النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورة الحجرات
النبي ولا تجهروا له بالقول﴾ إلى آخر الآية. وحديث الباب يفسر الآية ويبين سبب نزولها.
تَشْعُرُونَ تَعْلَمُونَ، وَمِنْهُ الشَّاعِرُ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿وأنتم لا تشعرون﴾ [الحجرات: ٢] وفسره بقوله: تعلمون،
وكذا فسره المفسرون. قوله: ((ومنه الشاعر))، أراد به من جهة الاشتقاق، يقال: شعرت
بالشيء أشعر به شعراً. أي: فطنت له، ومنه سمي الشاعر لفطنته فافهم.
٣٦٦ / ٤٨٤٥ - حدَّثنا يَسَرَةُ بنُ صَفْوَانَ بنِ جَمِيلِ اللَّحْمِيُّ حدَّثنا نافِعُ بنُ عُمَرَ عنِ
ابنِ أبِي مُلَيْكَةَ قَالَ كَادَ الخَيْرَانِ يَهْلِكَانِ أَبًا بَكْرٍ وَعُمَرُ رَضِيَ اللهِ عنهما رَفَعا أَصْوَاتَهُمَا عِنْدَ
النبيِّ عَِّ حِينَ قَدِمَ عَلَيْهِ رَكْبُ بَنِي ◌َمِيمٍ فأشارَ أحدُهُمَا بالأَقْرَعِ بنِ حابِسٍ أُخِي بَنِيٍ
مُجاشِعٍ وَأشارَ الآخَرُ بِرَجُلٍ آخَرَ قَالَ نَافِعٌ لَا أَحْفَظُ اسْمَهُ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ مَا أَرَدْتَ إلّ
خِلافِيّ قَالَ مَا أَرَدْتُ خِلافَكَ فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُما فِي ذَلِكَ فَأَنْزَلَ الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا
تَرْفَعُوا أَضْوَاتَكُمْ﴾ الآيَةَ.
قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ فَمَا كَانَ عُمَرُ يُسْمِعُ رَسُولَ اللهِ عَ لَِّ بَعْدَ لهذِهِ الآيَةِ حَتَّى يَسْتَفْهِمَهُ وَلَمْ
يَذْكُرْ ذُلِكَ عَنْ أَبِيهِ يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ الله عنهُ.
مطابقته للترجمة ظاهرة، ويسرة، بفتح الياء آخر الحروف والسين المهملة والراء ابن
صفوان بن جميل، بالجيم ضد القبيح. اللخمي بسكون الخاء المعجمة الدمشقي، ونافع بن
عمر الجمحي بضم الجيم وفتح الميم وبالحاء المهملة، وابن أبي مليكة عبد الله بن عبد
الرحمن بن أبي مليكة بضم الميم واسمه زهير. وكان عبد الله قاضي مكة على عهد ابن
الزبير، رضي الله عنهم.
وقال الكرمانى: هذا الحديث ليس من الثلاثيات لأن عبد الله تابعي وهو من
المراسيل، وقيل: صورته صورة الإرسال لكن ظهر في آخره ابن أبي مليكة حمله عن عبد الله
ابن الزبير، وسيأتي في الباب الذي بعده التصريح بذلك، وقد مضى الحديث في وفد بني
تمیم من وجه آخر.
قوله: ((كاد الخيران يهلكان))، بالنون. قوله: ((أبا بكر))، بالنصب خبر: كان، وعمر،
عطف عليه كذا لأبي ذر وفي رواية بحذف النون: يهلكا بلا ناصب ولا جازم وهي لغة،
والأصل: يهلكان، بالنون، ((والخيران)) بتشديد الياء آخر الحروف المكسورة أي: الفاعلان
للخير الكثير يهلكان، وفي (التوضيح). ويجوز بالمهملة أيضاً. قلت: أراد الخبر بفتح الحاء
المهملة وسكون الباء الموحدة وهو العالم، ويجوز في الخبر الفتح والكسر. قاله ابن الأثير.
قوله: ((حين قدم عليه ركب بني تميم))، كان قدومهم سنة تسع من الهجرة، والركب
أصحاب الإبل في السفر. قوله: ((فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس))، فيه حذف تقديره:
سألوا النبي عَّ لِّ أن يؤمر عليهم أحداً فأشار أحدهما هو عمر، رضي الله تعالى عنه، فإنه أشار
إلى النبي عَّ ◌ُلِ أن يؤمر الأقرع بن حابس، والأقرع لقبه واسمه فراس بن حابس بن عقال،

٢٦٢
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورة الحجرات
بالكسر وتخفيف القاف: ابن محمد بن سفيان بن مجاشع بن عبد الله بن دارم التميمي
الدارمي، وكانت وفاة الأقرع في خلافة عثمان، رضي الله تعالى عنه، قوله: ((برجل آخر))،
وهو القعقاع بن معبد بن زرارة بن عدس بن يزيد بن عبد الله بن دارم التميمي الدارمي، قال
الكلبي: كان يقال له تيار الفرات لجوده. قوله: ((يسمع))، بضم الياء من الإسماع، ولا شك
أن رفع الصوت على النبي عَّلِ فوق صوته حرام بهذه الآية. فإن قلت: ثبت في (الصحيح)
أن عمر استأذن على رسول الله عَ لَّهِ وعنده نساء من قريش يكلمنه عالية أصواتهن. قلت:
يحتمل أن يكون ذلك قبل النهي أو يكون علو الصوت كان بالهيئة الاجتماعية لا بانفراد كل
منهن. قوله: ((عن أبيه يعني أبا بكر رضي الله تعالى عنه))، قال الكرماني: أطلق الأب على
الجد مجازاً، لأن أبا بكر أبو أم عبد الله، وهي أسماء بنت أبي بكر، وقال بعضهم: قال
مغلطاي: يحتمل أنه أراد بذلك أبا بكر عبد الله بن الزبير، أو أبا بكر عبد الله بن أبي مليكة.
فإن له ذكراً في الصحابة عند ابن أبي عمر وأبي نعيم، وهذا بعيد عن الصواب، وقال صاحب
(التلويح) وأغرب بعض الشراح ثم ذكر ما ذكره بعضهم. قلت: لا يشك في بعده عن
الصواب، ولكن يؤاخذ بعضهم بقوله، قال مغلطاي، فذكره هكذا يشعر بالتحقير، وكذلك
صاحب (التلويح) يقول: وأغرب بعض الشراح، مع أنه شيخه ولم يشرح الذي جمعه إلاَّ من
كتاب شيخه هذا ولم يذكر من خارج إلاَّ شيئاً يسيراً.
٣٦٧/ ٤٨٤٦ - حدّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا أزْهَر بنُ سَعْدٍ أخْبَرَنا ابنُ عَوْن قَالَ
أَنْبَأَنِي مُوسَى بِنُ أَنَسٍ عَنْ أَنَسِّ بنِ مَالِكِ رَضِي الله عنهُ أنَّ النبيِّ عَ لَّهِ افْتَقَدَ ثَابِتَ بنَ قَيْسٍ
فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللهِ أَنَا أَعْلَمُ لَّكَ عِلْمَهُ فَأَتَاهُ فَوَجَدَهُ جَالِساً فِي بَيْتِهِ مُنَكَّساً رَأْسَهُ فَقَالَ لَهُ
مَا شَأْتُكَ فَقَالَ شَر كَانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ فَوْقَ صَوْتِ النبيِّ عَ لَّهِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ
النَّارِ فَأَتَى الرَّجُلُ النبيِّ عَِّ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ كَذَا وَكَذا فَقَالَ مُوسَى فَرَجَعَ إلَيْهِ المَرَّةَ الآخِرَةَ
بِبِشَارَةٍ عَظِيمَةٍ فَقَالَ اذْهَبْ إِلَيْهِ فَقُلْ لَهُ إِنَّكَ لَسْتَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَلَكِنَّكَ مِنْ أهْلِ الجنةِ.
مطابقته للترجمة في قوله: ((كان يرفع صوته فوق صوت النبي عَّ)) ومر هذا
الحديث في علامات النبوة بعين هذا الإسناد والمتن، وهذا مكرر صريحاً ليس فيه زيادة إلاَّ
ذكره في الترجمة المذكورة، وابن عون هو عبد الله، وموسى هو ابن أنس بن مالك قاضي
البصرة، يروي عن أبيه.
قوله: ((فقال رجل)) هو سعيد بن معاذ. قوله: أنا أعلم لك علمه القياس أن يقول: أنا
أعلم لك حاله لا علمه، لكن قوله: مصدر مضاف إلى المفعول أي: أعلم لأجلك علماً
يتعلق به. قوله: ((لكنك من أهل الجنة))، صريح في أنه من أهل الجنة ولا منافاة بينه وبين
العشرة المبشرة لأن مفهموم العدد لا اعتبار له. فلا ينفي الزائد أو المقصود من العشرة الذين
قال فيهم رسول الله عَّ له بلفظ: بشرت بالجنة، أو المبشرون بدفعة واحدة، في مجلس
واحد، ولا بد من التأويل إذ بالإجماع أزواج الرسول عَّ لله وفاطمة والحسنان ونحوهم من
أهل الجنة.

