النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
٦٧ - كِتَابُ النِّكاحِ / باب (٨)
الحديث ووضعها ترجمة تنبيهاً على فوائد كثيرة: منها: وضعه تراجم غريبة في مواضع كثيرة
في الكتاب، ومنها: الإشارة إلى اتساع روايته، ومنها: بيان ما فيه من الاختلاف في الأسانيد
وفي المتون وغير ذلك.
قوله: ((حتى أنزل لك عنها)) أي: حتى أطلقها وتنقضي عدتها ثم تأخذها. قوله: ((رواه
عبد الرحمن بن عوف)) أي: روى هذا الباب الذي هو الترجمة في حديثه، على ما مر في
أول البيوع.
٥٠٧٢/١٠ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ عنْ سُفْيانَ عنْ حُمَيْدِ الطَّيلِ قال: سَمِعْتُ أَنَسَ
ابن مالِكِ قال: قَدِمَ عبْدُ الرَّحْمُنِ بنُ عوْفٍ فَآخَى النبيُّ عَّهِ، بَيْنَهُ وبَيْنَ سَعْدِ بنِ الرَّبِيعِ
الأنْصارِيِّ، وعِنْدَ الأنْصارِيِّ امْرَأْتانٍ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ أَنْ يُناصِفَهُ أهْلَهُ ومالَهُ، فقال: بارَكَ الله لَكَ
في أهْلِكَ ومالِكَ، دُلُّونِي علَى السُّوقِ. فَأَتَى السُّوقَ فَرَبِحَ شَيْئاً مِنْ أَقَطٍ وشَيْئاً مِنْ سَمْنٍ، فَرَآهُ
النبيُّ عَّهِ بَعْدَ أَيَّامٍ وعَلَيْهِ وضَرٌ مِنْ صُفْرَةٍ، فقال: مَهْيَمْ يا عبْدَالرَّحْمنِ؟ فقال: تَزَوَّجْتُ
أَنْصارية. قال: فَماَ سُقْتَ إليْها قال: وزْنَ نَواةٍ مِنْ ذَهَبَ. قال: أَوْ لِمْ وَلَوْ بِشاةٍ. [انظر
الحديث ٢٠٤٩ وأطرافه].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((وعند الأنصاري امرأتان فعرض عليه أن يناصفه
أهله)) وقد ذكرنا أنه مضى في أول البيوع.
قوله: ((وضر)) بفتح الواو والضاد المعجمة وبالراء أي: وهو اللطخ من الخلوق ومن
كل طيب له لون. قوله: ((مهيم)) بفتح الميم وسكون الهاء وفتح الياء آخر الحروف، وفي
آخره ميم: أي: ما حالك وما شأنك؟ قوله: ((فما سقت)) أي: إليها، ويروى هكذا. قوله:
(«وزن نواة من ذهب)) وهو اسم لخمسة دراهم، أي: مقدار خمسة دراهم وزناً من الذهب،
وبقية الكلام قد مرت هناك.
٨ - بابُ ما يُكْرَهُ مِنَ الَّتُلِ والخِصاءِ
أي: هذا باب في بيان ما يكره من التبتل وأصله الانقطاع من قولهم تبتلت الشيء ما
تبتله من باب ضرب يضرب إذا قطعته والمراد بالتبتل المنهي عنه في الحديث الانقطاع عن
النساء وترك التزويج، وأما معنى قوله تعالى: ﴿وتبتل إليه تبتيلاً﴾ [المزمل: ٨] فالمراد به
الانقطاع إليه والتعبد لا ترك التزويج فإنه لم يأمر به النبي عَ لَّه، بل قال ابن عباس: خير هذه
الأمة أكثرها نساء، ويريد به النبي عَِّ، وقد ذكرناه. قوله: ((والخصاء)) بكسر الخاء وبالمد:
مصدر خصيت الفحل، إذا سللت خصيتيه، والرجل خصي والجمع خصيان وخصية.
١١/ ٥٠٧٣ _ حدَّثنا أحمَدُ بنُ يُونُسَ حدثنا إبْرَاهِيم بنُ سَعْد أخبرنا ابنُ شِهابٍ سَمِعَ
ابن سَعيدَ بن المُسَيِّبَ يَقُولُ: سَمِعْتُ سَعْدَ بنَ أبي وقَّاصٍ يَقُولُ: رَدَّ رسولُ اللهِ عَ لَّهِ، عَلَى
عُثْمَانَ بنِ مَظْعُونِ التَبْتُلَ، ولوْ أذِنَ لهُ لاخْتَصَيْنا.

١٠٢
٦٧ - كِتابُ النِّاحِ / باب (٨)
مطابقته للترجمة ظاهرة. وأحمد بن يونس أو عبد الله التيمي اليربوعي الكوفي، وهو
شيخ مسلم أيضاً، وإبراهيم بن سعد بن عبد الرحمن بن عوف، كان على قضاء بغداد، وابن
شهاب هو محمد بن مسلم الزهري.
والحديث أخرجه مسلم أيضاً في النكاح عن أبي بكر بن أبي شيبة وغيره. وأخرجه
الترمذي فيه عن الحسن بن علي الحلال. وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن عبيد. وأخرجه
ابن ماجه فيه عن أبي مروان محمد بن عثمان العثماني.
قوله: ((رد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، على عثمان بن مظعون التبتل))
أي: لم يأذن له فيه حين استأذن في ذلك، ويقال: معنى: رد، نهى عن التبتل وقد ذكرنا معناه
الآن. قوله: ((ولو أذن له)) أي: لو أذن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لعثمان بن مظعون
((لاختصينا)) من اختصيت، إذا فعلت ذلك بنفسك. وكان مناسباً أن يقول: أذن له لتبتلنا،
فعدل إلى: اختصينا، إرادة المبالغة أي: لو أذن له لبالغنا في التبتل حتى الاختصاء، وكان
التبتل من شريعة النصارى فنهى النبي عَّ له أمته عنه ليكثر النسل ويدوم الجهاد.
وقال القرطبي يقال: يلزم من جواز التبتل عن النساء جواز الخصاء، وهو قطع عضوين
بهما قوام النسل، وفيه ألم عظيم لأنه ربما يفضي إلى الهلاك. وهو محرم بالاتفاق، ثم أجاب
بأن ذلك لازم من حيث إن مطلق التبتل يتضمنه، فكأن هذا القائل ظن أن التبتل الحقيقي
الذي يؤمن معه شهوة النساء، وهو الخصاء، وأخذ بأكثر ما يقع عليه الاسم، وقوله: فيه أل
عظيم، مسلم لكن يصغر في جنب صيانة الدين، كقطع اليد للأكلة والكي والبط ونحوها.
وقوله: ربما يفضي إلى الهلاك، غير مسلم لأن وقوع الهلاك منه نادر، وخصاء الحيوان يشهد
لذلك. وأجاب النووي عن ذلك بأن معناه: لو أذن في الانقطاع عن النساء وغيرهن من ملاذ
الدنيا لاختصينا لدفع شهوة النساء لتمكننا من التبتل، قال: وهذا محمول على أنهم كانوا
يظنون جواز الاختصاء باجتهادهم ولم يكن ظنهم هذا موافقاً، فإن الاختصاء في الآدمي حرام
مطلقاً. وقال شيخنا زين الدين، رحمه الله: وفي كل من جوابي القرطبي والنووي نظر، بل
الجواب الصحيح أنه: لو وقع إذن من النبي عَّ له فيما سأله عنه عثمان بن مظعون من التبتل
الجاز لهم الاختصاء، لأن استئذان عثمان في التبتل كانت صورته استئذاناً في الاختصاء كما
هو مبين في حديث عائشة بنت قدامة بن مظعون عن أبيها عن أخيه عثمان بن مظعون، أنه
قال: يا رسول الله! إنه ليشق علينا العزبة في المغازي، أفتأذن لي يا رسول الله في الخصاء
فأختصي؟ فقال رسول الله عَّ: ((لا ولكن عليك يا ابن مظعون بالصيام فإنه مجفر)) ذكره
ابن عبد البر في الاستيعاب وذكر أيضاً أن عثمان بن مظعون وعلياً وأبا ذر هموا أن يختصوا
ويتبتلوا فنهاهم رسول الله صلى الله عليه تعالى وسلم، عن ذلك. ونزلت فيهم: ﴿ليس على
الذين آمنوا وعلموا الصالحات جناح فيما طعموا﴾ [المائدة: ٩٣] الآية. وأخرج الطبراني من
حديث عثمان بن مظعون نفسه أنه قال: يا رسول الله! إني رجل يشق علي العزوبة فأذن لي
في الخصاء، قال: ((لا ولكن عليك بالصيام)).

١٠٣
٦٧ - كِتابُ النِّكاحِ / باب (٨)
٥٠٧٤/١٢ _ حدَّثنا أبو اليَمانِ أخبرنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِي قال: أخبرني سَعيدُ بنُ
المُسَيَّبِ أَنهُ سَمِعَ سَعْدَ بنَ أبي وقَّاصٍ يَقُولُ: لَقَدْ رَدَّ ذَلِكَ يَعْنِي النبيَّ عَ لَّهِ عَلَى عُثْمانَ بن
مَظْعُونٍ ولو أجازَ لهُ التَّبْتُلَ لاخْتَصَيْنا. [انظر الحديث ٥٠٧٣].
هذا طريق آخر في الحديث المذكور وأخرجه عن أبي اليمان الحكم بن نافع عن
شعيب بن أبي حمزة عن الزهري: إلى آخره.
٥٠٧٥/١٣ _ حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حدثنا جُرَيرٍ عنْ إِسْماعِيلَ عنْ قَيْسٍ قال: قال
عَبْدُ الله: كُنَّا نَغْزُو مَع رسولِ اللهِ عِ لّهِ، ولَيْسَ لَنا شَيْءٌ، فَقُلْنا: ألا نَسْتَخْصِي؟ فَنهانا عنْ
ذُلِكَ، ثُمَّ رخصَ لَنا أنَّ نَنْكَعَ المَرْأَةَ بالثَّوْبِ، ثمَّ قَرأْ عَلَيْنَا ﴿يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا
طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللّهُ لَكُمْ ولاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: ٨٧]. [انظر
الحديث ٤٦١٥ وطرفه].
مطابقته للترجمة ظاهرة. وجرير هو ابن عبد الحميد، وإسماعيل هو ابن أبي خالد
البجلي، وقيس هو ابن أبي حازم، وعبد الله هو ابن مسعود، وقد مر هذا الحديث عن قريب
إلى قوله: ((فنهانا عن ذلك)) فإنه أخرجه عن محمد بن المثنى عن يحيى عن إسماعيل إلى
آخره.
قوله: ((ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب)) هذا نكاح المتعة، وهذا يدل على أن
ابن مسعود يرى بجواز المتعة. وقال القرطبي: لعله لم يكن حينئذ بلغه الناسخ ثم بلغه فرجع،
ويدل على ذلك ما ذكر الإسماعيلي أنه وقع في رواية أبي معاوية عن إسماعيل بن أبي خالد:
ففعلناه، ثم ترك ذلك. قال: وفي رواية لابن عيينة عن إسماعيل، ثم جاء تحريمها بعد. وفي
رواية معمر عن إسماعيل ثم نسخ. قوله: ((ثم قرأ علينا ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا﴾
[المائدة: ٨٧] الآية، وفي رواية مسلم: ثم قرأ علينا عبد الله رضي الله تعالى عنه. وروى
الواحدي في أسباب النزول من رواية عثمان بن سعد عن عكرمة عن ابن عباس أن رجلاً أتى
رسول الله عَّلِ فقال: إني إذا أكلت من هذا اللحم انتشرت إلى النساء، وإني حرمت علي
اللحم. فنزلت: ﴿لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم﴾ [المائدة: ٨٧]فعلى هذا لا يجوز
لأحد من المسلمين تحريم شيء مما أحل الله لعباده المؤمنين على نفسه من طيبات المطاعم
والملابس والمناكح بإحلال ذلك لها بعض المشقة، أو أمنه، ولا فضل في ترك شيء مما
أحله الله تعالى لعباده والفضل والبر فيما هو فعل ما ندب الله عباده إليه، وعمل به رسوله
وسنه لأمته وتبعه على هذا المنهاج الأئمة الراشدون، فإذا كان ذلك تبين خطأ من آثر لباس
الشعر والصوف على لباس القطن والكتان إذا قدر على لبس ذلك من حله، وآثر أكل الفول
والعدس على خبز البر والشعير، وترك أكل اللحم والودك حذراً من عارض الحاجة إلى
النساء، والأولى بالأجسام إصلاحها لتعينه على طاعة ربه، ولا شيء أضر بالجسم من المطاعم
الرديئة لأنه مفسد لعقله ومضعفة لأدواته التي جعلها الله تعالى سبباً إلى طاعته، ومن ذلك

