النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
٦٧ - كِتابُ النِّكَاحِ / باب (٩٩)
به.
قوله: ((أن سودة بنت زمعة)) بسكون الميم وفتحها ابن قيس، القرشية العامرية، تزوجها
رسول الله عَ لِّه بمكة بعد موت خديجة، رضي الله تعالى عنها، ودخل عليها بها، وكان
دخولها بها قبل دخوله على عائشة رضي الله تعالى عنها، بالاتفاق وهاجرت معه وتوفيت في
آخر خلافة عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه. قوله: ((وهبت يومها لعائشة))، وقد تقدم
في الهبة من طريق الزهري عن عروة بلفظ: يومها وليلتها، وزاد في آخره تبتغي بذلك رضا
رسول الله عَّهِ، ووقع في رواية مسلم من طريق عقبة بن خالد عن هشام: لما أن كبرت
سودة رضي الله تعالى عنها جعلت يومها من رسول الله عَّه لعائشة، وروى أبو داود عن
أحمد بن يونس عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قال:
كان رسول الله عَّ ◌ُلّه لا يفضل بعضنا على بعض في القسم الحديث وفيه: ولقد قالت سودة
بنت زمعه حين أسنت وخافت أن يفارقها رسول الله عَّ له: يا رسول الله! يومي لعائشة، فقبل
ذلك منها، وفيها وفي أشباهها نزلت: ﴿وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً﴾ [النساء: ١٢٨]
الآية. وتابعه ابن سعد عن الواقدي عن ابن أبي الزناد في وصله، وعند الترمذي من حديث
ابن عباس موصولاً نحوه. وأخرج ابن سعيد بسند رجاله ثقات من رواية القاسم بن أبي بزة
مرسلاً: أن النبي عَِّ طلقها فقعدت له على طريقه، فقالت: والذي بعثك بالحق ما لي في
الرجال حاجة، ولكن أحب أن أبعث مع نسائك يوم القيامة، فأنشدك بالذي أنزل عليك
الكتاب هل طلقتني لموجدة وجدتها علي؟ قال: لا. قالت: فأنشدك لما راجعتني، فراجعها،
قالت: فإني جعلت يومي وليلتي لعائشة حبة رسول الله عَّهِ. قوله: ((وكان النبي عَِّ يقسم
لعائشة بيومها ويوم سودة)) يعني على الوجه الذي ذكرناه، وفي رواية جرير عن هشام عند
مسلم: فكان يقسم لعائشة يومين: يومها ويوم سودة انتهى.
وكان عَّهِ، يقسم لكل واحدة من نسائه يوماً وليلة كما تظاهرت عليه الأحاديث ففي
بعضها: يوم، والمراد بليلته، وفي بعضها ليلة، والمراد مع اليوم، وفي بعضها: يوم وليلة.
وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه لا يزاد في القسم على يوم وليلة اقتداء بالنبي عَّهِ، وبه
قال مالك وأبو ثور وأبو إسحاق المروزي من الشافعية. وقال شيخنا زين الدين رحمه الله:
وحمل الشافعي ذلك على الأولوية والاستحباب، ونص على جواز القسم ليلتين ليلتين وثلاثاً
ثلاثاً. وقال في (المختصر) وأكره مجاوزة الثلاث فحمله الأكثرون على المنع ونقل عن نصه
في (الإملاء) أنه كان يقسم مياومة ومشاهرة ومسانهة، قال الرافعي: فحملوه على ما إذا رضين
ولم يجعلوه قولاً آخر، وحكى عن صاحب (التقريب) أنه: يجوز أن يقسم سبعاً سبعاً. وعن
الشيخ أبي محمد الجويني وغيره أنه تجوز الزيادة ما لم تبلغ التربص بمدة الإيلاء وقال إمام
الحرمين: لا يجوز أن يبني القسم على خمس سنين مثلاً، وحكى الغزالي في (البسيط)
وجهاً: أنه لا تقدير بزمان ولا توقيت أصلاً فإنما التقدير إلى الزوج انتهى كلامه.
قلت: وقال ابن المنذر: ولا أرى مجاوزة يوم إذ لا حجة مع من تخطى سنة رسول

٢٨٢
٦٧ - كِتابُ النِّكاحِ / باب (١٠٠)
الله عَّه إلى غيرها. ألا ترى قوله في الحديث: أن سودة وهبت يومها لعائشة، ولم يحفظ
عن رسول الله عَّ له في قسمته لأزواجه أكثر من يوم وليلة، ولو جاز ثلاثة لجاز خمسة
وشهراً، ثم يتخطى بالقول إلى ما لا نهاية له، فلا يجوز معارضة السنة.
وفيه: مشروعية القسم بين النساء وهو متفق على استحبابه، فأما وجوبه فادعى صاحب
(المفهم) الاتفاق على وجوبه، فقال شيخنا: وفي دعوى الاتفاق نظر فقال النووي في (شرح
مسلم: مذهبنا إنه لا يلزم أن يقسم لنسائه، بل له إحسانهن كلهن، لكن يكره تعطيلهن. قال
الرافعي: وعن القاضي أبي حامد حكاية أنه يجب القسم بينهن ولا يجوز له الإعراض.
١٠٠ - بابُ العَدْلِ بَيْنَ النِّساء
﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء﴾ إلى قوله ﴿واسعاً حكيماً﴾ [النساء: ١٢٩،
١٣٠].
أي: هذا باب في بيان العدل بين النساء، يعني إذا كان رجل له امرأتان أو ثلاث أو
أربع يجب عليه أن يعدل بينهن في القسم، إلاَّ برضاهن، بأن يرضين بتفضيل بعضهن على
بعض، ويحسن معهن عشرتهن ولا يدخل بينهن من التحاسد والعداوة ما يكدر صحبته لهن،
وتمام العدل أيضاً بينهن تسويتهن في النفقة والكسوة والهبة ونحوها قوله: ﴿ولن تستطيعوا أن
تعدلوا بين النساء﴾ [النساء: ١٢٩] أي: لن تطيقوا أيها الرجال أن تسووا بين نسائكم في
حبهن بقلوبكم حتى تعدلوا بينهن في ذلك لأن ذلك مما لا تملكونه، ولو حرصتم في
تسويتكم بينهن في ذلك، وروت الأربعة من حديث عبد الله بن يزيد عن عائشة رضي الله
تعالى عنها، أن النبي عَّه كان يقسم بين نسائه فيعدل، ويقول: اللهم هذا قسمي فيما أملك
فلا تلمني فيما تملك ولا أملك. قوله: فيما أملك أي: فيما قدرتني عليه مما يدخل تحت
القدرة والاختيار بخلاف ما لا قدرة عليه من ميل القلب فإنه لا يدخل تحت القدرة. وروى
الأربعة أيضاً من حديث أبي هريرة عن النبي عّ لٍّ: إذا كان عند الرجل امرأتان فلم يعدل
بينهما جاء يوم القيامة وشقه ساقط. قيل: المراد سقوط شقه حقيقة أو المراد سقوط حجته
بالنسبة إلى إحدى امرأتيه التي مال عليها مع الأخرى؟ والظاهر الحقيقة، تدل عليها رواية أبي
داود: وشقه مائل، والجزاء من جنس العمل، ولما لم يعدل أو حاد عن الحق، والجور الميل
كان عذابه بأن يجيء يوم القيامة على رؤوس الأشهاد وأحد شقيه مائل فإن قلت: أمر
المزوجون بالعدل بين نسائهم، والآية تخبر بأنهم لا يستطيعون أن يعدلوا قلت: المنفي في
الآية العدل بينهن من كل جهة ألا ترى كيف قال النبي عَ له: فلا تلمني فيما تملك ولا
أملك؟ وقال الترمذي: يعني به الحب والمودة لأن ذلك مما لا يملكه الرجل ولا هو في
قدرته. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: لا تستطيع أن تعدل بالشهوة فيما بينهن ولو
حرصت، وقال ابن المنذر: دلت هذه الآية على أن التسوية بينهن في المحبة غير واجبة، وقد
أخبر رسول الله عَّل أن عائشة أحب إليه من غيرها من أزواجه، فلا تميلوا كل الميل بأهوائكم

٢٨٣
٦٧ - كِتَابُ التّكاحِ / باب (١٠١)
حتى يحملكم ذلك على أن تجوروا في القسم على التي لا تحبون. قوله: إلى قوله: ﴿واسعاً
حكيماً﴾ [النساء: ١٣٠] يعني: إلى آخر الآيتين. وأولهما من قوله: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا
بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة وأن تصلحوا وتتقوا فإن الله
كان غفوراً رحيماً وإن يتفرقا يغن الله كلاًّ سعته وكان الله واسعاً حكيماً﴾ [النساء: ١٢٩،
١٣٠] قوله: ((فلا تميلوا كل الميل)» أي: فلا تجوروا على المرغوب عنها كل الجور
فتمنعوها قسمتها من غير رضاها. قوله: ((فتذروها)) أي فتتركوها كالمعلقة وهي التي ليست
بذات بعل ولا مطلقة، وقيل: لا أيم ولا ذات زوج. قوله: ((وأن تصلحوا)) أي: فيما بينكم
وبينهن بالاجتهاد منكم في العدل بينهن وتتقوا الميل فيهن فإن الله غفور ما عجزت عنه
طاقتكم من بلوغ الميل منكم فيهن. قوله: ((وإن يتفرقا)) يعني: وإن يفارق كل منهما صاحبه
يغن الله كلاً يعني: يرزقه زوجاً خيراً من زوجه وعيشاً أهنأ من عيشه، والسعة: الغنى والقدرة،
والواسع: الغني المقتدر.
١٠١ - بابٌ إِذَا تَزَوَّجَ الِكْرَ عَلَى الَّيِّب
أي: هذا باب في بيان ما يفعل الرجل إذا تزوج امرأة بكراً على امرأة ثيب ولم يذكر
جواب إذا، الذي هو يبين الحكم اكتفاء بما في حديث الباب، والبكر خلاف الثيب ويقعان
على الرجل والمرأة،، وقال ابن الأثير: الثيب من ليس بيكر، ويقع على الذكر والأنثى، يقال:
رجل ثيب وامرأة ثيب، وقد يطلق على المرأة البالغة وإن كانت بكراً مجازاً واتساعاً، وأصل
الكلمة الواو لأنه من ثاب يثوب إذا رجع، فإن الثيب بصدد العود والرجوع قلت: أصل الثيب
ثويب اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في
الياء، فافهم.
١٤٢/ ٥٢١٣ - حدّثنا مُسَدَّدٌ حدثنا بِشْرٌ حدثنا خالِدٌ عنْ أبي قِلاَبَةً عن أنَسٍ، رضي
الله عنهُ، ولَوْ شِئْتُ أن أَقُولَ قال النبيُّ عَّله، ولكِنْ قال: السُّنَّةُ إذَا تَزَوَّجَ الِكْرَ أقام عِنْدَها
سَبْعاً، وإِذَا تَزَوَّجَ النَّيِّبَ أَقامَ عِنْدَها ثلاثاً. [الحديث ٥٢١٣ - طرفه في: ٥٢١٤]
:
مطابقته للترجمة ظاهرة. وبشر، بكسر الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة: ابن
المفضل بن لاحق أبو إسماعيل البصري، وخالد هو ابن مهران الحذاء البصري، وأبو قلابة،
بكسر القاف وتخفيف اللام: عبد الله بن زيد الجرمي.
والحديث أخرجه مسلم في النكاح عن محمد بن رافع وغيره. وأخرجه الترمذي فيه
عن أبي سلمة يحيى بن خلف. وأخرجه ابن ماجه فيه عن هناد بن السري عن عبدة بن
سليمان.
قوله: ((ولو شئت أن أقول: قال النبي عَ لّ)) اختلف في قائل هذا القول أعني قوله:
«ولو شئت)) فقيل: خالد الحذاء راوي الحديث. وقد صرح به في رواية مسلم، قال: حدثنا
يحيى بن يحيى قال: أخبرنا هشيم عن خالد عن أبي قلابة عن أنس بن مالك رضي الله تعالى