٢٦٣
٦٥ - كِتَابُ تَفْسيرِ القُرآنِ/ سورة ق
٢ - بابٌ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾
[الحجرات: ٤]
أي: هذا باب في قوله عز وجل: ﴿إن الذين﴾ الآية. قال المفسرون (إن الذين
ينادونك يعني أعراب تميم نادوا يا محمد أخرج إلينا فإن مدحنا زين وذمنا شين، وقال قتادة:
وعن زيد بن أرقم: جاء ناس من العرب إلى النبي عَّهِ فقال بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى
هذا الرجل فإن يكن نبياً نكن أسعد الناس، وإن يكن ملكاً نعش في جنابه، فجاؤوا إلى حجرة
النبي عَ لّم فجعلوا ينادونه: يا محمد يا محمد، فأنزل الله تعالى: ﴿إِن الذين ينادونك﴾ الآيَةَ.
٣٦٨/ ٤٨٤٧ - حدَّثنا الحَسَنُ بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثنا حَجَّاجْ عنِ ابنِ مجرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي
ابنُ أبِي مُلَيْكَةَ أنَّ عَبْدَ الله بنَ الزُّبَيْرِ أُخْبَرَهُمْ أنَّهُ قَدِمَ رَكْبٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ عَلَى النبيِّ عَليه
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ أمِّرِ القَعْقَاعَ بنَ مَعْبَدٍ وَقَالَ عُمَرُ بَلْ أمِِّ الأَقْرَعَ بنَ حَابِسٍ فَقَالٌ أَبُو بَكْرٍ مَا أَرَدْتَ
إِلَى أَوْ إلاَّ خِلافِي فَقَالَ عُمَرُ مَا أَرَدْتُ خِلافَكَ فَتَمَارَيَا حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَضْوَاتُهُمَا فَنَزَّلَ فِي
ذلِكَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ الله وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] حَتَّى انْقَضَتِ
الآيةُ.
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((قدم ركب من بني تميم)) وقد ذكرنا الآن أن
﴿الذين ينادونك﴾ [الحجرات: ٤] أعراب تميم، والحسن بن محمد ابن الصباح، أبو علي
الزعفراني، وحجاج هو ابن محمد الأعور وابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج
وابن أبي مليكة عبد الله وقد مر عن قريب.
والحديث أيضاً مر الكلام فيه. قوله: ((فتماريا))، أي: تجادلا وتخاصما.
بابُ قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَنَ خَيْراً لَهُمْ﴾ [الحجرات: ٥]
أي: هذا باب في قوله عز وجل: ﴿ولو أنهم صبروا﴾ الآية. وليس في كثير من
النسخ: لفظ باب وهكذا في جميع الروايات الترجمة بلا حديث. والظاهر أنه أخلى موضع
الحديث فإما أنه لم يظفر بشيء على شرطه أو أدركه الموت، والله أعلم. قوله: ((ولو أنهم))،
أي: الذين ينادونك من وراء الحجرات لو صبروا، وقوله: أنهم في محل الرفع على الفاعلية
لأن المعنى ولو ثبت صبرهم والصبر حبس النفس عن أن تنازع إلى هواها. قوله: ((حتى
ميز الله
تخرج))، خطاب للنبي
سُورَةُ ق
أي: هذا في تفسير بعض سورة (ق). وهي مكية كلها، وهي ألف وأربعمائة وأربع
وتسعون حرفاً، وثلاثمائة وسبع وخمسون كلمة، وخمس وأربعون آية. وعن ابن عباس: أنه
اسم من أسماء الله تعالى أقسم الله به، وعن قتادة: اسم من أسماء القرآن، وعن القرطي: افتتاح
اسم الله تعالى: قدير وقادر وقاهر وقريب وقاضي وقابض، وعن الشعبي: فاتحة السورة: وعن

٢٦٤
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ/ سورة ق
عكرمة والضحاك: هو جبل محيط بالأرض من زمردة خضراء متصلة عروقه بالصخرة التي
عليها الأرض كهيئة القبة وعليه كتف السماء وخضرة السماء منه. والعالم داخله ولا يعلم ما
وراءه إلاَّ الله تعالى، وما أصاب الناس من زمرد ما سقط من ذلك الجبل، وهي رواية عن ابن
عباس، وعن مقاتل: هو أول جبل خلق وبعده أبو قيس.
بسم الله الرحمن الرحيم
لم تثبت البسملة إلاَّ لأبي ذر.
رَجْعٌ بعِدٌ رَدٌّ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿أَئذا متنا وكنا تراباً ذلك رجع بعيد﴾ [ق: ٣] وفسر قوله:
((رجع بعيد)) بقوله: ((ردّ)) أي: الرد إلى الحياة بعيد فإنهم ما كانوا يعترفون بالبعث، يقال:
رجعته رجعاً فرجع هو رجوعاً. قال الله تعالى: ﴿فإن رجعك الله﴾ [التوبة: ٨٣].
فُرُوجِ قُوقٍ، وَاحِدُها فَرْجٌ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿وزيناها وما لها من فروج﴾ أي: وزينا السماء وما لها من
فتوق وشقوق، والفروج جمع فرج، وعن ابن زيد: الفروج الشيء المتفرق بعضه من بعض،
وعن الكسائي: معناه ليس فيها تفاوت ولا اختلاف.
مِنْ حَبْلِ الوَرِيدِ وَرِيدَاهُ فِي حَلْقِهِ الحَبْلُ حَبْلُ الْعَاتِقِ
لم يثبت هذا إلاَّ لأبي ذر، وأشار به إلى قوله تعالى: ﴿ونحن أقرب إليه من حبل
الوريد﴾ [ق: ١٦] أي: نحن أقدر عليه من حبل الوريد وهو عرق العنق، وأضاف الشيء إلى
نفسه لاختلاف اللفظين، والتفسير الذي ذكره رواه الفريابي عن ورقاء عن ابن أبي نجيح عن
مجاهد، ورواه الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.
وَقَالَ مُجاهِدٌ: مَا تَنْقُصُ الأرْضُ مِنْهُمْ مِنْ عِظَامِهِمْ
أي: قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿قد علمنا ما تنقص الأرض منهم﴾ أي: من
عظامهم، ذكره ابن المنذر عن علي بن المبارك عن زيد عن ابن ثور عن ابن جريج عن
مجاهد، وادعى ابن التين أنه وقع من أعظامهم، وأن صوابه: من عظامهم، لأن فعلا بفتح الفاء
وسكون العين لا يجمع على أفعال إلاَّ خمسة أحرف: نوادر، وقيل: من أجسامهم.
قَبْصِرَةٌ بَصِيرَةٌ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿تبصرة وذكرى لكل عبد منيب﴾ وفسر: «تبصرة)» بقوله:
((بصيرة)) أي: جعلنا ذلك تبصرة. قوله: ((منيب)) أي مخلص.

٢٦٥
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ/ سورة ق
حَبَّ الحَصِيدِ الحِنْطَةُ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿فأنبتنا به جنات وحب الحصيد﴾ [ق: ٩] وفسره بقوله:
((الحنطة)) والشعير وسائر الحبوب التي تحصد، وهذه الإضافة من باب: مسجد الجامع وحق
اليقين وربيع الأول.
بَاسِقَاتِ الطَّوَالُ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿والنخل باسقات﴾ [ق:١٠] وفسرها بقوله: ((الطوال)) يقال:
بسق الشيء ببسق بسوقاً إذا طال، وقيل: إن بسوقها استقامتها في الطول وروي أنه عَ لّهِ كان
يقرأ باسقات بالصاد.
أفَعَيِينا أفاعيا عَلَيْنا
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد﴾
[ق: ١٥] وسقط هذا لأبي ذر، وفسر: ((أفعيينا)) بقوله: ((أفأعيا علينا)) أي: أفعجزنا عنه وتعذر
علينا، يقال: عيي عن كذا أي عجز عنه. قوله: ((بل هم في لبس))، أي: في لبس الشيطان
عليهم الأمر قوله: ((من خلق جديد))، يعني البعث.
وَقَالَ قَرِينُهُ الشَّيْطَانُ الَّذِي قُيُّضَ لَهُ
أشار به إلى قول تعالى: ﴿وقال قرينه هذا ما لدي عنيد﴾ وفسر القرين بالشيطان الذي
قيض له، أي: قدر، وعن قتادة: الملك الذي وكل به كذا في (تفسير الثعلبي).
فَقَّبُوا: ضَرَبُوا
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿فنقبوا في البلاد هل من محيص﴾ [ق: ٣٦] وفسر قوله:
((نقبوا)) بقوله: ((ضربوا)) وكذا قال مجاهد، وعن الضحاك: طافوا، وعن النضر بن شميل:
دوخوا. وعن الفراء: خرقوا، وعن المؤرخ: تباعدوا، وقرىء بكسر القاف مشدداً على التهديد
والوعيد، أي: طوفوا البلاد وسيروا في الأرض وانظروا هل من محيص من الموت وأمر الله تعالى؟.
أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ لا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِغَيْرِهِ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿أو ألقى السمع وهو شهيد﴾ [ق: ٣٧] وفسره بقوله: ((لا
يحدث نفسه بغيره)) وفي التفسير أو ألقى السمع أي: استمع القرآن وأصغى إليه وهو شهيد
حاضر تقول العرب: ألق إلى سمعك. أي: استمع.
حِينَ أَنْشَأَكُمْ، وَأَنْشَأَ خَلْقَكُمْ
سقط هذا لأبي ذر، وهذا بقية تفسير قوله تعالى: ﴿أفعيينا﴾ وكان حقه أن يكتب
عنده، والظاهر أنه من تخبيط الناسخ.