١٠٤
٦٧ - كتابُ النِّكاحِ / باب (٨)
التبتل والترهب لأنه داخل في معنى الآية المذكورة. وقال المهلب: إنما نهي النبي عمّ عن
ذلك من أجل أنه مكاثر بهم الأمم يوم القيامة وأنه في الدنيا يقاتل بهم طوائف الكفار، وفي
آخر الزمان يقاتلون الدجال فأراد عَ غي أن يكثر النسل، ولا التفات إلى ما روي ((خيركم بعد
المائتين الخفيف الحاذ الذي لا أهل له ولا ولد»، فإنه ضعيف بل موضوع، وكذلك قول
حذيفة: إذا كان سنة خمسين ومائة فلأن يربي أحدكم جرو كلب خير له من أن يربي ولداً.
... /٥٠٧٦ - وقال أصْبَغُ: أخبرني ابنُ وَهْبٍ عنْ يُونسَ بنِ يَزِيدَ عنِ ابنِ شِهاب
عنْ أبي سلَمَة عن أبي هُرَيْرَةَ، رضيَ الله عنه، قال: قُلْتُ: يا رسولَ الله! إنِّي رجُلٌ شابٌّ وأنا
أخافُ علَى نَفْسِي العَنَتَ ولا أجِدُ ما أَتَزَوَّجُ بِهِ النِّساءَ، فَسَكَتَ عَنِّي ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذُلِكَ
فَسَكَتَ عَنِّي، ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذُلِكَ فَسَكَتَ عَنِّي، ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلك فقال النبيُّ عَّ: يا أبا
هُرَيْرَةَ! جَفَّ القَلَمُ بِمَا أَنْتَ لاقٍ فَاخْتَصِ عَلَى ذَلِكَ أَوْ ذَرْ.
أي قال أصبغ بن الفرج وراق عبد الله بن وهب، كذا وقع في عامة الأصول: قال
أصبغ، وكذا ذكره أبو مسعود وخلف وخالف ذلك الحافظان أبو نعيم والطرقي فقالا: رواه
البخاري عن أصبغ، ولئن سلمنا صحة ما وقع في الأصول وأنه رواه عنه معلقاً فقد رواه
الإسماعيلي: حدثنا ابن الهاد حدثنا أصبغ أخبرني ابن وهب، وقد وقع في كتاب الطرقي:
رواه البخاري ابن محمد وهو غير صحيح لأنه ليس للبخاري شيخ اسمه أصبغ بن محمد،
ولا في الكتب الستة. والحديث من أفراده.
قوله: ((إني رجل شاب وأنا أخاف)) وفي رواية الكشميهني: وإني أخاف، وكذا في
رواية حرملة. قوله: ((العنت)) بفتح النون وبالتاء المثناة من فوق وهو الحمل على المكروه.
وقد عنت يعنت من باب علم يعلم، والعنت الإثم، وقد عنت اكتسب إثماً، والعنت الفجور
والزنا وكل شاقٍ ذكره في المنتهى وفي التهذيب: الإعنات تكليف غير الطاقة، وقال ابن
الأنباري: أصل العنت التشديد، والمراد به ههنا الزنا. قوله: ((جف القلم بما أنت لاقٍ)) أي:
نفذ المقدر بما كتب في اللوح المحفوظ فبقي القلم الذي كتب به جافاً لا مداد فيه لفراغ
ما كتب به. قوله: ((فاختص)) صورته صورة أمر من الاختصاء، ولكن هذا من قبيل قوله تعالى:
﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾ [الكهف: ٢٩] وليس الأمر فيه لطلب الفعل بل هو
للتهديد، وحاصل المعنى: إن فعلت أو لم تفعل فلا بد من نفوذ القدور، ووقع في بعض
الأصول اقتصر، موضع اختص. وكذا وقع في المصابيح فإن صحت فلا حاجة إلى تأويل
الأول. قوله: ((على ذلك)) كلمة: على، متعلقة بمقدر محذوف أي: اختص حال استعلائك
على العلم بأن الكل بتقدير الله عز وجل، وقال القاضي البيضاوي: المعنى أن الاقتصار على
التقدير والتسليم له وتركه الإعراض عنه سواء. فإن ما قدر لك من خير أو شر فهو لا محالة
يأتيك، وما لم يكتب فلا طريق لك إلى حصوله. وقال الطيبي: أي اقتصر على ما ذكرت لك
وارض بقضاء الله تعالى أو ذر ما ذكرته وامض لشأنك واختص، فيكون تهديداً. وقال
الكرماني: وقال بعضهم: معناه قد سبق في قضاء الله تعالى جميع ما يصدر عنك ويلاقيك

١٠٥
٦٧ - كِتَابُ النِّكاحِ / باب (٩)
فاقتصر على ذلك، فإن الأمور مقدرة أو دعه فلا تخض فيه. قوله: ((أو ذر))، أي: أو اترك،
وهو أمر من يذر، وقالت: الصرفيون، أماتوا ماضي يذر ويدع. قلت: قد جاء ماضي يدع في
قوله تعالى: ﴿ما ودعك﴾ [الضحى: ٣] قرىء بالتخفيف فإن قيل: لم يؤمر أبو هريرة بالصيام
لكسر شهوته كم أمر به غيره، وأجيب بأن الغالب من حال أبي هريرة كان الصوم لأنه من
أهل الصفة وكانوا مستمرين على الصوم، وقيل: وقع ذلك في الغزوكما وقع لابن مسعود،
وكانوا في الغزو يؤثرون الفطر على الصيام للتقوى على القتال فأداه اجتهاده في حسم مادة
الشهوة بالاختصاء، كما ظهر لعثمان بن مظعون فمنعه عليها.
٩ - بابُ نِکاح الأنکارِ
أي: هذا باب في بيان نكاح الأبكار، وهو جمع بكر، والبكر خلاف الثيب ويقعان
على الرجل والمرأة. ومنه: البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة.
وقال ابنُ أبي مُلَيْكَةَ، قال ابنُ عِبَّاسٍ لِعَائِشَةَ: لَمْ يَنْكَحِ النبيُّ عَلَّهِ بَكْراً غَيْرَكِ
ابن أبي مليكة هو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة. بضم الميم واسمه زهير بن
عبد الله التيمي الأحول المكي القاضي على عهد ابن الزبير، وهذا الذي قاله طرف من
حديث وصله البخاري في تفسير سورة النور.
١٤/ ٥٠٧٧ _ حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الله قال: حدّثني أخِي عنْ سُلْمانَ عنْ هِشامٍ
ابن عُزْوَةَ عنْ أَبِيهِ عنْ عَائِشَةَ، رضي الله عنها، قالَتْ: قُلْتُ: يا رسولَ الله! أَرَأْيِتَ لوْ نَزَلْتَ
وَادِياً وفِيهِ شَجَرَةٌ قَدْ أُكِلَ مِنْها وَوَجَدْتَ شَجَراً لَمْ يُؤْكَلْ مِنْها في أيّها كُنْتَ تُرْتِعُ بَعِيرَكَ؟
قال: في الَّتِي لَمْ يُرْتَغْ مِنْها، تَعْنِي أَنَّ رَسُولَ الله عَّ ◌ُلّهِ لَمْ يَتَزَوَّجَ بَكْراً غَيْرَها.
مطابقته للترجمة في قوله: ((لم يتزوج بكراً غيرها)) وإسماعيل بن أبي أويس ابن أخت
مالك بن أنس وأخوه عبد الحميد وسليمان هو ابن بلال. والحديث من أفراده.
قوله: ((أرأيت)) أي: أخبرني. قوله: ((وفيه شجرة قد أكل منها ووجدت شجراً لم
يؤكل منها)) كذا وقع في رواية أبي ذر، وفي رواية غيره: ووجدت شجرة، وذكره الحميدي
بلفظ: فيه شجر قد أكل منها، وكذا أخرجه أبو نعيم في المستخرج بلفظ الجمع وهو
أصوب لقوله بعد: ((في أيها كنت ترتع)) أي: في أي الشجر؟ ولو أراد الموضعين لقال: في
أيهما. قوله: ((ترتع)) بضم أوله من الإرتاع، يقال: أرتع بعيره، إذا تركه يرعى شيئاً، ورتع البعير
في المرعى إذا أكل ما شاء، ورتعه الله أي: أنبت له ما يرعاه على سعة. قوله: ((قال: في
الذي لم يرتع منها)) والأصل أن يقال: في التي لم يؤكل منها وكذا في رواية أبي نعيم: قال
في الشجرة التي، وهو الأصل. قوله: ((تعني)). أي: عائشة، رضي الله تعالى عنها، وزاد أبو
نعيم قبل هذا ناهيه، بكسر الهاء وفتح الياء آخر الحروف وسكون الهاء، وهي للسكت.
٥٠٧٨/١٥ - حدَّثْنا عُبَيْدُ بنُ إسْماعِيلَ حدّثنا أبُو أُسامَةَ عنْ هِشَامٍ عنْ أَبِيهِ عنْ

