النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سُورَةُ هُودٍ
الأضياف وتعتريه أي: تغشاه. قوله: ((ومنه يعروه واعتراني)) أي: ومن هذا الأصل قولهم:
فلان يعروه أي: يصيبه، وقال الجوهري: أعراني هذا الأمر واعتراني: تغشاني، وفيه معنى
الإصابة.
آخِذٌ بِناصِيَتِها أيْ في مُلْكِهِ وسُلْطانِهِ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط
مستقيم﴾ [هود: ٥٦] وتفسيره بقوله: أي: في ملكه وسلطانه، تفسير بالمعنى الغائي لأن من
أخذ بناصيته يكون تحت قهر الآخذ وحكمه، وهذا التفسير بمفسره لم يثبت إلاّ في رواية
الكشميهني وحده.
وإِلَى مَذْيَنَ أخَاهُمْ شُعَيْباً
أي: أرسلنا إلى أهل مدين أخاهم أي من أنفسهم. قوله: ((شعيباً))، بدل من أخاهم
الذي هو منصوب: بأرسلنا، المقدر، وشعيب منصرف لأنه علم عربي وليس فيه علة أخرى.
وفي (صحيح ابن حبان): أربعة من العرب: هود وصالح وشعيب ونبيك يا أبا ذر - وكان
لسانه العربية - أرسله الله إلى مدين بعد إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وفي إسم أبيه أقوال،
والمشهور: شعيب بن بويب ابن مدينة بن إبراهيم، ومدين لا ينصرف للعلمية والعجمة، ثم
صار إسماً للقبيلة، ثم إن مدينة لما بنى بلدة قريبة من أرض معان من أطراف الشام مما يلي
ناحية الحجاز سماها بإسمه مدين. قوله: ((إلى مدين))، أي: إلى أهل مدينة لأن مدين إسم
بلد فلا يمكن الإرسال إليه ولا يكون الإرسال إلاَّ إلى أهله، فلذلك قدر المضاف مثل:
(واسأل القرية) أي اسأل أهل القرية، لأن السؤال عن القرية لا يتصور، وكذلك قوله: واسأل
العير، تقديره: واسأل أصحاب العير، بكسر العين: الإبل بأحمالها، من عار يعير إذا سار،
ويقيل: هي قافلة الحمير، فكثرت حتى سمي بها كل قافلة.
﴿وَرَاءَكُمْ ظَهْرِيًّا﴾ يَقُولُ لَمْ تَلْتَفِتُوا إِلَيْهِ ويُقالُ إذَا لَمْ يَقْضِ الرَّجُلُ حاجَتَهُ ظَهَرْتَ
بِحاجَتي وجَعَلْتَنِي ظِهِرِياً والظّهْرِيُّ هُهُنا أَنْ تَأْخُذَ مَعَكَ دَابّةً أَوْ وِعاءٌ تَسْتَظْهرُ بِهِ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿واتخذتموه وراء كم ظهرياً﴾ [هود: ٩٢] وهذا أيضاً لم يثبت
إلاَّ للكشميهني وحده، وفسره بقوله: لم تلتفتوا إليه، وهو تفسير بالمعنى الغائي، لأن معنى
قوله) ﴿واتخذتموه وراء كم ظهرياً﴾ جعلتموه وراء ظهوركم، وجعل الشيء وراء الظهر كناية
عن عدم الالتفات إليه، والظهري منسوب إلى الظهر، وكسرة الظاء من تغييرات النسب، قوله:
((ويقال: إذا لم يقض الرجل حاجته))، أي: حاجة فلان، مثلاً يقال له: ظهرت بها، كأنه
استخف بها وجعلها بظهره أي: كأنه أزالها ولم يلتفت إليها، وجعلها ظهرياً، أي: خلف
ظهره. قوله: ((والظهري ههنا)) إلى آخره إن أراد بقوله: ههنا، تفسير الظهري الذي في القرآن
فلا يصح ذلك، لأن تفسير الظهري هو الذي ذكره أولاً، وقال الزمخشري: معنى قوله تعالى:
عمدة القاري/ ج١٨ م٢٦

٤٠٢
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سُورَةُ هُودٍ
﴿واتخذتموه وراء كم ظهرياً﴾ نسيتموه وجعلتموه كالشيء منبوذاً وراء الظهر لا يعبأ به، وعن
ابن عباس رضي الله عنهما، يريد ألقيتموه خلف ظهوركم وامتنعتم من قتلي مخافة قومي،
والله أبر وأعز من جميع خلقه، وقوله: ((والظهري ههنا)) إلى آخره، غير المعنى الذي ذكره
المفسرون في الآية الكريمة، نعم جاء الظهري أيضاً بهذا المعنى، وقد قال الجوهري، بالكسر:
العدة للحاجة إن احتيج إليه، وهذا يؤكد المعنى الذي قاله، ومنه يقال: بعير ظهير بيّ الظهارة
إذا كان قوياً، وناقة ظهيرة، قاله الأصمعي: قوله: ((يستظهر به)) أي: يستعين به، أي: بالظهري،
ويقال: فلان ظهرني على فلان، وأنا ظهرتك على هذا الأمر، أي: عونك.
أرَاذِلُنا سُقَّاطُنا
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿وما نراك اتبعك إلاَّ الذين هم أراذلنا بادي الرأي﴾ [هود:
٢٧] وفسر: أراذلنا، بقوله: سقاطنا، بضم السين المهملة وتشديد القاف جمع سقط بفتحتين،
وهو الرديء الدنيء الخسيس، وسقاطنا أي: أخساؤنا، والأراذل جمع أرذل وهو الرديء من
كل شيء، وقيل: جمع أرذل، بضم الذال وهو جمع رذل، مثل كلب وأكلب وأكالب، والآية
في قصة نوح عليه الصلاة والسلام.
٣ - بابُ قَوْلِهِ: ﴿وَيَقُولُ الأَشْهادُ هُؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ الله عَلَى
الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]
٢٠٥/ ٤٦٨٥ - حدثنا مُسَدَّدُ حدثنا يَزِيدُ بنُ زُرَبْعِ حدثنا سعيدٌ وهِشَامٌ قالا حدثنا
قَتَادَةُ عنْ صَفْوَانَ بنِ مُخْرِزٍ قال بَيْنا ابنُ عمَرَ يَطُوفُ إِذْ عَرَضَ رجُلٌ فقال يا أبا عبْدِ الرَّحْمنِ
أَوْ قال يا ابْنَ عُمَرَ هَلْ سَمِعْتَ النبيَّ عَ لَّهِ فِي النَّجْوَى فقال سَمِعْتُ النبيَّ عَلَّهِ يَقُولُ يُدْنى
المُؤْمِنُ مِنْ رَبِّهِ. وقال هِشَامٌ يَدْنُوا المُؤْمِنُ حَتَّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ فيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ تَغْرِفُ ذَنْبَ
كَذَا يَقُولُ أعْرِفُ يَقُولُ رَبِّ أعْرِفُ مَرَّتَيْنِ فَيَقُولُ سَتَرْتُها في الدُّنْيَا وَأَغْفِرُها لَكَ اليَوْمَ ثُمَّ
تُطْوَى صَحِيفَةُ حَسَناتِهِ وأمّا الآخَرُونَ أوِ الكُفَّارُ فَيُنادَي عَلَى رُؤُوسِ الأشْهادِ لهُؤْلاَءِ الَّذِينَ
كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ وقال شَيْيانُ عنْ قَتَادَةَ حدَّثنا صَفْوَانُ. [انظر الحديث ٢٤٤١ وطرفيه].
مطابقته للترجمة ظاهرة. ويزيد - من الزيادة - ابن زريع - مصغر زرع - وسعيد هو ابن
عروبة، وهشام ابن عبد الله الدستوائي، وصفوان بن محرز، بضم الميم وسكون الحاء المهملة
وكسر الراء وبالزاي: المازني.
والحديث مضى في كتاب المظالم في: باب قول الله تعالى: ﴿ألا لعنة الله على
الظالمين﴾ ومضى الكلام فهي هناك.
قوله: ((في النجوى)) أي: المناجاة التي بين الله تعالى وبين المؤمنين، وإنما أطلق
النجوى لمخاطبة الكفار على رؤوس الأشهاد. قوله: ((يدنى المؤمن)) على صيغة المجهول
من الدنو، وهو القرب. قوله: ((كنفه)) بفتح النون وهو الجانب والناحية، وهذا تمثيل لجعله