٢٦٦
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ/ سورة ق
رَقِيبٌ عَتِيدٌ رَصَدٌ
أشار به إلى قوله عز وجل: ﴿ما يلفظ من قول إلاّ لديه رقيب عتيد﴾ [ق: ١٨] وفسره
بقوله: ((رصد)) وهو الذي يرصد، أي: يرقب وينظر، وفي التفسير: رقيب حافظ عتيد حاضر.
سَائِقٌ وَشَهِيدٌ المَلَكَانِ كَاتِبٌ وَشَهِيدٌ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿وجاءت كل نفس معها سائق وشيهد﴾ [ق: ٣٧] وذكر
أنهما الملكان أحدهما الكاتب والآخر شهيد، وعن الحسن: سائق يسوقها وشهيد يشهد
عليها بعملها.
شَهِيدٌ شَاهِدٌ بِالْقَلْبِ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿أو ألقى السمع وهو شهيد﴾ أي: شاهد هذا بالقلب، وكذا
في رواية الكشميهني، بالقلب بالقاف واللام، وفي رواية غيره بالغين المعجمة وسكون الياء
آخر الحروف، وكذا روي عن مجاهد.
لُغُوبِ النصَبُ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿وما مسنا من لغوب﴾ [ق: ٣٨] وفسره بالنصب وهو التعب
والمشقة، ويروى: من نصب والنصب، وقال عبد الزراق عن معمر عن قتادة قالت اليهود: إن
الله خلق الخلق في ستة أيام وفرغ من الخلق يوم الجمعة واستراح يوم السبت، فأكذبهم الله
تعالى بقوله: ﴿وما مسنا من لغوب﴾.
وَقَالَ غَيْرُهُ: نَضِيدٌ الكُفُرَّى مَا دَامَ فِي أكْمَامِهِ، وَمَعْنَاهُ: مَنْضُودٌ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ فَإِذَا
خَرَجَ مِنْ أَكْمَامِهِ فَلَيْسَ بِنَضِيدٍ.
أي: قال غير مجاهد في قوله تعالى: ﴿لها طلع نضيد﴾ [ق: ١٠] وفسر النضيد،
بالكفرى، بضم الكاف وفتح الفاء وتشديد الراء وبالقصر: هو الطلع ما دام في أكمامه وهو
جمع كم بالكسر، وقد مر الكلام فيه عن قريب، وقال مسروق: نخل الجنة نضيد من أصلها
إلى فرعها، وثمرها منضد أمثال القلال والدلاء، كلما قطفت منه ثمرة تنبت مكانها أخرى
وأنهارها تجري في غير أخدود.
فِي أدْبَارِ النُّجُومُ وِأَدْبَارِ السُّجُودِ كَانَ عَاصِمٌ يَفْتَحُ الَّتِي فِي (ق) وَيَكْشُرِ الَّتِي
فِي (الطَّورِ) وَيُكْسَرَانِ جَمِيعاً وَينصبَان.
٠
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿ومن الليل فسبحه وأدبار السجود﴾ [ق:٣] ووافق عاصماً
أبو عمرو والكسائي، وخالفه نافع وابن كثير وحمزة فكسروها، وقال الداودي: من قرأ: وأدبار
النجوم، بالكسر يريد عند ميل النجوم، ومن قرأ: بالفتح يقول بعد ذلك قوله عز وجل:
﴿وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم﴾ قوله:

٢٦٧
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ/ سورة ق
((سبح بحمد ربك)) قيل: حقيقة مطلقاً، وقيل: دبر المكتوبات، وذكره البخاري بعد عن ابن
عباس، وقيل: صل، فقيل: النوافل أدبار المكتوبات وقيل: الفرائض. قوله: ((قبل طلوع
الشمس))، يعني الصبح، ((وقبل الغروب)) يعني: العصر. قوله: ((ومن الليل فسبحه)) يعني:
صلاة العشاء، وقيل: صلاة الليل. قوله: ((وأدبار السجود)) الركعتان بعد المغرب، ((وأدبار
النجوم)) الركعتان، قبل الفجر، والأدبار بالفتح جمع دبر وبالكسر مصدر من أدبر يدبر إدباراً
قوله: ((ويكسران جميعاً)) يعني: التي في ق والتي في الطور. قوله: ((وينصبان)) أراد به يفتحان
جميعاً. ورجح الطبري الفتح فيهما.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَوْمَ الُرُوجِ يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ القُبُورِ
أي: قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج﴾
[ق: ٤٢] أي: يوم يخرج الناس من قبورهم، وهذا وصله ابن أبي حاتم من طريق ابن جريج عن
عطاء عن ابن عباس بلفظه.
١ - بابُ قَوْلِهِ: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدِ﴾ [ق: ٣٠]
أي: هذا باب في قوله تعالى: ﴿يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد﴾
قال الثعلبي: يحتمل قوله ﴿هل من مزيد﴾ جحداً مجازه: ما من مزيد، ويحتمل أن يكون
استفهاماً بمعنى الاستزادة أي: هل من زيادة فأزداده، وإنما صلح للوجهين لأن في الاستفهام
ضرباً من الجحد وطرفاً من النفي.
٤٨٤٨/٣٦٩ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ أَبِي الأسْوَدِ حدَّثنا حَرَمِيُ بنُ عِمَارَةَ حدَّثنا شُعْبَةُ
عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ الله عنهُ عنِ النبيِّ عَِّ قَالَ يُلْقَى فِي النَّارِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ
حَتَّى يَضَعُ قَدَمَهُ فَقُولُ قَطْ قَطْ [الحديث ٤٨٤٨ - أطرافه في ٦٦٦١، ٧٣٨٤].
مطابقته للترجمة ظاهرة. وعبد الله بن أبي الأسود. اسمه حميد بن الأسود أبو بكر ابن
أخت عبد الرحمن بن مهدي الحافظ البصري، وحرمي هو ابن عمارة بن أبي حفصة أبو
روح، وقال الكرماني: حرمي منسوب إلى الحرمٍ بالمهملة والراء المفتوحتين قلت: وهم فيه
لأنه علم وليس بمنسوب إلى الحرم، وما غره إلاّ الياء التي فيه ظناً منه أنها ياء النسبة، وليس
كذلك، بل هو علم موضوع كذلك مثل كرسي ونحوه.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في التوحيد.
قوله: ((يلقى في النار))، أي: يلقى فيها أهلها ((وتقول)) أي النار: ((هل من مزيد)) قوله:
((حتى يضع)) أي: الرب قدمه، ورواية مسلم تفسيره مثل ما ذكرنا. فروى عن سعيد بن أبي
عروبة عن قتادة عن أنس بن مالك عن النبي عَ لِّ قال: لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول: هل
من مزيد، حتى يضع رب العزة فيها قدمه فيزوى بعضها إلى بعض، وتقول: قط قط، بعزتك
وكرمك الحديث، وروى أيضاً من حديث شيبان عن قتادة قال: حدثنا أنس بن مالك أن نبي

