النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ/ سورة النور
عشرة، ووقع في: (مرسل سعيد بن جبير). فنزلت ثمان عشرة آية متوالية: ﴿إن الذين
جاؤوا﴾ إلى قوله: ﴿رزق كريم﴾ [النور: ١١-٢٦]أخرجه ابن أبي حاتم، والحاكم في
(الإكليل) قلت: أجاب بعضهم عن هذه بما لا طائل تحته حيث قال: في الأول: لعلها في
كون العشر الآيات مجاز بطريق إلغاء الكسر، وهذا لا يصدر عمن له أدنى تأمل. وفي الثاني:
وهذا فيه تجوز. وفي الثالث: وفيه ما فيه. انتهى. ويمكن أن يقال: إن كلاً منهم ذهب إلى ما
انتهى علمه به، وروى على قدر ما أحاط به علمه، على أن التنصيص على عدد معين لا
يستلزم نفي الزيادة. قوله: ((ولا يأتل))، ولا يحلف من الألية وهو اليمين ((والفضل)) هنا المال
والسعة والعيش في الرزق. قوله: ((أحمي)) من الحماية، والمعنى: فلا أنسب إلى سمعي ما لم
أسمع وإلى بصري ما لم أبصر.
قوله: ((تساميني)، أي: تعاليني من السمو وهو العلو أي: تطلب من العلو والحظوة
عند النبي عَّ له ما أطلب، أو تعتقد أن لها مثل الذي لي عنده، كذا قيل، وهذا يدل على أن
زينب كانت في عصمة النبي عَّله. وقال الكرماني: واختلفوا في أنها كانت وقت الإفك
تحت نكاح رسول الله عَّه، أو تزوجها بعد ذلك. قوله: ((فعصمها الله)) أي: فحفظها ومنعها
بالورع أي: بالمحافظة على دينها ومجانبة ما تخشى من سوء العاقبة. قوله: ((وطفقت))،
بكسر الفاء وفتحها، أي: شرعت ((أختها حمنة تحارب)) أي: تجادل لها وتتعصب وتحكي
ما قال أهل الإفك لتنخفض منزلة عائشة وترتفع منزلة أختها زينب. قوله: ((فهلكت)) أي:
حمنة أي: محُدت فيمن حُد، أو أثمت مع من أثم، وحمنة، بفتح الحاء المهملة وسكون
الميم وفتح النون: بنت جحش بن رباب الأسدية، أخت زينب بنت جحش، كانت عند
مصعب ابن عمير وقتل عنها يوم أحد فتزوجها طلحة بن عبيد الله. وقد ذكرنا فوائده وأشياء
غير ما ذكرنا هنا في كتاب الشهادات، ولله الحمد والله تعالى أعلم.
٧ - بابُ قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ في الدُّنيا والآخِرَةِ لَمسَّكُمْ
فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٤]
أي: هذا باب في قوله عز وجل: ﴿ولولا فضل الله﴾ الآية، وفي رواية أبي ذر بعد
قوله: ﴿أفضتم فيه﴾ الآية، وكلمة: لولا، لامتناع الشيء لوجود غيره أي: لولا ما منَّ الله به
عليكم وفضله عليكم في الدنيا بضروب النعم التي من جملتها الإمهال للتوبة، وأن أترحم
عليكم في الآخرة بالعفو والمغفرة ﴿لمسكم فيما أفضتم﴾ أي: خضتم فيه من حديث
الإفك، يقال: أفاض في الحديث اندفع وخاض قوله: ((عذاب)) فاعل: ﴿لمسكم عذاب
عظيم﴾ في الدنيا والآخرة، وقال ابن عباس: لا انقطاع له.
وقال مُجاهِدٌ تَلَقَّوْنَهُ يَزْوِیهِ بَعْضُكُمْ عَنْ بَعْضٍ
أي: قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿إِذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم﴾

١٢٢
٦٥ - كِتَابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ/ سورة النور
[النور: ١٥] ... الآية، وفسر: تلقونه، بقوله: ((يرويه بعضكم عن بعض)) هذا تفسير فتح اللام مع
تشديد القاف، وهي قراءة الأكثرين من السبعة، فمنهم من أدغم الذال في التاء، ومنهم من
أظهرها وهو من التلقي للشيء، وهو أخذه وقبوله وقرأ أبي بن كعب وابن مسعود: إذ تتلقونه،
بتائين وقرأت عائشة رضي الله عنها، ويحيى بن يعمر بكسر اللام وتخفيف القاف: من الولق،
وهو الإسراع في الكذب، وقيل: هو الكذب، وقرأ محمد بن السميقع، بضم التاء وسكون
اللام وضم القاف.
تُفِيضُونَ تَقُولُونَ
هذا في سورة يونس وهو قوله تعالى: ﴿ولا تعملون من عمل إلاَّ كنا عليكم شهوداً إذ
تفيضون فيه﴾ [يونس: ٦١] وإنما ذكره ههنا استطراداً لقوله: ﴿فيما أفضتم فيه﴾ فإن كلا
منهما من الإفاضة وهو الإكثار في القول.
٤٧٥١/٢٧٢ - حدِّثْنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنا سُلَيْمانُ عَنْ حُصَيْنٍ عنْ أبي وائلٍ عنْ
مشْرُوقٍ عنْ أُمّ رُومانَ أُمَّ عَائِشَةَ أَنّها قالَتْ لَهَا رُمِيَتْ عَائِشَةُ خَرَّتْ مَغْشِيًّا عَلَيْها. [انظر
الحديث ٣٣٨٨ وطرفيه].
قيل: لا مطابقة بين هذا الحديث وبين الترجمة. وأجيب: بأنه لاحظ فيه قصة الإفك
وإن كان بحسب الظاهر غير ملائم. ومحمد بن كثير - ضد القليل - العبدي البصري، يروي
عن أخيه سليمان بن كثير عن حصين - مصغر حصن - ابن عبد الرحمن عن أبي وائل شقيق
ابن سلمة عن مسروق بن الأجدع عن أم رومان، بضم الراء وفتحها: بنت عامر بن عويمر امرأة
أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وأم عائشة، ماتت في حياة النبي عَ لّم سنة ست من الهجرة
فنزل النبي عَّ له قبرها واستغفر لها، وقال أبو عمر: رواية مسروق عن أم رومان مرسلة، ولعله
سمع ذلك من عائشة، ورواية الأكثرين: محمد بن كثير عن سليمان، وفي رواية الأصيلي،
عن الجرجاني: سفيان بدل سليمان، وقال الجياني: هكذا هذا الإسناد عند الجماعة، وفي
نسخة أبي محمد عن أبي أحمد: حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن حصين، قال أبو
علي: سليمان هو الصواب، وهو سليمان بن كثير أخو محمد ومحمد مشهور بالرواية عن
أخيه. قوله: ((مغشياً عليها))، وقال ابن التين: الصواب مغشية، والله أعلم.
٨ - بابٌ: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِالْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأفْوَاهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ
وتَحْسَبُونَهُ هَيّناً وهوَ عِنْدَ الله عَظِيمٌ﴾ الآية
أي: هذا باب في قوله عز وجل: ﴿إِذ تلقونه﴾ ... إلى آخره هكذا هو في رواية أبي
ذر، وفي رواية غيره، ساق إلى قوله: عظيم، وليس في كثير من النسخ لفظ: باب. قوله:
((إذ))، ظرف: لمسكم، أو: لأفضتم. ((تلقونه))، يأخذه بعضكم من بعضٍ، وقد مضى الكلام
فيه عن قريب. فإن قيل: ما معنى قوله بأفواهكم؟ والقول لا يكون إلاَّ بالفم. قلنا: معناه أن

١٢٣
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ/ سورة النور
الشيء المعلوم يكون علمه في القلب فيترجم عنه باللسان، وهذا الإفك ليس إلاَّ قولاً يجري
على ألسنتكم ويدور في أفواهكم من غير ترجمة عن علم به في القلب، كقوله تعالى:
﴿يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم﴾ [النور: ١٥].
٢٧٣ / ٤٧٥٢ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى حدَّثنا هِشامٌ أنَّ ابنَ جُرَيْجِ أَخْبَرَهُمْ قال ابنُ
أبي مُلَيْكَةَ سَمِعْتُ عائِشَةَ تَقْرَأُ: ﴿إِذْ تَلِقُونَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾ [النور: ١٥]. [انظر الحديث ٤١٤٤].
مطابقته للترجمة ظاهرة. وهشام هو ابن يوسف، وفي بعض النسخ صرح به، وابن
جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، وابن أبي مليكة هو عبد الله بن عبد
الرحمن بن أبي مليكة واسمه زهير التيمي الأحول المكي القاضي على عهد عبد الله بن
الزبير رضي الله عنهم. والحديث مضى في المغازي.
قوله: ((إذا تلقونه)) بكسر اللام وتخفيف القاف من الولق وهو الكذب، وقد مر عن
قريب، وأصل: تلقونه تولقونه حذفت الواو منه تبعاً للفعل الغائب لوقوعها فيه بين الياء آخر
الحروف والكسرة طرداً للباب.
٩ - بابٌ: ﴿ولولا إذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أنْ نَتَكَلَّمَ بِهِذَا سُبْحانَكَ هُذَا
بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦]
هذه الآية ذكرت عند قوله باب: ﴿ولولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات﴾
[النور: ١٢] واقتصر أبو ذر إلى قوله: ﴿أن نتكلم بهذا﴾ وساق غيره بقية الآية، وذكرها ههنا
تكرار، على ما لا يخفى على أنها غير مذكورة في بعض النسخ.
٢٧٤/ ٤٧٥٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى حدثنا يَحْيِى عنْ عُمَرَ بنِ سَعِيدِ بنِ أبي
حُسَيْنٍ قال حدّثني ابنُ أبي مُلَيْكَةَ قال اسْتَأْذَنَ ابْنُ عَبَّاس قَبْلَ مَوْتِها عَلَى عَائِشَةَ وهْيَ مَغْلُوبَةٌ
قالَتْ أحْشَى أَنْ يُثْنِيَ عَلَيَّ فَقِيلَ ابْنُ عَمِّ رسولِ اللهِ عَّ ◌ُلّهِ ومِنْ وُجُوهِ المسْلِمِينَ قَالَتِ الْذَنُوا لَهُ
فقال كَيْفَ تَجِدِينَكِ قالَتْ بِخَيْرٍ إِنِ اتَّقَيْتُ الله قال فأنْتِ بِخَيْرٍ إنْ شاءَ الله زَوْجَةُ رسولِ الله
عَّهِ وَلَمْ يَنْكِخْ بِكْراً غَيْرَكِ ونَزَلَ عُذْرُكِ منَ السَّماءِ ودَخَلَ ابنُ الزُّبَيْرِ خِلاَفَهُ فقالَتْ دَخَلَ ابنُ
عَبَّاسٍ فأثْنى عَلَيَّ وَودِدْتُ أَنِّي ﴿كُنْتُ نِسْياً مَنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٣] [انظر الحديث
٣٧٧١ وطرفه].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((ونزل عذرك من السماء)). ويحيى هو ابن سعيد
القطان وابن أبي مليكة عبد الله، وقد مر عن قريب قبيل الباب. والحديث ذكره أيضاً في
النكاح.
قوله: ((وهي مغلوبة))، جملة حالية أي: مغلوبة من كرب الموت. قوله: ((فقيل: ابن
عم رسول الله عَّ) أي: هو ابن عم رسول الله عَ ليه، وإنما قال ذلك لأنه فهم منها أنها تمنعه،
فدخل عليها هذا القائل في الإذن له بالدخول وذكرها منزلته، وهذا القائل هو عبد الله بن عبد