٤٠٣
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سُورَةُ هُودٍ
تحت ظل رحمته يوم القيامة، وقال ابن الأثير: حتى يضع عليه كنفه أي يستره، وقيل:
يرحمه ويلطف به، والكنف والدنو كلاهما مجازان لاستحالة حقيقتهما على الله تعالى،
والحديث من المتشابهات. قوله: ((ثم تطوى)) ويروى: ثم يعطى، قوله: ((وأما الآخرون)) بالمد
وفتح الخاء وكسرها، ويروى بالقصر والكسر: فهم المديرون المتأخرون عن الخير. قوله:
((والكفار)) شك من الراوي. قوله: ((وقال شيبان)) هو ابن عبد الرحمن النحوي، وقد أخرج
البخاري هذا الحديث أيضاً في كتاب التوحيد عن مسدد عن أبي عوانة عن قتادة عن صفوان
إلى آخره، ثم قال: وقال آدم: حدثنا شيبان حدثنا قتادة حدثنا صفوان عن ابن عمر: سمعت
النبي عَّالل، ووصله ابن مردويه من طريق شيبان.
٤ - بابُ قَوْلِهِ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القرَى وَهْيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ
شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢]
أي: هذا باب في قوله تعالى: ﴿وكذلك﴾ الآية، وليس في بعض النسخ لفظ: باب
قوله: ((وكذلك))، أي: ذكر من إهلاك الأمم وأخذهم بالعذاب. قوله: ((إذا أخذ القرى)) أي:
أهلها، وقرىء إذ أخذ قوله: ((وهي ظالمة)) حال من القرى. قوله: ((إن أخذه)) أي: أخذ الله
((أليم)، أي: وجيع شديد، وهذا تحذير من وخامة الذنب لكل أهل قرية.
الرَّفْدُ المَرْفُودُ العَوْنُ المُعِينُ رَفَدْتُهُ أَعَنْتُهُ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود﴾ [هود:
٩٩] وفسر الرفد المرفود بقوله: العون المعين، أي: بئس العون المعان، كذا فسره
الزمخشري، وكذا وقع في بعض النسخ، والمشهور بلفظ المعين على لفظ إسم الفاعل،
ووجهه أن يقال: الفاعل بمعنى المفعول، أو يقال: معناه بذي عون. قوله: ((رفدته أعنته)) أشار
به إلى أن معنى الرفد العون، يقال: رفدت فلاناً، أي: أعنته، وقال مجاهد: رفدوا يوم القيامة
بلعنة أخرى.
تَرْكَنُوا تَمِيلُوا
أشار به إلى قوله عز وجل: ﴿ولا تركنوا إلى الذين ظلموا﴾ معناه: ولا تميلوا، وعن ابن
عباس: لا تركنوا إلى الذين ظلموا في المحبة ولين الكلام والمودة، وعن مجاهد: لا تدهنوا
الظلمة، وعن ابن العالية: لا ترضوا بأعمالهم، وكذا رواه عبد بن حميد من طريق الربيع بن
انس.
فَلَوْلاً كَانَ فَهَلاَّ كانَ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿فلولا كان من القرون من قبلكم﴾ [هود: ١١٦] ثم قال:
معناه: فهلا كان، وهكذا فسره الزمخشري، ثم قال: وحكوا عن الخليل، كل لولا في القرآن

٤٠٤
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سُورَةُ هُودٍ
فمعناها: هلا إلاَّ التي في الصافات، وما صحت هذه الحكاية، ففي غير الصافات: ﴿لولا أن
تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء﴾ [القلم: ٤٩] ﴿ولولا رجال مؤمنون﴾ [الفتح: ٢٥] ﴿ولولا
أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم﴾ [الإسراء: ٧٤] وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في
قوله: ((فلولا)) قال: في حرف ابن مسعود: فهلا، وكلمة: هلا، للتحضيض.
◌ُثْرِفُوا مِكُوا
أشار به إلى قوله: ﴿واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين﴾ [هود:
١١٦] وفسر أترفوا بقوله: أهلكوا، على صيغة المجهول، ومعنى الإتراف التنعيم، فلعله أراد به
أنهم أهلكوا بسبب هذا الإتراف الذي أطفاهم.
وقال ابن عَّاسِ زفَيْرٌ وشَهِيقٌ صَوْتٌ شَدِيدٌ وصَوْتٌ ضَعِيفٌ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿لهم فيها زفير وشهيق﴾ [هود: ١٠٦] أي: الذين شقوا في
النار زفير وشهيق، وقال ابن عباس: الزفير صوت شديد، والشهيق صوت ضعيف، وفي
التفسير: الزفير والشهيق من أصوات المكروبين المخزونين، وحكي عن أهل اللغة أن الزفير
بمنزلة ابتداء صوت الحمار بالنهيق، والشهيق بمنزلة آخر صوته. وقال بعضهم: الزفير الحمار،
والشهيق البغال. وقيل: الزفير ضد الشهيق، لأن الشهيق النفس والزفير إخراج النفس، وأصل
الزفير الحمل على الظهر، والشهيق من قولهم: جبل شاهق، وقال أبو العالية: الزفير في الحلق
والشهيق في الصدر.
٢٠٦ /٤٦٨٦ - حدَثنا صَدَقَةُ بنُ الفَضْلِ أخبرَنا أبُو مُعاوِيةَ حدثنا برَيْدُ بنُ أبي بُرْدَةَ
عن أبي بُرْدَةَ عنْ أبي مُوسَى رضي الله عنه قال قال رسولُ الله عَّه إنَّ الله لَيُمْلِي لِلظَّالِم
حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ قال ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَكَذَلِكَ أُخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القُرَى وهْيَ ظالِمَةُ إِنَّ
أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢].
مطابقته للترجمة ظاهرة. وأبو معاوية محمد بن خازم، بالخاء المعجمة والزاي:
الضرير، وبريد، بضم الباء الموحدة وفتح الراء: ابن عبد الله بن أبي بردة، بضم الباء الموحدة:
واسمه عامر بن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري، وبريد هذا يروي عن جده أبي بردة،
وحذف البخاري عبد الله تخفيفاً ونسبه إلى جده لروايته عنه، وفي رواية أبي ذر: أبا بريد بن
أبي بردة عن أبيه، والصواب ما ذكره هنا.
والحديث أخرجه مسلم في الأدب عن محمد بن عبد الله بن نمير، وأخرجه في التفسر
عن أبي كريب. وأخرجه النسائي فيه عن أبي بكر بن علي. وأخرجه ابن ماجه في الفتن عن
ابن نمير.
قوله: ((ليملي)) أي: ليمهل، من الإملاء وهو الإمهال، وفي رواية الترمذي: ليمهل،
واللام فيه للتأكيد ((ولم يفلته)) بضم الياء أي: لم يخلصه أبداً بوجه لكثرة مظالمه حتى

٤٠٥
٦٥ - كِتَابُ تَّفْسِيرِ القُرْآنِ / شُورَةُ هُودٍ
الشرك، أو لم يخلصه مدة طويلة إن كان مؤمناً، وقال صاحب (التوضيح): لم يفلته من أفلت
رباعي أي، لم يؤخره. قلت: لا يسمى هذا رباعياً في الاصطلاح وإنما هو ثلاثي مزيد فيه.
٥ - بابُ قَوْله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَي النَّهارِ وزُلَفاً مِنَ اللّيْلِ إِنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ
السَّيَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤]
أي: هذا باب في قوله تعالى: ﴿وأقم الصلاة﴾ الآية خطاب للرسول عليه السلام،
والمراد من طرفي النهار الفجر والمغرب، وقيل: الظهر والعصر، وقيل: الفجر والظهر،
وانتصابهما على الظرفية، والمعنى: أتم ركوعها وسجودها، وخصص الصلاة بالذكر لأنها تالية
الإيمان وإليها يفزع من النوائب، وسبب نزول الآية ما في حديث الباب على ما يأتي عن
قريب. قوله: ((وزلفا من الليل))، عطف على الصلاة، أي: أقم زلفاً من الليل، أي: ساعات
من الليل وهي الساعات القريبة من آخر النهار، من أزلفه إذا قربه، وأزلف إليه، وصلاة الزلف
المغرب. والعشاء، قاله مالك، وقرىء: زلفاً، بضمتين، وزلفاً، بسكون اللام، وزلفى، بوزن:
قربى. قوله: ((إن الحسنات)) الصلوات الخمس. وقيل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله
والله أكبر، وقال عطاء: هن الباقيات الصالحات، والمراد بالسيئات: الصغائر من الذنوب.
قوله: ((ذلك) أي: إن المذكور من الصلوات، وقيل: القرآن، وقيل: جميع المذكور من
الاستقامة والنهي عن الطغيان وترك الميل إلى الظالمين، والقيام بالصلوات ومعنى الذكرى
التوبة، وقيل: العظة وخصصها بالذاكرين لأنهم هم المنتفعون.
وزُلَفاً ساعاتٍ بَعْدَ ساعاتٍ ومِنْهُ سُمِّيَتِ المُزْدَلِفَةُ الزُّلَفُ مَنْزِلَةٌ بَعْدَ مَنْزِلَةٍ وَأَمَّا زُلْفَى
فَمَصْدَرٌ مِنَ القُرْبَى ازْدَلَفُوا اجْتَمَعُوا أَزْلَفْنَا جَمَعْنا
فسر قوله: ((وزلفا من الليل)) بقوله: ((ساعات بعد ساعات)) وهو جمع زلفة كظلم
جمع ظلمة. قوله: ((ومنه سميت المزدلفة)) أي: من معنى الزلف سميت الزدلفة لمجيء
الناس إليها في ساعات من الليل، وقيل: لازدلافهم إليها أي: لاقترابهم إلى الله وحصول
المنزلة لهم عنده فيها، وقيل: لاجتماع الناس بها، وقيل: لأنها منازل. قوله: ((الزلف منزلة
بعد منزلة)) أشار به إلى أن الزلف يأتي بمعنى المنازل، قال أبو عبيدة: زلف الليل ساعات،
واحدتها زلفة أي: ساعة ومنزلة وقربة. قوله: ((وأما زلفى فمصدر)) بمعنى: الزلفة، مثل: القربى
فإنه مصدر بمعنى القربة، قال الله تعالى: ﴿وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب﴾ [ص: ٢٥
و٤٠] وقال الجوهري: الزلفة والزلفى القربة، والمنزلة. قوله: ازدلفوا (اجتمعوا)) أشار به إلى
أن الازدلاف يأتي بمعنى الاجتماع، ويأتي أيضاً بمعنى التقدم، يقال: قوم ازدلفوا إلى الحرب،
أي: تقدموا إليها. قوله: ((أزلفنا))، جمعنا، يعني: معنى أزلفنا جمعنا، قال الله تعالى: ﴿وأزلفنا
ثم الآخرين﴾ [الشعراء: ٦٤] أي: جمعنا.
٢٠٧/ ٤٦٨٧ - حدَثنا مُسَدَّدٌ حدثنا يَزِيدُ هُوَ ابنُ زُرَيْعِ حدثنا سُلَيْمانُ التَّيْمِيُّ عن أبي