١٠٦
٦٧ - كِتَابُ النِّكاحِ / باب (١٠)
عَائِشَةَ، قَالَتْ: قال رسولُ اللهِ عَِّ أُرِيتُكِ في المَنامِ مَرَّتَيْنِ إِذَا رِجُلٌ يَحْمِلُكِ في سَرَقَةٍ
حَرِيرٍ، فَيَقُولُ: هَذِهِ امْرَأْتُكَ، فَأَكْشِفُها فَإِذَا هِيَ أنْتَ، فأقُولُ: إِنْ يَكُنْ هُذَا مِنْ عِنْدِ الله
يُْضِه. [انظر الحديث ٣٨٩٥ وأطرافه].
مطابقته للترجمة من حيث إن النبي عَ لّه، تزوج عائشة وهي بكر بعد رؤيته إياها في
المنام الصادق. وعبيد اسمه في الأصل عبد الله بن إسماعيل يكنى أبا محمد الهباري القرشي
الكوفي، وأبو أسامة. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في التعبير عن عبيد المذكور وأخرجه
مسلم في الفصائل عن أبي كريب عن أبي أسامة.
قوله: ((أريتك))، بضم الهمزة وكسر الكاف لأنه خطاب لعائشة. قوله: ((إذا رجل
يحملك))، كلمة: إذا، للمفاجأة، وأراد بالرجل ملكاً في صورة رجل، وفي رواية الترمذي: أن
الملك الذي جاء إلى النبي عَو ◌ُلّه بصورتها هو جبريل، عليه الصلاة والسلام، وفي صحيح ابن
حبان جاءني جبريل عليه الصلاة والسلام، في خرقة حرير فقال: هذه زوجتك في الدنيا
والآخرة، وفي رواية لمسلم: جاءني بك الملك، وفي طبقات ابن سعد عنها: جاء جبريل،
عليه الصلاة والسلام، بصورتي من السماء في حريرة وأصلها بالفارسية: سره، أي: جيد فعرب
كما عرب استبرق، وقيل: هي شقة من الحرير الأبيض، وادعى المهلب أنه كالكلة والبرقع،
وهو غريب. قوله: ((فأكشفها)) أي: فأكشف السرقة، قيل: إنما رأى منها ما يجوز للخاطب أن
يراه. قوله: ((فإذا هي أنت)) كلمة: إذا، للمفاجأة وهي ترجع إلى الصورة التي في السرقة.
قوله: ((إن يكن من عند الله))، أي: إن يكن هذا الذي رأيته كائناً من عند الله ((يمضه)) بضم
الياء من الإمضاء، وهو الإنفاذ، وقال ابن العربي: لم يشك عَّ الله فيما رأى فإن رؤيا الأنبياء،
عليهم الصلاة والسلام، وحي وإنما احتمل عنده أن تكون الرؤيا اسماً. واحتمل أن تكون كنية.
فإن للرؤيا اسماً وكنية. فسموها بأسمائها وكنوها بكناها، واسمها أن تخرج بعينها، وكنيتها
أن تخرج على مثالها، أو هي أختها أو قرينتها أو جارتها أو سميتها، وذكر عياض أن هذه
الرؤيا تحتمل أن تكون قبل النبوة وإن كانت بعد النبوة فلها ثلاثة معانٍ: الأول: أن تكون
الرؤيا على وجهها فظاهرها لا يحتاج إلى تعبير وتفسير فسيمضه الله وينجزه، فالشك عائد
إلى أنها رؤيا على ظاهرها أم تحتاج إلى تعبير وصرف عن ظاهرها. الثاني: المراد إن كانت
هذه الزوجية في الدنيا يمضه الله، عز وجل، فالشك أنها هل هي زوجته في الدنيا أو في
الآخرة. الثالث: أنه لم يشك، ولكن أخبر على التحقيق وأتى بصورة الشك، وهذا نوع من
البلاغة يسمى: مزج الشك باليقين.
١٠ - بابُ تَزْوِيجِ الثَِّّاتِ
أي: هذا باب في بيان تزويج النساء الثيبات، وهو جمع ثيب. وقال بعضهم: جمع
ثيبة، وليس كذلك بل جمع ثيب وقال المطرزي: الثيب بالضم في جمعها ليس من
كلامهم. والثيب من ليس بيكر، وقد ذكرنا أنه يقال: رجل ثيب وامرأة ثيب، وقال ابن الأثير:

١٠٧
٦٧ - كِتَابُ النِّكاحِ / باب (١٠)
ويقع على الذكر والأنثى، وفي المغرب والثيب من النساء التي قد تزوجت فبانت بوجه،
وعن الليث: ولا يقال للرجل وعن الكسائي: رجل ثيب بامرأته، وامرأة ثيب إذا دخل بها،
كما يقال: بكر وأيم، وهو فيعل من ثاب لمعاودتهما التزوج في غالب الأمور، ولأن الخطاب
يثاوبونها أي: يعاودونها. وقولهم: ثيبت المرأة تثييباً كعجزت الناقة وثيبت الناقة إذا صارت
عجوزاً.
وقالَتْ أمُّ حَبيبَةَ: قال النبيُّ عَُّلِّ: لاَ تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَناتِكُنَّ ولا أخَوَاتِكُنَّ
مطابقته للترجمة في قوله: ((بناتكن)) لأنه خطاب أزواجه ونهاهن أن يعرضن عليه ربائبه
لحرمتهن وهن ثيبات قطعاً، وهو تحقيق أنه عّ لّ تزوج الثيب ذات البنت، وقال بعضهم:
استنبط المصنف الترجمة من قوله: ((بناتكن)) لأنه خطاب بذلك نساءه فاقتضى أن لهن بنات
من غيره، فيستلزم أنهن ثيبات. انتهى. قلت: سبحان الله! ما أبعد هذا الكلام عن المقصود،
والمقصود إثبات المطابقة للترجمة وليس فيما قاله وجه المطابقة، لأن الذي قال: إن لنسائه
بنات من غيره، وأنه يستلزم أنهن ثيبات والترجمة في تزويج الثيبات لا في بيان أن لهن بنات،
فمن أين يفهم من قوله هذا؟ وقد أخذ كلام الناس وأفسده، ولا يخفى ذلك على المتأمل وأما
تعليق أم حبيبة أم المؤمنين رملة بنت أبي سفيان الأموي، فإن البخاري أسنده عن الحكم بن
نافع عن شعيب عن الزهري عن عروة عن زينب بنت أبي سلمة عن أم حبيبة، وسيأتي بعد
عشرة أبواب إن شاء الله تعالى. قوله: ((لا تعرضن)) قال ابن التين: ضبط بضم الضاد ولا أعلم
له وجهاً لأنه إما خاطب النساء أو واحدة منهن، فإن كان خطابه لجماعة النساء فصوابه
تسكينها لأنه دخل عليه النون المشددة فيجتمع ثلاث نونات فيفصل بينهما بألف، فيقال: لا
تعرضان، ولا تدخل النون الخفيفة في جماعة النساء، ولا في تثنيتهن، وإن كان خطابه لأم
حبيبة خاصة فتكون الضاد مكسورة والنون مشددة أو نون خفيفة. قلت: عند يونس تدخل
النون الخفيفة في جماعة النساء وتثنيتهن، كما عرف في موضعه.
١٦/ ٥٠٧٥ - حدَّثنا أبو النُّعْمانِ حدثنا هُشَيْمٌ حدثنا سَيَّارٌ عنِ الشَّعْبِيِّ عنْ جابِرِ بنِ
عبْدِ الله قال: قَفَلْنا مَعَ النبيِّ عَ ظِلّهِ، مِنْ غَزْوَةٍ، فَتَعَجَّلْتُ عَلَى بَعيرٍ لِي قَطُوفٍ، فَلَحِقَني
راكِبٌ مِنْ خَلْفِي فَنَخَسَ بَعِيرِي بعَنَزَةٍ كانَتْ مَعَه، فانْطَلَقَ بَعِيرِي كأجْوَدِ ما أَنْتَ رَاءٍ مِنَ
الإِبِلِ، فإِذَا النبيُّ عَّهِ، فقال: ما يُعْجِلُكَ؟ قُلْتُ: كُنْتُ حَدِيثَ عَهْدٍ بِعُرُس. قال: بِكْراً أمْ
ثَيِّاً؟ قُلْتُ: ثَيِّبٌ. قال: فَهَلاَّ جارِيَةً تُلاَعِبُها وتُلاَعِبُكَ؟ قال: فَلَمَّا ذَهَبْنَا لِنَدْخُل، قال: أُمْلُهوا
حتَّى تَدْخُلُوا لَيْلاً أيْ: عِشاءً لِكَّي ◌َخْتَشِطَ الشَّعِشَةُ، وتَسْتَحِدَّ المُغِيبَةُ. [انظر الحديث ٤٤٣
وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((قلت: ثيب)) وأبو النعمان محمد بن الفضل السدوسي،
وهشيم مصغر هشم بن بشير - مصغر بشر - وسيار، بفتح السين المهملة وتشديد الياء آخر
الحروف وفي آخره راء: ابن أبي سيار واسمه وردان أبو الحكم العنزي الواسطي، والشعبي

١٠٨
٦٧ - كِتَابُ النِّكاحِ / باب (١١)
عامر بن شراحيل.
والحديث قد مر مطولاً ومختصراً في البيوع، والاستقراض والجهاد والشروط ومر
الكلام فيه في كل باب بما يحتاج إليه.
قوله: ((قفلنا)) أي: رجعنا. قوله: ((من غزوة)) وهي غزوة تبوك. قوله: ((قطوف)) بفتح
القاف أي: بطيء. قوله: ((بعنزة)) وهي أقصر من الرمح وأطول من العصا، وفي البيوع: ضربه
بمحجن وهو الصولجان، ولا منافاة بينهما لأنه إذا كان أحد طرفيه معوجاً والآخر فيه حديد
يصدق اللفظان عليه. قوله: ((فإذا النبي)) أي: فإذا هو النبي عَّهِ. قوله: ((ما يعجلك)) أي: ما
سبب إسراعك؟ قوله: ((حديث عهد بعرس)) أي: قريب عهد بالدخول على المرأة. قوله:
((أبكراً) منصوب بمقدر أي: أتزوجت بكراً؟ قوله: ((ثيب)) خبر مبتدأ محذوف أي: هي ثيب.
قوله: ((فهلا جارية)) أي: فهلا تزوجت جارية، وكلمة هلا، للتخصيص. قوله: ((ليلا أي
عشاء)) قال الكرماني: إنما فسر الليل بالعشاء لئلا ينافي ما تقدم في كتاب العمرة في: باب لا
يطرق أهله، أنه معَِّ نهى أن يطرق أهله ليلاً. قلت: هذا غير مخالف لأن هذا قاله لمن يقدم
بغتة من غير أن يعلم أهله به، وأما هنا فتقدم خبر مجيء الجيش للعلم بوصوله وقت كذا
وكذا. قوله: ((الشعثة)) بفتح الشين المعجمة وكسر العين المهملة بعدها ثاء مثلثة، لأن التي
يغيب زوجها في مظنة عدم التزين، وقيل: الشعثة منتشرة الشعر مغبرة الرأس. قوله: ((وتستحد
المغيبة)) أي: تستعمل الحديدة في إزالة الشعر، والمغيبة، بضم الميم وكسر الغين المعجمة
وسكون الياء آخر الحروف وفتح الباء الموحدة: من أغيبت المرأة إذا غاب زوجها فهي مغيبة.
١٧/ ٥٠٨٠ _ حدَّثنا آدَمُ حدثنا شُعْبَةُ حدثنا مُحارِبٌ قال: سَمِعْتُ جابِرَ بنَ عبْدِ الله،
رضي الله عنهما، يقُولُ: تَزَوَّجْتُ. فقال لِي رسولُ الله عَ لَّهِ: ما تَزَوَّجْتَ؟ فَقُلْتُ: تَزَوَّجْتُ
ثَيِّباً فقال: مالَكَ ولِلعَذَارَى ولِعابِها، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَمْرُو بنِ دِينارٍ، فقال عَمْرُو: سَمِعْتُ جابِرً
ابنَ عبْدِ الله يَقُولُ: قال لي رسولُ اللهِعَ لِ: هَلاَّ جارِيَةً تُلاَعِبُها وتُلاَعِبُكَ. [انظر الحديث
٤٤٣ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((تزوجت ثيباً)) وقد ذكرنا أن هذا الحديث رواه البخاري
في مواضع كثيرة بوجوه كثيرة. ومحارب، بكسر الراء: ابن دثار، بكسر الدال السدوسي.
قوله: ((مالك والعذارى)) جمع العذراء وهي البكر. قوله: ((ولعابها)) بكسر اللام بمعنى
الملاعبة. قوله: ((هلا جارية)) أي: هلا تزوجت جارية؟ قوله: ((فذكرت ذلك)) القائل هو
محارب، وذلك: إشارة إلى قوله: ((مالك وللعذارى ولعابها)).
١١ - بابُ تَزْويج الصِّغار مِنَ الكِبارِ
أي: هذا باب في بيان حكم تزويج الصغار من الكبار في السن.
٥٠٨١/١٨ _ حدَّثنا عبدُ الله بنُ يُوسُفَ حدثنا الليْثُ عنْ يَزِيدَ عنْ عَرَاكِ عن عُرْوَةَ

