النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورَةُ البَقَرَةِ
مطابقته للترجمة في قوله: ((فأنزل الله))، إلى آخره وأخرجه من طريقين (الأول): عن
عبيد الله بن موسى عن إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي عن جده
أبي إسحاق عن البراء بن عازب (والثاني): عن أحمد بن عثمان بن حكيم عن شريح، بالشين
المعجمة وبالحاء المهملة عن إبراهيم بن يوسف عن أبيه يوسف بن إسحاق عن جده أبي
إسحاق عن البراء.
والحديث أخرجه البخاري بالطريق الأول في الصوم عن عبيد الله أيضاً وأخرج الثاني
هنا فقط، وقد مضى الكلام فيه هناك.
قوله: ((كانوا لا يقربون النساء)) وقد اقتصر هنا على إتيان النساء والذي مضى في
كتاب الصيام من حديث البراء: أنهم كانوا لا يأكلون ولا يشربون إذا ناموا، وأن الآية نزلت
في ذلك: ولكن وردت أحاديث تدل على عدم الفرق فحينئذ يحمل قوله: ((كانوا لا يقربون
النساء)) على الغالب فتتفق الأخبار. قوله: ((وكان رجال يخونون أنفسهم)) منهم عمر بن
الخطاب وكعب بن مالك.
٢٨ _ بابُ قوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لِكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ
الأَسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ ثُمَّ أُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي
المَسَاجِدِ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿تُتَّقُون﴾ [البقرة: ١٨٧] الْعَاكِفُ: المُقِيمُ
قوله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا﴾ أمر إباحة أباح الله تعالى الأكل والشرب مع ما تقدم من
إباحة الجماع في أي الليل شاء الصائم إلى أن يتبين ضياء الصباح من سواد الليل، وعبر عن
ذلك بالخيط الأبيض والخيط الأسود وقال الزمخشري الخيط أول ما يبدو من الفجر
المعترض في الأفق كالخيط الممدود والخيط الأسود ما يمتد معه من غسق الليل، شبههما
بالخيط الأبيض والأسود. قوله: ((من الفجر)) بيان الخيط الأبيض واكتفى به عن بيان الخيط
الأسود. لأن بيان أحدهما للآخر، وكان هذا تشبيهاً مخرجاً من باب الاستعارة. قوله: ((ولا
تباشروهن))، أي: ولا تجامعوهن. والحال أنكم ((عاكفون)) أي: معتكفون فيها والاعتكاف هو
اللبث في المسجد بنية التعبد.
٤٥٠٩/٣٦ - حدَثنا مُوسى بنُ إسْمَاعِيلَ حدَّثنا أبُو عَوَانَةَ عنْ حُصَيْنٍ عن الشَّعْبِيّ عن
عَدِيّ قال أخَذَ عَدِيٌّ عِقالاً أَبْيَضَ وَعِقالاً أسْوَدَ حَتَّى كان بَعْضُ اللَّيْلِ نَظَرَ فَلَمْ يَشْتَبِينا فَلَمَّا
أصْبَحَ قالِ يا رَسُولَ الله جَعَلْتُ تَخْتَ وَسَادَتِي عِقَالَيْنِ قال إنَّ وَسَادَك إذاً لَعَرِيضٌ أَنْ كَانَ
الخَيْطُ الأَبْيَضُ وَالأَسْوَدُ تَخْتَ وِسَادَتِكَ.
مطابقته للترجمة في ذكر الخيط الأبيض والأسود وأبو عوانة بفتح العين المهملة
الوضاح اليشكري، وحصين، بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين ابن عبد الرحمن السلمي،
والشعبي عامر بن شراحيل، والحديث مضى في الصيام في باب قوله: ((وكلوا واشربوا» تقدم

١٤٢
٦٥ - كِتابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ / سورَةُ البَقَرَةِ
الكلام فيه هناك.
٤٥١٠/٣٧ - حدَثْنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حدَثنا جَرِيرٌ عنْ مُطَرَفٍ عن الشَّغْبِيِّ عَنْ عَدِيَّ
بن حاتمٍ رَضِي الله عنه قال قُلْتُ يا رسولَ الله ما الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَشْوَدِ أهُما
الخَيْطانِ قال إنك لَعَرِيضُ القَفا إِنْ أَبْصَرْتَ الخَيْطَيْنِ ثُمَّ قَالَ لا بَلْ هُوَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ
النَّهَارِ.
هذا طريق آخر في حديث عدي عن قتيبة عن جرير بن عبد الحميد عن مطرف بضم
الميم وفتح الطاء المهملة وكسر الراء المشددة ابن طريف إلى آخره.
٤٥١١/٣٨ - حدثنا ابنُّ أَبِي مَرَمَ حدَّثنا أبو غَسَّانَ مُحَمَّدُ بنُ مُطَوّفٍ حِدَثني أبُو
حَازِمٍ عنْ سَهْلٍ بنِ سَعْدٍ قال وَأَنْزِلَتْ ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ
الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ِ وَلَمْ يَنْزِلْ ﴿مِنَ الفَجْرِ﴾ وَكَانَ رِجالٌ إِذَا أَرَادُوا الصَّوْمَ رَبَطَ أحَدُهُمْ فِي
رِجْلَيْهِ الخَيْطَ الأَبْيَضَ وَالخَيْطَ الأَسْوَدَ وَلَا يَزَالُ يَأْكُلُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ رُؤْيَتُهُمَا فَأَنْزَلَ اللهِ بَعْدَهُ
﴿مِنَ الفَجْرِ﴾ فَعَلِمُوا أَمَا يَعْنِي اللَّيْلَ مِنَ النَّهَارِ.
مطابقته للترجمة ظاهرة وابن أبي مريم هو سعيد بن محمد بن الحكم بن أبي مريم
البصري، وأبو غسان، بفتح الغين المعجمة وتشديد السين المهملة محمد بن مطرف بلفظ
اسم الفاعل من التطريف بالطاء المهملة وبالراء المدني، وأبو حازم، بالحاء المهملة والزاي
سلمة بن دينار. والحديث مضى في الصيام في باب قوله: ﴿كلوا واشربوا﴾ [البقرة: ١٨٧]
بهذا الإسناد والمتن، ومر الكلام فيه هناك.