٤٠٦
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سُورَةُ هُودٍ
عُثْمانَ عن ابنٍ مَسْعُودٍ رضي الله عنه أنَّ رجلاً أصابَ مِنَ امْرَأةٍ قُبْلَةً فَأَتَّى رسولَ الله عَلَّه
فَذَكَرَ ذُلِكَ لهُ فَأَنْزِلَتْ عَلَيْهِ: ﴿وَأَقِمِ الصّلاَةَ طَرَفَي النّهارِ وزُلَفاً مِنَ اللّيْلِ إِنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ
الشَّيِّئَاتِ ذُلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ قال الرَّجُلُ ألِيَ لهذِهِ قال لِمَنْ عَمِلَ بِها مِنْ أُمّتي. [انظر
الحديث ٥٢٦].
مطابقته للترجمة ظاهرة. وأبو عثمان عبد الرحمن بن مل النهدي، بالنون وبالدال
المهملة. والحديث مضى في الصلاة في المواقيت في: باب الصلاة كفارة، فإنه أخرجه
هناك عن قتيبة عن يزيد بن زريع إلى آخره، ومضى الكلام فيه هناك.
قوله: ((أن رجلاً» اسمه كعب بن عمرو ويكنى بأبي اليسر، بفتح الياء آخر الحروف
والسين المهملة. والحديث أخرجه ابن أبي خيثمة، لكن قال: إن رجلاً من الأنصار يقال له
معتب، وقيل: اسمه بنهان التمار، وقيل: عمرو بن غزية، وقيل: عامر بن قيس وقيل: عباد بن
عمرو بن داود بن غنم بن كعب الأنصاري السلمي، وأمه نسيبة بنت الأزهر بن مري بن
كعب بن غنم، شهد بدراً بعد العقبة فهو عقبي بدري، شهد بدراً وهو ابن عشرين سنة. وهو
الذي أسر العباس بن عبد المطلب يوم بدر، وكان رجلاً قصيراً دحداحة ذا بطن، والعباس
رجل طويل ضخم، فقال له رسول الله عَ له: لقد أعانك عليه ملك كريم، وهو الذي انتزع
راية المشركين. وكانت بيد أبي عزيز بن عمير يوم بدر، وشهد صفين مع علي رضي الله
عنه، يعد في أهل المدينة، وكانت وفاته سنة خمس وخمسين. وحديث نبهان التمار أخرجه
الثعلبي وغيره من طريق مقاتل عن الضحاك عن ابن عباس: أن نبهان التمار أتته امرأة حسناء
جميلة تبتاع منه تمراً، فضرب على عجيزتها ثم ندم، فأتى النبي عَّهِ فقال: إياك أن تكون
امرأة غازٍ في سبيل الله، فذهب يبكي ويصوم ويقوم فأنزل الله: ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة أو
ظلموا أنفسهم ذكروا الله﴾ [آل عمران: ١٣٥] فأخبره فحمد الله، وقال: يا رسول الله هذه
توبتي قبلت، فكيف لي بأن يتقبل شكري؟ فنزلت: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار﴾ [هود: ١١٤]
الآية. قيل: إن ثبت هذا حمل على واقعة أخرى لما بين السياقين من المغايرة. قلت: قال
الذهبي في (تجريد الصحابة) نبهان التمار أبو مقبل له ذكر في رواية مقاتل عن الضحاك،
ولسنا بيقين، وحديث عمرو بن غزية أخرجه ابن منده من طريق الكلبي عن أبي صالح عن
ابن عباس، في قوله: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار﴾ قال: نزلت في عمرو بن غزية، وكان يبيع
التمر فأتته امرأة تبتاع تمراً فأعجبته ... الحديث، قال أبو عمر: عمرو بن غزية بن عمرو بن ثعلبة
بن خنساء بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن بن النجار الأنصاري المازني: شهد العقبة ثم
شهد بدراً، وهو والد الحجاج بن عمرو، واختلف في صحبة الحجاج. قوله: ((ألي هذه؟))
يعني: أهذه الآية مختصة بي بأن صلاتي مذهبة لمعصيتي أو عامة لكل الأمة؟ والهمزة في:
ألي، مفتوحة لأنها للاستفهام، وقوله: ((هذه)) مبتدأ وخبره مقدماً. قوله: ((ألي؟)) وفي رواية
أحمد والطبراني من حديث ابن عباس: فقال: يا رسول الله! ألي خاصة أم للناس عامة؟
فضرب عمر رضي الله عنه، صدره وقال: لا ولا نعمة عين، بل للناس عامة، فقال عَ له: صدق

٤٠٧
٦٥ - كِتَابُ تَفْسيِرِ القُرْآنِ / سُورَةُ هُودٍ
عمر، وهذا يوضح أن السائل في الحديث هو صاحب القصة فإن قلت: في حديث أبي
اليسر، فقال إنسان: يا رسول الله أَلَهُ وحده أم للناس كافة؟ وفي رواية الدارقطني مثله من
حديث معاذ نفسه، قلت: يحمل ذلك على تعدد السائلين.

٤٠٨
٦٥ - كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ / شُورَةُ يوسف
سُورَةُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلاَمِ
أي: هذا في بيان بعض تفسير سورة يوسف عليه السلام، قال أبو العباس في:
(مقامات التنزيل): سورة يوسف مكية كلها وما بلغنا فيها اختلاف، وفي: (تفسير ابن
النقيب): عن ابن عباس وقتادة: نزلت بمكة إلاَّ أربع آيات فإنهن نزلن بالمدينة، ثلاث آيات
من أولها والرابعة: ﴿لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين﴾ [يوسف: ٧] وسبب نزولها
سؤال اليهود عن أمر يعقوب ويوسف عليه السلام، وهي مائة وإحدى عشر آية، وألف
وسبعمائة وست وسبعون كلمة، وسبعة آلاف ومائة وست وستون حرفاً.
بسم الله الرحمن الرحيم
لم تثبت البسملة إلاّ في رواية أبي ذر.
بابٌ
أي: هذا باب في كذا وكذا، ولم يثبت لفظ: باب في معظم النسخ.
وقال فُضَيْلٌ عِنْ حُصَيْنِ عنْ مُجاهِدٍ مُتّكَأُ الأُتْرُجُ قَالٍ فُضَيْلٌ الأَتْرُجُ بِالحَبَشِيَّةِ مُتْكاً
وقال ابنُ عُيَيْنَةَ عنْ رجُلٍ عنْ مُجاهِدٍ مُتْكاً كلَّ شَيْءٍ قُطِعَ بالسّكَينِ
فضيل - مصغر فضل - وهو ابن عياش بن موسى أبو علي، ولد بسمرقند نشأ بأبيورد،
وكتب الحديث بكوفة وتحول إلى مكة وأقام بها إلى أن مات في سنة سبع وثمانين ومائة،
وقبره بمكة يزار، وحصين، بضم الحاء المهملة: ابن عبد الرحمن السلمي. قوله: ((متكأ)) بضم
الميم وتشديد التاء وفتح الكاف وبالهمزة المنونة، وفسره مجاهد بأنه الأترج، بضم الهمزة
وسکون التاء وضم الراء وتشدید الجیم، وروى هذا التعليق ابن المنذر عن يحيى بن محمد
ابن يحيى: حدثنا مسدد حدثنا يحيى بن سعيد عن فضيل بن عياض عن حصين به، وقال
الزمخشري: متكأ ما يتكأ عليه من نمارق، وقيل: متكأ مجلس الطعام لأنهم كانوا يتكئون
للطعام والشراب والحديث كعادة المترفين، ولهذا نهى أن يأكل الرجل متكئاً، وعن مجاهد:
متكأ طعاماً يحز حزاً، كأن المعنى: يعتمد بالسكين لأن القاطع يتكىء على المقطوع
بالسكين، ويقال في الأترج: الاترنج، بالنون الساكنة بعد الراء ويدغم النون في الجيم أيضاً،
وكانت زليخا أهدت ليوسف أترجة على ناقة وكأنها الأترجة التي ذكرها أبو داود في:
(سننه) أنها شقت بنصفين وحملا كالعدلين على جمل. قوله: ((قال فضيل الأترج بالحبشية
متكأ)) أي: بلسان الحبشة، أو باللغة الحبشية. قوله: متكاً بضم الميم وسكون التاء وبتنوين
الكاف، وهذا التعليق رواه أبو محمد عن أبيه عن إسماعيل بن عثمان: حدثنا يحيى بن يمان
عنه، وقرأ: متكاً، بضم الميم وتشديد التاء وتنوين الكاف بغير همزة، وعن الحسن: متكاً،
بالمد كأنه مفتعال وذلك لإشباع فتحة الكاف لقوله: بمنتزاح، بمعنى منتزح. قوله: ((وقال ابن