١٢٤
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ/ سورة النور
الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهم، والذي استأذن هو ذكوان مولى عائشة، وقد بيّ
ذلك عبد الرزاق. قال: أخبرنا معمر عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن ابن أبي مليكة عن
ذكوان مولى عائشة أنه استأذن لابن عباس على عائشة وهي تموت وعندها ابن أختها عبد الله بن
عبد الرحمن، فذكره، ورواه أحمد عن عبد الرزاق، وقال صاحب (التوضيح): هذه الرواية تدل
على إرسال رواية البخاري وأن ابن أبي مليكة لم يشهد ذلك ولا سمعه منه حالة قوله لها لعدم
حضوره. انتهى. وقال بعضهم: ادعى بعض الشراح فذكره، ثم قال: وما أدري من أين له الجزم
بعدم حضوره وسماعه، وما المانع من ذلك؟ ولعله حضر جميع ذلك. انتهى. قلت: هو ما ادعى
الجزم بذلك بل له احتمال قريب، وكيف يشنع عليه وقد رد كلام نفسه بكلمة الترجي؟
قوله: ((كيف تجدينك))، الخطاب لعائشة بالتاء والكاف، أي: كيف تجدين نفسك؟
قوله: ((إن اتقيت)) أي: كنت من أهل التقوى، وفي رواية الكشميهني: إن اتقيت من التقاء
على صيغة المجهول. قوله: ((ونزل عذرك من السماء)) أشار به إلى قصة الإفك. قوله:
((خلافه)) أي: ودخل عبد الله بن الزبير على عائشة بعده متخالفين ذهاباً وإياباً، أي: وافق
رجوعه مجيئه، قوله: ((نسياً منسياً)) معناه: ليتني لم أك شيئاً. وقال الجوهري: وقرىء قوله
تعالى: ﴿نسيا منسياً﴾ بالفتح، أي: بفتح النون.
٢٧٥/ ٤٧٥٤ - حدَّثْنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى حدثنا عَبْدُ الوَهَّابِ بنُ عَبْدِ المَجِيدِ حدَّثنا
ابنُ عَوْنٍ عنِ القاسِمِ أنَّ ابنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما اسْتَأْذَنَ عَلَى عائِشَةَ نَحْوَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ
﴿نِشياً مَنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٣] [انظر الحديث ٣٧٧١ وطرفه].
هذا طريق آخر في الحديث المذكور وابن عون هو عبد الله بن عون، والقاسم هو
محمد بن أبي بكر. قوله: ((نحوه)) أي: نحو الحديث المذكور.
١٠ - بابٌ قَوْلُهُ: ﴿يَعِظُكُمُ اللهَ أنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً﴾ الآية
أي: هذا باب في قوله تعالى: ﴿يعظكم الله﴾ [النور: ١٧] ... الآية. وسقط لغير أبي ذر
لفظ. الآية، قوله: ((يعظكم الله)) أي: ينهاكم ويخوفكم، وقيل: يعظكم الله كيلا تعودوا لمثله،
أي: إلى مثله ﴿والله عليم﴾ بأمر عائشة وصفوان ﴿حكيم﴾ بيراءتهما.
٢٧٦/ ٤٧٥٥ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ حدّثنا سُفْيانُ عنِ الأعْمَش عنْ أبي الضُّحَى
عنْ مَسْرُوقٍ عنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قالَتْ جاءَ حَسَّانُ بنُ ثابِتٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْها قُلْتُ أَتَأْذَنِينَ
لِهِذَا قالَتْ أَوَلَيْسَ قَدْ أصابَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ قال سُفْيانُ تَعْنِي ذَهابَ بَصَرِهِ فقال:
حَصانٌ رَزَانٌ ما تُزَنُّ بِرِيبَةٍ وتُصْبِحُ غَزْثَى مِنْ لُحُومِ الغَوَافِلِ
قالَتْ لُكِنْ أَنْتَ. [انظر الحديث ٤١٤٦ وطرفه].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((أتأذنين لهذا)) يفهم بالتأمل، ومحمد بن يوسف هو
الفريابي، وسفيان هو الثوري، والأعمش هو سليمان، وقد وقع التصريح بذلك عند

١٢٥
٦٥ - كِتابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ/ سورة النور
الإسماعيلي، وفي غير هذا الموضع روى البخاري أيضاً عن محمد بن يوسف البيكندي عن
سفيان بن عيينة عن الأعمش، وأبو الضحى مسلم بن صبيح.
والحديث مضى في المغازي في: باب حديث الإفك، فإنه أخرجه هناك عن بشر بن خالد
عن محمد بن جعفر عن شعبة عن سليمان عن أبي الضحى إلى آخره، وقد مر الكلام فيه هناك.
قوله: ((لكن أنت)) وفي رواية شعبة: قالت: لست كذاك، الخطاب لحسان، يعني:
لكن أنت لم تصبح غرثان من لحوم الغوافل، وهو دال على أنه كان خاض فيمن خاض.
١١ - بابٌ: ﴿وَيُبَيُِّ الله لَكُمُ الآيَاتِ وَالله عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ١٨].
أي: هذا باب في قوله عز وجل: ﴿ويبين الله لكم الآيات﴾ الدالات على علمه
وحكمته بما ينزل عليكم من الشرائع ويعلمكم من الآداب الجميلة ((والله عليم)» بأمر عائشة
وصفوان وبيراءتهما ((حكيم)» يضع الأشياء في محالها.
٤٧٥٦/٢٧٧ - حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارِ حدَّثنا ابنُ عَدِيّ أنْبأنا شُعْبَةُ عنِ الأعْمَشِ
عنْ أبي الضُّحَى عنْ مَسْرُوق قال دَخَلَ حَسَّانُ بنُ ثابِتٍ عَلَى عَائِشَةَ فَشَبَّبَ وقال:
حَصانٌ رَزَانٌ ما تُزَنُّ بِرِيبَةٍ وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحومِ الغَوافِلِ
قالَتْ لَسْتَ كَذَاكَ قُلْتُ تَدَعِينَ مِثْلَ لهذَا يَدْخُلُ عَلَيْكَ وَقَدْ أَنْزَلَ الله: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى
كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾ [النور: ١١] فقالَتْ وأيُّ عَذابٍ أشَدُّ مِنَ العَمَى وقالَتْ وقَدْ كانَ يَرُدُّ عَنْ رسولٍ
الله عليه. [انظر الحديث ٤١٤٦ وطرفه].
هذا طريق آخر في الحديث المذكور في الباب الذي قبله، وابن أبي عدي محمد،
واسم أبي عدي إبراهيم.
قوله: ((فشبب)) من التشبيب، وهو إنشاد الشعر على وجه الغزل. قوله: ((قالت: لست
كذاك))، أي: قالت عائشة لحسان: ((لست كذاك)) تعني: لم تصبح غرثان من لحوم الغوافل،
أشارت به إلى أنه خاض في الإفك ولم يسلم من أكل لحوم الغوافل. قوله: ((قلت)) القائل هو
مسروق. قوله: ((تدعين))، أي: تتركين ((مثل هذا))، يعني: حساناً ((يدخل عليك)) وقد خاض
في الإفك ثم بين ذلك بقوله: وقد أنزل الله: ((والذي تولى كبره منهم)) وقد مر أنه هو الذي
تولى كبره على قول. قوله: ((وقد كان يرد عن رسول الله عَّله)) أي: يدافع هجو الكفار
لرسول الله عَّ يهجوهم ویذب عنه.
١٢ - بابٌ قَوْلهُ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الفَاحِشَةُ في الذِينَ آمَنُوا
لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ والله يَعْلَمُ وأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ وَلَوْلاَ فَضْلُ الثه
عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ الله رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ١٩-٢٠]
أي: هذا باب في قوله عز وجل: ﴿إِن الذين يحبون﴾ إلى آخر ﴿رؤوف رحيم﴾. كذا