٢٦٨
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورة ق
الله عَلٍ قال لا تزال جهنم تقول: هل من مزيد حتى يضع فيها رب العزة قدمه. فتقول: قط
قط وعزتك ويزوى بعضها إلى بعض. قوله: ((فتقول)) أي: النار ((قط قط)) أي: حسبي حسبي،
وفيه ثلاث لغات: إسكان الطاء وكسرها منونة وغير منونة. وقيل: أن قط صوت جهنم، وإنما
تقول: هل من مزيد تغيظاً على العصاة ونتكلم عن قريب في معنى القدم في حديث أبي
هريرة.
٤٨٤٩/٣٧٠ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ مُوسَى القَطَّانُ حدَّثنا أَبُو سُفْيَانَ الْحِمْيَرِيُّ سَعِيدُ بنُ
يَحْنَى بنِ مَهْدِيَ حدَّثنا عَوْفٌ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ وَأَكْثَرُ مَا كَانَ يُوقِفُهُ أَبُو سُفْيَانَ
يُقَالُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ فَيَضَعُ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَدَمَهُ عَلَيْهَا فَتَقُولُ
قَطْ قَطْ [الحديث ٤٨٤٩ - أطرافه في ٤٨٥٠، ٧٤٤٩].
مطابقته للترجمة ظاهرة. وشيخه القطان، بالقاف وتشديد الطاء وبالنون، الواسطي،
وعوف هو عوف الأعرابي، ومحمد هو ابن سیرین.
قوله: ((رفعه)) أي: رفع الحديث إلى النبي عٍَّ، وأبو سفيان المذكور أكثر ما كان
يوقفه أي الحديث، القائل بذاك هو شيخ البخاري محمد بن موسى القطان، وقال بعضهم:
يوقفه من الرباعي وهي لغة، والفصيح: يقفه. قلت: وقفه من الثلاثي المزيد فيه، وقوله: من
الرباعي ليس باصطلاح أهل الفن وإن كان يجوز ذلك باعتبار أنه أربعة أحرف. قوله: ((يقال
لجهنم)) القائل هو الله تعالى كما جاء في الحديث المذكور عن مسلم.
٣٧١/ ٤٨٥٠ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثنا عَبْدُ الرزَّاقِ أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَنْ هَمامِ
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عنهُ قَالَ قَالَ النبيُّ عَلَّمِ تَحَاجَتْ الجَنَّةُ وَالنَّارُ فَقَالَتِ النَّارُ أُوْثِرْثٌ
بِالمتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ وَقَالتِ الجَنَّةُ مَا لِي لا يَدْخُلَنِي إِلَّ ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطْهُمْ قَالَ الله
تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِلْجَنَّةِ أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكَ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي وَقَال لِلنَّارِ أَّمَا أَنْتِ عَذَابٌ
أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أشاءُ مِنْ عِبَادِي وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مِلْؤُها فَأمَّا النَّارُ فَلا تَمْتَلِىءُ حَتَّى يَضَعَ
رِجْلَهُ فَتَقُولُ قَطْ قَطْ قَطْ فَهُنَالِكَ تَمْتَلِىءٌ وَيُنْوَى بَعْضُها إِلَى بَعْضٍ وَلا يَظْلِمُ الله عَزَّ وَجَلَّ مِنْ
خَلْقِهِ أُحَداً وَأَمَّا الجَنَّةُ فَإِنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ يُنْشِىءُ لَهَا خَلْقاً.
مطابقته للترجمة من حيث إنه يتضمن امتلاء جهنم بوضع الرجل كما يتضمن حديث
أنس بوضع القدم، وعبد الله بن محمد المعروف المسندي، وعبد الرزاق بن همام اليماني،
ومعمر بفتحتين ابن راشد، وهمام على وزن فعال بالتشديد ابن منبه الصفاني.
والحديث أخرجه مسلم، وقال: حدثنا محمد بن رافع حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر
عن همام بن منبه. قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن رسول الله عَّ لِ فذكر أحاديث منها. وقال
رسول الله عَّ له: تحاجت الجنة والنار الخ نحوه، غير أن بعد قوله: وسقطهم وغرثهم.
قوله: ((تحاجت))، أي: تخاصمت الجنة والنار، ويحتمل أن يكون بلسان الحال أو
المقال، ولا مانع من أن الله يجعل لهما تمييزاً يدر كان به فيتحاجان، ولا يلزم من هذا التمييز

٢٦٩
٦٥ - كِتَابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ/ سورة ق
دوامه فيهما. قوله: ((أوثرت))، على صيغة المجهول بمعنى: اختصصت. قوله: ((بالمتكبرين
والمتجبرين))، هما سواء من حيث اللغة فالثاني تأكيد للأول معنى، وقيل: المتكبر المتعظم
بما ليس فيه، والمتجبر الممنوع الذي لا ينال إليه، وقيل: هو الذي لا يكترث بأمر. قوله:
((إلاَّ ضعفاء الناس))، وهم الذين لا يلتفت إليهم أكثر الناس لضعف حالهم ومسكنتهم
واندفاعهم من أبواب الناس ومجالسهم. قوله: ((وسقطهم))، بفتحتين أي: المتحقرون بين
الناس الساقطون من أعينهم، هذا بالنسبة إلى ما عند الأكثر من الناس وبالنسبة إلى ما عند الله
هم عظماء رفعاء الدرجات لكنهم بالنسبة إلى ما عند أنفسهم لعظمة الله عندهم وخضوعهم
له في غاية التواضع لله والذلة في عباده فوصفهم بالضعف والسقط بهذا المعنى صحيح، وأما
معنى الحصر فبالنظر إلى الأغلب فإن أكثرهم الفقراء والمساكين والبله وأمثالهم، وأما غيرهم
من أكابر الدارين فهم قليلون وهم أصحاب الدرجات العلى، وأما معنى: وغرثهم، في رواية
مسلم فهم أهل الحاجة والفاقة والجوع، وهو بفتح الغين المعجمة والراء المفتوحة وبالثاء
المثلثة، والغرث في الأصل الجوع، ويروى: عجزهم، بفتح العين والجيم جمع عاجز،
ويروى: غرتهم بكسر الغين المعجمة وتشديد الراء وبالتاء المثناة من فوق وهم البله الغافلون
الذين ليس لهم فكر وحذق في أمور الدنيا. قوله: ((حتى يضع رجله))، لم يبين فيه الواضع
من هو، وقد بينه في رواية مسلم حيث قال: حتى يضع الله رجله، والأحاديث يفسر بعضها
بعضاً. قوله: ((ويزوى))، على صيغة المجهول بالزاي: يضم بعضها إلى بعض فتجتمع وتلتقي
على من فيها. قوله: ((ينشىء لها خلقاً))، أي: يخلق للجنة خلقاً، وفي رواية مسلم من
حديث أنس عن النبي عَّهِ: يبقى من الجنة ما شاء الله تعالى أن يبقى ثم ينشىء الله لها
خلقاً مما يشاء، وفي وراية له: ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشىء الله لها خلقاً فيسكنهم
فضل الجنة، قال النووي: هذا دليل لأهل السنة على أن الثواب ليس متوقفاً على الأعمال،
فإن هؤلاء يخلقون حينئذ ويعطون في الجنة وما يعطون بغير عمل ومثله أمر الأطفال
والمجانين الذين لم يعملوا طاعة قط. وكلهم في الجنة برحمة الله تعالى وفضله، وفيه دليل
أيضاً على عظم سعة الجنة. فقد جاء في (الصحيح) ((أن للواحد فيها مثل الدنيا عشرة أمثالها
ثم يبقى فيها شيء لخلق ينشئهم الله تعالى لها)). وفي (التوضيح) ويروى ((أن الله لما خلقها،
قال لها: امتدي فهي تتسع دائماً أسرع من النبل إذا خرج من القوس)).
ثم اعلم أن هذه الأحاديث من مشاهير أحاديث الصفات، والعلماء فيها على مذهبين
أحدهما: مذهب المفوضة وهو الإيمان بأنها حق على ما أراد الله، ولها معنى يليق به وظاهرها
غير مراد وعليه جمهور السلف وطائفة من المتكلمين، والآخر: مذهب المؤولة وهو مذهب
جمهور المتكلمين، على هذا اختلفوا في تأويل القدم والرجل، فقيل: المراد بالقدم هنا
المتقدم وهو سائغ في اللغة، ومعناه: حتى يضع الله فيها من قدمه لها من أهل العذاب، وقيل:
المراد قدم بعض المخلوقين فيعود الضمير في قدمه إلى ذلك المخلوق المعلوم أو ثم
مخلوق اسمه القدم، وقيل: المراد به الموضع. لأن العرب تطلق اسم القدم على الموضع.

٢٧٠
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرآنِ/ سورة ق
قال تعالى: ﴿لهم قدم صدق﴾ [يونس: ٢] أي: موضع صدق فإذا كان يوم القيامة يلقي في
النار من الأمم والأمكنة التي عصى الله عليها فلا تزال تستزيد حتى يضع الرب موضعاً من
الأمكنة ومن الأمم الكافرة في النار فتمتلىء، وقيل: القدم قد يكون اسماً لما قدم من شيء،
كما تسمى ما خبطت من الورق خبطاً، فعلى هذا من لم يقدم إلاّ كفراً أو معاصي على العناد
والجحود فذاك قدمه وقدمه ذلك هو ما قدمه للعذاب والعقاب الحالين به، والمعاندون من
الكفار هم قدم العذاب في النار، وقيل: المراد بوضع القدم عليها نوع من الزجر عليها
والتسكين لها. كما يقول القائل لشيء يريد محوه وإبطاله، جملته تحت رجلي، ووضعته
تحت قدمي. وقال الكرماني: يحتمل أن يعود الضمير إلى المزيد، ويراد بالقدم الآخر لأنه
آخر الأعضاء أي: حتى يضع الله آخر أهل النار فيها، وأما الرواية التي فيها الرجل فقد زعم
الإمام أبو بكر بن فورك أنها غير ثابتة عند أهل النقل، ورد عليه برواية (الصحيحين) بها. وقال
ابن الجوزي: إن الرواية التي جاءت بلفظ الرجل تحريف من بعض الرواة لظنه أن المراد
بالقدم الجارحة. فرواها جماعة وإضافتهم إليه إضافة اختصاص، واختلف المؤولون فيه، فقيل:
إن الرجل تستعمل في الزجر كما تقول: وضعته تحت رجلي، وهذا قد مر في القدم، وقيل:
المراد بها رجل بعض المخلوقين، وقيل: إنها اسم مخلوق من المخلوقين، وقيل: إن الرجل
تستعمل في طلب الشيء على سبيل الجد كما يقال: قام في هذا الأمر على رجل، ومنهم
من أنكر هذه الأحاديث كلها وكذبها، وهذا طعن في الثقات. وإفراط في رد (الصحاح)
ومنهم من روى بعضها وأنكر أن يتحدث ببعضها وهو مالك، روى حديث النزول وأوله:
وأنكر أن يتحدث بحديث: اهتز العرش لموت سعد بن معاذ، رضي الله تعالى عنه، ومنهم من
تأولها تأويلاً يكاد يفضي فيه إلى القول بالتشبيه.
٢ - بابُ قَوْلِهِ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩]
أي: هذا باب في قوله تعالى: ﴿وسبح بحمد ربك﴾ الآية، ووقع في بعض النسخ:
باب ﴿فسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها﴾ وقال بعضهم: كذا لأبي ذر في
الترجمة: وفي سياق الحديث ولغيره. وسبح، بالواو فيهما وهو الموافق للتلاوة فهو الصواب،
وعندهم أيضاً. وقيل الغروب، وهو الموافق لآيَةَ السورة قلت: لا حاجة إلى هذه التعسفات
والذي في نسختنا هو نص القرآن في السورة المذكورة، وهو الذي عليه العمدة، فلأي
ضرورة يحرف القرآن وينسب إلى أبي ذر أو غيره؟.
٣٧٢ /٤٨٥١ - حدّثنا إسْحاقُ بنُ إبْرَاهِيمَ عنْ جرِيرٍ عنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ قَيْسٍ بنِ أبِي
حَازِمٍ عَنْ جَرِيرٍ بنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ كُنَّا مُجُلُوساً لَيْلَةٌ مَعَ النبيِّ عَ لِ فَنَظَرَ إِلَى القَمَرِ لَيْلَةً أَرْبَعَ
عَشْرَةَ فَقَالَ إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ لهذا لا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ فإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لا
تُغْلَبُوا عَلَى صَلاةٍ قَبْلَ طُلوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها فَافْعَلُوا ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ
طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الغُرُوبِ ﴾.