٢٨٤
٦٧ - كِتابُ النِّكاحِ / باب (١٠٢)
عنه، قال: إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعاً وإذا تزوج الثيب على البكر أقام عندها
ثلاثاً، قال خالد: ولو قلت إنه رفعه لصدقت، ولكنه قال: السنة كذلك انتهى. وقيل: هو أبو
قلابة الراوي، وقد صرح بهما البخاري في الحديث الذي يأتي عقيب هذا الباب، على ما
يأتي إن شاء الله. قوله: ((ولكن قال: السنة إذا تزوج البكر)) إلى آخره، أي: ولكن قال أنس
رضي الله تعالى عنه السنة إلى آخره، وخالد أو أبو قلابة لو قال: قال أنس: قال النبي عَّه.
لكان صادقاً في تصريحه برفعه إلى النبي عَّله، لكنه رأى أن المحافظة على اللفظ أولى،
وقوله: ((السنة)) يقتضي أن يكون مرفوعاً بطريق اجتهادي احتمالي. وقال النووي: هذا اللفظ
يقتضي رفعه إلى النبي عَّ فإذا قال الصحابي: السنة كذا، أو من السنة كذا فهو في الحكم
كقوله: قال التبي عَّله. قوله: ((سبعاً) أي: سبع ليالي ويدخل فيها الأيام، وقال الخطابي:
السبع تخصيص للبكر لا يحسب بها وعليها، وكذا الثلاث للثيب، ويستأنف القسمة بعده،
وهذا من المعروف الذي أمر الله به في معاشرتهن، وذلك أن البكر لما فيها من الحياء ولزوم
الخدر تحتاج إلى فضل إمهال وصبر وتأن ورفق، والثيب قد جربت الرجال إلا أنها من حيث
استجداد الصحبة أكرمت بزيادة الوصلة، وهي مدة الثلاث.
١٠٢° - بابٌ إِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّب على البِكْر
أي: هذا باب في بيان ما يفعل الرجل إذا تزوج امرأة ثيباً على امرأة بكر، وهذه
الترجمة عكس الترجمة التي قبلها، وقد ذكرنا هناك أن جواب: إذا محذوف، وهنا كذلك.
٥٢١٤ - حدّثنا يُوسُفُ بنُ راشدٍ حدثنا أبو أسامَةَ عنْ سُفْيانَ حدثنا أَيُّوبُ وخالِدٌ عنْ
أبي قِلاَبَة عنْ أَنَسٍ قال: من السُّنَّةِ إِذَا تَزَوَّجِ الرَّجُلُ البِكْرَ عَلَى الثيِّبِ أَقامَ عِنْدَها سَبْعاً وقَسَمَ،
وإذا تَزَوَّجَ الشَّيِّبَ عَلَى البِكْرِ أقامَ عِندَها ثَلاَثاً ثُمَّ قَسَمَ قال أبُو قِلاَبَةَ: ولوْ شِئْتُ لَقُلْتُ: إنَّ
أَنَساً رفَعَهُ إلى النبيِّ عَّلِ. [الحديث ٥٢١٣ - طرفه في: ٥٢١٤]
هذا طريق آخر في الحديث السابق أخرجه عن يوسف بن موسى بن راشد نسب إلى
جده وهو القطان الكوفي، سكن بغداد وهو من أفراده. وأبو أسامة حماد بن أسامة، وسفيان
وهو الثوري، وأيوب هو السختياني، وأبو قلابة هو عبد الله بن زيد.
وأخرج الطحاوي هذا الحديث من عشر طرق صحاح، ثم قال: فذهب قوم إلى أن
الرجل إذا تزوج الثيب أنه بالخيار إن شاء سبَّع لها وسبع لسائر نسائه، وإن شاء أقام عندها
ثلاثاً ودار على بقية نسائه يوماً يوماً وليلةً ليلةً قلت: أراد بالقوم إبراهيم النخعي وعامر الشعبي
ومالكاً والشافعي وأحمد وإسحاق وأبا ثور وأبا عبيد، ثم قال: وخالفهم في ذلك آخرون،
فقالوا: إن ثلَّث لها ثلَّث لسائر نسائه كما إذا سبَّع لها سبَّع لسائر نسائه. قلت: أراد بالقوم
هؤلاء: حماد بن أبي سليمان والحكم بن عتبة وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمداً رحمهم الله،
واحتجوا في ذلك بحديث أم سلمة أخرجه الطحاوي: أن رسول الله عَّه قال لها: ((إن شئت
سبعت عندك سبعت عندهن)) وأخرجه أحمد في (مسنده) مطولاً وأخرجه الطبراني بأطول منه

٢٨٥
٦٧ - كِتَابُ النِّاحِ / باب (١٠٢)
وأخرجه أبو يعلى أيضاً والبيهقي. قال الطحاوي: فلما قال لها رسول الله عَ له: إن شئت
سبعت لك سبعت عندهن، أي: أعدل بينهن وبينك فأجعل لكل واحدة منهن سبعاً، كذلك
إذا جعل لها ثلاثاً جعل لكل واحدة منهن ثلاثاً. وقالت الشافعية: حديث أنس المذكور حجة
على الحنفية قلت: كذلك حديث أم سلمة حجة على الشافعية، واحتجت الحنفية أيضاً
بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها: أن النبي عَّم كان يقسم بين نسائه فيعدل الحديث
رواه الأربعة، وقد مر عن قريب، فظاهره يقتضي المساواة بينهن مطلقاً.
قوله: ((من السنة)) قد ذكرنا عن قريب أن هذا اللفظ يقتضي كون الحديث مرفوعاً
ولما ذكر الترمذي حديث خالد الحذاء صححه ثم قال: وقد رفعه محمد بن إسحاق عن
أيوب عن أبي قلابة عن أنس ولم يرفعه بعضهم. قلت: ورواه ابن ماجه من طريق ابن إسحاق
مرفوعاً عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس قال رسول الله عَ ليه: للثيب ثلاث وللبكر سبع
وأخرجه الإسماعيلي أيضاً مرفوعاً كذلك من طريق عبد الوهاب الثقفي عن أيوب عن أبي
قلابة عن أنس بن مالك عن النبي عَّهِ، وكذلك أخرجه ابن خزيمة وابن حبان في
(صحيحهما) مرفوعاً. قوله: ((وقسم ثم قال: أقام عندها ثلاثاً ثم قسم)) بالواو في الأول
وبلفظ ثم في الثاني، ووقع عند الإسماعيلي وأبي نعيم من طريق حمزة بن عون بلفظ: ثم في
الموضعين. قوله: ((ثلاثاً) أي ثلاث ليالي مع أيامها.
واختلف العلماء في المقام المذكور. هل هو من حقوق المرأة على الزوج أو من
حقوق الزوج على سائر نسائه؟ فقالت طائفة: هو حق المرأة إن شاءت طالبته وإن شاءت
تركته، وقال آخرون: هو من حق الزوج إن شاء أقام عندها وإن شاء لم يقم، فإن أقام عندها
ففيه الخلاف المذكور، وإن لم يقم عندها إلا ليلة دار، وكذلك إن أقام ثلاثاً دار على ما
مضى من الخلاف المذكور، الأول أولى لإخبار رسول الله عَّ الله أن ذلك حق البكر والثيب،
وهل يتخلف العروس في هذه المدة عن صلاة الجماعة والجمعة؟ فروى ابن القاسم عن
مالك أنه لا يتخلف عنها. وقال سحنون قد قال بعض الناس: أنه لا يخرج لأن ذلك حق لها
بالسنة.
وقال عبْدُ الرَّزَّاقِ: أخبرنا سفيانُ عن أيُّوبَ وخالِد قال خالِدٌ: ولوْ شِئْتُ قُلُتْ رفعَهُ إلى
صلىالله
النبيّ
أي: قال عبد الرزاق في الحديث المذكور بالمتن المذكور عن سفيان الثوري عن
أيوب السختياني وخالد الحذاء كلاهما عن أبي قلابة عن أنس قال: من السنة إلى آخره
ووصله مسلم قال: وحدثني محمد بن رافع قال: حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا سفيان عن
أيوب وخالد الحذاء عن أبي قلابة عن أنس قال: من السنة أن تقيم عند البكر سبعاً، قال
خالد: ولو شئت لقلت رفعه إلى النبي عَّهُ قوله: ((رفعه)) أي: رفع الحديث أنس إلى النبي