١٢٦
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورة النور
عند الأكثرين، وعند أبي ذر. ﴿إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا﴾ الآية، إلى
قوله: ﴿رؤوف رحيم﴾. قوله: ﴿إن الذين يحبون﴾ تهديد للقاذفين. قوله: ﴿أن تشيع﴾ أي:
أن تفشو وتذيع الفاحشة ﴿لهم عذاب أليم في الدنيا﴾ بالحد، وفي: (تفسير النسفي): وقد
ضرب رسول الله عَّهِ، عبد الله بن أبي وحساناً ومسطحاً، وقد ذكر أبو داود أن حساناً حُد
زاد الطحاوي: ثمانين، وكذا حمنة ومسطح ليكفر الله عنهم بذلك إثم ما صدر منهم حتى لا
يبقى عليهم تبعة في الآخرة، وأما ابن أبي فإنه لم يحد لئلا ينقص من عذابه شيء، أو إطفاء
للفتنة وتألفاً لقومه، وقد روى القشيري في: (تفسيره): أنه حد ثمانين، وقال القشيري
ومسطح: لم يثبت منه قذف صريح فلم يذكر فيمن حد، وأغرب الماوردي، فقال: إنه لم
يحد أحد من أهل الإفك. قوله: ((ولولا فضل الله عليكم ورحمته)) هذا إظهار المنة بترك
المعاجلة بالعقاب، وجواب: لولا، محذوف تقديره: لعاجلكم بالعذاب.
تشِیعُ تَظْهَرُ
لم يثبت هذا إلاَّ لأبي ذر وحده، وقد فسر قوله: ﴿أن تشيع الفاحشة﴾ بقوله: ((تظهر))،
وكذا فسره مجاهد، وزاد: ويتحدث به، والفاحشة: الزنا.
بابٌ: ﴿ولا يأْتَلِ أولُوا الفَضْلِ مِنْكُمْ والسَّعَةِ أن يُؤْتُوا أولِي القُرْبَى والمَساكِينَ
والمُهاجِرِينَ في سَبيلِ الله وَلْيَعْفُوا ولْيَصْفَحُوا ألا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ الله لَكُمْ والله
غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢]
أي: هذا باب في قوله عز وجل: ﴿ولا يأتل﴾ إلى آخره، وليس في كثير من النسخ
لفظ: باب، ولم تثبت هذه الآية هنا إلا لأبي ذر وحده. قوله: ((ولا يأتل)) قال أبو عبيدة:
معناه ولا يفتعل، من آليت أي: أقسمت، وعن ابن عباس: ((لا يأتل)) أي: لا يقسم، وقد مر
الكلام فيه عن قريب، وقال الأخفش: وإن شئت جعلته من قول العرب: ما ألوت جهدي في
شأن فلان، أي: ما تركته ولا قصرت فيه.
٤٧٥٧/٢٧٨ - وقال أبُو أُسَامَةَ
وفي بعض النسخ: قال أبو عبد الله: قال أبو أسامة. وهو حماد بن أسامة وأبو عبد الله
هو البخاري نفسه، وفي: (التلويح): يريد بهذا التعليق ما رواه مسلم في: (صحيحه) عن أبي
بكر بن أبي شيبة وأبي كريب عن أبي أسامة به، وقال الكرماني: وفي بعض النسخ حدثنا
إسحاق قال: نا حميد بن الربيع الخراز، وقال بعضهم: ووقع في رواية المستملي عن
الفربري: حدثنا حميد بن الربيع. نا أبو أسامة، فظن الكرماني أن البخاري وصله عن حميد
ابن الربيع، وليس كذلك، بل هو خطأ فاحش فلا تعتبر به. انتهى. قلت: هذا حط على
الكرماني بغير فهم كلامه، فإنه لم يقل مثل ما نسبه إليه، وإنما قاله مثل ما نقلت عنه، ولم
يقل: حدثنا حميد بن الربيع، وإنما قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا حميد بن الربيع، نقل

١٢٧
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ/ سورة النور
ذلك على ما رآه في بعض النسخ، وليس عليه في ذلك شيء.
عنْ هِشَامِ بنِ عُزِوَةَ قال أُخْبَرَني أبي عنْ عَائِشَةَ قَالَتْ لَمَّا ذُكِرَ مِنْ شَأْنِي الَّذِي ذُكِرَ
وما عَلِمْتُ بِهِ قَام رسولُ اللهِعَ لَّهِ فِيَّ خَطِيباً فَتَشَهَّدَ فَحَمِدَ اللهِ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ
قال أمّا بَعْدُ أَشِيُرُوا عَلَيَّ في أُناسٍ أَبَنُوا أَهْلِي وأَنْمُ الله ما عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي مِنْ سُوءٍ وأبْنُوهُمْ
يَمَنْ والله ما عَلِمْتُ عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَطُ ولا يَدْخُلُ بَيْتِي قَطُ إلاّ وأنا حاضِرٌ ولا غِبْتُ في سَفَرٍ
إلّ غابَ معِي فقامَ سَعْدُ بِنُ مُعاذٍ فقال ائْذَنْ لِي يا رسولَ الله أنْ نَضْرِبَ أعْناقَهُمْ وقامَ رَجُلٌ
مِنْ بَني الخَزْرَجِ وكانتْ أُمُ حَسَّانَ بنِ ثابِتٍ مِنْ رَهْطِ ذُلِكَ الرَّجُلِ فقال كَذَبْتَ أما والله أنْ
لَوْ كانُوا مِنَ الأَوْسِ ما أحْبَبْتِ أنْ تُضْرَبَ أغْناقُهُمْ حَتَّى كادَ أنْ يَكُونَ بَيْنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ
شَرٌ في المَسْجِدِ وما عَلِمْتُ فَلَمّا كَانَ مَساءُ ذُلِكَ اليَوْمِ خَرَجْتُ لِبَعْضِ حاجَتِي ومَعِي أُمّ
مِسْطَحِ فَعَثَرَتْ وقالَتْ تَعَسَ مِسْطَحْ فِقُلْتُ أيْ أمِّ تَسُبِّينَ ابنَكِ وسَكَتَتْ ثُمَّ عَثَرَتِ الثّانِيَةَ
فقالَتْ تَعَسَ مِسْطَحْ فَقُلْتُ لَها تَسُبِّينَ ابْنَكِ ثُمَّ عَثَرَتِ الثالِثَةَ فقالَتْ تَعَسَ مَسْطَحْ فَانْتَهَرْتُها
فقالَتْ والله ما أسُبُّهُ إلاّ فِيكِ فقُلْتُ في أيِّ شأنِي قَالَتْ فَبَقَرَتْ لِي الحَدِيثَ فَقُلْتُ وَقَدْ كانَ
هذَا قالَتْ نَعَمْ والله فَرَجَعْتُ إلى بَيْتِي كَأنَّ الَّذِي خَرَجْتُ لَهُ لا أجِدُ مِنْهُ قَلِيلاً ولا كَثِيراً
وَؤُعِكْتُ فَقُلْتُ لرسولِ اللهِ عَّهِ أَرْسِلْنِي إلى بَيْتِ أبِي فَأرْسَلَ مَعِي الغُلاَمَ فَدَخَلْتُ الدَّارَ
فَوَجَدْتُ أُمَّ رُومانَ في السُفْلِ وأبا بَكْرٍ فَوْقَ البَيْتِ يَقْرَأُ فقالَتْ أُمّي ما جاءَ بِكِ يا بُنَيَّةُ
فأخْبَرْتُها وَذَكَوْتُ لَها الحِدِيثَ وإِذا هُوَ لَمْ يَبْلُغْ مِنْها مِثْلَ ما بَلَغَ مِنِّي فَقالَتْ يا بُنَّهُ خَفِّضِي
عَلَيِكِ الشأْنَ فإِنَّهُ والله لَقَلَّمَا كانَتِ امْرَأَةٌ قَطْ حَسناءُ عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّها لَها ضَرَائِرُ إلاّ حَسَدْنَها
وقِيلَ فِيها وإِذا هُوَ لَمْ يَبْلُغْ مِنْها ما بَلَغَ مِنِّي قُلْتُ وَقَدْ عَلِمَ بِهِ أبِي قَالَتْ نَعَمْ قُلْتُ ورسولُ
الله عَّ قَالَتْ نَعَمْ وَرَسُولُ الله عَلَّهِ واسْتَغْبَرْتُ وَبَكَيْتُ فَسَمِعَ أَبُو بَكْرٍ صَوْتِي وَهْوَ فَوْقَ
البَيْتِ يَقْرَأُ فَنَزَلَ فقال لأمّي ما شأنُها قالَتْ بَلَغَها الَّذِي ذُكِرَ مِنْ شأنِها فَفَاضَتْ عَيْناهُ قال
أَقْسَمْتُ عَلَيْكِ أَيْ بُنَّةُ إلَّ رِجَعْتِ إِلى بَيْتِكِ فَرَجَعْتُ وَلَقَدْ جاءَ رَسُولُ اللهِ عََِّّ بَيْتِي فَسَأل
عَنِّي خادِمَتي فقالَتْ لا والله ما عَلِمْتُ عَلَيْها عَيْباً إلاّ أنّها كانَتْ تَرْقُدُ حَتَّى تَدْخُلَ الشّاةُ
فَتَأْكُلَ خَمِيرَها أوْ عَجِينَها وانْتَهَرَها بَعْضُ أَصْحابِهِ فقال اصْدُقِي رسولَ الله عَ لِّ حَتَّى أَسْقَطُوا
لَها بِهِ فقالَتْ سُبْحانَ الله والله ما عَلِمْتُ عَلَيْها إلاّ ما يَعْلَمُ الصَّائِغُ عَلَى تِبْرِ الذَّهَبِ الأُخَرِ
وَبَلَغَ الأمْرُ إلى ذَلِكَ الرجُلِ الَّذِي قِيلَ لَهُ فقال سُبْحانَ الله والله ما كَشَفْتُ كَنَفَ أَنْثَى قَط
قالَتْ عَائِشَةُ فَقُتِلَ شَهِيداً في سَبِيلِ الله قالَتْ وَأَصْبَحَ أبَوَايَ عِنْدِي فَلَمْ يَزَالا حَتَّى دَخَلَ عَلَيَّ
رسولُ اللهِ عَّ الِ وَقَدْ صَلَّى العَصْرَ ثُمَّ دَخَلَ وَقَدِ اكْتَنَفَنِي أَبَوَايَ عَنْ يَمِينِي وعَنْ شِمالِي
فَحَمِدَ الله وأثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قال أمَّا بَعْدُ يا عائِشَةُ إِنْ كُنْتِ قَارَفْتِ سُوءاً أَوْ ظَلَمْتِ فَتُوبِي إِلَى
الله فإِنَّ الله يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ قَالَتْ وَقَدْ جاءَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الأنصارِ فَهْيَ جالِسَةٌ بالبَابِ
فَقُلْتُ أَلا تَسْتَحِي مِنْ لهَذِهِ المَرْأَةِ أنْ تَذْكُرَ شَيْئاً فَوَعَظَ رسولُ اللهِ عَ لَِّ فَالْتَفَتُّ إِلَى أبي
فَقُلْتُ أجِبْهُ قال أجِبْهُ قال فَما ذَا أَقُولُ فالْتَفَتُّ إلَى أُمِّ فَقُلْتُ أَجِيبِيهِ فقالَتْ أَقُولُ ماذَا فَلَمَّا
لَمْ يُجِيباهُ تَشَهَّدْتُ فَحَمَدْتُ الله وأثْنَيْتُ عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قُلْتُ أمّا بَعْدُ فَوَالله لَئِنْ قُلْتُ

