النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
٦٦ - كِتَابُ فَضائِلِ القُرْآنِ / باب (٢١)
عن محمد بن أبان عن علقمة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن أبان بن عثمان بن عفان عن
أبيه عثمان. قلت: قال الدارقطني: وهم في ذكر أبان في إسناده، فقال أبو العلاء: فإن ثبتت
روايته فالحديث غريب على أنه يحتمل أن يكون السلمي سمع الحديث من أبان ثم سمعه
من عثمان نفسه، وروى عاصم بن علي في إحدى الروايتين عنه عن شعبة عن مسعر عن
علقمة عن سعد بن عبيدة عن السلمي عن علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه، فإن
ثبتت هذه الرواية فهو غريب جداً، ورواه محمد بن أبي بكر الحضرمي عن شريك عن عاصم
ابن بهدلة عن السلمي عن ابن مسعود، قال الدارقطني: وأصحها: علقمة عن سعد عن ابني
عبد الرحمن عن عثمان مرفوعاً، وقد أدرج بعض الرواة في هذا الحديث كلمات يظن من لا
علم له بمساق الحديث أنها مرفوعة، وهو أن أبا يحيى إسحاق بن سليمان الرازي روى عن
الجراح بن الضحاك عن علقمة عن السلمي عن عثمان قال: قال رسول الله عَّ: خيركم من
تعلم القرآن وعلمه، وفضل القرآن على سائر الكلام كفضل الخالق على المخلوق، وذلك أنه
منه، وهذه الزيادة إنما هي من كلام أبي عبد الرحمن، قال ذلك عامة الحفاظ بينها إسحاق بن
راهويه وغيره.
قوله: ((وعلمه)) بواو العطف عند الأكثرين، وفي رواية السرخسي: أو علمه، بكلمة أو
للتنويع لا للشك. وفي الحديث دلالة على أن قراءة القرآن أفضل أعمال البر كلها، لأنه لما
كان من تعلم القرآن أو علمه أفضل الناس أو خيرهم دل على ما قلنا. فإن قلت: أيما أفضل
تعلم القرآن أو تعلم الفقه؟ قلت: قال ابن الجوزي: تعلم اللازم منهما فرض على الأعيان،
وتعلم جميعهما فرض على الكفاية إذا قام به قوم سقط عن الباقين، فإن فرضنا الكلام في
التزيد منهما على قدر الواجب في حق الأعيان فالمتشاغل بالفقه أفضل، وذلك راجع إلى
حاجة الإنسان لأن الفقه أفضل من القراءة، وإنما كان القارىء في زمن النبي عَّ هو الأفقه
فلذلك قدم القارىء في الصلاة.
قال: وأَقْرَأْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمنِ في إِمْرةٍ عُثْمانَ حتَّى كَانَ الحَجَّاجُ، قال: وذَاكَ الَّذِي
أَقْعَدَني مَقْعَدِي هذَا.
أي: قال سعد بن عبيدة أقرأ أبو عبد الرحمن من الإقراء يعني أقرأ أبو عبد الرحمن
الناس في إمرة عثمان بن عفان إلى أن انتهى إقراؤه الناس إلى زمن الحجاج بن يوسف
الثقفي، وهذه مدة طويلة، ولم يبين ابتداء إقرائه، ولا انتهاء آخره على التحرير، غاية ما في
الباب أن بين أول خلافة عثمان وآخر ولاية الحجاج العراق ثنتان وسبعون سنة إلاّ ثلاثة أشهر،
وبين آخر خلافة عثمان وأول ولاية الحجاج العراق ثمان وثلاثون سنة. قوله: «قال: وذاك
الذي)) أي: قال أبو عبد الرحمن السلمي: وذاك إشارة إلى الحديث المرفوع أي: إن الحديث
الذي حدث به عثمان في أفضلية من تعلم القرآن وعلمه حملني على أن أقعدني مقعدي هذا
وأشار به إلى مقعده الذي كان يقرأ الناس فيه. وفي الحقيقة مراده من العقد الذي أقعد فيه
منزلته التي حصلت له مع طول المدة ببركة تعليمه القرآن الكريم للناس، وإسناده إليه إسناداً
:
1

٦٢
٦٦ - كِتابُ فَضائِل القُرْآنِ / باب (٢١)
مجازي، ويؤيد ما ذكرنا صريحاً ما رواه أحمد عن محمد بن جعفر وحجاج بن محمد
جميعاً عن شعبة عن علقمة بن مرثد عن سعد بن عبيدة قال: قال أبو عبد الرحمن: فذاك
الذي أقعدني هذا المقعد وقال الكرماني: وفي بعض نسخ البخاري: أقرأني، بذكر المفعول
وهذا أنسب لقوله: وذلك أي إقراؤه إياي هو الذي أقعدني في هذا المقعد الرفيع والمنصب
الجليل، ورد عليه بعضهم بقوله: إن الكرماني كأنه ظن أن قائل: وذاك الذي أقعدني، هو
سعد بن عبيدة وليس كذلك: بل هو أبو عبد الرحمن، ولو كان كما ظن للزم أن تكون المدة
الطويلة سبقت لبيان زمان قراءة أبي عبد الرحمن لسعد بن عبيدة، وليس كذلك وأيضاً فكان
يلزم أن يكون سعد بن عبيدة قرأ على أبي عبد الرحمن من زمن عثمان، وسعد لم يدرك زمان
عثمان، فإن أكبر شيخ له المغيرة بن شعبة وقد عاش بعد عثمان خمس عشرة سنة. انتهى.
قلت: ما قاله هو الصواب، وقد تاه الكرماني في هذا، وما اكتفى بنقله رواية: أقرأني التي ما
صحت حتى بنى عليها كلامه الذي صدر من غير روية.
٤٧/ ٥٠٣٨ - حدَّثنا أبُو نُعَيْم حدثنا سُفْيانُ عنْ عَلْقَمَةَ بنِ مَرْثَد عِنْ أبي عبْدِ
الرَّحْمنِ السُّلَمِيِّ عنْ عُثْمانَ بِنِ عَقَّنَ، قال: قال النبيُّ عَ لَّهِ: إِنَّ أَفْضَلَكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ أَوْ
عَلَّمَهُ. [انظر الحديث ٥٠٢٧].
هذا طريق آخر في الحديث المذكور. أخرجه عن أبي نعيم الفضل بن دكين عن
سفيان بن عيينة إلى آخره.
قوله: ((إن أفضلكم))، وذكر في الطريق الماضي: خيركم، ولا فرق بينهما في المعنى
لأن قوله: خيركم، تقديره: أخيركم، ولا شك أن أخيرهم هو أفضلهم. قوله: ((أو علمه))
بكلمة: أو ثبت عندهم وقد ذكرنا وجهه، ووقع في رواية الترمذي من طريق بشر بن السري
عن سفيان: خيركم أو أفضلكم، ووقع التنويع بين الخيرية والأفضلية كما نراه.
٥٠٢٩/٤٨ _ حدَّثنا عَمْرُو بنُ عَوْنِ حدثنا حَمَّادٌ عنْ أبي حازِمٍ عنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ
قال: أَتَتِ النبيَّ عَ لِّ امْرَأَةٌ فقالَتْ: إنَّها قَدْ وهَبَتْ نَفْسَها لِلّهِ ولِرَسُولِهِ عَ له، فقال: مالي في
النِّساءِ مِنْ حاجَةٍ، فقال رجلٌ: زَوِّجْنِيها. قال: أُعْطِها ثَوْباً. قال: لا أجِدُ. قال: أعْطِها ولوْ
خاتماً مِنْ حَديدٍ، فاعْتَلَّ لهُ، فقال: ما مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ؟ قال: كذَا وكَذَا. قال: فَقَدْ زَوَّجْتُكَها
بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ. [انظر الحديث ٢٣١٠ وأطرافه].
قيل: مطابقته للترجمة من حيث إنه عَ لَّه زوج المرأة لحرمة القرآن، واعترض عليه بأن
السياق يدل على أنه زوجها له على أن يعلمها قلت: في كل منهما نظر. أما الأول: فلأن
الترجمة ليست في بيان حرمة القرآن، وأما الثاني: فدلالته على التزويج على تعليم القرآن،
ويمكن أن يوجه المطابقة من قوله: كذا وكذا أي: سورة كذا، على ما وقع هكذا في الباب
الذي يليه، وهو أن الفضل ظهر على الرجل بحفظه كذا وكذا، سورة، ولم يحصل له هذا
الفضل إلاَّ من فضل القرآن، فدخل تحت قوله: ((خيركم من تعلم القرآن))، لأنه تعلم ودخل

