النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ ٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورَةُ الأَنْفالِ النجار، هو الهيثم بن حنش وعن أحمد بن يونس، هو شخص يقال له حكيم، وقيل: نافع بن الأزرق. قوله: ((أن لا تقاتل))، كلمة لا زائدة كما في قوله: ﴿ما منعك أن لا تسجد﴾ [الأعراف: ١٢] وكان لم يقاتل أصلاً في الحروب التي جرت بين المسلمين لا في صفين ولا في وقعة الجمل ولا في محاصرة ابن الزبير وغيرها. قوله: ((أغتر))، من الاغترار بالمعجمة والراء المكررة أي: تأويل هذه الآية أحب إليّ من تأويل الآية الأخرى التي فيها تغليظ شديد وتهديد عظيم، والحاصل أن السائل كان يرى قتال من خالف الإمام الذي يعتقد طاعته، وكان ابن عمر يرى ترك القتال فيما يتعلق بالملك، والظاهر أن السائل كان هذا من الخوارج فإنهم كانوا يتولون الشيخين ويخطؤون عثمان وعلياً فرد عليه ابن عمر بذكر مناقبهما ومنزلتهما من النبي عَّهِ، والاعتذار عما عابوا به عثمان من الفرار يوم أحد وغاب عن بدر وعن بيعة الرضوان. قوله: ((إذا كان))، أي: حين كان. قوله: ((يفتن في دينه))، على صيغة المجهول. قوله: ((يقتلوه))، حذف النون منه بلا جازم ولا ناصب، وهي لغة وكذلك يوثقوه، وقال صاحب (التوضيح) إما يقتلونه وإما يوثقونه، هذا هو الصواب، ورواية يقتلوه ويوثقوه، غير صواب لأن: إما هنا عاطفة مكررة وإنما تجزم إذا كانت شرطاً. قلت: لا نسلم أنه غير صواب بل هو صواب كما ذكرناه لأنه لغة لبعض العرب وهي فصيحة، وكون: إما تتضمن معنى الشرط ليس بمجمع عليه. قوله: ((وهذه ابنته أو بيته))، بالشك في رواية الأكثرين، وكذا قال الكشميهني بالشك ولكن قال: أو أبيته، بصيغة جمع القلة في البيت وهو شاذ وهذه أنث باعتبار البقعة. قوله: ((ترون))، أي: بين حجر النبي عٍَّ وبين قربه عَّ له مكاناً ومكانة. ٤٦٥١/١٧٢ - حدَثنا أَحْمَدُ بنُ يُونُسَ حدَّثنا زُهَيْرٌ حدَّثنا بَيَانٌ أَنَّ وَبَرَةَ حَدَّثَهُ قَالَ حدَثني سَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ قَالَ خَرَجَ عَلَيْنَا أَوْ إِلَيْنَا ابْنُ عُمَرَ فَقَالَ رَجُلٌ كَيْفَ تَرَى فِي قِتالِ الْفِتْنَةِ فَقَالَ وَهَلْ تَدْرِي مَا الْفِتْنَةُ كَانَ مُحَمَّدٌ عَلِ يُقَاتِلُ المُشْرِكِينَ وَكَانَ الدُّخُولُ عَلَيْهِمْ فِتْنَةٌ وَلَيْسَ كَقِتَالِكُمْ عَلَى المُلْكِ . هذا طريق آخر في الحديث المذكور وهو مختصر منه، ويحتمل أن يكونا واقعتين وأحمد بن يونس هو أحمد بن عبد الله بن يونس اليربوعي الكوفي وقد نسب إلى جده، وزهير هو ابن معاوية، وبيان، بفتح الباء الموحدة وتخفيف الياء آخر الحروف وبالنون ابن بشر بكسر الباء الموحدة وسكون الشين ووبرة، بفتح الواو وسكون الباء الموحدة وفتحها وبالراء: ابن عبد الرحمن المسلمي، بضم الميم وسكون السين المهملة وباللام. الحارثي من مذحج. ٧ - بابٌّ: ﴿يَا أَيُّهَا النبيُّ حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلَى القِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائتين وَإِنْ يَكَنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بأنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ [الأنفال: ٦٥] أي: هذا باب في قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي﴾ الآية. ولم يذكر لفظ باب، عند أحد ٣٤٢ ٦٥ - كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ / سورَةُ الأَنْفالِ من الرواة، وسياق الآية إلى (يفقهون) غير أبي ذر، وعنده: ﴿يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال) الآية. قوله: ((حرض المؤمنين))، من التحريض وهو الحث على الشيء. قوله: ((وإن يكن منكم مائة))، أي: صابرة محتسبة تثبت عند لقاء العسكر. قوله: ((قوم لا يفقهون)) أي: إن المشركين يقاتلون على غير احتساب ولا طلب ثواب. ١٧٣ /٤٦٥٢ - حدَثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عنهما لمَّا نَزَلَتْ: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مَائَتَيْنِ﴾ فَكَتِبَ عَلَيْهِمْ أَنْ لا يَفِرَّ وَاحِدٌ مِنْ عَشَرَةٍ فَقَالَ سُفْيَانُ غَيْرَ مَرَّةٍ أَنْ لا يَفِرَّ عِشْرُونَ مِنْ مَائَتَيْنِ ثُمَّ نَزَلَتْ: ﴿الآنَ خَقَّفَ الله عنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٦] الآيَةَ فَكَتَبَ أنْ لا يَفِرُ مِائَةٌ مِنْ مَائَتَيْنِ وَزَادَ سُفْيَانُ مَرَّةً نَزَّلَتْ: ﴿حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلَى القِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ﴾ قَالَ سُفْيَانُ وَقَالَ ابنُ شُبْرَمَةً وَأَرَى الأَمْرَ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ مِثْلَ هَذَا [الحديث ٤٦٥٢ - أطرافه في ٤٦٥٣]. مطابقته للترجمة ظاهرة. وعلي بن عبد الله المعروف بابن المديني، وسفيان هو ابن عيينة، وعمرو هو ابن دينار. والحديث من أفراده. قوله: ((فكتب عليهم)) أي: فرض عليهم. والآية وإن كانت بلفظ الخبر ولكن المراد منه الأمر فلذلك دخلها النسخ لأنه لما شق ذلك عليهم حط الفرض إلى ثبوت الواحد للاثنين فهو على هذا تخفيف لا نسخ. وقال القاضي أبو بكر بن الطيب أن الحكم إذا نسخ بعضه أو بعض أوصافه أو غير عدده فجائز أن يقال: إنه نسخ لأنه حينئذ ليس بالأول بل هو غيره، وقال قوم: إنه كان يوم بدر، قال ابن العربي: وهو خطأ، وقد نص مقاتل على أنه كان بعد بدر، والآية معلقة بأنهم كانوا يفقهون ما يقاتلون به وهو الثواب، والكفار لا يفقهونه. وقيل: أنهم كانوا في أول الإسلام قليلاً فلما كثروا خفف، ثم هذا في حقنا، وأما سيدنا رسول الله عَ ليه فيجب عليه مصايرة العدو الكثير لأنه موعود بالنصر كامل القوة. قوله: ((وقال سفيان غيره مرة)) أراد به أن سفيان كان يرويه بالمعنى. فتارة يقول باللفظ الذي وقع في القرآن محافظة على التلاوة وهو الأكثر، وتارة يرويه بالمعنى، وهو: أن لا يفر واحد من عشرة، ويحتمل أن يكون سمعه باللفظين ويكون التأويل من غيره. قوله: ((ثم نزلت أي)) الآية التي هي قوله: ﴿الآن خفف الله عنكم﴾ قوله: ((وزاد سفيان)) أشار به إلى أنه حدث مرة بالزيادة ومرة بدونها. قوله: ((وقال ابن شبرمة)) بضم الشين المعجمة وسكون الباء الموحدة وضم الراء، واسمه عبد الله التابعي قاضي الكوفة وعالمها مات سنة أربع وأربعين ومائة، وقال صاحب (التلويح) هذا التعليق رواه ابن أبي حاتم عن محمد بن عبد الله بن يزيد المقري عن سفيان. قال: قال ابن شبرمة، فذكره ومعناه أن لا يفر من اثنين إذا كانا على منكر وله أن يفر إذا كان الذي على المنكر أكثر منهما. قيل: وهم من زعم أنه معلق قال في رواية ابن أبي عمر عن سفيان عند أبي نعيم في (المستخرج) قال سفيان فذكرته لابن شبرمة فذكر مثله. قوله: ((مثل ٣٤٣ ٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورَةُ الأُنْفالِ هذا)) أي: مثل الحكم المذكور في الجهاد ووجه الجامع بينهما أعلاه كلمة الحق وإخماد كلمة الباطل. ٨ - بابٌّ: ﴿أَلآن خَفَّفَ الله عَنْكُمْ وَعَلِمَ أنَّ فِيكُمْ ضَغْفاً﴾ [الأنفال: ٦٦] الآيَةَ أي: هذا باب في قوله تعالى: ﴿الآن خفف الله عنكم﴾ الآية. وهذا المقدار هو في رواية أبي ذر، وعند غيره إلى قوله: ﴿والله مع الصابرين﴾ [الأنفال: ٦٦] قوله: ((الآن)) اسم للوقت الذي أنت فيه، وهو ظرف غير منكر وقع معرفة ولم يدخل الألف واللام عليه للتعريف لأنه ليس له ما يشركه. قوله: ((ضعفاً)) بفتح الضاد وقرىء بضمها وقرأ أبو جعفر: ضعفاء جمع ضعيف والضعف في العدد في قول أكثر العلماء وقيل: في القوة والجلد. ١٧٤/ ٤٦٥٣ - حدَثنا يَحْيَّى بنُ عَبْدِ الله السَّلَمِيُّ أَخْبَرنا عَبْدُ الله بنُّ المُبَارَكِ أَخْبرنا جَرِيرُ بنُ حازمٍ قَالٍ أخبرَنِي الزُّبَيْرُ بنُ خِرِّيث عنْ عِكْرَمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عنهما قَالَ لَهَا نَزَّلَتْ: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَعْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥] شَقَّ ذَلِكَ عَلَى المُسْلِمِينَ حِينَ فُرِضَ عَلَيْهِمْ أنْ لا يَفَرَّ وَاحِدٌ مِنْ عَشَرَةٍ فَجَاءَ النَّخْفِيفُ فَقَالَ: ﴿الآنَ خَفَّفَ الله عَنْكُمْ وَعَلِمَ إِنَّ فِيكُمْ ضَغْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ قَالَ فَلَمَّا خَفَّفَ الله عَنْهُمْ مِنَ العِدَّةِ نَقَصَ مِنَ الصَّبْرِ بِقَدْر ما خُفْفَ عَنْهُمْ . مطابقته للترجمة ظاهرة. ويحيى بن عبد الله السلمي، بضم السين المهملة وفتح اللام، ويقال له: خاقان البلخي، وجرير، بفتح الجيم: ابن حازم بالحاء المهملة والزاي، والزبير بضم الزاي ابن الخريت، بكسر الخاء المعجمة والراء المشددة وسكون الياء آخر الحروف وبالتاء المثناة من فوق، البصري من صغار التابعين والحديث أخرجه أبو داود في الجهاد عن أبي توبة الربيع بن نافع. قوله: ((من الصبر))، ووقع في رواية وهب بن جرير عن أبيه عند الإسماعيلي نقص من النصر، وهذا القول من ابن عباس توقيف في الظاهر، ويحتمل أن يكون قاله بطريق الاستقراء، والله أعلم. ٠ ٣٤٤ ٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سُورَةُ التوبة سُورَةُ بَرَاءَةَ أي: هذه سورة براءة يعني: في بيان بعض تفسيرها، وسيأتي معنى براءة، عن قريب إن شاء الله تعالى. وقال أبو الحسن بن الحصار: هي مدنية باتفاق. وقال مقاتل: إلا آيتين من آخرها ﴿لقد جاءكم﴾ [التوبة: ١٢٨] إلى آخرها نزلت بمكة، وقيل: فيها اختلاف في أربع عشرة آية، وهي عشرة آلاف وثمانمائة وسبعة وثمانون حرفاً وألفان وأربعمائة وسبع وتسعون كلمة، ومائة وثلاثون آية مدني وبصري وشامي ومكي، ومائة وعشرون وتسع کوفي، ولها ثلاثة عشر اسماً اثنان مشهوران (براءة)، و (التوبة) و (سورة العذاب) و (المقشقشة) لأنها تقشقش عن النفاق أي: تبرىء، وقيل: من تقشقش المريض إذا برأ (البحوث) لأنها تبحث عن سرائر المنافقين و (الفاضحة) لأنها فضحت المنافقين و (المبعثرة) لأنها بعثرت أخبار الناس وكشفت عن سرائرهم و (المثيرة) لأنها أثارت مخازي المنافقين و (الحافرة) لأنها حفرت عن قلوبهم و (المشردة) لأنها تشرد بالمنافقين و (المخزية) لأنها تخزي المنافقين و (المنكلة) لأنها تنكلهم و (المدمدمة) لأنها تدمدم عليهم. واختلف في سبب سقوط البسملة من أولها. فقيل: لأن فيها نقض العهد والعرب في الجاهلية كانوا إذا نقض العهد الذي كان بينهم وبين قوم لم يكتبوا فيه البسملة، ولما نزلت براءة بنقض العهد قرأها عليهم علي، رضي الله تعالى عنه، ولم يبسمل جرياً على عادتهم، وقيل: لأن عثمان، رضي الله تعالى عنه، قال: كانت الأنفال من أوائل ما نزل وبراءة من آخره، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، وقبض النبي عٍَّ ولم يبين لنا أنها منها فظننت أنها منها فمن ثمة قرنت بينهما ولم أكتب بينهما البسملة، رواه الحاكم وصححه، وقيل: لما سقط البسملة معه، روي عن عثمان أيضاً وقاله مالك في رواية ابن وهب وابن القاسم، وقال ابن عجلان: بلغني أن براءة كانت تعدل البقرة أو قربها فذهب منها فلذلك لم تكتب البسملة، وقيل: لما كتب المصحف في خلافة عثمان اختلفت الصحابة. فقال بعضهم: براءة والأنفال سورة واحدة، وقال بعضهم: هما سورتان، فترك بينهما . فرجة لقول من لم يقل إنهما سورة واحدة، وبه قال: خارجة وأبو عصمة وآخرون، وقيل: روى الحاكم في (مستدركه) عن ابن عباس، قال: سألت علياً رضي الله تعالى عنه، عن ذلك فقال: لأن البسملة أمان وبراءة نزلت بالسيف ليس فيها أمان. قال القشيري: والصحيح أن البسملة لم تكتب فيها لأن جبريل عليه السلام، ما نزل بها فيها، وروى الثعلبي عن عائشة، رضي الله تعالى عنها، أن سيدنا رسول الله عَّ﴾ قال: ((ما نزل عليّ القرآن إلاَّ آية آية وحرفاً حرفاً خلا براءة وقل هو الله أحد فإنهما أنزلتا عليّ ومعهما سبعون ألفاً من الملائكة)). مُرْصَدٌ طَرِيقٌ أشار به إلى قوله تعالى: ﴿واقعدوا لهم كل مرصد﴾ [التوبة: ٥] أي: على كل طريق ويجمع على مراصد، وهي الطرق. قوله لهم: أي للكفار المشركين ولم تقع هذه اللفظة إلاّ في بعض النسخ. ٣٤٥ ٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورة التوبة بَابٌ وَلِيجَة كلُّ شَيْءٍ أُذْخَلْتَهُ فِي شَيْءٍ لم يثبت لفظ باب: في كثير من النسخ ولا ثبت لفظ وليجة في رواية أبي ذر، ولا الذي قبله، وأشار به إلى قوله تعالى: ﴿ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما تعملون﴾ [التوبة: ١٦] وفسر: وليجة بقوله: كل شيء أدخلته في شيء وروي كذلك عن الربيع قال ابن أبي حاتم، حدثنا كثير بن شهاب القزويني حدثنا محمد يعني ابن سعيد حدثنا أبو جعفر عنه، وفي التفسير، وليجة أي: بطانة ودخيلة، يعني الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله. ولا المؤمنين وليجة أي: بطانة بل هم في الظاهر والباطن على النصح لله ولرسوله. الشُّقَّةُ السَّفَرُ أشار به إلى قوله عز وجل: ﴿لو كان عرضاً قريباً وسفراً قاصداً لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة﴾ [براءة: ٤٢] وفسر الشقة بالسفر. وروي كذلك عن ابن عباس، قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة حدثنا منجاب أخبرنا بشر بن عمارة عن أبي روق عن الضحاك عنه، وفي التفسير ﴿لو كان عرضاً قريباً﴾ أي: الغنيمة قريبة ﴿وسفراً قاصداً لاتبعوك﴾ أي: لكانوا معك لذلك ﴿ولكن بعدت عليهم الشقة﴾ أي: المسافة إلى الشام. الخبالُ الفَسادُ والخَبالُ المَوْتُ أشار به إلى قوله تعالى: ﴿لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلاَّ خبالاً﴾ [التوبة: ٤٧] وفسر الخبال بالفساد، وكذا فسره أبو عبيدة، والخبال في الأصل الفساد ويكون في الأفعال والأبدان والعقول، من خبله يخبله خبلاً بسكون الباء وبفتحها الجنون. قوله: ((والخبال الموت))، كذا وقع في جميع الروايات قيل: الصواب الموتة بضم الميم وبالهاء في آخره، وقال الجوهري: الموتة بالضم جنس من الجنون والصرع يعتري الإنسان فإذا أفاق عاد إليه كمال عقله كالنائم والسكران. وَلا تَفْتِّي لا تُوَبِّخْنِي أشار به إلى قوله تعالى: ﴿ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني﴾ [التوبة: ٤٧] وفسر قوله: لا توبخني، من التوبيخ بالباء الموحدة والخاء المعجمة، وفي وراية المستملي والجرجاني: لا توهني، بالهاء وتشديد النون من الوهن وهو الضعف وفي رواية ابن السكن: لا تؤثمني بالثاء المثلثة الثقيلة وسكون الميم من الإثم قال عياض: وهو الصواب، وكذا وقع في كلام أبي عبيدة، والآية نزلت في جد ابن قيس المنافق قال له عَ له: هل لك في جلاد بني الأصفر يعني الروم تتخذ منهم سراري ووصفاء؟ فقال: ائذن لي في القعود عنك ولا تفتني بذكر النساء فقد علم قومي أني مغرم بهن وأني أخشى أن لا أصبر عنهن، وقال ابن عباس: اعتل جد ابن قيس بقوله: ولا تفتني، ولم يكن له علة إلاّ النفاق. قال تعالى: ﴿إلا في ٣٤٦ ٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورة التوبة الفتنة سقطوا﴾ يعني: إلاَّ في الإثم سقطوا. کَزْهاً وَكُزْهاً أشار به إلى قوله تعالى: ﴿قل اتفقوا طوعاً أو كرهاً لن يتقبل منكم﴾ وأشار بأن فيه لغتين فتح الكاف وضمها فبالضم قرأ الكوفيون حمزة والأعمش ويحيى بن وثاب والكسائي، وقرأ الباقون بالفتح، والمعنى: قل يا محمد انفقوا طائعين أو مكرهين لن يتقبل منكم أنكم كنتم قوماً فاسقين، وبين الله سبب ذلك بقوله: ﴿وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم﴾ [التوبة: ٥٤] الآية. مُدَخَلاً يَدْخَلُونَ فِيهِ أشار به إلى قوله تعالى: ﴿لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلاً﴾ والمعنى: لو يجدون حصناً يتحصنون به، وحرزاً يحترزون به. أو مغارات وهي الكهوف في الجبال أو مدخلاً وهو الشَرب في الأرض وقد أخبر الله تعالى عنهم بأنهم يحلفون بالله أنهم لمنكم يميناً مؤكدة وما هم منكم في نفس الأمر إنما يخالطونكم كرهاً لا محبة. يَجْمَحُونَ يُشْرِعُونَ أشار به إلى قوله تعالى: ﴿لولوا إليه وهم يجمحون﴾ وفسره بقوله: يسرعون، وهو آخر الآية المذكورة الآن يعني: في ذهابهم عنكم لأنهم إنما يخالطونكم كرهاً لا محبة وودوا أنهم لا يخالطونكم ولكن للضرورة أحكام. وَالمُؤْتَفِكَاتِ الْتَفَكَتْ انْقَلَبَتْ بِهَا الأَرْضُ أشار به إلى قوله تعالى: ﴿وأصحاب مدين والمؤتفكات ائتهم رسلهم بالبينات﴾ [براءة: ٧٠] وفسر المؤتفكات بقوله: ائتفكت انقلبت بها الأرض وهم قوم لوط، وفي التفسير: والمؤتفكات قرى قوم لوط، عليه السلام، وكانوا يسكنون في مدن وأمها سدوم وأهلكهم الله عن آخرهم بتكذيبهم نبي الله لوطاً عليه السلام، وإتيانهم الفاحشة التي لم يسبقهم بها أحد من العالمين، وأصله من أفكه يأفكه أفكا إذا صرفه عن الشيء وقلبه، وأفك فهو مأفوك والآفكة العذاب الذي أرسله الله على قوم لوط فقلب بها ديارهم، والبلدة مؤتفكة وتجمع على مؤتفكات. أَهْوَى أَلْقَاهُ فِي هُوَّةٍ هذه اللفظة لم تقع في سورة براءة وإنما هي في سورة النجم ذكرها هنا البخاري استطراداً لقوله: والمؤتفكة أهوى، والهوة بضم الهاء وتشديد الواو وهو المكان العميق. عَذْنٍ خُذْدٍ عَدَنْتُ بِأَرْضِ أَيْ أَقَمْتُ وَمِنْهُ مَعْدِنٌ وَيُقالُ فِي مَعْدِنِ صِدْقٍ فِي مَنْبِتِ ٣٤٧ ٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورة التوبة صِذْقٍ. أشار به إلى قوله تعالى: ﴿جنات عدن﴾ [التوبة: ٧٢] وفسر قوله عدن، بقوله: خلد، بضم الخاء وسكون اللام وهو دوام البقاء، يقال: خلد الرجل يخلد خلوداً من باب نصر ينصر. قوله: عدنت بأرض، أي: أقمت بها لأنها من العدن وهو الإقامة، يقال: عدن بالمكان يعدن عدناً من باب نصر ينصر، إذا لزمه ولم يبرح به قوله: ومنه معدن. أي: ومن عدن اشتقاق معدن وهو الموضع الذي يستخرج منه جواهر الأرض كالذهب والفضة والنحاس وغير ذلك، قوله: ويقال في معدن صدق، يعني: يقال فلان في معدن صدق إذا كان مستمراً عليه ولا يبرح عنه كأنه صار معدناً للصدق. قوله: في منبت صدق، بفتح الميم وسكون النون وكسر الباء الموحدة، اسم لموضع النبات، ويقال: لمكان يستقر فيه النبت هذا منبت صدق، وقالوا في تفسير قوله تعالى: ﴿في مقعد صدق﴾ [القمر: ٥٥] أي: مكان مرضي، والصدق هنا كناية عن استمرار الرضا فيه. الْخَوَالِفُ الخَالِفُ الَّذِي خَلَفَنِي فَقَعَدَ بَعْدِي وَمِنْهُ يَخْلِفُهُ فِي الغَابِرِينَ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النِّسَاءُ مِنَ الخَالِفَةِ. أشار بقوله الخوالف: إلى قوله تعالى: ﴿رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون﴾ [التوبة: ٨٧] هذه الآية وما قبلها في قضية غزوة تبوك، وذلك أنهم لما أمروا بغزوة تبوك تخلفت جماعة منهم من بين الله عذرهم بقوله: ﴿ليس على الضعفاء ولا على المرضى﴾ إلى قوله: ﴿ألا يجدوا ما ينفقون﴾ [التوبة: ٩١] نفى الله تعالى عنهم الملامة، ثم رد الله على الذين يستأذنون في القعود وهم أغنياء وأنبهم بقوله: ﴿رضوا بأن يكونوا مع الخوالف﴾ أي: مع النساء الخوالف في الرجال (طبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون.﴾. قوله: الخالف الذي خلفني فقعد بعدي: إشارة إلى تفسير الخالف، وهو الذي يقعد بعد الشخص في رحله ويجمع على خالفين كما في قوله تعالى: ﴿فاقعدوا مع الخالفين﴾ [التوبة: ٨٣] قال ابن عباس: أي الرجال الذين تخلفوا عن الغزاة ولا يجمع الخالف على الخالفين لأن جمع النساء لا يكون بالياء والنون. فإن قلت: روي عن قتادة في قوله تعالى: ﴿فاقعدوا مع الخالفين﴾ قال أي: النساء. قلت: رد عليه ابن جرير بما ذكرنا ورجح عليه قول ابن عباس، وكان الكرماني أخذ قول قتادة فقال: قوله الخوالف جمع الخالف أي: مع المتخلفين ثم قال: ويجوز أن يكون المراد جمع النساء فيكون جمع خالفة، وهذا هو الظاهر لأن فواعل جمع فاعلة، ولم يوجد في كلامهم إلاّ لفظان فوارس وهوالك. قلت: جاء سابق وسوابق وناكس ونواكس وداجن ودواجن، ومن الأسماء عازب وعوازب وكاهل وكواهل وحاجة وحوائج وعائش وعوائش للدخان، والحاصل أن المراد من الخوالف النساء المتخلفات، وقيل: أخساء الناس. قوله: ((ومنه يخلفه في الغابرين)»، أي: ومن هذا لفظ يخلفه في الغابرين، هذا دعاء ٣٤٨ ٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورة التوبة لمن مات له ميت اللهم اخلفه في الغابرين، أي: في الباقين من عقبه، وفي مسلم من حديث أم سلمة اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين واخلفه في عقبه في الغابرين، وقال النووي في شرحه أي: الباقين، كقوله تعالى: ﴿إِلاَّ امرأته كانت من الغابرين﴾ [الأعراف: ٨٣] قلت: لفظ غير، يستعمل في الماضي والمستقبل فهو من الأضداد والفرق في المعنى بالقرينة. قوله: ((ويجوز أن يكون النساء من الخالفة)) إنما يجوز ذلك إذا كان يجمع الخالفة على خوالف وأما على ما يفهم من صدر كلامه أن الخالف يجمع على خوالف فلا يجوز على ما نبهنا عليه من قريب، وإنما الخالف يجمع على الخالفين بالياء والنون فافهم. وَإِنْ كَانَ جَمْعَ الذُّكُورِ فَإِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ عَلَى تَقْدِيرٍ جَمْعِهِ إلاّ حَرْفَانِ فَارِسٌ وَفَوَارِسُ وَهَالِكٌ وَهَوَالِكُ. فيه نظر من وجهين: أحدهما: أن المفهوم من صدر كلامه أن خوالف جمع خالف وهنا ذكره بالشك أنه إذا كان خوالف جمع المذكر فإنه لم يوجد إلى آخره. والآخر: في ادعائه أن لفظ فاعل لا يجمع على فواعل إلاّ في لفظين: أحدهما: فارس، فإنه يجمع على فوارس. والآخر: هالك فإنه يجمع على هوالك، وقد ذكرنا ألفاظاً غيرهما أنها على وزن فاعل قد جمعت على فواعل ولم أر أحداً من الشراح حرر هذا الموضع كما هو حقه، وقد حررناه فللَّه الحمد. الخَيْرَاتُ وَاحِدُها خَيْرَةٌ وَهِيَ الفَوَاضِلُ أشار به إلى قوله تعالى: ﴿وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون﴾ وذكر أن واحدة الخيرات خيرة. ثم فسر الخيرات بالفواضل وفي التفسير: أولئك لهم الخيرات. أي: في الدار الآخرة في جنات الفردوس والدرجات العلى. مُرْجَوْنَ مُؤَخَّرونَ لم يثبت هذا في رواية أبي ذر، وأشار به إلى قوله تعالى: ﴿وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم﴾، [التوبة: ١٠٦] وفسر مرجؤن، بقوله: مؤخرون أي: يؤخرون لأمر الله ليقضي الله فيهم ما هو قاض، ومرجؤن من أرجأت الأمر وأرجيته بهمز وبغيره وكلاهما بمعنى التأخير، ومنه المرجئة. وهم فرقة من فرق الإسلام يعتقدون أنه لا يضر مع الإيمان معصية