١٠٩
٦٧ - كِتَابُ النِّكاحِ / باب (١١)
أنَّ النبيَّ عَّ خَطَبَ عائشةَ إلى أبِي بَكْرٍ، فَقال لهُ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّما أنا أخُوكَ. فقال: أَنْتَ أَخِي
في دِينِ الله وكِتابِهِ، وهيَ لِي حَلاَلٌ.
مطابقته للترجمة من حيث أن النبي عَّ له تزوج عائشة وهي صغيرة، وكان عمرها ست
سنين، واعترض الإسماعيلي هذا بوجهين: أحدهما: أن صغر عائشة من كبر رسول الله عَ ليه
معلوم من غير هذا الخبر. والآخر: أن هذا مرسل، فإن كان مثل هذا يدخل في الصحيح
فيلزمه في غيره من المراسيل. وأجاب بعضهم عن الأول بقوله: يمكن أن يؤخذ من قول أبي
بكر: ((إنما أنا أخوك)) فإن الغالب في بنت الأخ أن تكون أصغر من عمها. قلت: هذا ليس
بشيء، لأن الترجمة في تزويج الصغار من الكبار، وليست في مجرد بيان الصغار من الكبار،
والجواب الصحيح الذي ذكرته، والجواب عن الثاني: وإن كانت صورته صورة الإرسال
ولكن الظاهر أن عروة حمله عن عائشة، يدل عليه أن أبا العباس الطرقي في ذكره في كتابه
مسنداً عن عروة عن عائشة وغيرها من نساء النبي عَّه، وقال ابن عبد البر: مثل هذا يدخل
في المسند.
قوله: ((خطب عائشة إلى أبي بكر)) قيل: كلمة: إلى، هنا بمعنى من، والأولى أن
تكون على حالها للغاية أي: أنهى خطبته إلى أبي بكر كما في قولهم: أحمد إليك الله أي:
أنهي حمده إليك. قوله: ((إنما أنا أخوك)) كأن أبا بكر، رضي الله تعالى عنه، اعتقد أنه لا يحل
له أن يتزوج ابنته للمؤاخاة والخلة التي كانت بينهما، فأعلمه عّ لّر أن أخوة الإسلام ليست
كأخوة النسب والولادة فقال: إنها لي حلال بوحي الله تعالى، كما قال إبراهيم، عليه السلام،
الذي أراد أن يأخذ منه زوجته: هي أختي، يعني في الإيمان، لأنه لم يكن أحد مؤمناً غيرهما
في ذلك الوقت.
واعترض صاحب التلويح هنا بوجهين: أحدهما: أن الخلة لأبي بكر إنما كانت في
المدينة والخطبة إنما كانت بمكة، فكيف يلتئم قوله. في هذا؟ والآخر: أنه معٍَّ ما باشر
الخطبة بنفسه، كما ذكر ابن عاصم من حديث يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن عائشة:
أن النبي عَِّ أرسل خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون يخطبها، فقال لها أبو بكر،
رضي الله تعالى عنه: وهل تصلح له؟ إنما هي ابنة أخيه؟ فرجعت إلى النبي عَّ فذكرت ذلك
له، فقال: إرجعي وقولي له: أنت أخي في الإسلام، فابنتك تصلح لي. فأنت أبا بكر فذكرت
له، فقال: ادعي لي رسول الله عَّه فجاءه فأنكحه انتهى. قلت: أما الجواب عن الأول: فهو
أنه: لا مانع أن الخلة إنما كانت في مكة ولكن ما ظهرت إلا بالمدينة، وأما الجواب عن
الثاني: فيحتمل أنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، لما جاء إلى أبي بكر خطب بنفسه
أيضاً، فوقع بينهما ما ذكر في الحديث. ثم إنه لما علم حقيقة الأمر أنكحها من النبي عَ لّه،
وقال ابن بطال: أجمع العلماء أنه يجوز للآباء تزويج الصغار من بناتهم وإن كن في المهد،
إلاَّ أنه لا يجوز لأزواجهن البناء بهن إلاّ إذا صلحن للوطء واحتملن الرجال، وأحوالهن في
ذلك مختلف في قدر خلقهن وطاقتهن، واختلف العلماء في تزويج غير الآباء اليتيمة، فقال

١١٠
٦٧ - كِتَابُ النِّكاحِ / باب (١٢)
ابن أبي ليلى ومالك والليث والثوري والشافعي وابن الماجشون وأبو ثور: ليس لغير الأب أن
يزوج اليتيمة الصغيرة، فإن فعل فالنكاح باطل، وحكى ابن المنذر عن مالك أنه قال يزوج
القاضي الصغيرة دون الأولياء ووصي الأب والجد عند الشافعي عند عدم الأب كالأب،
وقالت طائفة: إذا زوج الصغيرة غير الأب من الأولياء فلها الخيار إذا بلغت، يروى هذا عن
عطاء والحسن وطاووس. وهو قول الأوزاعي وأبي حنيفة ومحمد، إلاَّ أنهما جعلا الجد
كالأب لا خيار في تزويجه. وقال أبو يوسف: لا خيار لها في جميع الأولياء. وقال أحمد: لا
أرى للولي ولا للقاضي أن يزوج اليتيمة حتى تبلغ تسع سنين، فإذا بلغت ورضيت فلا خيار
لها.
١٢ - بابٌ إِلى مَنْ يَنكِحُ؟ وَأَيُّ النِّساءُ خَيْرٌ؟ وما يُستَحَبُّ أَنْ يَتَخَيَّرَ لِنُطْفِهِ مِنْ غَيْرِ إیجاب
أي: هذا باب في بيان من إذا أراد أن يتزوج ينتهي أمره إلى من يتزوج من النساء، أو
إلى من يعقد، وقد ذكرنا أن النكاح يأتي بمعنى التزويج وبمعنى العقد، وقد اشتملت هذه
الترجمة على ثلاثة أنواع، وحديث الباب واحد. الأول: قوله: ((إلى من ينكح)) والثاني:
قوله: ((وأي النساء خير)) والثالث: وما يستحب أن يتخير لنطفه. ومن الحديث تؤخذ
المطابقة للأول والثاني ظاهراً والثالث لا تؤخذ إلاَّ بطريق اللزوم، بيانه أن الذي يريد النكاح
ينبغي أن يتزوج من قريش لأن نساءهن خير النساء، وهذا نوعان ظاهران في المطابقة، وأما
النوع الثالث فهو أنه لما ثبت أن نساء قريش خير النساء، وأن الذي تزوج منهن قد تخير
لنطفه لأجل أولاده، وهذا لا يفهم من الحديث صريحاً، ولكن بطريق اللزوم، على أنا نقول:
يحتمل أنه أشار إلى حديث أخرجه ابن ماجه من حديث عائشة مرفوعاً: تخيروا لنطفكم
وانكحوا الأكفاء، وأخرجه الحاكم أيضاً وصححه. فإن قلت: كيف يكون نساء قريش أفضل
من مريم أم عيسى، عليهما السلام، ولا سيما على قول من يقول: إنها نبية؟ قلت: أجاب
بعضهم بأن في الحديث: خير نساء ركبن الإبل، ومريم، عليها السلام، لم تركب بعيراً. قلت:
هذا جواب لا يجدي. وقد أطنب هذا القائل هنا وكله غير كاف، ويمكن أن يجاب عن هذا
بأنه عَ لّ قيد بقوله: صالحو نساء قريش، ومريم عليها السلام، ليست من قريش، وقال
النووي: معنى خير أي: من خير، كما يقال: أحسنهم كذا، أي: من أحسنهم أي: أحسن من
هنالك، وقد يقال: إن معنى قوله عَّ له: خير نساء ركبن الإبل صالحو نساء قريش، يعني في
زمانهن. قوله: ((من غير إيجاب)) أراد به أن الذي ذكره في هذه الترجمة من الأنواع الثلاثة
ليس من باب الإيجاب، بل هو من باب الاستحباب.
٥٠٨٢/١٩ - حدَّثنا أبو اليَمانِ أَخْبَرنا شُعَيْبٌ حدثنا أبو الزِّنادِ عنِ الأعْرَجِ عِنْ أبي
هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، عن النبيِّ عَّ ◌ُلّه، قال: خيْرُ نِسَاءَ رَكِبْنَ الإِبِلَ صَالِحُو نِسَاءِ قُرَيْشٍ:
أحْناهُ علَى وَلَدٍ في صِغَرِهِ، وأزعاهُ علَى زَوْجِ في ذَاتِ يَدِه. [انظر الحديث ٣٤٣٤
وطرفه].