٦٣
٦٦ - كِتابُ فَضائِلِ القُرْآنِ / باب (٢١)
في المتعلمين، ودخل أيضاً تحت قوله: ((وعلمه)) لأنه صلى الله تعالى عليه وسلم، إنما زوجه
إياها على أن يعلمها القرآن.
وبقي الكلام هنا في فصول.
الأول: في رجال الحديث، وهم: عمرو بالفتح ابن عون بن أوس الواسطي، نزل
البصرة وروى مسلم عنه بواسطة، وحماد هو ابن زيد، وأبو حازم بالحاء المهملة والزاي سلمة
ابن دينار، وسهل بن سعد بن مالك الساعدي الأنصاري، رضي الله تعالى عنه، وفيه التحديث
بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في موضعين.
الثاني: أنه أخرجه البخاري هنا أيضاً عن قتيبة على ما يأتي، وأخرجه أيضاً في النكاح
في مواضع في: باب النظر إلى المرأة قبل التزويج، عن قتيبة عن يعقوب بأتم من هذا، وهنا
اختصره في: باب إذا قال الخاطب للولي: زوجني فلانة، عن أبي النعمان عن حماد بن زيد
إلى آخره مختصراً وفي: باب التزويج على القرآن عن علي بن عبد الله وفي: باب المهر
بالعروض عن يحيى عن وكيع مختصراً. وأخرجه بقية الجماعة فمسلم أخرجه في النكاح عن
قتيبة بن سعيد، وأبو داود فيه عن القعنبي والترمذي فيه عن الحسن بن علي والنسائي فيه
وفي فضائل القرآن عن هارون بن عبد الله وابن ماجه في النكاح عن حفص بن عمرو.
الثالث: في معناه قوله: ((امرأة))، اختلف في اسم هذه المرأة الواهبة نفسها للنبي
عَّ له، فقيل: هي خولة بنت حكيم، وقيل: هي أم شريك الأزدية، وقيل: ميمونة، حكى هذه
الأقوال الثلاثة أبو القاسم بن بشكوال في كتاب المبهمات وقال شيخنا زين الدين لا يصح
شيء من هذه الأقوال الثلاثة أما خولة فإنها لم تتزوج، وكذلك أم شريك لم تتزوج، وأما
ميمونة فكانت إحدى زوجاته، فلا يصح أن تكون هذه لأن هذه قد زوجها لغيره. قوله: ((ولو
خاتماً)، بالنصب أي: ولو كان الذي يعطيها خاتماً، ويروى بالرفع، فوجهه إن صحت الرواية
يكون مرفوعاً بكان التامة المقدرة أي: ولو كان خاتم. قوله: ((من حديد)) كلمة من بيانية.
قوله: ((فاعتل له)) أي: حزن وتضجر لأجل ذلك، وقد جاء اعتل بمعنى تفاعل. قوله: ((ما معك
من القرآن؟» أي: أي شيء تحفظ من القرآن؟ قوله: ((قال: كذا وكذا))، وقد جاء في رواية .
أبي داود سورة البقرة والتي تليها.
الرابع: في استنباط الأحكام منه وفيه: جواز عقد النكاح بلفظ الهبة، وهو مذهب أبي
حنيفة وأصحابه والثوري والحسن بن حي. وصورته أن يقول الرجل: قد وهبت لك ابنتي،
فيقول الآخر: قبلت أو تزوجت، وسواء في ذلك سميا المهر أو لا فإن سمياه فلها المسمى
وإلاّ فلها مهر مثلها. وقال الشافعي: لا ينعقد بلفظ الهبة، وبه قال ربيعة وأبو ثور وأبو عبيد
ومالك على اختلاف عنه. ولا خلاف في جواز هبة المرأة نفسها للنبي عَّه، وهو من
خصائصه لقوله عز وجل: ﴿وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي﴾ [الأحزاب: ٥٠] وقال ابن
القاسم عن مالك: لا تحل الهبة لأحد بعد النبي عَّله، وفيه ما يستدل به الشافعي على جواز

٦٤
٦٦ - كِتابُ فَضائِلِ القُرْآنِ / باب (٢١)
النكاح بما تراضى عليه الزوجان: كالسوط والنعل، وإن كانت قيمته أقل من درهم، وبه قال
ربيعة وأبو الزناد وابن أبي ذئب ويحيى بن سعيد والليث بن سعد ومسلم بن خالد الزنجي
وأحمد وإسحاق والثوري والأوزاعي وداود وابن وهب من المالكية، وقال مالك لا يجوز أقل
من ربع دينار قياساً على القطع في السرقة، وقال ابن حزم: وجائز أن يكون صداقاً كل ماله
نصف قلَّ أو كثر، ولو أنه حبة بر أو حبة شعير أو غير ذلك، واستدل على ذلك بقوله: ((ولو
خاتماً من حديد)) وعن إبراهيم النخعي: أكره أن يكون المهر بمثل أجر البغي ولكن العشرة
والعشرين، وعنه: السنة في النكاح الرطل من الفضة، وعن الشعبي: كانوا يكرهون أن يتزوج
الرجل على أقل من ثلاث أواقي. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يجوز أن يكون الصداقة أقل
من عشرة دراهم، لما روى ابن أبي شيبة في مصنفه: عن شريك عن داود الزعافري عن
الشعبي، قال: قال علي، رضي الله تعالى عنه: لا مهر أقل من عشرة دراهم. والظاهر أنه قال
توفيقاً لأنه باب لا يوصل إليه بالاجتهاد والقياس.
فإن قلت: قال ابن حزم: الرواية عن علي باطلة لأنها عن داود الزعافري، وهو في غاية
السقوط، ثم هي مرسلة لأن الشعبي لم يسمع من علي قط حديثاً. قلت: قال ابن عدي: لم
أَرَ له حديثاً منكراً جاوز الحد إذا روى عنه ثقة، وإن كان ليس بقوي في الحديث فإنه يكتب
حديثه ويقبل إذا روى عنه ثقة، وذكر عن المزي أن الشعبي سمع علي بن أبي طالب، ولئن
سلمنا أن روايته مرسلة فقد قال العجلي: مرسل الشعبي صحيح ولا يكاد يرسل إلاَّ صحيحاً.
والجواب عن قوله: ((ولو خاتماً من حديد)) أنه خارج مخرج المبالغة كما في قوله: تصدقوا
ولو بظلف محرق، وفي لفظ: ولو بفرسن شاة، وليس الظلف والفرسن مما يتصدق بهما ولا
مما ينتفع بهما، ويقال: ولعل الخاتم كان يساوي ربع دينار، ويقال: لعل التماسه للخاتم لم
يكن كل الصداق بل شيء يعجله لها قبل الدخول: وفيه: إجازة اتخاذ خاتم الحديد. واختلف
العلماء في جواز لبسه، وفيه: ما يستدل به الشافعي وأحمد في رواية، والظاهرية على جواز
التزويج على سورة من القرآن، وعليه أن يعلمها ولم يجوز ذلك أبو حنيفة وأصحابه ومالك
وأحمد في رواية صحيحة والليث بن سعد وإسحاق بن راهويه، وقالوا: إذا تزوجها على تعليم
سورة فالنكاح صحيح ويجب فيه مهر مثلها، وهذا كمن تزوج امرأة ولم يسم لها مهراً فإنه
يجب مهر المثل وأجاب الطحاوي عنه بأن قوله: ((زوجتكها بما معك من القرآن)) أن حمل
على الظاهر، فذلك على السورة لا على تعليمها، وإذا كان ذلك على السورة فهو على
حرمتها، وليس فيه التعرض للمهر كما في تزوج أم سليم على إسلامه فلم يكن ذلك الإسلام
مهراً في الحقيقة، والسورة من القرآن لا تكون مهراً بالإجماع، ويكون المعنى: زوجتكها
بسبب حرمة ما معك من القرآن وبركته، فتكون الباء للتعليل كما في قوله: ﴿فكلا أخذنا
بذنبه﴾ [العنكبوت: ٤٠] فإن قلت: أما على، فإنها تجيء للتعليل أيضاً كالباء كما في قوله
تعالى: ﴿ولتكبروا الله على ما هداكم﴾ [البقرة: ١٨٥] أي: لهدايته إياكم، ويكون المعنى
زوجتكها لأجل ما معك من القرآن ولا ينافي هذا تسمية المال، وأما مع، فإنها للمصاحبة

٦٥
٦٦ - كِتابُ فَضَائِلِ القُرْآنِ / باب (٢٢)
والمعنى، زوجتكها لمصاحبتك القرآن، فإن قلت: الأصل في الباء للمقابلة فتكون ههنا نحو
قولك: بعتك ثوبي بدينار. قلت: لا يصح هنا أن تكون للمقابلة لأنه يلزم أن تكون المرأة
موهوبة وذلك لا يجوز إلاَّ للنبي عَّ له. فإن قلت: المعنى زوجتكها بأن تعلمها ما معك من
القرآن، أو مقدار ما منه، ويكون ذلك صداقها، والدليل عليه ما جاء في رواية مسلم: انطلق
فقد زوجتكها فعلمها من القرآن، وفي رواية عطاء: فعلمها عشرين آية. قلت: قد ذكرنا غير
مرة أن هذا لا ينافي تسمية المال فيكون قد زوجها منه مع تحريضه على تعليم القرآن،
ويكون المهر مكسوتاً عنه إما النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، قد أصدق عنه، كما
كفر عن الواطىء في رمضان إذ لم يكن عنده شيء رفقاً بأمته، وإما أنه أبقى الصداق في ذمته
إلى أن ييسر الله عليه.
٢٢ - بابُ القِرَاءَةِ عنْ ظَهْرِ القَلْبِ
أي: هذا باب في بيان القراءة عن ظهر القلب أي بغير نظر في المصحف.
٤٩ /٥٠٣٠ _ حدَّثنا قُتَنْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حدثنا يَعْقُوبُ بنُ عبْدِ الرَّحْمنِ عنْ أبيٍ حازِمٍ عنْ
سَهْلِ بنِ سعَدٍ أَنَّ امْرَأةً جاءَتْ رَسُولَ اللهِ عَ لّهِ، فقالَتْ: يا رسولَ الله! جِئْتُ لِأَهَبَّ لكَ
نَفْسِي فَتَظَرَ إِليْها رسُولُ اللهِ عَِّ فِصَعَدَ النَّظَرَ إليْها وصوَّبَهُ ثُمَّ طأطأ رَأْسَهُ، فَلَهَا رَأْتِ المَرَأَةُ
لَمْ يَقْضِ فِيها شَيْئاً جلَسَتْ، فقامَ رَجُلٌ مِنْ أصْحابِهِ فقال: يا رسولَ الله! إنْ لَمْ يَكُنْ لكَ بِها
حاجَةٌ فَزَوِّجْنِيها. فقال لَهُ: هَلْ عِنْدَكَ منْ شيْءٍ؟ فقال: لا والله يا رسولَ الله. قال: إذْهَبْ إلى
أَهْلِكَ فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئاً؟ فَذَهَبَ ثُمَّ رجَعَ فقال: لا والله يا رسولَ الله، ما وجَدْتُ شَيْئاً.
فقال: انْظُر وَلَوْ حَاتماً مِنْ حَديدٍ، فَذَهَبَ ثُمَّ رجَعَ، فقال: لا والله يا رَسولَ الله ولا خاَماً مِنْ
حَدِيدٍ، ولَكِنْ لهذا إِزَارِي. قال سَهْلٌ: ما لَهُ رِدَاءٌ فَلَها نِصْفُهُ، فقال رسولُ اللهِ عَ لَّهِ: ما تَصْنَعُ
بإِزَارِكَ؟ إِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْها مِنْهُ شَيْءٌ وَإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ شَيْءٌ، فجَلَسَ الرَّجُلُ
حتى طالَ مَجْلِسُهُ، ثُمَّ قَامَ فرآهُ رسولُ اللهِ عَ لَّهِ مُوَلِّيَّاً، فأمَرَ بِهِ فَدُعِيَ فَلَمَّا جاءَ قال: ماذَا معَكَ
مِنَ القُرْآنِ؟ قال: مَعِي سُورَةُ كذَا وسُورَةُ كَذا وسُورَةُ كَذا، عَدَّها. قال: أَتَقْرَؤُهُنَّ عنْ ظَهْرٍ
قَلْبِكَ؟ قال: نَعَمْ. قال: إِذْهَبْ فقَدْ ملَّكْتُكَها بِمَا معَكَ مِنَ القُرْآنِ. [انظر الحديث ٢٣١٠
وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((قال: أتقرؤهن عن ظهر قلبك)) وهو حديث سهل
المذكور في الباب السابق.
وأخرجه هنا وهو أتم من ذاك قيل: لا مطابقة هنا لأن قوله عَّله: ((أتقرؤهن عن ظهر
قلبك)) إنما هو لاستثبات أنه يحفظ تلك السورة التي عدها وذلك ليتمكن من تعليمه المرأة،
ولا يدل على أن القراءة عن ظهر القلب أفضل. وأجاب بعضهم بأن المراد به بقوله: باب
القراءة عن ظهر القلب، مشروعيتها أو استحبابها، وهو مطابق لما ترجم به، ولم يتعرض
لكونها أفضل من القراءة نظراً. قلت: سبحان الله، ما أبعد هذا الجواب عن الصواب وأبرده،
عمدة القاري /ج ٢٠ /م٥