٢٧١
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ/ سورة الذاريات
مطابقته للترجمة في قوله: ﴿وسبح بحمد ربك﴾ إلى آخره وإسحاق بن إبراهيم
المعروف بابن راهويه، وجرير بن عبد الحميد وإسماعيل بن أبي خالد البجلي الكوفي، وقيس
ابن أبي حازم بالحاء المهملة والزاي، واسمه عوف البجلي قدم المدينة بعدما قبض النبي
..
والحديث قد مر في كتاب الصلاة في: باب فضل صلاة العصر فإنه أخرجه هناك عن
الحميدي، ومضى الكلام فيه هناك.
قوله: ((لا تضامون))، بالضاد المعجمة وتخفيف الميم من الضيم وبتشديدها من الضم،
أي: لا يظلم بعضكم بعضاً بأن يستأثر به دونه أو لا يزاحم بعضكم بعضاً. قوله: ((فإن
استطعتم))، إلى آخره، يدل على أن الرؤية قد ترجى بالمحافظة على هاتين الصلاتين. وقال
الكرماني: أما لفظ: فسبح، فهو بالواو ولا بالفاء والمناسب للسورة، وقبل الغروب لا غروبها،
وقال بعضهم: لا سبيل إلى التصرف في لفظ الحديث، وإنما أورد الحديث هنا لاتحاد دلالة
الآيتين انتهى. قلت: الذي قاله الكرماني هو الصحيح لأن قراءة: فسبح، بالفاء تصرف في
القرآن، والحديث هنا بالواو، وفي النسخ الصحيحة كما في القرآن، وقد رواه ابن المنذر
موافقاً للقرآن ولفظه عن إسماعيل بن أبي خالد بلفظ: ثم قرأ: ﴿وسبح بحمد ربك قبل طلوع
الشمس وقبل الغروب﴾ والظاهر أن نسخة الكرماني كانت بالفاء وقبل غروبها، فلذلك قال ما
ذ کره.
٤٨٥٢/٣٧٣ - حدّثنا آدَمُ حدَّثنا وَرْقَاءُ عنِ ابنِ أبِي نَجِيحِ عَنْ مُجاهِدٍ قَالَ ابنُ
عَبَّاسٍ أَمَرَهُ أنْ يُسَبِّح فِي أدْبَارِ الصَّلَواتِ كُلِّها يَعْنِي قَوْلَهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ.
آدم هو ابن أبي إياس، واسمه عبد الرحمن بن محمد أصله من خراسان سكن
عسقلان، وورقاء، تأنيث الأورق بالواو والراء ابن عمر الخوارزمي بن أبي إياس، واسمه عبد
الله، واسم أبي نجيح يسار. ضد اليمين المكي.
قوله: ((قال ابن عباس))، وفي كثير من النسخ قال قال ابن عباس. قوله: ((أمره))، أي:
أمر الله النبي عَّ ل أن يسبح، والمراد من التسبيح هذا حقيقة التسبيح لا الصلاة ولهذا فسره
بقوله: يعني قوله: وأدبار السجود، يعني: أدبار الصلوات، وتطلق السجدة على الصلاة بطريق
ذكر الجزء وإرادة الكل.
سُورَةَ وَالذَّارِيَاتِ
أي: هذا في تفسير بعض سورة الذاريات، وهي مكية كلها. قاله مقاتل: وغيره، وقال
السخاوي: نزلت بعد سورة الأحقاف وقيل: سورة الغاشية، وهي ألف ومائتان وسبعة وثمانون
حرفاً، وثلاثمائة وستون كلمة، وستون آية.
قوله: ((والذاريات))، قسم على ما نذكره إن شاء الله تعالى.

٢٧٢
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ/ سورة الذاريات
بسم الله الرحمن الرحيم
لم تثبت لغير أبي ذر البسملة ولا قوله: سورة.
قَالَ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ الذَّارِياتُ الرّياحُ
أي: قال علي بن أبي طالب: المراد بالذاريات الرياح، وكذا وقع في رواية الأكثرين،
ووقع في رواية أبي ذر. وقال علي: الذاريات الرياح، رواه أبو محمد الحنظلي عن أبي سعيد
الأشج حدثنا عقبة بن خالد السكوني حدثنا سعيد بن عبيد الطائي عن علي بن ربيعة أن عبد
الله بن الكواء سأل علياً، رضي الله تعالى عنه، ما الذاريات، قال: الريح. قال أبو محمد: روي
عن ابن عباس وابن عمر ومجاهد والحسن وسعيد بن جبير وقتادة والسدي وخصيف مثل
ذلك، وروى ابن عيينة في تفسيره عن ابن أبي حسين سمعت أبا الطفيل قال: سمعت ابن
الكواء سأل علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه، عن ﴿الذاريات ذرواً﴾ [الذاريات: ١]
قال: الرياح، وعن ﴿الحاملات وقرأ﴾ [الذاريات: ٢] قال السحاب: وعن ﴿الجاريات يسرا﴾
[الذاريات: ٣] قال السفن، وعن: ﴿المدبرات أمراً﴾ قال: الملائكة وصححه الحاكم من وجه
آخر عن أبي الطفيل. وأخرجه عبد الرزاق من وجه آخر عن أبي الطفيل، قال: شهدت علياً،
رضي الله تعالى عنه، وهو يخطب وهو يقول: سلوني، فوالله لا تسألوني عن شيء يكون إلى
يوم القيامة إلاّ حدثتكم به، وسلوني عن كتاب الله، فوالله ما من آية إلاّ وأنا أعلم بليل أنزلت
أم بنهار أم في سهل أم في جبل، فقال ابن الكواء، وأنا بينه وبين علي وهو خلفي، فقال:
﴿فالذاريات ذوراً﴾ فذكر مثله، وقال فيه: ويلك سل تفقهاً ولا تسأل تعنتاً.
وَقَالَ غَيْرُهُ تَذْرُوهُ تُفَرَّقُهُ
أي: قال غير علي، رضي الله تعالى عنه، في قوله تعالى: ﴿تذروه الرياح﴾
[الذاريات: ٥] تفرقه وهذا في سورة الكهف، وهو قوله عز وجل: ﴿فأصبح هشيماً تذروه
الرياح﴾ [الكهف: ٤٥] وإنما ذكره هنا لأجل قوله: والذاريات، يقال ذرت الريح التراب تذروه
ذرواً. وقال الجوهري: ذرت الريح التراب، وغيره تذروه وتذريه ذرواً وذرياً أي: نسفته.
﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ تَأْكُلُ وَتَشْرَبُ فِي مَدْخَلٍ وَاحِدٍ يَخْرُجُ مِنْ مَوْضِعَيْنِ
أي: وفي أنفسكم آيات أفلا تبصرون أفلا تنظرون بعين الاعتبار، ولأنه أمر عظيم حيث
تأكل وتشرب من موضع واحد ويخرج من موضعين أي: القبل والدبر.
فَرَاغَ فَرَجَعَ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين﴾ [الذاريات: ٢٦] وفسر:
((فراغ)) بقوله: ((فرجع)) وكذا قال الفراء، وفي التفسير: فراغ فعدل، ومال إبراهيم، عليه الصلاة
والسلام، وعن الفراء لا ينطق بالروغ حتى يكون صاحبه مخيفاً لذهابه أو مجيئه.

