زيد وهو أبو الشعثاء البصري فأخرجه سعيد بن منصور من طريقه وأما تعليق نافع بن جبير بن مطعم ومحمد بن كعب القرظي فأخرجه ابن أبي شيبة عن جعفر بن عون عن أسامة بن زيد عنهما قالا: لا طلاق إلاّ بعد نكاح وأما تعليق سليمان بن يسار فأخرجه سعيد بن منصور عن عتاب بن بشير عن خصيف عن سليمان بن يسار أنه حلف في امرأة إن تزوجها فهي طالق، فتزوجها فأخبر بذلك عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه، وهو أمير على المدينة، فأرسل إليه: بلغني أنك حلفت في كذا؟ قال: نعم قال: أفلا تخلي سبيلها؟ قال؛ لا، فتركه عمر ولم يفرق بينهما. وأما تعليق مجاهد فرواه ابن أبي شيبة من طريق الحسين بن الرماح، سألت سعيد بن المسيب ومجاهداً وعطاء عن رجل قال: يوم أتزوج فلانة فهي طالق، فكلهم قالوا: ليس بشيء زاد سعيد: أيكون سيل قبل مطر؟ وأما تعليق القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود فرواه ابن أبي شيبة عن وكيع عن معروف بن واصل، قال: سألت القاسم بن عبد الرحمن، فقال: لا طلاق إلاَّ بعد نكاح. وأما تعليق عمرو بن هرم الأزدي، من أتباع التابعين، فأخرجه عبيد من طريقه، قاله بعض الشراح. وأما تعليق عامر الشعبي فرواه وكيع عن منصور عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي. أنه قال: كل امرأة تزوجها فهي طالق، فليس بشيء وإذا وقت لزمه، وهذا كما رأيت البخاري وقد ذكر هؤلاء المذكورين بصيغة التمريض ونسب جميع من ذكر عنهم إلى القول بعدم الوقوع مطلقاً مع أن في بعض من ذكر عنه تفصيلاً، وفي سند البعض كلاماً على ما نشير إلى البعض. فنقول: أثر علي بن أبي طالب رواه عبد الرزاق من طريق الحسن البصري، والحسن لم يسمع من علي. وأما رواية ابن أبي شيبة عن عبد الملك بن ميسرة ضعفه يحيى بن معين، فإن قلت: أخرج ابن ماجه عن جويبر عن الضحاك عن النزار بن سبرة عن علي بن أبي طالب عن النبي عَّه، قال: لا طلاق قبل النكاح. قلت: جويبر بن سعيد البلخي ضعيف. فإن قلت: روى الترمذي: حدثنا أحمد بن منيع حدثنا عامر الأحول عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. قال: قال رسول الله عَّم: لا نذر لإبن آدم فيما لا يملك ولا عتق له فيما لا يملك. وقال: حديث عبد الله بن عمرو حديث حسن صحيح، وهو أحسن شيء روي في هذا الباب. قلت: رواه أبو داود وابن ماجه أيضاً، وفي رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ٣٥٣ ٦٨ - كتابُ الطلاَقِ / باب (٩) كلام كثير فمن الناس من رده فعن أحمد عمرو بن شعيب له أشياء مناكير، وإنما يكتب حديثه ويعتبر به فأما أن يكون حجة فلا. وقال أبو عبيد الآجري: قيل لأبي داود عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: لا ولا نصف حجة. وقال البخاري: رأيت أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني وإسحاق بن راهويه وأبا عبيد وعامة أصحابنا يحتجون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: ما تركه أحد من المسلمين قال البخاري من الناس بعدهم، وأجاب أصحابنا بعد التسليم بصحته. إنا أيضاً قائلون بأنه لا طلاق للرجل فيما لا يملك، ووقوع الطلاق فيما قلنا بعد أن يملك بالتزويج المعلق فيكون الطلاق بعد النكاح، كما ذكرنا في أول الباب، ولما أخرج الترمذي هذا الحديث قال: وفي الباب عن