٦٦
٦٦ - كِتابُ فَضائِل القُرْآنِ / باب (٢٣)
والباب مذكور في بيان فضائل القرآن، فكيف يقول: ولم يتعرض لكونها أفضل من القراءة
نظراً؟ ولم يضع هذه الترجمة إلاَّ لبيان أفضلية القراءة نظراً. وإن كان فيه الاستثبات أيضاً وهو
لا ينافي الأفضلية أيضاً على أنه ورد أحاديث كثيرة في هذا الباب فمنها: ما رواه مزيد بن
أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً: ((أعطوا أعينكم حظها من العبادة،
قالوا: يا رسول الله! وما حظها من العبادة؟ قال: النظر في المصحف والتفكر فيه والاعتبار
عند عجائبه)): ومنها ما رواه أبو عبيد في فضائل القرآن من طريق عبيد الله بن عبد الرحمن
عن بعض أصحاب رسول الله عَّ له رفعه قال: ((فضل قراءة القرآن نظراً على من يقرأه ظهراً
كفضل الفريضة على النافلة)) وإسناده ضعيف، ومن طريق ابن مسعود موقوفاً: ((أديموا النظر
في المصحف))، وإسناده صحيح، وقال يزيد بن حبيب: ((من قرأ القرآن في المصحف
خفف عن والدیه العذاب وإن کانا کافرین». رواه ابن وضاح.
قوله: ((فصعد النظر إليها)) بتشديد العين أي: رفع. قوله: ((وصوبه))، أي: خفضه، وقال
ابن العربي: يحتمل أن ذلك كان قبل الحجاب، ويحتمل أن يكون بعده وهي متلففة، وأي
ذلك فإنه يدخل في باب نظر الرجل المرأة المخطوبة. قوله: ((ثم طأطأ رأسه)) أي: خفضه.
قوله: ((قال سهل: ما له رداء فلها نصفه))، مدرج من كلام سهل يريد به أن إزاره يكون
بينهما، فقال معَّ: ((ما تصنع بإزارك إن لبسته لم يكن عليها منه شيء وإن لبسته)) أي
المرأة إن لبست الإزار ((لم يكن عليك شيء)) إنما قال ذلك حين أراد الرجل قطعه ويعطيها
نصفه. قوله: ((فرآه رسول الله مَّر مولياً)) أي: مدبراً ذاهباً معرضاً. قوله: ((فدعي))، على
صيغة المجهول. قوله: ((عن ظهر قلبك))، أي: من حفظك لا من النظر، ولفظ: الظهر، مقحم
أو بمعنى الاستظهار. قوله: ((ملكتكها)) ويروى: ((ملكتها)) على صيغة المجهول. قال
الدارقطني: هذه الرواية وهم والصواب رواية من روى: ((زوجتكها)). وقال النووي: يحتمل أن
يكون جرى لفظ التزويج أولاً فملكها ثم قال له: اذهب فقد ملكتها بالتزويج السابق فليس
بوهم.
وفيه: جواز الحلف بغير الاستحلاف، وتزويج العسر، وجواز النظر إلى امرأة يريد أن
یتزوجها.
٢٣ - بابُ اسْتِذْكَارِ القُرْآنِ وتعَاهُدِهِ
:
أي: هذا باب في بيان استذكار القرآن، أي: طلب ذكره بضم الذال. قوله: ((وتعاهده))
أي: تجديد العهد بملازمته القراءة وتحفظه وترك الكسل عن تكراره.
٥٠٣١/٥٠ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يُوسُفَ أخبرَنا مالِكٌ عنْ نافِعِ عنِ ابن عُمرَ، رضِي
الله عنهما، أنَّ رسُولَ الله عَ لَِّ قال: إِنما مثَلُ صاحِبِ القُرْآنِ كمَثَلِ صَاحِبِ الإِبِلِ المُعَقَّةِ
إِنْ عَاهَد عَلَيْها أمْسَكها وإِنْ أَطْلَقَها ذَهَبتْ.
مطابقته للترجمة ظاهرة والحديث أخرجه مسلم في الصلاة وأخرجه النسائي في

٦٧
٦٦ - كِتَابُ فَضائِلِ القُرْآنِ / باب (٢٣)
الفضائل والصلاة.
قوله: ((المعقلة))، بضم الميم وفتح العين المهملة وتشديد القاف أي: المشددة
وبالعقال بالكسر وهو الحبل الذي يشد به ركبة البعير، شبّه درس القرآن واستمرار تلاوته بربط
البعير الذي يخشى منه الهروب، فما دام التعاهد موجوداً فالحفظ موجود، كما أن البعير ما دام
مشدوداً بالعقال فهو محفوظ، وخص الإبل بالذكر لأنه أشد الحيوان الأنسي نفوراً، وفي
تحصيلها بعد استمكان نفورها صعوبة. قوله: ((ذهبت))، أي: انفلتت.
٥٠٣٢/٥١ - حدَّثْنا مُحَمَّدُ بنُ عَرْعَرَةَ حدثنا شُعْبَةُ عنْ منْصُور عنْ أبي وائِلٍ عنْ عبْد
الله قال: قال النبيُّ عَّلِ: بِئْسَ ما لِأُحَدِهِمْ أنْ يَقُولَ: نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وكَيْتَ، بَلْ نُسِّيَ،
واستَذْكِرُوا القُرْآنِ فإِنهُ أَشَدُّ تَفَصِّياً مِنْ صُدُورِ الرِّجالِ منَ النَّعَمِ.
مطابقته للترجمة في قوله: ((استذكروا القرآن)) ومحمد بن عرعرة، بفتح المهملتين
وإسكان الراء الأولى: الناجي الشامي البصري القرشي أبو عبد الله، ويقال: أبو إبراهيم، روى
مسلم عنه بواسطة، ومنصور هو ابن المعتمر، وأبو وائل شقيق بن سلمة، وعبد الله هو ابن
مسعود.
والحديث أخرجه مسلم في الصلاة عن عثمان بن أبي شيبة وغيره. وأخرجه الترمذي
في القراءات عن محمود بن غيلان. وأخرجه النسائي في الصلاة وفي فضائل القرآن عن
محمد بن منصور وغيره.
قوله: ((بئس))، قال القرطبي: بئس أخت نِعم، الأولى للذم والأخرى للمدح، وهما
فعلان غير متصرفين يرفعان الفاعل ظاهراً أو مضمراً إلاَّ أنه إذا كان ظاهراً لم يكن في الأمر
العام إلاَّ بالألف واللام للجنس أو يضاف إلى ما هما فيه حتى يشتمل على الموصوف
بأحدهما، ولا بد من ذكره تعييناً كقوله: نعم الرجل زيد، وبئس الرجل عمرو، فإن كان
الفاعل مضمراً فلا بد من ذكر اسم نكرة ينصب على التفسير للمضمر كقولك: نعم رجلاً
زيد، وقد يكون هذا التفسير على ما نص عليه سيبويه كما في هذا الحديث، وكما في قوله:
فنعما هي: وما، نكرة موصوفة. قوله: ((أن يقول)) مخصوص بالذم أي: بئس شيئاً كائناً
أحدهم. يقول قوله: ((نسيت))، بفتح النون وتخفيف السين اتفاقاً. قوله: ((كيت وكيت)) قال
القرطبي: كيت وكيت، يعبر بهما عن الجمل الكثيرة، والحديث الطويل، ومثلها: ذين وذيت،
وقال ثعلب: كيت للأفعال، وذيت للأسماء، وحكى ابن التين عن الداودي أن هذه الكلمة
مثل: كذا إلاَّ بالمؤنث، وزعم أبو السعادات أن أصلها: كيه، بالتشديد والتاء فيها بدل من
إحدى الياءين والهاء التي في الأصل محذوفة وقد تضم التاء وتكسر. قوله: ((بل نُسي)) بضم
النون وكسر السين المهملة المشددة. وقال القرطبي: رواه بعض رواة مسلم بالتخفيف، وقال
عياض: كان أبو الوليد الوقشي لا يجوز في هذا غير التخفيف، وقال القرطبي: التثقيل معناه
أنه عوقب بوقوع النسيان عليه لتفريطه في معاهدته واستذكاره، قال: ومعنى التخفيف أن