٢٧٣
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ/ سورة الذاريات
فَصَكَّتْ فَجَمَعَتْ أَصَابِعَها فَضَرَبَتْ جَبْهَتِهَا
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها﴾ [الذاريات: ٢٩]
الآية، وفسر: ((فصكت)) بقوله: ((فجعمت)) إلى آخره، وهو قول الفراء بلفظه، وفي رواية أبي
ذر، جمعت بغير فاء، حدثنا سعيد بن منصور من طريق الأعمش عن مجاهد في قوله:
فصكت وجهها، قال: فضربت بيدها على جبينها. وقالت: يا ويلتاه. قوله: ((في صرة))، أي:
في صيحة.
وَالرَّمِيمُ نَبَاتُ الأرْضِ إِذَا يَسَ ودِيسَ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم﴾
[الذاريات: ٤٢] وفسر: ((الرميم)) بقوله: ((نبات الأرض إذا يبس)) أي: جف قوله: ((وديس))
بكسر الدال وسكون الياء آخر الحروف وبالسين المهملة، مجهول الفعل الماضي من الدوس
وهو وطء الشيء بالقدم حتى يتفتت، وأصله: دوس نقلت حركة الواو إلى الدال بعد سلب
ضمتها ثم قلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، وتفسيره منقول عن الفراء وعن ابن
عباس: كالرميم كالشيء الهالك، وعن أبي العالية: كالتراب المدقوق، وقيل: أصله من العظم
البالي.
لِمُوسُعُونَ أَيْ لَذُو وِسْعَةٍ وَكَذَلِكَ عَلَى المُوسِعِ قَدَرُهُ يَعْنِي القَوِيِّ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿والسماء بنيناها بأييد، وإنا لموسعون﴾ [الذاريات: ٤٧]
وفسر: ((الموسعون)) بقوله: ((لذو سعة)) لخلقنا وعن ابن عباس: لقادرون، وعنه: لموسعون
الرزق على خلقنا، وعن الحسن: المطيقون. قوله: ((وكذلك)) ﴿وعلى الموسع قدره﴾
[البقرة: ٢٣٦] أي: وكذلك في معنى: لموسعون، قوله: وعلى الموسع قدره، والحاصل أنه
عبارة عن السعة والقدرة.
الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿ومن كل شيء خلقنا زوجين﴾ [الذاريات: ٤٩] والزوجان:
الذكر والأنثى من جميع الحيوانات، وفي التفسير: زوجين صنفين ونوعين مختلفين كالسماء
والأرض والشمس والقمر والليل والنهار والبر والبحر والسهل والوعر والشتاء والصيف والإنس
والجان والكفر والإيمان والشقاوة والسعادة والحق والباطل والذكر والأنثى والدنيا والآخرة.
وَاخْتِلافُ الأَلْوَانِ حُلْوٌ وَحَامِضٌ فَهُمَا زَوْجَانِ
الظاهر أنه أشار بقوله: ((واختلاف الألوان)) إلى قوله تعالى: ﴿وألوانكم﴾ في سورة
الروم، وهو قوله تعالى: ﴿ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن
في ذلك لآيات للعالمين﴾ [الروم: ٢٢] ومن جملة آياته، عز وجل، اختلاف ألوان بني آدم
عمدة القاري/ ج١٩ م١٨

٢٧٤
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ/ سورة الذاريات
وهو الاختلاف في تنويع ألوانهم إذ لو تشاكلت وكانت نوعاً واحداً لوقع التجاهل والالتباس
ولتعطلت مصالح كثيرة وكذلك اختلاف الألوان في كل شيء، وكذا الاختلاف في
المطعومات حتى في طعوم الثمار، فإن بعضها حلو وبعضها حامض، أشار إليه بقوله: ((حلو
وحامض)) قوله: ((فهما زوجان))، أي: الحلو والحامض، وأطلق عليهما زوجان لأن كلاً منهما
يقابل الآخر بالضدية كما في الذكر والأنثى، فإن الذكر يقابل الأنثى بالذكورة وهي ضد
الأنوثة ولم أر أحداً من الشراح خصوصاً المدعي منهم حرر هذا الموضع.
فَفِرُّوا إِلَى الله مِنَ الله إِلَيْهِ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين﴾ [الذاريات: ٥٠]
وفسره بقوله: ((من الله إليه)) يعني: من معصيته إلى طاعته أو من عذابه إلى رحمته، وكذا قاله
الفراء، وفي التفسير أي: فاهربوا من عذاب الله إلى ثوابه بالإيمان ومجانبة العصيان. وعن أبي
بكر الوراق، فروا من طاعة الشيطان إلى طاعة الرحمن.
إلاَّ لِيَعْبُدُونِ مَا خَلَقْتُ أهْلَ السَّعَادَةِ مِنْ أَهْلِ الفَرِيقَيْنِ إِلاَّ لِيُوحَّدُونٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ
خَلَقَهُمْ لِيَفْعَلُوا فَفَعَلَ بَعْضٌ وَتَرَكَ بَعْضٌ وَلَيْسَ فِيهِ حُجّةٌ لِأُهْلِ القَدَرِ.
أشار به إلى قوله عز وجل: ﴿ما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ [الذاريات: ٥٦]
قوله: ((إلا ليعبدون)) كذا ابتداء الكلام عند الأكثرين، وفي رواية أبي ذر من أول الآية. ﴿ما
خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ والمعنى بحسب الظاهر: ما خلقت هذين الفريقين إلاّ
ليوحدوني، ولكن فسره البخاري بقوله: ما خلقت أهل السعادة من أهل الفريقين أي: الجن
والإنس إلاّ ليوحدون، وإنما خصص السعداء من الفريقين لتظهر الملازمة بين العلة والمعلول،
فلو حمل الكلام على ظاهره لوقع التنافي بينهما، وهو غير جائز، وعن هذا قال الضحاك
وسفيان: هذا خاص لأهل عبادته وطاعته، دليله قراءة ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما، وما
خلقت الجن والإنس من المؤمنين، وعن علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه، معناه: إلاّ
لآمرهم بعبادتي وأدعوهم إليها، واعتمد الزجاج على هذا، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وما أمروا إلا
ليعبدوا الله﴾ [البينة: ٥] فإن قلت: كيف كفروا وقد خلقهم للإقرار بربوبيته والتذلل لأمره
ومشيئته؟ قلت: قد تذللوا لقضائه الذي قضى عليهم لأن قضاءه جار عليهم لا يقدرون على
الامتناع منه إذا نزل بهم، وإنما خالفه من كفر في العمل بما أمر به، فأما التذلل لقضائه فإنه غير
ممتنع. قوله: ((وقال بعضهم خلقهم ليفعلوا))، أي: التوحيد ففعل بعض منهم وترك بعض،
هذا قول الفراء. فإن قلت: ما الفرق بين هذين التأويلين؟ قلت: الأول لفظ عام أريد به
الخصوص وهو أن المراد أهل السعادة من الفريقين، والثاني على عمومه بمعنى خلقهم معدين
لذلك. لكن منهم من أطاع ومنهم من عصى، ومعنى الآية في الجملة أن الله تعالى لم
يخلقهم للعبادة خلق جبلة واختيار، وإنما خلقهم لها خلق تكليف واختيار. فمن وفقه وسدده
أقام العبادة التي خلق لها، ومن خذله وطرده حرمها وعمل بما خلق له كقوله عَ له اعملوا

٢٧٥
٦٥ - كِتَابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ/ سورة الذاريات
فكل ميسر لما خلق له، وفي نفس الأمر: هذا سر لا يطلع عليه غير الله تعالى، وقال: ﴿لا
يسأل عما يفعل وهم يسألون﴾ [الأنبياء: ٢٣] قوله: ((وليس فيه حجة لأهل القدر))، أي:
المعتزلة وهم احتجوا بها على أن إرادة الله تعالى لا تتعلق إلاَّ بالخير، وأما الشر فليس مراداً
له، وأجاب أهل السنة بأنه لا يلزم من كون الشيء معللاً بشيء أن يكون ذلك الشيء أي:
العلة مراداً ولا يلزم أن يكون غيره مراداً. قالوا: أفعال الله لا بد أن تكون معللة أجيب: بأنه لا
يلزم من وقوع التعليل وجوبه، ونحن نقول: بجواز التعليل قالوا: أفعال العباد مخلوقة لهم
لإسناد العباد إليهم أجيب بأنه لا حجة لهم فيه لأن الإسناد من جهة الكسب وكون العبد
محلاً لها.
وَالذَّنُوبُ: الدَّلْوُ العَظِيمُ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿فإن للذين ظلموا ذنوباً مثل ذنوب أصحابهم فلا
يستعجلون﴾ [الذاريات: ٥٩] وهذا التفسير الذي فسره من حيث اللغة فإن الذنوب في اللغة:
الدلو العظيم، المملوء ماء وأهل التفسير اختلفوا فعن مجاهد: سبيلاً، وعن النخعي ظرفاً وعن
قتادة وعطاء، عذاباً. وعن الحسن دولة، وعن الكسائي: خطأ وعن الأخفش نصيباً.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ ذَنُوباً سَجْلاً
أي: قال مجاهد في تفسير ذنوباً سجلاً، وهو المراد هنا، وفي بعض النسخ وقع هذا
بعد قوله: صرة صيحة، وهو تخبيط من الناسخ، والسجل، بفتح السين المهملة وسكون
الجيم وباللام. هو الدلو الممتلىء ماء. ثم استعمل في الحظ والنصيب.
صَرَّةٍ صَيْحَةٍ
أشار به إلى قوله عز وجل: ﴿فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز
عقيم﴾ وفسر الصرة بالصيحة وكذا روي عن مجاهد.
العَقِيمُ الَّتِي لا تَلِدُ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿وقالت عجوز عقيم﴾ هي: سارة، وكانت لم تلد قبل ذلك
فولدت وهي بنت تسع وتسعين سنة، وإبراهيم، صلوات الله عليه، يومئذ ابن مائة سنة.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: والحُبُكُ اسْتَوَاؤُها وَحُسْنُها
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿والسماء ذات الحبك﴾ [الذاريات: ٧] وفسر الحبك باستواء
السماء وحسنها، وكذا روى ابن أبي حاتم عن الأشج: حدثنا ابن فضيل أخبرنا عطاء بن
السائب عن سعيد عن ابن عباس وقتادة والربيع: ذات الخلق الحسن المستوي، وكذا قال
عكرمة، وقال: ألم تر إلى النساج نسج الثوب وأجاد نسجه. قيل: ما أحسن حبكه؟ وعن
الحسن: حبكت بالنجوم، وعن سعيد بن جبير: ذات الزينة، وعن مجاهد: هو المتقن البنيان،