٢٨٦
٦٧ - كِتَابُ النِّكاحِ / باب (١٠٣ و١٠٤)
١٠٣ - بابُ منْ طافَ علَى نِسَائِهِ في غُسلِ واحِدٍ
أي: هذا باب في بيان من طاف على نسائه أي: جامعهن في غسل واحد أراد به أنه
لم يغتسل لكل جماع بغسل على حدة.
١٤٤/ ٥٢١٥ _ حدّثنا عبْدُ الأعْلَى بنُ حَمَّادٍ حدثنا يَزِيدُ بن زُرَيْع حدثنا سَعِيدٌ عن
قَتَادَة أنَّ أنس بنَ مالِك حدَّثَهُمْ أنَّ نَبيَّ الله عَلِ كانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ فِي اللَّيْلَةِ الوَاحِدَةِ
ولهُ يَوْمَئِذٍ تِسْعُ نِشْوةٍ. [انظر الحديث ٢٦٨ وطرفيه].
مطابقته للترجمة ظاهرة وعبد الأعلى بن حماد بن نصر أبو يحيى أصله بصري سكن
بغداد، ویزید من الزيادة ابن زريع مصغر زرع.
والحديث مضى بأتم منه في كتاب الغسل في باب إذا جامع ثم عاد ومن دار على
نسائه في غسل واحد، وبسطنا الكلام فيه هناك.
قوله: ((وله تسع نسوة)) وتقدم هناك وكان يدور على نسائه في الساعة الواحدة من
الليل والنهار وهن إحدى عشرة، وجمع بينهما بأن أزواجه كن تسعاً في هذا الوقت وسريتاه
مارية وريحانة، على رواية من روى أن ريحانة كانت أمة، وروى بعضهم أنها كانت زوجة،
ولقد سمعت أساتذتي الكتاب رحمهم الله تعالى، أن كل نبي من الأنبياء عليهم السلام أُعطي
قوة أربعين رجلاً وأعطي نبينا محمد عَّلل قوة أربعين نبياً، فتكون قوته على هذا قوة ألف
رجل وستمائة رجل، فانظر إلى ورعه وصبره العظيم الذي لم يعط أحد مثله كيف اكتفى بهذا
المقدار، وانظر إلى سليمان عليه السلام، حيث كانت له ألف امرأة على ما قيل، منها
ثلاثمائة حرائر وسبعمائة إماء أما داود عليه السلام، فكانت له مائة امرأة، ومع هذا كان النبي
عَِّ يطوي الأيام لا يأكل ويواصل في الصوم حتى كان يشد الحجر على بطنه ويقوم
بالليالي حتى تتورم قدماه، وما هذه إلا فضائل خصه الله بها وجعله أفضل خلقه وسيد أنبيائه،
صلوات الله عليه وعليهم أجمعين.
١٠٤ - بابُ دُخُولِ الرَّجُلِ علَى نِسائِهِ في اليَوْمِ
أي: هذا باب في بيان جواز دخول الرجل على نسائه في النهار، لأن لكل واحد من
نسائه يوماً في القسم تبعاً لليلته، وكان لا ينبغي أن يدخل على واحدة في غير يومها، ولا
عليهن جميعاً في يوم، ولكن جوز دخوله لضرورة كوضع متاع ونحوه، ولا ينبغي أن يطول
مكثه ولا تجب التسوية في الإقامة نهاراً، ويقال: ليس حقيقة القسم بين النساء إلاّ في الليل
خاصة لأن للرجل التصرف نهاره في معيشته وما يحتاج إليه في أموره، فإذا كان دخول امرأة
في غير يومها دخولاً خفيفاً في حاجة بعضها فلا خلاف بين العلماء في جواز ذلك، وقال
مالك: لا يأتي إلى واحدة من نسائه في يوم الأخرى إلاَّ لحاجة أو عيادة، نقله ابن المواز
عنه، وقال غيره: وأما جلوسه عندها ومحادثتها تلذذاً فلا يجوز ذلك عندهم في غير يومها.

٢٨٧
٦٧ - كِتَابُ النِّكاحِ / باب (١٠٥)
٥٢١٦/١٤٥ _ حدّثنا فَرْوَةُ حدثنا علِيُّ بنُ مُشْهِرٍ عنْ هِشامٍ عنْ أبِيهِ عنْ عَائِشَةَ،
رضي الله عنها، قالَتْ: كانَ رسولُ اللهِ عَّ لِ، إذَا انْصَرَفَ منَ العَصْرِ دَخَلَ عَلى نِسائِهِ يَدْنُو
مِنْ إِحْدَاهُنَّ فَدَخَلَ علَى حَفْصَةَ فاخْتَبَسَ أكْثَرَ ما كانَ يخْتَبِسُ. [انظر الحديث ٤٩١٢
وأطرافه]
مطابقته للترجمة في دخوله عَّ لهم على نسائه في اليوم. وفروة، بفتح الفاء وسكون
الراء: ابن أبي الغراء الكندي الكوفي مات في سنة خمس وعشرين ومائتين، قاله البخاري،
وعلي بن مسهر بضم الميم على صيغة اسم الفاعل، من الإسهار بالمهملة والراء، يروي عن
هشام بن عروة عن أبيه عروة بن الزبير عن عائشة، رضي الله تعالى عنها، وهذا طرف من
حديث طويل يأتي في كتاب الطلاق في: باب ﴿لم تحرم ما أحل الله لك﴾ [التحريم: ١]
وقال ابن المهلب: هذا إنما كان يفعله عَّلّه نادراً ولم يكن يفعله أبد الدهر، وإنما كان يفعله
لما أباح الله تعالى له بقوله: ﴿ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء﴾ [الأحزاب: ٥١]
فكان يذكرهن بهذا الفعل في الغب إفضاله عليهن في العدل بينهن لئلا يظنون أن القسمة
حق لهن عليه، وأجاز مالك أن يأتي إلى الأخرى في حاجة وليضع شأنه إذا كان على غير
ميل، وقال أيضاً: لا يقيم عند إحداهما إلاَّ من عذر، وقال ابن الماجشون: لا بأس أن يقف
بباب إحداهما ويسلم من غير أن يدخل وأن يأكل مما يبعث إليه.
١٠٥ - بابٌ إِذَا اسْتَأْذَنَ الرَّجلُ نِساءَهُ في أَنْ يُمَرَّضَ في بَيْتِ بَعْضِهِنَّ فأَذِنَ لهُ
أي: هذا باب في بيان جواز استئذان الرجل نساءه في أن يمرض، على صيغة
المجهول من التمريض، وهو القيام على المريض وتعاهد حاله. قوله: ((فأذن)) بتشديد النون
لأنه جمع مؤنث غيبة من الماضي.
١٤٦/ ٥٢١٧ _ حدّثنا إسماعيلُ قال: حدّثني سُلَيْمانُ بنُ بِلاَلٍ قال هِشَامُ بنُ عُرْوَةً:
أخبرني أبي عن عائِشَةَ، رضي الله عنها: أنَّ رسول الله عَّله، كان يَسْألُ في مَرَضِهِ الذي ماتَ
فِيهِ: أَيْنَ أنا غَداً؟ أيْنَ أنا غداً؟ يُرِيدُ يَوْمَ عائِشَةَ فأذِنَ لهُ أَزْوَاجُهُ يَكُونُ حِيْثُ شَاءَ، فَكان فِي
بَيْتِ عَائِشَةَ حتَّى ماتَ عِنْدَها. قالَتْ عَائِشَةُ، فَمَاتَ في اليَوْمِ الّذِي يَدُورُ عَليَّ فِيهِ فِي بَيْتِي،
فَقَبَضَهُ الله وإنَّ رَأْسَهُ لَبَيْنَ سَخْرِي ونَحْرِي، وخالَطَ رِيقُهُ رِيقِي. [انظر الحديث ٨٩٠ وأطرافه]
مطابقته للترجمة في قوله: ((فأذن له أزواجه)) وإسماعيل هو ابن أبي أويس. والحديث
قد مضى في: باب مرض النبي عَ لّه ووفاته، بأتم منه بعين هذا الإسناد، ومضى الكلام فيه.
قوله: ((أين أنا غداً؟)) مكرر مرتين وهو استفهام للاستئذان منهن أن يكون عند عائشة،
وقال الكرماني: وقد يحتج بهذا على وجوب القسم عليه عَّلَّه إذا لم يجب لم يحتج إلى
الإذن. قلت: لم يكن الاستئذان إلاّ لتطبيب قلوبهن ومراعاة خواطرهن، وإلاّ فلا وجوب عليه.
قوله: ((في اليوم)) أي: في يوم نوبتي حين كان يدور في ذلك الحساب. قوله: ((فيه)) يتعلق
بقوله: يدور، وقوله: ((في بيتي) يتعلق بقوله: ((فمات وإن رأسه)) الواو فيه للحال. قوله:

٢٨٨
٦٧ - كِتَابُ النِّكاحِ / باب (١٠٦ و١٠٧)
((سحري) بفتح السين وسكون الحاء المهملتين، قال الجوهري: هي الرئة. قوله: ((ونحري))
بفتح النون وسكون الحاء هو موضع القلادة. قوله: ((وخالط ريقه)) بالرفع فاعل خالط. وقوله:
(ريقي)) مفعوله أي: خالط ريق رسول الله عَ ◌ّه ريقي، ذلك أنها أخذت سواكاً وسوته
بأسنانها وأعطته رسول الله عَّ له، فاستاك به عند وفاته عَ ◌ّه.
١٠٦ - بابُ حُبِّ الرَّجلِ بَعْضَ نِسائِهِ أَفْضَلَ منْ بَعْضٍ
أي: هذا باب في ذكر حب الرجل بعض نسائه حباً أفضل أي أزيد حباً من حب
بعض والحب في اللغة خلاف البغض، وفي الاصطلاح: الحب ميل القلب وتوجهه إلى شيء
وذ کره إياه في أكثر أوقاته بلسانه وذكره بقلبه.
١٤٧ / ٥٢١٨ - حدّثنا عبْدُ العَزِيزِ بنُ عبدِ الله حدثنا سُلَيْمانُ عنْ يَحْيَى عنْ عُبَيْدِ بنِ
محُنَيْنِ سمِعَ ابنَ عَبَّاسٍ عنْ عُمَرَ، رضي الله عنهم، دخلَ علَى حَفصَةَ فقال: يا بُنَيَّةُ لا يَغُوَّنَّكِ
هذِهِ الّتي أعْجَبَها حُسْنها محُبُّ رسولِ الله عَّ له، إِيَّاها يُرِيدُ عَائِشَةَ، فَقَصَصْتُ عَلَى رسولِ الله
عَ لَِّ فَتَبَسَّمَ. [انظر الحديث ٨٩ وأطرافه]
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((حب رسول الله عَّه إياها يعني: عائشة)) فإنه عَ ل.
كان يحبها أكثر من سائر نسائه ولا حرج على الرجل إذا آثر بعض نسائه في المحبة إذا سؤَّى
بينهن في القسم والمحبة مما لا تجلب بالاكتساب والقلب لا يملكها ولا يستطاع فيه
العدل، ورفع الله عز وجل فيه عن عباده الحرج، قال الله عز وجل: ﴿لا يكلف الله نفساً إلا
وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦] وعبد العزيز بن عبد الله بن يحيى العامري الأويسي المديني، وهو من
أفراده، وسليمان هو ابن بلال، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وعبيد بن حنين مولى زيد بن
الخطاب، وحنين مصغر حن بالحاء المهملة.
وهذا طرف من حديث ابن عباس عن عمر، رضي الله تعالى عنه، وقد مر في: باب
موعظة الرجل ابنته وقد مر الكلام فيه.
قوله: ((يا بنية)) كذا هو في الأصول، وكذا رواه أبو ذر، وروى: يا بني، مرخماً ويفتح
ياؤه ويضم قوله: ((أعجبها حسنها حب رسول الله عَّه)) ويروى: وحب رسول الله عَ لّه، قال
الكرماني: حب، بدون الواو إما بدل أو عطف بتقدير حرف العطف عند من جوز تقديره.
قلت: هذا بدل الغلط ولا يقع هذا في القرآن ولا في الحديث الصحيح الفصيح، والصواب
أن يقال: إن قوله حب، مرفوع على أنه فاعل: أعجب، وحسنها منصوب على التعليل،
والتقدير: أعجبها حب رسول الله عَّه لأجل حسنها.
١٠٧ - بابُ المُتَشَبِّعِ بِمَا لَمْ يَتَلْ وما يُنْهَى مِنِ إِضْجارِ الضَّرَّةِ
أي: هذا باب في بيان ذم المتشبع بما لم ينل، ولفظ الباب معرب لأنه أضيف إلى
المتشبع وسنذكر تفسيره في الحديث. قوله: ((وما ينهى)) أي: وفي بيان ما ينهى. وكلمة: ما

