النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورة المدثر
بسم الله الرحمن الرحيم
لم تثبت البسملة إلاَّ لأبي ذر.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عَسِيرٌ شَدِيدٌ
أي: قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فذلك يومئذ يوم عسيراً﴾ [المدثر: ٩] وفسره
بقوله: ﴿شديد﴾ وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة.
قَشُوَرَةٌ: رَكْزُ النَّاسِ وَأَضْوَاتُهُمْ
أي: قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة﴾
[المدثر: ٥٠، ٥١] وفسر القسورة بركز الناس وأصواتهم، وصله سفيان بن عيينة في تفسيره
عن عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس، قال: هو ركز الناس وأصواتهم، قال سفيان:
يعني حسهم وأصواتهم.
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ الأسَدُ وَكلُّ شَدِيدٍ قَسْوَرَةٌ وَقَشْوَرٌ
أي: قال أبو هريرة: القسورة الأسد، وروى عبد بن حميد من طريق سعد عن زيد بن
أسلم. قال كان أبو هريرة إذا قرأ: ﴿كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة﴾ [المدثر: ٥٠،
٥١] قال: القسورة الأسد وهذا منقطع بين ابن زيد وأبي هريرة. قوله: ((وكل شديد)) مبتدأ.
وقسورة خبره، وقسور عطف عليه من القسر وهو الغلبة، وقيل: القسورة الرماة حكي عن
مجاهد وعن سعيد بن جبير: القسورة القناص ووزنها فعولة، وروى ابن جرير من طريق يوسف
ابن مهران عن ابن عباس: القسورة الأسد بالعربية، وبالفارسية: شير، وبالحبشية: القسورة ولفظ
قسور من زيادة النسفي رحمه الله.
مُسْتَتْفِرَةٌ: نَافِرَةٌ مَذْعُورَةٌ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿كأنهم حمر مستنفرة﴾ وفسرها بقوله: نافرة مذعورة بالذال
المعجمة أي: مخافقة وقرأ أهل الشام والمدينة بفتح الفاء والباقون بالكسر.
١ - بابٌ
٤٤١ / ٤٩٢٢ - حدَّثنا يَحْيِى حدَّثنا وَكِيعٌ عَنْ عَلِيٍّ بنِ المُبَارَكِ عَنْ يَخيِّى بنِ أبِي
كَثِيرٍ سألْت أَبَا سَلَمَةَ بنَ عَبْدِ الرَّحْمُنِ عَنْ أوَّلَ مَا نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ ﴿يَا أَيُّها المُدَّثِّرُ﴾ قُلْتُ
يَقُولُونَ ﴿اقْرَأْ بَاسْم رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ فَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ سَألْتُ جَابِرَ بنَ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ الله
عَنْهُمَا عَنْ ذُلِكَ وَقُلَّتُ لَهُ مِثْلِ الَّذِي قُلْتَ فَقَالَ جَابِرٌ لا أُحَدِّثُكَ إلاَّ مَا حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ عَلَه
قَالَ جَاوَزْتُ بُحَرَاء فَلَمَّا قَضَيْتُ جَوَارِي هَبَطْتُ فَنُودِيتُ فَتَظَرْتُ عَنْ يَمِينَي فَلَمْ أَرَ شَيْئاً
وَنَظَرْتُ عَنْ شِمَالِي فَلَمْ أَرَ شَيْئاً وَنَظَرْتُ أمَامِي فَلَمْ أَرَ شَيْئاً وَنَظَرْتُ خَلْفِي فَلَمْ أَرَ شَيْئاً
فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَرَأيْتُ شَيْئاً فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ دَثِّرُونِي وَصُبُوا عَلَيَّ مَاءً بَارِداً فَدَتَّرُونِي

٣٨٢
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ/ سورة المدَّثِّر
وَصَبُّوا عَلَيَّ مَاءَ بَارِداً قَالَ فَتَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّها المُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾.
مطابقته للترجمة ظاهرة. وفيه بيان سبب النزول. ويحيى هو ابن موسى البلخي أو
يحيى بن جعفر، وقد مضى جزء منه في أول الكتاب في بدء الوحي، قال ابن شهاب:
وأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن جابر بن عبد الله الحديث.
قوله: ((جاورت بحراء))، أي: اعتكفت بها، وهو بكسر الحاء وتخفيف الراء وبالمد
منصرفاً على الأشهر، جبل على يسار السائر من مكة إلى منّى. قوله: ((جواري))، بكسر الجيم
أي: مجاورتي. أي: اعتكافي. قوله: ((فرأيت شيئاً))، يحتمل أن يكون المراد به، رأيت
جبريل، عليه الصلاة والسلام، وقد قال: ﴿اقرأ باسم ربك﴾ [العلق: ١] فخفت من ذلك ثم
أتيت خديجة، رضي الله تعالى عنها، فقلت: دثروني أي: غطوني فنزلت: ﴿يا أيها المدثر﴾
[المدثر: ١] والجمهور على أن أول ما نزل هو ﴿اقرأ باسم ربك﴾ وفي هذا الحديث
استخرج جابر ذلك عن الحديث باجتهاده، وظنه فلا يعارض الحديث الصحيح المذكور في
أول الكتاب الصريح بأنه اقرأ أو تقول إن لفظ: أول من الأمور النسبية، فالمدثر يصدق عليه
أنه أول ما نزل بالنسبة إلى ما نزل بعده.
٢ - بَابُ قَوْلِهِ: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: ٢]
أي: قم يا محمد من مضجعك قيام عزم وجد فأنذر قومك وغيرهم لأنه أطلق الإنذار.
٤٤٢ / ٤٩٢٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارِ حدَّثنا عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ مَهْدُىٍ وَغَيْرُهُ قَالا
حَدَّثنا حَرْبُ بنُ شَدَّادٍ عَنْ يَحْيِى بنِ أبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ الله رَضِيَ
الله عنهما عَنِ النبيِّ عَّ ◌ُلّهِ قَالَ جَاوَرْتُ بِحَرَاءٍ مِثْلَ حَدِيثِ عُثْمَانَ بنِ عُمَرَ عَنْ عَلِيٍّ بنِ
المُبَارَكَ.
هذا طريق آخر في حديث جابر، رضي الله تعالى عنه، أخرجه عن محمد بن بشار
بالشين المعجمة.
قوله: ((وغيره))، يشبه أن يكون أراد به أبا داود فإن أبا نعيم الأصبهاني رواه عن أبي
إسحاق بن حمزة حدثنا أبو عوانة حدثنا محمد بن بشار حدثنا عبد الرحمن بن مهدي وأبو
داود قالا: حدثنا حرب فذكره. قوله: ((مثل حديث عثمان ابن عمر))، أحال رواية حرب بن
شداد على رواية عثمان بن عمر ولم يخرج هو رواية عثمان بن عمر، وهي عند محمد بن
بشار شيخ البخاري فيه أخرجه أبو عروبة في كتاب (الأوائل) قال: حدثنا محمد بن بشار
حدثنا عثمان بن عمر أخبرنا علي بن المبارك، وهكذا أخرجه مسلم عن ابن مثنى عن عثمان
ابن عمر عن علي بن المبارك.
٣٠ - بَابُ قَوْلِهِ: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ٣]
أي: هذا باب في قوله عز وجل: ﴿وربك فكبر﴾ أي: فعظم ولا تشرك به، وهذا

٣٨٣
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ/ سورة المدَّثِّر
التكبير قد يكون في الصلاة وقد يكون في غيرها. ولما نزل ذلك قام عَّهِ، وكبر فكبرت
خديجة وفرحت وعلمت أنه الوحي من الله تعالى، والفاء على معنى جواب الجزاء أي: قم
فكبر ربك، وكذلك ما بعده. قال الزجاج، وقيل: الفاء صلة كقولك: زيداً فاضرب.
٤٤٣/ ٤٩٢٤ - حدّثنا إِسْحَاقُ بِنُ مَنْصُورٍ حدَّثنا عَبْدُ الصَّمَدِ حدَّثنا حَرْبُ حدَّثنا
يَخْيَّى قَالَ سَأَلْتُ أَبَا سَلَمَةَ أيُّ القُرْآنَ أُنْزِلَ أوَّلُ فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّها المُدَثِّرُ﴾ فَقُلْتُ أَنْبِئْتُ أَنَّهُ
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبَّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ فَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ سَألْتُ جَابِرَ بنَ عَبْدِ الله أيُّ القُرْآنِ أُنْزِلَ أوَّلُ
فَقَال: ﴿يَا أَيُّها المُدَّثِّرُ﴾ فَقُلْتُ أَنْبِقْتُ أَنَّهُ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ فَقَالَ لا أُخْبِرُكَ إلَّ بِمَا
قَالَ رَسُولُ اللهِ عَلِ جَاوَزْتُ فِي حِرَاءٍ فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي هَبَطْتُ فَاسْتَبْطَنْتُ الوَادِيَ
فَتُودِيتُ فَتَظَرْتُ أَمَامِي وَخَلْفِي وَعَنْ يَيْنِي وَعَنْ شِمَالِي فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ عَلَى عَرْشٍ بَيْنَ
السّماءِ وَالأَرْضِ فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ دَتْرُونِي وَصُبُوا عَلَيَّ مَاءَ بَارِداً وَأَنْزِلَ عَلَيَّ: ﴿يَا أَيُّهَا
المُدَّثِّرُ قُمْ فَإِنْذِزْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ١، ٣].
هذا طريق آخر في الحديث المذكور أخرجه عن إسحاق بن منصور بن بهرام الكوسج
أبي يعقوب المروزي عن عبد الصمد ابن عبد الوارث البصري عن حرب بن شداد عن يحيى
ابن أبي کثیر.
قوله: ((أول)) ... (١) قوله: ((أَنبئت)) على صيغة المجهول. أي: أخبرت. وفي رواية أبي
داود الطيالسي عن حرب. قلت: إنه بلغني أن أول ما نزل اقرأ ولم يبين يحيى بن أبي كثير
من أنبأه بذلك ولعله يريد عروة بن الزبير، كما لم يبين أبو سلمة من أنبأه بذلك، ولعله يريد
عائشة فإن الحديث مشهور عن عروة عن عائشة رضي الله تعالى عنها، كما تقدم في بدء
الوحي من طريق الزهري عنه مطولاً. قوله: ((فاستبطنت))، أي: وصلت بطن الوادي. قوله:
((على عرش)) ويروى: على كرسي.
٤ - بَابُ قَوْلِهِ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]
أي: هذا باب في قوله تعالى: ﴿وثيابك فطهر﴾ قال الثعلبي: سئل ابن عباس عن هذه
الآية فقال: معناها لا تلبسها على معصية ولا على غدرة، والعرب تقول للرجل إذا وفى
وصدق: إنه طاهر الثياب، وإذا غدر ونكث: إنه لدنس الثياب، وعن أبي بن كعب، رضي الله
تعالى عنه، لا تلبسها على عجب ولا على ظلم ولا على إثم والبسها وأنت طاهر، وعن ابن
سيرين وابن زيد: نقٌ ثيابك واغسلها بالماء وطهرها من النجاسة، وذلك أن المشركين كانوا
لا يتطهرون فأمره أن يتطهر ويطهر ثيابه. وعن طاووس وثيابك فقصر وشمر، لأن تقصير
الثياب طهرة لها.
٤٤٤/ ٤٩٢٥ - حدّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرِ حدَّثنا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابنِ شِهابٍ ح
(١) هنا بياض في الأصل وفي جميع النسخ الخطية.
:

٣٨٤
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ/ سورة المدَّثِّر
وحدّثني عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حدّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أخبرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو
سَلَمَةَ بنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ الله رَضِيَ الله عَنْهُمَا قَالَ سَمِعْتُ النبيَّ عَ لَّه وَهُوَ
يُحَدِّثِ عَنْ فَتْرَةِ الوَخِي فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتاً مِنَ السَّمَاءِ فَرَفَعْتُ
رَأْسِي فَإِذَا المَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحَراءِ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ فَجَشِئْتُ
مِنْهُ رُغباً فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي فَدَقَّرُونِي فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّها المُدَّثِّرُ﴾
إلَى ﴿وَالرِّجْزَ فَاهْجُزْ﴾ [المدثر: ١، ٥] قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الصلاةُ وَهِيَ الأوْثَانُ.
هذا أيضاً حديث جابر المذكور ولكن رواه من رواية الزهري عن أبي سلمة وذكره من
طريقين: أحدهما: عن يحيى بن بكير هو يحيى بن عبد الله بن بكير المصري عن الليث بن
سعد عن عقيل، بضم العين ابن خالد عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري. والآخر: عن
عبد الله بن محمد المسندي عن عبد الرزاق الخ.
قوله: ((وهو يحدث عن فترة الوحي))، الواوٍ فيه للحال وهذا مشعر بأنه كان قبل نزول:
﴿يا أيها المدثر﴾ [المدثر: ١] وحي وليس ذلك إلاّ سورة اقرأ على الصحيح. قوله: ﴿فجثثت﴾
على صيغة المجهول من الجأث، بالجيم والهمزة والثاء المثلثة، وهو الفزع والرعب
والخوف، وقال الكرماني: وفي بعضها: فجثثت بالمثلثتين من الجث وهو القلع والرعب.
قوله: ((قبل أن تفرض الصلاة)) غرضه أن تطهير الثياب كان واجباً قبل الصلاة قوله: ((وهي)) أي:
الرجز هي الأوثان، وإنما أنث باعتبار أن الخبر جمع وإنما فسر بالجمع نظراً إلى الجنس.
٥ - بَابٌ قَوْلُهُ: ﴿وَالرِّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥]
أي: هذا باب في قوله تعالى: ﴿والرجز فاهجز﴾ عن ابن عباس: فاترك المأثم، وعن
مجاهد وعكرمة وقتادة والزهري وابن زيد: والأوثان فاهجر ولا تقربها، وهي رواية عن ابن
عباس، وقيل: الزاي فيه بدل من السين لقرب مخرجهما. دليله قوله عز وجل: ﴿فاجتنبوا
الرجس من الأوثان﴾ [الحج: ٣٠] وعن أبي العالية الربيع: الرجز، بالضم الصنم، وبالكسر
النجاسة والمعصية، وعن الضحاك: الشرك وعن ابن كيسان الشيطان.
يُقَالُ: الرِّجْزُ وَالرِّجْسُ: العَذَابُ
هو قول أبي عبيدة والكلبي، ومجاز الآية أهجر ما أوجب لك العذاب من الأعمال،
وقيل: أسقط حب الدنيا من قلبك فإنه رأس كل خطيئة.
٤٤٥ /٤٩٢٦ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ حدَّثنا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ قَالَ ابنُ شِهابٍ
سَمِعْتُ أَبًا سَلَمَةَ قَالَ أَخْبَرَنِي جَابِرُ بنُّ عَبْدِ اللهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله عَُّلِ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَة
الوَخِي فَتَيْنَا أَنَا أُمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتاً مِنَ السَّمَاءِ فَرَفَعْتُ بَصَرِي قِبَلَ السَّمَاءِ فَإِذَا المَلَكُ
الَّذِيَّ جَاءَنِي بِحَرَاءٍ فَاعِدٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ فَجَعْتَ مِنْهُ حَتَّى هَوَيْتُ إِلَى
الأرضِ فَجِئْتُ أهْلِي فَقُلْتُ زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي فَزَمَلُونِي فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّها المُدَّثَّرُ﴾

٣٨٥
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ/ سورة القيامة
إِلَى: ﴿فَاهْجُزْ﴾ [المدثر: ١]. قَالَ أَبُو سَلَمَةَ وَالرِّجْزَ الأُوْثَانَ ثُمَّ حَمِيَ الوَحْيُ وَتَتَابَعَ.
مطابقته للترجمة في قوله: ((فاهجر)) وهذا أيضاً طريق آخر في حديث جابر. قوله:
((فبينا)) أصله: بين أشبعت فتحة النون بالألف وهو ظرف يضاف إلى الجملة ويحتاج إلى
جواب وجوابه قوله: ((إذا سمعت)). قوله: ((حتى هويت)) أي: حتى سقطت. قوله: ((والرجز
الأوثان))، بكسر الراء والضم لغة قاله الفراء، وقال بعض البصريين بالكسر العذاب ولا يضم،
وفسر أبو سلمة الرجز بالأوثان لأنها مؤدية إلى العذاب، ويروى عن مجاهد والحسن بالضم
اسم الصنم وبالكسر العذاب، وروى ابن مردويه من طريق محمد بن كثير عن معمر عن
الزهري في هذا الحديث بالضم وهي قراءة حفص عن عاصم.
سُورَةُ ﴿القِيَامَةِ﴾
أي: هذا في تفسير بعض سورة القيامة، وهي مكية، وهي ستمائة وإثنان وخمسون
حرفاً ومائة وسبع وتسعون كلمة. وأربعون آية.
١ - بابُ قَوْلُهُ: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦]
أي: وقوله تعالى: ﴿لا تحرك به﴾ الخطاب للنبي عَ ◌ّ﴾ أي: لا تحرك بالقرآن لسانك،
وذلك أن رسول الله عَ لّ كان لا يفتر عن قراءة القرآن مخافة أن لا ينساه ويحرك به لسانه.
فأنزل الله تعالى: ﴿ولا تحرك به لسانك لتعجب به﴾ أي: بتلاوته لتحفظه ولا تنساه.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: سُدِّى هَمَلاً
أي: قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿أيحسب الإنسان أن يترك سدى﴾ [القيامة: ٣٦]
أي: هملاً بفتحتين أي: مهملاً.
وَقَالَ لِيَفْجُرَ أمَامَهُ: سَوْفَ أَتُوبُ سَوْفَ أَعْمَلُ
أي: قال ابن عباس أيضاً في قوله تعالى: ﴿يريد الإنسان ليفجر أمامه﴾ [القيامة: ٥]
فسره بقوله: ((سوف أتوب سوف أعمل)) وحاصل المعنى: يريد الإنسان أن يدوم على فجوره
فيما يستقبله من الزمان ويقول: سوف أتوب وسوف أعمل عملاً صالحاً.
لا وَزَرَ لا حِصْنَ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿كلا لا وزر إلى ربك يومئذ المستقر﴾ [القيامة: ١٢، ١٣]
وفسر الوزر بالحصن، وروى الطبري من طريق العوفي عن ابن عباس: لا حصن وعن أبي
عبيدة: الوزر الملجأ.
٤٤٦ / ٤٩٢٧ - حدَّثنا الْحُمَيْدِيُّ حدَّثنا سُفْيَانُ حدَّثنا مُوسَى بِنُ أَبِي عَائِشَةَ وَكَانَ
ثِقَةً عَنْ سَعِيدٍ بنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُمَا قَالَ كَانَ النبيُّ عَ لِّ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ
عمدة القاري/ ج١٩ م٢٥