١١١
٦٧ - كِتَابُ النِّكاحِ / باب (١٣)
قد مر بيان وجه المطابقة الآن، وهذا الإسناد بعين هؤلاء الرواة قد مر غير مرة.
وأبو اليمان الحكم بن نافع وشعيب بن أبي حمزة، وأبو الزناد، بالزاي والنون: عبد الله
ابن ذكوان، والأعرج عبد الرحمن بن هرمز.
والحديث مر في أحاديث الأنبياء في باب قوله تعالى: ﴿إذ قالت الملائكة يا مريم»
[آل عمران: ٤٢ و٤٥] بأتم منه، ومر الكلام فيه هناك.
قوله: ((صالحو)) أصله: صالحون، سقطت النون للإضافة ويروى: صالح نساء قريش،
بالإفراد، ويروى: صلح نساء قريش، بضم الصاد وتشديد اللام، جمع: صالح، وهو رواية
الكشميهني والمراد بالإصلاح هنا صلاح الدين وصلاح المخالطة للزوج وغيره. قوله: ((أحناه))
من الحنو وهو الشفقة، والحانية هي التي تقوم على ولدها بعد يتمه فلا تتزوج، فإن تزوجت
فليست بحانية، وكان القياس أن يقال: أحناهن، وأن يقال: صالحة نساء قريش، ولكن ذكره
باعتبار لفظ الخبر أو باعتبار الشخص أو هو من باب ذي كذا، وأما الإفراد فهو بالنظر إلى
لفظ الصالح، وأما بقصد الجنس. قوله: ((على ولده)) في رواية الكشميهني على ولد بلا
ضمير، ووقع في رواية مسلم: على يتيم، وفي أخرى على طفل. قوله: ((وأرعاه على زوج))
أي: أحفظه وأصون لماله بالأمانة فيه والصيانة، وترك في الإنفاق. قوله: ((في ذات يده)) أي:
في ماله المضاف إليه.
١٣ - بابُ اِّخاذِ السَّرَارِيِّ ومَنْ أَعْتَقَ جارِيَتَهُ ثُمَّ تَزَوجَها
أي: هذا باب في بيان اتخاذ السراري أي: اقتنائها، والسراري، بتشديد الياء
وتخفيفها: جمع سرية بضم السين وكسر الراء المشددة ثم الياء آخر الحروف المشددة، وقد
تكسر السين، وهو من تسررت من السر، وهو النكاح أو من السرور، فأبدلت إحدى الرآآت
ياء، وقيل: إن أصلها الياء من الشيء السري النفيس، وفي المغرب: السرية فعلية من السر،
الجماع، أو مفعولة من التسرّ السيادة والأول أشهر، وقد ورد الأمر باقتناء السراري في حديث
أبي الدرداء. مرفوعاً: عليكم بالسراري. فإنهن مباركات الأرحام. أخرجه الطبراني بإسناده واهٍ
قوله: ((ومن أعتق جاريته)) عطف هذا الحكم على اتخاذ السراري لأنه قد يقع بعد التسري،
وقد يقع قبله.
٢٠/ ٥٠٨٣ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ حدثنا عبْدُ الوَاحِدِ حدثنا صالحُ بنُ صالِحٍ
الهَمْدَانِيُ حدثنا الشَّعْبِيُّ، قال: حدّثني أبُو بُرْدةَ عنْ أَبِيهِ قال: قال رسولُ اللهِ عَِّ: أيما رجلّ
كانَتْ عِنْدَهُ ولِيدَةٌ فَعَلَّمَها فأحسَنَ تَعْلِيمَها وأُدَّبها فأخْسَنَ تأدِيبَها ثُمَّ أعْتَقَها وَتَزَوَّجِهَا فَلَةً
أجْرَانِ، وأنما رجُلٍ مِنْ أهْلِ الكِتابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ وَآمَنَ بي فَلَهُ أَجْرَانٍ، وأَّمَا مَمْلُوٍ أدَّى حقَّ
مَوَالِيهِ وحَقَّ ربِّهِ فَلَهُ أجْرَانٍ. [انظر الحديث ٩٧ وأطرافه].
مطابقته للجزء الثاني من الترجمة ظاهرة. وعبد الواحد بن زياد، وصالح بن صالح
مسلم الثوري الهمداني، بسكون الميم وبالدال المهملة بالنون: الكوفي، والشعبي عامر بن

١١٢
٦٧ - كِتابُ النِّكاحِ / باب (١٣)
شراحيل، وأبو بردة، بضم الباء الموحدة وسكون الراء اسمه عامر، يروي عن أبيه موسى
الأشعري، واسمه عبد الله بن قيس.
والحديث قد مر في كتاب العلم في: باب تعليم الرجل أمته، فإنه أخرجه هناك عن
محمد بن سلام عن المحاربي عن صالح بن حيان عن عامر الشعبي: حدثني أبو بردة عن
أبيه الحديث، فإن قلت: هذا صالح بن حيان الذي يروي عن الشعبي في كتاب العلم إلى
جد أبيه لأنه صالح بن صالح بن مسلم بن حيان، وهنا نسبه إلى أبيه، وليس هو صالح بن
حيان القرشي الكوفي الذي يحدث عن أبي وائل بردة ويروي عنه يعلى بن عبيد ومروان بن
معاوية. فافهم.
قوله: ((وليدة)) أي: أمة وأصلها: ما ولد من الإماء في ملك الرجل ثم أطلق على كل
أمة، وقد مر الكلام فيه هناك مستقصى.
قال الشَّغْبِيُّ: خُذْها بِغَيْرِ شَيْء، قَدْ كانَ الرَّجُلُ يَرْحَلُ فِيما دُونَها إلى المَدِينَةِ
أي: قال عامر الشعبي لصالح المذكور الذي روى الحديث المذكور عنه، هذا
بحسب ظاهر الكلام، وبه جزم الكرماني، والرد عليه في هذا الموضع كالرد عليه في كتاب
العلم: بأن الخطاب في قول الشعبي: خذها، لرجل من أهل خراسان فلينظر فيه هناك من
يريد تحريره. قوله: ((خذها)) أي: خذ هذه المسألة أو هذه المقالة. ((بغير شيء)) يعني: مجاناً
بدون أخذها منك على جهة الأجرة عليه، وإلاَّ فلا شيء أعظم من الأجر الأخروي الذي هو
ثواب التبليغ والتعليم. قوله: ((قد كان الرجل)) إلى آخره معناه إني أعطيك هذه المسألة بغير
شيء، وقد كان الرجل يرحل أي: يسافر دونهما أي: فيما دون المسألة إلى المدينة، أي:
مدينة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، اللام فيها للعهد، ولفظه في كتاب العلم: قال عامر:
أعطيناكها بغير شيء، قد كان يركب فيما دونها من المدينة.
وقال أبُو بَكْرٍ عنْ أبي حَصِينٍ عِنْ أَبِي بُرْدَةَ عنْ أبيهِ عنِ النبيِّ عَ لّهِ: أَعْتَقَهَا ثُمَّ أَصْدَقَها
أي: قال أبو بكر بن عياش، بتشديد الياء آخر الحروف وبالشين المعجمة: القارىء،
قيل: اسمه شعبة، وقيل: سالم يروي عن أبي حصين، بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين:
عثمان بن عاصم عن أبي بردة، بضم الباء الموحدة: عامر عن أبيه أبي موسى الأشعري عبد
الله بن قيس، وهذا وقع مسلسلاً بالكنى وكلهم كوفيون. وقال الكرماني: وفي بعض الرواية
عن أبي بردة عن أبيه عن أبي موسى، وهو سهو. قلت: غلط ظاهر، هذا التعليق أسنده أبو
داود الطيالسي في مسنده، وقال: حدثنا أبو بكر الخياط، فذكره بإسناده بلفظ: إذا أعتق
الرجل أمته أمهرها مهراً جديداً كان له أجران. وأبو بكر الخياط هو أبو بكر بن عياش
المذكور، فكأنه كان يتعاطى الخياطة وقت، وهو أحد الحفاظ المشهورين في الحديث
والقراء المذكورين في القرآت. قوله: ((أعتقَها ثم أصدقها)) أراد أن أبا بكر بن عياش روى في
الحديث المذكور بلفظ: ((أعتقها ثم أصدقها)) موضع قوله فيه: ثم أعتقها وتزوجها، ومعناهما

١١٣
٦٧ - كِتابُ النِّكاحِ / باب (١٣)
واحد.
٢١ / ٥٠٨٤ _ حدَّثنا سَعِيدُ بنُ تلَيد قال: أُخْبَرِي ابنُ وهَبٍ قال: أَخْبَرَنِي جَرِيرُ بنُ
حازمٍ عن أيُّوبَ عنْ مُحَمَّدٍ عنْ أبي هُرَيْرَةَ قال: قال النبيُّ عَ لَّهِ.
٢٢ _ ح وحدّثنا سُلَيْمانُ عنْ حَمَّادِ بنِ زَيْدٍ عنْ أيوبَ عنْ مُحَمَّدٍ عنْ أبي هُرَيْرَةَ:
لمْ يَكَذِبْ إبْرَاهِيمُ إلاّ ثَلاَثَ كَذَباتٍ بَيْنَمَا: إبْرَاهِيمُ مرَّ بِجَبَّار ومَعَهُ سَارَة فَذَكَرَ الحَديثَ،
فأعطاهاَ هاجَرَ، قَالَتْ: كَفَّ الله يَدَ الكافِرِ وَأَخْدَمَنِي آجَرَ. قال أَبُو هُرَيْرَةَ. فَتِلْكَ أُمُّكُمْ يَا بَنِي
ماءِ السَّماءِ. [انظر الحديث ٢٢١٧ وأطرافه].
قيل: مطابقته للترجمة من حيث إن هاجر كانت مملوكة وإن إبراهيم، عليه السلام،
أولدها بعد أن ملكها، فهي سرية. واعترض عليه بعضهم بأنه إن أراد أن ذلك وقع صريحاً في
الصحيح، فليس بصحيح، وإنما الذي في الصحيح أن سارة ملكتها وأن إبراهيم، عليه السلام،
أولدها إسماعيل. عليه السلام. انتهى. قلت: اعتراضه عليه بأنه أراد إلى آخره غير موجه، لأن
من قال: إنه أراد ذلك وإنما حاصل كلامه في أصل الحديث اتخاذ إبراهيم هاجر سرية بعد أن
ملكها، فيطابق الترجمة على ما لا يخفى، وقد جرت عادة البخاري مثل ذلك في أمثال ذاك.
وأخرجه من طريقين: أحدهما: عن سعيد بن تليد، بفتح التاء المثناة من فوق وكسر
اللام وبالدال المهملة: وهو سعيد بن عيسى بن تليد أبو عثمان الرعيني المصري، يروي عن
عبد الله بن وهب المصري عن جرير بن حازم، بالحاء المهملة والزاي، عن أيوب السختياني
عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة. والآخر: عن سليمان بن حرب عن حماد بن زيد عن
أيوب عن محمد، كذا في رواية الأكثرين، ووقع في رواية أبي ذر عن أيوب عن مجاهد.
وهو خطأ، وقال الكرماني: والأول أكثر وأصح. قلت: قوله يدل على الصحة مع القلة، وليس
كذلك: بل هو خطأ محض.
قوله: ((عن أبي هريرة قال قال النبي ◌َّه)) كذا وقع مرفوعاً في أكثر الأصول. وذكر
أبو مسعود وخلف أنه موقوف، وأبى ذلك الطرقي وغيره. ووقع أيضاً موقوفاً في رواية أبي
كريمة والنسفي، وكذا ذكر أبو نعيم أنه وقع هنا للبخاري موقوفاً. وبذلك جزم الحميدي،
وساق البخاري هذا الحديث هنا مختصراً وساقه في أحاديث الأنبياء، عليهم السلام، في:
باب قول الله تعالى: ﴿واتخذ الله إبراهيم خليلاً﴾ [النساء: ١٢٥] بأتم منه. قوله: ((بجبار))،
أي: ملك خَران، قاله الكرماني، وقال غيره: ملك مصر. قوله: ((آجر)) أي: هاجر بالهمزة بدل
الهاء، وقد مر الكلام فيه هناك مستقصىّ. قوله: ((قال أبو هريرة: فتلك أمكم))، أي: هاجر
أمكم يا بني ماء السماء، أراد به العرب، لأن هاجر أم إسماعيل، عليه الصلاة والسلام،
والعرب من نسله وسموا به لأنهم سكان البوادي وأكثر مياههم من المطر.
٢٣ /٥٠٨٥ _ حدَّثنا قتَيْبَةُ حدثنا إسماعِيلُ بنُ جَعْفَرٍ عنْ حُمَيْدٍ عنْ أَنَسٍ، رضي الله
عنهُ، قال: أقام النبيُّ عَّلِ: بَيْنَ خَيْبَرَ والمَدِينَةِ ثَلاَثًاً يُثْنَى عَلَيْهِ بِصَفِيَّةً بِنْتِ حُيَيٍّ، فَدَعَوْتُ
عمدة القارى /7 ٢٠ /م٨