٢٩ - بابُ قَوْلِهِ: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بأنْ تَأَتُوا البُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلَكِنَّ البرَّ مَنِ اتَّقَى
وَأَتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِها وَاتَّقُوا الله لَعَلَّكَمْ تُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١٨٩]
أي: هذا باب في ذكر قوله: ((وليس البر)) الآية كذا هو في رواية أبي ذر، وفي رواية
غيره ساق إلى آخر الآية، واختلفوا في سبب نزول هذه الآية. فروى أبو داود الطيالسي عن
شعبة عن أبي إسحاق عن البراء، قال: كانت الأنصار إذا قدموا من سفر لم يدخل الرجل من
قبل بابه، فنزلت هذه الآية وقال الحسن البصري: كان أقوام الجاهلية إذا أراد أحدهم سفراً أو
خرج من بيته يريد سفره الذي خرج له ثم بدا له بعد خروجه أن يقيم ويدع سفره لم يدخل
البيت من بابه ولكن يتسوره من قبل ظهره. فقال الله تعالى: ﴿وليس البر بأن تأتوا البيوت من
ظهورها﴾ [البقرة: ١٨٩] الآية. وقال مجاهد: كان الرجل إذا اعتكف لم يدخل من باب
البيت فأنزل الله تعالى هذه الآية وقال عطاء بن أبي رباح: كان أهل يثرب إذا رجعوا من
عيدهم دخلوا منازلهم من ظهورها، ويرون ذلك من أدنى البر فقال الله تعالى: ﴿وليس البر بأن
تأتوا البيوت من ظهورها﴾ [البقرة: ١٨٩].
٤٥١٢/٣٩ - حدَثنا عُبَيْدُ الله بنُ مُوسَى عنْ إِسْرَائِيلَ عنْ أَبِي إِسْحَاقَ عن البَرَاءِ قال

١٤٣
٦٥ - كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ / سورَةُ البَقَرَةِ
كانُوا إِذَا أُخْرَمُوا فِي الجاهِلِيَّةِ أَتُّوا البَيْتَ مِنْ ظُهْرِهِ فَأَنْزَلَ الله ﴿وَلَيْسَ البِرُ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ
مِنْ ظُهُورِها وَلْكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأَتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابها﴾.
مطابقته للترجمة ظاهرة. وإسرائيل هو ابن يونس بن أبي إسحاق يروي عن جده أبي
إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي الكوفي.
والحديث من أفراده بهذا الطريق وعن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر كانت قريش
تدعى الحمس، وكانوا لا يدخلون من الأبواب في الإحرام، وكانت الأنصار وسائر العرب لا
يدخلون إلا من الباب في الإحرام فبينا رسول الله عَ ليه، في بستان إذ خرج من بابه وخرج
معه قطبة بن عامر الأنصاري: فقالوا يا رسول الله أن قطبة بن عامر رجل فاجر، وإنه خرج
معك من الباب فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ قال: رأيتك فعلته ففعلته. فقال إني رجل
أحمس. قال: فإن ديني دينك، فأنزل الله: ﴿وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها﴾
[البقرة: ١٨٩] الآية. قلت الحمس: بضم الحاء المهملة وسكون الميم وبسين مهملة جمع
أحمس: وهم قريش وكنانة وجديلة قيس سموا: حمساً لأنهم تحمسوا في دينهم أي: تشددوا
والحماسة الشجاعة وكانوا يقفون بمزدلفة ولا يقفون بعرفة ويقولون نحن أهل الله فلا نخرج
من الحرم وكانوا يدخلون البيوت من أبوابها وهم محرمون.
٣٠ _ بابُ قَوْلِهِ: ﴿وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْتَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لله فإن انْتَهُوا فَلا
عُذْوَانَ إلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٩٣].
أي: هذا باب فيه قوله تعالى: ﴿وقاتلوهم﴾ الآية. قوله: ((وقاتلوهم)) أي: المشركين.
قوله: ((حتى لا تكون فتنة))، أي: شرك، قاله ابن عباس وأبو العالية ومجاهد والحسن وقتادة
والربيع ومقاتل بن حبان والسدي وزيد بن أسلم. قوله: ((ويكون الدين)) أي: دين الله كله لله
لأنه الظاهر العالي على سائر الأديان قوله: ((فإن انتهوا)) أي: عن الشرك والقتال ((فلا عدوان
إلا على الظالمين)) فلا تعتدوا على المنتهين لأن مقاتلة المنتهين عنوان وظلم فوضع قوله:
(إلاَّ على الظالمين))، موضع على المنتهين كذا فسره الزمخشري لكن يحتاج إلى تحرير
الكلام لأن هذه الجملة الاسمية لا يمكن أن تكون جزاءً لأن الشرط لا بد أن يكون سبباً
للجزاء وإثباته العدوان على سبيل الحصر على الظالمين ليس سبباً لانتهاء المشرك عن
الشرك. وهذا الموضع لا يحتمل بسط الكلام فيه.
٤٠ / ٤٥١٣ - حدَثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارِ حدَّثنا عَبْدُ الوَهابِ حدَّثنا عُبَيْدُ الله عنْ نافِعِ
عن ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أتاهُ رجلانِ فِي فِتْنَةِ ابنِ الزُّبَيْرِ فقالا إِنَّ النَّاسَ ضَيَّعُوا وَأَنْتَ ابثٌ
عُمَرَ وصاحبُ النبيَّ عَّ ◌َّهِ فَمَا يَمْتَعُكَ أَنْ تَخْرُجَ فَقال ◌َمْتَعُنِي أَنَّ اللّه حَرَّمَ دَمَ أَخِي فقالا أَلَمْ
يَقلِ الله ﴿وقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣] فقال قَاتَلْنا حَتَّى لَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ وَكَانَ
الدِّينُ لله وَأَنْتُمْ تُرِيدُونَ أن تُقَاتِلُوا حَتَّى تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونِ الدِّينُ لِغَيْرِ الله.

١٤٤
٦٥ - كِتابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ / سورَةُ البَقَرَةِ
٠٠/ ٤٥١٤ - وَزَادَ عُثْمَانُ بنُ صالِح عنٍ ابنٍ وَهْب قال أخْبَرَنِي فلانٌ وَحَيْوَةُ بنُ شُرَيْحِ
عِنْ بَكْرٍ بنِ عَمْرٍ والمَعافِيَّ أنَّ بُكَيْرَ بنَ عَبْدِ الله حدَثْهُ عنْ نَافِعِ أنَّ رجلاً أتَى ابنَ عُمَر فقالَ
يا أبا عَبْدِ الرَّحْمنِ ما حَمَلَكَ عَلَى أنْ تَحُجَّ عاماً وَتَعْتَمِرَ عاماً وَتَّتْرِكَ الجِهادَ فِي سَبِيلِ الله عَزَّ
وَجَلَّ وَقَدْ عَلِمْتَ مَا رَغِّبَ الله فِيهِ قال يا ابنَ أَخِي بُنِيَ الإسْلامُ عَلَى خَمْسٍ إِيمانٍ بالله
وَرَسولِهِ والصلَوَاتِ الخَمْسِ وِصيامٍ رَمَضَانَ وأداءِ الزَّكَاةِ وَحَجُّ البَيْتِ قال يا أبا عَبْدِ الرَّحْمنِ
ألا تَسْمَعُ مَا ذَكَرَ الله فِي كِتَابِهِ ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فإِنْ بَغَتْ
إِحْدَاهُمَا عَلَى الأَخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حتى تَفِيَ إِلَى أُمْرِ الله قَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ
فِتْنَةِ﴾ [الحجرات: ٩].