٦٨
٦٦ - كِتابُ فَضائِلِ القُرْآنِ / باب (٢٣)
الرجل تركه غير ملتفت إليه، والحاصل أن الذم فيه يرجع إلى المقال فنهي أن يقال: نسيت
آية كذا إلا أنه يتضمن التساهل فيه والتغافل عنه وهو كراهة تنزيه، وقال القاضي: الأولى أن
يقال: إنه ذم الحال لازم المقال، أي: بئس حال من حفظ القرآن فيغفل عنه حتى نسيه، وقال
الخطابي: بئس، يعني: عوقب بالنسيان على ذنب كان منه أو على سوء تعهده بالقرآن حتى
نسيه، وقد يحتمل معنى آخر وهو أن يكون ذلك في زمنه عَّ له حين النسخ وسقوط الحفظ
عنهم. فيقول القائل منهم: نسيت كذا، فنهاهم عن هذا القول لئلا يتوهموا على محكم القرآن
الضياع، فأعلمهم أن ذلك بإذن الله، ولما رآه من المصلحة في نسخه، ومن أضاف النسيان
إلى الله تعالى فإنه خالقه وخالق الأفعال كلها، ومن نسبه إلى نفسه فلأن النسيان فعل منه
يضاف إليه من جهة الاكتساب والتصرف. ومن نسب ذلك إلى الشيطان. كما قال يوشع بن
نون، عليه السلام ﴿وما أنسانيه إلاَّ الشيطان﴾ [الكهف: ٦٣] فلما جعل الله له من الوسوسة،
فلكل إضافة منها وجه صحيح. قوله: ((واستذكروا القرآن)). أي: واظبوا على تلاوته واطلبوا
من أنفسكم المذاكره به، وقال الطيبي: وهو عطف من حيث المعنى على قوله: بئس ما
لأحدكم أي لا تقصروا في معاهدته واستذكروه. قوله: ((تفَصِّياً))، بفتح الفاء وتشديد الصاد
المكسورة بعدها الياء آخر الحروف. هو الانفصال والانفلات والتخلص. يقال تفصيت كذا
أي: أحطت بتفاصيله، والاسم الفصة. قوله: ((من النعم)) وهي الإبل ولا واحد له من لفظه.
٥٢ - حدَّثْنَا عُثْمَانُ حدثنا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ مِثْلَهُ.
عثمان هو ابن أبي شيبة، وجرير هو ابن عبد الحميد، ومنصور هو المذكور في الإسناد
الذي قبله، وهذا الطريق ثبت عند الكشميهني وحده، وثبت أيضاً في رواية النسفي. وقد
أخرجه مسلم عن عثمان بن أبي شيبة مقروناً بإسحاق بن راهويه وزهير بن حرب، ثلاثتهم عن
جرير، ولفظه مساوٍ للفظ شعبة المذكور إلاّ أنه قال: استذكروا، بغير واو، وقال: فهو أشد بدل
قوله: فإنه، وزاد بعد قوله: من النعم بعقلها. قوله: ((مثله)) أي: مثل الحديث الذي قبله.
تابَعَهُ بِشْرٌ عنِ ابنِ المُبارَكِ عنْ شُعْبَةَ، وتابَعَهُ ابنُ جُرَيْج عنْ عَبْدَةَ عنْ شَقِيقٍ، سَمِعْتُ عبْدَ
الله سَمِعْتُ النبيَّ عَ ليه
أي: تابع محمد بن عرعرة بشر بن عبد الله المروزي شيخ البخارب عن عبد الله بن
المبارك في رواية هذا الحديث عن شعبة، وليس بشر وابن المبارك بمنفردين في هذه المتابعة،
فإن الإسماعيلي روى هذه المتابعة عن الفريابي: حدثنا مزاحم بن سعيد حدثنا عبد الله بن
المبارك حدثنا شعبة. قوله: ((وتابعه ابن جريج)) أي: تابع محمد بن عرعرة عبد الملك بن
عبد العزيز بن جريج عن عبدة، بسكون الباء الموحدة: ابن أبي لبابة، بضم اللام وباءين
موحدتين مخففتين عن شقيق بن سلمة عن عبد الله بن مسعود، وهذه المتابعة وصلها من
طريق محمد بن بكر عن ابن جريج، قال: حدثني عبدة بن لبابة عن شقيق بن سلمة سمعت
عبد الله بن مسعود فذكر الحديث إلى قوله: بل هو نسي، ولم يذكر ما بعده.

٦٩
٦٦ - كِتابُ فَضائِلِ القُرْآنِ / باب (٢٤)
٥٠٣٣/٥٣ - حدَّثْنا مُحَمَّدُ بنُ العَلاَءِ حدثنا أبو أُسامَةَ عنْ بُرَيْدٍ عنْ أبي بُرْدَةً عنْ
أبي مُوسَى عنِ النبيِّ عَ لَّهِ قال: تعَاهَدُوا القُرْآنَ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُوَ أشَدُّ تَفَصِّيَاً منَ
الإِبلِ في عُقُلِها.
مطابقته للترجمة في قوله: (تعاهدوا)). وأخرجه عن محمد بن العلاء أبو كريب
الهمداني الكوفي وهو شيخ مسلم أيضاً عن أبي أسامة حماد بن أسامة عن بريد، بضم الباء
الموحدة وفتح الراء وسكون الياء آخر الحروف وبالدال المهملة: ابن عبد الله عن أبي بردة،
بضم الباء الموحدة: واسمه عامر بن أبي موسى الأشعري: والحاصل أن بريد بن عبد الله
يروي عن جده أبي بردة: وهو يروي عن أبيه أبي موسى الأشعري، واسمه: عبد الله بن قيس.
والحديث مضى في الصلاة.
قوله: ((تعاهدوا)) مثل: تعهدوا، ومعناه: واظبوا عليه بالحفظ والترداد. قوله: ((في
عقلها)) بضم العين وضم القاف ويجوز تسكينها، جمع عقال وهو الحبل. وقد مر تفسيره عن
قريب. وذكر الكرماني في بعض النسخ: من عللها، يعني بلامين بدل: من علقها. قيل: هو
تصحيف. قلت: ربما يكون: من غللها بضم الغين المعجمة وباللامين جمع غل وهو القيد،
وهذا له وجه على ما لا يخفى، ووقع هنا: ((في عقلها)). بكلمة: في ويروى: من عقلها
بكلمة: من قال القرطبي: من رواه من عقلها، فهو على الأصل الذي يقتضيه التعدي من لفظ
التفصي، ومن رواه بكلمة: في يحتمل أن يكون بمعنى: من أو بمعنى الظرف. قلت: كلمة في
تأتي بمعنى: من، كما في قول الشاعر:
أَلاَ عِمْ صباحاً أيها الطلل البالي
وهل يعمن من كان في العصر الخالي
وهل يعمن من كان أحدث عهده
ثلاثين شهراً في ثلاثة أحوال
ويجوز أن يكون في ههنا بمعنى المصاحبة، يعني: مع عقلها، وتأتي: في، بمعنى مع
كما، في قوله تعالى: ﴿ادخلوا في أمم﴾ [الأعراف: ٣٨].
٢٤ - بابُ القِرَاءَةِ عَلَى الدَّابةِ
أي: هذا باب في بيان جواز القراءة للراكب على الدابة، وكأنه أراد بهذا الرد على من
كره القراءة على الدابة، نقله ابن أبي داود عن بعض السلف، كيف يكره وأصل القراءة على
الدابة موجود في القرآن؟ قال عز وجل: ﴿لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا
استويتم عليه﴾ [الزخرف: ١٣] الآية. وقال ابن بطال: القراءة على الدابة سنة موجودة، وأصل
هذه السنة قوله تعالى: ﴿لتستووا﴾ [الزخرف: ١٣] الآية.
٥٠٣٤/٥٤ _ حدَّثنا حَجَّاجُ بنُ مِنْهالٍ حدثنا شُعْبَةُ قالٍ أحْبرنِي أَبُو إِياسٍ قال:
سَمِعْتُ عبْدَ الله بنَ مُغْفَلٍ قال: رَأيْتُ رسولَ الله عَ لّه يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَهْوَ يَقْرَأُ علَى رَاحِلَتِهِ
سُورَةً الفتْح.

٧٠
٦٦ - كِتابُ فَضائِلِ القُرْآنِ / باب (٢٥)
مطابقته للترجمة ظاهرة. وأبو إياس، بكسر الهمزة: معاوية بن قرة المزني البصري،
وعبد الله بن مغفل، بفتح الغين المعجمة وتشديد الفاء: المزني.
والحديث قد مر في المغازي عن أبي الوليد، وفي التفسير عن مسلم بن إبراهيم،
ويجيء في التوحيد عن أحمد بن أبي شريح الرازي. وأخرجه بقية الجماعة غير ابن ماجه.
٢٥ - بابُ تعليم الصِّبْيان القُرْآنَ
أي: هذا باب في بيان جواز تعليم الصبيان القرآن، وكأنه أشار بذلك إلى الرد على
من كره ذلك، وقد جاءت كراهية ذلك عن سعيد بن جبير وإبراهيم النخعي، رواه ابن أبي
داود عنهما، فلفظ سعيد بن جبير: كانوا يحبون أن يكون يقرأ الصبي بعد حين، معناه: أن
يترك الصبي أولاً مرفهاً ثم يُؤخذ بالجد على التدريج، ولفظ إبراهيم: كانوا يكرهون أن يعلم
الغلام القرآن حتى يعقل.
٥٠٣٥/٥٥ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ حدثنا أَبُو عَوَانَةَ عنْ أبي بشْرٍ عنْ سَعِيدِ بنِ
مُجُبَيْرٍ قال: إنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ المُفَصَّلَ هُوَ المُحكَمُ، قال: وقال ابنُ عَبْاسٍ، تُؤُفِّيَ رسولُ الله
عَ لِّ، وأنا ابنُ عَشْرِ سِنِينَ وقَدْ قَرَأْتُ المُحكَمَ.
مطابقته للترجمة من حيث إن ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما، قرأ المحكم من
القرآن وعمره عشر سنين، ويطلق عليه الغلام، كما ذكرناه عن قريب.
وأخرجه عن موسى بن إسماعيل المنقري الذي يقال له التبوذكي عن أبي عوانة، بفتح
العين المهملة الوضاح ابن عبد الله اليشكري الواسطي عن أبي بشر، بكسر الباء الموحدة
وسكون الشين المعجمة: جعفر بن أبي وحشية إياس اليشكري الواسطي إلى آخره.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً عن يعقوب بن إبراهيم عن هشيم.
قوله: ((قرأ المحكم)) وهو الذي لا نسخ فيه، ويطلق المحكم على ضد المتشابه في
اصطلاح أهل الأصول، وهذا سعيد بن جبير فسر المفصل بالمحكم، وغيره فسره بأنه من
الحجرات إلى آخر القرآن على الصحيح، وسمي بالمفصل للسور التي كثرت فصولها فيه.
قوله: ((وأنا ابن عشر سنين))، وقد اختلف فيه، ففي رواية البخاري في الصلاة من وجه آخر:
أنه كان في حجة الوداع قد ناهز الاحتلام، وفي رواية أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عنه:
قبض رسول الله عَّه وأنا ختين وكانوا لا يختنون الغلام حتى يدرك، وفي لفظ: ((وأنا ابن
خمس عشرة سنة)). وقال ابن حبان: وهو ابن أربع عشرة سنة، وقال عمرو بن علي: الصحيح
عندنا أنه لما توفي رسول الله عَّ كان قد استوفي ثلاث عشرة ودخل في أربع عشرة، وقد
استشكل عياض قول ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما، توفي رسول الله عَ لّه وأنا ابن عشر
سنين، وقال الإسماعيلى: هذا يخالف الذي مضى في الصلاة، وبالغ الداودي في هذا فقال:
حديث أبي بشر الذي في هذا الباب وهم وأجاب عياض بأنه يحتمل أن يكون قوله: وأنا ابن

