النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سُورَةُ النجم
ضل صاحبكم﴾ جواب القسم والصاحب هو محمد علّ هه.
بسم الله الرحمن الرحيم
لم تثبت البسملة إلاَّ لأبي ذر. ولم يثبت لغيره أيضاً لفظ: سورة.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ذَو مِرَّةٍ: ذُو قُوَّةٍ
أي: قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿ذو مرة فاستوى﴾ [النجم: ٦] أي: ذو قوة شديدة،
وعن أبي عبيدة: ذو شدة، وهو جبريل، عليه السلام، وعن عباس: ذو خلق حسن، وعن
الكلبي: من قوة جبريل، عليه السلام، أنه اقتلع قريات قوم لوط، عليه السلام، من الماء
الأسود وحملها على جناحه ورفعها إلى السماء ثم قلبها، وأصل المرة من أمررت الحبل إذا
أحكمت فتله. قوله: ((فاستوى)) يعني: جبريل، وهوى. أي: محمد، عليه السلام، يعني:
استوى مع محمد، عليهما السلام، ليلة المعراج بالأفق الأعلى وهو أقصى الدنيا عند مطلع
الشمس في السماء.
قَابَ قَوْسَيْنِ حَيْثُ الوَتَرُ مِنَ القَوْسِ
هذا سقط من أبي ذر، وعن أبي عبيدة، أي قدر قوسين أو أدنى، أي: أقرب، وعن
الضحاك، ثم دنا محمد عَّ من ربه عز وجل فتدلى فأهوى بالسجود، فكان منه قاب قوسين
أو أدنى، وقيل: معناه بل أدنى أي: بل أقرب منه، وقيل: ثم دنى محمد عَّله من ساق العرش
فتدلى أي: جاوز الحجب والسرادقات لا نقلة مكان وهو قائم بإذن الله، عز وجل، وهو
كالمتعلق بالشيء لا يثبت قدمه على مكان، والقاب والقاد والقيد، عبارة عن مقدار الشيء،
والقاب ما بين القبضة والشية من القوس، وقال الواحدي: هذا قول جمهور المفسرين إن
المراد القوس التي يرمى بها. قال: وقيل: المراد بها الذراع لأنه يقاس بها الشيء. قلت: يدل
على صحة هذا القول ما رواه ابن مردويه بإسناد صحيح عن ابن عباس قال: القاب القدر،
والقوسين الذراعين، وقد قيل: إنه على القلب، والمراد: فكان قابي قوس.
ضِيزَی: عَوْجَاءُ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿تلك إذاً قسمة ضيزي﴾ [النجم: ٢٢] وفسره بقوله: ((عوجاء))
وهو مروي عن مقاتل، وعن ابن عباس وقتادة: قسمة جائرة حيث جعلتم لربكم من الولد ما
تكرهون لأنفسكم وعن ابن سيرين: غير مستوية أن يكون لكم الذكر ولله الإناث تعالى الله
عن ذلك علواً كبيراً.
وَأَكْدَى قَطَعَ عَطَاءَهُ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿أفرأيت الذي تولى وأعطى قليلاً وأكدى﴾ [النجم: ٣٣،
٣٤] وفسر: ((أكدى)) بقوله: ((قطع عطاءه)) نزلت في الوليد ابن المغيرة. قال مقاتل: يعني

٢٨٢
٦٥ - كِتابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ/ سُورَةُ النجم
أعطى الوليد قليلاً من الخير بلسانه ثم أكدى، أي: قطعه ولم يتم عليه، وعن ابن عباس
والسدي والكلبي والمسيب بن شريك. نزلت في عثمان بن عفان، رضي الله عنه، وله قصة
تركناها لطولها، وأصل أكدى، من الكدية وهو حجر يظهر في البئر ويمنع من الحفر ويوئس
من الماء، ويقال: كديت أصابعه إذا بخلت، وكديت يده إذا كلت فلم تعمل شيئاً.
رَبُّ الشِّعْرَى: هُوَ مِرْزَمُ الجَوْزَاءِ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿وإنه هو رب الشعرى﴾ [النجم: ٤٩] وقال الشعرى مرزم
الجوزاء، بكسر الميم وسكون الراء وفتح الزاي وهو الكوكب الذي يطلع وراء الجوزاء، وهما
شعريان: الغميصاء، مصغر الغمصاء بالغين المعجمة والصاد المهملة وبالمد، والعبور. فالأولى
في الأسد والثاني في الجوزاء، وكانت خزاعة تعبد الشعرى العبور. وقال أبو حنيفة الدينوري
في (كتاب الأنواء) العذرة والشعرى العبور والجوزاء في نسق واحد، وهن نجوم مشهورة،
قال: وللشعرى ثلاثة أزمان إذا رؤيت غدوة طالعة فذاك صميم الحر، وإذا رؤيت عشياً طالعة
فذاك صميم البرد، ولها زمان ثالث وهو وقت نوئها وأحد كوكبي الذراع المقبوضة هي
الشعرى الغميصاء، وهي تقابل الشعرى العبور والمجرة بينهما، ويقال لكوكبها الآخر الشمالي
المرزم، مرزم الذراع، وهما مرزمان هذا والآخر في الجوزاء، وكانت العرب تقول: انحدر
سهيل فصار يمانياً فتبعته الشعرى فعبرت إليه المجرة. وأقامت الغميصاء بكت عليه حتى
غمصت عينها. قال: والشعريان الغميصاء والعبور يطلعان معاً.
الَّذِي وَفِّى وَفَّى مَا فُرِضَ عَلَيْهِ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿وإبراهيم الذي وفى﴾ [النجم: ٣٧] وفسر قوله: ﴿إبراهيم
الذي وفى﴾ بقوله: وفَّى ما فرض عليه من الأمر، ووفى بالتشديد أبلغ من وفى بالتخفيف،
لأن باب التفعيل فيه المبالغة، وعن ابن عباس وأبي العالية: أوفى أدى أن ﴿ولا تزر وازرة وزر
أخرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] وعن الزجاج: وفى بما أمر به وما امتحن به من ذبح ولده وعذاب
قومه.
أَزِفَتِ الآزِفَةُ: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿أزفت الآزفة ليس لها من دون الله كاشفة﴾ [النجم: ٥٧،
٥٨] وفسر قوله تعالى: ﴿أزفت الآزفة﴾ بقوله: ((اقتربت الساعة)) وروي عن مجاهد كذلك،
وسقط هذا هنا في رواية أبي ذر. ويأتي في التوحيد إن شاء الله تعالى. قوله: ((كاشفة))، أي:
مظهرة مقيمة، والهاء فيه للمبالغة.
سَامِدُونَ البَرْطَمَةُ، وَقَالَ عِكْرَمَةُ يَتَغَنَّوْن بِالحِمْيَرِيَة
أشار به إلى قوله عز وجل: ﴿تضحكون ولا تبكون وأنتم سامدون﴾ [النجم: ١٠، ٦١]

٢٨٣
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سُورَةُ النجمِ
وقال: ((سامدون البرطمة)) بفتح الباء الموحدة وسكون الراء وفتح الطاء المهملة والميم، كذا
في رواية الأكثرين، وفي رواية الحموي والأصيلي والقابسي، البرطنة، بالنون بدل الميم،
ومعناه الإعراض، وقال ابن عيينة: البرطمة هكذا ووضع ذقنه في صدره، وعن مجاهد:
سامدون غضاب متبرطمون، فقيل له: ما البرطمة، فقال الإعراض، ويقال: البرطمة الانتفاخ من
الغضب، ورجل مبرطم متكبر، وقيل: هو الغناء الذي لا يفهم، وفي التفسير: سامدون لاهون
غافلون، يقال: دع عنك سمودك. أي: لهوك، وهو لغة أهل اليمن للأَهي، وعن الضحاك:
أشرون بطرون. قوله: ((وقال عكرمة))، هو مولى ابن عباس: معنى سامدون يتغنون بلغة
الحمير، رواه ابن عيينة في تفسيره عن ابن نجيح عن عكرمة.
وَقَالَ إبْرَاهِيمُ أَقَتُمَارُونَهُ أَفَتُجَادِلُونَهُ وَمَنْ قَرَأَ أَفَتَمْرُونَهُ يَغْنِي أَفَتَجْحَدُونَهُ.
أي: قال إبراهيم النخعي في قوله تعالى: ﴿أفتمارونه على ما يرى﴾ وفسره بقوله:
((أفتجادلونه)) من المراء وهو الملاحاة والمجادلة، واشتقاقه من مري الناقة كان كل واحد من
المتجادلين بمري ما عند صاحبه، ويقال: مريت الناقة مرياً إذا مسحت ضرعها لتدر، وهكذا
رواه قوم منهم سعيد بن منصور عن هشيم عن مغيرة عن إبراهيم. قوله: ((ومن قرأ: أفتمرونه))،
بفتح التاء وسكون الميم وهي قراءة حمزة والكسائي وخلف ويعقوب على معنى:
أفتجحدونه، واختاره أبو عبيدة. وقال لأنهم لم يماروه وإنما جحدوا. وتقول العرب: مريت
الرجل حقه إذا جحدته، وفي رواية الحموي: أفتجحدون، بغير ضمير.
مَا زَاغَ البَصَرُ بَصَرُ مُحَمَّدٍ عَ لَّهِ: وَمَا طَغَى وَلا جَاوَزَ مَا رَأَى
هذا ظاهر. وفي التفسير أي: ما جاوز ما أمر به ولا مال عما قصد له، وفي رواية أبي
ذر، وقال: ما زاغ البصر، ولم يعين القائل، وهو قول الفراء، يقال ما عدل يميناً ولا شمالاً ولا
زاد ولا تجاوز، وهذا وصف أدب النبي عَّهِ.
فَتَمَارَوْا: كَذَبُوا
هذا ليس في هذه السورة بل في سورة القمر التي تلي هذه السورة، ولعل هذا من
تخبيط النساخ، ومعنى: ((تماروا: كذبوا)) وقال الكرماني: تتمارى تكذب، وقال بعضهم بعد
أن نقل كلام الكرماني: ولم أقف عليه. قلت: لا حاجة إلى وقوفه عليه، بل هذه اللفظة في
هذه السورة. وهو قوله تعالى: ﴿فبأي آلاء ربك تمارى﴾ [النجم: ٥٥] أي: فبأي نعمائه عليك
تتمارى أي: تشك وتجادل، والخطاب للإنسان على الإطلاق، وفي (تفسير النفسي)
الخطاب لرسول الله عٍَّ، ولا يعجبني هذا. والله أعلم.
وَقَالَ الحَسَنُ: إِذَا هَوَى: غَابَ
أي: قال الحسن البصري في قوله تعالى: ﴿والنجم إذا هوى﴾ [النجم: ١] معناه: إذا
غاب، وكذا رواه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن الحسن، ويقال: إذا سقط الهوى