١٢٨
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ/ سورة النور
لَكُمْ إِنِّي لَمْ أَفْعَلْ والله عَزَّ وجَلَّ يَشْهَدُ إِنِّي لَصادِقَةٌ ما ذَاكَ بنَافِعِي عِنْدَكُمْ لَقَدْ تَكَلَّمْتَمْ بِهِ
وَأُشْرِبَتْهُ قُلُوبُكُمْ وإنْ قُلْتُ إِنِّي فَعَلْتُ والله يَعْلَمُ أَنِّي لَمْ أَفْعَلْ لَتَقُولُنَّ قَدْ باءَتْ بِهِ عَلَى نَفْسِها
وإِنِّي والله ما أجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلاً والتَمَسْتُ إِسْمَ يَعْقُوبَ فَلَمْ أَقْدِرْ عَلَيْهِ إلاّ أبا يُوسُفَ حِينَ
قال فَصَبْرٌ جَمِيلٌ والله المُسْتَعانُ عَلَى ما تَصِفُونَ وأَنْزِلَ عَلَى رسولِ اللهِعَّله مِنْ ساعَتِهِ
فَسَكَتْنَا فَرُفِعَ عَنْهُ وإِنِّي لأُتَبَيَّنُ السُّرُورَ في وِجْهِهِ وهْوَ يَمْسَحُ جَبِينَهُ وَيَقُولُ أَبْشِرِي يا عائِشَةُ
فَقَدْ أَنْزَلَ اللهِ بَرَاءَتَكِ قَالَتْ وكُنْتُ أَشَدَّ مَا كُنْتُ غَضَباً فقال لي أَبَوَايَ قُومِي إِلَيْهِ فَقُلْتُ والله
لا أَقُومُ إِلَيْهِ ولا أَحْمَدُهُ وَلاَ أحْمَدُكُما ولُكِنْ أحْمَدُ اللهِ الَّذِي أَنْزَلَ بَرَاءَتِي لَقَدْ سَمِعْتُمُوهُ فَما
أَنْكَوْتُمُوهُ ولا غَيَّوْتُمُوهُ وكانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ أمّا زَيْنَبُ ابْنَهُ جَحْشٍ فَعَصَمَها الله بدِينِها فَلَمْ تَقُلْ
إلّ خَيْراً وأمّا أُحْتُها حَمْنَةُ فَهَلَكَتْ فِيمَنْ هَلَكَ وكَانَ الَّذِي يَتَكَلَّمُ فِيهِ مِسْطَحٌ وحَسّانُ بنُ
ثابِتٍ والمُنافِقُ عَبْدُ الله بنُ أَبَيّ وَهْوَ الَّذِي كَانَ يَسْتَوْشِيهِ وَيَجْمَعُهُ وَهْوَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ
هُوَ وَحَمْنَةُ قالتْ فَحَلَفَ أَبُو بَكْرٍ أن لا يَنْفَعِ مِسْطَحاً بِنَافِعَةٍ أَبَداً فَأَنْزَلَ الله عَزَّ وَجَلَّ ﴿ولا
يأتَلٍ أولُوا الفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ إلى آخِرِ الآيةِ يَغْنِي أبا بَكْرٍ والسَّعَةِ أنْ يُؤْتُوا أُولِي القُرْبَى
وَالمَساكِينَ يَعْنِي مِسْطَحاً إلى قَوْلِهِ ﴿أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ الله لَكُمْ والله غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ حَتَّى
قال أبو بَكْرٍ بَلَى والله يا رَبَّنا إنّا لَنُحِبُّ أنْ تَغْفِرَ لَنا وعاد لَهُ بِمَا كانَ يَصْنَغُ. [انظر الحديث
٢٥٩٣ وأطرافه].
هذا طريق آخر في قصة الإفك، وهو معلق كما ذكرنا، وأسنده مسلم في كتاب التوبة
مختصراً. قوله: ((لما ذكر من شأني))، على صيغة المجهول، والشأن الأمر، والحال. قاله
الجوهري. قوله: ((وما علمت به)) الواو فيه للحال. قوله: ((قام)) جواب: لما. قوله: ((في)):
بكسر الفاء وتشديد الياء. قوله: ((أبنوا)) بفتح الباء الموحدة وروي بالتخفيف والتشديد
والتخفيف أشهر، ومعناه اتهموا أهلي، والأبن بفتح الهمزة التهمة، يقالٍ: أبنه يأبنه، بضم الباء
وكسرها إذا اتهمه ورماه بخلة سوء فهو مأبون، قالوا: وهو مشتق من الأبن، بضم الهمزة وفتح
الباء وهي العقد في القسي تفسدها. قوله: ((وأبنوهم بمن))، كلمة: من، هنا عبارة عن صفوان.
قوله: ((والله)) إلى قوله: ((فقام سعد بن معاذ)) في براءة صفوان وبيان دينه المتين، وقام رجل
هو سعد بن عبادة. قوله: ((أم حسان))، وهي الفريعة بنت خالد بن حسر بن لوذان بن عبدود
ابن زيد بن ثعلبة بن الخزرج بن كعب بن ساعدة الأنصارية، والفريعة بضم الفاء وبالعين
المهملة. قوله: ((فيك))، كلمة: في، هنا للتعليل أي: لأجلك. قوله: ((فنقرت))، بالنون
والقاف، أي أظهرت وقررت بعجزه وبجره، قاله الكرماني: وقال ابن الأثير في باب الباء
الموحدة مع القاف: ومنه فبقرت لها الحديث، أي: فتحته وكشفته. قوله: ((لا أجد منه لا
قليلاً ولا كثيراً) معناه: أني دهشت بحيث ما عرفت لأي أمر خرجت من البيت. قوله:
((ووعكت))، بضم الواو أي: مرضت بحمى. قوله: ((أم رومان)) قد ذكرنا أنه بضم الراء
وفتحها، وقال الكرماني: اسمها زينب. قوله: ((في السفل))، بكسر السين وضمها. قوله:
((أقسمت عليك))، هذا مثل قولهم. نشدتك بالله إلاّ فعلت أي: ما أطلب منك إلاَّ رجوعك

١٢٩
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورة النور
إلى بيت رسول الله عَّ ◌َله. قوله: ((عن خادمتي))، ويروى: عن خادمي، والخادم يطلق على
الذكر والأنثى والمراد بها بريرة بفتح الباء الموحدة. قوله: ((حتى أسقطوا لها به))، قال
النووي: هكذا هو في جميع النسخ: ببلادنا، بالباء التي هي حرف الجر، كذا نقله القاضي
عن رواية الجلودي، وفي رواية ابن هامان: لهاتها، بالتاء المثناة من فوق. قال الجمهور: هذا
غلط والصواب الأول، ومعناه: صرحوا لها بالأمر، ولهذا قالت: سبحان الله استعظاماً لذلك،
وقيل: معناه أتوا بسقط من القول في سؤالها وانتهارها، ويقال: أسقط وسقط في كلامه إذا
أتى فيه بساقط، وقيل: إذا أخطأ فيه وعلى رواية ابن ماهان: إن صحت معناه أسكتوها، وهذا
ضعيف، لأنها لم تسكت بل قالت: سبحان الله، والضمير في به عائد إلى الانتهاز أو السؤال،
وقال الكرماني: ويروى: ((الهابة))، بلفظ المصدر من اللهيب. قوله: ((على تبر الذهب))،
بكسر التاء المثناة من فوق وسكون الباء الموحدة وهو القطعة الخالصة. قوله: ((وبلغ الأمر)).
أي: أمر الإفك. قوله: ((إلى ذلك الرجل))، وهو صفوان. قوله: ((كنف أنثى))، بفتح الكاف
والنون وهو الساتر وأراد به الثوب. قوله: ((فقتل شهيداً في سبيل الله)) وهو صفوان بن
المعطل السلمي، وقال ابن إسحاق: قتل صفوان بن المعطل في غزوة أرمينية شهيداً. وأميرهم
يومئذٍ عثمان بن العاص سنة تسع عشرة في خلافة عمر رضي الله عنه، وقيل: إنه مات
بالجزيرة في ناحية شمشاط ودفن هناك، وقيل غير ذلك. قوله: ((قارفت))، بالقاف والراء
والفاء، أي: كسبت. قوله ((وقد جاءت امرأة)) ...
قوله: ((أقول ماذا))، فإن قلت: الاستفهام يقتضي الصدارة. قلت: هو متعلق بفعل مقدر
بعده. قوله: ((وأشربته))، على صيغة المجهول والضمير المنصوب فيه يرجع إلى أمر الإفك،
((وقلوبكم)) مرفوع بقوله: أشربت. قوله: ((باءت به على نفسها))، أي: أقرت به. قوله: ((أشد
ما كنت غضباً)) نحو قولهم: أخطب ما يكون الأمير قائماً. قال الكرماني قلت: ليس كذلك
لأن قوله: أخطب، في قوله: ((أخطب ما يكون)) مبتدأ. وقوله ((قائماً)) حال سد مسد الخبر.
والتقدير: أخطب كون الأمير قائماً حاصل. وقوله: ((أشد ما كنت)) خبر قوله: ((وكنت أشد ما
كنت))، وقوله: ((غضباً)) خبر: كنت الثاني، والمعنى: وكنت حين أخبر النبي عَّ له ببراءتي أشد
أي أقوى ما كنت غضباً من غضبي، قبل ذلك. قوله: ((ذلك))، لأن أفعل التفضيل يستعمل إما
بالإضافة أو بمن أو بالألف واللام، وهنا يقتضي الحال استعماله بمن على ما لا يخفى. قوله:
((فعصمها الله)) أي: حفظها ومنعها. قوله: ((فهلكت فيمن هلك))، أي: حدت فيمن حد.
قوله: ((يستوشيه))، أي: يطلب ما عنده ليزيده ويريبه. قوله: ((ولا يأتل)) أي: ولا يحلف،
ومضى الكلام فيه في قصة الإفك مستوفى في كتاب الشهادات.
١٣ - بابٌ قَوْلُهُ: ﴿ولْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]
أي: هذا باب في قوله عز وجل: ﴿وليضربن﴾ وأوله: ﴿وقل للمؤمنات يغضضن من
أبصارهن﴾ ... الآية، ومعنى: وليضربن وليضعن خمرهن جمع خمار على جيوبهن جمع جيب
عمدة القاري/ ج١٩ م٩