٣٨٦
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ/ سورة القيامة
الوَحْيُ حَرَّكَ بِهِ لِسَانَهُ وَوَصَفَ سُفْيَانُ يُرِيدُ أَنْ يَخْفَظَهُ فَأَنْزَلَ الله: ﴿لا تُحَرَّكَ بِهِ لِسَانَكَ
لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦].
مطابقته للترجمة ظاهرة. ومضى الحديث في بدء الوحي عن موسى بن إسماعيل،
ومضى الكلام فيه هناك قوله: ((وكان ثقة))، مقول سفيان، وموسى هذا تابعي صغير كوفي من
موالي آل جعدة ابن هبيرة ولا يعرف اسم أبيه، ومدار هذا الحديث عليه وإلى قوله: ((لتعجل
به)) في رواية أبي ذر وزاد غيره الآية التي بعدها.
٢ - بَابٌ: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧]
أي: هذا باب في قوله تعالى: ﴿إِن علينا جمعه﴾ أي: في صدرك ﴿وقرآنه﴾
[القيامة: ١٧] وقراءته عليك حتى تعيه، والقرآن مصدر كالرجحان والنقصان.
٤٤٧ / ٤٩٣٨ - حدّثنا عُبَيْدُ الله بنُ مُوسَى عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ مُوسَى بنِ أبِي عَائِشَةَ أَنَّهُ
سَأَلَ سَعِيد بْنٍ مُبَيْرٍ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا تُحَرَّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ [القيامة: ١٦] قَالَ وَقَالَ ابْنُ
عَبَّاسٍ كَانَ يُحَرَّكُ شَفَتَيْهِ إِذَا أَنْزِلَ عَلَيْهِ فَقِيلَ لَهُ: ﴿لا تُحَرَّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ يَخَشَى أنْ يَنْقَلِبَ مِنْهُ
﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ أنْ نَجْمَعَهُ فِي صَدْرِكَ وَقُرْآنَهُ أَنْ تَقْرَأَةُ: ﴿فَإِذَا قَرَ أْنَاهُ﴾ يَقُولُ أُنْزِلَ
عَلَّيْهِ ﴿فَاتَبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٨، ١٩] أنْ نُبَيِّنَهُ عَلَى لِسَانِكَ.
مطابقته للترجمة ظاهرة. وإسرائيل هو ابن يونس أبي إسحاق السبيعي. وهذا حديث
ابن عباس من رواية إسرائيل عن موسى المذكور. قوله: ((كان)) أي: رسول الله عٍَّ يحرك
شفتيه إذا أنزل عليه القرآن. قوله: ((أن يتفلت)) أي: يضيع ويفوت قوله: ((إن علينا جمعه)) إلى
آخره، يحتمل أن يكون معلقاً عن ابن عباس، وسياق الحديث الذي بعده أتم منه.
٣ - بَابٌ: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبَعْ قُرْآنَهُ﴾
أي: هذا باب في قوله تعالى: ﴿فإذا قرأناه﴾ أي: إذا قرأناه عليك: ﴿فاتبع قرآنه﴾ أي:
ما فيه من الأحكام.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسِ قَرْآنَهُ بَيَانَهُ فَاتِبِغْ اعْمَلْ بِهِ
هذا تفسير ابن عباس هذه الترجمة، وهي قوله تعالى: ﴿فإذا قرأناه فاتبع قرآنه﴾ وروی
هذا التفسير علي بن أبي طلحة وقد أخرجه ابن حاتم.
٤٤٨ /٤٩٢٩ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حدَّثنا جَرِيرُ عَنْ مُوسَى بنِ أبِي عَائِشَةَ عَنْ
سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنٍ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ قَالَ كَانَ رَسُولُ
الله عَّهِ إِذَا نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ بِالوَحِي وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ بِهِ لِسَانَهُ وَشَفَتَيْهِ فَيَشْتَدُ عَلَيْهِ وَكَانَ
يُعْرَفُ مِنْهُ فَأَنْزَلَ الله الآيَةَ الَّتِي فِي ﴿لا أَقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة: ١] ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ
لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٦، ١٧] قَالَ عَلَيْنَا أنْ نَجْمَعُهُ فِي صَدْرِكَ وَقْآنَهُ:

٣٨٧
٦٥ - كِتَابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورة الإنسان
﴿فَإِذَا قَرَ أْتَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ فإذَا أَنْزَلْنَا فَاسْتَمِعْ ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] عَلَيْنَا أَنْ نُبَيَّتَهُ
بِلِسَانِكَ قَالَ: فَكَانَ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ أَطْرَقَ فَإِذَا ذَهَبَ قَرَأَهُ كَمَا وَعَدَهُ الله تَعَالَى.
هذا طريق آخر في حديث ابن عباس المذكور أخرجه عن قتيبة بن سعيد عن جرير بن
عبد الحميد عن موسى المذكور.
قوله: ((لسانه وشفتيه)) ذكرهما هنا واقتصر سفيان في روايته السابقة على ذكر لسانه،
واقتصر إسرائيل على ذكر شفتيه والكل مراد. قوله: ((فيشتد عليه)) أي: يشتد عليه حاله عند
نزول الوحي، ومضى فيما تقدم، وكانت الشدة تحصل معه عند نزول الوحي لثقل القول،
وفي حديث الإفك، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء وكان يتعجل بأخذه لتزول الشدة
سريعاً. قوله: ((وكان يعرف منه)) أي: وكان الاشتداد، يعرف منه حالة نزول الوحي عليه.
قوله: ((فأنزل الله تعالى)) أي: بسبب ذلك الاشتداد أنزل الله تعالى قوله: ﴿وقرآنه﴾ زاد
إسرائيل في روايته المذكورة أن تقرأه أي: أنت تقرؤه. قوله: ((فإذا قرأناه)) أي: فإذا قرأه عليك
الملك قوله: ((أطرق)) يقال: أطرق الرجل إذا سكت، وأطرق أي أرخى عينيه ينظر إلى الأرض.
﴿أَوْلَى لَكَ﴾ تَوَعُدٌ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى﴾ وفسره. بقوله: ((توعد)
أي: هذا وعيد من الله تعالى على وعيد لأبي جهل، وهي كلمة موضوعة للتهديد والوعيد،
وقيل: أولى من المقلوب ويلي من الويل كما يقال: ما أطيبه وأبطيه، ومعنى الآية لأنه يقول
لأبي جهل الويل لك يوم تحيى والويل لك يوم تموت والويل لك يوم تبعث والويل لك يوم
تدخل النار.
سُورَةٌ ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ﴾ [الإنسان: ١]
أي: هذا في تفسير بعض سورة: ﴿هل أتى على الإنسان﴾ وهي مكية قاله قتادة
والسدي وسفيان، وعن الكلبي: أنها مكية إلا آيات ﴿ويطعمون الطعام على حبه﴾
[الإنسان: ٨، ٩] إلى قوله: ﴿قمطريرا﴾ ويذكر عن الحسن أنها مكية وفيها آية مدنية ﴿ولا
تطع منهم آثماً أو كفوراً﴾ [الإنسان: ٢٤] وقيل: ما صح في ذلك قول الحسن ولا الكلبي،
وجاءت أخبار فيها أنها نزلت بالمدينة في شأن علي وفاطمة وابنيهما، رضي الله تعالى عنهم،
وذكر ابن النقيب أنها مدنية كلها. قاله الجمهور، وقال السخاوي: نزلت بعد سورة الرحمن
وقبل الطلاق، وهي ألف وأربعة وخمسون حرفاً ومائتان وأربعون كلمة، وإحدى وثلاثون آية.
بسم الله الرحمن الرحيم
ثبتت البسملة لأبي ذر.
يُقَالُ مَعْنَاهُ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ وَهَلْ تَكُونُ جَخْداً وَتَكُونُ خَبراً وَلهذا مِنَ الخَبَرِ يَقُولُ
كَانَ شَيْئاً فَلَمْ يَكُنْ مَذْكُوراً وَذُلِكَ مِنْ حِينٍ خَلَقَهُ مِنْ طِينٍ إِلَى أَنْ يُنْفَخَ فِيهِ الرُّوحُ.