٢٨٤
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سُورَةُ النجم
ـتـ
السقوط والنزول، يقال: هوى يهوي هوياً، مثل مضى يمضي مضياً، وعن جعفر الصادق، رضي
الله تعالى عنه ﴿والنجم إذا هوى﴾ يعني: محمداً عَّ له إذا نزل من السماء ليلة المعراج.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَغْنَى وَأَقْتَى: أَغْطَى فَأَرْضَى
أي: قال ابن عباس في قوله عز وجل: ﴿وإنه أغنى وأقنى﴾ [النجم: ٤٨] وكذا رواه ابن
أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عنه، وعن أبي صالح: غنى الناس بالمال، وأفنى أعطى
القنية وأصول الأموال، وقال الضحاك: أعني بالذهب والفضة وصنوف الأموال، وأقنى بالإبل
والبقر والغنم. وعن ابن زيد: أغنى أكثر وأقنى أقل، وعن الأخفش: أقنى أفقر، وعن ابن كيسان
أولد.
١- باب
٣٧٦/ ٤٨٥٥ - حدَّثنا يَحْيَى حدَّثنا وَكِيعٌ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بنِ أبِي خَالِدٍ عَنْ عَامِر عَنْ
مَشْرُوقٍ قَالَ قُلْتُ لِعَائِشَةَ رَضِيَ الله عنها يَا أمتاه هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ عَُّلَِّ رَبَّهُ فَقَالَتْ لَقَدْ قَفَّ
شَعْرِي مِمَّا قُلْتَ أيْنَ أَنْتَ مِنْ ثَلاثٍ مَنْ حَدَّثَكَهُ فَقَدْ كَذَبَ مَنْ حَدَّثَكَ أنَّ مُحَمَّداً عَ لَّه رَأَى
رَبَّهُ فَقَدْ كَذَبَ ثُمَّ قَرَأْت: ﴿لا تُدْرِكَهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾
[الأنعام: ١٠٣]. ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرِ أنْ يُكَلِّمَهُ الله إلاَّ وَحياً أوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١]
وَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ فَقَدْ كَذَبَ ثُمَّ قَرَأَتْ: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً﴾
[لقمان: ٣٤] وَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ كَتَمَ فَقَدْ كَذَبَ ثُمَّ قَرَأْت: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ
مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧] الآيَةَ وَلَكِنَّهُ رَأْى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السلامُ فِي صُورَتِهِ مَرَّتَيْنِ.
مطابقته للسورة ظاهرة. ويحيى هذا إما ابن موسى الختي بالخاء المعجمة وتشديد
التاء المثناة من فوق، وإما ابن جعفر البلخي البيكندي، وعامر هو الشعبي.
والحديث أخرجه البخاري في التفسير وفي التوحيد مطلقاً عن محمد بن يوسف وفي
التوحيد أيضاً وقال محمد إلى آخره وأخرجه مسلم في الإيمان عن محمد بن عبد الله وغيره
وأخرجه الترمذي في التفسير عن أحمد بن منيع وغيره وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن
المثنى وغيره.
قوله: ((يا أمتاه))، بزيادة الألف والهاء، وقال الخطابي: هم يقولون في النداء: يا أبه أمه
إذا وقفوا فإذا وصلوا قالوا: يا أبت ويا أمت، وإذا فتحوا للتعدية قالوا: يا أبتاه ويا أمتاه، والهاء
للوقف. وقال الكرماني، هذا ليس من باب الندبة إذ ليس ذلك تفجعاً عليها. وقال بعضهم:
أصله يا أم فأضيف إليها ألف الاستغاثة فأبدلت تاء وزيدت هاء السكت بعد الألف. قلت: لم
يقل أحد ممن يؤخذ عنه أن الألف فيه للاستغاثة وأين الاستغاثة لههنا. قوله: ((لقد قف
شعري))، أي: قام من الفزع لما حصل عندها من هيبة الله عز وجل، وقال النضر بن شميل:
القفة: بفتح القاف وتشديد الفاء، كالقشعريرة وأصله التقبض والاجتماع لأن الجلد ينقبض
عند الفزع فيقوم الشعر لذلك. قوله: ((أين أنت من ثلاث))، أي: أين فهمك يغيب من

٢٨٥
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ/ شُورَةُ النجم
استحضار ثلاثة أشياء؟ فينبغي لك أن تستحضرها ليحبط علمك بكذب من يدعي وقوعها.
قوله: ((من حدثكهن))، أي: من حدثك هذه الثلاث فقد كذب. قوله: ((من حدثك أن
محمداً رأى ربه))، هذا هو الأول من الثلاث وهو أن من يخبر أن النبي عَِّ رأى ربه يعني
ليلة المعراج فقد كذب في إخباره، ثم استدلت عائشة على نفي الرؤية بالآيتين المذكورتين
إحداهما هو قوله: ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار﴾ وجه الاستدلال بها أن الله عز
وجل نفى أن تدركه الأبصار، وعدم الإدراك يقتضي نفي الرؤية بأن المراد بالإدراك الإحاطة
وهم يقولون بهذا أيضاً وعدم الإحاطة لا يستلزم نفي الرؤية. وقال النووي: لم تنف عائشة
الرؤية بحديث مرفوع، ولو كان معها في حديث لذكرته، وإنما اعتمدت الاستنباط على ما
ذكرت من ظاهر الآية، قد خالفها غيرها من الصحابة، والصحابي إذا قال قولاً وخالفه غيره
منهم لم يكن ذلك القول حجة اتفاقاً، وقد خالف عائشة ابن عباس فأخرج الترمذي من طريق
الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس قال: رأى محمد ربه قلت: أليس الله يقول: ﴿لا
تدركه الأبصار﴾ قال: ويحك ذاك إذا تجلى بنوره الذي هو نوره، وقد رأى ربه مرتين، وروى
ابن خزيمة بإسناد قوي عن أنس. قال: رأى محمد ربه، وبه قال سائر أصحاب ابن عباس
وكعب الأحبار والزهري وصاحب معمر وآخرون، وحكى عبد الرزاق عن معمر عن الحسن
أنه حلف أن محمداً رأى ربه، وأخرج ابن خزيمة عن عروة بن الزبير إثباتها وكان يشتد عليه
إذا ذكر له إنكار عائشة، رضي الله تعالى عنها، وهو قول الأشعري وغالب أتباعه. قوله: ﴿وما
كان لبشر﴾ الآية هي الآية الثانية التي استدلت بها عائشة على نفي الرؤية، وجه الاستدلال
به أن الله تعالى حصر تكليمه لغيره في ثلاثة أوجه وهي الوحي بأن يلقي في روعه ما يشاء أو
يكلمه بغير واسطة من وراء حجاب، أو يرسل إليه رسولاً فيبلغه عنه فيستلزم ذلك انتفاء الرؤية
عنه حالة التكلم، وأجابوا عنه أن ذلك لا يستلزم نفي الرؤية مطلقاً، وغاية ما يقتضي نفي
تكليم الله على غير هذه الأحوال الثلاثة فيجوز أن التكليم لم يقع حالة الرؤية قوله: ((ومن
حدثك أنه يعلم ما في غد فقد كذب)) هذا هو الثلث من الثلاث المذكورة. أي: ومن
حدثك بأن رسول الله عَّتي كتم شيئاً من الذي شرع الله تعالى له فقد كذب لأنه رسول
مأمور بالتبليغ فليس له كتم شيء من ذلك واستدلت على ذلك بقوله تعالى: ﴿يا أيها الرسول
بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾، قوله: ((ولكنه رأى جبرايل)) هكذا، رواية الكشميهني لكنه
بالضمير، وفي رواية غيره ولكن بدون الضمير، ولما نفت عائشة، رضي الله تعالى عنها، رؤية
رسول الله عَّ له ربه بعينه في سؤال مسروق عنها عن ذلك استدركت بقولها لكن رأى
جبريل، عليه السلام، في صورته مرتين، وأشارت بذلك إلى قوله تعالى: ﴿ولقد رآه نزلة
أخرى﴾ [النجم: ١٣] قال الثعلبي أي: مرة أخرى سماها نزلة على الاستعارة، وذلك أن النبي
عَّه رأى جبريل، عليه الصلاة والسلام، على صورته التي خلق عليها مرتين مرة بالأرض في
الأفق الأعلى، ومرة في السماء عند سدرة المنتهى، وهذا قول عائشة، وأكثر العلماء وهو
الاختيار لأنه قرن الرؤية بالمكان، فقال: عند سدرة المنتهى، ولأنه قال: نزلة أخرى، ووصف