١٣٠
٦٥ - كِتابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ / سورة النور
وأريد به على صدورهن ليسترن بذلك شعورهن وأعناقهن وقرطهن، وذلك لأن جيوبهن كانت
واسعة تبدو منها نحورهن وصدروهن وما حواليها، وكن يسدلن الخمر من ورائهن فتبقى
مكشوفة فأمرن بأن يسدلنها من قدامهن حتى يغطينها.
.... / ٤٧٥٨ - وقال أحْمَدُ بنُ شَبِيبِ حدَّثنا أبي عنْ يُونُسَ قال ابنُ شِهابٍ عنْ
عُرْوَةً عنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قالَتْ يَرْحَمُ الله نِسَاءَ المُهاجِراتِ الأوَلَ لَمَّا أَنْزَلَ الله:
﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ شَقَقْنَ مُرُوطَهِنَّ فاحْتَمَرْنَ بِها. [انظر الحديث ٤٧٥٨ -
طرفه في: ٤٧٥٩].
مطابقته للترجمة ظاهرة. وذكره معلقاً مع أن أحمد بن شبيب من جملة مشايخ
البخاري، وشبيب، بفتح الشين المعجمة وكسر الباء الموحدة بعدها ياء آخر الحروف ساكنة
بعدها باء موحدة: وهو ابن سعيد يروي عن يونس بن يزيد عن محمد بن مسلم ابن شهاب
الزهري، ووصل هذا المعلق ابن المنذر، وقال: حدثنا محمد بن زيد الصائغ عن أحمد بن
شبيب فذكره، وكذا أخرجه أبو داود والطبري من طريق قرة بن عبد الرحمن عن الزهري
مثله.
قوله: ((نساء المهاجرات))، أي: النساء المهاجرات وهو نحو: شجر الأراك، أي: شجر
هو الأراك، وفي رواية أبي داود من وجه آخر: النساء المهاجرات. قوله: ((الأول))، بضم
الهمزة وفتح الواو واللام، أي: السابقات من المهاجرات. قوله: ((مروطهن))، جمع مرط بكسر
الميم وهو الإزار، قوله: ((فاختمرن بها)) أي: غطين وجوههن بالمروط التي شققنها.
٢٧٩/ ٤٧٥٩ - حدَّثنا أبو نُعَيْمِ حدثنا إبْرَاهِيمُ بنُ نافِعِ عنِ الحَسَنِ بنِ مُسْلِمٍ عَنْ
صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةً أَنَّ عائِشَةَ رضي الله عنها كانَتْ تَقُولُ لمّا نَزَلَتْ لهذِهِ الآيةُ ولْيَضْرِبْنَ
بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ أَخَذْنَ أَزْرَهُنَّ فشقَّقْتَها مِنْ قِبَلِ الحَوَاشِي فاخْتَمَرْنَ بِهَا. [انظر الحديث
٤٧٥٨ وأطرافه].
هذا طريق آخر في الحديث المذكور أخرجه عن أبي نعيم، بضم النون: الفضل بن
دكين عن إبراهيم بن نافع المخزومي المكي عن الحسن بن مسلم بن يناق المكي عن صفية
بنت شيبة بن عثمان القرشية المكية.
والحديث أخرجه النسائي في التفسير أيضاً عن محمد بن حاتم عن حماد عن عبد الله
عن إبراهيم بن نافع إلى آخره.
قوله: ((أزرهن))، بضم الهمزة جمع إزار، وهي الملاءة بضم الميم وتخفيف اللام
وبالمد، وهي: الملحفة فإن قلت: حديث عائشة يدل على أن اللاتي شققن أزرهن النساء
المهاجرات، وورد في حديث عائشة أيضاً أن ذلك كان في نساء الأنصار، رواه ابن أبي حاتم
قلت: يمكن الجمع بينهما بأن نساء الأنصار بادرن إلى ذلك حين نزول الآية المذكورة، والله
أعلم.

١٣١
٦٥ - كِتابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ / سورة الفرقان
سورَةُ الفُزْقَانُ
أي: هذا في تفسير بعض سورة الفرقان، وهو مصدر فرق بين الشيئين إذا فصل بينهما،
وسمي القرآن به لفصله بين الحق والباطل، وقيل: لأنه لم ينزل جملة واحدة ولكن مفروقاً
مفصولاً بين بعضه وبعض في الإنزال، قال تعالى: ﴿وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس﴾
[الإسراء: ١٠٦] الآية، وهي مكية وفي آية اختلاف وهي قوله عز وجل: ﴿إِلاَّ من تاب وآمن
وعمل عملاً صالحاً﴾ [الفرقان: ٧٠]. وقيل: فيها آيتان اختلف الناس فيهما، فقيل: إنهما
مدنيتان، وقيل: مكيتان، وقيل: إحداهما مكية والأخرى مدنية، وهما قوله: ﴿والذين لا
يدعون مع الله إلهاً آخر﴾ [الفرقان: ٦٨] فالذي قال إن الأولى مكية وهو سعيد بن جبير، وهي
قوله: ﴿والذين لا يدعون﴾ إلى قوله: ﴿مهاناً﴾. والثانية مدنية وهي قوله: ﴿إِلاَّ من تاب
وآمن﴾ إلى قوله: ﴿وكان الله غفوراً رحيماً﴾ وهي سبع وسبعون آية، وثمانمائة واثنتان
وتسعون كلمة، وثلاثة آلاف وسبعمائة وثمانون حرفاً.
بسم الله الرحمن الرحيم
ثبتت عند الكل.
قال ابنُ عَبَّاسٍ: هَباءً مَنُْوراً ما تَشْفِي بِهِ الرِّيحُ
أي: قال عبد الله بن عباس في تفسير: هباءً منثوراً. في قوله تعالى: ﴿وقدمنا إلى ما
عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً﴾ [الفرقان: ٢٣] ما تسفي به الريح أي تذريه وترميه،
ووصله ابن المنذر من حديث عطاء عن ابن عباس بلفظ: ما تسفي به الريح وتثبته، وقال
الثعلبي: هباءً منثوراً، أي: باطلاً لا ثواب له لأنهم لم يعملوه لله، وإنما عملوه للشيطان.
واختلف المفسرون في الهباء فقال مجاهد وعكرمة والحسن: هو الذي يرى في الكوى من
شعاع الشمس كالغبار ولا يمس بالأيدي ولا يرى في الظل، وقال ابن زيد: هو الغبار، وقال
مقاتل: هو ما يسطع من حوافر الدواب، ويقال: الهباء جمع هباة، والمنثور المتفرق.
مَدَّ الظُّلَّ ما بَيْنَ طُلُوعِ الفَجْرِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿ألم ترَ إلى ربك كيف مد الظل﴾ [الفرقان: ٤٥] الآية.
وفسره بقوله: ((ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس))، وإنما جعله ممدوداً لأنه لا شمس
معه، كما قال في ظل الجنة. ﴿وظل ممدود﴾ [الواقعة: ٣٠]، وبمثل ما فسره رواه ابن أبي
حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وروى مثله أيضاً عبد الرزاق عن معمر عن
الحسن وقتادة.
ساكِناً دَائِماً. عَلَيْهِ دَلِيلاً طُلُوعُ الشَّمْسِ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿ولو شاء لجعله ساكناً ثم جعلنا الشمس عليه دليلاً﴾. وفسر

١٣٢
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورة الفرقان
ساكناً بقوله: ((دائماً)) أي: غير زائل، وقيل: لاصقاً بأصل الجدار غير منبسط، وفسر دليلاً
بقوله: ((الشمس)) أي طلوع الشمس دليل على حصول الظل، وهو قول ابن عباس: تدل على
الظل الشمس، يعني لولا الشمس ما عرف الظل، ولولا النور ما عرفت الظلمة.
خِلْفَةً مَنْ فاتَهُ مِنَ اللّيْلِ عملٌ أدرَكَهُ بالنَّهارِ أوْ فَاتَهُ بالتّهارِ أدْرَكَهُ بِاللّيْلِ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة﴾ [الفرقان: ٦٢]. الآية،
وفسر ((خلفة)) بقوله: ((من فاته)) إلى آخره، وأخرج عبد الرزاق عن معمر عن الحسن مثله،
وفي التفسير: وعن ابن عباس وقتادة: خلفة، يعني عوضاً وخلفاً يقوم واحدهما مكان صاحبه،
فمن فاته عمله في أحدهما قضاه في الآخر، وعن مجاهد: يعني جعل كل واحد منهما
مخالفاً للآخر فجعل هذا أسود وهذا أبيض، وعن ابن زيد: يعني إذا جاء أحدهما ذهب
الآخر، فهما يتعاقبان في الظلام والضياء والزيادة والنقصان.
وقال الحَسَنُ هَبْ لَنَا مِنْ أَزْواجِنا في طاعَةِ الله وما شَيْءٌ أَقَرَّ لِعَيْنِ المُؤْمِنِ أَنْ يَري
حَبِيبَهُ في طاعَةِ الله
أي: قال الحسن البصري في قوله تعالى: ﴿والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا
وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً﴾ [الفرقان: ٧٤] وهكذا أسنده عنه ابن المنذر من
حديث جرير عنه، وفي التفسير: قرة أعين بأن نراهم مؤمنين صالحين مطيعين لك، ووحد القرة
لأنها مصدر وأصلها من البرد لأن العين تتأذى بالحر وتستريح بالبرد.
وقال ابنُ عبّاسٍ تُوراً وَئِلاً
أي: قال ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿دعوا هنالك ثبوراً﴾ [الفرقان: ١٣] أي:
ويلاً وأسنده ابن المنذر عنه من حديث علي بن أبي طلحة عنه.
وقال غَيْرُهُ السَّعِيرُ مُذَكَّرٌ والتَّسَعُرُ والاضْطِرَامُ التَّوَقدُ الشِّدِيدُ
أي: قال غير ابن عباس: وهو أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿وأعتدنا لمن كذب بالساعة
سعيراً﴾ [الفرقان: ١١] وقال: السعير مذكر لأنه ما يسعر به النار، وإنما حكم بتذكيره إما من
حيث أنه فعيل فيصدق عليه أنه مذكر، وإنه مؤنث، وقيل: المشهور أن السعير مؤنث، وقال
تعالى: ﴿إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظاً وزفيراً﴾ [الفرقان: ١١] ويمكن أن يقال: إن
الضمير يحتمل أن يعود إلى الزبانية، أشار إليه الزمخشري. قوله: ((والتسعر)) إلى آخره يريد به
أن معنى التسعر ومعنى الاضطرام ((التوقد الشديد)).
تُغْلَى عَلَيْهِ أْ تُقْرَأُ عَلَيْهِ مِنْ أَمْلَيْتُ وَأَمْلَلْتُ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿وقالوا أساطير الأولين﴾ [الفرقان: ٥] اكتتبها فهي تملى عليه