قال فعَلْنا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ عَ لَّهِ وَكَانَ الإِسْلامُ قَلِيلاً فَكَانَ الرَّجُلْ يُفْتَنُ فِي دِينِهِ إِمَّا
قَتَلُوهُ وَإِمَّا يُعَذِّبوهُ حتى كَثُرَ الإِسْلامُ فَلَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ.
.. / ٤٥١٥ - قَالَ فَمَا قَوْلُكَ في علِيٍّ وَعُثْمَانَ قال أمّا عُثْمَانُ فكأنَّ الله عَفا عَنْهُ وَأمّا
أَنْتُمْ فَكَرِهْتُمْ أَنْ تَعْفُوا عَنْهُ وَأمّا عَلِيٌّ فَابْنُ عَمِّ رَسُولِ الله عَلَّهِ وَخَتَمُهُ وَأَشَارَ بِيَدِهِ فَقال لهذَا
بَيْتُهُ حَيْثُ تَرَوْنَ.
مطابقته للآية ظاهرة، وفيه عشرة رجال (الأول): محمد بن بشار، بفتح الباء الموحدة
وتشديد الشين المعجمة وقد تكرر ذكره (والثاني): عبد الوهاب بن عبد الحميد الثقفي
(الثالث): عبيد الله بن عمر العمري. (الرابع): نافع مولى ابن عمر. (الخامس): عثمان بن
صالح السهمي وهو من شيوخ البخاري. وقد أخرج عنه في الأحكام حديثاً غير هذا.
(السادس): عبد الله بن وهب (السابع): فلان قيل إنه عبيد الله بن لهيعة، بفتح اللام وكسر
الهاء وبالعين المهملة. قاضي مصر مات سنة أربع وتسعين ومائة، وقال البيهقي: أجمعوا على
ضعفه وترك الاحتجاج بما ينفرد به (الثامن): حيوة بن شريح المصري، وهذا غير حيوة بن
شريح الحضرمي، فلا يشبه عليك (التاسع): بكر بن عمرو العابد القدوة المعافري، بفتح
الميم وتخفيف العين المهملة وكسر الفاء وبالراء، وقيل بضم الميم نسبة إلى المعافر بن يعفر
ابن مالك بن الحارث بن قرة بن أدد بن يشجب بن عريب بن زيد بن کھلان، ينسب إليه
كثير وعامتهم بمصر (العاشر): بكير. مصغر بكر بن عبد الله بن الأشج، ومن عثمان بن صالح
إلى هنا كلهم مصريون.
قوله: ((رجلان)) (أحدهما): العلاء بن عرار، بالمهملات والأولى مكسورة قال ابن
ماكولا: علاء بن عرار سمع عبد الله بن عمر وروى عنه أبو إسحاق السبيعي (والآخر) حبان:
بكسر الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة: صاحب الدثنية، ضبطه بعضهم بفتح الدال والثاء
المثلثة وكسر النون وتشديد الياء آخر الحروف المفتوحة، وقال: هو موضع بالشام، قلت:
كل ذلك غلط، وقال ابن الأثير: الدثنية، بكسر الثاء المثلثة وسكون الياء ناحية قرب عدن.
قوله: ((في فتنة ابن الزبير) وهي محاصرة الحجاج عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما،

١٤٥
٦٥ - كِتَابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورَةُ البَقَرَةِ
وكانت في أواخر سنة ثلاث وسبعين، وكان الحجاج أرسله عبد الملك بن مروان لقتال ابن
الزبير، وقتل عبد الله بن الزبير في آخر تلك السنة ومات عبد الله بن عمر في أول سنة أربع
وسبعين. قوله: ((أن الناس ضيعوا))، بضم الضاد المعجمة وكسر الياء آخر الحروف المشددة
من التضييع وهو الهلاك في الدنيا والدين هذه رواية الأكثرين، وفي رواية الكشميهني بفتح
الصاد المهملة، وفيه حذف تقديره: صنعوا ما ترى من الاختلاف.
قوله: ((وزاد عثمان بن صالح)) أي: زاد على رواية محمد بن بشار. قوله: ((أن رجلاً))
قيل: إنه حكيم، ذكره الحميدي عن البخاري. قوله: ((وتترك الجهاد)) أي الجهاد الذي هو
القتال مع هؤلاء كالجهاد في سبيل الله في الأجر، وليس المراد الجهاد الحقيقي الذي هو
القتال مع الكفار. قوله: ((أما قتلوه وأما يعذبوه)) إنما قال في القتل بلفظ الماضي وفي العذاب
بلفظ المضارع لأن التعذيب كان مستمراً بخلاف القتل. قوله: ((فكرهتم أن تعفوا عنه)) بلفظ
خطاب لجمع ويروى أن يعفو بالإفراد للغائب أي: الله عز وجل. قوله: ((وختنه))، بفتح الخاء
المعجمة والتاء المثناة من فوق وبالنون. قال ابن فارس: الختن أبو الزوجة، وقال الأصمعي:
الأختان من قبل المرأة، والأحماء من قبل الزوج، والصهر يجمع ذلك كله. قوله: ((فهذا
بيته))، يريد بين بيوت رسول الله عَ لَه، وأراد بذلك قربه.
٣١ - بابُ قَوْلِهِ: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ الله وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ
وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللّه يُحِبُّ المُخْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]
أي: هذا باب في قوله تعالى: ﴿وأنفقوا﴾ الخ. قوله: (وأنفقوا) عطف على قوله:
﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة﴾ [البقرة: ١٩٣] وسبب نزولها أن الأنصار كانوا ينفقون
ويتصدقون فأصابتهم سنة فأمسكوا، والسبيل الطريق والمراد به طريق الخيرات. قوله: ((ولا
تلقوا بأيدكم)) قال الزمخشري الباء زائدة المعنى، أي لا تقبضوا التهلكة أيديكم، وقيل: معناه
لا تلقوا أنفسكم بأيديكم إلى التهلكة، فالأنفس مضمرة والباء أداة والأيدي عبارة عن كل
البدن، كما في قوله تعالى: ﴿تبت يدا أبي لهب﴾ [المسد: ١] أي: تب هو، قال الحسن
البصري: التهلكة البخل، وقال سماك بن حرب عن النعمان بن بشير في قوله تعالى: ﴿ولا
تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ [البقرة: ١٩٥] أن يذنب الرجل الذنب فيقول: لا يغفر لي فأنزل
الله تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيدكم إلى التهلكة﴾ الآية، رواه ابن مردويه، وروى عن علي بن أبي
طلحة عن ابن عباس التهلكة عذاب الله قوله: ((وأحسنوا)) فيه أقوال. أحدها: في أداء الفرائض
والثاني: الظن بالله. الثالث: تفضلوا على من ليس في يده شيء. الرابع: صلوا الخمس.