٢٨٦
٦٥ - كِتابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ / سُورَةُ النجم
الله تعالى بالمكان والنزول الذي هو الانتقال محال. فإن قلت: كيف التوفيق بين نفي عائشة
الرؤية وإثبات ابن عباس إياها.
قلت: ويحمل نفيها على رؤية البصر وإثباته على رؤية القلب، والدليل على هذا ما
رواه مسلم من طريق أبي العالية عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ما كذب الفؤاد ما رأى ولقد
رآه نزلة أخرى﴾ قال: رأى ربه بفؤاده مرتين، وله من طريق عطاء عن ابن عباس. قال: رآه
بقلبه، وأصرح من ذلك ما أخرجه ابن مردويه من طريق عطاء أيضاً عن ابن عباس، قال: لم
يره رسول الله عَ ليه بعينه إنما رآه بقلبه، وقد رجح القرطبي قول الوقف في هذه المسألة وعزاه
لجماعة من المحققين، وقوَّه لأنه ليس في الباب دليل قاطع، وغاية ما استدل به للطائفتين،
ظواهر متعارضة قابلة للتأويل. قال: وليست المسألة من العمليات فيكتفي فيها بالأدلة الظنية،
وإنما هي من المعتقدات فلا يكتفي فيها إلاَّ بالدليل القعطي، ومال ابن خزيمة في كتاب
التوحيد إلا الإثبات وأطنب في الاستدلال، وحمل ما ورد عن ابن عباس على أن الرؤيا وقعت
مرتين: مرة بعينه ومرة بقلبه، والله أعلم.
٢ - بابٌ: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَذْنَى﴾ [النجم: ٩] حَيْثُ الوَتَرُ مِنَ القَوْسِ
أي: هذا باب في قوله عز وجل: ﴿فكان قاب قوسين أو أدنى﴾ ولم تثبت هذه
الترجمة إلاَّ لأبي ذر وحده، وفي بعض النسخ لم يذكر لفظ باب وقد تقدم تفسيره قريباً عن
مجاهد.
٤٨٥٦/٣٧٧ - حدّثنا أبو النُّعْمَانِ حدَّثنا عَبْدُ الوَاحِدِ حدَّثنَا الشَّيْبَانِيُّ قَالَ سَمِعْتُ
زِراً عنْ عَبْدِ الله: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ٩، ١٠]
قَالَ حَدَّثنا ابنُ مَسْعُودٍ أنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ لَّهُ سِتْمِائَةٍ جَناحٍ.
مطابقته للترجمة ظاهرة. وأبو النعمان محمد بن الفضل السدوسي، وعبد الواحد هو
ابن زياد، والشيباني هو سليمان بن أبي سليمان فيروز أبو إسحاق الكوفي، وزر، بكسر الزاي
وتشديد الراء، هو ابن حبيش، وعبد الله هو ابن مسعود.
والحديث قد مر في كتاب بدء الوحي في: باب الملائكة.
قوله: ((عن عبد الله﴿فكان قاب قوسين))) أراد أن عبد الله بن مسعود قال في تفسير
هاتين الآيتين ما سأذكره ثم استأنف فقال: حدثنا ابن مسعود إلى آخره. قوله: ((رأى جبريل))،
أي: رأى النبي عَّ ◌ُلّه جبريل، عليه الصلاة والسلام. قوله: ((ستمائة جناح))، جملة إسمية،
وقعت حالاً بدون الواو، وروي في غير رواية البخاري: يتناثر من ريشه الدر والياقوت،
وأخرجه النسائي بلفظ يتناثر منها تهاويل الدر والياقوت. قلت: التهاويل الأشياء المختلفة
الألوان كان واحدها تهوال وأصله مما يهول الإنسان ويجبره.

٢٨٧
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سُورَةُ النجمِ
٣ - بابٌّ: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠]
أي: هذا باب في قوله تعالى: ﴿فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾ ولم تثبت هذه الترجمة
إلاَّ لأبي ذر وحده. قوله: ((فأوحى)، يعني: أوحى الله تعالى إلى عبده محمد عَ لّه، وعن
الحسن والربيع وابن زيد معناه: فأوحى جبريل، عليه الصلاة والسلام، إلى محمد ما أوحى
إليه ربه، وعن سعيد بن جبير: أوحى إليه الله ﴿لم يجدك يتيماً﴾ [الضحى: ٦] إلى قوله:
﴿رفعنا لك ذكرك﴾ [الشرح: ٤] وقيل: أوحى إليه أن الجنة محرمة على الأنبياء عليهم
الصلاة والسلام، حتى تدخلها وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك.
٣٧٨ / ٤٨٥٧ - حدّثنا طَلْقُ بنُ غَنَّامِ حدَّثنا زَائِدَةُ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ قَالَ سَأَلْتُ زِراً عَنْ
قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنٍ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ٩، ١٠] قَالَ
أُخْبَرِنَا عَبْدُ اللهِ أنَّ مُحَمَّداً عَ لَّه رَأَى جِبْرِيلَ لَّهُ سِتُمَائَةٍ جَناحٍ.
هذا طريق آخر في الحديث السابق أخرجه عن طلق، بفتح الطاء المهملة وسكون اللام
وبالقاف ابن غنام، بفتح الغين المعجمة وتشديد النون أبو محمد النخعي الكوفي عن زائدة
ابن قدامة الكوفي عن سليمان الشيباني إلى آخره.
قوله: ((أخبرنا عبد الله))، هو عبد الله بن مسعود. قوله: ((أن محمداً)، هذا هكذا رواية
أبي ذر، وعند غيره أنه محمد. أي: أن العبد المذكور في قوله: عز وجل، إلى عبده، وحاصل
هذا أن ابن مسعود كان يذهب في ذلك إلى أن الذي رآه النبي عَّةٍ هو جبريل عليه الصلاة
والسلام، كما ذهبت إلى ذلك عائشة، رضي الله تعالى عنها، والتقدير على رأيه فأوحى
جبريل، عليه الصلاة والسلام، إلى عبده أي: عبد الله محمد لأنه يرى أن الذي دنى فتدلى
هو جبريل وأنه هو الذي أوحى إلى محمد عَ ليه.
٤ - بابٌّ: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتٍ رَبِّهِ الكَبْرَى﴾ [النجم: ١٨]
أي: هذا باب في قوله تعالى: ﴿ولقد رأى من آيات ربه الكبرى﴾ وليس في بعض
النسخ لفظ باب: وهذه الترجمة لأبي ذر وحده. قوله: ((لقد رأى))، أي: محمد رفرفاً أخضر
من الجنة سد الأفق، وعن الضحاك: سدرة المنتهى، وعن مقاتل: رأى جبريل في صورته التي
تكون في السموات، وقيل: المعراج وما رأى تلك الليلة في مسراه في بدئه وعوده.
٣٧٩/ ٤٨٥٨ - حدّثنا قَبِيصَةُ حدَّثنا سُفْيَانُ عَنْ الأعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَّةَ عَنْ
عَبْدِ اللهِ رَضِيَ الله عنهُ لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الكُبْرَى قَالَ: رَأَى رَفْرَفاً أَخْضَرَ قَدْ سَدَّ الأَفْقَ.
مطابقته للترجمة ظاهرة. وسفيان هو ابن عيينة، والأعمش هو سليمان، وإبراهيم هو
النخعي.
قوله: ((عن عبد الله))، أي: عن عبد الله بن مسعود في تفسير هذه الآية. قوله: ((رأى
رفرفاً))، الخ ظاهره يغاير قوله في الحديث السابق، وهو قوله: رأى جبريل، عليه السلام، له

٢٨٨
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ/ سُورَةُ النجم
ستمائة جناح، ولكن يوضح المراد حديث النسائي من طريق عبد الرحمن بن عبد الله عن عبد
الله بن مسعود قال: أبصرني الله عَّه جبريل على رفرف ملأ ما بين السماء والأرض، فيجمع
بينهما أن الموصوف جبريل والصفة هي التي كان عليها والرفرف هو الحلة، وروى الترمذي
من طريق عبد الرحمن بن يزيد عن ابن مسعود: رأى جبريل، عليه السلام، في حلة من رفرف
قد ملأ ما بين السماء والأرض، وقال: حديث صحيح. وقال تعالى: ﴿متكئين على رفرف
خضر﴾ [الرحمن: ٧٦] وأصل الرفرف ما كان الديباج رقيقاً حسن الصنعة ثم اشتهر استعماله
في الستر. وكلما فضل من شيء فعطف وثنى فهو رفرف، ويقال: رفرف الطائر بجناحيه إذا
بسطهما. وقال الكرماني: الرفرف البساط، وقيل: الفراش، وقيل: ثوب كان لباساً له. قلت:
جاء في حديث آخر، رأى جبريل في حلتي رفرف، وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿متكئين
على رفرف﴾ هي رياض الجنة، وهو جمع رفرفة والرفارف جمع الجمع، وعنه: الرفرف
فضول المجالس والبسط، وعن قتادة والضحاك: مجالس خضر فوق الفرش الحسن، وقال
القرطبي: هو البسط، وعن ابن عيينة: هو الزرابي، وعن ابن كيسان: المرافق، وعن ابن أبي
عبيدة: حاشية الثوب، وقيل: كل ثوب عريض عند العرب فهو رفرف.
٥ - بابٌ: ﴿أَفَرَ أَيْتُمُ اللاتَ والْعُزَّى﴾ [النجم: ١٩]
أي: هذا باب في قوله عز وجل: ﴿أفرأيتم اللات والعزى﴾ وفي بعض النسخ لم يذكر
لفظ باب: واللات مأخوذ من لفظة الله ثم ألحقت بها تاء التأنيث، فأنثت، كما قيل للرجل
عمرو ثم يقال للأنثى عمرة كذا قاله الثعلبي، وقيل: أرادوا أن يسمعوا إلههم الباطل باسم الله
فصرفه الله تعالى إلى اللات صوناً له وحفظاً لحرمته، وفي التفسير: كانت اللات صخرة
بالطائف. وعن ابن زيد: بيت بنخلة كانت قريش تعبده، والعزى شجرة لغطفان يعبدونها، قاله
مجاهد. قلت: هي التي بعث إليها رسول الله عَّلِ خالد بن الوليد فقطعها وله قصة مشهورة،
وعن الضحاك: صنم لغطفان وضعها لهم سعد بن ظالم الغطفاني، وعن ابن زيد بيت بالطائف
كانت ثقيف تعبده.
٤٨٥٩/٣٨٠ - حدّثنا مُسْلِمٌ حدَّثنا أَبُو الأَشْهَبِ حدَّثنا أَبُو الجَوْزَاءِ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ
رَضِيَ الله عنهما فِي قَوْلِهِ: ﴿اللأَّتَ وَالعُزَّى﴾ كانَ الَّلاتُ رَجلاً يَلُتُ سَوِيقَ الحاجّ.
مطابقته للترجمة ظاهرة. ومسلم هو ابن إبراهيم، وفي بعض النسخ إبراهيم مذكور،
وأبو الأشهب اسمه جعفر بن حيان العطاردي البصري، وأبو الجوزاء، بالجيم المفتوحة
وسكون الواو وبالزاي والمد اسمه: أوس بن عبد الله الربعي، بفتح الراء والباء الموحدة وبالعين
المهملة الأزدي البصري قتل عام الجماجم سنة ثلاث وثمانين.
قوله: ((عن ابن عباس))، في قوله: لفظ: وفي قوله: سقط لغير أبي ذر وأراد أبو الجوزاء
أن ابن عباس قال في قوله تعالى: ﴿أفرأيتم اللات والعزى﴾ [النجم: ١٩] كان اللات رجلاً
يلت سويق الحاج: وهذا موقوف على ابن عباس، وقال الزجاج: قرىء اللات بتشديد التاء