٣٨٨
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورة الإنسان
القائل فيه بذلك الفراء. قوله: ((معناه أتى على الإنسان))، يدل على أن لفظ هل، صلة
ولكن لم يقل أحد إن: هل، قد تكون صلة. قوله: ((وهل تكون جحداً)، يعني: نفياً وتكون
خبراً يعني إثباتاً يعني: في قوله تعالى: ﴿هل أتى على الإنسان﴾ بمعنى: قد، ومعناه. قد أتى
على الإنسان وأريد به آدم، عليه الصلاة والصلام، وقال الزمخشري: إن هل أتى أبد بمعنى: قد
وأن الاستفهام إنما هو مستفاد من همزة مقدرة معها، ونقله في (المفصل) عن سيبويه فقال:
وعند سيبويه أن هل بمعنى قد إلاَّ أنهم تركوا الألف قبلها لأنها لا تقع إلاَّ في الاستفهام. قوله:
((حين من الدهر))، أربعون سنة ملقّى بين مكة والطائف، قبل أن ينفخ فيه الروح. قوله: ((لم
يكن شيئاً مذكوراً))، لا يذكر ولا يعرف ولا يدري ما اسمه، ولا ما يراد به، والمعنى: أنه
كان شيئاً لكنه لم يكن مذكوراً يعني: انتفاء هذا المجموع بانتفاء صفته لا بانتفاء
الموصوف، ولا حجة فيه للمعتزلة في دعواهم أن المعدوم شيء ووقع في بعض النسخ، وقال
يحيى: معناه أتى على الإنسان إلى آخره، ويحيى بن زياد الفراء بلفظه. قلت: دعوى الصواب
غير صحيحة لأنه يجوز أن يكون هذا قول غيره كما هو قوله، ولم يطلع البخاري على أنه
قول الفراء وحده، فلذلك قال: يقال معناه أو اطلع أيضاً على قول غيره مثل قول الفراء فذكر
بلفظ يقال: ليشمل كل من قال بهذا القول، فافهم.
أَمْشَاج: الأخْلاطُ مَاءُ المَزْأَةِ وَمَاءُ الرَّجُلِ الدَّمُ، والعَلَقَةُ. وَيُقَالُ: إِذَا خُلِطَ مَشِيجٌ
كَقَوْلِكَ لَهُ خَلِيطٌ وَمَمْشُوجٌ مِثْلُ مَخْلُوطٍ.
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج﴾ [الإنسان: ٢] وفسر:
((الأمشاج)) بقوله: ((الأخلاط)) والأمشاج جمع مشج بفتح الميم وكسرها وقال الثعلبي:
الأمشاج جمع وهو في معنى الواحد لأنه نعت للنطفة وهذا كما يقال: برمة أعشار، وثوب
أخلاق. قوله: ((ماء المرأة وماء الرجل)) تفسير الأخلاط يختلط المآآن في الرحم فيكون
منهما جميعاً الولد وماء الرجل أبيض غليظ وماء المرأة أصفر رقيق، فأيهما على صاحبه كان
الشبه له كذا روي عن ابن عباس والحسن وعكرمة ومجاهد، والربيع. قوله: ((الدم والعلقة))،
تقديره ثم الدم ثم العلقة ثم المضغة ثم اللحم ثم العظم ينشئه الله تعالى خلقاً آخر. قوله: ((إذا
خلط)) يعني: إذا خلط شيء بشيء يقال له مشيج على وزن فعيل بمعنى ممشوج أي:
مخلوط، يقال: مشجت هذا بهذا أي خلطته.
سَلَاسِلاً وَأَغْلالاً
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿إنا أعتدنا للكافرين سلاسلا وأغلالاً وسعيراً﴾ أعتدنا هيأنا.
والسلاسل جمع سلسلة كل سلسلة سبعون ذراعاً والأغلال جمع غل بالضم، فالسلاسل في
أعناقهم والأغلال في أيديهم والسعير يوقدون فيه لا يطفى، وقيل: السلاسل القيود، وقرأ نافع
والكسائي وأبو بكر عن عاصم: سلاسلاً، بالتنوين وهي رواية هشام عن أهل الشام، وقرأ حمزة
وخلف وحفص وابن كثير وأبو عمرو بالفتحة بلا تنوين.

٣٨٩
٦٥ - كِتَابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورة الإنسان
وَلَمْ يُجْرِ بَعْضُهُمْ
بضم الياء وسكون الجيم وبالراء من الإجراء أراد به لم يصرف بعضهم سلاسل، يعني:
لا يدخلون فيه التنوين، وهذا على الاصطلاح القديم، يقولون: اسم مجرى واسم غير مجرى،
يعني: اسم مصروف واسم لا ينصرف، وذكر عياض أنه في رواية الأكثرين: لم يجز، بالزاي
أي بدل الراء، وقال بعضهم: وهو الأوجه ولم يبين وجه الأوجهية بل بالراء أوجه على ما لا
يخفى.
مُسْتَطِيراً مُمْتَداً البَلاءُ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿ويخافون يوماً كان شره مستطيراً﴾ [الإنسان: ٧] وفسره
بقوله: ((ممتداً البلاء)) وكذا فسره الفراء، ويقال: ممتداً فاشياً، يقال: استطار الصدع في
الزجاجة واستطال إذا اشتد.
والقَمْطَرِيرُ الشَّدِيدُ يُقالُ يَوْمٌ قَمْطَرِيرُ وَيَوْمٌ قُمَاطِرٌ وَالعَبُوسُ وَالقَمْطَرِيرُ وَالقُماطِرُ
وَالْعَصِيبُ أشَدَّ مَا يَكُونُ مِنَ الأيَّامِ فِي البَلاءِ.
أشار به إلى قوله عز وجل: ﴿إنا نخاف من ربنا يوماً عبوساً قمطريراً﴾ [الإنسان: ١٠]
والباقي ظاهر، وقماطر، بضم القاف، وعن ابن عباس: العبوس: الضيق، والقمطرير: الطويل،
وعن مجاهد القمطرير الذي يقلص الوجوه ويقنص الحياة وما بين الأعين من شدته. وعن
الكسائي، يقال: أقمطر اليوم وأزمهر قمطراراً وازمهراراً وهو الزمهرير.
وَقَالَ الحَسَنُ: النَّضْرَةُ فِي الوَجْهِ وَالسُّزورُ فِي القَلْبِ
أي: قال الحسن البصري في قوله تعالى وتعظم: ﴿ولقاهم نضرة وسروراً﴾
[الإنسان: ١١] أن النضرة في الوجه والسرور في القلب، ولم يثبت هذا إلا للنسفي
والجرجاني.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ الأَرَائِكُ السُّرُرُ
أي: قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿متكئين فيها على الأرائك﴾ [الإنسان: ١٣]
وفسرها بالسرر جمع سرير، وقال الثعلبي: الأرائك السرر في الحجال لا يكون أريكة إلا إذا
اجتمعا، وهي لغة أهل اليمن، وقال مقاتل: الأرائك السرر في الحجال من الدر والياقوت موضونة
بقضبان الدر والذهب والفضة وألوان الجواهر، ولم يثبت هذا أيضاً، إلا للنسفي والجرجاني.
وَقَالَ الْبَرَاءُ: وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها يَقْطُعُونَ كَيْفَ شَاؤُوا
أي: قال البراء في قوله تعالى: ﴿وذللت قطوفها تذليلاً﴾ [الإنسان: ١٤] يقطفون كيف

٣٩٠
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورة المرسلات
شاؤوا. قوله: ((قطوفها)) أي: ثمارها، يقطفون، أي: يقطعون منها قياماً وقعوداً ومضطجعين
يتناولونها كيف شاؤوا وعلى أي حال كانوا ولم يثبت هذا إلا للنسفي وحده.
وَقَالَ مَعْمَرٌ: أَسْرَهُمْ شِدَّةُ الخَلْقِ وَكِلُّ شَيْءٍ شَدَدْتَهُ مِنْ قَتَبٍ أوْ غَبِيطٍ فَهُوَ مأسورٌ
أي: قال معمر بن المثنى أبو عبيدة أو معمر بن راشد في قوله تعالى: ﴿ونحن
خلقناهم وشددنا أسرهم﴾ [الإنسان: ٢٨] الآية. وسقط هذا لأبي ذر عن المستملي وحده،
وفسر الأسر شدة الخلق، ويقال للفرس: شديد الأسر، أي: شديد الخلق. قوله: ((أو غبيط))
بفتح الغين المعجمة وكسر الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره طاء مهملة
وهو رحل النساء يشد عليه الهودج، والجمع غبط بضمتين، وظن بعضهم أنه معمر بن راشد،
وزعم أن عبد الرزاق عن معمر عن قتادة وذكره عن مجاهد وغيره، والظاهر أنه معمر بن راشد
لأنه روى عن قتادة نحوه، وأيضاً فالبخاري أخرج في التفسير عن أبي عبيدة معمر بن المثنى
في مواضع كثيرة، ولم يصرح باسمه فما باله هنا صرح به؟ وأراد به ابن المثنى وليس إلاّ
معمراً بن راشد.
سُورَةُ: ﴿المُرْسِلاتِ﴾
أي: هذا في تفسير بعض سورة المرسلات، وهذا هكذا في رواية أبي ذر، وفي رواية
الباقين: والمرسلات، بدون لفظ سورة وهي مكية بغير خلاف. قاله أبو العباس، وقال مقاتل:
فيها من المدني ﴿وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون﴾ [المرسلات: ٤٨] وقال السخاوي: نزلت
بعد الهمزة. وقيل ق، وهي ثمانمائة وستة عشر حرفاً ومائة وإحدى وثمانون كلمة وخمسون
آية. والمرسلات: الرياح الشديدات الهبوب، والناشرات. الرياح اللينة قوله: ((عرفاً)) نصب على
الحال أي: المرسلات يتبع بعضها بعضاً حال كونها كعرف الفرس، وعلى تفسير المرسلات
بالملائكة يكون نصباً على التعليل، أي: لأجل العرف أي: المعروف والإحسان.
جَمَالاتٌ حِبالٌ
أشار به إلى قوله تعالى؛ ﴿إنها ترمي بشرر كالقصر كأنه جمالات صفر﴾
[المرسلات: ٣٢، ٣٣] وفسر الجمالات بالحبال، وهي الحبال التي تشد بها السفن، هذا إذا
قرىء بضم الجيم، وأما إذا قرىء بالكسر فهو، جمع جمالة، وجمالة جمل زوج الناقة. وقال
ابن التين: ينبغي أن يقرأ في الأصل بالضم لأنه فسرها بالحبال وقد قال مجاهد في قوله
تعالى: ﴿حتى يلج الجمل في سم الخياط﴾ [الأعراف: ٤] هو: حبل السفينة وعن ابن عباس
وسعيد بن جبير: جمالات صفر، هي حبال السفن، يجمع بعضها إلى بعض حتى تكون
كأوساط الرجال وفي رواية أبي ذر، وقال مجاهد: جمالات: حبال.