٢٧٦
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ/ سورة الطور
وعن الضحاك: ذات الطرائق ولكنها تبعد عن الخلائق فلا يرونها.
فِي غَمْرَةٍ فِي ضَلالَتِهِمْ يَتَمَادَوْنَ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿قتل الخراصون الذين هم في غمرة ساهون﴾
[الذاريات: ١٠، ١١] وفسر الغمرة بالضلالة، وقيل: الغمرة الشبهة والغفلة، وفي بعض النسخ.
في غمرة في ضلالة يتمادون يتطاولون. قوله: ((ساهون))، أي: لاهون.
وَقَالَ غَيْرُهُ: تَوَاصِوْا تَوَاطَؤُوا
أي: قال غير ابن عباس في قوله تعالى: ﴿أتواصوا به بل هم قوم طاغون﴾
[الذاريات: ٥٣] وفسر: ((تواصوا)) بقوله: ((تواطؤوا)) وأخرجه ابن المنذر من طريق أبي عبيدة
بقوله: تواطؤوا عليه. وأخرجه بعضهم عن بعض، قال الثعلبي: أوصى بعضهم بعضاً بالتكذيب
وتواصوا عليه، والألف فيه ألف التوبيخ.
وَقَالَ: مُسَوَّمَةً مُعَلَمَةً مِنَ السَّيمَا
أي: قال غير ابن عباس أيضاً في قوله تعالى: ﴿لنرسل عليهم حجارة من طين مسومة
عند ربك للمسرفين﴾ [الذاريات: ٣٣، ٣٤] وفسر: ((مسومة)) بقوله: ((معلمة من السيما)) وهي
من السومة وهي العلامة.
قُتِلَ الخَرَّاصُونَ: لُعِنُوا
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿قتل الخراصون﴾ [الذاريات: ١٠] أي: لعنوا، ووقع هذا في
بعض النسخ، وعن ابن عباس: الخراصون المرتابون، وعن مجاهد: هم الكهنة. وقد وقع هنا
تقديم وتأخير في بعض التفاسير في النسخ، ولم يذكر في هذه السورة حديثاً مرفوعاً والظاهر
أنه لم يجد شيئاً منه على شرطه.
سُورَةُ والطُّور
أي: هذا في تفسير بعض سورة الطور، بدون الواو، وفي بعض النسخ: ومن سورة
الطور وقال أبو العباس: مكية كلها. وذكر الكلبي أن فيها آية مدنية. وهي قوله: ﴿إِن للذين
ظلموا عذاباً دون ذلك ولكن أكثرهم لا يعلمون﴾ [الطور: ٤٧] زعم أنها نزلت فيمن قتل
ببدر من المشركين، وهي ألف وخمسمائة حرف، وثلاثمائة واثنتا عشرة كلمة وتسع وأربعون
آية. وقال الثعلبي: كل جبل طور ولكن الله عز وجل، يعني بالطور هنا الجبل الذي كلم الله
عليه موسى، عليه السلام، بالأرض المقدسة وهو بمدين واسمه زبير، وقال مقاتل بن حيان:
هما طوران، يقال لأحدهما طورزيتا وللآخر تينا لأنهما ينبتان الزيتون والتين، ولما كذب كفار
مكة أقسم الله بالطور وهو الجبل بلغة النبط الذي كلم الله عليه موسى، عليه السلام، بالأرض
المقدسة. وقال الجوزي: وهو طور سيناء، وقال أبو عبد الله الحموي في كتابه (المشترك)

٢٧٧
٦٥ - كِتَابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ/ سورة الطور
طورزيتا مقصوراً علم لجبل بقرب رأس عين، وطورزيتا أيضاً جبل بالبيت المقدس، وفي
الأثر: مات بطورزيتا سبعون ألف نبي قتلهم الجوع، وهو شرقي وادي سلوان، والطور أيضاً
علم لجبل بعينه مطل على مدينة طبرية بالأردن، والطور أيضاً جبل عند كروة تشتمل على
عدة قرى بأرض مصر بين مصر وجبل فاران، وطور سينا قيل: جبل بقرب أيله، وقيل: هو
بالشام وسيناء حجارية، وقيل: شجر فيه وطور عبدين اسم لبلدة من نصيبين في بطن الجبل
المشرف عليها المتصل بجبل الجودي، وطور هارون، عليه السلام، علم لجبل مشرف في
قبل البيت المقدس فيه فيما قبل قبر هارون، عليه السلام.
بسم الله الرحمن الرحيم
لم تثبت البسملة إلاَّ لأبي ذر وحده.
وَقَالَ قَتَادَةَ مَسْطُورِ مَكْتُوب
أي: قال قتادة في قوله تعالى: ﴿وكتاب مسطور﴾ [الطور: ٢] أي: مكتوب، وسقط
هذا من رواية أبي ذر وثبت للباقين في التوحيد ووصله البخاري في كتاب خلق الأفعال من
طريق سعيد عن قتادة.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ الطُّورُ الجَبَلُ بِالسُّرْيَانِيَّةِ
رواه عنه ابن أبي نجيح، وفي (المحكم) الطور الجبل وقد غلب على طور سينا جبل
بالشام وهو بالسريانية طورى والنسبة إليه طورى وطوراني، وقد ذكرنا فيه غير ذلك عن
قریب.
رَقُّ مَنْشُور: صَحِيفَةٍ
قال مجاهد أيضاً: والرق الجلد، وقيل: هو اللوح المحفوظ، وعن الكلبي: هو ما
كتب الله لموسى، عليه السلام، فيه التوراة وموسى، عليه السلام، يسمع صرير القلم وكان
كلما مر القلم بمكان حرفه إلى الجانب الآخر كان كتاباً له وجهان، وقيل: دواوين الحفظة
التي أثبتت فيها أعمال بني آدم، وقيل: هو ما كتب الله في قلوب أوليائه من الإيمان بيانه
قوله: ﴿كتب في قلوبهم الإيمان﴾ [المجادلة: ٢٢].
وَالسَّقْف المَرْفُوعِ صماءٌ
سقط هذا لأبي ذر، وذكر في بدء الخلق سماها سقفاً لأنها للأرض كالسقف للبيت،
دليله قوله تعالى: ﴿وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً﴾ [الأنبياء: ٣٢].
المَسْجُورِ: المُوقِدِ
وقع في رواية الحموي والنسفي: الموقر، بالراء والأول هو المشهور رواه الطبري من