٢٨٩
٦٥ - كِتابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ/ سُورَةُ النجم
زعموا أن رجلاً كان يلت السويق ويبيعه عند ذلك الصنم فسمي الصنم اللات بتشديد التاء
والأكثر بتخفيف التاء، وكان الكسائي يقف عليها بالهاء اللاه وهذا قياس والأجود في هذا
اتباع المصحف والوقف عليها بالتاء، وفي (غرر التبيان) اللات فعله من لوى لأنهم كانوا
يلوون عليها أي: يطوفون، وزعم السهيلي أن أصل هذا الرجل يعني في قول ابن عباس كان
اللات رجلاً كان يلت السويق للحاج إذا قدموا وكانت العرب تعظم هذا الرجل بإطعامه الناس
في كل موسم، ويقال: إنه عمرو بن لحى قال: ويقال: هو ربيعة بن حارثة، وهو والد خزاعة
وعمّر عمراً طويلاً فلما مات اتخذوا مقعده الذي كان يلت فيه السويق منسكاً ثم سنح الأمر
بهم إلى أن عبدوا تلك الصخرة التي كان يقعد عليها ومثلوها صنماً وسموها اللات اشتق لها
من اللاتي أعني: لت السويق وكانت بالطائف، وقيل: في طريقه، وقيل: كانت بمكة وقال
قتادة كانت بنخلة.
٤٨٦٠/٣٨١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ أُخْبَرنا هِشامُ بنُ يُوسُفَ أُخْبرنا مَعْمَرٌ عنٍ
الزُّهْرِيِّ عنْ حُمَيْدٍ بنِ عَبْدِ الرَّحْمِنِ عِنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عنهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ عَ لَّه
مَنْ حَلَفَ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ وَالَّلاتِ وَالعُزَّىَ فَلْيَقُلْ لا إله إلاَّ الله وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ تَعَالَ
أُقَامِرُكَ فَلْيَتَصَدَّقْ [الحديث ٤٨٦٠ - أطرافه في ٦١٠٧، ٦٣٠١، ٦٦٥٠].
مطابقته للترجمة ظاهرة. ورجاله قد ذكروا غير مرة، والحديث أخرجه البخاري أيضاً
في النذور عن عبد الله بن محمد وفي الأدب عن إسحاق وفي الاستئذان عن يحيى بن بكير،
وأخرجه مسلم في الأيمان والنذور عن أبي الطاهر وحرملة وعن سويد بن سعيد وعن إسحاق
ابن إبراهيم وعبد بن حميد وأخرجه أبو داود فيه عن الحسن بن علي وأخرجه الترمذي فيه
عن إسحاق بن منصور وأخرجه النسائي فيه عن كثير بن عبيد وفي اليوم والليلة عن يونس بن
عبد الأعلى وعن أحمد بن سليمان وأخرجه ابن ماجه في الكفارات عن وحيم.
قوله: ((من حلف))، إلى آخره، قال الخطابي: اليمين إنما يكون بالمعبود الذي يعظم فإذا
حلف بها فقد ضاهى الكفار في ذلك فأمر أن يتداركه بكلمة التوحيد، وأما قوله: ((فليتصدق))
فمعناه يتصدق بالمال الذي يريد أن يقامر عليه، وقيل: يتصدق بصدقة من ماله كفارة لما
جرى على لسانه من هذا القول. قوله: ((فقال في حلفه))، أي: في يمينه، والحلف بفتح الحاء
وكسر اللام وإسكانها أيضاً والحلف بكسر الحاء وإسكان اللام العهد. قوله: ((فليقل لا إله
إلا الله)) إنما أمره بذلك لأنه تعاطى تعظيم الأصنام. وقال النووي: قال أصحابنا إذا حلف
باللات أو غيرها من الأصنام أو قال: إن فعلت كذا فأنا بعد يهودي أو نصراني أو بريء من
الإسلام أو من سيدنا رسول الله عَّ له ونحو ذلك لم ينعقد يمينه بل عليه أن يستغفر الله تعالى
ويقول: لا إله إلا الله ولا كفارة عليه سواء فعله أم لا. هذا مذهب الشافعي ومالك وجماهير
العلماء، وقال أبو حنيفة: تجب الكفارة في كل ذلك إلاَّ في قوله: أنا مبتدع أو بريء من
رسول الله عَ ل أو اليهودية انتهى. وفي (فتاوى الظهيرية) ولو قال: هو يهودي أو بريء من
الإسلام إن فعل كذا عندنا يكون يميناً. فإذا فعل ذلك الفعل هل يصير كافراً هذا على وجهين:
عمدة القاري/ ج١٩ م١٩

٢٩٠
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ/ سُورَةُ | النجم
إن حلف بهذه الألفاظ وعلق بفعل ماض وهو عالم وقت اليمين أنه كاذب اختلفوا فيه. قال
بعضهم: يصير كافراً لأنه تعليق بشرط كائن وهو تنجيز، وقال بعضهم: لا يكفر ولا يلزمه
الكفارة، وإليه مال شيخ الإسلام خواهر زاده، وإن حلف بهذه الألفاظ على أمر مستقبل. قال
بعضهم: لا يكفر ويلزمه الكفارة، والصحيح ما قاله السرخسي أنه ينظر إن كان في اعتقاد
الجانب أنه لو حلف بذلك على أمر في الماضي يصير كافراً في الحال. وإن لم يكن في
اعتقاده ذلك لا يكفر، سواء كانت اليمين على أمر في المستقبل أو في الماضي. قوله تعالى
أمر من التعالي، وهو الارتفاع. تقول منه إذا أمرت تعال يا رجل، بفتح اللام، وللمرأة تعالي،
وللمرأتين تعاليا، وللنسوة تعالين، ولا يجوز أن يقال منه: تعالت ولا ينهى عنه. قوله:
((أقامرك))، مجزوم لأنه جواب الأمر، يقال: قامره يقامره قماراً إذا طلب كل واحد أن يغلب
صاحبه في عمل أو قول ليأخذ مالاً جملاه للغالب، وهو حرام بالإجماع. قوله: ((فليتصدق))
وفي رواية مسلم، فليتصدق بشيء. قال العلماء: أمرنا بالتصدق تكفيراً لخطيئته في كلامه
بهذه المعصية. قال الخطابي: يتصدق بمقدار ما كان يريد أن يقامره به، وهو قول الأوزاعي،
وقال النووي: رحمه الله: الصواب أن يتصدق بما تيسر مما يطلق عليه اسم الصدقة. وفي
(التلويح) عن بعض الحنفية. إن قوله: فليتصدق، المراد بها كفارة اليمين، وقال بعضهم: وفيه
ما فيه. قلت: ما فيه إلاَّ عدم فهم من لا يفهم ما فيه، وإنما قال بعضهم: المراد بها كفارة
اليمين لأن هذا ينعقد يميناً على رأي هذا القائل: فإذا انعقد يميناً تجب عليه الكفارة.
٦ - بابٌ: ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأَخْرَى﴾ [النجم: ٢]
أي: هذا باب في قوله تعالى: ﴿ومناة الثالثة الأخرى﴾ ولم يثبت لفظ: باب إلاَّ لأبي
ذر، وسيأتي تفسيرها في الحديث، ولكن يفسر معنى الآية. فقوله: الثالثة لا يقال لها الأخرى،
وإنما الأخرى نعت للثانية، وقال الخليل: إنما قال ذلك ليوافق رؤوس الآي، كقوله: ﴿مآرب
أخرى﴾ [طه: ١٨] وقال الحسين بن فضل في الآية تقديم وتأخير مجازها أفرأيتم الّلات
والعزى الأخرى ومناة؟.
٤٨٦١/٣٨٢ - حدَّثنا الحُمَيْدِيُّ حدَّثنا سُفْيَانُ حدَّثنا الزُّهْرِيُّ سَمِعْتُ عُزْوَةَ قُلْتُ
لِعَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْها فَقَالَتْ أَّمَا كَانَ مَنْ أهَلَّ بِناةَ الطَّاغِيَةَ الَّتِي بِالمُشَلّلِ لا يَطُوفُونَ بَيْنَ
الصّفا وَالمَرْوَةِ فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى ﴿إِنَّ الصَّفا وَالمَزْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ﴾ فَطَافَ رَسُولُ اللهِ عَ له
وَالمُسْلِمُونَ قَالَ سُفْيَانُ مَنَةُ بِالمُشَلَّلِ مِنْ قُدَيْدٍ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمُنِ بنُ خَالِدٍ عَنِ ابنِ شهابٍ قَالَ عُرْوَةُ قَالَتْ عَائِشَةُ نَزَلَتْ فِي الأَنْصَارِ
كَانُوا هُمْ وَغَسَانُ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا يُهِلُّونَ لِمِناةً مِثْلَهُ وَقَالَ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ
عَائِشَةَ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الأَنْصَارِ مِمَّنْ كَانَ يُهِلٌ لِمناةٍ وَمَناةُ صَنٌَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالمَدِينَةِ قَالُوا يَا نَبِيَّ
الله عَ لَّله كُتّا لا نَطُوفُ بَيْنَ الصَّفا وَالمَرْوَةِ تَعْظِيماً لِمناةَ نَحْوَهُ.
مطابقته للترجمة ظاهرة. والحميدي عبد الله بن الزبير، وسفيان هو ابن عيينة، وهذا