٣٩١
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ/ سورة المرسلات
ازْكَعُوا صَلُّوا لا يَرْكَعُونَ: لا يُصَلونَ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون﴾ [المرسلات: ٤٨] وفسر
قوله: ((اركعوا)) بقوله: ((صلوا)) وقوله: ((لا يركعون)) بقوله: ((لا يصلون)) أطلق الركوع وأراد به
الصلاة، وهو من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل وقوله: ((لا يركعون)) سقط في رواية غير أبي
ذر، وفي بعض النسخ، وقال مجاهد: اركعوا إلى آخره.
وَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿هُذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨] وَالله رَبِّنَا مَا كُنَّا
مُشْرِكِينَ ﴿اليَوْمَّ نَخْتِمُ عَلَى أَقْوَاهِهِمْ﴾ [يس: ٦٥].
فَقَالَ: إِنَّهُ ذُو أَلْوَانٍ مَرَّةً يَنْطِقُونَ وَمَرَّةً يُخْتَمُ عَلَيْهِمْ.
حاصل السؤال عن كيفية التلفيق بين قوله: ((لا ينطقون)) وقوله: ﴿اليوم نختم على
أفواههم﴾ بين قوله: ((والله ربنا ما كنا مشركين)) لأن هذه الآية تدل على أنهم ينطقون.
وحاصل الجواب: أن يوم القيامة ذو ألوان يعني: يوم طويل ذوٍ مواطن مختلفة فينطقون في
وقت ومكان لا ينطقون في آخر، وقوله: لا يركعون لم يثبت إلاّ في رواية أبي ذر.
:
٤٤٩/ ٤٩٣٠ - حدّثني مَحْمُودٌ حدَّثْنَا عُبَيْدُ الله عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ
عَنْ عَائِشَةَ عَنْ عَبْدِ الله رَضِيَ الله عنهُ قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ عَ لَّه وَأَنْزِلَتْ عَلَيْهِ وَالمُرْسِلاتِ
وَإِنَّا لَنَتَلَقَّاها مِنْ فِيهِ فَخَرَجَتْ حَيةٌ فَابْتَدَرْناها فَسَبَقَتْنَا فَدَخَلَتْ جُخْرَها فَقَالَ رَسُولُ الله عَلَّه
وُقِيَتْ شَرَّكُمْ كَمَا وُقِيتُمْ شَرَّها.
مطابقته للترجمة في قوله: ((وأنزلت عليه والمرسلات)) ومحمود هو ابن غيلان،
وعبيد الله بن موسى شيخ البخاري وروى عنه هنا بالواسطة، وإسرائيل هو ابن يونس، وقد
تكرر ذكره عن قريب، ومنصور هو ابن المعتمر، وإبراهيم هو النخعي، وعلقمة هو ابن قيس،
وعبد الله هو ابن مسعود. والحديث قد مضى في بدء الخلق.
قوله: ((كنا مع النبي عَّةٍ)) ووقع في رواية جرير، في ((فابتدرناها)) أي: فسبقناها. وقال
أيضاً: فسبقتنا فيكونون سابقين ومسبوقين. والجواب: إنهم كانوا السابقين أولاً فصاروا
مسبوقين آخراً. قوله: ((شركم))، منصوب بأنه مفعول ثان.
٤٥٠ /٤٩٣١ - حدّثنا عَبْدَةُ بنُ عَبْدِ الله أخْبَرَنَا يَحْتَى بِنُ آدَمَ عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ مَنْصُورٍ بِهذا.
هذا طريق آخر في حديث عبد الله بن مسعود أخرجه عن عبدة، بفتح العين وسكون الباء
الموحدة ابن عبد الله الصفار الخزاعي عن يحيى بن آدم بن سليمان الكوفي صاحب الثوري.
قوله: ((بهذا)) أي: بالحديث المذكور، وكذا ساقه في بدء الخلق في باب خمس من
الفواسق.
وَعَنْ إِسْرَائِيلَ عَنِ الأُغمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ الله مِثْلَهُ.
:

٣٩٢
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ/ سورة المرسلات
هذا متصل بما قبله أشار به إلى أن إسرائيل رواه في الطريق الأول عن منصور عن
إبراهيم، وفي هذا عن سليمان الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله مثله. أي: مثل
الحديث المذكور.
وَتَابَعَهُ أَسْوَدُ بنُ عَامِرٍ عَنْ إِسْرَائِيلَ
أي: تابع يحيى بن آدم في روايته عن إسرائيل أسود بن عامر الملقب بشاذان الشامي،
ووصل هذه المتابعة أحمد عنه به.
وَقَالَ حَفْصٌ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ وَسُلَيْمَانُ بنُ قَرْمٍ عَنِ الأعْمَشِ عَنْ إِنْرَاهِيمَ عَنِ الأُسْوَدِ.
أراد بهذا أن هؤلاء الثلاثة خالفوا رواية إسرائيل عن الأعمش في شيخ إبراهيم، فإسرائيل
يقول: عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله، وهؤلاء الثلاثة يقولون: عن الأعمش
عن إبراهيم عن الأسود، هو ابن يزيد النخعي عن عبد الله.
أما رواية حفص هو ابن غياث فوصلها البخاري وسيأتي بعد باب، وأما رواية أبي
معاوية محمد بن خازم الضرير فأخرجها مسلم عن يحيى ابن يحيى وأبي بكر بن أبي شيبة
وأبي كريب وإسحاق بن إبراهيم أربعتهم عن أبي معاوية به، وأما رواية سليمان بن قرم، بفتح
القاف وسكون الراء: الضبي، بفتح الضاد المعجمة وبالباء الموحدة، البصري فقد تقدمت في
بدء الخلق، وسليمان هذا ضعيف الحفظ وليس له في البخاري إلاَّ هذا الموضع المعلق.
وَقَالَ يَحْتِى بِنُ حَمَّادٍ أُخْبَرَنا أَبُو عَوَانَةً عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ الله.
أشار بهذا التعليق عن يحيى بن حماد الشيباني البصري شيخ البخاري عن أبي عوانة
بفتح العين الوضاح اليشكري عن مغيرة بن مقسم بكسر الميم الكوفي عن إبراهيم النخعي
عن علقمة بن قيس النخعي عن عبد الله بن مسعود إلى أن مغيرة وافق إسرائيل في شيخ
إبراهيم وأنه علقمة بن قيس، وهذا التعليق وصله الطبراني، قال: حدثنا محمد بن عبد الله
الحضرمي حدثنا الفضل بن سهل حدثنا يحيى بن حماد به، ولفظه: كنا مع النبي عَّهِ بحراء
الحديث، وقال عياض: إنه وقع في بعض النسخ، وقال حماد أخبرنا أبو عوانة، وهو غلط.
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بنِ الأُسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ الله.
أشار بهذا المعلق إلى أن للحديث أصلاً عن الأسود بن يزيد من غير طريق الأعمش
ومنصور ووصل هذا التعليق أحمد عن يعقوب بن سعد عن أبيه عن ابن إسحاق عن عبد
الرحمن بن الأسود عن أبيه عن عبد الله بن مسعود وابن إسحاق هذا هو محمد بن إسحاق
صاحب (المغازي) ووقع في بعض النسخ وقال أبو إسحاق، وهو تصحيف.
٤٥١ - حدّثنا قُتَئِبَةُ حدَّثنا جَرِيرٌ عنِ الأعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عنِ الأسْوَدِ قَالَ قَالَ عَبْدُ
الله بَيْنَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ عَّهِ فِي غَارٍ إِذْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ وَالمُرْسِلاتِ فَتَلقَّيْناها مِنْ فِيهِ وَإِنَّ
فَاهُ لَرَطُب بِهِا إِذْ خَرَجَتْ حَيَّةٌ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ عَ لَّهِ عَلَيْكُمْ اقْتُلُوهَا قَالَ فَابْتَدَرْناها فَسَبَقَتْنا