١٣٣
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورة الفرقان
بكرة وأصيلاً، وفسر: ((تملى عليه)) بقوله: ((تقرأ عليه))، قوله: ((وقالوا)) أي: الكفار، ((أساطير
الأولين)) يعني: ما سطره المتقدمون من نحو أحاديث رستم وإسفنديار، والأساطير جمع
إسطار وأسطورة كأحدوثة. قوله: اكتتبها: يعني أمر بكتبها لنفسه وأخذها، وقيل: المعنى
اكتتبها كاتب له لأنه كان أمياً لا يكتب بيده، وذلك من تمام إعجازه. قوله: ((من أمليت))،
أشار به إلى أن تملى من أمليت من الإملاء، وأشار بقوله: ((أمللت)) إلى أن الإملال لَغَة في
الإملاء، وقال الجوهري: أمليت الكتاب أملي وأمللته أمله لغتان جيدتان جاء بهما القرآن،
كقوله تعالى: ﴿فليملل الذي عليه الحق﴾ [البقرة: ٢٨٢].
الرَّسُ المَعْدِنُ جَمْعُهُ رِساسٌ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿وعاداً وثمود وأصحاب الرس قروناً بين ذلك كثيراً﴾
[الفرقان: ٣٨] وفسر الرس بالمعدن، وكذا فسره أبو عبيدة، وقال الخليل: الرس كل بئر غير
مطوية وقال قتادة: أصحاب الأيكة وأصحاب الرس أمتان أرسل الله إليهما شعيباً فعذبوا
بعذابين، قال السدي: الرس بئر بأنطاكية قتلوا فيها حبيباً النجار فنسبوا إليها، رواه عكرمة عن
ابن عباس، وروى عكرمة أيضاً عن ابن عباس في قوله: أصحاب الرس، قال: بئر بأذربيجان.
ما يَعْبَأَ يُقالُ مَا عَبْتُ بِهِ شَيْئاً لا يُعْتَدُّ بِهِ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم﴾ [الفرقان: ٧٧] الآية.
وفسر: ((ما يعبأ)) بقوله: ((يقال))، الخ. وعن أبي عبيدة: يقال ما عبأت به شيئاً، أي: لم أعده
فوجوده وعدمه سواء، وأصل هذه الكلمة تهيئة الشيء، يقال: عبيت الجيش وعبأت الطيب
عبوا: إذا هيأته.
غَرَاماً هَلاَكاً
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿إن عذابها كان غراماً﴾ [الفرقان: ٦٥] وفسر الغرام بالهلاك،
وكذا فسره أبو عبيدة، ومنه قولهم: رجل مغرم بالحب.
وقال مُجاهِدٌ وعَتَوْا طَغَوْا
أي: قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتواً كبيراً﴾
[الفرقان: ٢١] وقال: يعني عتوا طغوا، أخرجه ورقاء في (تفسيره) عن ابن أبي نجيح عنه.
وقال ابنُ عُيَيْنَةَ: عاتِيَةٍ عَتَتْ على الخُزَّانِ
أي: قال سفيان بن عيينة في قوله تعالى: ﴿وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية﴾
[الحاقة: ٦] هذه في سورة الحاقة، ذكرها هنا استطراداً لقوله: وعتوا، قوله: ((صرصر)) هو
الشديد الصوت، وقيل: الريح الباردة من الصر فتحرق من شدة بردها. قوله: ((عاتية))، شديدة
العصف، وقال سفيان في تفسير عاتية: عتت على خزانها فخرجت بلا كيل ولا وزن،

١٣٤
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ/ سورة الفرقان
والخزان، بضم الخاء وتشديد الزاي: جمع خازن، وأريد به خزان الريح الذين لا يرسلون شيئاً
من الريح إلاّ بإذن الله بمقدار معلوم، ووقع في هذه التفاسير في النسخ تقديم وتأخير وزيادة
ونقصان.
١ - بابُ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُخْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرِّ مَكاناً
وأضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان: ٣٤]
أي: هذا باب في قوله تعالى: ﴿الذين يحشرون﴾ إلى آخره، وهذا المقدار في رواية
أبي ذر، وفي رواية غيره ساقه إلى قوله: ﴿وأضل سبيلاً﴾. قوله: ((الذين يحشرون)) أي:
يسحبون على وجوههم. قوله: ((أولئك مكاناً)) أي: منزلة وهي النار. قوله: ((وأضل سبيلاً))
أي: طريقاً، لأن طريقهم إلى النار . !
٢٨٠/ ٤٧٦٠ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حدثنا يُونُسُ بنُ مُحَمَّدِ البَغْدَادِيُّ حدّثنا
شَيْبَانُ عَنْ قَتَادَةَ حدثنا أنَسُ بنُ مالِكِ رضي الله عنهُ أنَّ رَبجلاً قال يا نَبِيَّ الله يُحْشَرُ الكافِرُ
عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ القِيامَةِ قال أَلَيْسَ الَّذِي أَمْشَاهُ عَلَى الرَّجْلَيْنِ في الدُّنْيا قادِراً عَلَى أَنْ يُمْشِيهِ
عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ قال قَتَادَةُ بَلَى وِزَّةِ رَبِّنا. [الحديث ٤٧٦٠ - طرفه في: ٦٥٢٣].
مطابقته للترجمة ظاهرة، وعبد الله بن محمد المعروف بالمسندي، وشيبان بن عبد
الرحمن النحوي.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الرقاق عن عبد الله بن محمد. وأخرجه مسلم في
التوبة عن زهير بن حرب وعبد بن حرب وعبد بن حميد. وأخرجه النسائي في التفسير عن
الحسين بن منصور.
قوله: ((قال قتادة)) إلى آخره زيادة موصولة بالإسناد المذكور، قالها فادة تصديقاً لقوله:
أليس الذي أمشاه.
٢ - بابُ قولِهِ: ﴿وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ الله إلهاً آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ
الله إلاَّ بالحَقِّ ولا يَزْنُونَ ومَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثاما﴾ [الفرقان: ٦٨]
أي: هذا باب في قوله تعالى: ﴿والذين﴾ إلى آخره، وهذا المقدار هو المروي في
رواية أبي ذر، وفي رواية غيره إلى قوله: ((أثاماً) وعن ابن عباس: إن ناساً من أهل الشرك قد
قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا ثم أتوا محمداً عَ لَّهِ فقالوا: إن الذي تقول وتدعونا إليه لحسن لو
تخبرنا أن لما عملناه كفارة، فنزلت: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر﴾ ... الآيات، وقيل:
نزلت في وحشي غلام ابن مطعم.
٤٧٦١/٢٨١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حدّثنا يَحْبَى عَنْ سُفْيَانَ قال حدّثني منْصُورٌ وسُلَيْمَانُ
عنْ أبي وائِلٍ عَنْ أَبي مَيْسَرَةَ عَنْ عَبْدِ الله. قال حدّثني واصِلٌ عَنْ أبي وائِلٍ عَنْ عَبْدِ الله

١٣٥
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورة الفرقان
رضي الله عنهُ قال سألْتُ أوْ سُئِلَ رسولُ اللهِ عَّلَلِ أَيُّ الذَّنْبِ عِنْدَ الله أكْبَرُ قال أنْ تَجْعَلَ لله
نِدَّا وَهْوَ خَلَقَكَ قُلْتُ ثُمَّ قال ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ قُلْتُ ثُمَّ أيّ قال أنْ
تُزَانِيَ بِحَلِيلَةٍ جَارِكَ قال، وَنَزَّلَتْ لهذِهِ الآيَةُ تَصْدِيقاً لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ عَ لَّهِ ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ
مَعَ الله إلهاً آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ الله إلاّ بالحَقِّ﴾. [انظر الحديث ٤٤٧٧
وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، ويحيى هو ابن سعيد القطان، وسفيان هو الثوري، ومنصور هو
ابن المعتمر، وسليمان هو الأعمش وأبو وائل شقيق بن سلمة، وأبو ميسرة - ضد الميمنة -
عمرو بن شرحبيل الهمداني وعبد الله هو ابن مسعود، وواصل هو ابن حيان، بفتح الحاء
المهملة وتشديد الياء آخر الحروف من الحياة، أو من الحين منصرفاً وغير منصرف الكوفي.
والحديث مضى في أوائل تفسير صورة البقرة فإنه أخرجه هناك عن عثمان بن أبي
شيبة حدثنا جرير عن منصور عن أبي وائل عن عمرو بن شرحبيل عن عبد الله، قال: سألت
النبي عَّمِ فذكره مختصراً. وقال: أعظم بدل أكبر.
قوله: ((قال وحدثني)) وأصل القائل هو سفيان الثوري، والحاصل أن الحديث عند
سفيان عن ثلاثة أنفس: أما إثنان منهما فأدخلا فيه بين أبي وائل وعبد الله أبا ميسرة، وأما
الثالث وهو واصل فأسقطه، وقد رواه عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن الثلاثة عن أبي
وائل عن أبي ميسرة عن عبد الله فعدوه وهماً، والصواب إسقاط أبي ميسرة من رواية واصل.
والله أعلم. قوله: («سألت أو سئل)» شك من الراوي، وفي رواية قلت: يا رسول الله. قوله:
((أكبر))، وفي رواية مسلم: أعظم. قوله: ((ندا))، بكسر النون وتشديد الدال أي: نظيراً. قوله:
((خشية أن يطعم معك)) أي: لأجل خشية، إطعامه معك. فإن قيل: لو لم يقيد بها لكان
الحكم كذلك. وأجيب: بأن لا اعتبار لهذا المفهوم لأن شرطه أن لا يخرج الكلام مخرج
الغالب. وكانت عادتهم قتل الأولاد لخشيتهم ذلك. قوله: ((بحليلة جارك))، أي: بامرأته،
والحليلة على وزن فعيلة، إما من الحل لأنها تحل له، وإما من الحلول لأنها تحل معه ويحل
معها. فإن قلت: القتل والزنا في الآية مطلقان، وفي الحديث مقيدان؟ قلت: لأنهما بالقيد
أعظم وأفحش، ولا مانع من الاستدلال لذلك بالآية.
٤٧٦٢/٢٨٢ - حدّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى أخبرنا هِشامُ بنُ يُوسُفَ أنَّ ابنَ جُرَيْج
أُخْبَرَهُمْ قال أخبرني القاسِمُ بنُ أبي بَرَّةَ أَنَّهُ سألَ سَعِيدَ بنَ مُجُبَيْرٍ هَلْ لِمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً مُتَعَمّداً
مِنْ تَوْبَةٍ فَقَرَأْتُ عَلَّيْهِ: ﴿وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ الله إلاّ بالحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨] فقال
سعِيدٌ قَرَأْتُهَا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ كما قَرَأَتَهَا عَلَيَّ فقال لهَذِهِ مَكْيَّةٌ نَسَخَتْها آيَةٌ مَدَنِيَّةٌ الَّتِي في سُورَةِ
النِّساءِ. [انظر الحديث ٣٨٥٥ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، وابن جريج عبد الملك، والقاسم بن بزة، بفتح الباء وتشديد
ے
الزاي، واسم أبي بزة نافع بن يسار، ويقال: يسار إسم أبي بزة، ويقال: أبو بزة جد القاسم لا