التَّهْلُكَةُ والْهَلاكُ وَاحِدٌ
يعني: كلاهما مصدران لكن التهلكة من نوادر المصادر، يقال: هلك الشيء يهلك
هلاكاً وهلوكاً ومهلك ومهلكاً وتهلكةً، والاسم الهلك، بالضم، والهلكة بفتح اللام والهلاك
عمدة القاري/ ج١٨ م١٠

١٤٦
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورَةُ البَقَرَةِ
قال الزمخشري: ويجوز أن يكون أصل التهلكة بكسر اللام كالتجربة، فأبدلت من الكسرة
ضمة كما جاءت الجوار في الجوار.
٤١ /٤٥١٦ - حدَثنا إسْحَاقُ أَخْبَرَنا النَّضْرُ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ سُلَيْمَانَ قال سَمِعْتُ أَبًا
وَائِلٍ عنْ مُذَيْفَةَ ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ الله وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلى التَّهْلِكَةِ﴾ قال نَزَلَتْ فِي
النَّفَقَةِ.
مطابقته للترجمة ظاهرة وإسحاق هو ابن إبراهيم المعروف بابن راهويه، والنضر، بفتح
النون وسكون الضاد المعجمة ابن شميل مصغر شمل، وسليمان هو الأعمش، وأبو وائل
شقيق بن سلمة. قوله: ((في النفقة)) أي: في ترك النفقة في سبيل الله.
٣٢ - بابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذِى مِنْ رأسِهِ﴾
[البقرة: ١٩٦]
أي: هذا باب في قوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضاً﴾ يعني: فمن كان به مرض
يحوجه إلى الحلق (أو به أذّى من رأسه) وهو القمل أو الجراحة فعليه إذا حلق فدية، ويجيء
بيان الفدية عن قريب.
٤٢ / ٤٥١٧ - حدَثنا آدَمُ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بنِ الأصْبَهَانِيِّ قال سَمِعْتُ
عَبْدَ الله بنَ مِعْقِلٍ قال فَعَدْتُ إِلَى كَعْب بن عُجْرَةَ فِي الْمَسْجِدِ يَغْنِي مَسْجِدَ الْكُوفَةِ فَسَأَلْتُّهُ
عَنْ فِذْيَةٌ مِنْ صِيامٍ فقال محُمِلْتُ إِلَى النَّبِيِّ عَّهِ وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي فقال ما كُنْتُ
أُرَى أنَّ الجَهْدَ قَدْ بَلَغَ بِكَ هَذَا أما تَجِدُ شَاةً قُلْتُ لا قَالَ صُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامِ أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ
مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِشْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ صعامٍ واخلقْ رأسَكَ فِتَزَلْت فيَّ خَاصَّةً وَهِيَ لِكُمْ
عَامَّةً.
مطابقته للترجمة ظاهرة وآدم هو ابن أبي إياس واسمه عبد الرحمن، وعبد الرحمن
الأصبهاني بفتح الهمزة وكسرها وبالفاء وبالياء الموحدة، وعبد الله بن معقل، بفتح الميم
وسكون العين المهملة وكسر القاف وفي آخره لام ابن مقرن المزني الكوفي التابعي.
والحديث مضى في الحج في باب الإطعام في الفدية، بأتم منه، ومضى الكلام فيه هناك.
٣٣ - بابٌ: ﴿فَمَنْ تَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الحَجّ﴾ [البقرة: ١٩٦]
أي: هذا باب فيه قوله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج﴾ [البقرة: ١٩٦] وأوله:
(فإذا أمنتم) أي: من خوفكم وبرئتم من مرضكم وتمكنتم من أداء المناسك، فمن كان منكم
متمتعاً بالعمرة إلى الحج (فما استيسر من الهدي) أي: فعليه ما استيسر. أي: فعليه ما تيسر
منه، يقال: يسر الأمر واستيسر. كما يقال: صعب واستصعب، ومحل كلمة ما رفع بالابتداء
ويجوز أن يكون منصوباً أي: فاهدوا ما استيسر من الهدي، وهو اسم لما يهدى إلى الحرم
من بعير أو بقرة أو شاة.

١٤٧
٦٥ - كِتَابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورَةُ البَقَرَةِ
٤٥١٨/٤٣ - حدَثنا مُسَدَّدٌ حدَّثنا يَخيَى عنْ عِمْرَانَ أبِي بَكْرِ حدَّثنا أَبُو رَجَاءٍ عنْ
عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ الله عنهما قال أَنْزِلَتْ آيَةُ المُتْعَةِ فِي كِتَابِ اللهِ فَفَعَلْنَاهَا مَعَ رَسُولِ
الله عَّه ◌َوَلَمْ يُنْزَلْ قُرْآنٌ يُحَرِّمْهُ وَلَمْ يَنْهَ عنها حتَّى مَات قال رَجُلٌ بِرَأيِهِ ما شاءً.
مطابقته للترجمة ظاهرة، لأن كلاً منهما يدل على جواز المتعة وهو التمتع، ويحيى هو
ابن سعيد القطان، وعمران هو ابن مسلم المكنى بأبي بكر القصير البصري، وأبو رجاء،
بالجيم والمد عمران بن ملحان العطاردي البصري.
وفي هذا الإسناد شيء غريب وهو اجتماع ثلاثة في نسق واحد كل منهم يسمى
بعمران، أحدهم صحابي وهو عمران بن حصين.
والحديث أخرجه مسلم في الحج عن محمد بن حاتم وغيره وأخرجه النسائي في
التفسير عن محمد بن عبد الأعلى.