٤٠٩
٦٥ - كِتَابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سُورَةُ يُوسُفَ
عيينة)) وهو سفيان بن عيينة ((عن رجل)) هو مجهول ((عن مجاهد متكاً)) بضم الميم وسكون
التاء وتنوين الكاف، وهو ((كل شيء قطع بالسكين)) وقيل: من متك الشيء بمعنى: بتكه إذا
قطعه، وقرأ الأعرج: متكأ على وزن مفعل من تكأ يتكأ إذا اتكا.
وقال قَتَادَة لَّذُو عِلْم عامِلٌ بِمَا عَلِمَ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿وإنه لذو علم لما علمناه﴾ [يوسف: ٦٨] .. الآية، وفسر
قتادة قوله: لَذو علم، بقوله: عامل بما علم. ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه: حدثنا أبو معمر عن
إسماعيل بن إبراهيم القطيعي حدثنا سفيان بن عيينة عن أبي عروبة عن قتادة، والضمير في:
أنه، يرجع إلى يعقوب عليه السلام، وهذا لا يتضح إلاّ إذا وقف الشخص على القضية من
قوله تعالى: ﴿وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد﴾ [يوسف: ٦٧] إلى قوله: ﴿ولكن أكثر
الناس لا يعلمون﴾ [يوسف: ٧٢].
وقال ابنُ جُبَيْرٍ صُوَاعْ مَكَّوكُ الْفَارِسِيِّ الَّذِي يَلْقِي طَرَفَاهُ كانَتْ تَشْرَبُ بِهِ الأعاجِمُ
أي: قال سعيد بن جبير في قوله تعالى: ﴿قالوا انفقد صواع الملك﴾ .. الآية، وهذا
التعليق رواه أبو محمد عن أبيه: حدثنا مسدد حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن سعيد بن
جبير، ورواه ابن منده في: (غرائب شعبة)، وابن مردويه من طريق عمرو بن مرزوق عن شعبة
عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: ((صواع الملك)) قال: كان كهيئة
المكوك من فضة يشربون فيه، وقد كان للعباس مثله في الجاهلية، وقال زيد بن زيد: كان
كأساً من ذهب، وقال ابن إسحاق: كان من فضة مرصعة بالجواهر جعلها يوسف عليه
السلام، مكيالاً لا يكال بغيرها وكان يشرب فيها. وعن ابن عباس: كان قدحاً من زبرجد،
والمكوك، بفتح الميم وتشديد الكاف المضمومة وسكون الواو وفي آخره كاف أخرى: وهو
مكيال معروف لأهل العراق فيه ثلاث كيلجات، وقال ابن الأثير: المكوك إسم للمكيال
ويختلف في مقداره باختلاف اصطلاح الناس عليه في البلاد، وفي حديث أنس رضي الله
عنه: ((أن رسول الله عَ اله، كان يتوضأ بالمكوك المد)). وقيل: الصاع، ويجمع على: مكاكي،
على إبدال الياء من الكاف الأخيرة، وقرأ الجمهور: صواع، وعن أبي هريرة، أنه قرأ: صاع
الملك، وعن أبي رجاء: صوع، بسكون الواو، وعن يحيى بن يعمر مثله. لكن بغين معجمة،
حكاها الطبري.
وقال ابنُ عبّاسِ تُقَتِّدُونِ تُجَهِّلُونِ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون﴾ [يوسف: ٩٤]
وفسره بقوله: ((تجهلون)) وقال أبو عبيدة: معناه: لولا أن تسفهوني، وقال مجاهد: لولا أن
تقولوا ذهب عقلك، ووجد ريح يوسف من مسيرة ثلاثة أيام، وتفندون من الفند بفتح النون
وهو: الهرم.

٤١٠
٦٥ - كِتابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ / سُورَةُ يُوسُفَ
وَقَالَ غَيْرُهُ غيابَةُ الجُبِّ كُلُّ شَيْءٍ غَيِّبَ عَنْكَ شَيْئاً فَهُوَ غَيَابَةٌ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿وألقوه في غيابة الجب يلتقطه بعض السيارة﴾ [يوسف: ١٠]
ظاهر الكلام أن قوله: ((وقال غيره)) غير ابن عباس لأنه عطف عليه، وقال بعضهم: ليس من
كلام ابن عباس وإنما هو كلام أبي عبيدة. قلت: لا مانع أن يكون قول أبي عبيدة من قول
ابن عباس. قوله: ((كل شيء))، مبتدأ وقوله: ((غيب عنك)) في محل الجر لأنه صفة لشيء
((وشيئاً)) مفعول غيب. قوله: ((فهو غيابة)) جملة إسمية وقعت خبر المبتدأ. والمبتدأ إذا تضمن
معنى الشرط تدخل الفاء في خبره. قوله: ((غيابة الحب))، قال الثعلبي: أي: قعر الجب
وظلمته حيث يغيب خبره، وقال قتادة: أسفله وأصله من الغيبوبة.
وَالجُبُّ الرَّكِيَةُ الَّتِي لَمْ تُطْوَ
أي: الجب المذكور في قوله: ((غيابة الجب)) هو البئر التي لم تطو، وكذلك القليب،
قال الجوهري: القليب البئر قبل أن تطوى، وسميت جباً من أجل أنها قطعت قطعاً ولم
يحدث فيها غير القطع من الطي وما أشبهه.
بِمُؤْمِنٍ لَنَا بِمُصدِّق
أشار به إلى قوله تعالى، حكاية عن قول إخوة يوسف: ﴿وتركنا يوسف عند متاعنا
فأكله الذئب وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين﴾ [يوسف: ١٧] والمعنى: وما أنت بمصدق
في كلامنا، وفي التفسير: وما أنت بمصدق لنا لسوء ظنك بنا وتهمتك لنا، وهذا قميصه
ملطخ بالدم.
يُقالُ بَلَغَ أَشُدَّهُ قَبْلَ أنْ يَأْخُذْ فِي النَّقْصانِ وَقَالُوا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغُوا أَشُدَّهُمْ وَقَالَ
بَعْضُهُمْ وَاحِدُها شَدِّ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿ولما بلغ أشده آتيناه حكماً وعلماً﴾ وفسر قوله: أشده،
بقوله: قبل أن يأخذ في النقصان، وأراد به عز منتهى شبابه وقوته وشدته، واختلف فيه، فذكر
ابن المنذر عن الشعبي وربيعة وزيد بن أسلم ومالك: أنه الحلم، وعن سعيد بن جبير ثمانية
عشرة سنة، وقيل: عشرون، وقيل: خمس وعشرون، وقيل: ثلاثون، وقيل: ثلاث وثلاثون قاله
مجاهد: وقيل: أربعون. وقيل: سبع عشرة سنة، وقيل: خمس وثلاثون سنة، وقيل: ثمانية
وأربعون سنة، وعن ابن عباس: ما بين ثمان عشرة إلى ثلاثين سنة، وقيل: ستون سنة، وقال
ابن التين: الأظهر أنه أربعون لقوله تعالى: ﴿ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكماً وعلماً﴾
وذلك أن النبي عَّلِّ لا يتنبى إلاَّ بعد أربعين سنة. قال بعضهم: وتعقب بأن عيسى عليه
الصلاة والسلام، ويحيى أيضاً تنبأ لدون الأربعين لقوله تعالى: ﴿وآتيناه الحكم صبياً﴾
[مريم: ١٢] قلت له أن يقول: هما مخصوصان بذلك من دون سائر الأنبياء، عليهم السلام.