٧١
٦٦ - كِتابُ فَضائِل القُرْآنِ / باب (٢٦)
عشر سنين، راجعاً إلى حفظ القرآن لا إلى وفاة النبي عَّ له، ويكون تقدير الكلام توفي النبي
عَّه وقد جمعت المحكم وأنا ابن عشر سنين، ففيه تقديم وتأخير. انتهى. قلت: الجملتان:
أعني قوله: ((وأنا ابن عشر سنين))، وقوله: ((وقد قرأت المحكم)) وقعتا حالين والحال قيد
فكيف يقال فيه تقديم وتأخير؟ وقال بعضهم: ويمكن الجمع بين مختلف الروايات بأن يكون
ناهز الاحتلام لما قارب ثلاث عشرة ثم بلغ لما استكملها ودخل في التي بعدها، وإطلاق
خمس عشرة بالنظر إلى جبر الكسر، وإطلاق العشر بالنظر إلى إلغاء الكسر انتهى. قلت: لا
كسر هنا حتى يجبر أو يلغى لأن الكسر على نوعين: أصم وهو الذي لا يمكن أن ينطق به إلا
بالجزئية كجزء من أحد عشر وجزء من تسعة وعشرين، ومنطق وهو على أربعة أقسام: مفرد
وهو من النصف إلى العشر وهي الكسور التسعة، ومكرر كثلاثة أسباع وثمانية أتساع،
ومركب وهو الذي يذكر بالواو العاطفة: كنصف وثلث وكربع وتسع، ومضاف كنصف عشر
وثلث سبع وثمن تسع، وقد يتركب من المنطق والأصم: كنصف جزء من أحد عشر،
والظاهر أنه الصواب مع الداودي، والله أعلم.
٥٠٣٦/٥٦ - حدَّثنا يَعْقُوبُ بنُ إبرَاهِيمَ حدَّثنا هُشَيْمٌ أخبرَنا أَبُو بِشْرٍ عنْ سَعِيدِ بنِ
مُجُبَيْرٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ، رضي الله عنهما: جَمَعْتُ المُحْكَمَ في عَهْد رسُول الله عَ لِ فَقُلْتُ لهُ:
وما المُحْكُمُ؟ قال: المُفَصَّلُ.
هذا طريق آخر في الحديث المذكور.
قوله: ((حدثني)) ويروى: حدثنا، بصيغة الجمع، وهشيم مصغر هشم بن بشير وقد
تكرر ذكره وقال بعضهم: فاعل. قلت: أبو بشر، له أي لسعيد بن جبير، واحتج في ذلك بأن
تفسير المحكم والمفصل من كلام سعيد بن جبير. قلت: هذا تصرف واه لأن قوله: ((فقلت))
عطف على كلام ابن عباس، عطف سعيد بن جبير كلامه على كلام ابن عباس بعد ما سأله،
وأيضاً لا يستلزم كون تفسير ابن جبير المفصل والمحكم هناك أن يكون هنا أيضاً منه.
٢٦ _ بابُ نِسْيانِ القُرْآنِ، وهَلْ يقولُ: نَسِيتُ آيَةَ كَذا وكَذا
أي: هذا باب في بيان نسيان القرآن بسبب تعاطي أسبابه المقتضية لذلك. قوله: ((وهل
يقول)) إلى آخره، صورة الاستفهام الإنكاري لكن ليس الإنكار عن الإتيان بقوله: نسيت آية
كذا وكذا، على ما يجيء الآن، ولكن الإنكار على ارتكاب أسبابه الداعية إلى ذلك.
وقَوْلِ الله تعالى ﴿سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله﴾ [الأعلى: ٦ - ٧ ]
وقول الله عطف علي قوله: نسيان القرآن، أي: وفي قول الله، عز وجل: ﴿سنقرئك﴾
[الأعلى: ٦] من الإقراء، وكان رسول الله عَ لم يعجل بالقراءة إذا لقيه جبريل، عليه الصلاة
والسلام، فقيل: لا تعجل لأن جبريل مأمور بأن يقرأه عليك قراءة مكررة إلى أن تحفظه فلا
تنساه إلاَّ ما شاء الله لم يذكر بعد النسيان، وكلمة: لا، للنفي، وكأن البخاري صار إليه وأن

٧٢
٦٦ - كِتابُ فَضائِلِ القُرْآنِ / باب (٢٦)
الله أقرأه إياه وأخبره أنه لا ينساه، وقيل: لا للنهي وزيدت الألف الفاصلة، كقولك: السبيلا،
يعني: فلا تترك قراءته وتكريره فتنساه إلّ ما شاء الله أن ينسكه يرفع تلاوته للمصلحة، وقال
الفراء: الاستثناء للتبرك وليس هناك شيء استثني، وعن الحسن وقتادة ﴿إِلاَّ ما شاء الله﴾
[الأعلى: ٧] أي: قضى أن ترفع تلاوته، وعن ابن عباس: إلاَّ ما أراد الله أن ينسيكه لتنس.
وقيل: معناه لا تترك العمل به إلا ما أراد الله أن ينسخه فتترك العمل به. والله أعلم.
٥٠٣٧/٥٧ _ حدَّثنا رَبِيعُ بنُ يختَى حدثنا زَائِدَةُ حدثنا هِشَامٌ عنْ عُرْوَةَ عنْ عَائِشَة،
رضيَ الله عنها، قالَتْ: سَمِعَ النبيُّ عَُّلّهِ، رَجُلاً يَقْرَأ في المَسْجِد، فقال: يَرْحَمُهُ الله! لقَدْ
أُذْكَرَني كذَا وكَذا آيَةً مِنْ سُورَةِ كَذا. [انظر الحديث ٢٦٥٥ وأطرافه].
مطابقته للترجمة من حيث إن معناه أنه عَ ◌ّ نسي كذا وكذا آية ثم تذكرها. وقال ابن
التين: وفي الحديث أنه عَِّ كان ينسى القرآن ثم يتذكره.
وربيع ضد الخريف ابن يحيى أبو الفضل، مر في: باب من أحب العتاق في
الكسوف، وزائدة من الزيادة ابن قدامة بضم القاف وتخفيف الدال، وهشام هو ابن عروة
يروي عن أبيه عن عائشة.
والحديث من إفراده.
قوله: ((رجلاً)) أي: صوت رجل. قوله: ((أذكرني)) إلى آخره ولم يبين فيه تعيين الآيات
المذكورة ولا عددها.
واستنبط بعضهم من هذا مسألة فقهية أنها كانت إحدى وعشرين آية، وهي أن رجلاً لو
قال، لفلان علي كذا وكذا درهماً يلزمه أحد وعشرون درهماً لأنه فصل بين كذا وكذا
بحرف العطف، وأقل ذلك من العدد المفسر أحد وعشرون، حتى قال: كذا كذا درهماً بغير
حرف العطف يلزمه أحد عشر درهماً، لأن أقل ذلك من العدد المفسر أحد عشر، لأنه ذكر
عددين مبهمين. وعند الشافعي: يلزمه درهم. وله صور كثيرة موضعها الفروع. فإن قلت:
كيف جاز النسيان على النبي عَّه؟ قلت: الإنساء ليس باختياره، وقال الجمهور: جاز
النسيان عليه فيما ليس طريقه البلاغ والتعليم بشرط أن لا يقرأ عليه، بل لا بد أن يذكره، وأما
غيره فلا يجوز قبل التبليغ، وأما نسيان ما بلغه كما في هذا الحديث فهو جائز بلا خلاف.
٥٨ _ حدَّثْنا محَمَّدُ بن عُبَيْدِ بنِ مِيْمُونٍ حدثنا عِيسَى عنْ هِشامٍ، وقال: أسقَطْتُهُنَّ
مِنْ سُورَةِ كذَا.
أشار بذلك إلى أن هشاماً زاد في هذه الرواية لفظ: ((أسقطتهن من سورة كذا)
وأخرجه عن محمد بن عبيد بن ميمون عن عيسى بن يونس بن أبي إسحاق. قوله:
((أسقطتهن))، أي: بالنسيان، وقد تقدم في الشهادات بعين هذا الإسناد، أعني: عن محمد بن
عبيد بن ميمون عن عيسى بن يونس عن هشام عن أبيه عن عائشة، قالت: سمع النبي عَّةِ رجلاً
يقرأ في المسجد، فقال: رحمه الله! لقد أذكرني كذا وكذا آية أسقطتهن من سورة كذا وكذا.