قوله: ((ففعلناها) أي: المتعة. قوله: ((يحرمه)) أي: التمتع. قوله: ((عنها)) أي: عن المتعة
ولما كانت المتعة بمعنى التمتع ذكر الضمير باعتبار التمتع وأنثه باعتبار المتعة. قوله: ((حتى
مات) أي: النبي عَّه. قوله: ((قال رجل))، قيل: أراد به عثمان، لأنه كان يمنع التمتع، وقيل:
أراد به عمر بن الخطاب، وكان عمر ينهى الناس عن التمتع، ويقول: أن نأخذ بكتاب الله
تعالى فإن الله تعالى يأمرنا بالتمام، يعني قوله: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ وفي نفس الأمر
لم يكن عمر ينهى عنها محرماً لها، وإنما كان ينهى عنها ليكن قصد الناس البيت حاجين
ومعتمرین کما صرح به عز وجل.
٣٤ _ بابٌ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكَمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]
أي: هذا باب فيه قوله تعالى: ﴿ليس عليكم جناح﴾ أي حرج أو إثم (أن تبتغوا) أي:
أن تطلبوا (فضلاً من ربكم) أي: عطاء منه وتفضلاً، وهو النفع والربح والتجارة.
٤٤/ ٤٥١٩ - حدَثني مُحَمَّدٌ قَالَ أخْبَرَني ابنُ عُيَيْنَةَ عنْ عَمْرو عن ابنِ عَبَّاس رضي
الله عنهما قال كانَتْ عُكَاظُ وَمَجَنةُ وذُو المَجاز أسْوَاقاً في الجَاهِلِيَّةِ فَتَأَثَّمُوا أن يَنَّجِرُوا في
المَوَاسِمِ فَزَلَتْ ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ بجناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] فِي مَوَاسِمٍ
الحجّ.
مطابقته للترجمة ظاهرة ومحمد هو ابن سلام بن الفرج البيكندي البخاري، وابن عيينة
هو سفيان، وعمرو هو ابن دينار. والحديث مضى في الحج في: باب التجارة أيام الموسم.
وعكاظ: بضم العين المهملة وتخفيف الكاف وبالظاء المعجمة، ومجنة، بفتح الميم
والجيم وتشديد النون ((وذو المجاز)) ضد الحقيقة. وهذه كانت أسواقاً للعرب. قوله:
((فتأثموا))، أي: فتحرجوا قوله: ((أن يتجروا)) أي: بأن يتجروا. قوله: ((في المواسم))، جمع
موسم، وسمي به لأنه مجتمع الناس إليه. قوله: ((في مواسم الحج)) قيل: هذا اللفظ عند ابن

١٤٨
٦٥ - كِتابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ / سورَةُ البَقَرَةِ
عباس من القرآن من تتمة الآية، والصحيح أنه تفسير منه لمحل ابتغاء الفضل، فكأنه قال: أي:
في مواسم الحج.
٣٥ - بابٌ: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]
أي: هذا باب فيه ذكر قوله تعالى: ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾ أي: لتكن
إفاضتكم من حيث أفاض الناس ولا تكن من المزدلفة، وحاصل المعنى: أن الله عز وجل، أمر
الواقف بعرفات أن يدفع إلى المزدلفة ليذكر الله تعالى عند المشعر الحرام وأمره أن يكون
وقوفه مع جمهور الناس يصنعون ويقفون بها. غير أن قريشاً لم يكونوا يخرجون من الحرم،
فيقفون في طرف الحرم عند أدنى الجبل ويقولون: نحن أهل الله في بلدته وقطان بيته، فلا
يخرجون منه فيقفون بجمع وسائر الناس بعرفات.
٤٥ / ٤٥٢٠ - حدَثنا عليّ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ خازِمِ حدَّثنا هِشامٌ عنْ أَبِيهِ
عنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها كَانَتْ قُرَيْشٌ وَمَنْ دَانَ دِينَها يَقِفُون بِالمُزْدَلِفَةِ وَكَانُوا يُسَمَّوْنَ
الخُمْسَ وَكَانَ سَائِرُ العَرَبِ يَقِفُونَ بِعَرَفَاتٍ فَلَمَا جَاءَ الإِسْلامُ أَمَرَ اللهِ نَبِيَّهُ عَ لَِّ أنْ يَأْتِي
عَرَفَاتٍ ثُمَّ يَقِفُ بها ثُمَّ يُفِيضَ مِنْها فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ
النَّاسُ﴾.
مطابقته هي معنى الترجمة ومحمد بن خازم، بالخاء المعجمة وبالزاي: أبو معاوية
الضرير، وهشام هو ابن عروة يروي عن أبيه عروة بن الزبير.
قوله: ((ومن دان دينها)) أي: دين قريش قال الخطابي: القبائل التي كانت تدين مع
قريش هم بنو عامر بن صعصعة وثقيف وخزاعة. وكانوا إذا أحرموا لا يتناولون السمن والأقط
ولا يدخلون من أبواب بيوتهم، وكانوا يسمون الحمس، لأنهم تحمسوا في دينهم وتصلبوا،
والحماسة الشدة. قوله: ((ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس)) ثم سائر العرب غير الحمس،
وهم قريش ومن كان على دينهم، وقيل: المراد من الناس آدم عليه السلام. وقيل: إبراهيم،
عليه السلام، وقرىء شاذاً من حيث أفاض الناسي، يعني: آدم عليه السلام.
٤٦ /٤٥٢١ - حدَثنا مُحَمَّدُ بنُ أبِي بَكْرٍ حدَّثنا فُضَيْلُ بنُ سُلَيْمَانَ حدَّثْنا مُوسَى بنُ
عُقْبَةً أخبرني كُرَيْبٌ عنِ ابن عباسٍ قال تَطَوُّفُ الرَّجُلِ بِالْبَيْتِ مَا كَانَ حَلالاً حَتَّى يُهِلَّ
بِالحَجِّ فَإِذَا رَكِبَ إِلَى عَرَفَةَ فَمَنْ تَيَسَّرَ لهُ هَدِيَّةٍ مِنَ الإِبِلِ أو الْبَقَرِ أو الغَنَمِ مَا تَيَسَّرَ لهُ مِنْ
ذَلِكَ أَيّ ذَلِكَ شَاءَ غَيْرَ أَنْ لَمْ يَتَيَشَرَ لَهُ فَعَلَيْهِ ثَلاثَةُ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ وَذَلِكَ قَّبْلَ يَوْمٍ عَرَفَّةَ فَإنْ
كَانَ آخِرِ يَوْمٍ مِنَ الأيامِ الثَّلاثَةِ يَوْمَ عَرَفَةَ فَلا بجناح عَلَيْهِ ثُمَّ لِيَنْطَلِقْ حَتَّى يَقِفَ بِعَرَفَاتٍ مِنْ
صَلاةِ العَصْرِ إِلَى أنْ يَكْونَ الظَّلامُ ثُم لِيَدْفَعُوا مِنْ عَرَفَاتٍ إِذَا أَفَاضُوا مِنْهَا حَتَّى يَبْلُغُوا جَمْعاً
الَّذِي يَبِيئُونَ بِهِ ثُمَّ لِيَذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً وَأَكْثِرُوا التَّكْبِيرَ وَالتَّهْلِيلَ قَبْلَ أنْ تُصْبِحُوا ثُمَّ أَفِيضُوا
فَإِنَّ النَّاسَ كَانُوا يُفِيضُونَ وَقال الله تَعَالَى (ثُمَّ أَفَيَضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا الله

١٤٩
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورَةُ البَقَرَةِ
إِنَّ الله غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٩] حَتَّى تَْمُّوا الجَمْرَةَ.