٢٨٩
٦٧ - كتابُ النِّكاحِ / باب (١٠٧)
:
مصدرية أي: وفي بيان النهي عن إضجار الضرة أي إلحاق الغم والقلق إياها. وفي (المغرب):
الضجر قلق من غم وضيق نفس مع الكلام. قال الجوهري: ضرة المرأة امرأة زوجها. وقال
صاحب (المحكم): الضرتان امرأتا الرجل كل واحدة منهما ضرة لصاحبتها وهن الضرائر.
١٤٨/ ٥٢١٩ _ حدّثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْب حدثنا حَمَّادُ بن زَيْدٍ عن هشامٍ عنْ فاطِمَةَ
عنْ أسْماءَ عنِ النبيِّ عَ له.
وحدثني مُحَمَّد بنُ المُثَنَّى حدثنا يَخْلِى عن هِشامٍ حدَّثَتْنِي فَاطِمَةُ عنْ أسْماءَ أنَّ امْرَأَةً
قالَتْ: يا رسولَ الله! إنَّ لِي ضَرَّةٌ، فَهَلْ عَليَّ جُناٌ إِنْ تَشَبَّعْتُ مِنْ زَوْجِي غَيْرَ الّذِي يُعْطِينِي؟
فقال رسول الله عَّهِ: المُتَشَبِّعُ بما لَمْ يُعْطَ كَلاَبِسٍ ثَوْبِيْ زُورٍ.
مطابقته للترجمة ظاهرة. وقوله: ((المتشبع)) يشمل شطري الترجمة.
وهشام هو ابن عروة بن الزبير، وفاطمة هي بنت المنذر بن الزبير، وأسماء هي بنت
أبي بكر الصديق، رضي الله تعالى عنه.
والحديث أخرجه مسلم: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا وكيع وعبدة عن
هشام عن أبيه عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن امرأة قالت: يا رسول الله! أقول: إن زوجي
أعطاني ما لم يعط. فقال رسول الله عَ ليه: المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور، قال
الدارقطني في (العلل): عن هشام عن أبيه عن عائشة: إنما يرويه هكذا معمر والمبارك بن
فضالة، والصحيح: عن فاطمة عن أسماء. وإخراج مسلم حديث هشام عن أبيه عن عائشة لا
يصح، والصواب حديث عبدة ووكيع وغيرهما عن هشام عن فاطمة عن أسماء. ولما رواه
النسائي في (سننه) من حديث معمر عن هشام عن أبيه عن عائشة، قال: هذا خطأ والصواب
حديث أسماء. قلت: ومسلم أخرجه أيضاً من حديث هشام عن فاطمة عن أسماء، فيحتمل
أن يكون كلاهما صحيحين عنده. ثم إن البخاري أخرج هذا الحديث من طريقين أحدهما:
عن سليمان بن حرب عن هشام عن حماد بن زيد عن فاطمة عن أسماء عن النبي عَ لِّ،
والآخر: عن محمد بن المثنى عن يحيى بن سعيد القطان عن هشام بن عروة إلى آخره.
قوله: ((إن لي ضرة)) وفي رواية الإسماعيلي: إن لي جارة، وهي الضرة أيضاً. قوله:
((جناح)) أي: إثم. قوله: ((إن تشبعت من زوجي)) أي: قالت أسماء الراوية: إن تشبعت من
زوجي الزبير بن العوام؟ كذا سميت المرأة وضرتها وبعضهم قال: لم أقف على تعيين هذه
المرأة وزوجها. قوله: ((المتشبع)) قال أبو عبيدة: المتشبع المتزين بأكثر مما عنده يتكثر
بذلك ويتزين بالباطل، كالمرأة تكون لها ضرة فتشبع عندها بما تدعيه من الحظوة عند زوجها
بأكثر مما عنده لها تريد بذلك غيظ صاحبتها وإدخال الأذى عليها، وكذلك هذا في الرجل،
وقال النووي: المتكثر بما ليس عنده مذموم مثل من لبس ثوبي زور، وقيل: هو من يلبس
قميصاً واحداً ويصل بكميه كمين آخرين فيظهر أن عليه قميصين، وقال الزمخشري في
(الفائق): المتشبع أي المتشبه بالشبعان وليس به، واستعير للتحلي بفضيلة لم يرزقها وشبه
عمدة القاري /ج ٢٠ /م١٩

٢٩٠
٦٧ - كتابُ النِّكاحِ / باب (١٠٨)
بلابس ثوبي زور، أي: ذي زور، وهو الذي يزوِّر على الناس بأن يتزيا بزي أهل الصلاح رياء،
وأضاف الثوبين إليه لأنهما كانا ملبوسين لأجله وهو المسوغ للإضافة، وأراد أن المتجلي
کمن لبس ثوبین من الزور، وقد ارتدى بأحدهما واتزر بالآخر. كقوله:
إذا هو بالمجد ارتدى وتأزّرا
وقال الكرماني: معناه المظهر للشبع وهو جائع كالمزور الكاذب الملتبس بالباطل،
وشبه التشبع بلبس الثوب بجامع أنهما يغشيان الشخص تشبيهاً تحقيقياً أو تخييلياً، كما قرر
السكاكي في قوله تعالى: ﴿فأذاقها الله لباس الجوع والخوف﴾ [النحل: ١١٢] قال: وفائدة
التشبيه المبالغة إشعاراً بأن الإزار والرداء زور من رأسه إلى قدمه أو الإعلام بأن في التشبع
حالتين مكروهتين: فقدان ما تشبع به، وإظهار الباطل. وقال الخطابي: هذا متأول على
وجهين: أحدهما: أن الثوب مثل، ومعناه: المتشبع بما لم يعط صاحب زور وكذب، كما
يقال للرجل إذا وصف بالبراءة من العيوب إنه طاهر الثوب نقي الجيب، ونحوه من الكلام،
فالثوب في ذلك مثل، والمراد به نفسه وطهارتها. والثاني: أن يراد به نفس الثوب، قالوا:
كان في الحي رجل له جبة حسنة، فإذا احتاجوا إلى شهادة الزور فيشهد لهم، فيُقبل لنبله
وحسن ثوبه، وقال ابن التين: معناه أن المرأة تلبس ثوب وديعة أو عارية ليظن الناس أنهما لها،
فلباسها لا يدوم وتفتضح بكذبها. وقال الداودي: إنما كره ذلك لأنها تدخل بين المرأة
الأخرى وزوجها البغضاء فيصير كالسحر الذي يفرق بين المرء وزوجه. قوله: ((بما لم يعط))
على صيغة المجهول، وفي رواية معمر: بما لم يعطه، وفي الترجمة: بما لم ينل، وقال ابن
الأثير: المتشبع بما لا يملك، والكل متقارب في المعنى.
١٠٨ - بابُ الغَيْرَةِ
أي: هذا باب في بيان الغيرة، بفتح الغين المعجمة وسكون الياء آخر الحروف وفتح
الراء. قال صاحب (المحكم): من غار الرجل على امرأته والمرأة على بعلها يغار غيرة وغيراً
وغاراً وغياراً ورجل غيران، والجمع: غيارى وغيارى ورجل غيور والجمع غير بضم الياء، ومن
قرأ رسل قال: غير، ويقال: امرأة غيري وغيور الجمع كالجمع، والمغيار شديد الغيرة، وفلان
لا يتغير على أهله أي لا يغار، وقال الجوهري نحوه إلاّ أنه لم يقل في المصادر غياراً وزاد
بعد قوله: ورجل مغيار وقوم مغايير، وزاد صاحب (المشارق) في اسم الفاعل منه رجل غائر،
وقال: معنى الغيرة تغير القلب وهيجان الغضب بسبب المشاركة في الاختصاص من أحد
الزوجين بالآخر وتحريمه وذبه عنه، وقال صاحب (النهاية) الغيرة هي الحمية والأنفة. وقال
عياض: الغيرة مشتقة من تغير القلب وهيجان الغضب بسبب المشاركة فيما به الاختصاص،
وأشد ما يكون ذلك بين الزوجين، هذا محله في حق الآدمي، وأما في حق الله تعالى فيأتي
عن قريب في حديث الباب.
وقال ورَّادٌ عنِ المُغَيرَةِ: قال سَعْدُ بنُ عُبَادَةَ: لوْ رأيْتُ رجُلاً مَعَ امْرَأْتِي لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ

٢٩١
٦٧ - كِتابُ النكاح / باب (١٠٨)
غَيْرَ مُصْفَحٍ، فقال النبيُّ عَلِ: أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ؟ لأنا أَغْيَرُ مِنْهُ! والله أغْيَرُ مِنِّي !!.
مطابقته للترجمة ظاهرة. ووراد، بفتح الواو والراء المشددة وبالدال المهملة: اسم
المولى المغيرة بن شعبة وكاتبه، وسعد بن عبادة، بضم العين المهملة وتخفيف الباب
الموحدة: ابن دليم الخزرجي الساعدي نقيب بني ساعدة قيل: شهد بدراً ونزل الشام فأقام
بحوران إلى أن مات سنة خمس عشرة، وقيل: قبره بالمنيحة، قرية من قرى غوطة دمشق.
ووصل البخاري هذا المعلق الذي ذكره هنا مختصراً في كتاب الحدود: عن موسى
ابن إسماعيل عن أبي عوانة عن عبد الملك بن عمير عن داود. وأخرجه مسلم من حديث
سليمان بن بلال عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة.
قوله: ((غير مصفح)) بضم الميم وسكون الصاد المهملة وفتح الفاء وكسرها أي: غير
ضارب بعرضه بل بحده، تأكيداً لبيان ضربه به لقتله. قال عياض: فمن فتحه جعله وصفاً
للسيف وحالاً منه، ومن كسره جعله وصفاً للضارب وحالاً منه. يقال: أصفحت بالسيف فأنا
مصفح والسيف مصفح به إذا ضربت بعرضه، وقال ابن قتيبة: أصفحت بالسيف إذا ضربت
بعرضه، وقال ابن التين: مصفح، بتشديد الفاء في سائر الأمهات، وللسيف صفحتان وهما
وجهاه العريضان، وله حدان، فالذي يضرب بالحد يقصد القتل، والذي يضرب بالصفح
يقصد التأديب. ووقع في رواية مسلم: غير مصفح عنه، قال بعضهم: هذه يترجح فيها كسر
الفاء ويجوز الفتح أيضاً على البناء للمجهول. قلت: قوله: على البناء للمجهول غلط فاحش،
والصواب أن يقال: على البناء للمفعول، وقد يفرق بينهما من له أدنى مسكة من علم
التصريف. قوله: ((أتعجبون))؟ الهمزة فيه للاستفهام يجوز أن يكون على سبيل الاستخبار،
ويجوز أن يكون على سبيل الإنكار، يعني: لا تعجبوا من غيرة سعد وأنا أغير منه، أي من
سعد، واللام في قوله: ((الأنا)) للتأكيد، وأكده باللام وبالجملة الإسمية. قوله: ((والله أغير مني))
قد ذكرنا الآن معنى غيرة العبد، وأما معنى غيرة الله تعالى فالزجر عن الفواحش التحريم لها
والمنع منها، لأن الغيور هو الذي يزجر عما يغار عليه، وقد بين ذلك بقوله عَّهِ: ومن غيرته
حرم الفواحش، أي: زجر عنها ومنع منها. وقال عَّ ◌ُله: غيرة الله أن لا يأتي المؤمن ما حرم
الله علیه.
ومعنى حديث سعد: أنا أزجر عن المحارم منه، والله أزجر مني واستدل ابن المواز من
المالكية بحديث سعد هذا أنه إن وقع ذلك ذهب دم المقتول هدراً، وسيأتي الكلام فيه في:
باب الحدود. وقيل: الغيرة محمودة ومذمومة، وقد جاءت التفرقة بينهما في حديث جابر بن
عتيك وعقبة بن عامر، فحديث جابر بن عتيك رواه أحمد في (مسنده)، وأبو داود والنسائي
وابن حبان في (صحيحه) من رواية يحيى بن أبي كثير عن محمد بن إبراهيم عن ابن جابر
ابن عتيك الأنصاري عن جابر بن عتيك: أن رسول الله عَ له قال: ((إن من الغيرة ما يحبه الله،
ومنها ما يبغضه الله، وإن من الخيلاء ما يحبه الله ومنها ما يبغض الله، فأما الغيرة التي يحبها

٢٩٢
٦٧ - كِتابُ النِّكاح / باب (١٠٨)
الله فالغيرة في الريبة، وأما الغيرة التي يبغضها الله فالغيرة في غير الريبة)). وابن جابر بن عتيك
هذا قال المزي في (التهذيب) لعله عبد الرحمن؟ قال شيخنا: ليس هو عبد الرحمن، وإنما هو
أبو سفيان بن جابر بن عتيك لم يسم، وقد بين ذلك ابن حبان في (صحيحه) وذكره في
الثقات، وحديث عقبة بن عامر، رضي الله تعالى عنه، رواه أحمد في (مسنده) قال: حدثنا
عبد الرزاق حدثنا معمر عن يحيى بن أبي كثير عن زيد بن سلام عن عبد الله بن زيد الأزرق
عن عقبة بن عامر الجهني، قال: قال رسول الله عَ ليه: ((غيرتان إحداهما يحبها الله عز وجل
والأخرى يبغضها الله عز وجل: الغيرة في الريبة يحبها، والغيرة في غيرها يبغضها الله .... ))
الحديث. وقال شيخنا: لكن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص، فرب رجل شديد التخيل
فيظن ما ليس بريبة ريبة، ورب رجل متساهل في ذلك فيحمل الريبة على محمل يحسن به
ظنه.
٥٢٢٠/١٤٩ _ حدّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ حدثنا أبي حدثنا الأعْمَشُ عنْ شقِيقٍ عنْ عِبْدِ
الله بن مَسْعُودٍ عنِ النبيِّ عَّلِّ قال: ما مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرَ مِنَ الله مِنْ أجْلٍ ذَلِكَ حَرَّمَ الفَوَاحِشَ،
وما أحَدٌ أَحَبَّ إلَيْهِ المَدْخُ مِنَ الله. [انظر الحديث ٢٦٣٤ وطرفيه]
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ورجاله قد ذكروا غير مرة، وحفص هو ابن غياث والأعمش هو سليمان، وشقيق هو
ابن سلمة، وعبد الله هو ابن مسعود.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في التوحيد بهذا السند. وأخرجه مسلم في التوبة عن
عثمان بن أبي شيبة وغيره وأخرجه النسائي في التفسير عن أبي كريب وغيره.
قوله: ((ما من أحد)) كلمة: من زائدة وزيادتها في النفي لا خلاف فيه، والخلاف في
زيادتها في الإثبات. قوله: ((أغير)) أفعل التفضيل، وقد مر معنى الغيرة في حق الله عز وجل
ويجوز في أغير الرفع والنصب بناء على اللغتين الحجازية والتميمية في كلمة ما. قوله: ((من
أجل ذلك)) أي: من أجل أن الله أغير من كل أحد ((حرم الفواحش)) وهو جمع فاحشة وهي
كل خصلة قبيحة من الأقوال والأفعال، وقال ابن الأثير: الفحش والفاحشة وهي كل خصلة
قبيحة من الأقوال والأفعال، وقال ابن الأثير: الفحش والفاحشة والفواحش في الحديث كل
ما يشتد قبحه من الذنوب والمعاصي، وكثيراً ما ترد الفاحشة بمعنى الزنا. قوله: ((ما أحد))
بالرفع لأنه اسم: ما وقوله: ((أحب)) بالنصب خبرها إن جعلتها حجازية، وترفعه على أنه خبر
لأحد إن كانت تميمية. وقوله: ((المدح)) مرفوع لأنه فاعل أحب. وقال الكرماني: وهو مثل
مسألة الكحل، ويروى بالرفع على إلغاء عمل: ما قيل: ولا يجوز أن يرفع أحب على أنه خبر
للمدح أو مبتدأ أو المدح خبره، لأنك تكون حيثنذ تفرق بين الصلة والموصول بالخبر لأن
من الله، صلة أحب، وتمامه: فلا تفرق بين تمام المبتدأ وصلته بالخبر الذي هو المدح وحقيقة
قول رسول الله عَّ ◌ُله: وما أحد أحب إليه المدح من الله، إنه مصلحة للعباد لأنهم يثنون عليه

٢٩٣
٦٧ - كِتَابُ النِّكاحِ / باب (١٠٨)
سبحانه وتعالى فيثيبهم فينتفعون، والله سبحانه غني عن العالمين لا ينفعه مدحهم ولا يضره
تر کهم ذلك.
وفيه: تنبيه على فضل الثناء عليه وتسبيحه وتهليله وتحميده وتكبيره وسائر الأذكار.
٥٢٢١/١٥٠ _ حدّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَة عنْ مالِكِ عنْ هِشامِ عنْ أَبِيهِ عنْ عَائِشَةَ،
رضي الله عنها، أنَّ رسول الله عَ لَّه قال: يا أُمَّةَ مُحَمَّد! ما أحَدٌ أغْيَرَ مِنَ الله أنْ يَرَى عَبْدَهُ
أَوْ أُمَّتَهُ تَزْنِي، يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ! لوْ تَعْلَمونَ ما أَعْلَمْ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً وَبَكَيْتُمْ كَثِيراً. [انظر
الحديث ١٠٤٤ وأطرافه]
مطابقته للترجمة ظاهرة. وهذا حديث مختصر من حديث الكسوف.
وأخرجه النسائي أيضاً في النعوت عن قتيبة وعن محمد بن سلمة.
قوله: ((أو أمته تزني))، هكذا وقع في صلاة الكسوف في: باب الصدقة في الكسوف:
(يا أمة محمد! والله ما من أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته)) قال بعضهم: الذي
يظهر أنه من سبق القلم هنا، أو لعل لفظه تزني سقطت هنا غلطاً من الأصل فأخرها الناسخ
عن محلها. قلت: لا يحتاج هنا إلى نسبة هذا إلى الغلط وتصرف الناسح بغير وجه فإن قوله:
((تزني)) يجوز فيه التذكير والتأنيث، فالتذكير بالنظر إلى أنه خبر عن العبد في الأصل،
والتأنيث بالنظر إلى أنه خبر عن الأمة. قوله: ((ما أعلم)) أي: من شؤم الزنا ووخامة عاقبته، أو
ما أعلم من أحوال الآخرة وأهوالها.
٥٢٢٢/١٥١ - حدّثنا مُوسى بنُ إسْماعِيلَ حدثنا هَمَّامٌ عنْ يَحْيَى عنْ أبي سَلَمَةَ أنَّ
عُرْوَةَ بنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ عنْ أُمَّهِ أسْماءَ أنَّها سَمِعَتْ رسولَ اللهِ عَ لَّه يَقُولُ: لاَ شَيْءَ أَغْيَرُ مِنَ
الله؛ وعنْ يَحْبَى أنَّ أبا سلَمَةَ حدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيِّ عَ لّهِ.
مطابقته للترجمة ظاهرة. وهمام هو ابن يحيى بن دينار البصري، ويحيى هو ابن أبي
كثير، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وأسماء هي بنت أبي بكر الصديق، رضي الله
تعالى عنها.
وأخرجه مسلم في التوبة حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي قال: حدثنا بشر بن
المفضل عن همام عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن النبي عَّ أنه قال: ((لا شيء
أغير من الله)). قوله: ((وعن يحيى)) هو معطوف على السند الذي قبله تقديره: حدثنا موسى
عن همام عن يحيى أن أبا سلمة حدثه، وأن أبا هريرة حدثه أنه سمع النبي عَ ظّم ولم يسبق
هنا المتن. وأخرجه مسلم: حدثنا عمرو الناقد عن إسماعيل بن إبراهيم بن عليه عن حجاج بن
أبي عثمان، قال: قال يحيى: وحدثني أبو سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عَ له: إن
الله يغار وإن المؤمن يغار، وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم الله عليه. قوله: ((لا شيء
أغير من الله)) يقرأ برفع الراء ونصبها، فمن نصب جعله نعتاً لشيء على إعرابه لأن شيئاً