٢٩١
٦٥ - كِتَابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ/ سُورَةُ النجم
الحديث قد مضى مطولاً في الحج في: باب وجوب الصفا والمروة، فإنه أخرجه هناك عن
أبي اليمان عن شعيب عن الزهري إلى آخره.
قوله: ((قلت لعائشة فقالت))، فيه حذف بينه في تفسير سورة البقرة في: باب ﴿إِن
الصفا والمروة من شعائر الله﴾ [البقرة: ١٥٨] وهو أن عروة قال: قلت: لعائشة زوج النبي عد اله
وأنا يومئذ حديث السن: أرأيت قول الله تعالى: ﴿إِن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج
البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ فما أرى على أحد شيئاً أن لا يطوف بهما.
فقالت عائشة: إنما كان من أهل. أي: أحرم بمناة بالباء الموحدة في رواية أبي ذر، وعند غيره:
لمناة. باللام أي: لأجل مناة، والطاغية صفة لها باعتبار طغيان عبدتها، ويجوز أن يكون مضافاً
إليها على معنى: أحرم باسم مناة القوم الطاغية. قوله: ((التي بالمشلل))، صفة أخرى أي:
الكائنة بالمشلل، بضم الميم وفتح الشين المعجمة وتشديد اللام المفتوحة، وهو موضع من
قديد على ما يأتي الآن. قوله: ((لا يطوفون))، أي: من كان يحج لهذا الصنم كان لا يسعى
بين الصفا والمروة تعظيماً لصنعهم حيث لم يكن في المسعى، وكان فيه صنمان إساف
ونائلة، فأنزل الله تعالى رداً عليهم بقوله: ﴿إِن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ فطاف رسول
الله عَّ وطاف معه المسلمون. قوله: ((قال سفيان))، هو ابن عيينة الراوي في الحديث
المذكور. قوله: ((مناة بالمشلل من قديد))، مقول قول سفيان، وأشار به إلى تفسير مناة. أي:
مناة مكان كائن بالمشلل الكائن من قديد، بضم القاف مصغر القدد، وهو من منازل طريق
مكة إلى المدينة.
قوله: ((وقال عبد الرحمن بن خالد بن مسافر الفهمي))، بالفاء المصري. كان أمير
مصر لهشام مات سنة سبع وعشرين ومائة وأخرج له مسلم متابعة. قوله: ((عن ابن شهاب))،
وهو الزهري أي: يروي عن ابن شهاب، وهو الزهري الراوي في الحديث المذكور، ووصل
هذا التعليق الطحاوي من طريق عبد الله بن صالح عن الليث عن عبد الرحمن بطوله. قوله:
((هم)) أي: الأنصار. قوله: ((وغسان))، عطف عليه وهم قبيلة. قوله: ((يهلون بمناة)) أي:
يحرمون بمناة قبل الإسلام. قوله: ((مثله)) أي: مثل حديث سفيان بن عيينة المذكور قبله.
قوله: ((وقال معمر)) بفتح الميمين، وهو ابن راشد عن الزهري وهو محمد بن مسلم، وهذا
التعليق وصله الطبري عن الحسن بن يحيى عن عبد الرزاق عن معمر إلى آخره مطولاً. قوله:
((ومناة صنم بين مكة والمدينة)) أي: مناة اسم صنم كائن بين مكة والمدينة كانت صنماً
لخزاعة وهذيل، سميت بذلك لأن دم الذبائح كان يمنى عليها أي يراق، وفي (تفسير ابن
عباس) كانت مناة على ساحل البحر تعبد، وفي (تفسير عبد الرزاق) أخبرنا معمر عن قتادة:
اللات لأهل الطائف، وعزى لقريش، ومناة للأنصار، وعن ابن زيد: مناة بيت بالمشلل تعبده
بنو كعب، ويقال: مناة أصنام من حجارة كانت فى جوف الكعبة يعبدونها. قوله: ((نحوه))
أي: نحو الحديث المذكور.

٢٩٢
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ/ سُورَةُ ، النجم
٧ - بابّ: ﴿فَاسْجُدُوا الله وَاعْبُدُوا﴾ [النجم: ٦٢]
أي: هذا باب في قوله تعالى: ((فاسجدوا الله واعبدوا)) وهو آخر سورة النجم. قيل:
وقع للأصيلي، واسجدوا، بالواو وهو غلط. قلت: لا ينسب الغلط للأصيلي بل للناسخ لعدم
تمییزه.
٣٨٣ /٤٨٦٢ - حدَّثني أبُو مَعْمَرٍ حدَّثنا الوَارِثِ حدَّثنا أَيُوبُ عَنْ عِكْرَمَةَ عنِ ابنِ
عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عنهما قَال سَجَدَ النبيُّ عَّه بِالنَّجْمِ وَسَجَدَ مَعَهُ المُسْلِمُونَ وَالمُشْرِكُونَ
وَالجِنُّ وَالإنْسُ.
مطابقته للترجمة ظاهرة. وأبو معمر بفتح الميمين عبد الله بن عمرو المنقري المقعد
البصري، وعبد الوارث بن سعيد، وأيوب هو السختياني.
والحديث قد مضى في أبواب سجود القرآن في: باب سجود المسلمين مع المشركين
فإنه أخرجه هناك عن مسدد عن عبد الوارث إلى آخره، ومضى الكلام فيه هناك.
قوله: ((المسلمون))، يتناول الجن والإنس، وفائدة ذكر قوله: ((والجن والإنس)) لدفع
وهم اختصاصه بالمسلمين. قوله: ((والمشركون)) أي: وسجد معه المشركون. قال الكرماني:
سجد المشركون لأنها أول سجدة نزلت فأرادوا معارضة المسلمين بالسجدة لمعبودهم أو
وقع ذلك منهم بلا قصد أو خافوا في ذلك المجلس من مخالفتهم، وما قيل كان ذلك
بسبب ما ألقى الشيطان في أثناء قراءة رسول الله عد له:
منها الشفاعة ترتجى
تلك الغرانيق الـعـلى
فلا صحة له نقلاً وعقلاً وقال بعضهم: الاحتمالات الثلاثة فيها نظر، والأول منها
لعياض، والثاني: يخالفه سياق ابن مسعود حيث زاد فيه أن الذي استثناه منهم أخذ كفاً من
حصا فوضع جبهته عليه فإن ذلك ظاهر في القصد، والثالث أبعد إذ المسلمون حينئذ هم
الذين كانوا خائفين من المشركين لا العكس. قلت: ادعى هذا القائل أن في هذه الاحتمالات
نظراً، فقال في الأول: إنه لعياض، يعني: مسبوق فيه بالقاضي عياض، فبين أنه لعياض ولم
يبين وجه النظر، وذكر وجه النظر في الثاني: بقوله: يخالفه سياق ابن سعود، وهذا غير دافع
لبقاء الاحتمال في عدم القصد من الذي أخذ كفاً من حصا فوضع جبهته عليه، وقال في
الثالث: بعد. إلى آخره الذي ذكره أبعد مما قاله لأن المسلمين كانوا خائفين من المشركين
وقت سجودهم لم يكونوا يتمكنون من السجود لأن السجود موضع الجبهة على الأرض ومن
يتمكن من ذلك وراءه من يخاف منه خصوصاً أعداء الدين، وقصدهم هلاك المسلمين؟.
تَابَعَهُ ابنُ طَهْمَانَ عَنْ أَيُّوبَ وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ عُلَيَّةَ ابنَ عَبَّاسٍ
أي: تابع عبد الوارث، إبراهيم بن طهمان في روايته عن أيوب عن عكرمة عن ابن
عباس إلى آخره، وفي رواية أبي ذر، إبراهيم مذكور وأخرج الإسماعيلي هذه المتابعة من