كما أنه لا ينفع مع الكفر طاعة. أي: آخره عنهم، والمرئجة بهمز ولا تهمز، فالنسبة من الأول مرجىء ومن الثاني مرجي، والمراد من قوله تعالى: ﴿وآخرون مرجون﴾ الثلاثة الذين خلفوا في غزوة تبوك، وهم: مرارة بن الربيع وكعب بن مالك وهلال بن أمية قعدوا عن غزوة تبوك في جملة من قعد كسلاً وميلاً إلى الدعة والخفض وطيب الثمار والظلال، لا شكاً ونفاقاً قاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة والضحاك وآخرون. الشَّفا شَفيرٌ وَهُوَ حَدُّهُ أشار به إلى قوله تعالى: ﴿أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار﴾ [التوبة: ١٠٩] فسر ٣٤٩ ٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورة التوبة الشفا بقوله شفير، ثم قال: وهو حده أي: طرفه، وفي رواية الكشميهني وهو حرفه. والجُرْفُ مَا تَجَرَّفَ مِنَ السُّئُولِ وَالأَوْدِيَةِ هَارٍ هائِرٍ أشار به إلى قوله تعالى: ﴿شفا جرف هار﴾ [التوبة: ١٠٩] ثم فسر الجرف بقوله: ما تجرف من السيول وهو الذي ينحفر بالماء فيبقى واهياً، وفسر قوله: هار، بقوله: هائر، يقال: تهورت البئر إذا انهدمت وانهار مثله، وفيه إشارة أيضاً إلى أن لفظ: هار، مقلوب من هائر ومعلول إعلال قاض، وقيل: لا حاجة إليه بل أصله: هور وألفه ليست بألف فاعل وإنما هي عينه وهو بمعنى: ساقط. لأَوَّةٌ شَفَقاً وَفَرَقاً أشار به إلى قوله تعالى: ﴿إِن إبراهيم لأواه حليم﴾ [التوبة: ١١٤] والأواه المتأوه المتضرع، وهو على وزن فعال، بالتشديد، وقال سفيان وغير واحد. عن عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش عن ابن مسعود أنه قال: الأواه الدعاء، وروى ابن أبي حاتم من حديث ابن المبارك عن عبد الحميد بن بهرام، قال: الأواه المتضرع الدعاء، وعن مجاهد وأبي ميسرة عمرو بن شرحبيل والحسن البصري وقتادة أنه الرحيم أي: لعباد الله، وعن عكرمة عن ابن عباس، قال: الأواه الموقن بلسان الحبشة، وكذا قال الضحاك، وقال علي بن أبي طلحة ومجاهد عن ابن عباس، الأواه المؤمن التواب، وقال سعيد بن جبير والشعبي: الأواه المسبح، وقال شفي ابن مانع عن أبي أيوب: الأواه الذي إذا ذكر خطاياه استغفر منها، وروى ابن جرير بإسناده إلى عطاء عن ابن عباس: أن النبي عَ لّهِ، دفن ميتاً فقال: رحمك الله إن كنت لأواهاً يعني: تلاء للقرآن. قوله: ((شفقا)) أي: لأجل الشفقة ولأجل الفرق، وهو الخوف، وهذا كان في إبراهيم، عليه السلام، لأنه كان حليماً عمن ظلمه وخائفاً من عظمة الله تعالى ومن كثرة حلمه وشدته أنه استغفر لأبيه مع شدة أذاه له في قوله: ﴿أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني ملياً﴾ [مريم: ٤٦]. وقال الشاعر: إذا ما قُمْتُ أرْحَلُها بِلَيْلٍ تأوَّهُ آهَةَ الرَّجُلِ الحَزِينِ كأنه يحتج بهذا البيت على أن لفظ: أواه، على وزن فعال من التأوه، وقال الجوهري: أوه الرجل تأويهاً وتأوه تأوها إذا قال: أوه، والاسم منه الآهة بالمد. ثم قال: قال المنقب العبدي: إذا ما قمت إلى آخره، ويروى أهة، بتشديد الهاء من قولهم: أه أي توجع. قلت: فلذلك قال أكثر الرواة آهة بالمد والتخفيف، وروى الأصيلي: أهة بلا مد وتشديد الهاء، وقد نسب الجوهري البيت المذكور إلى المنقب العبدي، بتشديد القاف المفتوحة، وزعم بعضهم بكسر القاف، والأول أشهر وسمى المثقب بقوله: ٣٥٠ ٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورة التوبة وثقبن الوصاوص للعيون أرين محاسناً وكنن أُخرى قوله: كنن أي: سترن، والوصاوص، جمع وصواص وهو البرقع الصغير، وهكذا فسره الجوهري ثم أنشد هذا البيت، واسم المثقب، جحاش عائذ بن محصن بن ثعلبة بن وائلة بن عدي بن زهر بن منبه بن بكرة بن لكز بن أقصى بن عبد القيس، قال المرزباني: وقيل: اسمه شاس بن عائذ بن محصن، وقال أبو عبيدة وأبو هفان اسمه مشاس ابن نهار، والبيت المذكور من قصيدة من المتواتر وهي طويلة وأولها قوله: ومنعك ما سألت كأن تبيني أفاطم قبل بينك متعيني تمر بها رياح الصيف دوني فلا تعدي مواعد كاذباتَ لما أتبعتها أبداً يميني لذلك أجتوي من يجتويني فإني لو تخالفني شمالي إذاً لقطعتها ولقلت: بيني إلى أن قال: فسلّ الهم عنك بذات لَوَث إذا ما قمت أرحلها بليل تقول: إذا درأت لها وضيني أكلُ الدهر حل وارتحال ومن حکمھا: فإما أن تكون أخي بصدق وإلاَّ فاطر حني واتخذني فما أدري إذا يممت أرضاً الخير الذي أنا أبتغيه عذافرة كمطرفة القيون تأوه آهة الرجل الحزين أهذا دينه أبداً وديني فما يبقى علي ولا يقيني فأعرف منك غثي من سميني عدواً أتقيك وتتقيني أريد الخير أيهما يليني أم الشر الذي هو يبتغيني قوله: ((أفاطم))، بفتح الميم وضمها، منادى مرخم. قوله: ((بينك))، أي: قبل قطعك. قوله: ((اجتوى))، من الجوى، وهو: المرض وداء البطن إذا تطاول. قوله: ((ذات لوث))، بضم اللام، يقال ناقة لوثة أي: كثيرة اللحم والشحم. قوله: ((عذافرة))، بضم العين المهملة وتخفيف الذال المعجمة وكسر الفاء وفتح الراء يقال: ناقة عذافرة، أي: عظيمة وقال الجوهري: يقال جمل عذافر وهو العظيم الشديد. قوله: ((كمطرقة القيون))، وهو جمع قين، وهو الحداد. قوله: ((أُرحّلها)) من رحّلت الناقة أرحلها رحلاً إذا شددت الرحل على ظهرها، والرحل أصغر من القتب. قوله: ((وضيني)) بفتح الواو وكسر الضاد المعجمة وسكون الياء آخر الحروف وبالنون، وهو الهودج بمنزلة البطان للقتب قوله: ((حل)) أي: حلول الحل، ٣٥١ ٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورة التوبة والحلول والمحل مصادر من حل بالمكان، والمعنى: أكل الزمان موضع الحلول وموضع الارتحال. قوله: ((لا يقيني) أي: لا يحفظني من وقى يقي وقاية. قوله: ((بصدق)) ويروي بحق. قوله: ((فأعرف)) بالنصب أي: فإن أعرف. قوله: ((غثي)) بالغين المعجمة وتشديد الثاء المثلثة من غث اللحم إذا كان مهزولاً والمعنى أعرف منك ما يفسد مما يصلح. ١ - بابُ قَوْلِهِ: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ الله وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١] أي: هذا باب في قوله عز وجل: ﴿براءة من الله﴾ الآية. قال الإمام أبو الليث السمرقندي رحمه الله أي: تبرؤ من الله ورسوله إلى من كان له عهد من المشركين من ذلك العهد، ويقال: هذه الآية براءة، ويقال: هذه السورة براءة، وقال ابن عباس: البراءة نقض العهد إلى الذين عاهدتم من المشركين لأنهم نقضوا عهودهم قبل الأجل فأمر الله نبيه عَ لّه، بأن كان عهده إلى أربعة أشهر أن يقره إلى أن تنقضي أربعة أشهر وقال الثعلبي: ابتداء هذا الأجل يوم الحج الأكبر وانقضاؤه إلى عشر من ربيع الآخر، وقال الزهري: هي شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم لأن هذه الآية نزلت في شوال، وقال مقاتل: نزلت في ثلاثة أحياء من العرب، خزاعة وبني مدلج وبني جزيمة كان سيدنا رسول الله عَّ للم عاهدهم بالحديبية لسنتين فجعل الله أجلهم أربعة أشهر ولم يعاهد النبي عَِّ بعد هذه الآية أحداً من الناس. وقال النحاس: قول من قال: لم يعاهد النبي عَ لّم بعد هذه الآية، غير صحيح، والصحيح أنه قد عاهد بعد هذه الآية جماعة منهم أهل نجران، قال الواقدي: عاهدهم وكتب لهم سنة عشر قبل وفاته بيسير. أُذَانٌ إِعْلامٌ أشار به إلى قوله تعالى: ﴿وأذان من الله ورسوله﴾ [التوبة: ٣] وفسره بقوله: إعلام، وهذا ظاهر. وَقَالَ ابْنُ عَاسٍ أُذُنْ يُصَدِّقُ أشار به إلى قوله تعالى: ﴿ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن﴾ [التوبة: ٦١] الآية. أي: ومن المنافقين قوم يؤذون النبي عَِّ بالكلام فيه، ويقولون: هو أذن يعني من قال له شيء صدقه من قال فينا بحديث صدقه، وإذا جئنا وحلفنا له صدقنا روى معناه عن ابن عباس ومجاهد وقتادة، وروى ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يقول في قوله: ((ويقولون)، هو أذن يعني: هو يسمع من كل أحد. تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَنَحْوُها كَثِيرٌ وَالزَّكَاةُ الطَاعَةُ وَالإِخْلاصُ أشار به إلى قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾ [التوبة: ١٠٣] ٣٥٢ ٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورة التوبة أي: خذ يا محمد، وقال المفسرون: لما تاب الله على أبي لبابة وأصحابه. قالوا يا رسول الله! هذه أموالنا تصدق بها وطهرنا واستغفر لنا فقال: ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئاً، فنزلت هذه الآية. وفي الصدقة قولان: أحدهما: التطوع. والآخر: الزكاة، وقال الزمخشري: تطهرهم صفة لصدقة، وقرىء: يطهرهم، من أطهرهم بمعنى: طهرهم، وتطهرهم بالجزم جواباً للأمر والتاء في تطهرهم للخطاب أو لغيبة المؤنث، والتزكية مبالغة في التطهير وزيادة فيه أو بمعنى الإنماء والبركة. قوله: ((ونحوها كثير)) وفي بعض النسخ. ونحو هذا كثير، وهذه أحسن، وكأنه أشار بهذا إلى أن اللفظين المختلفين في المادة ومتفقين في المعنى كثير في لغات العرب. وذلك لأن الزكاة والتزكية في اللغة الطهارة، ولهذا قال الزمخشري: والتزكية مبالغة في التطهير، وهذا يشير إلى أن معنى التزكية التطهير. ولكن فيه زيادة وتجيء التزكية أيضاً بمعنى النماء والبركة والمدح، وكل ذلك قد استعمل في القرآن، وعجبي من الشراح كيف أهملوا تحرير مثل هذا ونظائره. قوله: ((والزكاة الطاعة))، يعني: تأتي بمعنى الطاعة وبمعنى الإخلاص، وروى ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما، في قوله: ((تطهرهم وتزكيهم بها)) قال: الزكاة طاعة الله والإخلاص. لا يُؤْتُون الزَّكَاةَ لا يَشْهَدُونَ أنْ لا إلهَ إلاَّ الله أشار به إلى قوله تعالى: ﴿وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة﴾ [فصلت: ٧] ولكن هذه الآية من سورة فصلت ذكرها هنا استطراداً وفسرها بقوله: لا يشهدون أن لا إله إلا الله وروى ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أنه فسرها هكذا. يُضاهُونَ يُشِئُونَ أشار به إلى قوله تعالى: ﴿ذلك قولهم بأفواههم يضاهون قول الذين كفروا من قبل﴾ [التوبة: ٣٠] وفسر: يضاهون، بقوله: يشبهون، وكذا فسره ابن عباس فيما رواه عنه علي بن أبي طلحة، وهو من المضاهاة. وقال أبو عبيدة: هي التشبيه، وهذا إخبار من الله تعالى عن قول اليهود: عزيراً ابن الله، والنصارى المسيح ابن الله، فأكذبهم بقوله: ﴿ذلك قولهم بأفواههم﴾، يعني لا مستند لهم فيما ادعوه سوى افترائهم واختلافهم. يضاهون أي: يشابهون قول الذين كفروا من قبلهم من الأمم ضلوا كما ضل هؤلاء قاتلهم الله. قال ابن عباس: لعنهم الله. ٤٦٥٤/١٧٥ - حدَثنا أبُو الوَلِيدِ حدَّثنا شُعْبَةُ عَنْ أبِي إِسْحاقَ قَالَ سَمِعْتُ البَرّاءَ رَضِيَ الله عنه يَقُولُ آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُل الله يُفْتِيكُمْ فِي الكَلالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦] وَآخِرِ سُورَةٍ نَزَلَتْ بَرَاءَةٌ. مطابقته للترجمة في آخر الحديث. وأبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، وأبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي والبراء بن عازب. ٣٥٣ ٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورة التوبة والحديث مضى في آخر سورة النساء فإنه أخرجه هناك عن سليمان بن حرب عن شعبة عن أبي إسحاق: سمعت البراء قال: آخر سورة نزلت براءة وآخر آية نزلت: يستفتونك، ومضى الكلام فيه هناك، وقد تقدم في تفسير سورة البقرة عن ابن عباس أن آخر آية نزلت آية الربا وقيل: ﴿واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله﴾ [البقرة: ٢٨١] بعدها وقال الداودي: لم يختلفوا في أن أول براءة نزلت سنة تسع لما حج أبو بكر الصديق بالناس وأنزلت: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ [المائدة: ٣] عام حجة الوداع فكيف تكون براءة آخر سورة أنزلت؟ ولعل البراء أراد بعض سورة براءة. قلت: المراد الآخرية المخصوصة لأن الأولية والآخرية من الأمور النسبية، والمراد بالسورة بعضها أو معظمها، ولا شك أن غالبها نزل في غزوة تبوك وهي آخر غزوات النبي عَّله، وقال بعضهم: ويجمع بين حديثي البراء وابن عباس بأنهما لم ينقلاه وإنما ذكراه عن اجتهاد، قلت: لا محل للاجتهاد في مثل ذلك على ما لا يخفى على المتأمل. ٢ - بابُ قَوْلِهِ: ﴿فَسِيحُوا فِي الأرْضِ أَزْبَعَةَ أَشْهُرِ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي الله وَأَنَّ الله مُخْزِي الكَافِرِينَ﴾ [التوبة: ٢] أي: هذا باب في قوله عز وجل: ﴿فسيحوا في الأرض﴾ الآية وقد مر الكلام في ﴿أربعة أشهر﴾ عن قريب. قوله: ((غير معجزي الله))، أي: غير سابقي الله بأعمالكم. قوله: ((وأن الله))، أي: واعلموا أن الله مخزي ((الكافرين)) أي مذلهم، ويقال: معذب الكافرين في الدنيا بالقتل، وفي الآخرة بالنار. سِيحُوا سِيرُوا أي: معنى قوله: سيحوا سيروا في الأرض مقبلين ومدبرين آمنين غير خائفين أحداً بحرب ولا سلب ولا قتل ولا أسر، يقال: ساح فلان في الأرض يسيح سيحاً وسياحة وسيوحاً. ١٧٦ / ٤٦٥٥ - حدَثنا سَعِيدُ بنُ عُفَيْرٍ قَالَ حدَثني اللَّيْثُ قَالَ حدَثني عُقَيْلٌ عَنِ ابنِ شِهابٍ وَأَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ أنَّ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله عنهُ قَالَ بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ فِي تِلْكَ الحََّةِ فِي مُؤَذِّنِينَ بَعَثَهُمْ يَوْمَ النَّخْرِ يُؤَذِّنُونَ بِنَى أنْ لا يَحُجَّ بَعْدَ العامِ مُشْرِكٌ وَلا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ قَالَ حُمَيْدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمِنِ ثُمَّ أَرْدَفَ رَسُولُ اللهِ عَّةِ بِعَلِيٍّ بنِ أبِي طَالِبٍ وَأَمَرَهُ أنْ يُؤَذِّنَ بِبَرَاءَةً قَالَ أَبُو هُرَيْرَةً فَأَذِّنَ مَعَنا عَلِيٌّ يَوْمَ النَّحْرِ فِي أَهْلِ مِنَى بِبَرَاءَةَ وَأَنْ لا يَحُجَّ بَعْدَ العامِ مُشْرِكٌ وَلا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُزْيَانٌ. مطابقته للترجمة من حيث أن هذه الترجمة من تتمة الآية التي هي أول السورة أعني قوله تعالى: ﴿براءة من الله ورسوله﴾ وفيه أيضاً لفظ براءة. وسعيد بن عفير، بضم العين المهملة وفتح الفاء وهو سعيد بن كثير بن عفير عمدة القاري/ ج١٨ م٢٣ ٣٥٤ ٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورة التوبة المصري، وروى له مسلم أيضاً. وعقيل: بضم العين المهلمة وفتح القاف ابن خالد الأيلي يروي عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري. والحديث مضى في الصلاة في: باب ما يستر من العورة، فإنه أخرجه هناك عن إسحاق بن إبراهيم عن يعقوب إلى آخره، ومضى في كتاب الحج أيضاً في: باب لا يطوف بالبيت عريان، فإنه أخرجه هناك عن يحيى بن بكير عن الليث عن يونس قال ابن شهاب: حدثني حميد بن عبد الرحمن أن أبا هريرة أخبره إلى آخره، ومضى الكلام فيه هناك. قوله: ((وأخبرني حميد))، وفي كتاب الحج: وحدثني حميد بن عبد الرحمن، وإنما قال بواو العطف إشعاراً بأنه أخبره أيضاً بغير ذلك فهو عطف على مقدر، قال الكرماني: ولم يعين المقدر. قلت: الظاهر أن المقدر هكذا عن ابن شهاب حدثني وأخبرني حميد، وتظهر الفائدة فيه على قول من يقول بالفرق بين حدثنا وبين أخبرنا. قوله: ((أن أبا هريرة قال بعثني)) وفي كتاب الحج: أن أبا هريرة أخبره أن أبا بكر بعثه. قوله: ((في تلك الحجة))، وهي الحجة التي كان فيها أبو بكر أميراً على الحاج، وهي في السنة التاسعة. قوله: ((في مؤذنين)) جمع مؤذن من الإيذان وهو الإعلام بالشيء قال ابن الأثير: يقال آذن يؤذن إيذاناً وأذن يؤذن تأذيناً والمشدد مخصوص في الاستعمال بإعلام وقت الصلاة. قوله: ((قال حميد)) متصل بالإسناد الأول. قوله: ((ثم أردف رسول الله عَ ليه بعلي بن أبي طالب)) أي: أرسله بعد أبي بكر رضي الله تعالى عنه، وقال الإمام أحمد حدثنا عفان حدثنا حماد عن سماك عن أنس ابن مالك، رضي الله تعالى عنه، عن رسول الله عَّله، بعث ببراءة مع أبي بكر، رضي الله تعالى عنه، فلما بلغ ذا الحليفة قال: لا يبلغها إلاَّ أنا أو رجل من أهل بيتي، فبعث بها مع علي، رضي الله تعالى عنه، ورواه الترمذي أيضاً في التفسير، وقال: حسن غريب، وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل بإسناده عن علي، رضي الله تعالى عنه، لما نزلت عشر آيات من براءة على النبي عَّهِ، دعا النبي عَّ أبا بكر فبعثه بها ليقرأها على أهل مكة. ثم دعاني فقال: أدرك أبا بكر فحيث ما لقيته فخذ الكتاب منه فاذهب إلى أهل مكة فاقرأه عليهم، فلحقته بالجحفة فأخذت الكتاب منه ورجع أبو بكر إلى النبي عَّمِ فقال: يا رسول الله أنزل فيَّ شيء؟ فقال: لا ولكن جبريل، عليه الصلاة والسلام، جاءني وقال: لن يؤدي عنك إلاَّ أنت أو رجل منك، قال ابن كثير: هذا إسناد فيه ضعف، وليس المراد أن أبا بكر رجع من فوره، وإنما رجع بعد قضائه المناسك التي أمَّره عليها رسول الله عَ لِّ كما جاء مبيناً في الرواية الأخرى، وقال عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة في قوله: ﴿براءة من الله ورسوله﴾ قال: لما كان النبي عَّه زمن حنين اعتمر من الجعرانة ثم أمَّر أبا بكر، رضي الله تعالى عنه، على تلك الحجة، قال معمر: قال الزهري: وكان أبو هريرة يحدث أن أبا بكر أمر أبا هريرة أن يؤذن بيراءة في حجة أبي بكر بمكة. قال أبو هريرة: ثم أتبعنا النبي عَلَّهِ علياً وأمره أن يؤذن ببراءة وأبو بكر، رضي الله تعالى عنه، كما هو على الموسم. أو قال: على هيئته، قال ابن كثير وهذا السياق فيه غرابة من جهة أن أمير الحج سنة عمرة الجعرانة إنما ٣٥٥ ٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرآنِ / سورة التوبة كان عتاب بن أسيد، وأما أبو بكر فإنما كان أميراً سنة تسع. قوله: ((قال أبو هريرة فأذن معنا علي))، كذا في رواية الأكثرين، وفي رواية الكشميهني وحده. قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه، فأذن معنا، قيل: هذا غلط فاحش مخالف لرواية الجميع، وإنما هو كلام أبي هريرة قطعاً فهو الذي كان يؤذن بذلك وقال عياض: أن أكثر رواة الفربري وافقوا الكشميهني قال: وهو غلط. ٣ - بابُ قَوْلِهِ: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ الله وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ الله بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي الله وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أحَدَاً فَأَتَُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ الله يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٣، ٤] أي: هذا باب في قوله عز وجل: ﴿وأذان من الله﴾ إلى آخره. قوله: ((وأذان من الله)) أي: إعلام من الله ورسوله وإنذار إلى الناس، وارتفاع: أذان، عطفاً على برءة. وقال الزمخشري: وارتفاعه كارتفاع براءة على الوجهين. قوله: ((إلى الناس)) أي: لجميعهم. قوله: (يوم الحج الأكبر)، وهو اليوم الذي هو أفضل أيا المناسك، وأظهرها وأكثرها جمعاً، وقال عبد الرزاق عن معمر عن أبي إسحاق: سألت أبا جحيفة عن يوم الحج الأكبر، قال: يوم عرفة، وروى عبد الرزاق أيضاً عن ابن جريج عن عطاء قال: يوم الحج الأكبر يوم عرفة، وهكذا روي عن ابن عباس وعبد الله بن الزبير ومجاهد وعكرمة وطاووس أنهم قالوا: يوم عرفة هو يوم الحج الأكبر، وقد ورد في ذلك حديث مرسل رواه ابن جريج: أخبرت عن محمد بن قيس بن مخرمة ((أن رسول الله عَّله، خطب يوم عرفة فقال: هذا يوم الحج الأكبر)). وقال هشيم عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي عن علي رضي الله عنه، قال: يوم الحج الأكبر يوم النحر، وروي عن علي من وجوه أخر كذلك، وقال عبد الرزاق: حدثنا سفيان وشعبة عن عبد الملك بن عمير عن الله بن أبي أوفى أنه قال: يوم الحج الأكبر يوم النحر، وكذا روي عن المغيرة بن شعبة أنه خطب يوم الأضحى على بعير، فقال: هذا يوم الأضحى وهذا يوم النحر وهذا يوم الحج الأكبر، وروى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما، أنه قال: الحج الأكبر يوم النحر، وكذا روي عن ابن أبي جحيفة وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي ومجاهد وأبي جعفر الباقر والزهري وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنهم قالوا: يوم الحج الأكبر يوم النحر، وروى ابن جرير بإسناده عن نافع عن ابن عمر، قال: ((وقف رسول الله عَّ لم يوم النحر عند الجمرات في حجة الوداع، وقال: هذا يوم الحج الأكبر)»، وكذا رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه من حديث أبي جابر واسمه محمد بن عبد الملك به، وعن سعيد بن المسيب أنه قال: يوم الحج الأكبر اليوم الثاني من يوم النحر. رواه ابن أبي حاتم، وقال مجاهد أيضاً: يوم الحج الأكبر أيام الحج كلها، وكذا قال أبو عبيد. وقال سهل ٣٥٦ ٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورة التوبة السراج: سئل الحسن البصري عن يوم الحج الأكبر، فقال: ما لكم وللحج الأكبر ذاك عام حج فيه أبو بكر رضي الله عنه، الذي استخلفه رسول الله عَ ليه، فحج بالناس، رواه ابن أبي حاتم، وقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع حدثنا أبو أسامة عن ابن عوف. سألت محمداً - يعني: ابن سيرين - عن يوم الحج الأكبر، قال: كان يوماً وافق فيه حج رسول الله عَ لَّهِ، وحج أهل الوبر. قوله: ((أن الله بريء من المشركين)) أي: ليعلم الناس بعضهم بعضاً (أن الله) وقرىء (إن الله) بالكسر لأن الإيذان في معنى القول. قوله: ((ورسوله)) فيه قراءتان الرفع وهي القراءة المشهورة ومعناه: ورسوله أيضاً بريء من المشركين، والنصب ومعناه: وأن رسول الله بريء من المشركين، وهي قراءة شاذة، وقال الزمخشري: ورسوله، عطف على المنوي في: بريء أي: بريء، هو أو على محل: إن المكسورة واسمها، وقرىء بالنصب عطفاً على إسم إن، أو لأن الواو بمعنى: مع أي: بريء معه منهم، وبالجر على الجوار، وقيل: على القسم كقولك: لعمرك. قوله: ((فإن تبتم)) أي: من الغدر والكفر ﴿فهو خير لكم وإن توليتم﴾ عن التوبة أو ثبتم على التولي والإعراض عن الإسلام والوفاء، فاعلموا أنكم غير سابقين الله ولا فائتين أخذه وعقابه. قوله: ((إلا الذين))، استثناء من: بريء، وقيل: منقطع أي: أن الله بريء منهم ولكن الذين عاهدتم فثبتوا على العهد فكفوا عنهم بقية المدة. قوله: ((ثم لم ينقصوكم شيئاً))، أي: من شروط العهد، وقرىء