٣٩٣
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورة المرسلات
قَالَ فَقَالَ وُقِيَتْ شَرَّكُمْ كَمَا وُقِيْتُمْ شَرَّها.
هذا طريق آخر في حديث عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، أخرجه عن قتيبة بن
سعيد عن جرير بن عبد الحميد عن إبراهيم النخعي عن الأسود بن يزيد النخعي الكوفي عن
عبد الله بن مسعود.
قوله: ((بينا))، قد ذكرنا غير مرة أنه ظرف يضاف إلى الجملة ويحتاج إلى جواب.
قوله: ((إذا نزلت))، جوابه. قوله: ((لرطب بها))، أي: لم يجف ريق رسول الله عَّ له عن ذلك
لأنه كان أول زمان نزوله. قوله: ((إذا خرجت))، كلمة إذ للمفاجأة، وباقي الكلام مر.
١ - بَابُ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بَشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ [المرسلات: ٣٢]
أي: هذا باب في قوله عز وجل: ﴿إِنها﴾ أي: جهنم «ترمي بشرر)) وهي ما يتطاير من
النار إذا التهبت، واحدها شررة. قوله: ((كالقصر))، عن ابن مسعود، كالحصون والمدائن، وهو
واحد القصور، وعن مجاهد هي حزم الشجر، وعن سعيد بن جبير والضحاك: هي أصول
النخل والشجر العظام واحدها قصرة مثل ثمرة وثمر وحمرة وحمر، وقراءة الجمهور بإسكان
الصاد، وقرأ ابن عباس وأبو رزين وأبو الجوزاء ومجاهد بفتح القاف والصاد، وقرأ سعد بن
أبي وقاص وعائشة وعكرمة بفتح القاف وكسر الصاد، وقرأ ابن مسعود وأبو هريرة وإبراهيم
بضم القاف والصاد، وقرأ أبو الدرداء بكسر القاف وفتح الصاد، وقال ابن مقسم: وكلها لغات
بمعنى واحد.
٤٥٢ /٤٩٣٢ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ أخبرنا سُفْيَانُ حدَّثنا عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ عَابِسٍ
قَالَ سَمِعْتُ ابنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ إِنَّها تَزْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصَرِ قَالَ كنَّا نَرْفَعُ الخَشَبَ بِقِصَرِ ثَلاثَةٍ
أَذْرُعٍ أَوْ أَقَلَّ فَزْفَعُهُ لِلشِّتَاءِ فَتُسَمِّيهِ القَصَرَ [الحديث ٤٩٣٢ - أطرافه في ٤٩٣٣].
مطابقته للترجمة ظاهرة. وسفيان هو ابن عيينة وعبد الرحمن بن عابس، بالعين المهملة
وكسر الباء الموحدة وبالسين المهملة: النخعي الكوفي والحديث من أفراده.
قوله: ((بقصر))، بالباء التي هي من حروف الجر وبكسر القاف وفتح الصاد المهملة
وبالإضافة إلى ثلاثة أذرع أي بقدر ثلاثة أذرع. قوله: ((أو أقل))، أي: أو أقل من ثلاثة أذرع،
وفي الرواية التي بعدها أو فوق ذلك، وهي في رواية المستملي وحده. قوله: ((للشتاء))، أي:
لأجل الشتاء والاستسحان به، وقال ابن التين وروي بسكون الصاد وبفتحها وقال الخطابي:
هو القصر من قصور جفاة الأعراب. قوله: ((فنسميه القصر))، بفتحتين.
٢ - بَابٌ قَوْلِهِ: ﴿كَأَنَّهُ جِمالاتٌ صُفْرٌ﴾ [المرسلات: ٣٣]
أي: هذا باب في قوله عز وجل: ﴿كأنه جمالات صفر﴾ أي: كأن الشرر، قال
الثعلبي: رد الكتاب إلى اللفظ ومر الكلام في الجمالات عن قريب.
٤٥٣ / ٤٩٣٣ - حدَّثنا عَمْرُو بنُ عَلِيٍّ حدثنا يَحْيَى أُخْبرنا سُفْيَانُ حدَّثني عَبْدُ

٣٩٤
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورة النبأ
الرَّحْمنِ بنُ عَابِسٍ قَالَ سَمِعْتُ ابنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُمَا تزمي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ قَالَ كُنَّا نَعْمِدُ
إِلَى الخَشَبَةِ ثَلاثَةَ أذْرُعَ أَوْ فَوْقَ ذُلِكَ فَتَرْفَعَهُ لِلشِّتَاءِ فَتُسَمِّيهِ القَصَرَ كَأَنَّهُ جِمالاتٌ صُفْرٌ حِبال
الشُّفْنِ تُجْمَعُ حَتَّى تَكُونَ كَأَوْسَاطِ الرَّجَالِ.
مطابقته للترجمة من حديث أنها وصف للقصر، ويحيى هو ابن سعيد القطان، وسفيان
هو الثوري. قوله: ((أو فوق ذلك)) من زيادة المستملي.
٣ - بَابٌ قَوْلُهُ: ﴿هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥]
أي: هذا باب في قوله عز وجل: ﴿هذا يوم لا ينطقون﴾ أي: في بعض مواقف القيامة
وفي بعضها يختصمون، وفي بعضها: يختم على أفواههم ولا يتكلمون.
٤٥٤/ ٤٩٣٤ - حدّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ بنِ غَياثٍ حدَّثنا أبِي حدَّثنا الأعْمَشُ حدَّثني
إبْرَاهِيمُ عنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ النبيِّ عَ لَّهِ فِي غَارٍ إِذْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ
وَالمُلأَسِلاتِ فَإِنَّهُ لَيَتْلُوهَا وَإِنِّي لأَتَلَقَّاها مِنْ فِيهِ وَإِنَّ فَاهُ لَرَطْبٌ بِها إذْ وَثَبَتْ عَلَيْنَا حَيَّةٌ فَقَالَ
النبيُّ عَ لِ اقْتُلُوهَا فَابْتَدَرْنَاهَا فَذَهَبَتْ فَقَالَ النبيُّ عَلَّهِ وَقِيَتْ شَرَّكُمْ كَمَا وُقِيْتُمْ شَرَّها.
قال عُمَرُ حَفِظْتُهُ مِنْ أبِي فِي غَارٍ بِمِنِّى.
هذا طريق آخر في حديث ابن مسعود في الحية المذكورة. أخرجه عن عمر بن حفص عن
أبيه حفص بن غياث عن سليمان الأعمش عن إبراهيم النخعي عن الأسود بن يزيد إلى آخره.
قوله: ((إذ وثبت))، وفي رواية المستملي: وثب، بالتذكير وكذا قال: اقتلوه. قوله: ((قال
عمر))، هو ابن حفص شيخ البخاري.
سُورَةٌ ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [النبأ: ١]
أي: هذا في تفسير بعض سورة ﴿عم يتساءلون﴾ وتسمى أيضاً سورة النبأ وهي: مكية،
وهي: سبعمائة وسبعون حرفاً ومائة وثلاث وسبعون كلمة وأربعون آية. قوله: ((عم)) أصله: عما
حذفت الألف للتخفيف وبه قرأ الجمهور وعن ابن كثير رواية بالهاء وهي هاء السكت. قوله:
((يتساءلون)) أي: عن أي شيء يتساءل هؤلاء المشركون؟.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لا يَرْجُونَ حِساباً لا يَخَافُونَهُ
أي: قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿إنهم كانوا لا يرجون حساباً﴾ [النبأ: ٢٧] وفسره بقوله:
((لا يخافونه)) ورواه عبد بن حميد عن شبابة عن ورقاء عن ابن أبي نجيح عنه ولفظه: لا يبالون
فيصدقون بالبعث والرجاء يستعمل في الأمل والخوف وليس في رواية أبي ذر، وقال مجاهد.
صَوَاباً حَقّاً فِي الدُّنْيَا وَعَمِلَ بِهِ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صواباً﴾ [النبأ: ٣٨]

٣٩٥
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورة النبأ
وفسره بقوله: ((حقاً في الدنيا وعمل به)) وقال أبو صالح: قال صواباً. قال: لا إله إلا الله في
الدنیا.
يَخْلِكُونَ مِنْهُ خطاباً﴾ [النبأ: ٣٧] لا يُکَلِّمُونَهُ إِلاَّ أَنْ يَأْذَنَ لَهُمْ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿رب السموات والأرض وما بينهما الرحمن لا يملكون منه
خطاباً﴾ والضمير في: لا يملكون، لأهل السموات والأرض أي: ليس في أيديهم مما يخاطب
به الله، وقيل: لا يملكون أن يخاطبوه بشيء من نقص العذاب أو زيادة في الثواب إلاَّ أن يأذن
لهم في ذلك ویأذن لهم فيه.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ثَجاجاً مُنْصَبَاً
أي: قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجاً﴾ [النبأ: ١٤]
وفسر ثجاجاً. بقوله: ((منصباً) وكذا فسره أبو عبيدة وهذا ثبت للنسفي وحده.
ألْفافاً مُلْتَفَّةً
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿وجنات ألفافاً﴾ [النبأ: ١٦] وقال الثعلبي: ألفافاً ملتفاً بعضه
ببعض، واحدها لف، في قول نحاة البصرة وليس بالقوي، وقال آخرون، واحدها لفيف،
وقيل: هو جمع الجمع، ويقال: جنة لفاء ونبت لف وجنان لف بضم اللام. ثم يجمع اللف
على ألفاف، وهذا أيضاً للنسفي وحده.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَهَاجاً مُضِيئًاً
أي: قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وجعلنا سراجاً وهاجاً﴾ [النبأ: ١٣] وفسره بقوله:
((مضيئاً)) ورواه ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.
وَقَالَ غَيْرُهُ غَساقاً غَسَقَتْ عَيْنُهُ وَيَغْسِقُ الْجُرحُ يَسِيلُ كأنَّ الغَساقِ وَالغَسِيقَ وَاحِدٌ
أي قال غير ابن عباس في قوله تعالى: ﴿لا يذوقون فيها برداً ولا شراباً إلا حميماً
وغساقاً﴾ [النبأ: ٢٤، ٢٥] هذا لم يثبت إلاَّ لأبي ذر، ووقع عند النسفي والجرجاني، وقال
معمر فذكره، ومعمر هو أبو عبيدة. قوله: ((غسقت عينه ويغسق الجرح يسيل)) أشار به إلى
أن معنى غساقاً سيالاً من الدم ونحوه لأنه من غسقت عينه أي: سالت، ويغسق الجرح أي:
يسيل، وقال الثعلبي: الغساق الزمهرير وقيل: صديد أهل النار، وقيل: دموعهم، وعن شهر بن
حوشب، الغساق وادٍ في النار فيه ثلاثمائة وثلاثون شعباً في كل شعب ثلاثمائة وثلاثون بيتاً
في كل بيت أربع زوايا في كل زاوية شجاع كأعظم ما خلق الله تعالى من الخلق في رأس
كلٍ شجاع من السم قلة. وقال الجوهري: الغساق البادر المنتن يخفف ويشدد. قرأ أبو عمرو:
إلاَّ حميماً وغساقاً. بالتخفيف وقرأ الكسائي بالتشديد.