مطابقته للترجمة في قوله: ((ثم أفيضوا)) إلى آخره. ومحمد بن أبي بكر بن علي بن
عطاء بن مقدم أبو عبد الله المعروف بالمقدمي البصري، وفضيل مصغر فضل. بالضاد
المعجمة.
قوله: ((ما كان حلالاً)) بأن كان مقيماً بمكة أو كان قد دخل بعمرة ثم تحلل منها.
قوله: ((حتى يهل)) أي: حتى يحرم بالحج. قوله: ((ما تيسر له)) جزاء للشرط أي: ففديته ما
تيسر به، أو التقدير: فعليه ما تيسر، ويجوز أن يكون قوله: ما تيسر له بدلاً من قوله: هدية،
ويكون الجزاء بأسره محذوفاً تقديره، ففديته ذلك أو: فليفتد بذلك. قوله: ((غير أن لم تيسر
له)) أي: الهدي فعليه ثلاثة أيام في الحج أي: قبل يوم عرفة وهذا تقييد من ابن عباس
لإطلاق الآية. قوله: ((ثم لينطلق))، وفي رواية المستملي: ((ثم ينطلق)) بدون اللام. قوله: ((من
صلاة العصر))، أراد من أول وقت العصر وذلك عند صيرورة ظل كل شيء مثله، ويحتمل أنه
أراد من بعد صلاة العصر، لأنها تصلى عقيب صلاة الظهر جمع تقديم، ويكون الوقوف
عقيب ذلك، ولا شك أنه بعد الزوال، وسأل الكرماني: بأن أول وقت الوقوف زوال الشمس
يوم عرفة وآخره صبح العيد، ثم أجاب عن ذلك: بأنه اعتبر في الأول الأشرف، لأن وقت
العصر أشرف، وفي الآخر العادة المشهورة. انتهى قلت فيه تأمل. قوله: ((حتى يبلغوا جمعاً))،
بفتح الجيم وسكون الميم، وهو المزدلفة. قوله: ((الذي يبيتون به)) ويروى ((يتبرر فيه)) براءين
مهملتين. أي: يطلب فيه البر، ويروى: ((يتبرز))، براء ثم زاي من التبرز، وهو الخروج إلى البراز
للحاجة، والبراز بالفتح اسم للفضاء الواسع. قوله: ((أو أكثروا)) شك من الراوي. قوله: ((حتى
ترموا الجمرة)) هذه غاية للإفاضة، ويحتمل أن يكون غاية لقوله: ((أكثروا)).
:
:
٣٦ - بابٌ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا
عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١]
أي: هذا باب يذكر فيه قوله تعالى: ﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة﴾ الآية. قوله: ((ومنهم))
أي: ومن الناس، وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس، كان قوم من الأعراب يجيئون إلى
الموقف فيقولون: اللهم اجعله عام غيث وعام خصب وعام ولاد حسن، ولا يذكرون من أمر
الآخرة شيئاً فأنزل الله تعالى فيهم: ﴿فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة
من خلاق﴾ [البقرة: ٢٠٠] أي: نصيب، وكان يجيء بعدهم آخرون من المؤمنين فيقولون:
﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار﴾ [البقرة: ٢٠١] فأنزل الله
تعالى: ﴿أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب﴾ [البقرة: ٢٠٢] وعن علي رضي
الله تعالى عنه: الحسنة في الدنيا المرأة الصالحة، وفي الآخرة الجنة، وعذاب النار المرأة
السوء.

١٥٠
٦٥ - كِتابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ / سورَةُ البَقَرَةِ
٤٧ / ٤٥٢٢ - حدَثنا أَبُو مَعْمَرٍ حدَّثنا عبْدُ الوَارِثِ عنْ عَبْدِ العَزِيزِ عنْ أنسٍ قال كَانَ
النبيُّ عَ لَّهِ يَقُولُ (اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتنا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وفي الآخرة حسنة وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ).
مطابقته للترجمة أوضح ما يكون وأبو معمر، بفتح الميمين عبد الله بن عمرو بن أبي
الحجاج المنقري المقعد، وعبد الوارث هو ابن سعيد، وعبد العزيز هو ابن صهيب والحديث
أخرجه البخاري أيضاً في الدعوات عن مسدد وأخرجه أبو داود في الصلاة عن مسدد.
٣٧ - باب: ﴿وَهُوَ أَلَّدُّ الخِصام﴾ [البقرة: ٢٠٤]
أي: هذا باب فيه قوله تعالى: ﴿وهو ألد الخصام﴾ وأول الآية ﴿ومن الناس من
يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما فيه قلبه وهو ألد الخصام﴾ [البقرة: ٢٠٤]
قوله: ((ومن الناس))، أراد به الأخنسُ بن شريق، وكان رجلاً حلو المنطق إذا لقي رسول الله
عَّةِ، ألان له القول وادعى أنه يحبه. وأنه مسلم ((ويشهد الله على ما فيه قلبه)) أي يحلف
ويقول: الله شاهد على ما في قلبي من محبتك ومن الإسلام، فقال الله في حقه: ﴿وهو ألد
الخصام﴾، أي: شديد الجدال والخصومة والعداوة للمسلمين والألد أفعل التفضيل من اللدد
وهو: شدة الخصومة، والخصام المخاصمة وإضافة الألد بمعنى في أو يجعل الخصام ألد على
المبالغة وقيل: الخصام جمع خصم كصعب وصعاب بمعنى: هو أشد الخصوم خصومة.
وقال عَطَاءُ النَّسْلُ الحَيَوَانُ
أي: قال عطاء بن أبي رباح النسل في قوله تعالى: ﴿ويهلك الحرث والنسل﴾
[البقرة: ٢٠٥] الحيوان، ووصله الطبري من طريق ابن جريج قلت لعطاء في قوله تعالى:
﴿ويهلك الحرث والنسل﴾ قال: الحرث الزرع، والنسل من الناس والأنعام.