٤١١
٦٥ - كِتَابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سُورَةُ يُوسُفَ
قوله: ((يقال بلغ أشده وبلغوا أشدهم))، أشار بهذا إلى أنه يضاف إلى المفرد والجمع بلفظ
واحد. قوله: ((وقال بعضهم: واحدها:)) أي: واحد الأشد وهو قول سيبويه والكسائي، وزعم
أبو عبيدة أنه ليس له واحد من لفظه.
وَالمُتَّكَأُ مَا اتَّكَأْتَ عَلَيْهِ لِشَرَابٍ أوْ لِحَدِيثٍ أَوْ لِطِعِامٍ وَأَنْطَلَ الَّذِي قَالَ الأُثْرُجُ
وَلَيْسَ فِي كَلامِ العَرَبِ الأُخْرُجُّ فَلَمَّا اخْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُ المُتَّكَأُ مِنْ نَارِقَ فَرُوا إِلَى شَرِّ مِنْهُ
فَقَالُوا إِنَّا هُوَ الَّمُنْكُ سَاكِنَةَ التّاءِ وَإِنَّا المُتْكُ طَرَفُ البَظْرِ وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ لَهَا مَتْكَاءُ وَابنُ
المَتْكَاءِ فَإِنْ كَانَ ثمّ أُتْرُجُّ فَإِنّهُ بَعْدَ المُتْكَلِ.
لما ذكر فيما مضى عن قريب عن مجاهد أن المتكأ الأترج، أنكر ذلك، فقال: المتكأ
ما اتكأت عليه لأجل شرب شراب أو لأجل حديث أو لأجل طعام. قوله: وأبطل قول الذي
قال: المتكأ الأترج، ثم ادعى أنه ليس في كلام العرب الأترج، يعني: ليس في كلام العرب
تفسير المتكأ بالأترج، وفيه نظر، حتى قال صاحب (التوضيح) هذه الدعوى من الأعاجيب
فقد قال في (المحكم) المتكأ الأترج، وعن الأخفش كذلك، وفي (الجامع) المتكأ الأترج،
وأنشدوا:
ونرى المتك بيننا مستعاراً
فنشرب الإثم بالصواع جهاراً
وأبو حنيفة الدينوري زعم أن المتكا بالضم الأترج، والذي بفتح الميم السوسن،
وبنحوه ذكره أبو علي القالي وابن فارس في (المجمل) وغيرهما. قوله: («فلما احتج
عليهم))، بصيغة المجهول. ((بأن المتكأ من نمارق)) إلى آخره ظاهر. قوله: ((وإنما المتك))،
يعني: بالضم، طرف البظر، بفتح الباء الموحدة وسكون الظاء المعجمة وفي آخره راء، وهو
ما تبقيه الخاتنة بعد الختان من المرأة. قوله: ((ومن ذلك)) أي: ومن هذا اللفظ: ((قيل لها))
أي: للمرأة. ((متكاه)) بفتح الميم وسكون التاء وبالمد، وهي التي لم تختن، ويقال لها: البظراء
أيضاً ويعبر الرجل بذلك، فيقال له: ابن المتكاء. قوله: ((فإن كان ثم أترج)) بفتح الثاء المثلثة
وتشديد الميم، أي: فإن كان هناك أترج فإنه كان بعد المتكاه، وقال بعضهم: إنما قال
البخاري ما قاله من ذلك تبعاً لأبي عبيدة فإنه قال: زعم قوم أنه الأترج، وهذا أبطل باطل في
الأرض، ولكن عسى أن يكون مع المتكاه أترج يأكلونه. قلت: كأنه لم يفحص عن ذلك كما
ينبغي. وقلد أبا عبيدة، والآفة من التقليد، وكيف يصح ما قاله من ذلك وقد روى عبد بن
حميد من طريق عوف الأعرابي عن ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما إنه كان يقرؤها:
متكاء، مخففة ويقول: هو الأترج، وأيضاً قد روى مثله عمن ذكرناهم الآن.
شَغَفَها يُقَالُ بَلَغَ إلَى شِغافَها وَهُوَ غِلَافُ قَلْبِها وَأَمّا شَعَفَها فَمِنَ المَشْعُوفِ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حباً إنا لنراها في
ضلال مبين﴾ [يوسف: ٣٠] قوله: ((قد شغفها))، أي: قد شغف يوسف زليخا، يعني: بلغ حبه
إلى شغافها، بكسر الشين المعجمة في ضبط المحدثين، وعند أهل اللغة بالفتح، وهو غلاف
١

٤١٢
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سُورَةُ يُوسُفَ
قلبها، وقيل: الشغاف حبة القلب، وقيل: هو علقة سوداء في صميمه. قوله: ((وأما شعفها))،
يعني: بالعين المهملة فمن المشعوف، يقال: فلان مشعوف بفلان إذا بلغ به الحب أقصى
المذاهب، ويقال: فلان شعفه الحب، أي أحرق قلبه.
أضبُ أمِيلُ
أشار به إلى قوله عز وجل حكاية عن قول يوسف، عليه السلام: ﴿وإلاَّ تصرف عني
كيدهن أَضْبُ إليهن وأكن من الجاهلين﴾ [يوسف: ٣٣] وفسر: أصبُ، بقوله: أميل، يقال:
صبا إلى اللهو، يصبو صبواً إذا مال إليه، ومنه سمي الصبي لأنه يميل إلى كل شيء.
أَضْغَاتُ أحلام مَا لا تَأْوِيلَ لَهُ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين﴾
[يوسف: ٤٤] والأضغاث جمع ضغث، وهو ملء اليد من حشيش، وفسر قوله: أضغاث
أحلام، بقوله: ما لا تأويل له لأنه من الأخلاط والرؤيا الكاذبة التي لا أصل لها. وقوله:
((أضغاث أحلام)) في محل الرفع على الابتداء. قوله: (ما لا تأويل له))، خبره وكلمة ما
موصولة.
وَالصِّغْثُ مِلْءُ اليَدِ مِنْ حَشِيشِ وَمَا أَشْبَهَهُ وَمِنْهُ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْتاً لا مِنْ قَوْلِهِ
أَضْغاتُ أحلامٍ وَاحِدُها ضِغْتٌ
أشار بقوله: ﴿والضغث﴾ إلى شيئين: أحدهما: أن الضغث واحد الأضغاث والآخر: أن
تفسيره بملء اليد من حشيش وما أشبهه، وأراد أن الضغث الذي هو ملء الكف من أنواع
الحشيش هو المراد من قوله تعالى: ﴿وخذ بيدك ضغثاً فاضرب به﴾ [ص: ٤٤] وذلك في
قصة أيوب، عليه السلام، وليس المراد هنا هذا المعنى، ولكن المراد من الأضغاث هنا هو
الذي واحده ضغث الذي هو بمعنى ما لا تأويل له، وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في
قوله تعالى: ﴿أضغاث أحلام﴾ ما حاصله أن الضغث في قوله: ((وخذ بيدك ضغثاً)) بمعنى:
ملء الكف من الحشيش، لا بمعنى: ما لا تأويل له، وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في
قوله تعالى: ﴿أضغاث أحلام﴾ قال: أخلاط أحلام، وروى أبو يعلى بإسناده عن ابن عباس في
قوله: ﴿أضغاث أحلام﴾ قال: هي الأحلام الكاذبة.
غِيرُ مِنَ المِيرَةِ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿هذه بضاعتنا ردت إلينا وغير أهلنا﴾ [يوسف: ٦] الميرة
بكسر الميم الطعام، والمعنى: نجلب إلى أهلنا الطعام يقال: مار أهله يميرهم إذا أتاهم بطعام.
وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ مَا يَحْمِلُ بَعِيرٌ
أي نزداد على أحمالنا حمل بعير يكال له ما حمل بعيره، وروى الفريابي من طريق ابن

٤١٣
٦٥ - كِتَابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سُورَةُ يُوسُفَ
أبي نجيح عن مجاهد: كيل بعير أي: كيل حمار. وذكر الثعلبي أنه لغة يقال للحمار بعير.
ويؤيد ذلك أن إخوة يوسف كانوا من أرض كنعان وليس بها إبل.
آوِى إِلَيْهِ ضَمَّ إِلَيْهُ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه﴾ [يوسف: ٦٩]
الآية. أي: فلما دخلت إخوة يوسف عليه ضم يوسف إلى نفسه أخاه بنيامين من آوى يؤوى
إيواء.
السّقايَةُ مِكْيَالٌ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه﴾
[يوسف: ٧٠] وفسر السقاية بقوله مكيال، وهو الإناء الذي كان يوسف يشرب به فجعله
مكيالاً لئلا يكتالوا بغيره فيظلموا ويقال: السقاية هي الصواع كان الملك يسقي بها ثم
جعلت صاعاً يكال به، وقد مر الكلام فيه عن قريب.
تَفْتَأُ لا تَزَالُ
أشار به إلى قوله: ﴿تالله تفتأ تذكر يوسف﴾ [يوسف: ٨٥] أي: لا تفتأ فحذف حرف
النفي، والمعنى: أن أخوة يوسف قالوا ليعقوب أبيهم: والله لا تزال تذكر يوسف ولا تفتر من
حبه ﴿حتى تكون حرضاً﴾ الآية. يقال: ما فتئت أذكر ذلك وما فتأت أفتاً وأفتو فتاه وفتوه.
وقال أبو زيد: ما افتأت أذكره وما فتئت أذكره أي: ما زلت أذكره لا يتكلم به إلاّ مع
الجحد. وقوله: ﴿تالله تفتأ تذكر يوسف﴾ أي: ما تفتأ قلت الصواب لا تفتأ.
حَرَضاً مُخْرَضاً يُذِيئِكَ الْهَمَّ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿حتى تكون حرضاً أو تكون من الهالكين﴾ وذكر أن حرضاً
بمعنى، محرض، على صيغة اسم المفعول وفسره بقوله: يذيبك الهم من الإذابة. وقيل:
معناه تكون دنفاً وقيل: قريباً من الموت، وقال الفراء الحرض هو الفاسد في جسمه،
وعقله ويستوي فيه الواحد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث لأنه مصدر وضع موضع
الألم، ومن العرب من يؤنث مع المؤنث. وقرأ أنس بضم الحاء، وعن قتادة: حرضاً
هرماً. وعن الضحاك بالياً ذا بلاء، وعن الربيع ابن أنس، يابس الجلد على العظم، وعن
الحسن: كالشيء المدقوق المكسور، وعن القتبي: ساقطاً. قوله: ﴿أو تكون من
الهالكين﴾ أي: الميتين.
تَحَسَّسُوا تَخَبَّرُوا
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه﴾ [يوسف: ٨٧]
الآية. وفسر: تحسسوا بقوله: تخبروا. أي: اطلبوا الخبر وتحسسوا تفعلوا من الحس، يعني:

٤١٤
٦٥ - كِتَابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سُورَةُ يُوسُفَ
تتبعوا. وعن ابن عباس: التمسوا. وسئل ابن عباس عن الفرق بين التحسس، بالحاء المهملة،
والتجسس، بالجيم؟ فقال: لا يعدو أحدهما عن الآخر إلاَّ أن التحسس في الخير والتجسس
في الشر، وقيل: بالحاء لنفسه وبالجيم لغيره، ومنه الجاسوس.
مُزْجاةٌ قَلِيلَةٌ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿وجئنا ببضاعة مزجاة﴾ وفسرها بقوله قليلة. وقيل: ردية،
وقيل: فاسدة. وعن قتادة: يسيرة، وكانت البضاعة من صوف ونحوه. وقيل: دراهم لا تزوج،
وروي عن عكرمة وابن عباس: كانت دراهم زيوفاً لا تنفق إلاَّ بوضيعة. وعن ابن عباس أيضاً
خلق الغرارة والحبل ورثة المتاع.
غَاشِيَّةٌ مِنْ عَذابِ الله عَامَّةٌ مُجَلَِّةٌ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله أو تأتيهم الساعة بغتة
وهم لا يشعرون﴾ [يوسف: ١٠٧] وفسر غاشية بقوله: ((عامة) أي: نقمة عامة. قوله:
((مجللة))، بالجيم من جلل الشيء تجليلاً أي: عمه، وهو صفة غاشية لأن ابن عباس فسر
الغاشية بقوله: مجللة، ويرد بهذا قول بعضهم: أن مجللة تأكيد عامة. وقال قتادة: غاشية
وقيعة، وقال الضحاك: الصواعق. والقوارع.
بابٌ
أي: هذا باب، وليس في معظم النسخ لفظ باب.
اسَتَيْأَسُوا بَيِشُوا لا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْح الله مَعْناهُ الرَّجاءُ
لم يثبت هذا ألا لأبي ذر عن المستملي والكشميهني، وأشار بقوله: ﴿استيأسوا﴾ إلى
قوله تعالى: ﴿فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا﴾ [يوسف: ٨٠] وفسره بقوله: ((يئسوا)) أي: فلما
أيس أخوة يوسف من يوسف أن يجيبهم إلى ما سألوه خلصوا نجياً. أي: خلا بعضهم ببعض
يتناجون ويتشاورون لا يخالطهم غيرهم، والآن يأتي مزيد الكلام فيه إن شاء الله تعالى قوله:
﴿لا تيأسوا من روح الله﴾ أشار به إلى قوله تعالى: ﴿ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من
روح الله إلا القوم الكافرون﴾ [يوسف: ٨٧] ومعنى من روح الله من رحمته، قال قتادة
والضحاك: من فضل الله، وقال ابن زيد: من فرج الله، وهذا حكاية عن كلام يعقوب، عليه
السلام، لأولاده قوله: ((معناه الرجاء)» أي: معنى عدم اليأس الرجاء أو معنى التركيب الرجاء،
أو لا روح به حقيقة.
خَلَصُوا نَجِيّاً اعْتَزَلُوا نَجِيّاً وَالجِسْمِ أَنْجِيَةٌ يَنَاجَوْنَ الوَاحِدُ نَجِيٍّ وَالالْنَانِ وَالجَمِيعُ
نَجِيٌّ وَأَنْجِيَةٌ.
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا﴾ ولم يثبت هذا إلاَّ لأبي

٤١٥
٦٥ - كِتَابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سُورَةُ يُوسُفَ
ذر عن المستملي والكشميهني وقوله: ((خلصوا)) جواب لما وفسر خلصوا بقوله: ((اعتزلوا))
ووقع في رواية المستملي: اعترفوا والأول هو الصواب، والنجي هو الذي يناجي، ويستوي فيه
الواحد والاثنان والجمع المذكر والمؤنث لأنه مصدر في الأصل جعل نعتاً كالعدل والزور
ونحوهما وجاء جمعه أنجية وقد نبه عليه بقوله: وأنجية، وانتصاب: نجياً، على الحال أي:
حال كونهم متناجين فيما يعملون في ذهابهم إلى أبيهم من غير أخيهم.
١ - بابُ قَوْلِهِ: ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلٍ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَّها عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ
قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ﴾ [يوسف: ٦]
أي: هذا باب في قوله تعالى: ﴿ويتم نعمته عليك﴾ الآية. وليس في بعض النسخ
لفظ: باب. قوله: ((ويتم نعمته)) أي: ويتم الله نعمته عليك، والخطاب ليوسف، عليه السلام،
وإتمام النعمة بالنبوة، وقيل: بإعلاء الكلمة، وقيل: بأن أحوج إليك إخوتك قوله: ((وعلى آل
يعقوب)) هم ولده، وقيل: هو وامرأته وأولاده الأحد عشر، وإتمام النعمة: الجمع بين نعمة
الدنيا وهي الملك ونعمة الآخرة. قوله: ((كما أتمها)) أي: النعمة فنعمته على إبراهيم أن أنجاه
من النار، وعلى إسحاق أن أنجاه من الذبح.
٤٦٨٨/٢٠٨ - حدَثني عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثنا عَبْدُ الصَّمَّدِ عنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بنِ
عَبْدِ اللهِ بنِ دِينارٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ الله عنهما عن النبي عَّهِ قَالَ الكَرِيمُ
ابنُ الكَرِيمِ ابنِ الْكَرِيمِ ابنِ الكَرِيمِ يُوسُفُ بنُ يَعْقُوبَ بنِ إِسْحَاقَ بنِ إِنْرَاهِيمَ.
مطابقته للترجمة من حيث أن المذكور فيهما هؤلاء الأنبياء الأربعة عليهم السلام.
قوله: ((حدثني))، ويروى: حدثنا بنون الجمع، ووقع في أطراف خلف. قال عبد الله بن
محمد. وبالتحديث أكثر، وعبد الله بن محمد هو الجعفي البخاري المعروف بالمسندي،
وعبد الصمد بن عبد الوارث، والحدث مضى في كتاب الأنبياء في باب قوله الله عز وجل:
﴿لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين﴾ [يوسف: ٧].
٢ - بابُ قَوْله: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ للَّائِلِينَ﴾ [يوسف: ٧]
أي: هذا باب في قوله عز وجل: ﴿لقد كان في يوسف﴾ الآية. وهذا مكرر لأن هذه
الترجمة بعينها مع الحديث الذي لها قد مضيا في كتاب الأنبياء، وفي حال الإسناد وبعض
المتن تغاير على ما يأتي.
٢٠٩/ ٤٦٨٩ - حدَثني مُحَمَّدٌ أُخْبَرنَا عَبْدَةُ عَنْ عُبَيْدِ الله عَنْ سَعِيدٍ بنِ أبِي سَعِيدٍ
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عنهُ قَالَ سُئِلَ رَسُولُ اللهِ عَلِ أَيُّ النَّاسِ أَكْرَمُ قَالَ أَكْرَمُهُمْ عِنْدَ الله
أتْقَاهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَنْ هَذا نَسْألُكَ قَالَ فَأَكْرَمُ النّاسِ يُوسُفُ نَبِيُّ الله ابنُ نَبِيِّ الله ابنٍ نَبِيِّ الله
ابنِ خَلِيلِ الله قَالُوا لَيْسَ عَنْ لهذا نَسْألُكَ قَالَ فَعَنْ مَعَادِنِ العَرَبِ تَسْأَلُونَ قَالُواْ نَعَمْ قَالَ
فَخَيَارُكُمْ فِي الجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِى الإِسْلامِ إِذَا فَقُّهُوا.