٣٩٦
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورة النازعات
عَطَاءٌ حِساباً جَزَاءٌ كَافِياً أَعْطَانِي مَا أَحْسَبَتِي أَيْ: كَفَانِي
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿جزاءً من ربك عطاءً حساباً﴾ [النبأ: ٣٦] وفسره بقوله:
((جزاءً كافياً)) وقال الثعلبي، عطاءً حساباً كثيراً كافياً وافياً. قوله: ((أعطاني ما أحسبني))
أي: أشار به إلى أن لفظ الحساب يأتي بمعنى الكفاية، يقال: أعطاني فلان ما أحسبني، أي:
ما كفاني، ويقال: أحسبت فلاناً أي: أعطيته ما يكفيه حتى قال: حسبي.
١ - بَابٌ: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً﴾ [النبأ: ١٨] زُمَراً
أي: هذا باب في قوله تعالى: ﴿يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجاً﴾ وفسر الأفواج
بقوله: ((زمراً)).
٤٩٣٥/٤٥٥ - حدّثنا مُحَمَّدٌ أُخْبِرَنَا أَبُو مُعَاوِيَّةَ عَنِ الأعْمَشِ عَنِ أبِي صَالح عَنْ أبِي
هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ عَِّ مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَزْبَعُونَ قَالَ أَرْبَعُونَ يَوْماً قَالَ
أَبَيْتُ قَالَ أَرْبَعُونَ شَهْراً قَالَ أَبَيْتُ قَالَ أَرْبَعُونَ سَنَةٌ قَالَ أَبَيْتُ قَالَ ثُمَّ يُنْزِلُ الله مِنَ السَّمَاءِ مَاءٌ
فَيَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ البَقْلُ لَيْسَ مِنَ الإِنْسَانِ شَيْءٌ إلَّ يَبْلَى إلاَّ عَظْماً وَاحِداً وَهُوَ عَجْبُ الذنَبِ
وَمِنْهُ يُرَكَّبُ الخَلْقُ يَوْمَ القِيامَةِ.
مطابقته للترجمة ظاهرة. ومحمد هو ابن سلام البيكندي، وأبو معاوية محمد بن خازم
الضرير، والأعمش سليمان، وأبو صالح ذكوان الزيات، والحديث قد مضى في تفسير سورة
الزمر ومضى الكلام فيه.
قوله: ((أبيت))، أي: امتنعت عن الإخبار بما لا أعلم قوله: ((إلا يبلى)) أي: يخلق قوله:
((عجب الذنب)) بفتح العين المهملة وسكون الجيم الأصل فهو آخر ما يخلق وأول ما
يخلق.
سُورَةُ ﴿وَالنَّزِعَاتِ﴾
أي: هذا في تفسير بعض سورة والنازعات وتسمى: سورة الساهرة، وهي مكية لا
اختلاف فيها وقال السخاوي: نزلت بعد سورة النبأ وقبل سورة ﴿إذا السماء انفطرت﴾
[الانفطار: ١] وهي سبعمائة وثلاثة وخمسون حرفاً ومائة وتسع وسبعون كلمة وست وأربعون
آية. في النازعات أقوال الملائكة تنزع نفوس بني آدم روي عن ابن عباس: والموت ينزع
النفوس قاله سعيد بن جبير، والنجوم تنزع من أفق إلى أفق تطلع ثم تغيب والغزاة الرماة. قاله
عطاء وعكرمة.
زَجْرَةٌ: صَيْحَةٌ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿فإنما هي زجرة واحدة﴾ [النازعات: ١٣] وفسرها بقوله:
((صيحة)) وثبت هذا للنسفي وحده.

٣٩٧
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ/ سورة النازعات
وَقَالَ مُجاهِدٌ: تَرْجُفُ الرَّاحِفَةُ هِيَ الزَلْزَلَةُ
أي: قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿يوم ترجف الراجفة﴾ [النازعات: ٦] الراجفة الزلزلة.
وقال الثعلبي: يعني النفخة الأولى التي يتزلزل ويتحرك لها كل شيء، وهذا أيضاً للنسفي وحده.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الآيَةَ الكُبْرَى عَصَاهُ وَيَدُهُ
أي: قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿فأراه الآية الكبرى﴾ [النازعات: ٢٠] أي: فأرى
موسى، عليه الصلاة والسلام، فرعون الآية الكبرى، وفسرها مجاهد بعصاه ويده حين خرجت
بيضاء وكذا رواه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة مثله.
سَمِكَها: بَنَاها بِغَيْرِ عَمَدٍ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿رفع سمكها فسواها﴾ [النازعات: ٢٨] وفسره بقوله: ((بناها))
بغير عمد وقال الثعلبي: سمكها سقفها وقال الفراء كل شيء حمل شيئاً من البناء وغيره فهو
سمك وبناء مسموك، فسواها بلا شطور ولا فطور، وهذا للنسفي وحده.
طَغَى عَصى
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿اذهب إلى فرعون إنه طغى﴾ [النازعات: ١٧] وفسره بقوله:
((عصى)) وطغى من الطغيان وهو المجاوزة عن الحد وهذا أيضاً للنسفي وحده.
يُقَالُ الناخِرَةُ وَالنَّخِرَةِ سَوَاءٌ مِثْلُ الطَّامِعَ وَالطَّمِعِ وَالبَاخِلِ والتَخِيلِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ
النَّخِرَةُ البَالِيَةُ وَالنَّاخِرَةُ العَظْمُ المُجَوَّفُ الَّذِي تُرُ فِيهِ الرِّيحُ فَيَنْخَرُ.
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿أئذا كنا عظاماً نخرة﴾ [النازعات: ١١] قوله: ((سواء))، ليس
كذلك لأن الناخرة اسم فاعل، والنخرة صفة مشبهة. وإن كان مراده سواء في أصل المعنى،
فلا بأس به. قوله: ((مثل الطامع والطمع))، بكسر الميم على وزن، فعل، بكسر العين
((والباخل والبخيل)) على وزن فعل بكسر العين أيضاً. وفي التمثيل بهما نظر من وجهين:
أحدهما: ما أشرنا إليه الآن. والآخر: التفاوت بينهما في التذكير والتأنيث، ولو قال: مثل،
صانعة وصنعة، ونحو ذلك لكان أصوب، ووقع في رواية الكشميهني، الناحل والنحل، بالنون
والحاء المهملة فيهما وقال بعضهم بالباء الموحدة والخاء المعجمة هو الصواب. قلت: لم
يبين جهة الصواب، لا يستعمل إلاّ في مقابلة الخطأ والذي وقع بالنون والحاء المهملة ليس
بخطأ حتى يكون الذي ذكره صواباً. قوله: ((وقال بعضهم))، الظاهر أن المراد به هو ابن
الكلبي فإنه قال: يعني النخرة البالية إلى آخره فينخر أي: يصوت، وهذا قد فرق بينهما في
المعنى أيضاً وقرأ أهل الكوفة إلاَّ حفصاً: ناخرة، بالألف والباقون نخرة، بلا ألف، وذكر أن
عمر بن الخطاب وابن مسعود وعبد الله بن عباس وابن الزبير ومحمد بن كعب وعكرمة
وإبراهيم، كانوا يقرؤون: عظاماً ناخرة، بالألف، وقال الفراء: ناخرة بالألف أجود الوجهين.