١٣٦
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورة الفرقان
أبوه، وهو مكي تابعي ثقة، وهو والد جد البزي المقرىء، وهو أحمد بن عبد الله بن القاسم،
وليس للقاسم في البخاري إلاَّ هذا الحديث الواحد.
قوله: ((فقال سعيد))، أي: سعيد بن جبير. قوله: ((في سورة النساء))، هي قوله تعالى:
﴿ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم﴾ [النساء: ٩٣] وليس فيها استثناء التائب بخلاف هذه
الآية إذ قال الله تعالى فيها: ﴿إِلاَّ من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم
حسنات﴾ [الفرقان: ٧٠] فإن قيل: كيف قال ابن عباس لا توبة للقاتل، وقال الله عز وجل:
﴿وتوبوا إلى الله جميعاً﴾ [النور: ٣١] وقال: ﴿إن الله هو يقبل التوبة عن عباده﴾
[التوبة: ١٠٤] وأجمع الأئمة على وجوب التوبة. أجيب: بأن ذلك محمول فيه على الاقتداء
بسنة الله في التغليظ والتشديد، وإلاّ فكل ذنب قابل للتوبة، وناهيك بمحو الشرك دليلاً.
٢٨٣ /٤٧٦٣ - حدّثني مُحَمَّدُ بنُ بَشّارٍ حدَّثنا غُنْدَرٌ حدثنا شُعْبَةُ عنِ المُغِيرَةِ بنِ
النعْمانِ عنْ سَعِيدٍ بن جُبَيْر قال اخْتَلَفَ أهْلُ الكُوفَةِ في قَتْلِ المُؤْمِنِ فَرَحَلْتُ فِيهِ إلى ابنِ
عَبَّاسٍ فقال نَزَلَتْ في آخِرِ ما نَزَلَ وَلَمْ يَنْسَخُها شَيْءٌ. [انظر الحديث ٣٨٥٥ وأطرافه].
هذا طريق آخر عن سعيد بن جبير، وغندر بضم الغين المعجمة محمد بن جعفر، وقد
مر كثيراً وقد مر الكلام فيه في سورة النساء.
٢٨٤ / ٤٧٦٤ - حدَّثنا آدَمُ حدثنا شَعْبَةُ حدثنا مَنْصُورٌ عَنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ قال سألتُ
ابنَ عبّاسٍ رضي الله عنهما عَنْ قَوْلِهِ تعالى ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ قال لا تَوْبَةَ لَهُ وَعَنْ قَوْلِهِ جَلَّ
ذِكْرُهُ: ﴿لا يَدْعُونَ مَعَ الله إلهاً آخَرَ﴾ قال كانَتْ لهذِهِ في الجاهِلِيَّةِ. [انظر الحديث ٣٨٥٥
وأطرافه].
هذا أيضاً عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. قوله: ((كانت هذه))، أي قوله تعالى: ﴿لا
يدعون مع الله إلهاً آخر﴾ قوله: ((في الجاهلية)) يعني: في حق أهل الشرك من أهل مكة.
وأما الآية الأخرى ففي حق الرجل الذي عرف الإسلام ثم قتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم لا
توبة له، وهذا مشهور عن ابن عباس، وقد حمل جمهور السلف وجميع أهل السنة ما ورد من
ذلك على التغليظ والتهديد، وصححوا توبة القاتل كغيره.
٣ - بابُ قَوْلُهُ: ﴿يُضاعَفْ لَهُ العِذَابُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً﴾
[الفرقان: ٦٩]
أي: هذا باب في قوله عز وجل: ﴿يضاعف له﴾ الآية. قوله: ((يضاعف)) بدل من قوله:
﴿يلق أثاماً﴾ [الفرقان: ٦٨] لأنهما في معنى واحد، ومعنى: ﴿يضاعف له العذاب﴾ أن
المشرك إذا ارتكب المعاصي مع الشرك يعذب على الشرك وعلى المعاصي جميعاً، وقرأ
عاصم: يضاعف، بالرفع على تفسير: يلق أثاماً، كأن قائلاً يقول: ما لقي الأثام فقيل: يضاعف
العذاب، وقرأ الباقون بالجزم بدلاً من قوله: ((يلقَ)) لأنه مجزوم على الجزاء، وابن كثير وابن

١٣٧
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ/ سورة الفرقان
عامر يحذفان الألف ويشددان العين. قوله: ((ويخلد فيه)) أي: في النار ((مهاناً)) ذليلاً، وقرأ ابن
عامر: يخلد بالرفع على الاستئناف والباقون بالجزم.
٤٧٦٥/٢٨٥ - حدّثنا سَعْدُ بنُ حَفْصِ حدثنا شَيْبانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ
قال قال ابنُ أبْزى سُئِلَ ابنُ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مَتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمْ﴾
[النساء: ٩٣]. وَقَوْلِهِ: ﴿ولا يَقتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّم الله إلاّ بالحَقِّ﴾ حَتَّى بَلَغَ ﴿ِتَابَ وَآمَنَ﴾
[الفرقان: ٧٠] فَسَأَلْتُهُ فقال لَمَا نَزَّلَتْ قال أهْلُ مَكَّة فَقَدْ عَدَلْنا بالله وَقَتَلْنا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ الله
إلّ بالحَقِّ وَأَتَيْنا الفَوَاحِشَ فَأَنْزَلَ الله: ﴿مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً﴾ إلى قَوْلهِ: ﴿غَفُوراً
رَحِيماً﴾. [انظر الحديث ٣٨٥٥ وأطرافه].
مطابقته للترجمة تؤخذ من تمام الآية التي هي الترجمة، وسعد بن حفص الطلحي يقال
له: الضخم، وشيبان هو ابن عبد الرحمن، ومنصور هو ابن المعتمر، وابن أبزى بفتح الهمزة
وسكون الباء الموحدة وبزاي مقصور، واسمه عبد الرحمن وهو من صغار الصحابة.
قوله: ((سئل ابن عباس)) كذا في رواية أبي ذر على صيغة المجهول، وفي رواية
الأصيلي: سل، بصيغة الأمر. قوله: ((عدلنا)) أي: أشركنا به وجعلنا مثلاً.
٤ - بابُ: ﴿إِلَّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ الله سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ
وكانَ الله غَفُوراً رَحِيماً﴾.
أي: هذا باب في قوله: ﴿إِلاّ من تاب﴾ الآية. وليس في كثير من النسخ لفظ: باب.
٢٨٦/ ٤٧٦٦ - حدَّثنا عَبْدَانُ أُخْبَرَنا أَبِي عَنْ شُعْبَةَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ سَعِيدِ بنِ حُبَيْرٍ
قال أمَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمُنِ بنُ أبْزَى أنْ أسْألَ ابنَ عَبَّاسٍ عَنْ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ. ﴿وَمَنْ يَفْتُلْ مُؤْمِناً
مُتَعَمِّداً﴾ [الفرقان: ٦٨] فَسَألْتُهُ فقال لَمْ يَنْسَخُها شَيْءٌ وَعَنْ: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ الله إلّهاً
آخَرَ﴾ قال نَزَلَتْ في أهْلِ الشِّرْكِ. [انظر الحديث ٣٨٥٥ وأطرافه].
هذا طريق آخر في حديث ابن أبزى، وعبدان هو ابن عثمان بن جبلة الأزدي المروزي.
وحاصل هذه الأحاديث التي رواها سعيد بن جبير أن ابن عباس يفرق بين الآيتين المذكورتين
وهو أن قوله: ((ومن يقتل مؤمناً متعمداً) الآية في حق المسلم العارف بالأمور الشرعية، وإن
قوله: ((إلاَّ من تاب)) الآية. في حق المشرك، فإذا كان كذلك فلا توبة للقاتل عنده، وقد مر
الكلام فيه عن قريب وفيما مضى.
٥ - بابُ: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً﴾ [الفرقان: ٧٧] هَلَكَةً
أي: هذا باب في قوله تعالى: ﴿فقد كذبتم فسوف يكون لزاماً﴾، وقد فسره بقوله:
((هلكة)). وقال الثعلبي: اختلف في اللزام فقيل: يوم بدر قتل منهم سبعون وأسر سبعون، وقيل:
عذاب القبر، وقال ابن جرير: عذاباً دائماً لازماً وهلاكاً مستمراً.