٢٩٣
٦٥ - كِتَابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ/ سورة القمر
طريق حفص بن عبد الله النيسابوري عن ابن طهمان بلفظ أنه قال حين نزلت السورة التي
يذكر فيها النجم سجد لها الإنس والجن. قوله: ((ولم يذكر ابن علية ابن عباس)) أي: لم
يذكر إسماعيل بن علية عبد الله بن عباس أراد به أنه حدث به عن أيوب فأرسله، وأخرجه ابن
أبي شيبة عنه وليس هذا بقادح لاتفاق ثقتين وهما عبد الوارث وإبراهيم بن طهمان على
وصله.
٣٨٤ / ٤٨٦٣ - حدَّثنا نَصْرُ بنُ عَلِيٍّ أَخْبَرَنِي أَبُو أحْمَدَ يَعْنِي الزُّبَيْرِي حدَّثنا إسْرَائِيلُ
عَنْ أبِي إِسْحَاقَ عَنِ الأَسْوَدِ بنِ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ الله رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ أوَّلُ سُورَةٍ أَنْزِلَتِ فِيهَا
سَجْدَةٌ وَالنَّجْمِ قَالَ فَسَجَدَ رَسُولُ اللهِ عَلَّهِ وَسَجَدَ مَنْ خَلْفَهُ إلَّ رَجُلاً رَأَيْتُهُ أَخَذَ كَفّاً مِنْ
تُرَابٍ فَسَجَدَ عَلَيْهِ فَأَيْتُ بَعْذَ ذَلِكَ قُتِلَ كَافِراً وَهُوَ أُمَيَّةُ بنُ خَلَفٍ.
مطابقته للترجمة ظاهرة. ونصر بن علي الجهضمي الأزدي البصري، مات بالبصرة سنة
خمسين ومائتين، قاله أبو العباس السراج، وهو شيخ مسلم أيضاً. وأبو أحمد محمد بن عبد
الله بن الزبير الزبيري، وإسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق، يروي عن جده أبي إسحاق عمرو
السبيعي عن الأسود بن يزيد بن قيس النخعي خال إبراهيم النخعي عن عبد الله بن مسعود،
وهذا الحديث مر في أبواب سجود القرآن في: باب سجدة والنجم، فإنه أخرجه هناك عن
حفص بن عمر عن شعبة عن أبي إسحاق عن الأسود بن يزيد إلى آخره، ومر الكلام فيه
هناك.
قوله: ((فسجد رسول الله عَّله)) أي: بعد فراغه من قراءتها. قوله: ((إلاّ رجلاً)) بيّنه في
الحديث أنه أمية بن خلف. قوله: ((أخذ كفاً من تراب))، وفي رواية كفاً من حصاً أو تراب.
قوله: ((فسجد عليه)) وفي رواية شعبة: ((فرفعه إلى وجهه. فقال: يكفيني هذا)) قوله: ((وهو))
أي: الرجل المذكور ((هو أمية بن خلف)) ولم يذكر هو، وفي رواية شعبة، وفي رواية بن
سعدان الذي لم يسجد هو الوليد بن المغيرة. قال: وقيل: سعيد بن العاص بن أمية، قال:
وقال بعضهم: كلاهما جميعاً وجزم ابن بطال في: باب سجود القرآن أنه الوليد، وهذا
مستغرب منه مع وجود التصريح بأنه أمية بن خلف. ولم يقتل كافراً ببدر من الذين سموا
عنده غيره.
سُورَةُ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ
أي: هذا في تفسير بعص سورة: ﴿اقتربت الساعة﴾ وتسمى أيضاً: سورة القمر. قال
مقاتل: فيما ذكره ابن النقيب وغيره: مكية إلاَّ ثلاث آيات أولها: ﴿أم يقولون نحن جميع
منتصر﴾ [القمر: ٤٤] وآخرها قوله: ﴿والساعة أدهى وأمر﴾ [القمر: ٤٦] كذا قالوه عن مقاتل
وفيه نظر من حيث إن الذي في تفسيره هي مكية غير آية ﴿سيهزم الجمع﴾ [القمر: ٤٥] فإنها
نزلت في أبي جهل بن هشام يوم بدر. وهي ألف وأربعمائة وثلاثة وعشرون حرفاً، وثلاثمائة
واثنان وأربعون كلمة. وخمس وخمسون آية. قوله: ﴿اقتربت الساعة﴾ أي: دنت القيامة

٢٩٤
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورة القمر
وعن ابن كيسان في الآية تقديم وتأخير مجازها: انشق القمر واقتربت الساعة.
بسم الله الرحمن الرحيم
لم تثبت البسلمة إلاَّ لأبي ذر.
وَقَالَ مُجاهِدٌ مُسْتَمِرٌّ ذَاهِبٌ
أي: قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر﴾
[القمر: ٢] فسر: (مستمر) بقوله: ((ذاهب)) هذا التعليق رواه عبد عن شبابة عن ورقاء عن ابن
أبي نجيح عنه، روى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن أنس مستمر. قال: ذاهب وفي
التفسير: مستمر ذاهب سوف يذهب ويبطل، من قولهم: مر الشيء واستمر، وعن الضحاك:
محكم شديد قوي، وعن قتادة: غالب، من قولهم: مر الحبل إذا صلب واشتد وقوي، وأمررته
أنا إذا أحكمت فتله، وعن الربيع: نافذ، وعن يمان: ماض، وعن أبي عبيدة: باطل، وقيل: يشبه
بعضه بعضاً.
مُزْدَجَرٌ: مُتَناهٍ
أشار به إلى قوله عز وجل: ﴿ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر﴾ [القمر: ٤] أي:
متناه: بصيغة الفاعل أي: نهاية وغاية في الزجر لا مزيد عليه، وكذا فسره قتادة، ويجوز أن
يكون بصيغة المفعول من التناهي بمعنى الانتهاء. أي: جاءكم من أخبار عذاب الأمم السالفة
ما فيه موضع الانتهاء عن الكفر والانزجار عنه، فافهم، وعن سفيان. منتهى، وأصل: مزدجر،
مزتجر قلبت التاء دالاً.
وَازْدُجِرَ: اسْتُطِيرَ جُنُوناً
أشار به إلى قوله عز وجل ذكره: ﴿وقالوا مجنون وازدجر﴾ [القمر: ٩] ومعناه: استطير
جنوناً، وهكذا فسره مجاهد: وعن ابن زيد: اتهموه وزجروه ووعدوه لئن لم تفعل لتكونن من
المرجومين، وقال الثعلبي: زجروه عن دعوته ومقالته.
دُسُرٌ أَضْلاعُ السَّفِينَةِ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿وحملناه على ذات ألواح ودسر﴾ [القمر: ١٣] وفسر:
((الدسر)) بأضلاع ((السفينة)) وهكذا روي عن مجاهد، وفي التفسير: دسر مسامير واحدها
داسر ودسير، يقال منه: دسرت السفينة إذا شددته بالمسامير. قاله قتادة وابن زيد وهو رواية
عن ابن عباس، وعن الحسن: هي صدر السفينة سميت بذلك لأنها تدسر الماء بجؤجئها.
أي: تدفع، وهي رواية أيضاً عن ابن عباس. قال: الدسر كلكل السفينة، وأصل الدسر الدفع،
وفي الحديث في العنبر: إنما هو شيء دسره البحر. أي: دفعه.

٢٩٥
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورة القمر
لِمَنْ كَانَ كُفِرَ يَقُولُ كُفِرَ لَهُ جَزَاءً مِنَ الله
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر﴾ [القمر: ١٤] وفسره
بقوله: ﴿كفر له جزاء من الله﴾ أي: كفر له من الكفران، بالنعمة. والضمير في له، لنوح، عليه
الصلاة والسلام، أي: فعلنا بنوح وبهم ما فعلنا من فتح أبواب السماء وما بعده من التفجير
ونحوه جزاء من الله بما صنعوا بنوح وأصحابه، وقال النسفي: قال الفراء: جزاء بكفرهم، ومن،
بمعنى: ما المصدرية وقيل: معناه عاقبناهم الله ولأجل كفرهم به، وقيل: معناه لمن كان كفر
بالله، وهو قراءة قتادة فإنه كان يقرأ بفتح الكاف والفاء، وقال: لمن كفر بنوح، عليه السلام.
مُخْتَضَرٌ: يَحْضُرُونَ المَاءَ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر﴾
[القمر: ٢٨] يعني: قوم صالح، عليه الصلاة والسلام، يحضرون الماء إذا غابت الناقة فإذا
جاءت حضروا اللبن، هكذا روي عن مجاهد. قوله: ((شرب)) أي: نصيب من الماء، وفي
التفسير: محتضر يحضره من كانت نوبته فإذا كانت نوبة الناقة حضرت شربها، وإذا كان
يومهم حضروا شربهم.
وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: مُهْطِعِينَ الثَّسَلانُ. الخَبَبُ السِّرَاعُ
أي: قال سعيد بن جبير في قوله تعالى: ﴿مهطعين إلى الداع يقول الكافرون هذا يوم
عسر﴾ [القمر: ٨] هذا رواه ابن المنذر عن موسى حدثنا يحيى حدثنا شريك عن سالم عن
سعيد بن جبير. قوله: (مهطعين))، أي: مسرعين من الإهطاع. قوله: ((النسلان))، تفسير
الإهطاع الذي يدل عليه، مهطعين، والنسلان، بفتح النون والسين المهملة: مشية الذئب إذا
أعنق، وفسره هنا بالخبب بفتح الخاء المعجمة والباء الموحدة بعدها أخرى، وهو ضرب من
العدو. قوله: ((السراع))، من المسارعة: تأكيد له، وروى ابن المنذر من طريق علي بن أبي
طلحة عن ابن عباس في قوله: مهطعين. قال: ناظرين، وعن قتادة: عامدين إلى الداعي،
أخرجه عبد بن حميد، وقال أحمد بن يحيى: المهطع الذي ينظر في ذل وخشوع لا يتبع
بصره، والداعي هو إسرافيل عليه الصلاة والسلام.
وَقَالَ غَيْرُهُ: فَتَعَاطَى فَعَاطَهَا بِيَدِهِ
أي: قال غير سعيد بن جبير في قوله تعالى: ﴿فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر﴾
[القمر: ٢٩] وفسر: ((فتعاطى)) بقوله: ((فعاطها بيده) أي: تناولها بيده فعقرها أي: ناقة صالح
عليه الصلاة والسلام، هذا المذكور هو في رواية أبي ذر، وفي رواية غيره فتعاطى فعاطى بيده
فعقرها، وقال ابن التين: لا أعلم لقوله: عاطها هنا وجهاً إلا أن يكون من المقلوب الذي قلبت عينه
على لامه. لأن العطو التناول فيكون المعنى: فتناولها بيده، وأما عوط فلا أعلمه في كلام العرب،
وأما عيط فليس معناه موافقاً لهذا. وقال ابن فارس: التعاطي الجزاء، والمعنى: تجرى فعقر.