علي ومعاذ بن جبل وجابر وابن عباس وعائشة، رضي الله تعالى عنهم. قلت: حديث علي قد ذكرناه، وحديث معاذ بن جبل رواه الدارقطني من رواية عبد الحميد وهو ابن رواد عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب عن طاووس عن معاذ بن جبل أن رسول الله عَ لَه، قال: لا طلاق قبل نكاح ولا نذر فيما لا يملك. قلت: وطاووس عن معاذ منقطع، ورواه أيضاً من رواية يزيد بن عياضٍ عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن معاذ بن جبل، قال: قال رسول الله عَّ له: لا طلاق إلاَّ بعد نكاح، وإن سميت المرأة بعينها. قال الدارقطني: يزيد بن عياض ضعيف، وقال شيخنا: ابن المسيب عن معاذ مرسل، ورواه ابن عدي في (الكامل) من رواية عمر بن عمرو العسقلاني عن أبي فاطمة النخعي عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن معاذ بن جبل مرفوعاً لا طلاق إلاَّ بعد ملك، وعمر بن عمرو يروي الموضوعات، وأبو فاطمة لا يعرف. وأما حديث جابر فرواه الحاكم في (المستدرك) من رواية ابن أبي ذئب عن عطاء عن جابر قال: سمعت النبي عَّ يقول: لا طلاق لمن لم يملك ولا عتاق لم لم يملك. وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. قلت: قال شيخنا: واختلف في علي بن أبي ذئب فرواه أبو مجلز الحنفي هكذا، وخالفه وكيع فرواه عنه محمد بن المنكدر عن جابر يرفعه. وأما حديث ابن عباس فأخرجه الدارقطني من رواية سليمان بن أبي سليمان عن يحيى بن أبي كثير عن طاووس عن ابن عباس قال: قال رسول الله عَ لَّهِ: لا نذر إلاَّ فيما أطيع الله فيه ولا يمين في قطيعة رحم ولا عتاق ولا طلاق فيما لا يملك. قلت: ذكره عبد الحق في أحكامه من جهة الدارقطني، وقال: إسناده ضعيف، وقال ابن القطان: وعلته سليمان بن أبي سليمان فإنه شيخ ضعيف الحديث، قاله أبو حاتم الرازي، وقال صاحب (التنقيح): هذا حديث لا يصح فإن سليمان بن أبي سليمان بن داود اليماني متفق على ضعفه، وقال ابن معين: ليس بشيء، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابع عليه وأما حديث عائشة فرواه الدارقطني من رواية الوليد بن سلمة الأزدي عن يونس عن الزهري عن عروة عن عائشة، قالت: بعث النبي عَّةِ، أبا سفيان بن حرب فكان فيما عهد إليه أن لا يطلق الرجل ما لا يتزوج ولا يعتق ما لا يملك قلت: قال في (التنقيح): الوليد بن سلمة الأزدي قال ابن حبان کان يضع الحديث. عمدة القاري /ج٢٠ /م٢٣ ٣٥٤ ٦٨ - كتابُ الطلاقِ / باب (١٠) فإن قلت: وفي الباب عن المسور بن مخرمة وعبد الله بن عمرو وأبي ثعلبة الخشني. أما حديث المسورة فأخرجه ابن ماجه من رواية هشام بن سعد المخزومي عن الزهري عن عروة عن المسور بن مخرمة عن النبي عَّلم قال: لا طلاق قبل النكاح ولا عتق قبل ملك قلت: أورده ابن عدي في (الكامل) في ترجمة هشام بن سعد وضعفه، وقال: رواه مرة مرفوعاً ومرة عن عروة مرسلاً وأما حديث عبد الله بن عمر فأخرجه الدارقطني من رواية أبي خالد الواسطي عن أبي هاشم الرماني عن سعيد بن جبير عن ابن عمر عن رسول الله عَ لفل أنه سئل عن رجل قال يوم أتزوج فلانة فهي طالق، قال: طلق ما لا يملك. قال صاحب (التنقيح) هذا حديث باطل، وأبو خالد الواسطي هو عمرو بن خالد وضَّاع. وقال أحمد ويحيى: كذاب. وأما حديث أبي ثعلبة الخشني فرواه الدارقطني عن علي بن