٣٩٨
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ/ سورة النازعات
وَقَالَ ابْنُ عَّاسٍ: الحَافِرَةُ إِلَى أَمْرِنا الأوَّلِ إِلَى الحَياةِ
أي: قال ابن عباس، رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿أثنا لمردودون في الحافرة﴾
[النازعات: ١٠] وفسرها بقوله: ((إلى أمرنا الأول)) يعني: إلى الحالة الأولى: يعني الحياة
يقال: رجع فلان في حافرته أي: في طريقته التي جاء منها، وأخرج هذا التعليق ابن أبي حاتم
عن أبيه عن أبي صالح: حدثني أبو معاوية عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وأخبر
القرآن عن منكري البعث من مشركي مكة أنهم قالوا: أننا لمردودون في الحافرة. أي: في
الحالة الأولى، يعنون بالحياة بعد الموت أي: فنرجع أحياءً كما كنا قبل مماتنا، وقيل: التقدير
عند الحافرة، يريدون عند الحالة الأولى، وقيل: الحافرة الأرض التي تحفر فيها قبورهم
فسميت حافرة بمعنى محفورة، وقد سميت الأرض حافرة لأنها مستقر الحوافر.
وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿أَيَانَ مُرْسَاها﴾ [النازعات: ٤٢] مَتى مُنْتَهَاهَا، وَمُرْسَى السَّفِينَةِ حَيْثُ
تَنْتھي
أي: قال غير ابن عباس في قوله تعالى: ﴿أيان مرساها﴾ يعني: متى منتهاها، ومرسی،
بضم الميم والضمير في: مرساها، يرجع إلى الساعة. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها، لم
يزل النبي عَّ يذكر الساعة ويسأل عنها حتى نزلت هذه الآية.
١ - بَابٌ: ﴿الرَّجِفَةُ﴾ النَّفْخَةُ الأُولَى. ﴿الرَّادِفَةُ﴾ِ النَّفْخَةُ الثَّانِيَةُ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة﴾ [النازعات: ٦، ٧] وروى
هذا التفسير الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.
٤٩٣٦/٤٥٦ - حدَّثنا أَحْمَدُ بنُ المِقْدَامِ حدَّثنا الفُضَيْلُ بنُ سُلَيْمَانَ حدَّثنا أَبُو حَازِمِ
حدَّثْنَا سَهْلُ بنُ سَعْدٍ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِعَ لِ قَالَ بِاصْبِعَيْهِ هَكَذَا بِالوُسْطَىْ
وَالَّتِي تَلِي الإِبْهَامَ بُعِثتُ والسَّاعَةَ كَهَاتَيْنِ [الحديث ٤٩٣٦ - طرفاه في ٧٥٣٠١، ٦٥٠٣].
مطابقته للترجمة التي هي السورة من حيث إنه من جملة ما فيها، وأبو حازم، بالحاء
المهملة والزاي: سلمة بن دينار، وسهل بن سعد ابن مالك الساعدي الأنصاري. والحديث
من أفراده من هذا الوجه.
قوله: ((قال بإصبعيه)) أي: ضم بين إصبعيه والقول يستعمل في غير معناه، والدليل عليه
رواية من روى، وضم بين السبابة والوسطى وفي رواية: قرن بينهما. قوله: ((بعثت))، على
صيغة المجهول أي: أرسلت، ويروى: ((بعثت أنا)) قوله: ((والساعة))، قال الكرماني بالنصب
وسكت عليه، وقال القرطبي: رؤيته بفتح الساعة وضمها فالضم على العطف والفتح على
المفعول معه والعامل: بعثت وكهاتين، حال أي: مقترنين، فعلى النصب يقع التشبيه بالضم
وعلى الرفع يحتمل هذا ويحتمل أن يقع بالتفاوت التي بين السبابة والوسطى في الطول، ويدل
عليه قول قتادة في روايته كفضل إحداهما على الأخرى، وحاصل هذا التعريف بسرعة مجيء

٣٩٩
٦٥ - كِتَابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ/ سورة عبس
القيامة. قال عز وجل: فقد جاء أشراطها.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: أَغْطَشَ أَظْلَمَ
أي: قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وأغطش ليلها﴾ [النازعات: ٢٩] وفسره بقوله:
وقد أظلم، وقد مر في بدء الخلق، وهذا ثبت هنا للنسفي وحده.
الطَّامَةُ: تَطُمُ كلَّ شَيْءٍ
أشار به إلى قوله: ﴿فإذا جاءت الطامة الكبرى﴾ [النازعات: ٣٤] وفسرها بقوله: ((تطم
كل شيء)) وقال الثعلبي: الطامة عند العرب الداهية التي لا تستطاع وإنما أخذ من قولهم: طم
الفرس طميماً إذا استفرغ جهده في الجري، وهذا أيضاً ثبت للنسفي وحده.
سُورَةُ ﴿عَبَسَ﴾
أي: هذا في تفسير بعض سورة ﴿عبس﴾، وتسمى: سورة السفرة، وهي مكية وهي
خمسمائة وثلاثة وثلاثون حرفاً. ومائة وثلاث وثلاثون كلمة، واثنتان وأربعون آية وذكر
السخاوي أنها نزلت قبل سورة القدر وبعد سورة النجم، وذكر الحاكم مصححاً عن عائشة
أنها نزلت في ابن أم مكتوم الأعمى، أتى رسول الله عَ ل فجعل يقول: يا رسول الله أرشدني
وعند رسول الله عَّ رجال من عظماء المشركين، فجعل رسول الله عَ لّله يعرض عنه ويقبل
على الآخرين. الحديث.
بسم الله الرحمن الرحيم
لم تثبت البسملة إلاَّ لأبي ذر.
عَبَسَ: كَلَحَ وَأَغْرَضَ
تفسير عبس بقوله: كلح هو لأبي عبيدة وتفسيره بأعرض لغيره، ولم يختلف السلف
في أن فاعل عبس هو النبي عَِّ وأغرب الداودي، فقال: هو الكافر الذي كان مع رسول الله
عَّ انتهى. قيل: كان هذا أبي بن خلف، رواه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة، وقيل: أمية
ابن خلف، رواه سعيد بن منصور وروى ابن مردويه من حديث عائشة أنه كان يخاطب عتبة
وشيبة ابني ربيعة وروي من وجه آخر عن عائشة أنه كان في مجلس فيه ناس من وجوه
المشركين فيهم أبو جهل وعتبة، فهذا يجمع الأقوال.
مُطَهَّرَةٌ لا يَسُها إلاَّ المُطَهَّرُونَ وَهُمْ المَلائِكَةُ وَهُذا مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿فَالْمُدَبِّراتِ أَمْرا﴾
[النازعات: ٥] جَعَلَ المَلائِكَةَ وَالصُّحُفَ مُطَهَّرَةٌ لأنَّ الصَّحُفَ يَقَعُ عَلَيْهَا التَّطْهِيرُ فَجْعِلَ التَّطْهِيرُ
لِمَنْ حَمَلَهَا أيْضاً.
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة كرام بررة﴾

٤٠٠
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ/ سورة عبس
[عبس: ١٣، ١٦] وفسر المطهرة بقوله: ((لا يمسها إلاَّ المطهرون وهم الملائكة)) يعني: لما
كانت الصحف تتصف بالتطهير، وصف أيضاً حاملها أي: الملائكة. فقيل: لا يمسها إلاَّ
المطهرون وهذا كما في المدبرات أمراً فإن التعبير لمحمول خيول الغزاة فوصف الحامل
يعني الخيول به. فقيل: ((فالمدبرات أمراً)). وقال الكرماني: وفي بعض النسخ لا يقع بزيادة،
لا وفي توجيهه تكلف. قلت: وجهه أن الصحف لا يطلق عليها التطهير الذي هو خلاف
التنجيس حقيقة وإنما المراد أنها مطهرة عن أن ينالها أيدي الكفار. وقيل: مطهرة عما ليس
بكلام الله فهو الوحي الخالص والحق المحض، وقوله: ((مطهرة)) في رواية غير أبي ذر
والنسفي، وقال غيره: مطهرة، وهذا يقتضي تقدم أحد قبله حتى يصح، وقال غيره: والظاهر أن
في أول تفسير عبس، وقال مجاهد: عبس كلح، ثم قال: وقال غيره أي: غير مجاهد.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ الغُلْبُ المُلْتَفَّةُ وَالأَبُّ مَا يَأْكُلُ الأَنْعَامُ
أي: قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿ونخلاً وحدائق غلباً وفاكهة وأباً﴾ [عبس: ٢٩،
٣١] وقال الغلب الملتفة من الالتفاف، والأب بالتشديد ما يأكل الأنعام وهو الكلأ والمرعى،
وعن الحسن: هو الحشيش وما تأكله الدواب ولا يأكله الناس، وقال الثعلبي: الغلب غلاظ
الأشجار واحده أغلب، ومنه قيل للغليظ الرقبة الأغلب وعن قتادة: الغلب النخل الكرام، وعن
ابن زيد: عظام الجذوع، وهذا لم يثبت إلاَّ للنسفي.
صَفَرَةٌ: المَلائِكَةُ وَاحِدُهُمٍْ سَافِرٌ سَفَرْتُ أَضْلَحْتُ بَيْنَهُمْ وَجُعِلَتِ المَلائِكَةُ إِذَا
نَزَلَتْ بِوَخِي الله وَتَأْدِيَتِهِ كَالسَّفِيرِ الَّذِي يُصلِحُ بَيْنَ القَوْمِ.
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿بأيدي سفرة﴾، أي: بأيدي الملائكة. قوله: ((واحدهم))،
أي: واحد السفرة سافر، وعن قتادة واحدهم سفير، وإنما ذكره بواو الجماعة باعتبار الملائكة.
قوله: ((سفرت))، إشارة إلى أن معنى: سافر من سفرت بمعنى أصلحت بينهم، ومنه السفير
وهو الرسول، وسفير القوم هو الذي يسعى بينهم بالصلح، وسفرت بين القوم إذا أصلحت
بينهم، وعن ابن عباس ومقاتل: سفرة، كتبة وهم الملائكة الكرام الكاتبون، ومنه قيل للكتاب:
سفر، وجمعه أسفار، ويقال للوراق سفر بلغة العبرانية. قوله: ((وتأديته))، من الأداء أي: وتبليغه
ويروى: وتأديبه من الأدب لا من الأداء. قاله الكرماني: وفيه ما فيه.
تَصَدَّى: تَغَافَلُ عَنْهُ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿فأنت له تصدى﴾ [عبس: ٦]، وفسره بقوله: ((تغافل)) وأصله:
تتغافل وكذلك أصل: تصدى تتصدى فحذفت إحدى التاءين، وقال الزمخشري: أي تتعرض
له بالإقبال عليه، وهذا هو المناسب المشهور، وقال صاحب (التلويح) في أكثر النسخ تصدى
تغافل عنه، والذي في غيرها تصدى أقبل عليه، وكأنه الصواب وعليه أكثر المفسرين، ووقع
في رواية النسفي، وقال غيره: تصدى تغافل، وهذا يقتضي تقدم ذكر أحد قبله حتى يستقيم
أن يقال: وقال غيره.