٤١٦
٦٥ - كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ / سُورَةُ يُوسُفَ
مطابقته للترجمة تؤخذ مع بعض التعسف من حيث أن في الآية سؤالاً عن يوسف
الذي هو أكرم الناس من حيث النسب، وفي الحديث أخبر، عَّه، عن صفته تلك. وإنما قلنا
إنه أكرم الناس من حيث النسب لأنه نبي ابن نبي ابن نبي ابن نبي، ولم يتفق هذا لأحد
غيره، ومحمد هو ابن سلام، وعبدة ضد الحرة ابن سليمان، وعبيد الله هو المعروف
بالعمري، وسعيد بن أبي سعيد المقبري واسم أبيه كيسان؟ قوله: ((عن معادن العرب)) أي:
أصولهم التى يلبسون إليها ويتفاخرون بها وشبهوا بالمعادن لما فيه من الاستعدادات
المتفاوتة. قوله: ((فقهوا)) بضم القاف وكسرها.
تَابَعَهُ أَبُو أُسَامَةَ عَنْ عُبَيْدِ الله
يعني: تابع عبدة أبو أسامة حماد بن أسامة عن عبيد الله العمري، وقد وصل البخاري
هذه المتابعة في كتاب الأنبياء عليهم السلام.
٣ - بابُ قَوْله: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسِكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: ١٨،
٨٣]
أي: هذا باب في قول الله عز وجل: ﴿بل سولت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل والله
المستعان على ما تصفون﴾ إنما قال هذا يعقوب لبنيه لما جاؤوا إليه بقميص يوسف ملطخ
بالدم. قوله: ((سولت)) يأتي معناه الآن. قوله: ((فصبر جميل)) أي: فصبري صبر جميل وهو
الصبر الذي لا جزع فيه ولا شكوى.
سَؤْلَتْ زَيَّنَتْ
أشار بأن معنى سولت في الآية المذكورة زينت. روي هذا عن قتادة، ورواه أبو محمد
عن علي بن الحسن حدثنا أبو الجماهر أخبرنا سعيد بن بشير عنه.
٢١٠/ ٤٦٩٠ - حدَثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عَنْ صَالِحٍ عَنِ
ابنِ شِهابٍ قَالَ وَحَدَّثنا الحَجّاجُ حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ عُمَرَ النمَيْرِيُّ حدَّثنا يُونُسُ بنُ يَزِيدُ الْأَيْلِيُّ
قَالَ سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ سَمِعْتُ عُرْوَةَ بنَ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدَ بِنَ المُسَيَّبِ وَعَلْقَمَةً بِنَ وَقَاصٍ وَعُبَيْدَ الله
ابنَ عَبْدِ الله عَنْ حَدِيثٍ عَائِشَةَ زَوْج النبيِّ عَ لّهِ حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الإِفْكِ مَا قَالُوا فَبَوَأها الله.
كل حدَّثني طَائِفَةً مِنَ الحَدِيثِ قَّالَ النّبيُّ عَ لِّ إِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرَّتُكِ الله وَإِنْ كُنْتٍ
أَلْمَمْتِ بِذَّئْبٍ فَاسْتَغْفِرِي الله وَتُوبِي إِلَيْهِ قُلْتُ إِنِّي وَالله لا أَجِدُ مَثَلاً إلاّ أبًا يُوسُفَ فَصَبْرٌ
جَمِيلٌ وَاللهِ المُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ وَأَنْزَلَ اللهِ ﴿إِنَّ الَّذِينَ جاؤوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾
[النور: ١١] العَشْرَ الْآيَاتِ.
مطابقته للترجمة في قوله: ﴿فصبر جميل﴾ [يوسف: ١٨، ٨٣] الآية. وعبد العزيز بن
عبد الله بن يحيى الأويسي المدني، وصالح هو ابن كيسان، والحجاج هو ابن منهال.
والحديث قد مضى مطولاً في: باب الإفك عقيب، باب: غزوة أنمار، ومضى الكلام فيه

٤١٧
٦٥ - كِتَابُ تَفْسيِرِ القُرْآنِ / سُورَةُ يُوسُفَ
مستوفى قوله: ((ألممت)) أي: قصدت إليه ونزلت به.
٤٦٩١/٢١١ - حدَثنا مُوسى حدثنا أبو عَوَانَةً عنْ حُصَيْنٍ عنْ أبي وائلٍ قال حدثني
مَسْرُوقُ بنُ الأْدَعِ قال حدثَتْني أُمُّ رُومانَ وهْيَ أُمُّ عائِشَةَ قالَتْ بَيْنا أنا وعائِشَةُ أَخَذَتْها
الحُمَّى فقال النبيُّ عَلَّهِ لَعَلَّ في حَدِيثٍ تُحُدِّثَ قَالَتْ نَعَمْ وقَعَدَتْ عَائِشَةُ قَالَتْ مَثَلِي
ومَثَلُكُمْ كَيَعْقُوبَ وَيَنِيهِ والله المُسْتَعانِ عَلَى مَا تَصِفُونَ. [انظر الحديث ٣٣٨٨ وطرفيه].
مطابقته للترجمة ظاهرة وموسى هو ابن إسماعيل المنقري التبوذكي، وأبو عوانة الوضاح
اليشكري، وحصين، بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين: ابن عبد الرحمن السلمي، وأبو وائل
شقيق بن سلمة. والحديث مضى بأتم منه في باب الإفك، ومضى الكلام فيه.
قوله: (حدثتني أم مارون)) وهذا صريح في سماع مسروق عنها والأكثرون على
خلافه. قوله: ((لعل في حديث)) أي: لعل الذي حصل لعائشة من أجل حديث تحدث به في
حقها.
٤ - بابُ قَوْلِهِ: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عنْ نَفْسِهِ وغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وقَالَتْ
هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٢].
أي: هذا باب في قوله عز وجل: ((وراودته)) الآية، وليس في بعض النسخ لفظ: باب
قوله: ((وراودته)) أي: راودت امرأة العزيز زليخا يوسف، يعني: طلبت منه أن يواقعها قوله:
((الأبواب))، وكانوا سبعة، والآن يأتي الكلام في لفظ هيت لك.
وقال عِكْرِمَةُ هَيْتَ لَكَ بِالحَوْرَانِيَّةِ هَلُمَّ. وقال ابنُ جُبَيْرٍ تَعَالَةْ
أي: قال عكرمة مولى ابن عباس: معنى ((هيت لك)) باللغة الحورانية: هلم. وهو بفتح
الحاء المهملة وسكون الواو وبالراء وكسر النون وتشديد الياء آخر الحروف. وقال الكرماني:
هو بلد بالشام، وقال البكري: حوران على وزن فعلان: أرض بالشام، وقال الرشاطي: حوران
جبل بالشام، وقال ابن الأنباري: هي مدينة حوران، وقال علي بن حرب: هي مدينة بصرى.
وقال أبو محمد: حوران من أعمال دمشق ومدينتها بصرى. وتعليق عكرمة أخرجه عبد بن
حميد عن أبي معمر عن سفيان عن ابن أبي عروبة عنه، ومعنى: ((هلم)) أقبل وادن. وقال
الكسائي: هذه لغة أهل حوران وقعت إلى الحجاز ومعناها: تعال وقال الحسن: هي لغة
سريانية، وقال مجاهد: هي لغة عربية تدعوه إلى نفسها. وهي كلمة حث وإقبال على الشيء.
وأصلها من الجلبة والصياح، تقول العرب: هيت لفلان إذا دعاه وصاح به. وقيل: تقول: هل
لك رغبة في حسني وجمالي؟ قال أبو عبيدة: العرب لا تثني هيت ولا تجمع ولا تؤنث
وإنها بصورة واحدة في كل حال، وإنما تتميز بما قبلها وبما بعدها.
واختلف القراء فيها فقرأ ابن عباس، رضي الله تعالى عنه، بكسر الهاء وضم التاء
مهموزاً يعني: تهيأت لك، وبه قرأ السلمي وأبو وائل وقتادة، وقرأ نصر بن عاصم ويحيى بن
عمدة القارء/ -١٨ ٢٧٠
٢٧
لقارى،

٤١٨
٦٥ - كِتَابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سُورَةُ يُوسُفَ
عامر وعبد الله بن أبي إسحاق بفتح الهاء وكسر التاء، وقرأ يحيى بن وثاب بكسر الهاء وضم
التاء، وفي (تفسير ابن مردويه): وبه قرأ ابن مسعود وقرأ ابن كثير بفتح الهاء وضم التاء، وقال
النحاس: بفتح التاء والهاء هو الصحيح في قراءة ابن عباس وابن جبير والحسن ومجاهد
وعكرمة، وبها قرأ أبو عمرو وعاصم والأعمش وحمزة والكسائي.
قوله: ((وقال ابن جبير)) أي: قال سعيد بن جبير: معنى هيت تعاله، وهذا وصله
الطبري وأبو الشيخ من طريقه. والهاء في تعاله، للسكت، ولفظ: تعال أمر.
٢١٢ / ٤٢٩٢ - حدَثني أحْمَدُ بنُّ سَعِيدٍ حدثنا بِشْرُ بنُ عُمَرَ حدثنا شُعْبَةُ عنْ سُلَيْمَانَ
عنْ أبي وائلٍ عنْ عبْدِ الله بنِ مَسْعُودٍ قال هَيْتَ لَكَ قال وإَّا نَقْرؤُها كما عُلِّمْناها.
مطابقته للترجمة ظاهرة. وأحمد بن سعيد بن صخر أبو جعفر الدارمي المروزي، وهو
شيخ مسلم أيضاً، وبشر بكسر الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة: الأزدي البصري،
وسليمان هو الأعمش، وأبو وائل شقيق بن سلمة.
والحديث أخرجه أبو داود أيضاً في الحروف عن هناد عن أبي معاوية وعن أبي
معمر عن عبد الوارث عن شيبان وهذا موقوف، ولكن قوله ((وإنما نقرؤها كلما علمناها))
يدل على أنه مرفوع، وقال النحاس: وبعضهم يقول: عن عبد الله عن النبي عَ لّه، وعلمناها
على صيغة المجهول، وقال ابن الجوزي: قرأ الأكثرون كما قرأ عبد الله يعني بفتح الهاء
والتاء.
مَثْوَاهُ مُقَامُهُ
أشار به إلى قوله تعالى ﴿الذي اشتراه من مصر لامرأته كرمي مثواه﴾ [يوسف: ٢٥]
الآية وثبت هذا لأبي ذر وحده، واسم الذي اشترى يوسف قطفير بكسر القاف، وقيل: بهمزة
بدل القاف، وامرأته هي زليخا، وقيل: راعيل، وفسر مثواه بقوله: مقامه وقيل: منزله، وقال
قتادة وابن جريج: منزلته.
وألْفَيا وجَدا أَلْفَوْا آباءَهُمْ أَلْفَيْنا
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر وألفيا سيدها لدى
الباب﴾ [يوسف: ٢٥] ومعنى: ألفيا وجدا، وكذا معنى ألفوا وألفينا. قوله: ((واستبقا الباب))
يعني: يوسف وزليخا، يعني: تبادرا إلى الباب، أما يوسف ففاراً من ركوب الفاحشة، وأما
زليخا فطالبة ليوسف ليقضي حاجتها، فأدركته فتعلقت بقميصه من خلفه فقدت، أي: خرقت
وشقت من دبر يعني: من خلف لا من قدام، فلما خرجا ((ألفيا سيدها)) أي: وجدا زوجها
قطفير عند الباب جالساً مع ابن عم له، وبقية القصة مشهورة.