قرين حدثنا بقية عن الثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن أبي ثعلبة الخشني قال: قال عم لي: أعمل لي عملاً حتى أزوجك ابنتي فقال: إن تزوجها فهي طالق ثلاثاً ثم بدا لي أن أتزوجها، فأتيت النبي عَّة. فسألته، فقال: تزوجها فإنه لا طلاق إلاّ بعد النكاح، قال: فتزوجتها فولدت لي سعداً وسعيداً. قلت: قال صاحب (التنقيح): هذا أيضاً باطل، وعلي بن قرين كذبه يحيى بن معين وغيره، وقال ابن عدي: يسرق الحديث. قلت: أبو ثعلبة الخشني اختلف في اسمه وفي اسم أبيه اختلافاً كثيراً. فقيل: اسمه جرهم، وقيل: جر ثوم. وقيل: ابن ناشب، وقيل: ابن ناشم وقيل: بل اسمه عمرو بن جر ثوم، وقيل غير ذلك، ولم يختلفوا في صحبته، وقال أبو عمر: بايع تحت الشجرة ثم نزل الشام ومات في خلافه معاوية، ونسبته إلى خشين بضم الخاء وفتح الشين المعجمتين وهو وائل بن الثمر بن وبرة بن ثعلبة بن حلوان بن عمران بن ألحاف بن قضاعة، والله أعلم. ١٠ - بابٌ إذا قال لامرأتِهِ وهوَ مُكْرَةٌ هَذِهِ أُخْتِي، فَلاَ شيءَ عليْهِ أي: هذا باب في بيان حكم من قال لامرأته، والحال أنه مكره: هذه أختي، فلا شيء عليه، يعني: لا يكون طلاقاً ولا ظهاراً. قال إبراهيمُ لِسَارَةَ هذِهِ أخْتِي، فَلاَ شَيءَ عليْهِ أي: قال إبراهيم خليل الله عليه الصلاة والسلام، لزوجته سارة أم إسحاق عليه الصلاة والسلام ووقع في (شرح الكرماني): أم إسماعيل، وهو خطأ، والظاهر أنه من الناسخ، وأم إسماعيل هاجر وسارة ابنة عم إبراهيم هاران أخت لوط، عليه الصلاة والسلام، ولقول إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، هذه أختي قصة، وهي أن الشام وقع فيه قحط فسار إبراهيم عليه الصلاة والسلام، إلى مصر ومعه سارة ولوط،، عليهما الصلاة والسلام، وكان بها فرعون وهو أول الفراعنة عاش دهراً طويلاً، وكانت سارة من أجمل النساء، فأتى إلى فرعون رجل وأخبره بأنه قدم رجل ومعه امرأة من أحسن النساء فأرسل إلى إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، فقال: ما هذه المرأة منك؟ قال: أختي وخاف أن يقول له هذه امرأتي أن يقتله، فلما دخلت عليه ٣٥٥ ٦٨ - كتابُ الطلاَقِ / باب (١١) أهوى إليها بيده فيبست إلى صدره، فقال لها: سلي إلهك أن يطلق عني فقالت سارة أللهم إن كان صادقاً فأطلق له يده، فأطلقها الله، قيل: فعل ذلك مرات، فلما رأى ذلك ردها إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ووهب لها هاجر وهي جارية قبطية. قوله: ((وذلك في ذات الله تعالى)) أي: قول إبراهيم لسارة: أختي لرضا الله تعالى، لأنها كانت أخته في الدين ولم يكن يومئذ مسلم غيره وغير سارة ولوط، وقال ابن بطال: أراد البخاري بهذا التبويب رد قول من نهى أن يقول الرجل لامرأته: يا أختي، فمن قال لامرأته كذلك وهو ينوي ما نواه إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، فلا يضره شيء قال أبو يوسف: إن لم يكن له نية فهو تحريم، وقال محمد بن الحسن: هو ظهار إذا لم يكن له نية، ذكره الخطابي، وقال بعضهم: وقيد البخاري يكون قائل ذلك إذا كان مكرهاً لم يضره، وتعقبه بعض الشراح بأنه لم يقع في قصة إبراهيم إكراه، وهو كذلك. قلت: لا تعقب على البخاري لأنه أراد بذكر قصة إبراهيم الاستدلال على أن من قال ذلك في حالة الإكراه لا يضره، قياساً على ما وقع في قصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام. قلت: قوله: وهو كذلك، ليس كذلك لأن إبراهيم عليه الصلاة والسلام، كان يتحقق أن هذا الفرعون كان يقتل من خالفه فيما يرده، وكان حاله في ذلك الوقت مثل حال المكره، بل أقوى، لشدة كفر هذ الفرعون وشدة ظلمه وتعذيبه لمن يخالفه بأدنى شيء فكيف إذا خالفه من حاله في مثل هذه القضية؟ والله أعلم. ١١ - بابُ الطَّلاقِ في الإِغْلاقِ والكُرْهِ وَالسَّكْرَانِ والمَجْنُونِ وأَمْرِهما والغَلَطِ والتّسيان في الطَّلاَقِ والشِّرْكِ وغيرِهِ أي: هذا باب في بيان حكم الإغلاق أي: الإكراه، لأن المكره يغلق عليه في أمره. ويقال: كأنه يغلق عليه الباب ويضيق عليه حتى يطلق. وقيل: لا يطلق التطليقات في دفعة واحدة حتى لا يبقى منه شيء، لكن يطلق طلاق السنة. وفي (المحكم) وغيره: احتد فلان فنشب في حدته وغلق في (الجامع): غلق إذا غضب غضباً شديداً، ولما ذكر الفارسي في كتابه (مجمع الغرائب) قول من قال: الإغلاق الغضب، قال: هذا غلط لأن أكثر طلاق الناس في الغضب إنما هو الإكراه، وأخرج أبو داود حديث عائشة: ((لا طلاق ولا عناق في إغلاق))، قال أبو داود: الغلاق أظنه الغضب، وترجم على الحديث الطلاق على غيظ، ووقع عنده بغير ألف في أوله، وحكى البيهقي أنه روي بالوجهين، فوقع عند ابن ماجه في هذا الحديث: الإغلاق، بالألف، وترجم عليه: طلاق المكره، وقال ابن المرابط: الإغلاق حرج النفس وليس يقع على أن مرتكبه فارق عقله حتى صار مجنوناً فيدعي أنه كان في غير عقله، ولو جاز هذا لكان لكل واحد من خلق الله عز وجل ممن يجوز عليه الحرج أن يدعي في كل ما جناه أنه كان في حال إغلاق فتسقط عنه الحدود وتصير الحدود خاصة لا عامة لغير الحرج، وقال ابن بطال: فإذا ضيق على المكره وشدد عليه لم يقع حكم طلاقه، فكأنه لم يطلق. وفي (مصنف ابن أبي شيبة): أن الشعبي كان يرى طلاق المكره جائزاً، وكذا قاله إبراهيم وأبو ٣٥٦ ٦٨ - كتابُ الطلاَقِ / باب (١١) قلابة وابن المسيب وشريح. وقال ابن حزم: وصح أيضاً عن الزهري وقتادة وسعيد بن جبير. وبه أخذ أبو حنيفة وأصحابه، وروى الفرج بن فضالة عن عمرو بن شراحيل أن امرأة أكرهت زوجها على طلاقها فطلقها، فرفع ذلك إلى عمر فأمضى طلاقها. وعن ابن عمر نحوه، وكذا عن عمر بن عبد العزيز، وأما من لم يره شيئاً فعلي بن أبي طالب وابن عمر وابن الزبير وعمر ابن عبد العزيز وعطاء والحسن بن أبي الحسن وعبد الله بن عباس وعمر بن الخطاب والضحاك. قال ابن حزم: وصح أيضاً عن طاووس وجابر بن زيد قال: وهو قول مالك والأوزاعي والحسن بن حيي والشافعي وأبي سليمان وأصحابهم، وعن إبراهيم تفصيل آخر، وهو أنه: إن روى المكره لم يقع، وإلاّ وقع. وقال الشعبي: إن أكرهه اللصوص وقع وإن أكرهه السلطان فلا، أخرجه ابن أبي شيبة. قوله: ((والكره)) بضم الكاف وسكون الراء في النسخ كلها وهو بالجر ظاهره أنه عطف على قوله: ((في الإغلاق)) لكن هذا لا يستقيم إلاّ إذا فسر الإغلاق بالغضب كما فسره أبو داود وترجم عليه بقوله: الطلاق على غيظ. ولكن في روايته الغلاق، بدون الألف في أوله. وقد فسروه أيضاً مع وجود الألف في أوله بالغضب، ولكن إن قدر قبل الكاف ميم. لأنه عطف عليه لفظ السكران فيستقيم الكلام ويكون المعنى: باب حكم الطلاق في الإغلاق وحكم المكره والسكران إلى آخره، فهذه الترجمة تشتمل على أحكام ولم يذكرها اكتفاء بالحديث الذي ذكره. أما حكم الطلاق في الغضب فإنه يقع، وفي رواية عن الحنابلة إنه لا يقع، قيل: وأراد البخاري بذلك الرد على مذهب من يرى أن الطلاق في الغضب لا يقع، وأما حكم الإكراه فقد مر، وأما طلاق السكران هل يقع أم لا؟ فإن الناس اختلفوا فيه، فممن قال: إنه لا يقع، عثمان بن عفان وجابر بن زيد وعطاء وطاووس وعكرمة والقاسم وعمر بن عبد العزيز، ذكره ابن أبي شيبة، وزاد ابن المنذر عن ابن عباس وربيعة والليث وإسحاق والمزني، واختاره الطحاوي، وذهب مجاهد إلى أن طلاقه يقع، وكذا قاله محمد والحسن وسعيد بن المسيب وإبراهيم بن يزيد النخعي وميمون بن مهران وحميد بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار والزهري والشعبي وسالم بن عبد الله والأوزاعي والثوري، وهو قول مالك وأبي حنيفة، واختلف فيه قول الشافعي، فأجازه مرة ومنعه أخرى، وألزمه مالك الطلاق والقود من الجراح ومن القتل ولم يلزمه النكاح والبيع، وقال الكوفيون: أقول السكران وعقوده كلها ثابتة كفعل الصاحي إلاَّ الرَدَّة فإذا ارتد لا تبين امرأته استحساناً، قال أبو يوسف: يكون مرتداً في حال سكره وهو قول الشافعي إلاَّ إنا لا نقتله في حال سكره ولا نستتيبه، وأما المجنون فالإجماع واقع على أن طلاق المجنون والمعتوه واقع، وقال مالك: وكذلك المجنون الذي يفيق أحياناً يطلق في حال جنونه والمبرسم قد رفع عنه القلم لغلبة العلم بأنه فاسد المقاصد، وأما حكم طلاق الغالط أو الناسي فإنه واقع، وهو قول عطاء والشافعي في قول، وإسحاق ومالك والثوري وابن أبي ليلى والأوزاعي والكوفيين، وعن الحسن: أن الناسي كالعامد إلاّ أنه اشترط فقال: إلاَّ أن أنسي، وأما المخطىء فذهب الجمهور إلى أنه لا يقع طلاقه، وعند الحنفية إذا أراد ٣٥٧ ٦٨ - كتابُ الطلاَقِ / باب (١١) رجل أن يقول لامرأته شيئاً فسبق لسانه، فقال: أنت طالق، يلزمه الطلاق. قوله: ((وأمرهما)) أي: أمر السكران والمجنون، أي: في بيان أمرهما من أقوالهما وأفعالهما هل حكمهما واحد أو مختلف؟ على ما يجيء. قوله: ((والغلط والنسيان)) أي: وفي بيان الغلط والنسيان الحاصلين في الطلاق، أراد أنه لو وقع من المكلف ما يقتضي الطلاق غلطاً أو نسياناً. قوله: ((والشرك))، أي؛ وفي بيان الشرك لو وقع من المكلف ما يقتضي الشرك غلطاً أو نسياناً هل يحكم عليه به؟ وقال صاحب (التوضيح) وقع في كثير من النسخ: والنسيان في الطلاق والشرك بكسر الشين المعجمة وسكون الراء فهو خطأ والصواب في الشك، مكان الشرك. قلت: سبقه بهذا ابن بطال حيث قال: وقع في كثير من النسخ. والنسيان في الطلاق والشرك وهو خطأ، والصواب: والشك مكان الشرك، وأما طلاق المشرك فجاء عن الحسن وقتادة وربيعة أنه لا يقع، ونسب إلى مالك وداود، وذهب الجمهور إلى أنه يذقع كما يصح نكاحه وعتقه وغير ذلك من أحكامه. قوله: ((وغيره)) قال بعضهم: أي: وغير الشرك مما هو دونه. قلت: ليس معناه كذا، وإنما المعنى: وغير المذكور من الأشياء المذكورة نحو الخطأ وسبق اللسان والهزل، وقد ذكرنا الآن حكم الخطأ وسبق اللسان، وأما حكم الهازل في طلاقه ونكاحه ورجعته فإنه يؤخذ به، ولا يلتفت إلى قوله: ((كنت هازلاً)) ولا يدين أيضاً فيما بينه وبين الله