٧٣
٦٦ - كِتابُ فَضائِلِ القُرْآنِ / باب (٢٧)
تابَعَهُ عِلِيٍّ بنُ مُسْهِرٍ وعبْدَةُ عنْ هِشَامِ
أي: تابع محمد بن عبيد علي بن مسهر، بضم الميم على صيغة اسم الفاعل من
الإسهار. قوله: ((وعبدة))، عطف عليه أي: وتابعه أيضاً عبدة بفتح العين المهملة وسكون الباء
الموحدة: ابن سليمان، وهكذا وقع في رواية الأكثرين بعطف عبدة على سليمان، ووقع لأبي
ذر عن الكشميهني: تابعه علي بن مسهر عن عبدة. قيل: هذا غلط فإن عبدة هنا رفيق علي
ابن مسهَر لا شيخه، وقد أخرج البخاري طريق علي بن مسهر في آخر الباب الذي يلي هذا
بلفظ: أسقطتها، وأخرج طريق عبدة في الدعوات مثل لفظ علي بن مسهر سواء.
٥٠٣٨/٥٩ - حدَّثنا أحمَدُ بنُ أبي رجاء حدثنا أبو أُسامَةَ عنْ هِشامِ بنِ عُرْوَةِ عنْ
أبِيهِ عنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعَ رَسولُ الله ◌ِعَ لَّه رجلاً يَقْرَأُ في سورَةٍ، فقال: يَرْحَمُهُ الله! لَقَدْ
أُذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةٌ كُنْتُ أَنُسِيتُها مِنْ سُورَةِ كَذَا وَكَذَا. [انظر الحديث ٢٦٥٥
وأطرافه].
هذا طريق آخر في الحديث المذكور أخرجه عن أحمد بن أبي رجاء، واسمه عبد الله
ابن أيوب أبو الوليد الحنفي الهروي، توفي بهراة سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، وقبره مشهور
يزار، وأبو أسامة حماد بن أسامة.
قوله: ((كنت أنسيتها))، على صيغة المجهول وهو تفسير قوله: أسقطتها نسياناً لا
عمداً.
وفيه: جواز النسيان على النبي عَّه، وفي حديث ابن مسعود: ((إنما أنا بشر مثلكم
أنسى كما تنسون))، وفيه: رفع الصوت بالقراءة في الليل وفي المسجد والدعاء لمن حصل
من جهته الخير وإن لم يقصد الحصول منه ذلك، وفي نسيان القرآن ذنب عظيم، ومن
السلف من جعل ذلك من الكبائر، وقال إسحاق بن راهويه: يكره للرجل أن يمر عليه أربعون
يوماً لا يقرأ فيها القرآن.
٦٠ /٥٠٣٩ - حدَّثنا أَبُو نُعَيْم حدثنا سُفْيانُ عنْ مَنْصُور عنْ أَبِي وَائِلٍ عنْ عبْدِ الله
قال: قال النبيُّ عَّ لهُ: بِئْسَ مَا لِأَحَدِهِمْ يَقُولُ: نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وكَيْتَ، بَلْ هُوَ نُسِّيَ. [انظر
الحديث ٥٠٣٢].
قد مر هذا الحديث في: باب استذكار القرآن، فإنه أخرجه هناك عن محمد بن عرعرة
عن شعبة عن منصور إلى آخره، وهنا عن أبي نعيم الفضل بن دكين عن سفيان بن عيينة عن
منصور بن المعتمر عن أبي وائل شقيق بن سلمة عن عبد الله بن مسعود، ومر الكلام فيه
هناك.
٢٧ - باب: منْ لَمْ يرَ بِأُسَاًّ أنْ يَقُولَ: سُورَةُ البِقَرَةِ، وسورَةُ كَذَا وَكَذَا
أي: هذا باب في بيان من لم ير بأساً: إلخ فكأنه أراد بهذه الترجمة الرد على من قال:

٧٤
٦٦ - كِتابُ فَضائِلِ القُرْآنِ / باب (٢٧)
لا يقال: سورة البقرة، ولا يقال: إلاَّ السورة التي تذكر فيها البقرة، ونحو ذلك.
٦١ / ٥٠٤٠ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْضِ حدثنا أبي الأعْمَشُ قال: حدّثني إبْرَاهيمُ عنْ
عَلْقَمَةَ وعبدِ الرَّحْمنِ بنِ يَزِيدَ عنْ أبي مَسْعُودٍ الأنصاريِّ قال: قال النبيُّ عَّ: الآيتَانِ مِنْ
آخِرِ سورَةِ البَقَرَةِ، مَنْ قَرَأْ بِهِما لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ. [انظر الحديث ٤٠٠٨ وأطرافه].
مر هذا الحديث عن قريب في فضل سورة البقرة فإنه أخرجه هناك من طريقين:
أحدهما: عن محمد بن كثير. والآخر: عن أبي نعيم وأخرجه هنا عن عمر بن حفص عن
أبيه حفص بن غياث عن سليمان الأعمش عن إبراهيم النخعي عن علقمة بن قيس وعبد
الرحمن بن يزيد عن أبي مسعود عقبة بن عمرو والبدري. ومر كلام فيه هناك.
٦٢ /٥٠٤١ _ حدَّثنا أبو اليمَانِ أخبرنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قال: أخبرني عُرْوَةُ بنُ
الزُّبَيْرِ عنْ حَدِيثِ المِسْوَرِ بنِ مَحْرَمَةَ وعبْدِ الرَّحْمنِ بنِ عِبْدِ القاريِّ أنَّهُما سَمِعا عُمَر بنَ
الخَطَّابِ رضي الله عنه، يَقُولُ: سَمِعْتُ هِشَامَ بنَ حَكِيمِ بنِ حِزَامٍ يَقْرَأْ سورَةَ الفُرْقَانِ فِي حَياةِ
رسولِ الله عَ لّ فَاسْتَمَعْتُ لِقِرَاءَتِهِ فَإِذَا هُوَ يَقْرَؤُها عَلَىَ حُرُوفٍ كُثِيرَةٍ لَمْ يُقْرِتْنِيها رسولُ الله
عَّهِ فَكِدْتُ أُساوِرُهُ فِي الصَّلاَةِ، فَانْتَظَرْتُهُ حتَّى سَلَّمَ فَلَيْتُهُ فَقُلْتُ: مَنْ أَقْرَأْكَ لهذِهِ الشُورَةَ
الَّتِي سَمِعْتُكَ تَقْرَأ؟ قال: أَقْرَأْنِيها رسولُ اللهِ عَ لَّهِ. فَقَلْتُ لهُ: كذَبْتَ، فَوَالله إنَّ رسُولَ الله
عَّهِ لَهْوَ أَقْرَأَني هذِهِ السُّورَةَ الَّنِي سَمِعْتُكَ، فَانْطَلَقْتُ بِهِ إلى رسولِ اللهِ عَّهِ أَقُودُهُ، فَقُلْتُ:
يا رسولَ الله! إنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأ سورَةَ الفُرْقانِ عَلَى حرُوفٍ لَمْ تُقْرِتْنِيها وإنّكَ أَقْرَأْتْنِي
سُورَةَ الفُرْقانِ. فقال: يا هِشَامُ اقْرَأْها، فقرَأَها القِرَاءَةَ الَّتي، سَمِعْتُهُ، فقال رسولُ اللهِ عَ لَّهِ:
لهُكَذا أُنْزِلَتْ، ثُمَّ قال: اقْرَأُ يَا عُمَرُ، فَقرَأَتُها الَّتِي أَقْرَأْنِيها، فقال رسولُ اللهِ عََّلِّ: هُكَذا
أَنْزِلتْ: ثُمّ قال رسولُ الله عََّلَّ إِنَّ القُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَّى سَبْعَةَ أَخْرُفٍ فاقْرَءُوا ما تَيَسَرَ مِنْهُ.
[انظر الحديث ٢٤١٩ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: سورة الفرقان والحديث قد مر في باب أنزل القرآن على
سبعة أحرف، فإنه أخرجه هناك عن سعيد بن عفير عن الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن
عروة بن الزبير إلى آخره. وأخرجه هنا عن أبي اليمان الحكم بن نافع عن شعيب بن أبي
حمزة عن محمد بن مسلم الزهري إلى آخره، وقد مر الكلام فيه هناك ولا نعيده لقرب
المسافة.
٦٣ /٥٠٤٢ - حدَّثنا بِشْرُ بنُ آدَمَ أخبرَنا عليٌّ بنُ مُشهرٍ أُخبرَنا هِشَامٌ عنْ أَبِيهِ عنْ
عائِشَةَ، رضي الله عنها، قالَتْ: سَمِع النبيُّ عَ لَّهِ قارِئاً يَقْرَأُ مِنَ اللَّيْلِ في المَسْجِدِ، فقال:
يَرْحَمُهُ الله! لَقَدْ أَذْكَرَني كذَا وكَذَا آيَةً أَسْقَطْتُها منْ سُورَةٍ كَذا وكَذا. [انظر الحديث
٢٦٥٥ وأطرافه].
هذا أيضاً مضى عن قريب في: باب نسيان القرآن أخرجه هناك من طرق، ومر الكلام
فيه هناك.

٧٥
٦٦ - كِتابُ فَضائِل القُرْآنِ / باب (٢٨)
٢٨ - بابُ التَّتِيلِ في القِرَاءَةِ
أي: هذا باب في بيان الترتيل في قراءة القرآن، وهو تبيين حروفها والتأني في أدائها
لتكون أدعى إلى فهم معانيها. وقيل: الترتيل تبيين الحروف وإشباع الحركات.
وقَوْلِهِ تعالى ﴿ورتّلِ القُرآنَ تَرْتِيلاً﴾ [المزمل: ٤]
وقوله تعالى، بالجر عطف على الترتيل في القرآن، ومعنى: رتل القرآن اقرأه قراءة بينه،
قاله الحسن، وعن مجاهد: بعضه على أثر بعض على تؤدة بينة بياناً، وعن قتادة: تثبت فيه
تثبيتاً، وقيل: فصله تفصيلاً ولا تعجل في قراءته، وهو من قول العرب: ثغر رتل، إذا كان
مفلجاً.
وقَوْلِهِ ﴿وقُرآناً فرقناهُ لتقرأَهُ على الناسِ على مكَثٍ﴾ [الإسراء: ١٠٦]
۵
وقوله، هذا عطف على قوله الأول. قوله: ((وقرآناً فرقناه)»، يعني: نزلناه نجوماً لا جملة
واحدة بخلاف الكتب المتقدمة، يدل عليه قوله: ﴿لتقرأه على الناس على مكث﴾
[الإسراء: ١٠٦].
وما يُكْرَهُ أَنْ يُهَذِّ كَهَذِّ الشِّغْرِ
هذا عطف على قوله باب الترتيل. وقد ذكرنا أن التقدير: باب في بيان الترتيل.
وكذلك التقدير هنا، أي: في بيان ما يكره أن يهذ، كلمة: ما، مصدرية وكذلك كلمة: أن،
والتقدير: أي وفي بيان كراهة الهذ كهذ الشعر، والهذ بالذال المعجمة المشددة: سرعة القطع
والمرور فيه من غير تأمل للمعنى، كما ينشد الشعر وتعد أبياته وقوافيه، وقال النووي: هو
الإفراط في العجلة في حفظه ورواياته لا في إنشاده وترنمه لأنه يزيد في الإنشاد والترنم في
العادة.
فِيها يُفْرَّقُ: يُفَصَّلُ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿فيها يفرق كل أمر حكيم﴾ [الدخان: ٤] وفسر: ((يفرق))،
بقوله: يفصل ((وكذا فسره أبو عبيدة)).
وقال ابنُ عَبَّاسٍ: فَرَقْنَاهُ: فضَّلْناهُ
أي: قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وقرآناً فرقناه﴾ [الإسراء: ١٠٦] أن معناه:
فصلناه، وهذا التعليق رواه ابن المنذر عن علي بن المبارك: حدثنا زيد حدثنا ابن ثور عن ابن
جريج عن عطاء عنه. وأخرجه ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة عنه.
٦٤ / ٥٠٤٣ _ حدَّثنا أَبُو النعمانِ حدثنا مَهْدِيُّ بنُ مَيْمُونٍ حدثنا واصلٌ عن أبي وائِلٍ
عنْ عبْدِ الله، قال: غدَوْنا علَى عَبْدِ الله، فقالَ رجلٌ: قرَأْتُ المُفَصَّلَ البَارِحَةَ، فقال: هَذّاً

