النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١ ٦٥ - كِتَابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ/ سورة الزمر الضحى، بضم الضاد المعجمة مقصوراً هو مسلم بن صبيح ومسروق هو ابن الأجدع. والحديث قد مضى في سورة الروم، فإنه أخرجه هناك عن محمد بن كثير عن سفيان عن منصور والأعمش عن أبي الضحى الخ، ولكن بينهما اختلاف في المتن من حيث التقديم والتأخير والزيادة والنقصان، ومر أيضاً بعضه في الاستسقاء أخرجه عن عثمان بن أبي شيبة عن جبير عن منصور أيضاً عن أبي الضحى إلى آخره، وتقدم الكلام في الموضعين مستوفى. قوله: ((فحصت بالمهملتين))، أي: أذهبت وأفنت. قوله: ((حتى جعل الرجل))، يرى بينه وبين السماء دخاناً وجه تعلقه بما قبله ما ذكر في سورة الروم أنه قيل لابن مسعود: أن رجلاً يقول يجيء دخان كذا وكذا، فقال ابن مسعود: من علم شيئاً الخ. سُورَةُ: ﴿الزُّمَرِ﴾ أي: هذا في تفسير بعض سورة الزمر. قال ابن عباس هي مكية إلاّ آيتان مدنيتان. ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا﴾ [الزمر: ٥٣] أنزلت في وحشي حرب ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾ [الزمر: ٦٧] وقال السخاوي: نزلت بعد سورة سبأ وقبل سورة المؤمن، وهي أربعة آلاف وسبعمائة وثمانية أحرف، وألف ومائة واثنان وسبعون كلمة، وخمس وسبعون آية. بسم الله الرحمن الرحيم لم تثبت البسملة إلاَّ لأبي ذر. وَقَالَ مُجاهِدٌ: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ﴾. يُجَر عَلَى وَجْهِهِ فِي النَّارِ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. أي: قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة﴾ [الزمر: ٢٤] الآية. قوله: ((من يتقي))، يقال: اتقاه بدرقته استقبله بها فوقى بها نفسه واتقاه بيده، وتقديره: أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب كمن أمن العذاب؟ فحذف الخبر، وسوء العذاب شدته، وعن مجاهد: يجر على وجهه في النار، وأشار البخاري إلى هذا بقوله: يجر على وجهه في النار، وأشار بقوله: وهو قوله: ﴿أفمن يلقى في النار﴾ إلى آخره إلى أن قوله أفمن يتقي بوجهه يجر على وجهه في النار، مثل قوله: ((أفمن يلقى في النار)) إلى آخره ووجه التشبيه بيان حاله في أن ثمَّ محذوفاً تقديره: أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب كمن أمن العذاب كما ذكرناه الآن، ولفظ: يجر، بالجيم عند الأكثرين، وفي رواية الأصيلي وحده بالخاء المعجمة. غَیْرَ ذِي عِوَجِ لَبْسٍ أشار به إلى قوله تعالى: ﴿قرآناً عربياً غير ذي وج لعلهم يتقون﴾ [الزمر: ٢٨] وفسر العوج باللبس وهو الالتباس، وهذا التفسير باللازم لأن الذي فيه لبس يستلزم العوج في المعنى، وأخرج ابن مردويه من وجهين ضعيفين عن ابن عباس في قوله: ((غير ذي عوج)»، ٢٠٢ ٦٥ - كِتَابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ/ سورة الزمر قال: ليس بمخلوق. وَرَجُلاً سِلْماً لِرَجُلٍ صَالِحاً مَثَلّ لإِلْهِهِمِ الباطِلِ وَالإِلْهِ الحَقِّ أشار به إلى قوله تعالى: ﴿ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون ورجلاً سالماً لرجل هل يستويان مثلاً﴾ [الزمر: ٢٩] قوله: ((ورجلاً) عطف على رجلاً الأول، وهو منصوب بنزع الخافض، أي: ضرب الله مثلاً لرجل أوفى رجل قوله: ((سلما)) بكسر السين وهو قراءة العامة، وهو الذي لا تنازع فيه، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب: سالماً وهو الخالص ضد الشرك. قوله: ((صالحاً))، وفي رواية الكشميهني: خالصاً وسقطت هذه اللفظة للنسفي. قوله: ((مثل)) خبر مبتدأ محذوف. أي: ((هذا مثل لإلههم الباطل والإله الحق))، والمعنى: هل تستوي صفاتهما وتمييزهما، وقال الثعلبي: هذا مثل ضربه الله للكافر الذي يعبد آلهة شتى والمؤمن الذي لا يعبد إلاَّ الله عز وجل. قوله: ((متشاكسون))، مختلفون متنازعون متشاحون سيئة أخلاقهم. ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر: ٣٢] بِالْأوْثَانِ أشار به إلى قوله تعالى: ﴿أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه﴾ أي يخوفك المشركون بمضرة الأوثان. قالوا: إنك تعيب آلهتنا وتذكرها بسوء لتكفن عن ذكرها أو تصيبك بسوء. قوله: ((الأوثان))، ويروى أي: بالأوثان، وهذا أولى. خَوَّلْنَا: أَعْطَيْنَا أشار به إلى قوله تعالى: ﴿ثم إذا خولناه نعمة منا﴾ [الزمر: ٤٩] وفسره بقوله: أعطينا. وقال أبو عبيدة: كل مال أعطيته فقد خولته. ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾ [الزمر: ٣٣] القُرْآنِ وَصَدَقَ بِهِ المُؤْمِنُ يَجِيءُ يَوْمَ القِيَامَةِ يَقُولُ هذا الَّذِي أعْطَيْتَتِي عَمِلْتُ بِمَا فِيهِ أشار به إلى قوله عز وجل: ﴿والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون﴾ وفسر قوله: ((والذي جاء بالصدق)) بقوله: القرآن وقال السدي: الذي جاء بالصدق جبريل، عليه السلام، جاء بالقرآن، وصدق به يعني محمداً عَّلَّهِ، تلقاه بالقول. وقال ابن عباس: والذي جاء بالصدق. يعني رسول الله عَ لَّم حاملاً لا إله إلاَّ الله وصدق به هو أيضاً رسول الله عَ لِّ بلغه إلى الخلق وعن علي بن أبي طالب وأبي العالية والكلبي، والذي جاء بالصدق رسول الله عَّهِ وصدق به أبو بكر، رضي الله تعالى عنه، وعن قتادة ومقاتل: والذي جاء بالصدق رسول الله عَّهِ، وصدق به المؤمنون، وعن عطاء، والذي جاء بالصدق الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، وصدق به الأتباع، فعلى هذا يكون الذي بمعنى الذين كما في قوله تعالى: ﴿وخضتم كالذي خاضوا﴾ [التوبة: ٦٩] قوله: ((يقول هذا الذي)) إلى آخره، في رواية ٢٠٣ ٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ/ سورة الزمر النسفي لا غير. تَشَاكِسُونَ الرَّجُلُ الشَّكِسُ العَسِرُ لاَ يَرْضَی بالإنصافِ أشار به إلى قوله تعالى: ﴿رجلاً فيه شركاء متشاكسون﴾[الزمر: ٢٩]، أي: مختلفون، فقد ذكرناه الآن. قوله: ((الشكس))، أشار به إلى أنه من مادة متشاكسون غير أن المذكور في القرآن من باب التفاعل للمشاركة بين القوم. والشكس مفرد صفة مشبهة. قال في (الباهر): رجل شكس، بالفتح والتسكين: صعب الخلق، وقوم شكس بالضم مثال رجل صدق وقوم صدق، وقيل: الشكس بالكسر والإسكان، والشكس بالفتح وكسر الكاف: السيء يقال: شكس شكساً وشكاسة، وفسر البخاري الشكس بقوله: ((العسر لا يرضى بالإنصاف)) والعسر مثل الحذر صفة مشبهة، ويروى: العسير على وزن فعيل، وفي بعض النسخ: وقال غيره: الشكس. قال صاحب (التلويح): يعني غير مجاهد فكأنه - والله أعلم - يريد بالغير عبد الرحمن بن زيد بن أسلم فإن الطبري رواه عن يونس عن ابن وهب عنه. ورَجُلاً سَلماً ويُقالُ سالِماً صالِحاً ليس هذا بمذكور في غالب من النسخ لأنه كالمكرر لأنه ذكر عن قريب، ولكن يمكن أن يقال: إنه أشار به إلى أن سين، سلماً، جاء فيها الفتح والكسر فيكون أحدهما إشارة إلى الكسر والآخر إلى الفتح، وقال الزجاج: سلما وسلماً مصدران وصف بهما على معنى، ورجلاً ذا سلم. اشْمَأْزَّتْ نَفَرَتْ أشار به إلى قوله تعالى: ﴿وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة﴾ [الزمر: ٤٥] الآية، وفسره بقوله: نفرت وكذا رواه الطبراني عن محمد: حدثنا أحمد أسباط عن السدي وعن مجاهد، قال: انقبضت، وعن قتادة أي: كفرت قلوبهم واستكبرت. بِّفازَتِهِمْ مِنَ الفَوْزِ أشار به إلى قوله تعالى: ﴿وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم﴾ [الزمر: ٦١]، أي: فوزهم وهو مصدر ميمي قرأ أهل الكوفة إلاَّ حفصاً بالألف على الجمع، والباقون بغير الألف على الواحد. حافّين مُطِيفِینَ بِحِفَافَيْهِ بِجَوَانِهِ أشار به إلى قوله تعالى: ﴿وترى الملائكة حافين من حول العرش﴾ [الزمر: ٧٥] وفسر: ((حافين))، بقوله: ((مطيفين)) من الإطافة وهو الدوران حول الشيء. قوله: ((بحفافية))، بكسر الحاء المهملة وبالفاء المخففة وبعد الألف فاء أخرى تثنية حفاف وهو الجانب، وفي رواية المستملي: بجانبيه، وفي رواية كريمة والأصيلي بجوانبه أشار إليه بقوله: ((بجوانبه)) وأشار إلى ٢٠٤ ٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ/ سورة الزمر أن معنى متشابهاً وهو أيضاً مثل التفسير لما قبله، وفي رواية النسفي: بحافته. مُتَشَابِهاً لَيْسَ مِنَ الاشْتِبَاهِ ولَكِنْ يُفْسِهُ بَعْضُهُ بَعْضاً في التَّصْدِيقِ أشار به إلى قوله تعالى: ﴿الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً﴾ [الزمر: ٢٣] وأشار إلى أن معنى: متشابهاً ليس من الاشتباه الذي بمعنى الالتباس والاختلاط، ولكن معناه أنه يشبه بعضه بعضاً في التصديق لأن القرآن يفسر بعضه بعضاً، وقيل: في تصديق الرسول عَ ليه، في رسالته بسبب إعجازه، وكذا رواه ابن جرير عن ابن حميد عن جرير عن يعقوب عن جعفر عن سعيد بن جبير. ١ - بابُ قَوْلُهُ: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أُسْرَفُوا على أنْفُسِهِمْ لاَ تَقْتَطُوا مِنْ رَحْمَةِ الله إِنَّ الله يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣] أي: هذا باب في قوله تعالى: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا﴾ الآية ... اختلفوا في سبب نزول هذه الآية، فعن ابن عباس: نزلت في أهل مكة، قالوا: يزعم محمد أنه من قتل النفس التي حرمها الله وعبد الأوثان لم يغفر له، فكيف نهاجر ونسلم وقد عبدنا مع الله إلهاً آخر وقتلنا النفس التي حرمها الله؟ فأنزل الله هذه الآية، وعنه أنها نزلت في وحشي قاتل حمزة، وعن قتادة: ناس أصابوا ذنوباً عظيمة في الجاهلية، فلما جاء الإسلام أشفقوا أن لا يتاب عليهم فدعاهم الله تعالى بهذه الآية إلى الإسلام. وعن ابن عمر: نزلت في عياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد ونفر من المسلمين كانوا قد أسلموا ثم فتنوا وعذبوا فافتتنوا فكنا نقول: لا يقبل الله منهم صرفاً ولا عدلاً أبداً، قوم أسلموا ثم تركوا دينهم لعذاب عذبوا به، فنزلت. ٤٨١٠/٣٣٢ - حدّثني إبْراهِيمُ بنُ مُوسى أخبرنا هِشامُ بنُ يُوسُفَ أنَّ ابنَ جُرَيْج أُخْبَرَهُمْ قال يَعْلَى أنَّ سَعِيدَ بنَ مُجُبَيْرٍ أخبرَهُ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أنَّ ناساً مِنْ أهْلِ الشِّرْكِ كانُوا قَدْ قَتَلوا وَأَكْثَرُوا وَزَنَوْا وَأَكْثَرُوا فَأَتَوْا مُحَمَّدَاً عَ لِّ فقالُوا إِنَّ الَّذِي تَقُولُ وَتَدْعُوَ إِلَيْهِ لَحَسَنٌ لَوْ تُخْبِرُنا أنَّ لِمَا عَمِلْنَا كَفَّارَةً فَنَزَلَ: ﴿وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ الله إلهاً آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ التي حَوَّمَ الله إلاَّ بالحَقِّ ولا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨]. وَنَزَلَ: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ الله إنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذنُوبَ جَمِيعاً﴾.[الحديث ٤٨١٠ - أطرافه في: ٦٥١٩، ٧٣٨٢، ٧٤١٣]. مطابقته للترجمة ظاهرة. وابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج. والحديث أخرجه مسلم في الإيمان عن إبراهيم بن دينار وغيره، وأخرجه أبو داود في الفتن عن أحمد بن إبراهيم. وأخرجه النسائي في المحاربة وفي التفسير عن الحسن بن محمد الزعفراني. قوله: ((قال يعلى))، أي قال: قال يعلى، سقط خطأ وثبت لفظاً، ويعلى هو ابن مسلم ٢٠٥ ٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ/ سورة الزمر ابن هرمز روى عنه ابن جريج في: (الصحيحين): قال صاحب (التوضيح): يعلى هذا هو ابن حكيم كما ذكره أبو داود مصرحاً به في إسناده، وقال الكرماني: اعلم أن يعلى بن مسلم ويعلى بن حكيم كليهما يرويان عن سعيد بن جبير، وابن جريج يروي عنهما، ولا قدح في الإسناد بهذا الالتباس لأن كلاً منهم على شرط البخاري. قلت: أما صاحب (التوضيح): فإنه نسب إلى أبي داود أنه صرح بأنه يعلى بن حكيم وليس كما ذكره فإنه لم يصرح به في إسناده بل ذكره البخاري من غير نسبة، وأما الكرماني فإنه سلك طريق السلامة ولم يجزم بأحد يعليين، ولا خلاف أنه يعلى بن مسلم ههنا، ويؤيده أن الحافظ المزي ذكر في (الأطراف): على رأس هذا الحديث أنه يعلى بن مسلم، كما وقع به مصرحاً عند مسلم. قوله: ((إن ناساً من أهل الشرك)) أخرج الطبراني من وجه آخر عن ابن عباس أن السائل عن ذلك هو وحشي بن حرب. قوله: ((أن لما))، أي: الذي ((عملناه كفارة)) نصب على إنه إسم: إن تقدم عليه الخبر. ٢ - بابُ قَوْلِهِ: ﴿وما قَدَرُوا الله حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] أي: هذا باب في بيان قوله عز وجل: وليس في بعض النسخ لفظ: باب. قوله: ﴿وما قدروا الله﴾ أي: ما عظموه حق عظمته حين أشركوا به. ٤٨١١/٣٣٣ - حدّثنا آدَمُ حدّثنا شَيْبانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبِيدَةً عَنْ عَبْدِ الله رضي الله عنه قال جاءَ حَبْرٌ مِنَ الأخبارِ إلَى رسُولِ اللهِ عَ لَِّ فقال يا مُحَمَّدُ إنَّا نَجِدُ أنَّ الله يَجْعَلُ السَّمُوات عَلَى إِصْبَعِ والأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعِ والشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعِ والماءَ والثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ وسائِرَ الخَلَائِقِ عَلَى إِضَّبَعٍ فَيَقُولُ أنا المَلِكُ فَضَحِكَ النَّبِيُّ عَ لَ حَتَّى بَدَتْ نَواجِذُهُ تَصْدِيقاً لِقَوْلِ الْحَبْرِ ثُمَّ قَرَأْ رَسولُ الله عَلَّهِ: ﴿وما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]. [الحديث ٤٨١١ - أطرافه في: ٧٥١٣،٧٤٥١،٧٤١٥،٧٤١٤]. مطابقته للترجمة ظاهرة. وآدم هو ابن أبي إياس عبد الرحمن، وشيبان هو ابن عبد الرحمن، ومنصور هو ابن المعتمر، وإبراهيم هو النخعي، وعبيدة بفتح العين وكسر الباء الموحدة: السلماني، وعبد الله هو ابن مسعود. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في التوحيد عن عثمان وعن مسدد. وأخرجه مسلم في التوبة عن أحمد بن يونس. وأخرجه الترمذي في التفسير عن بندار. وأخرجه النسائي عن إسحاق بن إبراهيم به وعن غيره. قوله: ((خبر)) بفتح الحاء وكسرها، و: العالم، بالفتح وما يكتب به بالكسر. قوله: ((على إصبع)) المراد منه القدرة، وقال ابن فورك: المراد به هنا إصبع بعض مخلوقاته، وهو غير ممتنع، وقال محمد بن شجاع الثلجي: يحتمل أن يكون خلق خلقه الله تعالى يوافق اسمه إسم الإصبع، وما ورد في بعض الروايات من أصابع الرحمن يؤول بالقدرة أو الملك، وقال الخطابي: الأصل في الإصبع ونحوها أن لا يطلق على الله إلاَّ أن يكون بكتاب أو خبر ٢٠٦ ٦٥ - كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ/ سورة الزمر مقطوع بصحته، فإن لم يكونا فالتوقف عن الإطلاق واجب، وذكر الأصابع لم يوجد في الكتاب ولا في السنة القطعية، وليس معنى اليد في الصفات بمعنى الجارحة حتى يتوهم من ثبوتها ثبوت الإصبع، وقد روى هذا الحديث كثير من أصحاب عبد الله من طريق عبيدة فلم يذكروا فيه تصديقاً لقول الحبر، وقد ثبت أنه عَلَّم قال: ((ما حدثكم به أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم))، والدليل على أنه لم ينطق فيه بحرف تصديقاً له وتكذيباً، وإنما ظهر منه الضحك المخيل المرضاة مرة، وللتعجب والإنكار أخرى، وقول من قال: إنما ظهر منه الضحك تصديقاً للحبر ظن منه، والاستدلال في مثل هذا الأمر الجليل غير جائز، ولو صح الخبر لا بد من التأويل بنوع من المجاز، وقد يقول الإنسان في الأمر الشاق - إذا أضيف إلى الرجل القوي المستقل المستظهر - إنه يعمله بإصبع أو بخنصر ونحوه، يريد الاستظهار في القدرة عليه والاستهانة به، فعلم أن ذلك من تحريف اليهودي، فإن ضحكه عَّ إنما كان على معنى التعجب والتكبر له، وقال التميمي تكلف الخطابي فيه، وأتى في معناه ما لم يأت به السلف، والصحابة كانوا أعلم بما رووه، وقالوا: إنه ضحك تصديقاً له، وثبت في السنة الصحيحة: ((ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن))، وقال الكرماني: الأمة في مثلها طائفتان مفوضة ومؤولة واقفون على قوله: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ [آل عمران: ٧] وقال النووي، رحمه الله: وظاهر السياق يدل على أنه ضحك تصديقاً بدليل قراءته الآية التي تدل على صحة ما قال الحبر. قوله: ((نواجذه))، بالنون والجيم والذال المعجمة، وقال الأصمعي: هي الأضراس كلها لا أقصى الأسنان، والأحسن ما قاله ابن الأثير: النواجذ من الإنسان الضواحك، وهي التي تبدو عند الضحك، والأكثر الأشهر أنها أقصى الأسنان، والمراد الأول لأنه عَّةِ، ما كان يبلغ به الضحك حتى يبدو آخر أضراسه، كيف وقد جاء في صفة ضحكه: ((رجل ضحكه التبسم))، وإن أريد بها الأواخر فالوجه فيه أن يراد مبالغة مثله في الضحك من غير أن يراد ظهور نواجذه في الضحك، وهو أقيس القولين لاشتهار النواجذ بأواخر الأسنان. ٣ - بابُ قَوْلِهِ: ﴿وَالأرْضُ جَمِيعاً قَبِضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ والسَّمُواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] أي: هذا باب في قوله عز وجل: ﴿والأرض جميعاً﴾ الآية ... ولم يذكر لفظ: باب، في بعض النسخ، ولما أخبر الله تعالى عن عظمته قبل هذه الآية ذكر أن من جملة عظمته أن الأرض جميعاً قبضته أي: ملكه يوم القيامة بلا منازع ولا مدافع، قال الأخفش: هذا كما يقال: خراسان في قبضة فلان، ليس يريد أنها في كفه، إنما معناه أنها ملكه، ولما وقع الأرض مفرداً حسن تأكيده بقوله: جميعاً، أشار إلى أن المراد جميع الأراضي. قوله: ((مطويات)) للطي معان: ((الإدراج)): كطي القرطاس والثوب، بيانه في قوله تعالى: ﴿يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، ((والإخفاء))، يقال: طويت فلاناً عن أعين الناس، واطوِ هذا الحديث عني أي: استره، ((والإعراض))، يقال: طويت عن فلان أعرضت عنه، ((والإفناء)): ٢٠٧ ٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ/ سورة الزمر يقول العرب: طويت فلاناً بسيفي أي أفنيته، وإنما ذكر اليمين للمبالغة في الاقتدار، وقيل: هو بمعنى القوة، وقيل: اليمين القسم لأنه حلف أنه يطويها وينفيها، ثم نزه الله عز وجل فقال سبحانه الآية. ٣٣٤/ ٤٨١٢ - حدّثنا سَعِيدُ بنُ عُفَيْرٍ قال حدّثني اللَّيْثُ قال حدثني عَبْدُ الرَّحْمنِ ابنُ خالِدِ بنِ مُسافِرٍ عنِ ابنِ شِهابٍ عَنْ أبي سَلَمَةَ أَنَّ أبا هُرَيْرَةَ قال سَمِعْتُ رسولَ الله عَ لَّهِ يَقُولُ يَقْبِضُ اللهِ الأَرْضَ وَيَطْوِي السَّمُواتِ بِيَمِينِهِ ثُمَّ يَقُولُ أنا المَلِكُ أَيْنَ مُلوكُ الأرْضِ. [الحديث ٤٨١٢ - أطرافه في: ٧٤١٣،٧٣٨٢،٦٥١٩]. مطابقته للترجمة ظاهرة، وسعيد بن عفير، بضم العين المهملة وفتح الفاء وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره راء: وهو إسم جده، وسعيد بن كثير بن عفير بن مسلم أبو عثمان المصري وهو من رجال مسلم أيضاً، والحديث أخرجه البخاري أيضاً في التوحيد عن يونس ابن يزيد. قوله: ((بيمينه)) يريد به: القوة. ٤ - بابُ قَوْلِهِ تعالى: ﴿ونُفِخَ فِي الصُّوَرِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمُواتِ ومِنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شاءَ الله ثمَّ نُفِخَ فِيهِ أَخْرَى فَإِذَا هُمْ قِياٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] أي: هذا باب في قوله تعالى: ﴿ونفخ في الصور﴾، الآية. قوله: ((في الصور))، هو قرن ينفخ فيه، هكذا رواه ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي عَّهِ. قوله: ((فصعق))، أي: مات من في السموات ومن في الأرض. قوله: ((إلا من شاء الله))، اختلفوا فيه، فقيل: هم الشهداء متقلدين أسيافهم حول العرش، وقيل: هم جبريل وميكائيل وإسرافيل، رواه أنس عن النبي عَّهِ، وعن كعب الأحبار: إثنا عشر: حملة العرش ثمانية وجبرائيل وميكائيل وإسرافيلٍ وملك الموت، وعن الضحاك: هم رضوان والحور العين ومالك والزبانية، وعن الحسن: ﴿إِلاّ من شاء الله﴾ يعني: الله وحده، وقيل: عقارب النار وحياتها. قوله: ((ثم نفخ فيه أخرى)) أي: ثم نفخ في الصور نفخة أخرى. قوله: ((فإذا هم قيام))، أي: من قبورهم ((ينظرون)) إلى البعث، وقيل: ينظرون أمر الله تعالى فيهم. ٤٨١٣/٣٣٥ - حدّثني الْحَسَنُ حدّثنا إِسْمَاعِيلُ بنُ خَلِيلٍ أخبرنا عَبْدُ الرَّحِيمِ عَنْ زَكَرِيَّاءَ بنِ أبي زَائِدَةَ عَنْ عَامِرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنهُ عَنِ النبيِّ عَِّ قال إنِّي أَوَّلُ مَنْ يَرْفَعُ رَأْسَهُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الآخِرَةِ فإذَا أنا بِمُوسَى مُتَعَلِّقٌ بِالعَرْشِ فَلاَ أذرِي أَكَذَلِكَ كانَ أُمْ بَعْدَ النَّفْخَةِ. [انظر الحديث ٢٤١١ وأطرافه]. مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: بعد النفخة الآخرة. والحسن، كذا وقع غير منسوب في جميع الروايات، وذكر في كتاب (رجال الصحيحين): كان سهل بن السري الحافظ يقول: إن الحسن بن شجاع أبو علي الحافظ البلخي، فإن كان هو فإنه مات يوم الاثنين النصف من شوال سنة أربع وأربعين ومائتين، وهو ابن تسع وأربعين. قلت: فعلى هذا هو أصغر ٢٠٨ ٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ/ سورة الزمر من البخاري ومات قبله، وكان سهل بن السري أيضاً يقول: إنه الحسن بن محمد الزعفراني عندي. قلت: الحسن بن محمد بن الصباح أبو علي الزعفراني، روى عنه البخاري في غير موضع، مات يوم الإثنين لثمان بقين من رمضان سنة ستين ومائتين، ووقع في كتاب البرقاني أن البخاري قال، هذا في حديث: حدثنا الحسين، بضم أوله مصغراً، ونقل عن الحاكم أنه الحسين بن محمد القباني، وإسماعيل بن خليل أبو عبد الله الخزاز الكوفي وهو من مشايخ البخاري ومسلم أيضاً وقال البخاري جاءنا نعيه سنة خمسة وعشرين ومائتين، وعبد الرحيم هو ابن سليمان أبو علي الرازي سكن الكوفة، وزكرياء بن أبي زائدة بن ميمون الهمداني الأعمى الكوفي أبو يحيى، واسم أبي زائدة خالد، ويقال: هبيرة، مات سنة تسع وأربعين ومائة، وعامر هو ابن شراحيل الشعبي. والحديث قد مضى مطولاً في أول: باب الأشخاص، ومضى أيضاً في أحاديث الأنبياء عليهم السلام، في: باب وفاة موسى. قوله: ((بعد النفخة الآخرة))، وهي نفخة الإحياء، والنفخة الأولى نفخة الإماتة. قوله: ((فلا أدري أكذلك كان))، أي: أنه لم يمت عند النفخة الأولى، واكتفى بصعقة الطور أم أحيي بعد النفخة الثانية قبلي، وتعلق بالعرش؟ هكذا فسره الكرماني، والتحقيق في هذا الموضع أن يقال: إن حديث أبي هريرة الذي مضى في الإشخاص: أن الناس يصعقون يوم القيامة فيصعق معهم النبي عَّةٍ، فيكون النبي أول من يفيق، فإذا أفاق يرى موسى عليه السلام، متعلقاً بالعرش ولا يدري أنه كان فيمن صعق فأفاق قبله عَّلِّ أو كان ممن استثنى الله عز وجل، وهذا الذي ذكرناه مضمون ذلك الحديث الذي أخرجه في الإشخاص وفي أحاديث الأنبياء عليهم السلام. ٤٨١٤/٣٣٦ - حدّثنا عُمَرُ بنُ حَفْص حدّثنا أبي قال حدّثنا الأعْمَشُ قال سَمِعْتُ أبا صالِحِ قال سَمِعْتُ أبا هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ عَّهِ قال ما بَينَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ قالوا يا أبا هُرَيْرَةَ أَرْ بَعُوْنَ يَوْماً قال أُبَيْتُ قال أَرْبَعُونَ سَنَةً قال أبَيْتُ قال أرْبَعُونَ شَهْراً قال أَبَيْتُ وَسَيُبْلَى كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الإنْسَانِ إلاّ عَجْبَ ذَنَبِهِ فِيهِ يُرَكَّبُ الخَلْقُ. [الحديث ٤٨١٤ - طرفه في: ٤٩٣٥]. مطابقته للترجمة من حيث اشتماله على النفخ. وشيخ البخاري يروي عن أبيه حفص ابن غياث بن طلق النخعي الكوفي قاضيها، وهو يروي عن سلميان الأعمش عن أبي صالح ذكوان السمان. قوله: ((ما بين النفختين)) وهما النفخة الأولى والنفخة الثانية. قوله: ((قالوا))، أي: أصحاب أبي هريرة. قوله: ((أبيت)) من الإباء وهو الامتناع أي: امتنعت من تعيين ذلك بالأيام والسنين والشهور، لأنه لم يكن عنده علم بذلك، وقال بعضهم: وزعم بعض الشراح أنه وقع عند مسلم: أربعين سنة، ولا وجود لذلك. انتهى. قلت: إن كان مراده من بعض الشراح صاحب (التوضيح): فهو لم يقل كذلك، وإنما قال: وقد جاءت مفسرة في رواية غيره في غير ٢٠٩ ٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ/ سورة الزمر مسلم: أربعون سنة، وأشار به إلى ما رواه ابن مردويه من طريق سعيد بن الصلت عن الأعمش في هذا الإسناد: أربعون سنة، وهو شاذ، ومن وجه ضعيف عن ابن عباس، قال: ما بين النفخة والنفخة أربعون سنة. قوله: ((وسيبلى)) أي: سيخلق، من: بلى الثوب يبلي بلّى بكسر الباء، فإن فتحتها مددتها. وأبليت الثوب. قوله: ((إلاَّ عجب ذنبه))، بفتح العين المهملة وسكون الجيم، وهو أصل الذنب وهو عظم لطيف في أصل الصلب، وهو رأس العصعص، وروى ابن أبي الدنيا في كتاب (البعث) من حديث أبي سعيد الخدري، قيل: يا رسول الله! ما العجب؟ قال: مثل حبة خردل. انتهى. ويقال له: عجم، بالميم كلاذب ولازم، وهو أول مخلوق من الآدمي، وهو الذي يبقى ليركب عليه الخلق، وفائدة إبقاءها هذا العظم دون غيره ما قاله ابن عقيل: لله - عز وجل - في هذا سر لا نعلمه لأن من يظهر الوجود من العدم لا يحتاج إلى أن يكون لفعله شيء يبنى عليه ولا خميرة، فإن علل هذا يتجوز أن يكون الباري - جلت عظمته - جعل ذلك علامة للملائكة، على أن يحيى كل إنسان بجواهره بأعيانها ولا يحصل العلم للملائكة بذلك إلاَّ بإبقاء عظم كل شخص ليعلم أنه إنما أراد بذلك إعادة الأرواح إلى تلك الأعيان التي هي جزءاً منها، كما أنه لما مات عزيراً عليه الصلاة والسلام، وحماره، وأبقى عظام الحمار فكساها ليعلم أن ذلك المنشى ذلك الحمار لا غيره، ولولا إبقاء شيء لجوزت الملائكة أن تكون الإعادة للأرواح إلى أمثال الأجساد لا إلى أعيانها. فإن قلت: في (الصحيح) يبلى كل شيء من الإنسان، وهنا يبلى إلاَّ عجب الذنب؟ قلت: هذا ليس بأول عام خص. ولا بأول مجمل فصل، كما نقول: إن هذين الحديثين خص منهما الأنبياء عليهم السلام، لأن الله تعالى حرم على الأرض أن تأكل أجسادهم وألحق ابن عبد البر الشهداء بهم، والقرطبي المؤذن المحتسب. فإن قلت: ما الحكمة في تخصيص العجب بعدم البلى دون غيره؟ قلت: لأن أصل الخلق منه ومنه يركب، وهو قاعدة بدء الإنسان وأسه الذي يبنى عليه، فهو أصلب من الجميع كقاعدة الجدار، وقال بعضهم: زعم بعض الشراح أن المراد بأنه لا يبلى أي: يطول بقاؤه لا أنه لا يبلى أصلاً، وهذا مردود لأنه خلاف الظاهر بغير دليل. انتهى. قلت: بعض الشراح هذا هو شارح (المصابيح) الذي يسمى شرحه مظهراً، وليس هو شارح البخاري، وليس هو بمنفرد بهذا القول، وبه قال المزني أيضاً، فإنه قال: إلاَّ، هنا بمعنى الواو، أي: وعجب الذنب أيضاً يبلى، وجاء عن الفراء والأخفش: مجيء إلاَّ بمعنى الواو، لكن هذا خلاف الظاهر، وكيف لا وقد جاء عن أبي هريرة من طريق همام عنه: أن للإنسان عظماً لا تأكله الأرض أبداً، فيه يركب يوم القيامة؟ قالوا: أي عظم هو؟ قال: عجب الذنب، رواه مسلم. قوله: ((فيه يركب الخلق))، لا يعارضه حديث سليمان: إن أول ما خلق من آدم رأسه، لأن هذا في حق آدم وذاك في حق بنيه، وقيل: المراد بقول سليمان: نفخ الروح في آدم لا خلق جسده. عمدة القاري/ ج١٩ م١٤ : ٢١٠ ٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ/ سورَةُ غافر سورَةُ المُؤْمِنِ أي: هذا في تفسير بعض سورة المؤمن، وفي بعض النسخ المؤمن، بغير لفظ: سورة، وفي بعضها: سورة المؤمن حم. بسم الله الرحمن الرحيم لم تثبت البسملة إلاَّ لأبي ذر، وهي مكية بلا خلاف، وقال السخاوي: نزلت بعد الزمر وقبل حم السجدة وبعد السجدة الشورى ثم الزخرف ثم الدخان ثم الجاثية ثم الأحقاف، وهي أربعة آلاف وتسعمائة وستون حرفاً، وألف ومائة وتسع وتسعون كلمة، وخمس وثمانون آیة. قال مُجاهِدٌ: حم مَجازُها مَجازٌ أَوَائِلِ السُّوَرِ قوله: ((حم)) في محل الابتداء: ((ومجازها))، مبتدأ ثان. وقوله: ((مجاز أوائل السور))، خبره، والجملة خبر المبتدأ الأول، ومجازها بالجيم والزاي أي: طريقها أي حكمها حكم سائر الحروف المقطعة التي في أوائل السور للتنبيه على أن هذا القرآن من جنس هذه الحروف، وقيل: لقرع العصا عليهم. وعن عكرمة، قال: قال رسول الله عَّ: حم اسم من أسماء الله تعالى، وهي مفتاح خزائن ربك، جل جلاله، وعن ابن عباس: هو اسم الله الأعظم، وعنه: قسم أقسم الله به، وعن قتادة: اسم من أسماء القرآن، وعن الشعبي: شعار السورة، وعن عطاء الخراساني: الحاء افتتاح أسماء الله تعالى: حليم وحميد وحي وحنان وحكيم وحفيظ وحبيب، والميم افتتاح اسمه: مالك ومجيد ومنان. وعن الضحاك والكسائي: معناه قضى ما هو كائن، كأنهما أرادا الإشارة إلى: حم، بضم الحاء وتشديد الميم. ويُقالُ: بَلْ هُوَ إِسْمٌ، لِقَوْلِ شُرَيْحٍ بنِ أبي أوْفَى العَبْسِيِّ: فَهَلاَّ تَلاَ حامِيمَ قَبْلَ التَّقَدُّمِ يُذَگِّئُني حامِیمَ والرُّمْخُ شاچِرٌ القائلون بأن لفظ: حم اسم هم الذين ذكرناهم الآن، واستدل على ذلك بقول الشاعر المذكور حيث وقع لفظ: حم، في الموضعين منصوباً على المفعولية، وكذا قرأ عيسى بن عمر: أعني بفتح الميم، وقيل: يجوز أن يكون لالتقاء الساكنين. قلت: القاعدة أن الساكن إذا حرك حرك بالكسر، ويجوز الفتح والكسر في الحاء وهما قراءتان. قوله: ((ويقال)) في رواية أبي ذر: قال البخاري: ويقال قوله: ((شريح بن أبي أوفى)) هكذا وقع ابن أبي أوفى في رواية القابسي، وليس كذلك بل هو شريح بن أوفى العبسي، وكان مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه، يوم الجمل، وكان شعار أصحاب علي رضي الله عنه، يومئذٍ حم، فلما نهد شريح لمحمد بن طلحة