تعالى، وذلك لما روى الترمذي من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله عَّله ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة، قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي عّ لّهِ، واعلم أنه ذكر هذه الأشياء ولم يذكر ما الجواب فيها اكتفاء بقوله. لِقَوْلِ النبيِّ عَّهِ: الأعْمَالُ بالنِّيَّةِ وَلِكُلِّ امْریٍ ما نَوى أشار بهذا الحديث الصحيح الذي سبق ذكره في أول الكتاب على اختلاف الألفاظ فيه أن الاعتبار في الأشياء المذكورة النية، لأن الحكم في الأصل إنما يتوجه على العاقل المختار العامد الذاكر والمكره غير مختار والسكران غير عاقل في سكره، وكذلك المجنون في حال جنونه، والغالط والناسي غير ذاكرين، وقد ذكرنا الأحكام فيها مستقصاة. وتلاَ الشَّغْبِيُّ: ﴿لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ [البقرة: ٢٨٦] أي: قرأ عامر بن شراحيل الشعبي هذه الآية لما سئل عن طلاق الناسي والمخطىء، واحتج بها على عدم وقوع طلاق الناسي والمخطىء، وجه الاستدلال بها ظاهر. وما لا يَجُوزُ مِنْ إِقْرَارِ المُوسْوِس هو عطف على قوله: الطلاق في الإغلاق، والتقدير: وفي بيان ما لا يجوز من إقرار الموسوس على صيغة الفاعل وسوس توسوس نفسه إليه، والوسوسة حديث النفس ولا مؤاخذة بما يقع في النفس. ٣٥٨ ٦٨ - كتابُ الطلاَقِ / باب (١١) وقال النبيُّ عَّهِ، لِلَّذِي أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ أبِكَ جُنُونٌ؟ أشار بهذا إلى الاستدلال به في عدم وقوع طلاق المجنون، وهو قطعة من حديث أخرجه في المتحاربين عن أبي هريرة قال: أتى رجلٌ رسول الله عَّله وهو في المسجد فناداه، فقال: يا رسول الله! إني زنيت، فأعرض عنه حتى ردده عليه أربع مرات، فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه النبي عَّلِ فقال: أبك الجنون؟ فقال: لا ... الحديث، وسيأتي الكلام فيه في موضعه إن شاء الله تعالى قوله: ((للذي أقر)) أي: الرجل الذي أقر على نفسه بالزنا، وإنما قال له: أبك جنون؟ لأنه لو كان ثبت عنه أنه مجنون كان أسقط الحد عنه. وقال عَلِيٍّ: بِقَر حَمْزَةُ خَوَاصِرَ شارِفَيَّ، فَطَفِقَ النبيّ ◌َ لِّ يَلُومُ حَمْزَةَ، فَإِذَا حَمْزَةُ قَدْ ثَمِلَ مُحَمَرَةٌ عَيْنَاهُ ثُمَّ قال حَمْزَةُ هَلْ أَنْتُمْ إلا عَبِيدٌ لأبي؟ فَعَرَفَ النبيُّ عَّهِ أَنَّهُ ثَمِلَ، فَخَرَجَ وخَرَجْنَا معَهُ. أشار بهذا إلى الاستدلال بأن السكران لا يؤاخذ بما صدر منه في حال سكره من طلاق وغيره، وعلي هو ابن أبي طالب، رضي الله عنه، وهذا قطعة من حديث قد مضت في غزوة بدر في باب مجرد عقيب: باب شهود الملائكة بدراً. مطولاً. قوله: ((بقر)) بفتح الباء الموحدة وتخفيف القاف أي: شق قوله: ((خواصر)) جمع خاصرة. قوله: ((شارفي)) تثنية شارف أضيف إلى ياء المتكلم والفاء المفتوحة والياء مشددة، والشارف بالشين المعجمة وكسر الراء وهي المسنة من التوق قوله: ((فطفق النبي ◌َّ ◌ُلّه)) أي: شرع النبي عَ له يلوم حمزة ابن عبد المطلب على فعله هذا. قوله: ((فإذا)) كلمة مفاجأة وحمزة مبتدأ وقد ثمل خبره بفتح الثاء المثلثة وكسر الميم أي: قد أخذه الشراب والرجل ثمل بكسر الميم أيضاً، ولكنه في الحديث ماض في الموضعين، وفي قولنا: الرجل ثمل، صفة مشبهة