١٣٨
٦٥ - كِتَابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورة الشعراء
٢٨٧ / ٤٧٦٧ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصِ بنِ غياثٍ حدَّثنا الأعْمَشُ حدثنا مُسْلِمٌ عَنْ
مَسْرُوق قال عَبْدُ الله خَمْسٌ قَدْ مَضَيْنَ الدُّخانُ والقَمَرُ والرُّومُ والبَطْشَةُ واللَّامُ ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ
لِرَاماً﴾ [الفرقان: ٧٧]. [انظر الحديث ١٠٠٧ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة. ومسلم هو ابن صبيح أبو الضحى، وعبد الله هو ابن مسعود
رضي الله عنه.
قوله: ((خمس)) أي: خمسة علامات ((قد مضين))، أي وقعن. الأولى: الدخان. قال الله
تعالى: ﴿يوم تأتي السماء بدخان مبين﴾ [الدخان: ١٠]. الثانية: القمر، قال الله تعالى:
﴿اقتربت الساعة وانشق القمر﴾ [القمر: ١]. الثالثة: الروم، قال الله تعالى: ﴿ألم غلبت الروم﴾
[الروم: ١]. الرابعة: البطشة. قال الله تعالى: ﴿يوم نبطش البطشة الكبرى﴾ [الدخان: ١٦] وهو
القتل الذي وقع يوم بدر. الخامسة: اللزام ﴿فسوف يكون لزاماً﴾ قيل: هو القحط، وقيل: هو
التصاق القتلى بعضهم ببعض في بدر، وقيل: هو الأسر فيه، وقد أسر سبعون قرشياً فيه.
والحديث مر في كتاب الاستسقاء.
سورَةُ الشُّعَرَاءِ
أي: هذا تفسير بعض سورة الشعراء. مكية كلها إلا آية واحدة. ﴿إِلاَّ الذين آمنوا
وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيراً وانتصروا من بعدما ظلموا﴾ [الشعراء: ٢٢٧] نزلت في
حسان وعبد الله بن رواحة وكعب بن مالك شعراء الأنصار، وقال مقاتل: فيها من المدني
آيتان: ﴿والشعراء يتبعهم الغاوون﴾ [الشعراء: ٢٢٤] وقوله: ﴿أو لم يكن لهم آية أن يعلمه
علماء بني إسرائيل﴾ [الشعراء: ١٩٧] وعند السخاوي: نزلت بعد سورة الواقعة، وقبل سورة
النمل، وهي: مائتان وسبع وعشرون آية، وألف ومائتان وسبع وتسعون كلمة، وخمسة آلاف
وخمسمائة وإثنان وأربعون حرفاً.
وقال مُجاِهِدٌ تَعْبُونَ تَبْنُونَ
أي: قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿أتبنون بكل ريع آية تعيثون﴾ [الشعراء: ١٢٨] وفسر
تعبثون بقوله: ((تبنون)). ووصله الفريابي عن ورقاء عن ابن أبي نجيح عنه في قوله: ﴿أتبنون
بكل ربع﴾ قال: بكل فج ((آية تعبثون))، قال: بنياناً. وعن ابن عباس: بكل ريع بكل شرف،
عن قتادة والضحاك ومقاتل والكلبي: طريق، وهي رواية عن ابن عباس، وعن عكرمة: واد،
وعن مقاتل: كانوا يسافرون ولا يهتدون إلاّ بالنجوم فبنوا على الطرق أعلاماً طوالاً عبئاً ليهتدوا
بها وكانوا في غبة منها، وقال الكرماني: كانوا يبنون بروجاً للحمامات يعبثون بها. والريع
المرتفع من الأرض والجمع ريعة بكسر الراء وفتح الياء، وأما الأرياع فمفرده: ريعة، بالكسر
والسكون.

١٣٩
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورة الشعراء
هَضِيمٌ: يَتَفَتَّتُ إذَا مُسَّ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿في جنات وعيون وزروع ونخل طلعها هضيم﴾
[الشعراء: ١٤٧-١٤٨] وفسر هضيماً بقوله: ((يتفتت إذا مس)) على صيغة المجهول، وهذا
قول مجاهد أيضاً، وقيل: هو المنظم في وعائه قبل أن يظهر.
مُسَخَّرِينَ: المَسْحُورِينَ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿قالوا إنما أنت من المسحرين﴾ [الشعراء: ١٥٣-١٨٥] وفسره
بقوله: ((المسحورين)) أي: من سحر مرة بعد مرة من المخلوقين المعللين بالطعام والشراب،
وقال الفراء: أي أنك تأكل الطعام وتشرب الشراب وتسحر به، والمعنى: لست بملك إنما أنت
بشر مثلنا لا تفضلنا في شيء. وقال أبو عبيدة: كل من أكل فهو مسحر، وذلك أن له سحراً،
بفتح السين وسكون الحاء، أي: رئة، وقيل: من السحر بالكسر.
واللَّيْكَةُ والأُنْكَةُ جَمْعُ أَئِكَةٍ وَهْيَ جَمْعُ شَجَرٍ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿كذب أصحابُ الأيكة المرسلين﴾ [الشعراء: ١٧٦] والليكة،
بفتح اللام والأيكة بفتح الهمزة. قال الجوهري: من قرأ أصحاب الأيكة فهي الغيضة، ومن
قرأ: ليكة، فهي القرية. وقال: الأيك الشجر الكثير الملتف الواحدة أيكة. قلت: قرأ ابن كثير
ونافع وابن عامر أصحاب ليكة هنا، وفي (ص) بغير همزة، والباقون بالهمزة فيهما. قوله:
((جمع أيكة)) كذا في النسخ وهو غير صحيح، والصواب أن يقال: والليكة والأيكة مفرد أيك،
ويقال: جمعها أيك، والعجب من بعض الشراح حيث لم يذكر هنا شيئاً بل قال: الكلام الأول
من قول مجاهد، ومن جمع أيكة ... الخ من كلام أبي عبيدة، وحاشا من مجاهد ومن أبي
عبيدة أن يقولا الأيكة جمع أيكة. قوله: ((وهي جمع شجر))، كذا للأكثرين، وعند أبي ذر:
وهي جمع الشجر، وفي بعض النسخ وهي جماعة الشجر، وعلى كل التقدير: هذا في نفس
الأمر تفسير غيضة التي يفسر بها الأيكة، لأن الغيضة هي جماعة الشجر، وإذا لم يفسر الأيكة
بالغيضة لا يستقيم هذا الكلام. فافهم فإنه موضع التأمل.
يَوْمِ الظُّلَّةِ إِظْلَالُ العَذَابِ إِيَّهُمْ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿فأخذهم عذاب يوم الظلة﴾ وفسر ((يوم الظلة)) بقوله:
((إظلال العذاب إياهم))، وفي التفسير معنى الظلة هنا: السحاب التي أظلتهم.
مَوْزُونٍ مَعْلُومِ
هذا غير واقع في محله فإنه في سورة الحجر، وكأنه من جهل الناسخ لعدم تمييزه،
وهو قوله تعالى: ﴿وأنبتنا فيها من كل شيء موزون﴾ [الحجر: ١٩].

١٤٠
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ/ سورة الشعراء
كالطَّوْدِ الجَبَلِ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿فكان كل فرق كالطود العظيم﴾ [الشعراء: ٦٣] وفسر الطود
بالجبل، ووقع هذا لأبي ذر منسوباً إلى ابن عباس، ولغيره منسوباً إلى مجاهد، وفي بعض
النسخ: كالطود الجبل.
الشِّرْذِمَةُ طائِفَةٌ قَلِيلَةٌ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿إن هؤلاء لشرذمة قليلون﴾ [الشعراء: ٥٤] وفسر الشرذمة
((بطائفة قليلة))، وقال الثعلبي: أرسل فرعون في إثر موسى لما خرج مع بني إسرائيل ألف ألف
وخمسمائة ألف ملك، مع كل ملك ألف فارس، وخرج فرعون في الكرسي العظيم فكان فيه
ألفا ألف فارس. فإن قلت: روي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أتبعه فرعون في ألفي حصان
سوى الإناث وكان موسى عَّل في ستمائة ألف من بني إسرائيل، فقال فرعون: إن هؤلاء
لشرذمة قليلون، فكيف التوفيق بين الكلامين؟ قلت: يحتمل أن يكون مراد ابن عباس: خواص
فرعون الذين كانوا يلازمونه ليلاً ونهاراً، ولم يذكر غيرهم، على أن الذي ذكره الثعلبي لا
يخلو عن نظر، وقد روي عن عبد الله، قال: كانوا ستمائة ألف وسبعين ألفاً.
!
في السَّاجِدِينَ المُصَلِّينَ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين﴾
[الشعراء: ٢١٨-٢١٩] وفسر الساجدين بالمصلين، وكذا فسره الكلبي، وقال: الذي يرى
تصرفك مع المصلين في أركان الصلاة في الجماعة قائماً وقاعداً وراكعاً وساجداً. قال
الثعلبي: هو رواية عن ابن عباس.
قال ابنُ عَّاسٍ: لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ كَأَنَّكُمْ
أي قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون﴾
[الشعراء: ١٢٩] إن معنى: لعلكم كأنكم، وقرأ أبي بن كعب: كأنكم تخلدون، وقرأ ابن
مسعود: ﴿لعلكم تخلدون﴾، وعن الواحدي: كل ما في القرآن: لعل، فهو للتعليل إلاَّ هذا
الحرف فإنه للتشبيه، قيل: في الحصر نظر لأنه قد قيل مثل ذلك في قوله: ﴿لعلك باخع
نفسك﴾ [الشعراء: ٣].
الرِّيعُ الأَتِفاعُ مِنَ الأَرْضِ وَجَمْعُهُ رِيَعَةٌ وَأزياعٍ واحِدَ الرِّيَعَةِ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿أتبنون بكل ربع آية تعبئون﴾ [الشعراء: ١٢٨]. وقال: ((الربع
الأيفاع من الأرض)»، الأيفاع بفتح الهمزة جمع يافع وهو المكان المرتفع من الأرض، ومنه
يقال: غلام يافع من أيفع الغلام أي: ارتفع، والصواب: اليفاع من الأرض بفتح الياء والفاء
وهو المرتفع منها، وقد فسر الريع بكسر الراء بقوله: الأيفاع واليفاع من الأرض، وقال