بن عبيد الله الملقب بالسجاد وطعنه، قال: حم، فقال شريح: يذكرني حاميم، الفاعل فيه محمد السجاد، وقيل، لما طعنه شريح قال: ﴿أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله﴾ [غافر: ٢٨] فهو معنى قوله: ((يذكرني حاميم)). قوله: ((والرمح شاجر)) جملة اسمية ٢١١ ٦٥ - كِتَابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ/ سورَةُ غافر وقعت حالاً من: شجر الأمر يشجر شجوراً إذا اختلط، واشتجر القوم وتشاجروا إذا تنازعوا واختلفوا والمعنى هنا: والرمح مشتبك مختلط. قوله: ((فهلا)) حرف تحضيض مختص بالجمل الفعلية الخبرية، والمعنى: هلا كان هذا قبل تشاجر الرماح عند قيام الحرب، قوله: ((قبل التقدم))، أي: إلى الحرب، وأول هذا البيت على ما ذكره الحسن بن المظفر النيسابوري في: (مأدبة الأدباء): قليل الأذى فيما ترى العين مسلم وأشعث قوّام بآيات ربه فخر صريعاً لليدين وللفم هتكت بصدر الرمح جيب قميصه علياً ومن لا يتبع الحق يظلم على غير شيء غير أن ليس تابعاً يذكرني حمــ وذكر عمر بن شبة بإسناده عن محمد بن إسحاق: أن مالكاً الأشتر النخعي قتل محمد ابن طلحة، وقال في ذلك شعراً وهو: وأشعث قوام بآيات ربه ... الأبيات وذكر أبو محنف لوط في كتابه (حرب الجمل): الذي قتل محمداً مدلج بن كعب، رجل من بني سعد بن بكر، وفي كتاب الزبير بن أبي بكر: كان محمد أمرته عائشة رضي الله عنها، بأن يكف يده فكان كلما حمل عليه رجل قال: نشدتك بحاميم، حتى شد عليه رجل من بني أسد بن خزيمة يقال له: حديد فنشده بحاميم فلم ينته وقتله، وقيل: قتله كعب ابن مدلج من بني منقذ بن طريف، ويقال: قتله عصام بن مقشعر النصري، وعليه كثرة الحديث وقال المرزباني: هو الثبت وهو يخدش في إسناد البخاري لأن هذين الإمامين إليهما يرجع في هذا الباب. قلت: الزمخشري العلامة ذكر هذا البيت في أول سورة البقرة ونسبه إلى شريح بن أوفى المذكور، وفي (الحماسة) البحترية قال عدي بن حاتم: ثأرت بحالي ثم لم أتأثم من مبلغ أفناء مذحج أنني بصفين مخضوب الكعوب من الدم تركت أبا بكر ينوء بصدره فأجررته رمحي فخر على الفم يذكرني ثأري غداة لقيته فهلا تلا ياسين قبل التقدم يذكرني ياسين حين طعنته الطَّوْلُ التَّفَضُّلُ أشار به إلى قوله تعالى: ﴿شديد العقاب ذي الطول﴾ [غافر: ٣] وفسره بالتفضل، وكذا فسره أبو عبيدة، وزاد: تقول العرب للرجل إنه لذو طول على قومه أي: ذو فضل عليهم، وروى ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. في قوله: ((ذي الطول)) قال: ذي السعة والغنى، ومن طريق عكرمة: ذي المنن، ومن طريق قتادة، قال: ذي النعمان. ٢١٢ ٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ/ سورَةُ غافر داخِرِينَ خَاضِعِينَ أشار به إلى قوله: ﴿سيدخلون جهنم داخرين﴾ [غافر: ٦٠] وفسره بقوله: ((خاضعین))، وكذا فسره أبو عبيدة، وعن السدي: صاغرين. وقال مُجاهِدٌ: إِلَى النَّجاةِ إلى الإيمان أي قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿ويا قوم مالي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار﴾ [غافر: ٤١] وفسر قوله: إلى النجاة، بقوله: إلى الإيمان. لَيْسَ لَّهُ دَغْوَةٌ يَغْنِي لِلْوَثَنِ أشار به إلى قوله تعالى: ﴿لا جرم إنما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة﴾ [غافر: ٤٣] وقال: ليس للوثن دعوة، هذا من تتمة كلام الرجل الذي آمن بموسى عليه السلام، وهو الذي أخبر الله تعالى عنه بقوله: ﴿وقال الذي آمن يا قوم اتبعوني أهدكم سبيل الرشاد﴾ [غافر: ٣٨] وكان من آل فرعون يكتم إيمانه منه ومن قومه، وعن السدي ومقاتل: كان ابن عم فرعون، وعن ابن عباس، أن اسمه حزقيل، وعن وهب بن منبه: خزيبال، وعن إسحاق: خزبيل، وقيل: حبيب. يُسْجَرُونَ: تُوقَدُ بِهِمُ النَّارُ أشار به إلى قوله عز وجل: ﴿إِذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون في الحميم ثم في النار يسجرون﴾ [غافر: ٧٢] وفسره بقوله: ((توقد بهم النار)). وعن مجاهد: يصيرون وقوداً في النار. تْرَحُونَ: تَبْطَرُونَ أشار به إلى قوله تعالى: ﴿ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون﴾ [غافر: ٧٥] وفسره بقوله: تبطرون، من البطر بالباء الموحدة والطاء المهملة. وكانَ العلاَءُ بنُ زِيادٍ يُذَكِّرُ النَّارَ فقال رجلٌ لِمَ تُقَبِّطُ النَّاسَ قال وأنا أَقْدِرُ أنْ أُقَتِّطُ النَّاسَ والله عَزَّ وجلَّ يَقُوَّلُ: ﴿يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْتَطُوا مِنْ رَحْمَةِ الله﴾ [الزمر: ٥٣] ويَقُولُ: ﴿وَأَنَّ المُسْرِفِينَ هُمْ أَضْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر: ٤٣] ولكنَّكُمْ تُحِبُّونَ أَنْ تُبَشِّرُوا بالجَنَّةِ عَلَى مَساوِيءٍ أعْمالِكُم وإنَّما بَعَثَ الله مُحَمَّداً عَ لِّ مُبَشِّراً بالجَنَّةِ لَمِنْ أَطاعَهُ ومُنْذِراً بالنَّارِ مَنْ عَصاهُ. العلاء بن زياد، بكسر الزاي وتخفيف الياء آخر الحروف العدوي البصري التابعي الزاهد، قليل الحديث وليس له في البخاري ذكر إلاَّ في هذا الموضع، مات قديماً سنة أربع وتسعين. قوله: ((يذكر النار))، قال بعضهم: هو بتشديد الكاف. قلت: ليس بصحيح بل هو ٢١٣ ٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ/ سورة فصلت بالتخفيف على ما لا يخفى. قوله: ((لم تقنط الناس))؟ من التقنيط لا من قنط يقنط قنوطاً، وهو أشد اليأس من الشيء، وأصل: لم لما فحذفت الألف وهي استفهام. قوله: ((أن تبشروا))، على صيغة المجهول من التبشير. قوله: ((ومنذراً)، ويروى: ينذر. قوله: ((من عصاه))، ويروى: لمن عصاه. ٤٨١٥/٣٣٧ - حدّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حدثنا الوَلِيدُ بنُ مُسْلِمٍ حدثنا الأوْزَاعِيُّ قال حدثني يَحْيِى بنُ أبي كَثِيرٍ قال حدثني مُحَمَّدُ بنُ إبْرَاهِيمَ النَّيْمِيُّ قال حدثني عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ قال قُلْتُ لِعَبْدِ الله بنِ عَمْروِ بنِ العاصِ أُخْبَرَنِيٍ بِأَشَدِّ ما صَنَعَ المُشْرِكُونَ بِرَسولِ اللهِ عَ لَّه قال بَيْنا رسولُ الله عَلَّه يُصَلِّي بِفِناءِ الكَعْبَةِ إِذْ أَقْبَلَ عُقْبَةُ ابنُ أبِي مُعَيْطٍ فأخَذَ بِمَنْكِبٍ رسُولِ اللهِ عَّ ◌ُلّهِ وَلَوَى ثَوْبَهُ في عُنُقِهِ فَخَتَقَهُ خَتْقاً شديداً فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ بِمِنْكِبِهِ وَدَفَعَ عَنْ رسولِ اللهِ عَّله وقال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ الله وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [غافر: ٢٨]. [انظر الحديث ٣٦٧٨ وطرفه]. الوليد بن مسلم الدمشقي يروي عن عبد الرحمن الأوزاعي. والحديث مضى في آخر مناقب أبي بكر رضي الله عنه، فإنه أخرجه هناك عن محمد بن يزيد الكوفي عن الوليد عن الأوزاعي إلى آخره، ومضى الكلام فيه هناك. سورَةُ حم السَّجْدَةِ أي: هذا في تفسير بعض سورة حم السجدة، وهي مكية بلا خلاف نزلت بعد المؤمن وقبل الشورى، وهي ثلاثة آلاف وثلثمائة وخمسون حرفاً، وسبعمائة وست وسبعون كلمة، وأربع وخمسون آية. بسم الله الرحمن الرحيم لم تثبت البسملة إلاَّ لأبي ذر. بابٌ: وقال طاؤُوسٌ عن ابنِ عبَّاسِ ﴿اقْتِيا طَوْعاً أو كَرَها﴾ [فصلت: ١١] ليس في كثير من النسخ لفظ: باب، أي: قال طاووس عن عبد الله بن عباس في قوله تعالى: ﴿ائتيا طوعاً أو كرها﴾ وفسر: ائتيا. بقوله: ((اعطيا))، هو صيغة أمر للتثنية من