٢٩٦
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ/ سورة القمر
المُخْتَظِرِ كَحِظَارٍ مِنَ الشَّجَرِ مُخْتَرِقٍ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿فكانوا كهشيم المحتظر﴾ [القمر: ٣١] وفسر: ((المحتظر))
بقوله: ((كحظار)) بكسر الحاء المهملة وفتحها وبالظاء المعجمة أي: منكسر من الشجر
محترق، وكذا روى ابن المنذر ومن طريق ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس وقد أخبر الله
عز وجل عنهم بقوله: ﴿إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر﴾ [القمر: ٣١]
العذاب الذي أرسل على قوم صالح، عليه الصلاة والسلام، لأجل عقر الناقة وقال الثعلبي
المحتظر الحظيرة، وعن ابن عباس، هو الرجل يجعل لغنمه حظيرة من الشجر والشوك دون
السباع فما سقط من ذلك أو داسته الغنم فهو الهشيم، وقال قتادة: يعني: كالعظام النخرة
المحترقة وهي رواية عن ابن عباس أيضاً. وعنه أيضاً: كحشيش تأكله الغنم.
أَزْدُجِرَ افْتُعِلَ مِنْ زَجَرْتُ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿وقالوا بجنون وازدجر﴾ [القمر: ٩] وهذا قد مر عن قريب،
غير أنه أعاده إشارة إلى أن هذا من باب الافتعال لأن أصله ازتجر. فقلبت التاء دالاً فصار
ازدجر، وهو من الزجر وليس من زجرت لأن الفعل لا يشتق من الفعل بل يشتق من المصدر،
ولو ذكر هذا عند قوله: ازدجر: استطير جنوناً لكان أولى وأنسب.
كُفِرَ فَعَلْنا بِهِ وَبِهِمْ مَا فَعَلْنَا جَزَاءًا لِمَا صُنِعَ بِنُوحٍ وَأَصْحَابِهِ
هذا أيضاً قد مر أيضاً عن قريب وهو قوله: ﴿لمن كان كفر﴾ [القمر: ١٤] بقوله:
كقوله جزاء من الله. وقد مر الكلام فيه وتكراره لا يخلو عن فائدة على ما لا يخفى، ولكن
لو لم يذكره هنا لكان أصوب وأحسن. قوله: ((كفر»، من كفران النعمة والمكفور هو نوح،
عليه السلام، وقومه: كافرون الأيادي والنعم، وقيل: معنى كفر جحد قوله: ((فعلنا))، حكاية
عن الله تعالى، والضمير في: به يرجع إلى نوح، عليه السلام، وفي: بهم، إلى قومه، والذي
فعله نصرته إياه وإجابة دعائه، والذي فعل بقومه غرقه إياهم. قوله: ﴿جزاء﴾ أي: لأجل
الجزاء لما صنع أي لأجل صنعهم لنوح وقومه من الإساءة والضرب وغير ذلك من الأذى.
قوله: لما صنع اللام فيه مكسورة. وصنع على صيغة المجهول.
مُسْتَقِرٌّ عَذَابٌ حَقٌّ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر﴾ [القمر:٣٨]
وفسره: بقوله: ((عذاب حق))، وهكذا قاله الفراء وروى عبد بن حميد عن قتادة واستقر بهم
أي: العذاب إلى نار جهنم. قوله: ((ولقد صبحهم) أي: العذاب ((بكرة) أي: وقت الصبح،
وفي التفسير: (عذاب مستقر) أي: دائم عام استقر بهم حتى يفضي بهم إلى عذاب
الآخرة.

٢٩٧
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ/ سورة القمر
الأَشَرُ: المَرَحُ وَالتَّجبُّرُ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿بل هو كذاب أشر وسيعلمون غداً من الكذاب الأشر﴾
[القمر: ٢٥، ٢٦] وفسره بقوله: ((المرح والتجبر)). وهكذا فسره أبو عبيدة وغيره.
١ - بابٌ: ﴿وَانْشَقَّ القَمَرُ وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا﴾ [القمر: ١]
أي: هذا باب في قوله تعالى: ﴿اقتربت الساعة وانشق القمر﴾ الآية. ولم تثبت هذه
الترجمة إلاَّ لأبي ذر. قوله: ﴿آية﴾ أي: معجزة ليعرضوا من الإعراض.
٤٨٦٤/٣٨٥ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حدَّثنا يَحْيِى عَنْ شُغْبَةَ وَسُفْيَانَ عنِ الأعْمَشِ عَنْ
إبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ عنِ ابنِ مَسْعُودٍ قَالَ انْشَقَّ القَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ عَ لّهِ فِرْقَتَيْنِ فِرْقَة
فَوْقَ الجَبَلِ وَفِرْقَةٌ دُونَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ عَِّ اشْهَدُوا.
مطابقته للترجمة ظاهرة. ويحيى هو القطان، وسفيان هو ابن عيينة أو الثوري لأن كلاً
منهما روى عن سليمان الأعمش، وإبراهيم هو النخعي، وأبو معمر، بفتح الميمين، عبد الله بن
سخبرة، ولأبيه سخبرة صحبة ورواية، روى له الترمذي، قال ابن سعد: توفي بالكوفة في ولاية
عبيد الله بن زياد.
والحديث قد مر في علامات النبوة في: باب سؤال المشركين أن يريهم النبي عد اله
آية، ومضى الكلام فيه هناك.
قوله: ((على عهد))، أي: على زمن رسول الله عَّهِ. قوله: ((فرقتين)) أي: قطعتين وفي
علامات النبوة: شقتين، ويروى: شقين فوق الجبل اختلفت الروايات في مكان الانشقاق فجاء
عن ابن عباس أنه قال: انشق القمر على عهد رسول الله عَ لّه باثنتين شطره على السويداء
وشطره على الخندمة، وجاء عن أنس، رضي الله تعالى عنه، أن أهل مكة سألوا رسول الله
عَّ لِ أن يريهم آية فأراهم القمر بشقتين حتى رأوا أحراء بينهما، وفي تفسير أبي عبد الله. قال
المشركون للنبي عَّ له: إن كنت صادقاً فاشقق لنا القمر. فقال: آن فعلت تؤمنون؟ قالوا: نعم،
وكانت ليلة الجمعة، فسأل الله تعالى فانشق فرقتين: نصف على الصفا ونصف على تعقعان:
الحديث، وروى البيهقي من حديث أبي معمر عن عبد الله. قال: رأيت القمر منشقاً بشقتين
مرتين: بمكة شقة على أبي قبيس وشقة على السويداء. وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم:
كان يرى نصفه على قعيقعان والنصف الآخر على أبي قبيس. قوله: ﴿وفرقة دونه﴾ أي:
دون الجبل. وعند مسلم من حديث شعبة عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عمر، قال: انشق
القمر فلقتين فلقة من دون الجبل وفلقة من خلف الجبل.
٣٨٦ /٤٨٦٥ - حدّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا سُفْيَانُ أَخْبَرَنا ابنُ أبِي نَجِيحٍ عَنْ
مُجاهِدٍ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ الله قَالَ انْشَقَ القَمَرُ وَنَحْنُ مَعَ النبيِّ عَّهِ فَصَارَ فِرْقَتَيْنٍ فَقَالَ
لَنَا: اشْهَدُوا اشْهَدُوا.

٢٩٨
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ/ سورة القمر
هذا طريق آخر في حديث ابن مسعود، وعلي هو ابن عبد الله المعروف بابن المديني،
وفي بعض النسخ كذا: علي بن عبد الله، وابن أبي نجيح عبد الله واسم أبي نجيح يسار،
قال يحيى القطان: كان قدرياً وفيه زيادة على طريق الحديث السالف، وهي: قوله: ((نحن مع
النبي عَّله)) فهذا يدل على أنه من الرائين والمخبرين، وفيه لفظ: ((اشهدوا)) مرتين.
٤٨٦٦/٣٨٧ - حدَّثنا يَحْيِى بِنُ بُكَيْرٍ قَالَ حدَّثني بَكْرٌ عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ عَرَاكِ بنِ
مَالِكِ عَنْ عُبَيْدِ الله بنِ عَبْدِ الله بنِ عُتْبَةَ بنِ مَسْعُودٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُمَا قَالَ
انْشَقَّ القَمَرُ فِي زَمَانِ النبيِّ عَ لّهِ.
يحيى بن بكير، بضم الباء الموحدة: المخزومي المصري، وبكر، بفتح الباء
الموحدة: ابن مضر، بضم الميم وفتح المعجمة وبالراءين: محمد القريشي المصري، وجعفر
ابن ربيعة ابن شرحبيل بن حسنة من أهل مصر. والحديث قد مر في علامات النبوة عن خلف
ابن خالد، وكذا في انشقاق القمر عن عثمان بن صالح. وأخرجه مسلم في التوبة عن موسى
ابن قريش وابن عباس من جملة المخبرين لا الرائين.
٣٨٨/ ٤٨٦٧ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثنا يُونُسُ بنُ مُحَمَّد حدَّثنا شَيْبَانُ عَنْ
قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ سَأَلَ أهْلُ مَكَةَ أَنْ يُرِيَهُمْ آيَةً فَأَرَاهُمُ انْشِقَاقَ القَمَرِ.
عبد الله بن محمد المعروف بالسندي، ويونس بن محمد المؤدب البغدادي، وشيبان
النحوي.
والحديث مضى في علامات النبوة.
قوله: ((سأل أهل مكة))، أي: النبي عَّه وأنس أيضاً من المخبرين، وروى حديث
انشقاق القمر جماعة من الصحابة. رضي الله تعالى عنهم، فحديث ابن مسعود وحديث أنس
وحديث ابن عباس رواها البخاري، وعند عياض من رواية أبي حذيفة الأرجي عن علي بن
أبي طالب، رضي الله عنه، قال: انشق القمر ونحن مع النبي عَّه وروى عبد بن حميد أخبرنا
قبيصة عن سفيان عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن السلمي. قال: جمعت مع
حذيفة بالمدائن فسمعته يقول: إن القمر قد انشق على عهد رسول الله عٍَّ. الحديث،
وسنده لا بأس به، وروى البيهقي من حديث جبير بن محمود بن جبير بن معطم عن أبيه
عن جده، قال: انشق القمر ونحن بمكة على عهد رسول الله عَ له.
٤٨٦٨/٣٨٩ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حدَّثنا يَخْبِى عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ انْشَقَ
القَمَرُ فِرْقَتَيْنِ.
هذا طريق آخر في حديث أنس عن مسدد عن يحيى القطان إلى آخره. والحديث
أخرجه مسلم في التوبة عن أبي موسى وغيره، وقال الحليمي في (منهاجه) ومن الناس من
يقول قوله: ﴿فانشق القمر﴾ [القمر: ١] معناه: ينشق. كقوله: ﴿أتى أمر الله﴾ [النحل: ١] أي:
يأتي. قال: وإذا كان كذلك ظهر أن الانشقاق في الآية إنما هو الذي من أشراط الساعة دون
الانشقاق الذي جعله الله آية لرسوله وحجة على أهل مكة.