٢٩٤
٦٧ - كِتَابُ النِّكاحِ / باب (١٠٨)
منصوب، ومن رفع جعله نعتاً لشيء قبل دخوله لا عليه كقوله تعالى: ﴿مالكم من إله غيره﴾
[الأعراف: ٥٩ - ٦٥] ويجوز رفع شيء مثل: ﴿لا لغو فيه﴾ [الطور: ٢٣].
٥٢٢٣/١٥٢ _ حدّثنا أبُو نُعَيْم حدثنا شَيْبَانُ عنْ يَحْيَى عن أبي سلَمَةَ أنَّهُ سَمعَ أبا
هُرَيْرَةَ رضي الله عنهُ عنِ النبيِّ عَِّ أَنّهُ قال: إنَّ اللهَ يَغارُ وغَيْرةُ الله أنْ يَأْتِيَ المُؤْمِنَ ما حَرَّمَ
الله.
مطابقته للترجمة ظاهرة وأبو نعيم، بضم النون: الفضل بن دكين، وشيبان هو النحوي.
قوله: ((أن يأتي)) قال الغساني: في جميع النسخ: أن لا يأتي، والصواب أن يأتي. قال
الكرماني: لا شك أنه ليس معناه أن غيرة الله هو نفس الإتيان أو عدمه، فلا بد من تقدير نحو
أن لا يأتي أي: غيرة الله على النهي عن الإتيان، أو على عدم إتيان المؤمن به، وهو الموافق
لما تقدم حيث قال: ومن ذلك حرم الفواحش، فيكون ما في النسخ صواباً، ثم نقول: إن
كان المعنى لا يصح مع لا فذلك قرينة لكونها زائدة نحو: ﴿ما منعك أن لا تسجد﴾
[الأعراف: ١٢] قال الطيبي: هو مبتدأ وخبر بتقدير اللام أي: غيرة الله ثابتة لأجل أن لا يأتي.
٥٢٢٤/١٥٣ - حدّثنا مَحمُودٌ حدثنا أَبُو أسامَةَ حدثنا هشامٌ قال: أخْبَرَني أبي عنْ
أسْماءَ بِئْتِ أبِي بَكْرٍ، رضي الله عنهما، قالَتْ: تَزَوَّجَنِي الزُّبَيْرُ وما لُه في الأرْضِ مِنْ مالٍ ولاَ
مَعْلُوكٍ ولا شيْءٍ غَيْرَ ناضِيجٍ وغيْرَ فَرَسِهِ، فَكَنْت أعْلِفُ فَرَسَهُ وأَسْتَقِي المَاءَ وأَخْرِزُ غَرْبَهُ
وأعْجِنُ ولَمْ أكُنْ أَحْسِنُ أَخْبِزُ، وكانَ يْبِزُ جَارَاتٌ لِي مِنَ الأنْصَارِ، وكُنَّ نِسْوَةَ صِدْقٍ،
وكُنْتُ أَنْقُلُ النَّوى مِنْ أَرْضِ الزُّبَيْرِ الّتي أَقْطَعَهُ رسولُ اللهِ عَّهِ، على رأسِي، وَهْيَ مِنِّي عَلَى
ثُلُثَّيْ فَرْسَخِ فَجِئْتُ يَوْماً والنَّوَى عَلَى رَأْسِي فَلَقِيتُ رسولَ اللهِ عَُّلِ ومَعَهُ نَفَرٌ مِنَ الأنْصَارِ
فَدَعانِي ثُمَّ قال: إِخْ إِخْ لِيَحْمِلَنِي خَلْفَهُ، فاسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسِيرَ مَعَ الرِّجالِ، وذَكَرْتُ الزُّبَيْر
وغَيْرَتَهُ وكَانَ أَغْيَرَ النَّاسِ، فَعَرَفَ رسولُ الله عَ لّهِ أَنِّي قَدِ اسْتَحْيَيْتُ فَمَضَى، فَجِئْتُ الزّبَيْرَ
فَقْلُتُ: لَقِيَّنِي رسول الله عَّه، وعلى رأسِي النَّوَى ومَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أصْحابِهِ فأناحَ لأَرْكَبَ
فاسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ وعَرَفْتُ غَيْرَتَكَ. فقال: والله لَحَمْلُكِ النَّوَى كانَ أَشَدَّ عَليَّ مِنْ ركُوبِكِ مَعَهُ.
قالَتْ: حتَّى أرسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَ ذُلِكَ بِخادِمٍ يَكْفِيني سِياسَةَ الفَرَسِ فَكأنما أَعْتَقَنِي. [انظر
الحديث ٣١٥١].
مطابقته للترجمة ففي قوله: ((وذكرت الزبير وغيرته)) وفي قوله: ((وعرفت غيرتك)).
ومحمود هو ابن غيلان بالغين المعجمة المروزي وأبو أسامة هو حماد بن أسامة،
وهشام هو ابن عروة بن الزبير بن العوام.
والحديث أخرجه البخاري في الخمس مقتصراً على قصة النوى. وأخرجه مسلم في
النكاح عن إسحاق بن إبراهيم وفي الاستئذان عن أبي كريب. وأخرجه النسائي في عشرة
النساء عن محمد بن عبد الله بن المبارك المخزومي.

٢٩٥
٦٧ - كِتَابُ النِّكاحِ / باب (١٠٨)
قوله: ((الزبير)) هو ابن العوام. قوله: ((من مال)) والمال في الأصل ما يملك من الذهب
والفضة. ثم أطلق على كل ما يقتني ويملك من الأعيان، وأكثر ما يطلق المال عند العرب
على الإبل لأنها كانت أكثر أموالهم، والظاهر أن المراد بالمال هنا الإبل لأنها أعز أموال
العرب. قوله: ((ولا مملوك)) عطف خاص على عام، والمراد به العبيد والإماء. قوله: ((ولا
شيء)) عطف عام على خاص وهو يشمل كل ما يتملك ويتمول، لكن أرادت إخراج ما لا بد
منه من مسكن وملبس ومطعم ونحوها من الضروريات، ولهذا استثنت منه الناضح وهو
الجمل الذي يستقى عليه. فإن قلت: الأرض التي أقطع رسول الله عَّله، للزبير رضي الله
تعالى عنه من أعز الأموال وأفخرها. قلت: لم تكن مملوكة له ولا يملك رقبتها، وإنما ملك
منفعتها فلذلك لم تستثنها أسماء، رضي الله تعالى عنها. قوله: ((فكنت أعلف فرسه)» وزاد
مسلم في رواية أبي كريب عن أبي أسامة: وأكفيه مؤونته وأسوسه وأدق النوى وأرضخه
وأعلفه، ولمسلم أيضاً من طريق ابن أبي مليكة عن أسماء: كنت أخدم الزبير خدمة البيت،
وكان له فرس وكنت أسوسه فلم يكن في خدمته شيء أشد علي من سياسة الفرس، كنت
أحتش له فأقوم عليه. قوله: ((وأستقي الماء)) وفي رواية السرخسي: وأسقي، بغير التاء المثناة
من فوق وهو على حذف المفعول أي: وأسقي الفرس أو الناضح الماء وأستقي الذي هو من
باب الافتعال أشمل وأكثر فائدة. قوله: ((وأخرز)) بخاء معجمة وراء ثم زاي من الخرز وهو
الخياطة في الجلود ونحوها. قوله: ((غربه) بفتح الغين المعجمة وسكون الراء وبالباء الموحدة
وهو الولد الكبير. قوله: ((ولم أكن أحسن)) بضم الهمزة و ((أخبز)) بفتح الهمزة والمعنى: ولم
أحسن أن أخبز الخبز. قوله: ((وكان تخبز جارات لي)) وهو جمع جارة، وفي رواية مسلم:
وكان يخبز لي. قوله: (وكن)) أي: الجارات ((نسوة صدق)) بالإضافة والصفة، والصدق بمعنى
الصلاح والجودة أرادت كن نساء صالحات في حسن العشرة والوفاء بالعهد ورعاية لحق
الجوار. قوله: ((وكنت أنقل النوى من أرض الزبير)) وكانت هذه الأرض مما أفاء الله تعالى
على رسوله من أموال بني النضير وكان النبي عَّه، أقطعه إياها وكان ذلك في أوائل قدوم
النبي ◌َّلِ المدينة. قوله: ((وهي مني)) أي: الأرض المذكورة من مكان سكناي ((على ثلثي
فرسخ)) والفرسخ ثلاثة أميال كل ميل أربعة آلاف خطوة. قوله: ((والنوى))، الواو فيه للحال.
قوله: ((أخ أخ)) بكسر الهمزة وسكون الخاء المعجمة وهي كلمة تقال عند إناخة البعير، وقال
الزمخشري: نخ، مشددة ومخففة صوت إناخته، وهخ واخ مثله. قوله: ((ليحملني خلفه))
أرادت به الارتداف، وإنما عرض عليها الركوب لأنها ذات محرم منه، لأن عائشة عنده، صلى
الله تعالى عليه وسلم، وهي أختها أو كان ذلك قبل الحجاب كما فعل بأم صبية الجهنية.
قوله: ((فاستحييت))، بياءين على الأصل، لأن الأصل حي وفي لغة: استحيت، بياء واحدة،
يقال: استحى واستحيى. قوله: ((قال: والله لحملك النوى)) أي: قال الزبير لأسماء: والله
لحملك النوى، اللام فيه للتأكيد، وحملك مصدر مضاف إلى فاعله، والنوى مفعوله ((كان
أشد علي)) خبر المبتدأ أعني: قوله: ((لحملك)) فإنه مبتدأ. قوله: ((كان أشد عليَّ من