الإعطاء، وفسر: أتينا من الإتيان بقوله: ((أعطينا))، وهو الفعل الماضي للمتكلم مع الغير وروى هذا التعليق أبو محمد الحنظلي عن علي بن المدرك كتابة، قال: أخبرنا زيد بن المبارك أخبرنا ابن ثور عن ابن جريج عن سليمان الأحول عن طاووس عن ابن عباس: وقال ابن التين: ليس ((أتينا)) بمعنى (أعطينا) في كلامهم إلاَّ أن يكون ابن عباس قرأ بالمد، لأن أتى مقصوراً معناه: جاء، وممدوداً رباعياً معناه: أعطى، ونقل عن سعيد بن جبير أنه قرأها آتيا، بالمد على معنى أعطيا الطاعة، وأن ابن عباس قرأ: آتينا بالمد أيضاً على المعنى المذكور، وقال عياض: ليس، أتى: ههنا بمعنى: أعطى، وإنما هو من الإتيان وهو المجيء، وبهذا فسره المفسرون قلت: في ٢١٤ ٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ/ سورة فصلت (تفسير الثعلبي) (طوعاً وكرهاً) أي: جيئا بما خلقت فيكما من المنافع وأخرجاها وأظهرا لخلقي، وعن ابن عباس، قال الله عز وجل للسموات: أطلعي شمسك وقمرك ونجومك، وقال للأرض شققي أنهارك وأخرجي ثمارك، وقال السهيل في: (أماليه): قيل: إن البخاري وقع له في: أتى، من القرآن وهم: فإن كان هذا وإلاّ فهي قراءة بلغته ووجهه أعطيا الطاعة كما يقال فلان يعطى الطاعة وقال وقد قرى ثم سئلوا الفتنة لآتوها بالمد والقصر والفتنة ضد الطاعة، وإذا جاز في إحداهما جاز في الأخرى. انتهى، وجوز بعض المفسرين أن: آتيا، بالمد بمعنى الموافقة، وبه جزم صاحب (الكشاف)، فعلى هذا يكون المحذوف مفعولاً واحداً، والتقدير: ليوافق كل منكما الأخرى. قالتا: فوافقنا، وعلى الأول يكون المحذوف مفعولين، والتقدير: أعطيا من أمركما الطاعة من أنفسكما، قالتا: أعطيناه الطاعة، وإنما جمع: طائعين، بالياء والنون، وإن كان هذا الجمع مختصاً بمن يعقل، لأن معناه آتينا بمن فيهما، أو لأنه لما أخبر عنه بفعل من يعقل جاء فيهن بالياء والنون، كما في قوله: ﴿رأيتهم لي ساجدين﴾ [يوسف: ٤]. وأجاز الكسائي أن يجمع بالياء والنون والواو والنون، وفيه بعد. وقال المِنْهالُ عَنْ سَعِيدٍ قال قال رجلٌ لابْنِ عَبَّاسٍ إِنِّي أَجِدُ في القُرْآنِ أشْياءَ تَخْتَلِفُ عَلَيَّ، قال: ﴿فَلاَ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] و﴿أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض يَتَساءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧ و٥٠ والطور: ٢٥]. ﴿ولا يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً﴾ [النساء: ٤٢] ﴿والله رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] فَقَدْ كَتَمُوا في هذِهِ الآية، وقال: ﴿أم السَّماءُ بَناها﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿دَحاها﴾ [النازعات: ٢٧ و٣٠] فَذَكَرَ خَلْقَ السَّماءِ قَبْلَ ◌َخَلْقِ الأَرْضِ، ثُمَّ قال: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ إلى ﴿طائعين﴾ [فصلت: ٩ و١١] فَذَكَرَ في هذِهِ خَلْقَ الأرْضِ قَبْلَ السَّماءِ، وقال تعالى: ﴿وكانَ الله غَفُوراً رَحِيماً﴾. عَزِيزاً حَكِيماً. سَميعاً بَصِيراً. فَكَأنَّهُ كانَ ثُمَّ مَضَى، فقال: فَلاَ أَنْسابَ بَيْنَهُمْ في النَّفْخَةِ الأولى ﴿ثُمَّ يُنْفَخُ في الصُّور فصَعِقَ مَنْ في السَّمْوَاتِ ومَنْ في الأرْضِ إِلاَّ مَنْ شاءَ اللّه فَلاَ أَنْسَابَ بَيْتَهُمْ عِنْدَ ذُلِكَ وَلاَ يَتَسَاءَلُونَ﴾ ثُمَّ في النَّفْخَةِ الآخِرَةِ. ﴿أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. ﴿ولا يَكْتُمُونَ الله حدِيثاً﴾ فإنَّ الله يَغْفِرُ لأَهْلِ الإِخْلاَصِ ذُنُوبَهُمْ، وقالِ المُشْرِكُونَ: تَعالَوْا نِقُولُ: لَمْ نَكُنْ مُشرِ كينَ، فَخُتِمَ عَلَى أَفْواهَهِمْ فَتَنْطِقُ أَيْدِيهِمْ فَعِنْدَ ذُلِكَ عُرِفَ أَنَّ الله لا يُكْتَمُ حَدِيثاً. وعِنْدَهُ: ﴿يَوَذُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ٤٢]. وخَلَقَ الأرْضَ فيَ يَوْمَينِ ثُمَّ خَلَقَ السَّماءَ ثُمَّ اسْتَوَى إلى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ في يَوْمَيْنِ آخَرَيْنٍ ثُمَّ دَحا الأرْضَ ودَخْوُها أنْ أَخْرَجَ مِنْهَا المَاءَ والمرْعَى وَخَلَقَ الجِبالَ والجمالَ والآكامَ وما بَيْنَهُما في يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ فذلِكَ قَوْلُهُ: ﴿دحاها﴾ وقَوْلُهُ: ﴿خَلَقَ الأرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ٩] فَجُعِلَتِ الأرْضُ وما فِيها مِنْ شَيْءٍ في أزْبَعَةِ أَيَّامِ وخُلِقَتِ السَّمْوَاتُ في يَوْمَيْنِ وِكَانَ الله غَفُوراً سَمَّى نَفْسَهُ بِذَلِكَ وَذَلِكَ قَوْلُهُ: أَيْ لَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ فإِنَّ اللّه لَمْ يُرِدْ شَيْئاً إلاَّ أصابَ بِهِ الَّذِي أَرَادَ، فَلاَ يَخْتَلِفْ عَلَيْكَ القُرْآنُ، فإِنَّ كُلاَّ مِنْ عِنْدَ الله. ٠ ٢١٥ ٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ/ سورة فصلت لما ذكر الله تعالى في هذه السورة الكريمة خلق السموات والأرض ذكر ما علقه من المنهال أولاً، ثم أسنده عقيبه، وهو بكسر الميم وسكون النون: ابن عمر والأسدي مولاهم الكوفي، صدوق من طبقة الأعمش وثقه ابن معين والنسائي والعجلي وآخرون، وتركه شعبة لأمر لا يوجب فيه قدحاً، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث، وآخر تقدم في قصة إبراهيم عليه السلام. قوله: ((عن سعيد))، هو ابن جبير، وصرح به الأصيلي والنسفي في روايتهما. قوله: ((قال: قال رجل))، الظاهر أنه نافع بن الأزرق الذي صار بعد ذلك رأس الأزارقة من الخوارج، وكان يجالس ابن عباس بمكة ويسأله ويعارضه، وحاصل سؤاله في أربعة مواضع على ما نذكره. قوله: ((يختلف علي))، أي: يشكل ويضطرب علي، إذ بين ظواهرها تنافٍ وتدافع، أو تفيد شيئاً لا يصح عقلاً: الأول: من الأسئلة قال: ﴿فلا أنساب بينهم﴾ إلى قوله: ﴿ولا يتساءلون﴾ فإن بين قوله: ولا يتساءلون، وبين قوله: يتساءلون، تدافعاً ظاهراً. الثاني: قوله: ﴿ولا يكتمون الله حديثاً﴾ فإن بينه وبين قوله: ﴿ما كنا مشركين﴾ تدافعاً ظاهراً لأنه علم من الأول أنهم لا يكتمون الله حديثاً، ومن الثاني: أنهم يكتمون كونهم مشركين. الثالث: قوله: ﴿أم السماء بناها﴾ إلى قوله: قيل خلق السماء فإن في الآيتين المذكورتين تدافعاً لأن في إحداهما خلق السماء قبل الأرض، وفي الأخرى بالعكس، ووقع في رواية أبي ذر: ﴿والسماء وما بناها﴾ [الشمس: ٥] وهو في سورة الشمس، وقوله: ﴿والأرض بعد ذلك السماء بناها﴾ [النازعات: ٢٧] الذي في دحاها﴾ [النازعات: ٣٠] يدل على أن المراد سورة والنازعات، الرابع: ((وكان الله غفوراً رحيماً)) إلى قوله: ثم مضى، فإن قوله: ((وكان الله غفوراً رحيماً وسميعاً بصيراً) يدل على أنه كان موصوفاً بهذه الصفات في الزمان الماضي ثم تغير عن ذلك، وهو معنى قوله: فكأنه كان ثم مضى. قوله: ((فقال: فلا أنساب إلى قوله ولا يتساءلون)) جواب عن سؤال الأول، أي قال: فقال ابن عباس رضي الله عنهما في الجواب ما ملخصه: أن التساؤل بعد النفخة الثانية وعدم التساؤل قبلها، وعن السدي: أن نفي المساءلة عند تشاغلهم بالصعق والمحاسبة والجواز على الصراط وإثباتها فيما عدا ذلك. قوله: وأما قوله: ﴿ما كنا مشركين﴾ إلى قوله: ﴿يود الذين كفروا﴾ فهو جواب عن السؤال الثاني وملخصه: أن الكتمان قبل إنطاق الجوارح وعدمه بعده. قوله: ((فعند ذلك)) أي: عند نطق أيديهم. قوله: ((وعنده يود الذين