فافهم، ويروى: فإذا حمزة ثمل، على صيغة الصفة المشبهة فافهم. قوله: ((محمرة عيناه)) خبر بعد خبر ويجوز أن يكون حالاً فحينئذ تنصب محمرة، قوله: ((فخرج)) أي: النبي عَِّ من عند حمزة وخرجنا معه. واعترض المهلب بأن الخمر حينئذ كانت مباحة، قال: فبذلك سقط عنه حكم ما نطق به في تلك الحال، قال: وبسبب هذه القصة كان تحريم الخمر، ورد عليه بأن الاحتجاج بهذه القصة كان تحريم الخمر، غير صحيح، لأن قصة الشارفين كانت قبل أحد اتفاقاً، لأن حمزة، رضي الله تعالى عنه، استشهد بأحد وكان ذلك بين بدر وأحد عند تزويج علي بفاطمة، رضي الله تعالى عنهما، وقد ثبت في (الصحيح) أن جماعة اصطبحوا الخمر يوم أحد واستشهدوا في ذلك اليوم، فكان تحريم الخمر بعد أحد لهذا الحديث الصحيح. وقال عُثْمانُ لَيْسَ لِمَجْنُونٍ ولا لِسَكْرَانَ طلاقٌ أي: قال عثمان بن عفان أمير المؤمنين: ليس لمجنون ولا لسكران طلاق، يعني: لا يقع طلاقهما، ورواه ابن أبي شيبة عن وكيع بسند صحيح: حدثنا ابن أبي ذئب عن الزهري عن أبان بن عثمان عنه بلفظ: كان لا يجيز طلاق السكران والمجنون، وكان عمر بن عبد ٣٥٩ ٦٨ - كتابُ الطلاَقِ / باب (١١) العزيز يجيز ذلك جتى حدثه أبان بهذا. قال ابنُ عباس: طَلاقُ السّكْرَانِ والمُسْتَكْرَهِ ليْسَ بجَائِزِ هذا التعليق وصله ابن أبي شيبة بسند صحيح: عن هشيم عن عبد الله بن طلحة الخزاعي عن أبي يزيد المديني عن عكرمة عن ابن عباس بلفظ: ليس لسكران ولا لمضطهد طلاق، يعني المغلوب المقهور والمضطهد بضاد معجمة ساكنة ثم طاء مهملة مفتوحة ثم هاء ثم دال مهملة. قوله: «لیس بجائز)) ليس بواقع. وقال عُقْبَةُ بنُ عامِر: لا يَجُوزُ طَلاقُ المُوَسْوِس عقبة، بضم العين وسكون القاف: ابن عامر بن عبس الجهني من جهينة ابن زيد بن سود بن أسلم بن عمرو بن الحاف بن قضاعة، وقال أبو عمر: سكن عقبة بن عامر مصر وكان والياً عليها وابتنى بها داراً، وتوفي في آخر خلافة معاوية قلت: ولي مصر من قبل معاوية سنة أربع وأربعين، ثم عزله بمسلمة بن مخلد، وكان له دار بدمشق بناحية قنطرة سنان من باب توما، وذكر خليفة بن خياط قتل أبو عامر عقبة بن عامر الجهني يوم النهروان شهيداً، وذلك في سنة ثمان وثلاثين، قال أبو عمر: هذا غلط منه، وقال الواقدي: شهد صفين مع معاوية وتحول إلى مصر وتوفي آخر خلافه معاوية ودفن بالقطم، وقال الكرماني: عقبة بن عامر الجهني الصحابي الشريف المقرىء الفرضي الفصيح، هو كان البريد إلى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، بفتح دمشق، ووصل إلى المدينة في سبعة أيام ورجع منها إلى الشام في يومين ونصف بدعائه عند قبر النبي عَّه، بذلك، وإنما قال: لا يجوز طلاق الموسوس لأن الوسوسة حديث النفس، ولا مؤاخذة بما يقع في النفس. وقال عَطاءٌ: إِذَا بَدَأ بالطّلاَق فلهُ شَرْطُهُ عطاء هو ابن أبي رباح. قوله: ((إذا بدأ بالطلاق)) يعني إذا أراد أن يطلق وبدأ ((فله شرطه)) أي فله أن يشترط ويعلق طلاقها على شرط، يعني: لا يلزم أن يكون الشرط مقدماً على الطلاق، بل يصح أن يقال: أنت طالق إن دخلت الدار، كما في العكس، ونقل عن البعض أنه لا ينتفع بشرطه. وقال نافِعٌ: طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأْتُهُ البَنَّةَ إن خَرَجَتْ، فقال ابن عُمَر: إن خَرَجَتْ فَقَدْ بَّتْ مِنْهُ، وإنْ لمْ تَخْرُجْ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ. أي: قال نافع مولى ابن عمر له: ما حكم رجل طلق امرأته البتة يعني: بائناً إن خرجت من الدار؟ فأجاب ابن عمر: إن خرجت وقع طلاقه بائناً، وإن لم تخرج لا يقع شيء، لأنه تعليق بالشرط فلا يتنجز إلاّ عند وجود الشرط. قوله: ((البتة)) نصب على المصدرية من بته يبته ويبته بضم الباء الموحدة وكسرها، والبت القطع، ويقال: لا أفعله بتة، ولا أفعله البتة، لكل أمر لا رجعة فيه، ويقال: طلقها ثلاثاً بتة، أي فاطمة. وقال الكرماني: قالت النحاة: قطع ٣٦٠ ٦٨ - كتابُ الطلاَقِ / باب (١١) همزة البتة بمعزل عن القياس، وقال بعضهم في دعوى أنها تقال بالقطع نظر، فإن ألف البتة ألف وصل قطعاً، والذي قاله أهل اللغة البتة: القطع، وهو تفسيرها بمرادفها لأن المراد أنها تقال بالقطع قلت النحاة لم يقولوا البتة القطع فحسب، وإنما قالوا: قطع همزة البتة، بتصريح نسبة القطع إلى الهمزة. قوله: ((فقد بتت)) على صيغة المجهول أي: انقطعت عن الزوج بحيث لا رجعة له فيها، ويروى: فقد بانت. قوله: ((وإن لم تخرج)) أي: وإن لم يحصل الشرط فلا شيء عليه. وقال الزُّهْرِيُّ فِيمَنْ قال: إنْ لَمْ أَفْعَلْ كَذا وكَذا فامْرِأتي طالِقٌ ثَلاَاً يُسْأَلُ عمَّا قال وعقَدَ عَلَيْهِ قَلْبُهُ حَينَ حلَفَ بِلْكَ اليَمِينِ، فإنْ سَمَّى أجلاً أرادَهُ وعَقَدَ عَلَيْهِ قَلْبُهُ حِينَ حَلَفَ جُعِلَ ذَلِكَ في دينِهِ وأمانَتِهِ. أي: قال محمد بن مسلم الزهري: صور المسألة ظاهرة لأنها تعليق يتنجز عند وجود الشرط غير أن الزهري زاد فيها قوله: يسأل عما قال ... إلى آخره. قوله: ((جعل ذلك في دينه)) يعني: يدين بينه وبين الله تعالی. وقال إبراهِميمُ: إنْ قال: لا حاجَةَ لِي فِيكِ، نِيتُهُ أي: قال إبراهيم النخعي: إن قال رجل لامرأته: لا حاجة لي فيك نيته. أي تعتبر فيه نيته، فإن قصد طلاقاً طلقت، وإلاَّ فلا. وأخرجه ابن أبي شيبة عن حفص هو ابن غياث عن إسماعيل عن إبراهيم في رجل قال لامرأته: لا حاجة لي فيك، قال: نيته. وطَلاَقُ كُلِّ قوْمٍ بلِسانِهِمْ أي: قال إبراهيم: طلاق كل قوم من عربي وعجمي جائز بلسانهم، وروى ابن أبي شيبة عن ابن إدريس وجرير، فالأول: عن مطرف، والثاني: عن مغيرة كلاهما عن إبراهيم، قال: طلاق العجمي بلسانه جائز، وقال صاحب (المحيط): الطلاق بالفارسية المتعارفة أربعة: أحدها: لو قال لها: هشتم ترا، أو بهشتم ترا أززني، روى ابن رستم في (نوادره) عن أبيٍ حنيفة: لا يكون طلاقاً إلا بالنية لأن معناه يؤول إلى معنى التخلية ولفظ التخلية لا يصح إلا بالنية واللفظ الثاني: لو قال؛ بله كردم، واللفظ الثالث: لو قال: پاي كشادة كردم، يقع رجعياً بلا نية. واللفظ الرابع: لو قال: دست باز داشتم، قيل: يكون رجعياً، وقيل: بائناً، ولو قال: جهار راه برتو كشاده است، لا يقع وإن نوى. ولو قال بالتركي: ((بو شادم سني بر طلاق)) تقع واحدة رجعية، ولو قال: ((إيكي طلاق)) يقع ثتنان، ولو قال: ((أوج طلاق)) يقع ثلاث. وقال قَتَادَةُ: إذا قال؛ إذا حَمَلْتِ فَأَنْتِ طالِقٌ ثَلاثاً، يَغْشَاها عنْدَ كُلِّ طُهْرٍ مَرَّةً، فإن اسْتَبَانَ حَمْلُها فَقَدْ بانَتْ مِنْهُ. أي: قال قتادة بن دعامة: إذا قال رجل لامرأته: إذا حملت فأنت طالق ثلاثاً، يغشاها