٢٩٦
٦٧ - كِتابُ النِّكاح / باب (١٠٨)
ركوبك معه)) كذا في رواية الأكثرين، وفي رواية السرخسي: كان أشد عليك وليس هذه
اللفظة. وفي رواية مسلم، ووجه قول الزبير هذا أنه لا عار في الركوب مع النبي عَ لّه.
بخلاف حمل النوى فإنه يتوهم منه الناس خسة النفس ودناءة الهمة، وقلة التمييز، وأما عدم
العار في الركوب مع النبي عَِّ فلما ذكرنا عن قريب، وأما وجه صبره على ذلك وسكوت
زوجها وأبيها على ذلك فلكونهما مشغولين بالجهاد وغيره، وكانا لا يتفرغان للقيام بأمور
البيت ولضيق ما بأيديهما عن استخدام من يقوم بذلك. قوله: ((حتى أرسل إلي)) بتشديد
الياء، ((وأبو بكر)) فاعل أرسل. قوله: ((بخادم يكفيني)) إلى آخره، وفي رواية لابن أبي مليكة
عند مسلم: جاء النبي عَِّ سبي فأعطاه خادماً، والتوفيق بينهما بأن السبي لما جاء إلى النبي
عَ لَّه أعطى أبا بكر منه خادماً ليرسله إلى بنته أسماء، فصدق أن النبي عَّه هو المعطي ولكن
وصل إليها بواسطة. فافهم. واستدل قوم بهذه القصة، منهم أبو ثور، على أن على المرأة القيام
بجميع ما يحتاج إليه زوجها من الخدمة والجمهور أجابوا عن هذا بأنها كانت متطوعة بذلك
ولم يكن لازماً.
١٥٤/ ٥٢٢٥ - حدّثنا عَلِيٌّ حدثنا ابنُ عُلَيَّةَ عنْ محُمِيْدٍ عنْ أَنَسٍ قال: كان النبيُّ
عَ لَّهِ، عِنْدَ بَعْضِ نِسائِهِ، فأرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ بصَحْفَةٍ فِيها طَعامٌ، فَضَرَبتِ الّتي
النبيُّ عَّهِ، فِي بَيْتِها يَدَ الخادِمِ فَسَقَطَتِ الصَّحْفَةُ فانْفَلَقَتْ فَجَمَعَ النِبِيُّ عَ لَّهِ، فِلَقَ الصَّحْفَة
ثُمَّ جَعَلَ يَجْمَعُ فِيها الطَّعَامَ الَّذِيَ كانَ في الصَّخْفَةِ، ويَقُولُ: غارَتْ أُمُّكُمْ، ثُمَّ حَبَسَ الخادِمَ
حتَّى أَتَيَ بصَخْفَةٍ مِنْ عِنْدِ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها، فَدَفَعَ الصَّحْفَةَ الصَّحِيحَةَ إلى الّتِي كُسِرَتْ
صَحْفَتُها وأَمْسَكَ المَكْسُورَةِ فِي بَيْتِ الّتِي كُسِرَتْ فِيهِ. [انظر الحديث ٢٤٨١]
مطابقته للترجمة في قوله: ((غارت أمكم)) وعلي هو ابن المديني، وابن علية، بضم
العين المهملة وفتح اللام وتشديد الياء آخر الحروف: هو إسماعيل بن إبراهيم الأسدي
البصري، وعلية اسم أمه كانت مولاة لبني أسد، وحميد هو ابن أبي حميد الطويل أبو عبيدة
البصري.
والحديث من أفراده . .
قوله: ((عند بعض نسائه)) هي عائشة رضي الله تعالى عنها. قوله: ((إحدى أمهات
المؤمنين)) هي زينب بنت جحش، وقال الكرماني: هي صفية، وقيل؛ زينب، وقيل: أم
سلمة. قوله: ((بصحفة)) هي إناء كالقصعة المبسوطة ونحوها ويجمع على صحاف. قوله:
((فلق الصحفة)) بكسر الفاء وفتح اللام جمع فلقة وهي القطعة. قوله: ((غارت أمكم)) الخطاب
للحاضرين والمراد بالأم هي الضاربة. وقال صاحب (التلويح): غارت أمكم يريد سارة لما
غارت على هاجر حتى أخرج إبراهيم إسماعيل، عليهما الصلاة والسلام، طفلاً مع أمه إلى واد
غير ذي زرع. ثم قال: أو يريد كاسرة الصحفة وهو الأظهر. قوله: ((فدفع الصحفة الصحيحة))
إلى آخره. وقال الكرماني: القصعة ليس من المثليات بل هي من المتقومات. ثم أجاب

٢٩٧
٦٧ - كِتَابُ النّكاحِ / باب (١٠٨)
بقوله: كانت القصعتان لرسول الله عَ لٍ فله التصرف بما شاء فيهما.
قالوا: وفي الحديث: إشارة إلى عدم مؤاخذة الغيرة بما يصدر منها لأنها في تلك
الحالة يكون عقلها محجوباً بشدة الغضب الذي أثارته الغيرة، وقد أخرج أبو يعلى بسند لا
بأس به عن عائشة، رضي الله تعالى عنها مرفوعاً إن الغيرة لا تبصر أسفل الوادي من أعلاه.
وعن ابن مسعود رفعه: إن الله كتب الغيرة على النساء، فمن صبر منهن كان له أجر شهيد،
رواه البزار برجال ثقات.
٥٢٢٦/١٥٥ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ أبي بَكْرِ المُقَدَّميُّ حدثنا معْتَمِرٌ عنْ عُبَيْدِ الله عنْ
مُحَمَّدٍ بنِ المُنكَدِرِ عنْ جابِرِ بنِ عبد الله عنهما، عن النبيِّ عَ لِّ، قال: دَخَلْتُ الجَنَّة أو:
أَتَيْتُ الجَنةَ فأبْصَزْتُ قَصْرَاً. فَقُلْتُ: لِمَنْ هُذَا؟ قالُوا: لِعُمَرَ بنِ الخَطَّاب، فأرَدْتُ أن
أَدْخُلَهُ فَلَمْ يَمْتَعَنِي إِلاّ عِلْمِي بِغَيْرَتِكَ قال عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ: يا رسولَ الله! بأبي أنْتَ وَأُمِّي
يا نَبِيَّ الله أوَ عَلَيْكَ أَغَارُ. [انظر الحديث ٣٦٧٩]
مطابقته للترجمة ظاهرة ومحمد بن أبي بكر المقدمي، بفتح الدال المشددة على
صيغة اسم المفعول من التقديم، ومعتمر هو ابن سليمان، وعبيد الله هو ابن عمر العمري.
والحديث مضى مطولاً في مناقب عمر، رضي الله تعالى عنه. ومضى شرحه هناك.
قوله: ((بأبي))، الباء متعلق بمحذوف تقديره أنت مفدى بأبي وأمي.
وفيه: منقبة عمر رضي الله تعالى عنه. وفيه: أن الجنة مخلوقة.
١٥٦/ ٥٢٢٧ _ حدّثنا عبْدَانُ أخبرنا عبْدُ الله عنْ يُونُسَ عنِ الزُّهْرِيِّ قال: أخبرني ابنُ
المُسَيَّبِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ، قال: بَيْنما نَحْنُ عِنْدَ رسولِ الله عَ لَّهِ، لجلُوسٌ فقال رسول الله
عَّهِ، بَيْنَمَا أَنا نَائِمٌ وَأَنْثُي في الجَنَّة فإِذَا امْرَأٌ تَتَوَضَّأُ إلى جانِبٍ قِصْرٍ، فَقُلْتُ: لِمَنْ
هَذَا؟ قالُوا: هَذَا لِعُمَرَ فَذَكَرْتُ غَيْرَتَهُ، فَوَلَّيْتُ مُدبِراً فَبَكَى عُمَر وهْوَ في المَجْلِسِ. ثُمَّ قال:
أَوَ عَلَيْك يا رسولَ الله أغارُ؟ [انظر الحديث ٣٢٤٢ وأطرافه]
مطابقته للترجمة ظاهرة وعبدان لقب عبد الله بن عثمان بن جبلة المروزي، وعبد الله
هو ابن المبارك المروزي، ويونس هو ابن يزيد الأيلي.
والحديث مضى في باب ما جاء في صفة الجنة، فإنه أخرجه هناك عن سعيد بن أبي
مريم عن الليث عن عقيل عن ابن شهاب إلى آخره. وأخرجه مسلم في فضائل عمر بن
الخطاب رضي الله تعالى عنه، عن حرملة بن يحيى عن ابن وهب عن يونس إلى آخره نحوه.
قوله: ((جلوس)) جمع جالس. قوله: ((رأيتني)) أي: رأيت نفسي قوله: ((فإذا)) كلمة
مفاجأة. قوله: ((تتوضأ)) قال الكرماني: إما من الوضوء وإما من الوضاءة. قلت: الأوجه أن
يكون من الوضاءة على ما لا يخفى، وذكر ابن قتيبة في قوله: ((فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب
قصر)) فإذا امرأة شوهاء إلى جانب قصر من حديث ابن شهاب عن سعيد بن المسيب،