٤٥٢٣/٤٨ - حدَثنا قَبِيصَةُ حدَثنا سُفْيَانُ عنِ ابنِ مُجرَيْجٍ عن ابنِ أبِي مُلَيْكَةَ عنْ
عائِشَةَ تَرْفَعُهُ أَبْغَضُ الرِّجَالِ إِلَى اللهِ الأَلَدُّ الخَصِمُ.
مطابقته للترجمة ظاهرة. وسفيان هو الثوري، نص عليه الحافظ المروزي، وابن جريج
هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، وابن أبي مليكة هو عبد الله بن عبيد الله بن أبي
مليكة والحديث مضى في المظالم فإنه أخرجه هناك عن أبي عاصم. قوله: ((ترفعه))، أي:
ـَى اللّه
ترفع الحديث إلى النبي
وقال عَبْدُ الله حدَثنا سُفْيَانُ حدَّثني ابنُ جُرَيْجٍ عن ابنِ أبِي مُلَيْكَةَ عنْ عَائِشَةَ رضي
الله عنها عنِ النبيَّ عَّله.
عبد الله هو ابن الوليد العدني، نص عليه المزي، وكذلك سفيان هو الثوري. وأورد
هذا التعليق لتصريحه برفع حديث عائشة إلى النبي عَّله، وهو موصول في (جامع سفيان
الثوري) وقال بعضهم: يحتمل أن يكون المراد من عبد الله هو الجعفي شيخ البخاري،
ويكون سفيان هو ابن عيينة. لأن الحديث أخرجه الترمذي وغيره من رواية ابن عيينة قلت

١٥١
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورَةُ البَقَرَةِ
يحتمل ذلك، ولكن الحافظ المزي وخلف نصا على أن عبد الله هو ابن الوليد، وأن سفيان
هو الثوري، والله سبحانه وتعالى أعلم.
٣٨ _ بابٌ: ﴿أَمْ حَسَبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَما يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ
قَبْلِكُمْ مِسَتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَاءُ﴾ إِلَى ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا
مَعَهُ مَتَى نَصْرُ الله ألا إنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]
أي: هذا باب ذكر فيه (أم حسبتم) إلى آخره ذكر عبد الرزاق في (تفسيره): عن
قتادة: نزلت هذه الآية في يوم الأحزاب أصاب النبي عَ ◌ٍّ يومئذ وأصحابه بلاء وحصر، قاله
القرطبي: وهو قول أكثر المفسرين، قال وقيل: نزلت في يوم أحد. وقيل: نزلت تسلية
للمهاجرين حين تركوا ديارهم وأموالهم بأيدي المشركين وآثروا رضا الله تعالى ورسوله عَ له.
قوله: ((أم حسبتم))، قد علم في النحو أن: أم على نوعين متصلة وهي التي تتقدمها همزة
التسوية نحو: ﴿سواء علينا أجزعنا أم صبرنا﴾ [إبراهيم: ١٢١] وسميت متصلة لأن ما قبلها
وما بعدها لا يستغنى بأحدهما عن الآخر، ومنقطعة وهي التي لا يفارقها معنى الإضراب،
وزعم ابن الشجري عن جميع البصريين أنها أبداً بمعنى: بل، وهي مسبوقة بالخبر المحض.
نحو: ﴿تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين أم يقولون افتراء﴾ [السجدة: ٢] ومسبوقة
بهمزة لغير الاستفهام. نحو: ﴿ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها﴾
[الأعراف: ١٩٥] إذ الهمزة فيها للإنكار ثم إن: أم هذه قد اختلفوا فيها، فقال الزجاج: معناها
بل حسبتم وقال الزمخشري: منقطعة ومعنى الهمزة فيها للتقرير، وفي (تفسير الجوزي) أم هنا
للخروج من حديث إلى حديث، وفي (تفسير ابن أبي السنان) أم، هذه متصلة بما قبلها لأن
الاستفهام لا يكون في ابتداء الكلام فلا يقال: أم عندك خبر، بمعنى: عندك، وقيل: هي
معطوفة على استفهام محذوف مقدم أي: أعلمتم أن الجنة حفت بالمكاره أم حسبتم أن
تدخلوا الجنة بغير مكروه. قوله: ((ولما يأتكم))، كلمة لما، لنفي: لم يفعل، وكلمة لم لنفي
فعل. قوله: ((مثل الذين خلوا))، أي: صفة الذين مضوا من قبلكم من النبيين والمؤمنين، وفيه
إضمار أي: مثل محنة الذين. أو مصيبة الذين مضوا. قوله: ((مستهم البأساء والضراء»، أي:
الأمراض والأسقام والآلام والمصائب والنوائب، وقال ابن عباس وابن مسعود وأبو العالية
ومجاهد وسعيد بن جبير ومرة الهمداني والحسن وقتادة والضحاك والربيع والسدي ومقاتل
ابن حيان، البأساء الفقر، وقال ابن عباس: الضراء السقم. قوله: ((وزلزلوا))، أي: أزعجوا إزعاجاً
شديداً شبيهاً بالزلزلة بما أصابهم من الأهوال والأفزاع. قوله: ((حتى يقول الرسول)) يعني: إلى
الغاية التي يقول الرسول ومن معه فيها: متى نصر الله يعني: بلغ منهم الجهد إلى أن استبطأوا
النصر. وقالوا: متى ينزل نصر الله؟ قال مقاتل: الرسول هو أليسع، واسمه: شعيا والذين آمنوا
حزقيا الملك حين حضر القتال ومن معه من المؤمنين وأن ميشا بن حزقيا قتل اليسع، عليه
الصلاة والسلام. وقال الكلبي: هذا في كل رسول بعث إلى أمته. وعن الضحاك: يعني

١٥٢
٦٥ - كِتابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ / سورَةُ البَقَرَةِ
محمداً، عليه الصلاة والسلام. وقال القرطبي: وعليه يدل نزول الآية الكريمة، وأكثر المتأولين
على أن الكلام إلى آخر الآية من قول الرسول والمؤمنين، أي: بلغ بهم الجهد حتى استبطأوا
النصر فقال الله، عز وجل: ﴿ألا إن نصر الله قريب﴾ ويكون ذلك من قول الرسول على
طلب استعجال النصر لا على شك وارتياب، وقالت طائفة: في الكلام تقديم وتأخير،
والتقدير: يقول الذين آمنوا متى نصر الله؟ فيقول الرسول: ألا إن نصر الله قريب. فقدم الرسول
في الرتبة لمكانته ولم يقدم المؤمنين. لأنه المقدم في الزمان، ويقول: بالرفع والنصب، فقراءة
الفراء بالنصب إلاَّ مجاهداً، قاله الفراء: وبعض أهل المدينة رفعوه. وقال الزمخشري النصب
على إضمار أن، والرفع على أنه في معنى الحال كقولك: شربت الإبل حتى يجيء البعير
حتى يجر بطنه إلا أنها حال ماضية محكية. قوله: ((ألا إن نصر الله قريب))، أي: قيل لهم:
نصر الله قريب، إجابة لهم إلى طلبهم.