٧٦
٦٦ - كِتابُ فَضائِلِ القُرْآنِ / باب (٢٨)
كَهَذِّ الشِّعْرِ؟ إنّا قَدْ سَمِعْنا القِرَاءَةَ وإنِّي لأَحْفَظُ القُرناءَ الَّتِي كَانَ يَقْرَأْ بِهِنَّ النبيُّ عَ لَّهِ ثَمَانِي
عَشْرَةَ سُورَةً مِنَ المِفَصَّلِ وشُورَتَيْنِ منْ آلِ حم.
[انظر الحديث ١٧٧٦ وطرفيه].
مطابقته لقوله في الترجمة: وما يكره أن يهذ كهذ الشعر. وأبو النعمان محمد بن
الفضل السدوسي، وواصل بن حبان الأحدب الأسدي الكوفي، وأبو وائل شقيق بن سلمة.
والحديث مر في الصلاة في: باب الجمع بين السورتين في الركعة فإنه أخرجه هناك
عن آدم عن شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي وائل، ومر الكلام فيه. قوله: ((على عبد الله)) أي:
ابن مسعود قوله: ((فقال رجل)) هو نهيك بن سنان كما أخرجه مسلم من طريق منصور عن
أبي وائل في هذا الحديث. قوله: ((هذا) نصب على المصدر أي: هذذت هذاً. قوله: ((إنا قد
سمعنا القراءة)) قال الكرماني: القراءة بلفظ المصدر، ويروى القراءة جمع القارىء. قوله:
(لأحفظ القرناء)) أي: النظائر في الطول والقصر. قوله: ((ثماني عشرة)) إلى آخره، وقد تقدم
في: باب كتاب النبي عَّم أنه عشرون سورة، وعدَّ ثمة: حم من المفصل، وههنا قد أخرجه
منه وأجيب بأن مراده ثمة أن معظم العشرين منه. قوله: ((من آل حم)) أي: السور التي أولها
حم، كقولك: فلان من آل فلان، قاله النووي. وقال غيره المراد حم نفسها، يعني لفظ: آل،
مقحمة كقولك: آل داود، يريد داود نفسه. وقال الكرماني: لولا أنه في الكتابة منفصل
لحسن أن يقال: إنه الألف واللام التي لتعريف الجنس، يعني: وسورتين من جنس الحواميم،
وقال الداودي: قوله: ((من آل حم)) من كلام أبي وائل وإلاّ كان أول المفصل عند ابن مسعود
من أول الجاثية، قيل: إنما يرد لو كان ترتيب مصحف ابن مسعود كترتيب المصحف
العثماني، والأمر بخلاف ذلك، فإن ترتيب السور في مصحف ابن مسعود يغاير الترتيب في
المصحف العثماني، فلعل هذا منها، ويكون أول المفصل عنده الجاثية، والدخان متأخرة في
ترتيبه عن الجاثية.
٦٥/ ٥٠٤٤ _ حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حدثنا جَرِيرٌ عنْ مُوسَى بنِ أبي عائِشَةَ عنْ سَعِيدٍ
بنِ جَبَيْرِ عنِ ابن عبّاسٍ، رضي الله عنهما، في قولِهِ: ﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به﴾
[القيامة: ١٦] قال: كان رسُول الله عَ لَّ إِذَا نَزَلَ عَليهِ جِبْرِيلُ بالوَحْي وكانَ مِمَّا يُحرِّك بِهِ
لِسانَهُ وَشَفَتَيْهِ فيَشْتدُّ، عَلَيْهِ، وكان يُغْرِفُ مِنْهُ، فَأَنْزَلَ الله الآيةَ التي في ﴿لا أقسم بيوم
القيامة﴾ [القيامة: ١] ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجِلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فإِذا قرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ
قُرْآنَهُ فِإِذَا أَنْزَلْناهُ فاسْتَمِعِ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ [القيامة: ١٦ - ١٨] قال: إِنَّ عَلَيْنا أنْ نُبَيْنَهُ
بلِسانِكَ قال: وكانَ إِذَا أتاهُ جِبْرِيلُ أَطْرَقَ، فَإِذَا ذَهَبَ قرَأَهُ كَما وعَدَهُ الله. [انظر الحديث ٥
وأطرافه].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به﴾ [القيامة: ١٥]
لأنه يقتضي استحباب التأني فيه ومنه يحصل الترتيل. وجرير هو ابن عبد الحميد، وموسى

٧٧
٦٦ - كِتابُ فَضائِلِ القُرْآنِ / باب (٢٩ و ٣٠)
ابن أبي عائشة أبو بكر الهمداني. والحديث قد مر في تفسير سورة القيامة فإنه أخرجه هناك
بطرق كثيرة. ومضى الكلام فيه هناك.
٢٩ - بابُ مَدِّ القِرَاءَةِ
أي: هذا باب في بيان مد القراءة، والمد هو إشباع الحرف الذي بعده ألف أو واو أو ياء.
٦٦ / ٥٠٤٥ _ حدَّثْنا مُسْلِمُ بنُ إِبْرَاهِيمَ حدثنا جَرِيرُ بنُ حازِمِ الأزْدِيُّ حدثنا قَتَادَة
قال: سأَلْتُ أنَسَ بنَ مالِكِ عنْ قِرَاءَةِ النبيِّ عَّهِ؟ فقال: كانَ يَمُدُّ مدّاً.
مطابقته للترجمة ظاهرة. وجرير بالجيم ابن حازم بالحاء المهملة والزاي الأزدي بالزاي
والدال المهملة أبو النضر البصري.
والحديث أخرجه أبو داود في الصلاة عن مسلم بن إبراهيم. وأخرجه الترمذي في
الشمائل عن بندار وأخرجه النسائي في الصلاة عن عمرو بن علي. وأخرجه ابن ماجه فيه عن
محمد بن المثنى.
قوله: ((كان يمد)) أي: يمد الحرف الذي يستحق المد قوله: ((مدا)) نصب على
المصدرية.
٦٧ /٥٠٤٦ _ حدَّثنا عَمْرُو بنُ عاصِم حدَّثنا هَمَّامٌ عنْ قَتادةَ. قال: سُئِلَ أنَسٌ: كَيْفَ
كانَتْ قَرَاءَةُ النبيِّ عَّهِ؟ فقال: كانَتْ مَدّاً ثُمَّ قَرَأ: بسم الله الرحمن الرحيم. يَمُدُّ بِبسْمِ الله
وَيَمُدُّ بالرَّحْمنِ وَيَمُدُّ بالرَّحِيمِ. [انظر الحديث ٥٠٤٥].
هذا طريق آخر أخرجه عن عمرو بالفتح ابن عاصم بن عبيد الله القيسي البصري.
وهمام هو ابن يحيى.
قوله: ((كانت مداً) أي: كانت قراءته مداً أي: ذات مد، ووقع عنه أبي نعيم من طريق
أبي النعمان عن جرير بن حازم: كان يمد صوته، وفي رواية أبي داود: كان يمد قراءته قوله: ((يمد
بسم الله)) كذا وقع بياء موحدة قبل الموحدة التي في: بسم الله، كأنه حكى في: بسم الله،
كما حكي لفظ: الرحمن في قوله: ((ويمد بالرحمن)) ووقع عند أبي نعيم من طريق الحسن
الحلواني عن عمرو بن عاصم شيخ البخاري فيه: يمد بسم الله ويمد الرحمن ويمد الرحيم، من
غير باء موحدة في الثلاثة، ويقال: إنما أدخل الباء في الباء إما لأنه ذكر اسم الله على سبيل
الحكاية، وإما لأنه جعله كالكلمة الواحدة علماً لذلك، والمد إنما يكون في الواو والألف
والياء، ومد الرحمن والرحيم ليس كمد غيرهما لأنه ليس في البسملة همزة توجب المد في
حروف المد واللين، وللقراءة في موضع المد في مقداره وجوهات بينت في موضعها.
٣٠ - بابُ التَّرْجِیعِ
أي: هذا باب في بيان الترجيع: هو تقارب ضروب الحركات فى القراءة، وأصله