بالضاد المعجمة. قوله: ((ولم يظاهروا)) أي: ولم يعاونوا عليكم أحداً. قوله: ((إلى مدتهم)، إلى انقضاء مدتهم. قوله: ﴿إن الله يحب المتقين﴾ أي: الموفين بعهدهم. آذَنَهُمْ أَعْلَمَهُمْ أي: معنى آذنهم أعلمهم، والمراد به مطلق الإعلام لأنه من الإيذان، وقد ذكرناه. ٤٦٥٦/١٧٧ - حدَثْنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ حدثنا اللَّيْثُ حدثني عُقَيْلٌ قال ابنُ شِهابٍ فأخبرني حُمَيْدُ بنُ عبدِ الرَّحْمنِ أَنَّ أبا هُرَيْرَةَ قال بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ رضيَ الله عنه في تِلْكَ الحَيَّةِ في المُؤَذِّنِينَ بَعَثَهُمْ يَوْمَ النَّخْرَ يُؤَذِّنونَ بِنَّى أَنْ لاَ يَحُجَّ بَعْدَ العامِ مُشْرٌِ ولاَ يَطوفَ بالبَيْتِ عُرْيانٌ قال محُمَيْدٌ ثُمَّ أَرْدَفَ النبيُّ عَّهُ بِعَلِيٍّ بنِ أبي طالِبٍ فَأمَرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ بِبَرَاءَةً قال أَبُو هُرَيْرَةَ فأذّنَ مَعَنا عَلِيٍّ في أهلِ منَّى يَوْمَ النَّخْرِ بِبَرَاءَةً وَأَنْ لاَ يَحُجَّ بَعْدَ العامِ مُشْرِكٌ ولا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُزيان. [انظر الحديث ٣٦٩ وأطرافه]. هذا طريق آخر في حديث أبي هريرة المذكور قبل هذا الباب. قوله: ((أن لا يحج)) ويروى: ألاَّ بفتح الهمزة وإدغام النون في اللام. قوله: ((بعد العام)) أي: بعد الزمان الذي وقع فيه الإعلام بذلك. قوله: ((ولا يطوف) بالنصب عطفاً على أن لا يحج. قوله: ((قال حميد)) هو ابن عبد الرحمن بن عوف المذكور فيه، واستشكل الطحاوي في قوله: أن أبا هريرة قال: بعثني أبو بكر رضي الله عنه، وذلك أن النبي عَّةِ بعث أبا بكر ثم أردفه علياً رضي الله عنه، فأمره أن يؤذن فكيف يبعث أبو بكر أبا هريرة؟ ثم أجاب بقوله: إن أبا هريرة قال: كنت مع ٣٥٧ ٦٥ - كِتابُ تَفْسيِرِ القُرْآنِ / سورة التوبة علي حين بعثه النبي عَ لّهِ ببراءة إلى أهل مكة، فكنت أنادي معه بذلك حتى يصهل صوتي، وكان ينادي بأمر أبي بكر، بما يلقنه علي بما أمر بتبليغه. قوله: ((أن يؤذن ببراءة)) يجوز فيه الرفع بالتنوين على سبيل الحكاية. والجر بالباء، ويجوز أن يكون علامة الجر فتحة. قوله: ((قال أبا هريرة)) موصول بالإسناد المذكور. قوله: ((ببراءة)). ليس المراد منها السورة كلها، وعن محمد بن كعب القرظي وغيره، قالوا: بعث رسول الله عَّةِ أبا بكر أميراً على الموسم سنة تسع، وبعث علي بن أبي طالب بثلاثين آية أو أربعين من براءة الحديث. قوله: ((وأن لا يحج)) إلى آخره، استشكل فيه الكرماني بأن علياً رضي الله عنه، كان مأموراً بأن يؤذن بيراءة، فكيف يؤذن بأن لا يحج بعد العام مشرك؟ ثم أجاب بأنه أذن ببراءة، ومن جملة ما اشتملت عليه أن لا يحج بعد العام مشرك من قوله تعالى فيها: ﴿إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ [التوبة: ٢٨] ويحتمل أن يكون أمر أن يؤذن ببراءة وبما أمر أبو بكر أن يؤذن به أيضاً، انتهى. قلت: فإنه الجواب عن زيادة قوله: ((ولا يطوف بالبيت عريان)) وعن شيء آخر رواه الشعبي: حدثني محرز بن أبي هريرة عن أبيه قال: كنت مع علي رضي الله عنه، حين بعثه النبي عَّ ينادي، فكان إذا صهل ناديت. قلت: بأي شيء كنتم تنادون؟ قال: بأربع لا يطوف بالكعبة عريان، ومن كان له عهد من رسول الله عَ ليه فعهده إلى مدته، ولا يدخل الجنة إلاَّ نفس مؤمنة، ولا يحج بعد عامنا مشرك. ورواه ابن جرير عن الشعبي به من غير وجه. ٤ - باب: ﴿إِلاّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٤] قد مر تفسيره عن قريب، وليس في بعض النسخ ذكر هذه. ١٧٨/ ٤٦٥٧ - حدَثنا إِسْحَاقُ حدثنا يَعْقُوبُ بنُ إِبْرَاهِيمَ حدثنا أبِي عَنْ صَالِحٍ عَنْ ابنِ شِهَابٍ أَنَّ حُمَيْدَ بنَ عَبْدِ الرَّحْمنِ أخْبَرَهُ أنَّ أبا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ أنَّ أبا بَكْرٍ رضي الله عنهٌ بَعَثَهُ فِي الْحَجَّةِ الَّتِي أَمََّهُ رَسُولُ الله ◌ِعَّهِ عَلَيْهَا قَبْلَ حَبَّةِ الوَداعِ فِي رَهْطٍ يُؤَذِّنُ فِي النَّاسِ أنْ لاَ يَحْجَنَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلاَ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُزيانٌ فَكان مُحَمَيْدٌ يَقُولُ يَوْمُ النَّخْرِ يَوْمُ الْحَجّ الأَكْبَرِ مِنْ أجْلِ حَدِيثٍ أبي هُرَيْرَةَ. [انظر الحديث ٣٦٩ وأطرافه]. هذا طريق آخر في حديث أبي هريرة المذكور أخرجه عن إسحاق بن منصور، كذا جزم به الحافظ المزي عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن صالح بن كيسان التابعي عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري عن حميد بن عبد الرحمن .. وفيه ثلاثة من التابعين على نسق واحد. قوله: ((فكان حميد يقول)) إلى آخره، قد مر الكلام فيه عن قريب. قوله: ((من أجل حديث أبي هريرة)) لأنه نادى بإذن أبي بكر رضي الله عنه، يوم النحر. ٣٥٨ ٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورة التوبة ٥ - باب: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنْهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢] وفي بعض النسخ: باب: ﴿فقاتلوا﴾ وأول الآية: ﴿وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون﴾. [التوبة: ١٢] قوله: ((وإن نكثوا)) أي: وإن نكث هؤلاء المشركون الذين عاهدتموهم على مدة معينة، قوله: ((فقاتلوا أئمة الكفر)) قال قتادة وغيره: أئمة الكفر كأبي جهل وعتبة وشيبة وأمية بن خلف وعدد رجالاً، والصحيح أن الآية عامة لهم ولغيرهم. وعن حذيفة رضي الله عنه: ما قول أهل هذه الآية بعد. وروي عن علي بن أبي طالب مثله وعن ابن عباس: نزلت في أبي سفيان بن حرب والحارث بن هشام وسهيل بن عمرو وعكرمة بن أبي جهل وسائر رؤساء قريش الذين نقضوا العهد وهم الذين همُّوا بإخراج الرسول عَّه، وقال مجاهد: هم أهل فارس والروم. ١٧٩/ ٤٦٥٨ - حدَثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى حدَّثنا يَخْتَى حدَّثنا إسماعيلُ حدَّثنَا زَيْدُ بنُ وَهْبٍ قال كُنا عِنْدَ مُذَيْفَةَ فقال ما بَقِيَ مِنْ أَصْحابِ لهذِهِ الآية إلاَّ ثَلاثَةٌ ولاَ مِنَ المُنافِقِينَ إِلا أَرْبَعَةٌ فقال أعْرَابِيٌّ إنْكُمْ أصْحابَ مُحَمَّدٍ عَلَّهِ تُخْبِرُونَا فَلاَ نَدْرِي فَما بال لهُؤُلاَءِ الَّذِينَ يُتَقِّرُونَ بُيُوتنا ويَشْرِقُونَ أَعْلاَقَنَا قال أُولَئِكَ الفُشَّاقُ أجَلْ لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلاَّ أَرْبَعَةٌ أَحَدُهُمْ شَيْخٌ كَبِيرٌ لَوْ شَرِبَ المَاءَ البارِدَ لَما وَجَدَ بَرْدَهُ. مطابقته للترجمة في قوله: ((ما بقي من أصحاب هذه الآية)) لأن إيراد البخاري هذا الحديث بهذه الترجمة يدل على أن المراد بهذه الآية هو. قوله: ﴿فقاتلوا أئمة الكفر﴾ الآية، ولكن الإسماعيلي اعترض بما رواه من حديث سفيان عن إسماعيل عن زيد: سمعت حذيفة يقول: ما بقي من المنافقين من أهل هذه الآية: ﴿لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء﴾ [الممتحنة: ١] إلا أربعة أنفس، ثم قال الإسماعيلي: فإذا كان ما ذكر في خبر سفيان فحق هذا أن يخرج في سورة الممتحنة. وأما ذكر المنافقين في القرآن ففي كثير من سورة البقرة وآل عمران وغيرهما، فَلِمَ أتى بهذا الحديث في ذكرهم؟ قلت: هذا النسائي وابن مردويه وافقا البخاري على إخراجهما من طريق إسماعيل عند آية براءة وليس عندهما تعيين الآية كما أخرجها البخاري أيضاً مبهمة. ويحيى هو القطان وإسماعيل هو ابن أبي خالد. قوله: ((أصحاب)) بالنصب على أنه منادى حذف منه حرف النداء. قوله: ((تخبرونا)) خبر: إن، ويروى: تخبروننا، على الأصل لأن النون لا تحذف إلاَّ بناصب أو جازم، ولكن قد ذكرنا أنه لغة بعض العرب وهي لغة فصيحة، وتخبرونا بالتشديد والتخفيف. قوله: ((إلاَّ ثلاثة)) سمى منهم في رواية أبي بشر عن مجاهد: أبو سفيان بن حرب، وفي رواية معمر عن قتادة: أبو جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة وأبو سفيان وسهيل بن عمرو، ورد هذا بأن أبا جهل وعتبة قتلا ببدر، وإنما ينطبق التفسير على من نزلت الآية المذكورة وهم أحياء، فيصح في أن أبا سفيان وسهيل بن عمرو قد أسلما جميعاً. قوله: ((إلاَّ أربعة)) لم يوقف على أسمائهم. قوله: ٣٥٩ ٦٥ - كِتَابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورة التوبة ((بيقرون» بالباء الموحدة والقاف من البقر وهو الشق. قال الخطابي: أي: ينقبون. قال: والبقر أكثر ما يكون في الشجر والخشب، وقال ابن الجوزي: معناه يفتحون، يقال: بقرت الشيء إذا فتحته، ويقال: ينقرون بالنون بدل الباء. قوله: ((أعلاقنا)) بفتح الهمزة جمع علق بكسر العين المهملة وهو الشيء النفيس سمي بذلك لتعلق القلب به، والمعنى: يسرقون نفائس أموالنا. وقال الخطابي: كل شيء له قيمة أو له في نفسه قدر فهو علق، وبخط الدمياطي بالغين المعجمة مضبوطة، وحكاه ابن التين أيضاً، ثم قال: لا أعلم له وجهاً. قلت له: وجه، لأن الأغلاق بالغين المعجمة جمع غلق بفتح الغين واللام، وفي (المغرب): الغلق بالتحريك والمغلاق هو ما يغلق ويفتح بالمفتاح، والغلق أيضاً الباب، فيكون المعنى: يسرقون الأغلاق أي: مفاتيح الأغلاق ويفتحون الأبواب ويأخذون ما فيه من الأشياء، أو يكون المعنى: يسرقون الأبواب وتكون السرقة كناية عن قلعها وأخذها ليتمكنوا من الدخول فيها. قوله: (أولئك الفساق)) أي: الذين يبقرون ويسرقون، وقال الكرماني: لا الكفار ولا المنافقون. قوله: ((أجل)). معناه: نعم قوله: ((أحدهم) أي: أحد الأربعة ولم يدر اسمه. قوله: ((لما وجد برده)) يعني: لذهاب شهوته وفساد معدته فلا يفرق بين الأشياء، وقال التيمي: يعني عاقبه الله في الدنيا ببلاء لا يجد معه ذوق الماء ولا طعم برودته. انتهى. وحاصل معنى هذا الحديث أن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، كان صاحب سر رسول الله عَّةٍ في شأن المنافقين وكان يعرفهم ولا يعرفهم غيره بعد رسول الله عٍَّ من البشر، وكان النبي عَ لَّهِ أسر إليه بأسماء عدة من المنافقين وأهل الكفر الذين نزلت فيهم الآية، ولم يسر إليه بأسماء جميعهم. ٦ - بابُ قولِهِ: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضّةَ ولا يَنْفِقُونَها في سَبِيلِ الله فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٌ﴾ [التوبة: ٣٤] أي: هذا باب في قوله عز وجل: (والذين) الآية، وليس في بعض النسخ ذكر لفظ: باب، وهذه الآية نزلت في عامة أهل الكتاب والمسلمين، وقيل: بل خاصة بأهل الكتاب، وقيل: بل هو كلام مستأنف في حق من لا يزكي من هذه الأمة. قاله ابن عباس والسدي وعامة المفسرين: وقرأ يحيى بن يعمر، بضم النون والزاي والعامة بكسر النون، وأما الكنز فقال مالك: عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أنه قال: الكنز هو المال الذي لا تؤدى منه الزكاة وهو المستحق عليه الوعيد. قوله: ((ولا ينفقونها)) الضمير يرجع إلى الذهب والفضة من جهة المعنى لأن كل واحد منهما جملة وافية وعدة كثيرة، وقيل: إلى الكنوز، وقيل: إلى الأموال. قوله: ((فبشرهم بعذاب أليم)) جعل الوعيد لهم بالعذاب موضع البشرى بالنعيم. ٤٦٥٩/١٨٠ - حدَثنا الحَكَمُ بنُ نافِعِ أخبرَنا شُعَيْبٌ حدثنا أَبُو الزّنادِ أنَّ عبْدَ الرَّحْمن الأُعْرَجَ حدَّثَهُ أَنّهُ قال حدثني أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله عَ لِّ يَقُولُ يَكُوثَ كَثْزُ أحَدِكُمْ يَوْمَ القِيامَةِ شجاعاً أقرَعَ. [انظر الحديث ١٤٠٣ وطرفيه]. مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((شجاعاً أقرع)) وأخرجه هنا مختصراً وقد مضى في ٣٦٠ ٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورة التوبة كتاب الزكاة في: باب إثم مانع الزكاة، بغير هذا الإسناد عن أبي هريرة بأثم منه، وأخرج بالإسناد المذكور هنا بعينه عن أبي هريرة بعين المتن المذكور. وأبو الزناد، بكسر الزاي وبالنون الخفيفة: عبد الله بن ذكوان، وعبد الرحمن هو ابن هرمز الأعرج، والشجاع الحية فإذا كان الشجاع أقرع يكون أقوى سماً. ١٨١/ ٤٦٦٠ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حدَّثَنا جَرِيرٌ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ زَيْدِ بَنِ وَهْب قال مَرَرْتُ عَلَى أَبِى ذَرِّ بالرَّبَذَةِ فَقُلْتُ ما أَنْزَلَكَ بهذِهِ الأَرْضِ قال كُنَّا بالشَّأَمِ فَقَرَأْتُ: ﴿والذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ الله فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ قَالَ مُعاوِيَة: ما هذِهِ فينا ما هذِهِ إلاَّ فِي أهْلِ الكِتَابِ قال قُلْتُ إِنَّها لَفِينا وَفِيهِمْ. [انظر الحديث ١٤٠٦ وأطرافه]. مطابقته للترجمة ظاهرة، وجرير هو ابن عبد الحميد، وحصين، بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين: ابن عبد الرحمن السلمي الكوفي، وزيد بن وهب الهمداني الكوفي خرج إلى النبي عَّه فقبض النبي وهو في الطريق، مات سنة ست وسبعين، وأبو ذر اسمه جندب بضم الجيم. والحديث مضى في كتاب الزكاة في: باب ما أدي زكاته فليس بكنز، فإنه أخرجه هناك بأتم منه ومضى الكلام فيه هناك. قوله: ((بالربذة))، بالراء المهملة والباء الموحدة والذال المعجمة المفتوحات: قرية قريبة من المدينة وكان سبب إقامته هناك أنه لما كان بالشام وقعت بينه وبين معاوية مناظرة في تفسير هذه الآية، فتضجر خاطره فارتحل إلى المدينة ثم تضجر منها فارتحل إلى الربذة. ٧ - بابُ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْها في نارٍ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِها جِباهُهُمْ وجُنُوبُهُمْ وظُهُورُهُمْ هُذَا ما كَتَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكَنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٥] أي: هذا باب في قوله عزل وجل: ﴿يوم يحمى عليها﴾ الآية، وليس في كثير من النسخ لفظ: باب، ومضى تفسير هذه الآية في كتاب الزكاة في: باب إثم مانع الزكاة. ٤٦٦١ _ وقال أحمَدُ بنُّ شَبِيبٍ بنِ سَعِيدٍ حدثنا أبي عنْ يُونُسَ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ خالِدِ بنِ أسْلَمَ قال خَرَجْنا مَعَ عبْدِ الله بنِ عُمَرَ فقال لهذَا قَبْلَ أنْ تُنْزَلَ الزَّكَاةُ فَلَمَّا أُنْزِلَتْ جَعَلَها طُهْراً لِلأَمْوَالِ. [انظر الحديث ١٤٠٤]. مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((هذا قبل أن تنزل الزكاة))، وأحمد بن شبيب. بفتح الشين المعجمة وكسر الباء الموحدة الأولى: من أفراد البخاري يروي عن أبيه شبيب بن سعيد أبي عبد الرحمن البصري، ويونس بن يزيد الأيلي، وابن شهاب محمد بن مسلم الزهري، وخالد بن أسلم ـ على وزن أفعل التفضيل - أخو زيد بن أسلم مولى عمر بن الخطاب، وهو من أفراد البخاري. والحديث مضى بهذا السند بعينه في كتاب الزكاة في: باب ما أدى زكاته فليس بكنز، بأتم منه، ومضى الكلام فيه هناك. :