٢٩٩
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ/ سورة القمر
٢ - بابٌ: تَجْرِي بِأَغْنِينَا جَزَاءٌ لِمَنْ كَانَ كُفِرَ وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُذُكِرِ﴾
[القمر: ١٣، ١٥]
أي: هذا باب في قوله عز وجل: ﴿تجري بأعيننا﴾ إلى آخره، وقيل: ((حملناه على
ذات ألواح ودسر تجري بأعيننا)) أي: حملنا نوحاً عليه الصلاة والسلام. قوله: ((على ذات
ألواح))، أي: على سفينة ذات ألواح ودسر تجري بأعيننا أي: بمرأى منا وعن مقاتل بن حيان،
يحفظنا، وعن مقاتل بن سليمان: بوحينا. وعن سفيان بأمرنا. قوله: ((جزاء))، مفعول له لما
قدم من فتح أبواب السماء وما بعده أي: فعلنا ذلك جزاء لمن كان كفر أي: جحد وهو
نوح، عليه السلام، وجعله مكفور لأن النبي نعمة الله ورحمته فكان نوح، عليه الصلاة
والسلام، نعمة مكفورة، وقال الفراء: جزاء بكفرهم. قوله: ((ولقد تركناها))، أي: السفينة آية،
أي: عبرة حتى نظرت إليها أوائل هذه الأمة، وكم من سفينة بعدها صارت رماداً وعن قتادة
ألقاها الله تعالى بأرض الجزيرة. وقيل: على الجودي دهراً طويلاً حتى نظر إليها أوائل هذه
الأمة. قوله: ((فهل من مذكر))، معتبر متعظ وخائف مثل عقوبتهم فكيف كان استفهام تعظيم
قوله: ((ونذر)) أي: إنذاري.
ـبّ اللّه
لما مضى وتخويف لمن لا يؤمن بمحمد
قَالَ قَتَادَةُ أَبْقَى الله سَفِينَةَ نُوحٍ حَتَّى أَذْرَكَهَا أَوَائِلُ هُذِهِ الأُمَّةِ
هذا التعليق رواه الحنظلي عن أبيه عن هشام بن خالد حدثنا سعيد بن إسحاق قال:
حدثنا سعيد عن قتادة أبقى الله عز وجل السفينة بباقرين من أرض الجزيرة عبرة وآية حتى
نظرت إليها أوائل هذه الأمة. وكم من سفينة كانت بعدها فصارت رماداً. وعند عبد بن
حميد: أدركها أوائل هذه الأمة على الجودي.
٤٨٦٩/٣٩٠ - حدّثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ حدَّثنَا شَعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عنِ الأسْوَدِ عَنْ
عَبْدِ الله قَالَ كَانَ النبيُّ عَلِ يَقْرَأُ: ﴿فَهَلْ مِنْ مُذَّكِرِ﴾.
أبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي والأسود بن يزيد النخعي الكوفي، وعبد الله بن
مسعود، والحديث قد مضى في أحاديث الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام. قوله: ((من مذكر))
يعني: بالذال المهملة.
٣- بابٌ: ﴿وَلَقَدْ يَسَّزْنَا القُرْآنَ لِلذَّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُذُكِرِ﴾ [القمر: ١٧] قَالَ مُجاهِدٌ
يَسَّرْناَ هَوَّنَّا قِرَاءَتَهُ
أي: هذا باب في قوله تعالى: ﴿ولقد يسرنا القرآن للذكر﴾ وفسر مجاهد قوله:
((يسرنا)) بقوله: ((هوَّنا قراءته)) هكذا رواه عبد بن حميد عن شبابة عن ورقاء عن ابن أبي
نجيح عنه، وعن سعيد بن جبير: يسرناه للحفظ ظاهراً وليس من كتب الله كتاب يقرأ كله
ظاهراً إلاَّ القرآن. قوله: ((للذكر)) أي: ليتذكر ويعتبر به ويتفكر فيه.
٣٩١/ ٤٨٧٠ - حدّثنا مُسَدَّدٌ عَنْ يَحْيِى عَنْ شَعْبَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الأسْوَدِ عَنْ

٣٠٠
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ/ سورة القمر
عَبْدِ الله رَضِيَ الله عَنْهُ عَنِ النبيِّ عَّلِ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ: ﴿فَهَلْ مِنْ مُذَّكِرٍ﴾.
هذا طريق آخر في حديث عبد الله بن مسعود أخرجه عن مسدد عن يحيى القطان عن
شعبة عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله عن الأسود بن يزيد عن عبد الله بن مسعود. قوله:
((من مذكر))، يعني: بالدال المهملة، وسبب ذكر ذلك أن بعض السلف قرأها بالذال المعجمة
ونقل ذلك عن قتادة أيضاً.
٤ - بابٌّ: ﴿أَعْجَازُ نَخْلِ مُنْقَعِرٍ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذَرٍ﴾ [القمر: ٢٠، ٢١]
أي: هذا باب في قوله تعالى: ﴿تنزع الناس كلهم أعجاز نخل منقعر﴾ [القمر: ٢٠]
هذه الآية وما قبلها فيما جرى على عاد. قوله: ﴿تنزع الناس﴾ أي: الريح الصرصر المذكر
فيما قبله تنزع الناس أي: تقلعهم ثم ترمي بهم على رؤوسهم فتدق رقابهم، وعن محمد بن
قرظة ابن كعب عن أبيه عن رسول الله عَّ الله قال: انتزعت الريح الناس من قبورهم. قوله:
((أعجاز نخل)) قال ابن عباس: أي أصول نخل. قوله: ((منقعر)) أي: منقطع من مكانه ساقط
على الأرض، والأعجاز جمع عجز مثل عضد وأعضاد، والعجز مؤخر الشيء قوله: ((فكيف
كان عذابي)) العذاب اسم للتعذيب مثل الكلام اسم للتكليم. قوله: ((ونذر)) [القمر: ١٨] أي:
إنذاري. وقال الفراء: الإنذار والنذر مصدران. تقول العرب: أنذرت إنذاراً ونذراً، كقولك:
أنفقت إنفاقاً ونفقة.
٣٩٢/ ٤٨٧١ - حدّثنا أَبُو نُعَيْمِ حدَّثنا زُهَيْرٌ عَنْ أبِي إِسْحَاقَ أنَّهُ سَمِعَ رَبجلاً سألَ
الأَسْوَدَ فَهَلْ مِنْ مُذَّكِرٍ أوْ مُذَّكِرٍ فَقَالَ سَمِعْتُ عَبْدُ الله يَقْرَؤُها فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ دَالاً قَالَ
وَسَمِعْتُ النبيَّ عَِّ يَقْرَؤُها: ﴿فَهَلْ مِنْ مُذَّكِرٍ﴾ دَالاً.
هذا طريق آخر في حديث ابن مسعود المذكور أخرجه عن أبي نعيم، بضم النون،
الفضل بن دكين عن زهير بن معاوية عن أبي إسحاق عمرو إلى آخره. قوله: ((هل من مذكر
أو مدكر)) أي: من مذكر بالذال المعجمة أو مدكر بالدال المهملة، وأصل مذكر مذتكر بتاء
الافتعال بعد الذال المعجمة فأبدلت التاء دالاً مهملة فصار مذكر بالذال المعجمة بعدها
الدال المهملة ثم أبدلت المعجمة مهملة ثم أدغمت الدال المهملة في الدال المهملة
الاجتماع الحرفين المتماثلين فافهم. قوله: ((دالاً)) أي: مدكر بالدال المهملة لا بالمعجمة.
٥ - بابٌّ: ﴿فَكَانُوا كَهَشِيمِ المُخْتَظَرِ وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنِ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُذْكِرٍ﴾
[القمر: ٣١]
أي: هذا باب في قوله تعالى: ﴿فكانوا كهشيم المحتظر﴾ هذا في قضية قوم صالح،
وقبله: ﴿إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر﴾. قوله: ((صيحة)) أي:
جبريل عليه الصلاة والسلام، وقد مر تفسير الهشيم المحتظر عن قريب.
٣٩٣/ ٤٨٧٢ - حدَّثنا عَبْدَانُ أُخْبِرَنَا أَبِي عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي إسْحَاقِ عنِ الأَسْوَدِ عَنْ