٧٨
٦٦ - كِتابُ فَضائِلِ القُرْآنِ / باب (٣١)
الترديد، وترجيع الصوت ترديده في الحلق كقراءة أصحاب الألحان: وقال ابن الأثير: الترجيع
ترديد القراءة، ومنه ترجيع الأذان.
٦٨ / ٥٠٤٧ _ حدَّثنا آدَمُ بنُ أبي إياسٍ حدثنا شُعْبَةُ حدثنا أبُو إياسٍ، قال: سَمِعْتُ
عبْدَ الله بنَ مُغَفَّلٍ قال: رأيْتُ النبي عَ لَّهِ، يَقْرَأُ وهْوَ عِلَى نَاقَتِهِ أَوْ جَمَلِهِ وهْيَ تَسِيرُ بِهِ وهُوَ
يَغْرَأُ سورَةَ الفَتْحِّ أَوْ مِنْ سُورَةِ الفَتْحِ قِرَاءَةً لَيْنَةٌ يَقْرَأْ وهْوَ يُرَجّعُ. [انظر الحديث ٤٢٨١
وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة وأبو إياس، بكسر الهمزة وتخفيف الياء آخر الحروف
وبالمهملة: واسمه معاوية بن قرة، بضم القاف وتشديد الراء: البصري، وعبد الله بن مغفل،
بضم الميم وفتح الغين المعجمة وتشديد الفاء المفتوحة.
والحديث مضى في المغازي عن أبي الوليد وفي التفسير عن مسلم بن إبراهيم، وفي
فضائل القرآن وعن حجاج بن منهال، وقد مر الكلام فيه، والواوات في: ((وهو يقرأ)) في
الموضعين ((وهي تسير)» كلها للحال.
قوله: ((أو جمله))، شك من الراوي. وكذلك قوله: ((أو من سورة الفتح)) وقالوا: ترجيع
النبي عَّةٍ يحتمل أمرين: أحدهما: أنه حصل من هز الناقة والآخر: أنه أشبع المد في موضعه
فحدث ذلك، وقيل: الترجيع تحسين التلاوة لا ترجيع الغناء، لأن القراءة بترجيع الغناء ينافي
الخشوع الذي هو المقصود من التلاوة.
٣١ - بابُ حُسْنِ الصَّوْتِ بالقرَاءَةِ
أي: هذا باب في بيان مطلوبية حسن الصوت بالقراةء، وفي رواية أبي ذر: باب حسن
الصوت بالقراءة للقرآن، وقيل: الإجماع على استحباب سماع القرآن من ذي الصوت
الحسن: وأخرج ابن أبي داود من طريق أبي مسجعة، قال: كان عمر، رضي الله تعالى عنه،
يقدم الشاب الحسن الصوت لحسن صوته بين يدي القوم.
٦٩ / ٥٠٤٨ _ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ حَلَفٍ أَبُو بَكْرٍ حدَّثنا أبُو يَحْتَى الحِمَّانِيُّ حدَّثَنَا بُرَيْدُ
ابنُ عبْدِ الله بنِ أبِي بُرْدَةً عنْ أبِي مُوسَى، رضي الله عنه، عن النبيِّ عَّلِ قال لهُ: يا أَبا
مُوسَى! لَقَدْ أوتيتَ مِزْماراً مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاودَ.
مطابقته للترجمة من حيث إن راوي الحديث، وهو أبو موسى الأشعري، كان حسن
الصوت جداً. ولهذا قال له عَّل: لقد أوتيت مزماراً أي: صوتاً حسناً، وأصله الآلة أطلق
اسمها على الصوت الحسن للمشابهة بينهما.
ومحمد بن خلف أبو بكر المقري البغدادي الحدادي، بالمهملات وفتح أوله وتشديد
الدال الأولى، من صغار شيوخ البخاري، وعاش بعد البخاري خمس سنين وليس له ولا
لشيخه في البخاري إلاّ في هذا الموضع، وأبو يحيى اسمه عبد الحميد بن عبد الرحمن

٧٩
٦٦ - كِتَابُ فَضائِلِ القُرْآنِ / باب (٣٢ و٣٣)
الملقب بيشمين، بفتح الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة وكسر المم وبالنون بعد الياء
آخر الحروف. فارسي معناه: الصوفي، الحماني، بكسر الحاء المهملة وتشديد الميم وبالنون:
نسبة إلى حمان قبيلة من تميم، الكوفي أصله من خوارزم، مات سنة ثنتين ومائتين، وبريد،
بضم الباء الموحدة وفتح الراء ابن عبد الله بن أبي بردة، بضم الباء الموحدة وسكون الراء:
واسمه عامر، يروي بريد المذكور عن جده عن أبي موسى الأشعري واسمه عبد الله بن قيس،
ويروي أبو يحيى الحماني: سمعت بريد بن عبد الله بدل حدثنا بريد بن عبد الله.
والحديث أخرجه الترمذي عن موسى بن عبد الرحمن الكندي.
قوله: ((مزماراً)، بكسر الميم، قد مر تفسيره الآن قوله: ((آل داود)»، مقحمة والمراد
نفس داود، عليه الصلاة والسلام لأنه لم يذكر أن أحداً من آل داود قد أعطي من حسن
الصوت ما أعطي داود، عليه الصلاة والسلام.
٣٢ - بابُ مَنْ أَحَبَّ أنْ يَسْمَعَ القُرْآنَ مِنْ غَيْرِهِ
أي: هذا باب في بيان من أحب أن يسمع القرآن من غيره، وفي رواية الكشميهني:
القراءة.
٥٠٤٩/٧٠ _ حدَّثُنا عُمَرُ بنُ حَفْصِ بنِ غِياثٍ حدَّثنا أبي عنِ الأعْمَشِ قال: حدَّثني
إِبْرَاهِيمُ عِنْ عِيدَ عنْ عبْدِ الله، رضي الله عنه، قال: قال لِي النبيُّ عَّةِ: اقْرَأْ عَليَّ القُرْآنَ.
قُلْتُ: أَقْرَأُ عَليْكَ وعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قال: إنِّي أُحِبُّ أنْ أسْمَعَهُ منْ غَيْرِي. [انظر الحديث ٤٥٨٢
وأطرافه].
مطابقته للترجمة من حيث إنه عَ ل أحب أن يسمع القرآن من غيره ليكون عرض
القرآن سنة، ويحتمل أن يكون لأجل تدبره وزيادة تفهمه، لأن المستمع أقوى على ذلك
وأنشط من القارىء لاشتغاله بالقراءة، بخلاف قراءته عَ لَّ على أبي بن كعب، فإنه كان
لإرادة تعليمه كيفية أداء القراءة ومخارج الحروف ونحو ذلك، وهذا أخرجه مختصراً، والذي
يأتي عقيبه بأتم منه، ونذكر رجاله فيه لأنهما حديث واحد.
٣٣ _ بابُ قَوْل المُقْرِىء للقارِىء: حَسْئُكَ
أي: هذا باب في بيان قول المقرىء وهو الذي يقرىء غيره للقارىء الذي يقرأ:
حسبك أي: يكفيك.
٥٠٥٠/٧١ - حدَّثْنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُف حدثنا سُفْيانُ عنِ الأعْمَشِ عنْ إبرَاهيمَ عنْ
عَبِيدَةَ عنْ عبدِ الله بنِ مَسْعُودٍ قالٍ: قال لِي النبيُّ عَ لّهِ: اقْرَأْ عَلَيَّ. قُلْتُ: يا رسولَ الله! اقْرَأَ
عَلَيْكَ وعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قَال: نعَمْ فَقَرأْتُ سُورَةَ النِّساءِ حتَّى أَتَيْتُ إلى هذِهِ الآيَةَ ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا
مِنْ كلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى لهُؤُلاءِ شَهِيداً﴾ [النساء: ٤١]قال: حَسْبُكَ الآنَ، فالْتَفَتُّ
إِلَيْهِ فِإِذَا عَيْناهُ تَذْرِفانِ. [انظر الحديث ٤٥٨٢ وأطرافه].

٨٠
٦٦ - كِتابُ فَضَائِلِ القُرْآنِ / باب (٣٤)
مطابقته للترجمة في قوله عَ لِّ لابن مسعود: ((حسبك)) وسفيان بن عيينة، وسليمان،
وإبراهيم النخعي، وعبيدة، بفتح العين وكسر الباء الموحدة: السلماني، وعبد الله هو ابن
مسعود.
والحديث مر في تفسير سورة النساء، ومر الكلام فيه هناك.
قوله: ((تذرفان)) بالذال المعجمة وكسر الراء وبالفاء أي: تسيلان دمعاً، من ذرفت العين
تذرف إذا سال دمعها. فإن قلت: ما وجه قوله عَُّلّم لابن مسعود: ((حسبك)) عند وصوله إلى
الآية المذكورة؟ قلت: تنبيهاً على الموعظة والاعتبار في هذه الآية، ولهذا بكى وبكاؤه
إشارة منه إلى معنى الوعظ لأنه تمثل لنفسه أهوال يوم القيامة وشدة الحال الداعية له إلى
شهادته لأمته بتصديقه والإيمان به وسؤاله الشفاعة لهم ليريحهم من طول الموقف وأهواله،
وهذا أمر يحق له طول البكاء والحزن.
٣٤ _ باب في كَمْ يُقْرَأُ القُرْآنُ
أي: هذا باب في بيان كم من مدة من الوقت يقرأ القارىء القرآن فيها ولم يبين فيه
المدة لأنه لم يرد فيه شيء من الحد المعين، ولكنه يريد بذلك الرد على من قال: أقل ما
يجزىء من القراءة في كل يوم وليلة جزء من أربعين جزءاً من القرآن، حكي ذلك عن إسحاق
ابن راهوية والحنابلة.
وقَوْلُ الله تعالى ﴿فاقرءوا ما تيسر منه﴾ [المزمل: ٢٠]
أورد هذا في معرض الاستدلال على عدم التحديد في كمية القراءة لأنه عام يشمل
الجزء من القرآن أقل منه وأكثر منه على حسب التيسير، فلا يقتضي جزءاً معيناً، ولا محدوداً،
ولا وقتاً محدوداً ولا معيناً، وما ورد فيه من الأحاديث والأخبار لا يدل على تنصيص الكمية
في القدر والوقت، فافهم.
٧٢ /٥٠٥١ - حدَّثْنَا عَلِيٌّ حدّثنا سُفْيانُ قال لِي ابنُ شُبرمةَ: نَظَرْتُ كَمْ يَكْفِي الرَّجُلَ
مِنَ القُرْآنِ فَلَمْ أَجِدْ سُورَةً أَقَلَّ مِنْ ثَلاَثِ آياتٍ، فَقُلْتُ: لا يَنْبَغَي لِأَحَدٍ أن يَقْرَأ أَقَلَّ مِنْ ثَلاَثِ
آياتٍ. [انظر الحديث ٤٠٠٨ وأطرافه].
مطابقته للترجمة من حيث إنه إشارة إلى الكمية بثلاث آيات، ولكنه ليس بتحديد
بحسب الوجوب ولا بحسب السنة.
وعلي هو ابن المديني، وسفيان هو ابن عيينة وابن شبرمة، بضم الشين المعجمة
وسكون الباء الموحدة وضم الراء وفتح الميم: هو عبد الله بن شبرمة بن الطفيل الضبي أبو
شبرمة الكوفي القاضي فقيه أهل الكوفة، عداده في التابعين، روى عن أبي حنيفة، رضي الله
تعالى عنه، وكان عفيفاً صارماً عاقلاً فقيهاً يشبه النساك ثقة في الحديث، شاعراً حسن
الخلق جواداً وكان قاضياً لأبي جعفر على سواد الكوفة وضياعها، مات سنة أربع وأربعين