١١٤
٦٧ - كِتَابُ النِّكاحِ / باب (١٤)
المُسْلِمينَ إلى ولِيمَتِهِ، فَما كانَ فِيها مِنْ خُبْزٍ ولاَ لَحمِ أُمِرَ بالأنْطاعِ فَأَلْقَى فِيها منَ الثَّعْرِ
والأقِطِ والسَّمْنِ، فكانَتْ ولِيمَتَهُ فقال المُسْلِمُونَ: إِحْدَى أَمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ، أَوْ مِمَّا مَلَكَتْ
يَمِيئُهُ؟ فقالُوا: إنْ حَجَبَها فَهْيَ مِنْ أمهاتِ المُؤْمِنِينَ، وإنْ لَمْ يَخْجُبْها فَهْيَ مِمَّا مَلَكَتْ يَمِينَهُ.
فَلَمَّا ارْتَحَلَ وطَأْ لَها خَلْفَهُ ومَدَّ الحِجابَ بَيْنَها وبَيْنَ النَّاسِ. [انظر الحديث ٣٧١ وأطرافه].
مطابقته للترجمة من حيث إن الصحابة ترددوا في أن صفية: هل هي زوجته أو سريته؟
فيطابق الجزء الأول من الترجمة.
والحديث مضى في المغازي في غزوة خيبر، ويأتي في الأطعمة عن قتيبة أيضاً.
وحمد بن سلام فرقهما.
وأخرجه النسائي في النكاح وفي الوليمة عن علي بن حجر، ومر الكلام فيه هناك.
قوله: ((يُبنى عليه)) على صيغة المجهول من البناء وهو الدخول بالزوجة، والأصل فيه
أن الرجل، إذا تزوج امرأة بنى عليها قبة ليدخل بها فيها، فيقال: بنى الرجل على أهله، وقال
الجوهري: ولا يقال بني بأهله. قوله: ((إحدى)) الهمزة الاستفهامية مقدرة أي: أإحدى إلى
آخره. قوله: ((وطَّأها خلفه)) أي: هيأ لصفيه شيئاً تقعد عليه خلفه على الناقة.
١٤ - بابُ مَنْ جَعَلَ عِثْقَ الأَمَةِ صَدَاقَها
أي: هذا باب في بيان من جعل عتق الأمة صداقها، معناه: أن يعتق أمة على أن يتزوج
بها ويكون عتقها صداقها، ولم يذكر في الترجمة حكم هذا، وقد اختلف العلماء فيه، فقال
سعيد بن المسيب والحسن البصري، وإبراهيم النخعي وعامر الشعبي والأوزاعي ومحمد بن
مسلم الزهري وعطاء بن أبي رباح وقتادة وطاووس والحسن بن حيي وأحمد وإسحاق: جاز
ذلك، فإذا عقد عليها لا تستحق عليه مهراً غير ذلك العتاق وممن قال بهذا القول: سفيان
الثوري وأبو يوسف صاحب أبي حنيفة، وذكر الترمذي أنه مذهب الشافعي. وقال النووي: قال
الشافعي: فإن أعتقها على هذا الشرط فقبلت عتقت ولا يلزمها أن تتزوجه بل له عليها قيمتها
لأنه لم يرض بعتقها مجاناً. فإن رضيت وتزوجها على مهر يتفقان عليه فله عليها القيمة ولها
عليه المهر المسمى من قليل أو كثير، وإن تزوجها على قيمتها فإن كانت قيمتها معلومة له
أو لها صح الصداق ولا يبقى له عليها قيمة ولا لها عليه صداق، وإن كانت مجهولة ففيه
وجهان لأصحابنا: أحدهما: يصح الصداق، وأصحهما، وبه قال جمهور أصحابنا: لا يصح
الصداق بل يصح النكاح ويجب لها مهر المثل، انتهى. وقال الليث بن سعد وابن شبرمة
وجابر بن زيد وأبو حنيفة ومحمد وزفر ومالك: لا يجوز ذلك، وقال الطحاوي: ليس لأحد
غير رسول الله عَّ لهم أن يفعل هذا فيتم له النكاح بغير صداق سوى العتاق، إنما كان ذلك
لرسول الله عَّه لأن الله، عز وجل، جعل له أن يتزوج بغير صداق، ويكون له التزوج على
العتاق الذي ليس بصداق. وقال أبو حنيفة: إن فعل ذلك رجل وقع العتاق ولها عليه مهر
المثل، فإن أبت أن تتزوجه تسعى له في قيمتها، وقال مالك وزفر: لا شيء له عليها.

١١٥
٦٧ - كِتابُ الفِّكاحِ / باب (١٤)
٥٠٨٦/٢٤ _ حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعيدٍ حدثنا حَمَّادٌ عنْ ثابِتٍ وشُعَيْبٍ بنِ الْحَبحَابِ
عنْ أنَسِ بنِ مالِكِ: أنَّ رسولَ الله عَ لِّ أَعْتَقَ صَفِيَّةَ وجعَلَ عِثْقَها صَدَاقَها. [انظر الحديث
٣٧١ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة. وحماد هو ابن زيد، وثابت هو ابن أسلم البناني، بضم
الموحدة وتخفيف النون الأولى، وشعيب بن الحبحاب، بفتح الحاءين المهملتين وسكون
الباء الموحدة الأولى: البصري.
والحديث قد مر في غزوة خيبر.
واحتجت الطائفة الأولى أعني: سعيد بن المسيب والحسن البصري ومن معهما بهذا
الحديث فيما ذهبوا إليه، وأجابت الطائفة الثانية بأجوبة منها أنهم قالوا: هذا من قول أنس لأنه
لم يسنده فلعله تأويل منه إذ لم يسم لها صداق، ومنها ما قاله الطحاوي: إنه مخصوص بالنبي
عَّلَّه وليس لغيره أن يفعل ذلك، ومنها أن الطحاوي روى عن ابن عمر عن النبي عَ ◌ّه أنه فعل
في جويرية بنت الحارث مثلما فعله في صفية، ثم قال ابن عمر: بعد النبي عَ لَّه في مثل هذا
الحكم أنه يجدد لها صداقاً، فدل هذا أن الحكم في ذلك بعد رسول الله عَّم على غير ما
كان لرسول الله عَّ ◌ُلّه، ويحتمل أن يكون ذلك سماعاً سمعه من رسول الله عَ لّه، ويحتمل أن
يكون دله على هذا خصوصيته عَّ له بذلك، وعلى كلا التقديرين تقوم الحجة لأهل المقالة
الثانية قلت: ومما يؤيد كلام ابن عمر ما رواه البيهقي من حديث القواريري: حدثتنا عليلة
بنت الكميت عن أمها أميمة بنت رزينة عن أمها رزينة، قالت: لما كان يوم قريضة والنضير
جاء رسول الله عَ لِّ بصفية يقودها سبية حتى فتح الله عليه وذراعها في يده، فأعتقها وخطبها
وتزوجها وأمهرها رزينة. قلت: رزينة، بضم الراء وفتح الزاي وسكون الياء آخر الحروف وفتح
النون: خادمة رسول الله عَّه، وقال ابن المرابط: قول أنس: أصدقها نفسها، أنه من رأيه
وظنه، وإنما قال ذلك مدافعة للسائل. ألاَ تَرى أنه قال: فقال المسلمون: إحدى أمهات
المؤمنين؟ فكيف علم أنس أنه أصدقها نفسها قبل ذلك؟ وقد صح عنه أنه لم يعلم أنها
زوجته إلاَّ بالحجاب، فدل أن قوله هذا لم يشهده على نبينا عَّهِ ولا غيره، وإنما ظنه أنس
والناس معه ظناً، مع أن كتاب الله أحق أن يتبع قال: ﴿وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي﴾
[الأحزاب: ٥٠] الآية فهذا يدل على أنه أعتقها وخيرها في نفسها فاختارته عَ لَّه فنكحها بما
خصه الله تعالى بغير صداق، وأما وجه النظر فيه أنا إذا جعلنا العتق صداقاً. فإما أن يتقرر العتق
حالة الرق وهو محال لتناقضهما، أو حالة الحرية فيلزم سبقيته على العقد، فيلزم وجود العتق
فرض عدمه وهو محال، لأن الصداق لا بد أن يتقدم تقرره على الزوج إما نصاً وإما حكماً
حتى تملك الزوجة طلبه، وإن لم يتعين لها حالة العقد شيء، لكنها تملك المطالبة، فثبت أنه
ثابت لها حالة العقد شيء يطالب به الزوج، ولا يتأتى مثل ذلك في العتق، فاستحال أن يكون
صداقاً، فافهم. وقال ابن الجوزي: فإن قيل: ثواب العتق عظيم، فكيف فوته حيث جعله مهراً
وكان يمكن جعل المهر غيره؟ فالجواب أن صفية بنت مالك ومثلها لا يقنع في المهر إلاّ