كفروا)) أي: وعند علمهم أن الله لا يكتم حديثاً يود الذين كفروا هذا في سورة النساء. وهو قوله: ﴿يومئذٍ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثاً﴾ [النساء: ٤٢]، أي: يوم القيامة يود الذين كفروا بالله وعصوا رسوله لو تسوى بهم الأرض أي لو تسوت بهم الأرض وصاروا هم والأرض شيئاً واحداً، أو أنهم لم يكتموا أمر محمد عَّلَّلٍ ولا نعته، لأن ما عملوه لا يخفى على الله تعالى فلا يقدرون كتمانه، لأن جوارحهم تشهد عليهم. قوله: ﴿وخلق الأرض في يومين﴾ [فصلت: ٩] إلى قوله وخلق السموات في يومين جواب عن السؤال الثالث ملخصه: أن خلق نفس الأرض قبل السماء ودحوها بعده، يقال: دحوت الشيء دحواً بسطته بسطاً، وقيل في ٢١٦ ٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ/ سورة فصلت جوابه: إن خلق بمعنى قدر. قوله: ((إن أخرج)) بأن أخرج فإن مصدرية. قوله: ((والآكام))، جمع أكمة بفتحتين وهو الموضع المرتفع من الأرض كالتل والرابية، ويروى: والأكوام. قوله: ﴿وكان الله غفوراً رحيماً﴾ [النساء: ٩٦و١٠٠ و١٥٢ والفرقان: ٢٧٠ والأحزاب: ٥ و٥٠ و٥٩و٧٣ والفتح: ١٤]. الخ جواب عن السؤال الرابع، وملخصه: أنه سمى نفسه بكونه غفوراً رحيماً، وهذه التسمية مضت لأن التعلق انقطع، وأما معنى الغفورية والرحيمية فلا يزال كذلك لا ينقطع، وأن الله إذا أراد المغفرة أو الرحمة أو غيرهما من الأشياء في الحال أو الاستقبال فلا بد من وقوع مراده. قوله: ((سمى نفسه ذلك))، أي: سمى الله تعالى ذاته بالغفور والرحيم ونحوهما، وذلك قوله: ((وإنه لا يزال كذلك لا ينقطع وإن ما شاء كان))، وقالت النحاة: كان الثبوت خبرها ماضياً دائماً، ولهذا لا يقال: صار موضع: كان، لأن معناه التجدد والحدوث، فلا يقال في حق الله ذلك. قوله: ((فلا يختلف)) بالجزم، أي: قال ابن عباس للسائل المذكور: لا يختلف عليك القرآن فإنه من عند الله ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً﴾ [النساء: ٨٢]. حَدَّثَنِيهِ يُوسُفُ بنُ عَدِيّ حدثنا عُبَيْدُ الله بنُ عَمْرٍ وَعَنْ زَيْدِ بنِ أَنَيْسَةَ عَنِ المِنْهالِ پِهذَا أُسند الحديث المذكور بعد أن علقه كما ذكرناه، قال الكرماني: لعله سمع أولاً مرسلاً وآخراً مسنداً فنقله كما سمعه، وفيه إشارة إلى أن الإسناد ليس بشرطه، واستبعد بعضهم كلام الكرماني هذا، وليت شعري ما وجه بعده وما برهانه على ذلك؟ بل الظاهر هو الذي ذكره، وقول الكرماني: وفيه إشارة ... إلى آخره يؤيده كلام البرقاني حيث قال: ولم يخرج البخاري ليوسف ولا لعبيد الله بن عمرو ولا لزيد بن أبي أنيسة مسنداً، سواه وفي مغايرته سياق الإسناد عن ترتيبه المعهود إشارة إلى أنه ليس على شرطه، وإن صارت صورته صورة الموصول. قوله: ((حدثنيه يوسف بن عدي))، وقع في رواية القابسي: حدثنيه عن يوسف، بزيادة: عن، وهو غلط وليس في رواية النسفي: حدثنيه ... إلى آخره، وكذا سقط من رواية أبي نعيم عن الجرجاني عن الفربري، ولكن ذكر البرقاني فقال: قال لي محمد بن إبراهيم الأزدستاني: شوهدت نسخة بكتاب: (الجامع) للبخاري فيها على الحاشية: حدثنا محمد بن إبراهيم أخبرنا يوسف بن عدي، فذكره ورواه الإسماعيلي عن أحمد بن زنجويه: أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن خالد الرقي: حدثنا عبيد الله بن عمرو عن زيد عن المنهال. قلت: يوسف بن عدي بن زريق التيمي الكوفي نزيل مصر، وهو أخو زكرياء بن عدي، مات سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، وليس له في البخاري إلاَّ هذا الحديث، وعبيد الله بن عمرو بالفتح الرقي بالراء والقاف، مات سنة ثمانين ومائة، وزيد بن أبي أنيسة - مصغر الأنسة بالنون والسين المهملة - الجزيري، سكن الرها، قيل: إسم أبي أنيسة زيد، ومات زيد الراوي سنة خمس وعشرين ومائة. ٢١٧ ٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرآنِ/ سورة فصلت وقال مُجاهِدٌ: ﴿لَهُمْ أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت: ٨] مَخْشُوب ويروى قال: غير محسوب، رواه عبد بن حميد في تفسيره عن عمرو بن سعد عن سفيان عن ابن جريج عن مجاهد، وروى الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، في قوله: غير ممنون، قال: غير منقوص. أَقْوَاتَها أزْزَاقَها أشار به إلى قوله تعالى: ﴿وبارك فيها وقدر فيها أقواتها﴾ [فصلت: ١٠] وفسر ((أقواتها)) بقوله: ((أرزاقها)) وهذا أيضاً تفسير مجاهد، وقال أبو عبيدة: واحدها قوت، وهو الرزق. في كُلِّ سَماء أمْرَها مِمَّا أَمَرَ بِهِ أشار به إلى قوله تعالى: ﴿وأوحى في كل سماء أمرها﴾ [فصلت: ١٢] وفسره بقوله: ((مما أمر به)) وهو أيضاً عن مجاهد. وفي لفظ: مما أمر به، وأراده، أي: من خلق النيران والنجوم والرجوم وغير ذلك. وعن قتادة والسدي: خلق فيها شمسها وقمرها ونجومها، وخلق في كل سماء من الملائكة والخلق الذي فيها من البحار وجبال البرد وما لا يعلم. نَحِساتٍ: مَشائِیم أشار به إلى قوله تعالى: ﴿فأرسلنا عليهم ريحاً صرصراً في أيام نحسات﴾ [فصلت: ١٦] وفسره بقوله: ((مشائيم)) جمع مشومة، وهو أيضاً عن مجاهد، وقال أبو عبيدة: الصرصر شديدة الصوت العاصفة، نحسات ذوات نحوس أي: مشائیم. ﴿وَقَيِّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ﴾ [فصلت: ٢٥] قَرَنَّا بِهِمْ تَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلاَئِكَةُ عِنْدَ المَوْتِ كذا في رواية أبي ذر والنسفي وجماعة وعند الأصيلي: ﴿وقيضنا لهم قرناء﴾ قرناهم بهم تتنزل عليهم الملائكة عند الموت وهذا هو الصواب، وليس قوله: ﴿تتنزل عليهم الملائكة﴾ [فصلت: ٣٠] عند الموت تفسير قوله: ﴿وقيضنا لهم قرناء﴾ وفي التفسير معنى: قيضنا سلطنا وبعثنا لهم قرناء يعني نظراء من الشياطين، وقال الكرماني: وقيضنا لهم قدرنا لهم، وعن مجاهد: قرناء شياطين، وقال في قوله: ﴿تتنزل عليهم الملائكة أن لا تخافوا ولا تحزنوا﴾ قال: عند الموت، وكذا قال الطبري مفرقاً في موضعين. اهْتَزَّتْ بالنباتِ ورَبَتْ ارْتَفَعَتْ أشار به إلى قوله تعالى: ﴿فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت﴾ [فصلت: ٣٩] وفسر: اهتزت يعني بالنبات وربت يعني ارتفعت من الربو وهو النمو والزيادة، كذا في رواية أبي ذر والنسفي، وعند غيرهما بزيادة وهي قوله: : ٢١٨ ٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ/ سورة فصلت وقال غَيْرُهُ مِنْ أَكْمَامِها حِينَ تَطْلُ أي: وقال غير مجاهد: معنى وربت ارتفعت من أكمامها حين تطلع، والأكمام جمع كم بالكسر، وهو وعاء الطلع، وإنما قلنا غير مجاهد لأن ما قبله من قوله: قال مجاهد ... إلى هنا كله عن مجاهد، ولم يعمل الشراح ههنا شيئاً يجدي. لَيَقُولَنَّ لهُذَا لي أيْ بِعَمِلِي أنا مَحْقُوقٌ بِهِذَا أشار به إلى قوله تعالى: ﴿ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي﴾ [فصلت: ٥٠] وفسره بقوله: ((أي بعملي)) ... إلى آخره، ومعنى قوله: أنا محقوق، أي: مستحق له، وقال النسفي: ليقولن هذا لي أي هذا حقي وصل إلي لأني استوجبه بما عندي من خير وفضل وأعمال بر، وقيل: هذا لي لا يزول. وقال غَيْرُهُ سَوَاءٌ لِلسائِلِينَ قَدَّرَها سَوَاءً ليس في رواية غير أبي ذر والنسفي. قوله: ((وقال غيره))، أي: قال غير مجاهد في قوله تعالى: ﴿وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين﴾ [فصلت: ١٠] قوله: ((فيها))، أي: في الأرض، أقواتها أي: أرزاق أهلها ومعائشهم وما يصلحهم. قوله: ((في أربعة أيام)) يعني: هذا مع قوله خلق الأرض في يومين أربعة أيام وأريد باليومين يوم الأحد والإثنين. قوله: ((سواء»، فسره بقوله: ((قدرها سواء) أي: سواء للسائلين عن ذلك، قال الثعلبي: سواء بالنصب على المصدرية، أي: استوت سواء، وقيل: على الحال، وبالرفع أي: هو سواء، وبالجر على نعت أربعة أيام، وقيل معنى للسائلين أي للسائلين الله حوائجهم، وعن ابن زيد: قدر ذلك على قدر مسائلهم، وقيل: معناه للسائلين وغير السائلين، يعني أنه بين أمر خلق الأرض وما فيها للسائلين ولغير السائلين، ويعطي لمن سأل ولمن لا يسأل. فَهَدَيْنَاهُمْ دلَلْنَاهُمْ على الخَيْرِ والشَّرِّ كَقَوْلِهِ: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجُدَينِ﴾[البلد: ١٠] وكَقَوْلِهِ: ﴿هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣] والهُدَى الَّذِي هُوَ الإرشادُ بِمَنْزِلَةٍ أُسْعَدْناهُ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠]. أشار بقوله: ((فهديناهم)) إلى قوله عز وجل: ﴿وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى﴾ [فصلت: ١٧] وفسر: فهديناهم بقوله: ((دللناهم على الخير والشر)) أراد أن الهداية هنا بمعنى الدلالة المطلقة فيه وفي أمثاله، كقوله: ﴿وهديناه النجدين﴾ أي: دللناه الثديين، قاله سعيد بن المسيب والضحاك، والنجد طريق في ارتفاع، وقال أكثر المفسرين: بينا له طريق الخير والشر والحق والباطل والهدى والضلالة، وكذلك الهداية بمعنى الدلالة في قوله: ﴿هديناه السبيل﴾ وهو في سورة الإنسان ﴿إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً﴾ قوله: ((والهدى الذي هو الإرشاد)» ... إلى آخره، والمعنى هنا الدلالة الموصلة إلى البغية، وعبر عنه البخاري بالإرشاد والإسعاد فهو في قوله تعالى: ﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾ ٢١٩ ٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ/ سورة فصلت ونحوه، وغرضه أن الهداية في بعض الآيات بمعنى الدلالة، وفي بعضها بمعنى الدلالة الموصلة إلى المقصود، وهل هو مشترك فيهما أو حقيقة ومجاز؟ وفيه خلاف. يُوزَعُونَ: يُكَقُّونَ أشار به إلى قوله تعالى: ﴿ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون﴾ [فصلت: ١٩] وفسره بقوله: ((يكفون))، وعن أبي عبيدة: يدفعون، من وزعت إذا كففت ومنعت، وقيل: معناه يساقون ويدفعون إلى النار. مِنْ أَكْمامِها قِشْرُ الكُفرَّى هِيَ الكُمُّ أشار به إلى قوله تعالى: ﴿وما تخرج من ثمرات من أكمامها﴾ [فصلت: ٤٧] وفسر أكمامها بقوله: ((قشر الكفرى)) بضم الكاف وفتح الفاء وضمها أيضاً وتشديد الراء مقصور، وفسره بقوله: ((هي الكم)) قد ذكرنا أنه بكسر الكاف، وقال بعضهم: كاف الكم مضمومة ككم القميص وعليه يدل كلام أبي عبيدة وبه جزم الراغب، ووقع في (الكشاف) بكسر الكاف، فإن ثبت فلعلها لغة فيه دون كم القميص. انتهى. قلت: لا اعتبار لأحد في هذا الباب مع الزمخشري فإنه فرق بين كم القميص وكم الثمرة بالضم في الأول والكسر في الثاني، وكذلك فرق بينهما الجوهري وغيره، وفي رواية أبي ذر: قشر الكفرى الكم بدون لفظ: هي، وفي رواية الأصيلي: واحدها، يعني: الكم واحد الأكمام، وعن أبي عبيدة: من أكمامها، أي: أوعيتها، وقال الثعلبي: أكمامها أوعيتها واحدها كمة وهي كل ظرف لمال وغيره، ولذلك سمى قشر الطلع أي الكفراة التي تنشق عن الثمرة كمة، وعن ابن عباس: يعني الكفرى قبل أن تنشق فإذا انشقت فليست بأكمام. ويُقالُ لِلْعِنَبِ إذا خَرَجَ أيْضاً كافُورٌ وَكُفُرِّى هذا لم يثبت إلاَّ في رواية المستملي وحده، وفي بعض النسخ: وقال غيره ويقال ... إلى آخره، وقال الأصمعي وغيره: قالوا: وعاء كل شيء كافوره. وَلِيُّ حَمِيمٌ قَرِيبُ أشار به إلى قوله تعالى: ﴿فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم﴾ [فصلت: ٣٤] وفسر الحميم بقوله. ((قريب)) ويروى: القريب، كذا في رواية الأكثرين، وعند النسفي قال معمر ... فذكره، ومعمر بفتح الميمين هو ابن المثنى أبو عبيدة. مِنْ مَحِيصٍ حاصَ عَنْهُ حادَ أشار به إلى قوله تعالى: ﴿وظنوا ما لهم من محيص﴾ [فصلت: ٤٨] وفسره من فعله، وهو حاص يحيص، وفسر حاص بقوله: حاد، ويروى: حاص عنه حاد عنه، حاصل المعنى: ما لهم من مهرب، وكلمة: ما، حرف وليست باسم فلذلك لم يعمل فيه، قوله: ظنوا، وجعل الفعل ملغّى. ٢٢٠ ٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرآنِ/ سورة فصلت مِرِيَةٍ ومُزِيَةٍ واحِدٌ أَي امْتِرَاءٌ أشار به إلى قوله تعالى: ﴿ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم﴾ [فصلت: ٥٤] وقال: مرية، بكسر الميم ومرية بضمها واحد، ومعناها: الامتراء، وقراءة الجمهور بالكسر، وقراءة الحسن البصري بالضم. وقال مُجاهدٌ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمُ الوَعِيدُ أي: قال مجاهد في قوله: ﴿اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير﴾ [فصلت: ٤٠] قوله: ((الوعيد)) ويروى: هو وعيد، وهي رواية الأصيلي، أراد أن الأمر هنا ليس على حقيقته بل هو أمر تهديد وتوعيد وتوبيخ. وقال ابنُ عَبَّاس: ﴿اذْفَعْ بالْتِي هِيَ أُحسَنُ﴾ [فصلت: ٣٤] الصَّبْرُ عِنْدَ الغَضَب والعَفْؤُ عِنْدَ الإِسَاءَةِ فإذَا فَعَلُوهُ عَصَمَهُمُ الله وَخَضَعَ لَهُمْ عَدُؤُهُمْ: ﴿كَأَنَّهُ وَلِيٍّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤]. فسر عبد الله بن عباس. قوله: ((ادفع بالتي هي أحسنُ)) بقوله: ((الصبر)) إلى آخره، وقد وصله الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عنه. قوله: ((كأنه ولي حميم))، لم يثبت في رواية أبي ذر. قوله: ((بالتي هي أحسن))، أي: بالخصلة التي هي أحسن، وعن مجاهد: هي الإسلام. ١ - بابُ قَوْلِهِ: ﴿ومَا كُنْتُمْ تَسْتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ ولا مُجُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أن الله لاَ يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْلَمُونَ﴾ [فصلت: ٢٢] حديث الباب يوضح معنى الآية. قوله: ((تستترون))، أي: تستخفون، قاله أكثر العلماء، وعن مجاهد: تتقون، وعن قتادة: تظنون. قوله: ((أن يشهد)) أي: يشهد، وفي تفسير النسفي: وما كنتم تستترون، وتستخفون بالحيطان والحجب عند ارتكاب الفواحش، وما كان استتاركم ذلك خيفة أن تشهد عليكم جوارحكم، لأنكم كنتم غير عالمين بشهادتها عليكم، بل كنتم جاحدين بالبعث والجزاء أصلاً. ٤٨١٦/٣٣٨ - حدَّثنا الصَّلْتُ بنُ مُحَمَّدٍ حدثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْع عَنْ رَوْحِ بنِ القاسمِ عنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجاهِدٍ عَنْ أبي مَعْمَرٍ عنِ ابنِ مَسْعُودٍ: ﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ﴾ الآية. كانَ رجلاَنِ مِنْ قُرَيْشٍ وَخَتَنٌ لَهُما مِنْ ثَقِيفَ أَوْ رَجُلاَنِ مِنْ ثَقِيفَ وَخَتَنّ لَهُمَا مِنْ قُرَيْشٍ فِي بَيْتٍ فقال بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ أَتْرَوْنَ أَنَّ اللّه يَسْمَعُ حَدِيثَنَا فقال بَعْضُهُمْ يَسْمَعُ بَعْضَهُ وِقال بَعْضُهُمْ لَئِنْ كَانَ يَسْمَعُ بَعْضَهُ لَقَّدْ يَسْمَعَ كُلَّهُ فَأَنْزِلَتْ: ﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَيِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ ولاَ أَبْصَارُكُمْ﴾ الآية.