٢٩٨
٦٧ - كِتَابُ النِّكاحِ / باب (١٠٩)
وفسره، وقال: الشوهاء الحسنة الرائعة، حدثني بذلك أبو حاتم عن أبي عبيدة، قال: ويقال:
فرس شوهاء، ولا يقال: فرس أشوه، وقال في (المطالع): رجل أشوه وامرأة شوهاء، يعني
قبيحة قال: ويقال أيضاً: الحسنة، وهو من الأضداد. والشوهاء أيضاً الواسعة الفم، وأيضاً
الصغيرة الفم. وقال ابن بطال: يشبه أن تكون هذه الرواية هي الصواب، وتتوضأ تصحيف لأن
الحور طاهرات فلا وضوء عليهن، فلذلك كل من دخل الجنة لا يلزمه طهارة ولا عبادة،
وحروف شوهاء يمكن تصحيفها بحروف تتوضأ، لقرب صور بعضها من بعض. وقال ابن
التين: تتوضأ، قيل: إنها تصحيف لأن الجنة لا تكليف فيه، وفيما قاله ابن بطال نظر لأن
أحداً ما ادعى أن عليهن الوضوء، ومن ادعى أن كل من دخل الجنة يلزمه طهارة أو عبادة فلم
لا يجوز أن يصدر عن أحد من أهل الجنة عبادة باختيار ما شاء من أنواع العبادة. قال عز
وجل: ﴿ولكن فيها ما تشتهي أنفسكم﴾ [فصلت: ٣١] ويرد كلام ابن التين أيضاً بما ذكرناه.
١٠٩ - بابُ غَيْرَةِ النِّساءِ ووَجْدِهِنَّ
أي: هذا باب في بيان غيرة النساء، وقد مر تفسيرها. قوله: ((ووجدهن)) بفتح الواو
وسكون الجيم قال الكرماني: أي غضبهن وحزنهن، وقال الجوهري: وجد عليه في الغصب
موجدة، ووجد في الحزن وجداً بالفتح، وقال ابن الأثير: يقال: وجدت بفلانة إذا أحببتها حباً
شديداً، ولم يبين حكم الباب لاختلاف ذلك باختلاف الأحوال والأشخاص.
١٥٧/ ٥٢٢٨ _ حدّثنا عُبَيْدُ بنُ إسْماعِيلَ حدثَنا أَبُو أسِامَةَ عنْ هِشَامٍ عنْ أَبِيهِ عنْ
عائِشَةَ، رضي الله عنها، قالَتْ: قال لي رسولُ اللهِ عَِّ: إِنِّي لأَعلَمُ إذَا كُنْتِ عَنِّيٍ رَاضِيةً،
وإِذَا كُنْتِ عَليَّ غَضْبَي، قالتْ: فَقُلْتُ: مِنْ أيْنَ تَعْرِفُ ذَلِكَ؟ فقال: أما إذَا كُنْتِ عَنِّي
راضِيةً فإنَّكِ تَقُولِينَ لا وَرَبِّ مُحَمَّد، وإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى قُلْتِ: لا وَربِّ إبْرَاهِيمَ.
قَالَتْ: قُلْتُ أَجَلْ والله يا رسولُ الله، ما أهْجُرُ إلا اسْمكَ. [الحديث ٥٢٢٨ طرفه في:
٦٠٧٨]
مطابقته للشطر الثاني من الترجمة. وعبيد بن إسماعيل الهباري القرشي الكوفي، واسمه
في الأصل عبد الله، وأبو أسامة حماد بن أسامة، يروي عن هشام عن أبيه عروة بن الزبير عن
عائشة رضي الله تعالى عنها.
والحديث أخرجه مسلم في فضل عائشة عن أبي كريب عن أسامة.
قوله: ((حدثنا عبيد)) وفي رواية أبي ذر: حدثني، بالإفراد. قوله: ((إني أعلم)) إلى
آخره، فيه أنه يعلم أن المرأة هل هي راضية على زوجها أو غضبى عليه بحالها من فعلها
وقولها. قوله: ((ورب إبراهيم)) إنما ذكرت إبراهيم دون غيره من الأنبياء عليهم الصلاة
والسلام، لأنه أولى الناس به كما نص عليه القرآن. وفيه: دلالة على فطنة عائشة وقوة ذكائها.
قوله: ((أجل)) أي: نعم. قوله: ((ما أهجر إلا إسمك)) قال الطيبي، رحمه الله: هذا الحصر في
غاية من اللطف، لأنها أخبرت إذا كانت في غاية الغضب الذي يسلب العاقل اختياره لا

٢٩٩
٦٧ - كِتَابُ النِّكاحِ / باب (١٠٩)
يغيرها عن كمال المحبة المستغرقة ظاهرها وباطنها الممتزجة بروحها، وإنما عبرت عن الترك
بالهجران لتدل به على أنها لم تتألم من هذا الترك الذي لا اختيار لها فيه، قال الشاعر:
إني لأمنحك الصدود وإنني
قَسَماً إليك مع الصدود لأَميَلُ
وقال المهلب. قولها: ((ما أهجر إلا اسمك)) يدل على أن الاسم من المخلوقين غير
المسمى، ولو كان عين المسمى وهجرت اسمه لهجرته بعينه، ويدل على ذلك أن من قال:
أكلت اسم العسل لا يفهم منه أنه أكل العسل، وإذا قلت: لقيت إسم زيد لا يدل على أنه
لقي زيداً، وإنما الاسم هو المسمى في الله عز وجل وحده لا فيما سواه من المخلوقين
لمباينته عز وجل، وأسمائه وصفاته حكم أسماء المخلوقين وصفاتهم. انتهى.
التحقيق في هذه المسألة أن قولهم: الاسم هو المسمى على معان ثلاثة: الأول: ما
يجري مجرى المجاز. والثاني: ما يجري مجرى الحقيقة. والثالث: ما يجري مجرى
المعنى.
فالأول: نحو قولك: رأيت جملاً يتصور من هذا الاسم في نفس السامع ما يتصور من
المسمى الواقع تحته لو شاهده، فلما ناب الاسم من هذا الوجه مناب المسمى في التصور
وكان التصور في كل واحد منهما شيئاً واحداً صح أن يقال: إن الاسم هو المسمى على
ضرب من التأويل، وإن كنا لا نشك في أن العبارة غير المعبر عنه.
والثاني: أكثر ما يتبين في الأسماء التي تشق للمسمى من معان موجودة فيه قائمة به.
كقولنا لمن وجدت منه الحياة: حي، ولمن وجدت منه الحركة: متحرك، فالاسم في هذا
النوع لازم للمسمی يرتفع بارتفاعه ويوجد بوجوده.
الثالث: العرب تذهب بالاسم إلى المعنى الواقع تحت التسمية، فيقولون: هذا مسمى
زيد، أي: اسم هذا المسمى بهذه اللفظة التي هي الزاي والياء والدال. ويقولون في المعنى:
هذا إسم زيد، فيجعلون الاسم والمسمى في هذا الباب مترادفين على المعنى الواقع تحت
التسمية، كما جعلوا الاسم والتسمية مترادفين على العبارة.
٥٢٢٩/١٥٨ _ حدّثني أحمَدُ بنُ أبي رجاء حدثنا النَّصْرُ عنْ هِشامِ، قال: أخبرني
أبي عنْ عَائِشَةَ أنها قالَتْ: ما غرْتُ علَى امْرَأَةٍ لِرَسُولِ اللهِ عَلَّهِ كَمَا غِرْثٌ عَلَى خدِيجَة
لِكَثْرَةِ ذِكْرِ رسولِ الله عَ لَّهِ إِيَّاها وثَنائِهِ عَلَيْها، وقَدْ أَوحِيَ إلى رسولِ اللهِ عَّهِ أَنْ يُبَشِّرَها
بِبَيْتٍ لَها في الجنّةِ مِنْ قَصَبٍ. [انظر الحديث ٣٨١٦ وأطرافه]
مطابقته للترجمة ظاهرة. وأحمد بن أبي رجاء ضد الخوف واسم أبي رجاء عبد الله
بن أيوب الحنفي الهروي، والنضر، بفتح النون وسكون الضاد المعجمة: هو ابن شميل،
وهشام هو ابن عروة يروي عن أبيه عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين.
والحديث قد مر بطرق كثيرة في: باب تزويج النبي عَ ل خديجة، ومر الكلام فيه هناك.

٣٠٠
٦٧ - كِتابُ النّكاحِ / باب (١١٠)
قوله: ((من قصب)) وهو أنابيب من جوهر.
١١٠ - بابُ ذَبِّ الرَّجُلِ عنِ ابْنَتِهِ في الغَيْرَةِ والإِنْصاف
أي: هذا باب في بيان ذب الرجل بالذال المعجمة، أي: دفعه على ابنته الغيرة، وفي
بيان الإنصاف لها، والإنصاف من أنصف إذا عدل، يقال: أنصفه من نفسه وأنتصفت أنا منه
وتناصفوا أي: أنصف بعضهم بعضاً من نفسه.
٥٢٣٠/١٥٩ - حدّثنا قُتَيْبَةُ حدَّثنا الليْثُ عنِ ابنِ أبي مُلَيْكَةَ عنِ المِسْوَرِ بنِ مَجْرَمَةَ،
قال: سَمِعْتُ رسولَ الله عَّهِ يَقُولُ، وهوَ عَلى المِنْبَر: إنَّ بَنِي هِشَامٍ بِنِ المُغَيْرَةِ اسْتَأْذَنُوا
في أنْ يُنْكِحُوا ابْنَتَهُمْ عِلِيَّ بِنَ أبي طالِبٍ، فلا آذَنُ، ثُمَّ لا آذَنُ، ثُمَّ لا آذَنُ إلاّ أنْ يُرِيدَ
ابنْ أبِي طالِبٍ أنْ يُطَلْقَ ابْنَتِي وَيَنْكِحَ ابْنَتَهُمْ، فإنما هيَ بَضْعَةٌ مِنِّي يُرِيبِي ما أرَابها
ويؤذِيني ما آذَاها. [انظر الحديث ٩٢٦ وأطرافه]
مطابقته للترجمة من حيث إن فيه الإخبار عن ذب النبي عَ له، عن ابنته فاطمة، رضي
الله تعالى عنها، في الغيرة والإنصاف لها.
وابن أبي مليكة وهو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي مليكة اسم أبي مليكة زهير بن
عبد الله التيمي الأحول المكي القاضي على عهد ابن الزبير، والمسور بكسر الميم وسكون
السين المهملة: ابن مخرمة، بفتح الميمين وسكون الخاء المعجمة ابن نوفل الزهري.
والحديث مضى في مناقب فاطمة، رضي الله عنها، وسيجيء في الطلاق أيضاً.
وأخرجه بقية الجماعة أيضاً وهنا كذا رواه الليث وتابعه عمرو بن دينار وغير واحد وخالفهم
أيوب فقال: عن ابن أبي مليكة عن عبد الله بن الزبير أخرجه الترمذي، وقال: حسن، وذكر
الاختلاف فيه، ثم قال: يحتمل أن يكون ابن أبي مليكة حمله عنهما.
قوله: ((وهو على المنبر))، الواو فيه للحال قوله: ((إن بني هشام))، وقع في رواية
مسلم: هاشم بن المغيرة، والصواب: هشام. لأنه جد المخطوبة. وبنو هشام هم أعمام بنت
أبي جهل، لأنه أبو الحكم عمرو بن هشام بن المغيرة، وقد أسلم أخواه الحارث بن هشام
وسلمة بن هشام عام الفتح وحسن إسلامهما، وممن يدخل في إطلاق بني هشام بن المغيرة
عكرمة بن أبي جهل بني هشام جد المخطوبة، وقد أسلم أيضاً وحسن إسلامه. قوله:
((استأذنوا))، في رواية الكشميهني: استأذنوا في أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب، وجاء
أن علياً رضي الله عنه استأذن بنفسه على ما أخرجه الحاكم بإسناده صحيح إلى سويد بن
غفلة، قال: خطب علي بنت أبي جهل إلى عمها الحارث بن هشام، فاستشار النبي عَّة،
فقال: عنٍ حسبها تسألني؟ فقال: لا، ولكن أتأمرني بها، قال: لا، فاطمة بضعة مني ولا
أحسب إلاَّ أنها تحزن أو تجزع. فقال علي، رضي الله تعالى عنه: لا آتي شيئاً تكرهه. واسمٍ
المخطوبة جويرة أو العوراء أو جميلة. قوله: ((لا آذن))، ذكره ثلاث مرات تأكيداً. قوله: ((إلاَ