١١٦
٦٧ - كِتَابُ النِّكاحِ / باب (١٥ و١٦)
بالكثير ولم يكن عنده عَّ له إذ ذاك ما يرضيها به، ولم ير أن يقصر بها فجعل صداقها نفسها،
وذلك عندها أشرف من المال الكثير.
١٥ - باب تَزْويج المُغسِرِ لقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إِن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله﴾[النور: ٣٢]
أي: هذا باب في بيان جواز تزويج المعسر، واستدل عليه بقوله تعالى: ﴿إِن يكونوا
فقراء يغنهم الله من فضله﴾ [النور: ٣٢]، وحاصل المعنى: أن الإعسار في الحال لا يمنع
التزويج لاحتمال حصول المال في المآل.
٢٥/ ٥٠٨٧ - حدَّثُنا قُتَيْبَةُ حدَّثنا عبْدُ العَزِيزِ بنُ أبي حازمِ عنْ أبيهِ عنْ سَهْل بن
سَعدِ السَّاعِدِيِّ قال: جاءَتِ امْرَأَةٌ إلى رسولِ اللهِ عَّهِ، فَقالَتْ: يا رسولَ الله! جِئْتُ أَهَبُ
لَكَ نفسِي. قال: فَتَظَرَ إليْها رسولُ اللهِ عَلَّ فِصَعَّدَ النَّظَرَ إليها وصَرَّبَهُ ثُمَّ طأطأ رسولُ الله
سَّهِ، رَأْسَهُ، فَلَمَّا رَأْتِ المَرَةُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ فيها شَيئاً جلَسَتْ، فقامَ رجُلٌ منْ أصحابهِ فقال:
يا رسولُ الله! إنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِها حاجَةٌ فزَوَّجْنِيها، فقال: وهَلْ عِنْدَكَ منْ شَيْءٍ؟ قال: لا
والله يا رسولَ الله، فقال: اذْهَبْ إلى أهْلِكَ فَانظُرْ هَلْ تجِدُ شَيْئاً، فَذَهَبَ ثُمَّ رجَعَ فقال: لا
والله يا رسولَ الله، ولا خاتماً منْ حَدِيدٍ ولكنْ لهذا إِزَارِيٍ، قال: سهْلٌ: مالَهُ رِدَاءٌ فَلَها نِصْفُهُ،
فقال رسولُ اللهِ عَّهِ: ما تَصْنَعُ بِإِزَارِك إنْ لِبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْها مِنْهُ شَيءٌ، وإنْ لَبِسَتْهُ لَمْ
يَكُنْ عَلَيْكَ شَيْءٌ؟ فَجَلَسَ الرَّجُلُ حَتَّى إِذَا طالَ مَجْلِسُهُ قَامَ، فَرَآهُ رسولُ اللهِ صَ لِّ مُوَّلِّياً، فَأَمَرَ
بِهِ فِدُعِيَ، فَلَمَّا جاءَ قال: ماذَا معَكَ مِنَ القُرْآنِ؟ قال: مَعِي سورَةُ كذا وسورَةُ كَذا، عَدَّدَها،
فقال: تَقْرَؤُهُنَّ عنْ ظَهْرٍ قَلْبِكَ؟ قال: نَعَمْ. قال: إِذْهَبْ فَقَدْ ملَّكْتَكَها بِمَا معَكَ مِنَ القرْآنِ.
[انظر الحديث ٢٣١٠ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة وعبد العزيز بن أبي حازم، بالحاء المهملة والزاي، يروي عن
أبيه أبي حازم سلمة بن دينار، وهذه الترجمة ذكرها البخاري فيما قبل في كتاب النكاح
بقوله: باب تزويج المعسر الذي معه القرآن والإسلام، وقال فيه: سهل عن النبي عَّه، والفرق
بين الترجمتين أن تلك أخص من هذه، وأورد حديث سهل هذا فيما قبل في: باب القراءة عن
ظهر القلب، أخرجه بتمامه عن قتيبة بن سعيد عن يعقوب بن عبد الرحمن عن أبي حازم عن
سهل بن سعد، وأعاد هنا بهذه الترجمة عن قتيبة عن عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن
سهل إلى آخره، بنحو ذاك المتن بعينه، ومر الكلام فيه هناك مستوفى.
قوله: ((فصعد النظر إليها)) أي: رفع نظره إلى تلك المرأة. قوله: ((وصوبه)) أي: خفض
نظره. قوله: ((عن ظهر قلبك))، لفظ: الظهر، مقحم، أو معناه على استظهار قلبك.
١٦ - بابُ الأكْفاءِ في الدِّينِ
أي: هذا باب في بيان أن الأكفاء التي بالإجماع هي أن يكون في الدين فلا يحل
للمسلمة أن تتزوج بالكافر، والأكفاء جمع كفء بضم الكاف وسكون الفاء بعدها همزة،

١١٧
٦٧ - كِتابُ النِّكاحِ / باب (١٦)
وهو المثل والنظير.
وقوْلِهِ ﴿وهْوَ الَّذِي خَلَقٍ مِنَ الْمَاءِ بِشَراً فجَعَلَهُ نَسباً وصِهراً وكانَ رَبُّكَ قديراً﴾.
[الفرقان: ٥٤]
وقوله: بالجر عطف على الأكفاء أي: وفي بيان قوله عز وجل في القرآن: ﴿وهو الذي
خلق من الماء﴾ [الفرقان: ٥٤] الآية، وغرضه من إيراد هذه الآية الإشارة إلى أن النسب
والصهر مما يتعلق بهما حكم الكفاءة، وعن ابن سيرين: أن هذه الآية نزلت في النبي عَ لَّه.
وعلي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه، زوج، عليه السلام، فاطمة، رضي الله تعالى عنها،
علياً وهو ابن عمه وزوج ابنته فكان نسباً وكان صهراً. قوله: ﴿وهو الذي خلق من الماء﴾
[الفرقان: ٥٤] أي: من النطفة بشراً، فجعل البشر على قسمين: نسباً ذوي نسب أي ذكوراً
ينسب إليهم، فيقال: فلان ابن فلان وفلانة بنت فلان. وصهراً ذوات صهر أي: إناثاً يصاهر
بهن، وعن علي، رضي الله تعالى عنه: النسب ما لا يحل نكاحه، والصهر ما يحل نكاحه،
وقال الضحاك وقتادة ومقاتل: النسب سبعة والصهر خمسة. واقرؤوا قوله تعالى: ﴿حرمت
عليكم أمهاتكم وبناتكم﴾ [النساء: ٢٣] إلى آخر الآية.
٢٦ / ٥٠٨٨ _ حدَّثنا أبو اليَمانِ أَخْبرنا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قال: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بنُ
الزُّبَيْرِ عنْ عَائِشَةَ، رضي الله عنها: أنَّ أبا حُذَيْفَةَ بنَ عُثْبَةَ بنِ ربِيعَةَ بنِ عَبْدِ شَمْسٍ، وكانَ
مِمَّنْ شَهِدَ بَدْراً معَ النبيِّ عَُّلَّهِ، تَبَنَّى سالِماً وأَنْكَحَهُ بْتُ أَخِيهِ هِنْدَ بنْتَ الوَلِيدِ بنِ عُثْبَةً بن
رَبِيعَةَ وهْوَ مَوْلى لِمْرَأَةٍ مِنَ الأَنْصارِ، كَما تَبَنَّى النبيُّ عَّلَّهِ زَيْداً، وكانَ منْ تَبَنَّى رَجُلاً في
الجَاهِليَّةِ دَعاهُ النَّاسُ إِليْهِ وَوَرِثَ مِنْ مِيرَاثِه حتَّى أَنْزَلَ الله ﴿أُدْعُوهُمْ لَآبَائِهِمْ﴾ إلى قوْلِهِ
﴿ومواليكم﴾ [الأحزاب: ٥] فَرُدُّوا إِلى آبائِهِمْ فمَنْ لَم يُعْلَمْ لَهُ أَبّ كانَ مَوْلىّ وأخاً في
الدِّينِ، فَجاءَتْ سَهْلةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ بِنِ عَمْرِو القُرَشِيِّ ثُمَّ العامِرِيِّ، وهْيَ امْرَأَةُ أَبِي حُذَيْفَةَ بنِ عُثْبَةً
النبيَّ عَ لَّهِ، فقالَتْ: يا رسول الله! إنّا كُتّا نَرَى سالِماً وَلَداً، وقَدْ أَنْزَلَ الله فِيهِ ما قَدْ عِلِمْتَ
فذَكَرَ الحَدِيثَ. [انظر الحديث ٤٠٠٠].
مطابقته للترجمة تؤخذ من تزويج أبي حذيفة بنت أخيه هنداً لسالم الذي تبناه. وهو
مولى لامرأته من الأنصار، ولم يعتبر فيه الكفاءة إلاَّ في الدين.
وأبو اليمان الحكم بن نافع، وشعيب بن أبي حمزة، والزهري محمد بن مسلم.
والحديث أخرجه النسائي أيضاً في النكاح عن عمران بن بكار عن أبي اليمان شيخ
البخاري.
قوله: ((أن أبا حذيفة))، اسمه: مهشم، على المشهور وقيل: هاشم، وقيل: هشيم، وقيل
غير ذلك، وهو خال معاوية بن أبي سفيان. قوله: ((ابن عتبة))، بضم العين المهملة وسكون
التاء المثناة من فوق ابن ربيعة بفتح الراء ابن عبد شمس القرشي العبشمي، وكان من فضلاء
الصحابة من المهاجرين الأولين، صلى القبلتين وهاجر الهجرتين وشهد بدراً والمشاهد كلها