٤١٩
٦٥ - كِتَابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سُورَةُ يُوسُفَ
وعنِ ابنِ مَسْعُودٍ بَل عَجِبْتُ ويَسْخَرُونَ
هذا في سورة الصافات: وهو قوله ﴿إنا خلقناهم من طين لازب بل عجبت
ويسخرون﴾ [الصافات: ١١ - ١٢] ولا مناسبة لذكره ههنا، وأجاب الكرماني بقوله: إنه لبيان
أن ابن مسعود كما يقرأ هيت مضموم والتاء يقرأ قوله: ((عجبت)). بضم التاء قوله: ((وعن ابن
مسعود)) معطوف على الإسناد الذي قبله، ووصله الحاكم في (المستدرك) من طريق جرير-
عن الأعمش بهذا. قوله: ((بل عجبت)) فيه قراءتان: (إحداهما) عن حمزة والكسائي وخلف
بضم التاء (والأخرى) عن الباقين بفتح التاء، فالمعنى على الأولى: بلغ من أعظم آياتي
وكثرة خلائقي أني عجبت منها، فكيف بعبادي هؤلاء بجهلهم وعنادهم يشخرون من آياتي؟
وقيل: عجبت من أن ينكروا البعث ممن هذه أفعاله وهم يسخرون ممن يصف الله بالقدرة عليه.
قيل: العجب من الله تعالى محال لأنه روعة تعتري الإنسان عند استعظام الشيء. وأجيب: بأن
مجرد العجب لمعنى الاستعظام، وقيل: يتخيل العجب ويفرض. والمعنى على الثانية: أنه
خطاب للنبي عَّ له، ومعناه: يا محمد بل عجبت من تكذيبهم إياك وهم يسخرون من تعجبك.
٤٦٩٣/٢١٣ - حدَثنا الحُمَيْدِيُّ حدثنا سُفْيانُ عنِ الأعْمَشِ عنْ مُسْلِمٍ عنْ مَسْرُوقٍ
عنْ عبْدِ الله رضي الله عنه أنَّ قُرَيْشاً لمَّا أَبْطَؤُوا عن النبيِّ عَ لَّهِ بِالإِسْلاَمِ قال اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ
بِسَبْعٍ كَسَبْعٍ يُوسُفَ فأصابَتْهُمْ سَنَةٌ حَصَّتْ كلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَكَلُوا العِظَامِ حَتَّى جَعَلَ الرَّجُلُ يَنْظُرُ
إلى السَّمَاءِ فَيَرَى بَيْنَهُ وبَيْنَها مِثْلَ الدُّخَانِ قال الله ﴿فَارْتَقِبْ يَوْم تأتِي السَّماءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾
[الدخان: ١٠] قال الله ﴿إِنَّا كاشِفُوا العَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] أَفَيُكْشَفُ
عَنْهُمْ العَذَابُ يَوْمَ القِيَامَةِ وقَدْ مَضى الدُّخانُ ومَضَتِ البَطْشَةُ [انظر الحديث ١٠٠٧ وأطرافه].
مطابقته للترجمة من حيث إن في نفس الحديث: فأتاه أبو سفيان فقال: يا محمد إنك
تأمر بطاعة الله وبصلة الرحم وإن قومك قد هلكوا فادع الله لهم الحديث، وقد مضى في
كتاب الاستسقاء في باب دعاء النبي عَ ◌ّ اجعلها سنين كسني يوسف فدعا لهم بكشف
العذاب ففيه أنه عفا عن قومه كما أن يوسف، عليه السلام، عفا عن زليخا.
والحميدي عبد الله، وسفيان بن عيينة، والأعمش سليمان، ومسلم بن صبيح بضم
الصاد المهملة وفتح الباء الموحدة وكنيته أبو الضحى.
قوله: ((سفيان عن الأعمش)) وفي مسند الحميدي: عن سفيان أخبرني الأعمش، أو
أخبرت عنه، كذا بالشك، وكذا في رواية أبي نعيم في (المستخرج) من طريقه، وفي رواية
الإسماعيلي عن سفيان، قال: سمعت من الأعمش أو أخبرت عنه (فإن قلت) هذا الشك أما
يقدح في صحة الحديث؟ قلت لأنه مضى في الاستسقاء من طريق أخرى عن الأعمش من
غير رواية ابن عيينة فتكون هذه معدودة في المتابعات. قوله: ((حصت)) بالمهملتين أي:
أذهبت يقال سنة حصاء أي: جرداء لا خير فيها، ((والبطشة)) يوم بدر. وقد استقصينا الكلام
فيه كتاب الاستسقاء.

٤٢٠
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سُورَة يُوسُفَ
٥ - بابُ قَوْلِهِ: ﴿فَلمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ قال ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ
الَّلاِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ قال ما خطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَذْتُنَّ يُوسُفَ عنْ
نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلّهِ﴾ [يوسف: ٥٠ - ٥١].
أي: هذا باب في قوله تعالى: ﴿فلما جاءه الرسول﴾ إلى آخره، وليس في بعض النسخ
لفظ: باب، والترجمة بطولها عند غير أبي ذر وعنده إلى قوله: ((ربك)). قوله: ((فلما جاءه
الرسول)) أي: فلما جاء يوسف رسول الملك، وقال: أجب الملك فأبى أن يخرج معه حتى
يظهر عذره وبراءته عند الملك ويعرف صحة أمره من قبل النسوة اللاتي قطعن أيديهن، وقصته
مشهورة. قوله: ((إن ربي بكيدهن عليم)) أي: إن الله تعالى عالم بكيد النساء، وقيل: إن
سيدي الملك قطفير عالم بما فتنتني به المرأة. قوله: ((ما خطبكن)) فيه حذف تقديره،
فرجع الرسول إلى الملك من عند يوسف برسالته فدعا الملك النسوة اللاتي قطعن أيديهن
وامرأة العزيز، فقال لهن: (ما خطيكن) أي: ما شأنكن وأمركن، (إذ راودتن يوسف) فأجبنه
بقولهن: (حاش لله) أي: معاذ الله (ما علمنا عليه من سوء) أي: من فاحشة وبقية القصة
مشهورة.
وحاشَ وحاشَى تَنْزِيةٌ واسْشَاءٌ
.-
إعلم إن: حاش على ثلاثة أوجه (أحدها) أن تكون فعلاً متعدياً متصرفاً، تقول: حاشيته
بمعنى استثنيته (والثاني) أن تكون للتنزيه، نحو: حاش لله وهي عند المبرد وابن جنى
والكوفيين فعل لتصرفهم فيها بالحذف. والصحيح أنها اسم مرادف للتنزيه بدليل قراءة
بعضهم: حاشا لله، بالتنوين كما يقال براءة لله من كذا وزعم بعضهم أنها اسم فعل ومعناها:
أتبرأ أو تبرأت. (الثالث) أن تكون للاستثناء، فذهب سيبويه وأكثر البصريين إلى أنها حرف
دائماً بمنزلة إلا لكنها تجر المستثنى وذهب الجرمي والمازني والمبرد والزجاج والأخفش وأبو
زيد والفراء وأبو عمرو الشيباني إلى أنها تستعمل كثيراً حرفاً، وقليلاً متعدياً جامداً لتضمنها
معنى إلاَّ وقال أبو عبيدة الشين في حاش في قوله حاش لله، مفتوحة بغير ياء، وبعضهم
يدخلها في آخرها، كقول الشاعر.
حاشی أبي ثوبان إن به ضنا
ومعناها التنزيه والاستثناء عن الشر تقول: حاشيته أي: استثنيته، وقد قرأ الجمهور
بحذف الألف بعد الشين، وأبو عمرو بإثباتها في الأصل، وفي حذف الألف بعد الحاء لغة،
وقرأ بها الأعمش. قوله: ((تنزيه)) من نزه ينزه تنزيهاً بالزاي كذا هو في وراية الأكثرين، وفي
رواية حكاها عياض: تبرية من التبري بمعنى البراءة بالباء الموحدة والراء المهملة.