٢٧٨
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ/ سورة الطور
طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، قال: الموقد يعني بالدال، وروى الطبري أيضاً من طريق
سعيد عن قتادة المسجور المملوء، وعن علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه، في قوله
تعالى: ﴿والبحر المسجور﴾ [الطور: ٦] هو بحر تحت العرش غمره كما بين سبع سموات
إلى سبع أرضين وهو ماء غليظ يقال له: بحر الحيوان يمطر العباد بعد النفخة الأولى أربعين
صباحاً فينبتون في قبورهم.
وَقَالَ الحَسَنُ: تُسْجَرُ حَتَّى يَذْهَبَ مَاؤُها فَلا يَثْقَى فِيهِا قَطْرَةٌ
أي: قال الحسن البصري: تسجر البحار حتى يذهب ماؤها، رواه الطبري من طريق
سعيد عن قتادة في قوله تعالى: ((وإذا البحار سجرت))، [التكوير: ٦].
وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَتَاهُمْ نَقَصْنَاهُمْ
أي: قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وما ألتناهم من عملهم من شيء﴾ [الطور: ٢١] أي:
ما نقصناهم من الألت وهو النقص والبخس، وقال الثعلبي، عن ابن عباس، رضي الله تعالى
عنهما، قال: قال رسول الله عَّ له: إن الله يرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونه في
العمل لتقر بهم عينه ثم قرأ: ﴿والذين آمنوا وأتبعناهم ذرياتهم﴾.
وَقَالَ غَيْرُهُ تُورُ: تَدُورُ
أي: قال غير مجاهد في قوله تعالى: ﴿يوم تمور السماء موراً﴾ [الطور: ٩] أي: تدور
دوراً كدوران الرحى وتكفأ بأهلها تكفؤ السفين ويموج بعضها في بعض، وأصل المور
الاختلاف والاضطراب، وجاء عن مجاهد أيضاً: تدرو دوراً، رواه الطبري من طريق ابن أبي
نجیح عنه.
أحلامُهُمْ: العُقُولُ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿أم تأمرهم أحلامهم بهذا أم هم قوم طاغون﴾ [الطور: ٣٢]
وهکذا فسره ابن زيد بن أسلم. ذكره الطبري عنه.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْبَرُّ اللَّطِيفُ
أي: قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إنه هو البر الرحيم﴾ [الطور: ٢٨] وفسر البر
باللطيف، وسقط هذا هنا في رواية أبي ذر وثبت في التوحيد.
كِشْفاً: قِطْعاً
أشار به إلى قوله عز وجل: ﴿وإن يروا كسفاً من السماء ساقطاً﴾ [الطور: ٤٤] الآية
وفسر الكسف بالقطع، بكسر القاف جمع قطعة، وقال أبو عبيدة، الكسف جمع كسفة مثل
السدر جمع سدرة، وإنما ذكر قوله ساقطاً على اعتبار اللفظ، ومن قرأ بالسكون على التوحيد

٢٧٩
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ/ سورة الطور
فجمعه أكساف وكسوف.
المنُونُ المَوْتُ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿(أم يقولون شاعر تتربص به ريب المنون﴾ [الطور: ٣٠]
وفسر: المنون بالموت، وكذا رواه الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في
قوله: ﴿ريب المنون﴾ قال: الموت.
وَقَالَ غَيْرُهُ: يَتَنَازَعُونَ: يَتَعَاطَوْنَ
أي: قال غير ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يتنازعون فيها كأساً لا لغو فيها ولا تأثيم﴾
[الطور: ٢٣] وفسر: ((يتنازعون)) بقوله: ((يتعاطون)) وكذا فسره أبو عبيدة وزاد فيه: يتداولون.
قوله: ((كأساً)) أي: إناء فيه خمر ((لا لغو فيها)) قال قتادة: هو الباطل وعن مقاتل بن حبان: لا
فضول فيها، وعن ابن زيد: لا سباب ولا تخاصم فيها، وعن عطاء: أي لغو يكون في مجلس
محله جنة عدن والساقي فيه الملائكة وشربهم على ذكر الله وريحانهم تحية من عند الله
مباركة طيبة والقوم أضياف الله تعالى.
٣٧٤ / ٤٨٥٣ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخبرنا مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدٍ بنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ
ابنِ نَوْفَلٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةً أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَتْ شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ عَ له
أَنَّى أَشْتَكِي فَقَالَ طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ فَطُفْتُ وَرَسُولُ اللهِ عَلِ يُصَلِّي إِلَى
جَنْبِ البَيْتِ يَقْرَأُ بِالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ.
مطابقته للسورة، ظاهرة، ومحمد بن عبد الرحمن هو المشهور بيتيم عروة بن الزبير،
وأم سلمة أم المؤمنين اسمها هند. والحديث قد مر في كتاب الحج في: باب المريض
يطوف راكباً، ومضى الكلام فيه هناك. قولها: ((شكوت)) أي: شكوت مرضي.
٤٨٥٤/٣٧٥ - حدّثنا الحُمَيْدِيُّ حدَّثنا سُفْيَانُ قَالَ حَدَّثُونِي عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ مُحَمَّدٍ
ابنِ جُبَيْرِ بنِ مُطْعمٍ عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ الله عنه قَالَ سَمِعْتُ النبيِّ عَ لَّهِ يَقْرَأْ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ
فَلَمَا بَلَغَ هذِهِ الآيَةً: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الخَالِقُونَ أمْ خَلَقُوا السَّمُوَاتِ وَالأرْضَ
بَلْ لا يُوقِنُونَ أُمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٥ -٣٧] كَادَ قَلْبِي أنْ
يطيرَ.
قَالَ سُفْيَانُ فَأْمَّا أَنَا فَإِّمَا سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ مُحَمَّدٍ بنِ جُبَيْرِ بنِ مُطْعمٍ عَنْ أَبِيهِ
سَمِعْتُ النبيَّ عَِّ يَقْرَأُ فِي المَغْرِبِ بِالطُورِ لَمْ أسْمَعْهُ زَادَ الَّذِي قَالُوا لِي.
مطابقته للسورة ظاهرة. والحميدي عبد الله بن الزبير، وسفيان هو ابن عيينة، والزهري
هو محمد بن مسلم، ومحمد بن جبير ابن مطعم القرشي أبو سعيد النوفلي. يروي عن أبيه
جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل القرشي النوفلي.

٢٨٠
٦٥ - كِتابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ / سُورَةُ النجم
قوله: ((حدثونى عن الزهري))، اعترض الإسماعيلي هنا بالذي رواه من طريق عبد
الجبار بن العلاء وابن أبي عمر. كلاهما عن ابن عيينة: سمعت الزهري قال مصرحاً عنه
بالسماع، وهما ثقتان. قيل: هذا لا يرد لأنهما ما أوردا من الحديث إلاَّ القدر الذي ذكر
الحميدي عن سفيان أنه سمعه من الزهري بخلاف الزيادة التي صرح الحميدي عنه بأنه لم
يسمعها من الزهري، وإنما بلغته عنه بواسطة. قوله: ((فلما بلغ هذه الآية))، إلى آخر الزيادة التي
قال سفيان إنه لم يسمعها عن الزهري، وإنما حدثوها عنه أصحابه. قوله: ((أم خلقوا من غير
شيء))، كلمة أم ذكرت في هذه السورة في خمسة عشر موضعاً متوالية متتابعة، ومعنى: ﴿أم
خلقوا من غير شيء﴾ [الطور: ٣٥] من غير تراب. قاله ابن عباس، وقيل: من غير أب وأم
كالجماد لا يعقلون ولا يقوم لله عليهم حجة، أليس خلقوا من نطفة ثم من علقة ثم من
مضغة؟ قاله عطاء. وقال ابن كيسان: معناه أم خلقوا عبئاً وتركوا سدّى لا يؤمرون ولا ينهون
أم هم الخالقون لأنفسهم؟ فإذا بطل الوجهان قامت الحجة عليهم بأن لهم خالقاً. قوله: ((أم
خلقوا السموات والأرض)) [الطور: ٣٦] يعني: إن جاز أن يدعوا خلق أنفسهم فليدعوا خلق
السموات والأرض، وذلك لا يمكنهم، فقامت الحجة عليهم، ثم أضرب عن ذلك بقوله: ((بل
لا يوقنون)) إشارة إلى أن العلة التي عاقتهم عن الإيمان هي عدم اليقين الذي هو موهبة من الله
وفضل ولا يحصل إلا بتوفيقه. قوله: ((أم عندهم خزائن ربك))، [الطور: ٣٧] قال ابن عباس:
المطر والرزق، وعن عكرمة: النبوة، وقيل: علم ما يكون. قوله: ((أم هم المسيطرون))، أي:
أم هم المسلطون الجبارون، قاله أكثر المفسرين، وعن عطاء أم هم أرباب قاهرون، وعن أبي
عبيدة تسيطرت عليّ، أي: اتخذتني خولاً لك. قوله: ((قال: كاد قلبي))، أي: قال جبير بن
مطعم: قارب قلبي الطيران، وقال الخطابي: كان انزعاجه عند سماع الآية لحسن تلقيه معناها
ومعرفته بما تضمنته من بليغ الحجة.
قوله: ((قال سفيان))، هو ابن عيينة. قوله: ((لم أسمعه))، أي: لم أسمع الزهري ((زاد
الذي قالوا لي)) يعني: بالبلاغ، والضمير في: زاد، يرجع إلى الزهري. وقوله: ((الذي قالوا
لي)) في محل النصب مفعوله فافهم.
سُورَةُ وَالنَّجْمِ
أي: هذا تفسير بعض سورة النجم، وهي مكية. قال مقاتل: غير آية نزلت في نبهان
التمار وهي: ﴿والذين يجتنبون كبائر الإثم﴾ [النجم: ٣٢] وفيه رد لقول أبي العباس في
(مقامات التنزيل) وغيره. مكية بلا خلاف. وقال السخاوي: نزلت بعد سورة الإخلاص وقيل
سورة عبس، وهي ألف وأربعمائة حرف، وثلاثمائة وستون كلمة، واثنتان وستون آية. والواو
في: والنجم، للقسم، والنجم: الثريا. قاله ابن عباس والعرب تسمي الثريا نجماً وإن كانت في
العدد نجوماً. وعن مجاهد نجوم السماء كلها حين تغرب لفظه واحد ومعناه جمع، وسمي
الكوكب نجماً لطلوعه، وكل طالع نجم. قوله: ﴿إِذا هوى﴾ أي: إذا غاب وسقط قوله: ﴿ما