١١٨
٦٧ - كِتَابُ النّكاحِ / باب (١٦)
مع رسول الله عَّه، وقتل يوم اليمامة شهيداً وهو ابن ثلاث أو أربع وخمسين سنة. قوله:
((تبنى سالماً)) أي: اتخذه ابناً، وسالم هو ابن معقل، بفتح الميم وسكون العين المهملة
وكسر القاف، وفي آخره لام، يكنى أبا عبد الله، وقال أبو عمر: هو من أهل فارس من
اصطخر، وقيل: إنه من عجم الفرس من كرمد، وكان من فضلاء الموالي ومن خيار الصحابة
وكبارهم، وهو معدود في المهاجرين وفي الأنصار أيضاً لعتق مولاته الأنصارية، فقال أبو
عمر: شهد سالم بدراً وقتل يوم اليمامة شهيداً وهو مولاه أبو حذيفة فوجد رأس أحدهما عند
رجلي الآخر، وذلك سنة اثنتي عشرة من الهجرة. قوله: ((وأنكحه بنت أخيه هند)) أي: زوجه
بنت أخيه. فقوله: ((هند)) يجوز فيه الصرف ومنعه، أما منعه فللعلمية والتأنيث، وأما صرفه
فلأن سكون أوسطه يقاوم أحد السببين، وهو هنا في محل النصب لأنه عطف بيان عن بنت،
ووقع عند مالك: وأنكحه بنت أخيه فاطمة، ولا كلام فيه لأنها ربما كانت تسمى باسمين،
والوليد بن عتبة قتل ببدر كافراً، وقال ابن التين: ووقع في بعض الروايات: بنت أخته، بضم
الهمزة وسكون الخاء وبالتاء المثناة من فوق وهو غلط. قوله: ((وهو مولى)) أي: سالم
المذكور مولى لامرأة من الأنصار واسمها ثبيتة، بضم الثاء المثلثة وفتح الباء الموحدة
وإسكان الياء آخر الحروف وفتح التاء المثناة من فوق: بنت يعار، بفتح الياء آخر الحروف
وتخفيف العين المهملة وبعد الألف راء: ابن زيد بن عبيد بن مالك بن عمرو بن عوف
الأنصارية، كانت من المهاجرات الأول ومن فضلاء نساء الصحابة، وهي زوج أبي حذيفة
المذكور، وهي مولاة سالم بن معقل المذكور، ويقال له: سالم مولى أبي حذيفة، أعتقه ثبيتة
فوالى سالم أبا حذيفة، فلذلك يقال: سالم مولى أبي حذيفة. وقال أبو طوالة: اسم هذه المرأة
من الأنصار عمرة بنت يعار الأنصارية، وقال ابن إسحاق: اسمها سلمى بنت يعار. قوله: ((كما
تبنى النبي عَّه)) أي: كما اتخذ النبي، عليه السلام، زيد بن حارثة ابناً له، حتى يقال: ابن
محمد. قوله: ((وكان من تبنى)) كلمة: من اسم كان.
قوله: ((دعاه الناس إليه)) خبره أي: كانوا يقولون الذي تبناه: هذا ابن فلان، وكان
يرث من ميراثه أيضاً كما يرث ابنه من النسب حتى أنزل الله تعالى ﴿أدعوهم لآبائهم﴾
[الأحزاب: ٥] وقبل الآية ﴿وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول
الحق وهو يهدي السبيل ادعوهم لأبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا أباءهم فإخوانكم
في الدين ومواليكم﴾ [الأحزاب: ٤ - ٥] قوله ﴿وما جعل أدعياء كم﴾ [الأحزاب: ٤] يعني:
من سميتموهم أبناءكم، نزلت في زيد بن حارثة الكلبي من بني عبدود كان عبداً لرسول الله
عَ ليه فأعتقه وتبناه قبل الوحي وآخى بينه وبين حمزة بن عبد المطلب في الإسلام، فجعل
الفقراء أخاً للغني ليعود عليه، فلما تزوج النبي عَّم زينب بنت جحش الأسدي، وكانت
تحت زيد بن حارثة، قال اليهود والمنافقون: تزوج محمد امرأة ابنه ونهى الناس عنها، فأنزل
الله تعالى هذه الآية: ﴿ذلكم قولكم﴾ [الأحزاب: ٤] ولا حقيقة له يعني: قولهم: زيد بن
محمد بن عبد الله ﴿والله يقول الحق وهو يهدي السبيل﴾ [الأحزاب: ٤] أي: سبيل الحق

١١٩
٦٧ - كِتَابُ النِّكاحِ / باب (١٦)
ثم قال: ﴿ادعوهم لآبائهم﴾ [الأحزاب: ٥] الذين ولدوهم، وبيَّن أن دعاءهم لآبائهم هو
أدخل الأمرين في القسط والعدل عند الله، فإن لم تعلموا لهم آباء تنسبونهم إليهم فإخوانكم
أي: فهم إخوانكم في الدين مواليكم إن كانوا محرريكم. قوله: ((فردوا)) على صيغة
المجهول ((إلى آبائهم)) الذين ولدهم. قوله: ((فمن لم يعلم)) على صيغة المجهول، وقوله:
((أب)) مرفوع به كان مولى وأخاً في الدين قوله: ((فجاءت سهلة)) وهي التي روت عن النبي
عَّلِ الرخصة في رضاع الكبير، روى عنها القاسم بن محمد. قوله: ((وهي امرأة أبي
حذيفة)) وهي ضرة معتقة سالم، هذه قرشية وتلك أنصارية. قوله: ((النبي)) بالنصب بقوله:
((فجاءت سهلة)) قوله: ((إنا كنا نرى)) بفتح النون بمعنى نعتقد. قوله: ((ما قد علمت)) أرادت
به قوله تعالى: ﴿ادعوهم لآبائهم﴾ [الأحزاب: ٥] وقوله: وما جعل أدعياء كم أبناء كم
[الأحزاب: ٤] قوله: ((فذكر الحديث)) أي: فذكر أبو اليمان الحديث، قاله البخاري ولم
يذكره هو، ورواه أبو داود من حديث الزهري عن عروة عن عائشة وأم سلمة، وقال الحميدي
في الجمع: أخرجه البرقاني في كتابه بطوله من حديث أبي اليمان بسنده بزيادة: فكيف
ترى يا رسول الله؟ فقال: أرضعيه، فأرضعته خمس رضعات، فكان بمنزلة ولدها من الرضاع،
فبذلك كانت عائشة، رضي الله تعالى عنها، تأمر بنات أخيها وأختها أن يرضعن من أحبت
عائشة أن يراها ويدخل عليها وإن كان كبيراً خمس رضعات فيدخل عليها، وأبت أم سلمة
وسائر أزواج النبي عَِّ أن يُدخلن عليهن بتلك الرضاعة أحداً من الناس، ويروى أن سهلة
قالت: يا رسول الله! إن سالماً بلغ مبلغ الرجال وإنه يدخل علينا، وإني أظن من نفس أبي
حذيفة من ذلك شيئاً. فقال: أرضعيه تحرمي عليه ويذهب ما في نفسه، فأرضعته فذهب الذي
في نفسه. وفي مسلم من حديث القاسم عن عائشة: جاءت سهلة إلى النبي عَّم فقالت: يا
رسول الله! إني أرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم، فقال: أرضعيه، فقالت كيف
أرضعه وهو رجل كبير؟ فتبسم وقال: قد علمت أنه رجل كبير، وفي رواية ابن أبي مليكة:
أرضعيه تحرمي عليه ويذهب الذي في وجه أبي حذيفة، فرجعت وقالت: قد أرضعته، فذهب
الذي في نفس أبي حذيفة. وقال القاضي: لعلها حلبته ثم شربه من غير أن يمس ثديها ولا
التقت بشرتاهما. هذا الذي قاله حسن، وقال النووي: يحتمل أنه عفي عن مسه للحاجة كما
خص بالرضاعة الكبر، وبهذا قالت عائشة وداود، وتثبت حرمة الرضاع برضاع البالغ كما تثبت
برضاع الطفل، وعند جمهور العلماء من الصحابة والتابعين وعلماء الأمصار: إلى الآن لا تثبت
إلاّ برضاع من له دون سنتين، وعند أبي حنيفة: بسنتين ونصف، وعند زفر: بثلاث سنين،
وعن مالك: بسنتين وأيام، واحتجوا فيه بقوله تعالى: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين
كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾ [البقرة: ٢٣٣] وبأحاديث كثيرة مشهورة، وأجابوا عن
حديث سهلة على أنه مختص بها وبسالم، وقيل: إنه منسوخ، والله أعلم.
٥٠٨٩/٢٧ - حدَّثنا عُبَيْدُ بنُ إسْماعِيلَ حدثنا أبو أسامَةَ عَنْ هِشامٍ عَنْ عَائِشَة، رضِي
الله تعالى عنها، قالَتْ: دَخَلَ رسولُ اللهِ عَ لِ علَى ضُباعَة بنْتِ الزُّبَيْرِ، فقال لَها: لعَلَّكِ

١٢٠
٦٧ - كِتابُ النّكاحِ / باب (١٦)
أُرَدْتِ الحَجَّ؟ وقالَتْ: والله لا أجِدُني إلاَّ وَجعَةٌ. فقال لَها: حُجِّي واشْتَرِطي، قُولِي: اللَّهُمَّ
مَحِلِّي حيْثُ حَبَسْتِي، وكانَتْ تَحْتَ المِقْدَادِ بنِ الأسْوَدِ.
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((وكانت)) أي: ضباعة ((تحت المقداد بن الأسود))
بيانه أن المقداد هو ابن عمرو بن ثعلبة بن مالك الكندي، وقد نسب إلى الأسود بن عبد
يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة الزهري لأنه كان تبناه، وخالفه في الجاهلية فقيل:
المقداد بن الأسود، وقال أبو عمر: قد قيل: إنه كان عبداً حبشياً للأسود بن عبد يغوث فتبناه،
والأول أصح، وتزوج ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب الهاشمية بنت عم النبي صلى الله
تعالى عليه وسلم، ولو كانت الكفاءة معتبرة في النسب لما جاز للمقداد أن يتزوج ضباعة
وهو فوقه في النسب، فوافق الحديث الترجمة في أن اعتبار الكفاءة في الدين، وسنذكر
الخلاف فيه، وكان المقداد من الفضلاء النجباء الكبار الخيار من أصحاب النبي صلى الله
تعالى عليه وسلم، وعن ابن مسعود: أن أول من أظهر الإسلام سبعة، فذكر منهم
المقداد، وشهد المقداد فتح مصر ومات في أرضه بالجرف فحمل إلى المدينة ودفن بها
وصلى عليه عثمان، رضي الله تعالى عنه، سنة ثلاث وعبيد بن إسماعيل اسمه في الأصل:
عبد الله بن إسماعيل أبو محمد الهباري القرشي الكوفي، مات في ربيع الأول يوم الجمعة
سنة خمسين ومائتين، روى عن أبي أسامة حماد بن أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عروة
ابن الزبير عن عائشة، رضي الله تعالى عنها.
والحديث أخرجه مسلم في الحج. قوله: ((لا أجدني)) أي: لا أجد نفسي، وكون
الفاعل والمفعول ضميرين لشيء واحد من خصائص أفعال القلوب. قوله: ((واشترطي)) أي:
إنك حيث عجزت عن الإتيان بالمناسك وانحبست عنها بسبب قوة المرض تحللت، وقولي:
اللهم مكان تحللي عن الإحرام مكان حبستني فيه عن النسك بعلة المرض.
واختلفوا في هذا الاشتراط، فأجازه عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وعمار وابن عباس
وسعيد بن المسيب وعروة وعطاء وعلقمة وشريح، وقال صاحب التوضيح: وهو الأظهر عند
الشافعي، وهو قول أحمد وإسحاق وأبي ثور. ومنعه طائفة وقالوا: هو باطل، روي ذلك عن
ابن عمر وعائشة، وهو قول النخعي والحكم وطاووس، وسعيد بن جبير، وإليه ذهب مالك
والثوري وأبو حنيفة، وقالوا: لا ينفعه اشتراط يمضي على إحرامه حتى يتم، وكان ابن عمر
ينكر ذلك ويقول: أليس حسبكم سنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم؟ فإنه لم
يشترط، فإن حبس أحدكم بحابس عن الحج فليأت البيت فليطف به وبين الصفا والمروة
ويحلق أو يقصر، وقد حل من كل شيء حتى يحج قابلاً ويهدي أو يصوم إن لم يجد هدياً،
وأنكر ذلك طاووس وسعيد بن جبير وهما رويا الحديث عن ابن عباس، وأنكره الزهري وهو
رواه عن عروة، فهذا كله مما يوهن الاشتراط. وزعم ابن المرابط أن عدم ذكر البخاري هذا
الحديث في كتاب الحج دلالة على أن الاشتراط عنده لا يصح.
قلت فيه نظر لا يخفى.