٤٥٢٤/٤٩ - حدَثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى أخبرنا هِشامٌ عنِ ابنِ مُجُرَيْجِ قال سَمِعْتُ ابنّ
أبِي مُلَيْكَةَ يَقُولُ قال ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عنهما ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأْسَ الرُّسِّلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ
كُذِبُوا﴾ خَفِيفَةَ ذَهَبَ بِها هُنَاكَ وَتَلا ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ الله ألا
إِن نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ١٤١] فَلَقِيتُ عُرِوَةَ ابنَ الزُّبَيْرِ فَذَكَوْتُ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ قَالَتْ عَائِشَةَ
مَعَاذَ الله وَالله مَا وَعَدَ اللهِ رَسُولَهُ مِنْ شَيْءٍ قَطُ إِلَّ عَلِمَ أَنَّهُ كَائِنٌ قَبْلَ أنْ يَجُوتَ وَلَكِنْ لَمْ يَزَل
البَلاءُ بَالُّسُلِ حَتَّى خَافُوا أنْ يَكُونَ مَنْ مَعَهُمْ يُكَذِّبُونَهُمْ فَكَانَتْ تَقْرَؤُها وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِّبُوا
مُتَقَّلَةً.
مطابقته للترجمة ظاهرة وإبراهيم بن موسى بن يزيد الرازي الفراء، يعرف بالصغير،
وهشام هو ابن حسان يروي عن عبد الملك بن جريج عن عبد الله بن أبي مليكة والحديث
أخرجه النسائي أيضاً في التفسير عن قتيبة.
قوله: ((قال ابن عباس: حتى إذا استيأس الرسل)) أي: من النصر ((وظنوا أنهم قد
كذبوا)) أي: كذبتهم أنفسهم حين حدثتهم بأنهم ينصرون. قوله: ((خفيفة)) أي: خفيفة الذال
في قوله: قد كذبوا. قوله: ((ذهب بها)) أي: ذهب ابن عباس بهذه الآية أي: قوله: ((حتى إذا
استيأس الرسل)) الآية التي في سورة يوسف لا الآية التي في البقرة، يعني: فهم من هذه الآية
ما فهم من تلك الآية لكون الاستفهام في متى نصر الله للاستبعاد والاستبطاء فهما متناسبتان
في مجيء النصر بعد اليأس والاستبعاد. قوله: ((فلقيت عروة بن الزبير)) القائل بهذا هو ابن
أبي مليكة الراوي.
قوله: ((فقال)) أي: عروة بن الزبير ((قالت عائشة رضي الله تعالى عنها)) قوله: ((قبل أن
يموت)) ظرف للعلم لا للكون. قيل: لم أنكرت عائشة على ابن عباس بقولها: معاذ الله إلى
آخره مع أن قراءة التخفيف تحتمل معنى ما قالت عائشة بأن يقال خافوا أن يكون من معهم
يكذبونهم؟ وأجيب بأن الإنكار من جهة أن مراده أن الرسل ظنوا أنهم مكذبون من عند الله لا

١٥٣
٦٥ - كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ / سورَةُ البَقَرَةِ
من عند أنفسهم بقرينة الاستشهاد بالآية التي في البقرة. فقيل: لو كان كما قالت عائشة
لقيل: وتيقنوا أنهم قد كذبوا، لأن تكذيب القوم لهم كان متيقناً وأجيب: بأن تكذيب أتباعهم
من المؤمنين كان مظنوناً والمتيقن هو تكذيب الذين لم يؤمنوا أصلاً فإن قيل: فما وجه كلام
ابن عباس؟ قيل: وجهه ما ذكره الخطابي: بأن يقال لا شك أن مذهبه أنه لم يجز على
الرسل أن يكذبوا بالوحي الذي يأتيهم من قبل الله لكن يحتمل أن يقال: إنهم عند تطاول
البلاء وإبطاء نجز الوعد توهموا أن الذي جاءهم من الوحي كان غلطاً منهم. فالكذب متأول
بالغلط. كقولهم: كذبتك نفسك. وقال الزمخشري: وعن ابن عباس: وظنوا حين ضعفوا أو
غلبوا أنهم قد خلفوا ما وعدهم الله من النصر، وقال: وكانوا بشراً وتلا قوله: ﴿وزلزلوا حتى
يقول الرسول﴾ [البقرة: ٢١٤] فإن صح هذا فقد أراد بالظن ما يهجس في القلب من شبه
الوسوسة. وحديث النفس على ما عليه البشرية وأما الظن الذي يترجح أحد الجانبين على
الآخر فيه فغير جائز على آحاد الأمة فكيف بالرسل؟ قوله: ((تقرؤها)) أي: فكانت عائشة رضي
الله عنها تقرأ قوله وكذبوا، مثقلة أي: بالتشديد، وهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن
عامر، وقراءة عاصم وحمزة والكسائي بالتخفيف.
٣٩ - بابٌّ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَزْثٌ لَكُمْ فَأَتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ.
الآيَةَ [البقرة: ٢٢٣]
أي: هذا باب فيه قوله تعالى: ﴿نساؤكم حرث لكم﴾ الآية قوله: ﴿حرث لكم﴾ أي:
مواضع حرث لكم، وهذا مجاز شبههن بالمحارث تشبيهاً لما يلقى في أرحامهن من النطف
التي منها النسل بالبذر، وروى الإمام أحمد بإسناده إلى ابن عباس أنزلت هذه الآية
﴿ونساؤكم حرث لكم﴾ في أناس من الأنصار أتوا النبي عَّه، فسألوه. فقال النبي عَ لَّه:
ائتها على كل حال إذا كان في الفرج، وروي أيضاً عن ابن عباس، قال: جاء عمر بن
الخطاب رضي الله تعالى عنه إلى رسول الله عَّهِ. فقال: يا رسول الله! هلكت! قال: ما
الذي أهلكك؟ قال: حولت رحلي البارحة، فلم يرد عليه شيئاً. قال: فأوحى الله إلى رسول
الله عَ ◌ّهِ هذه الآية: ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾ أقبل وأدبر واتق الدبر
والحيضة، ورواه الترمذي، وقال: حسن غريب. قوله: ((أنَّى شئتم))، أي: كيف شئتم مقبلة أو
مدبرة إذا كان في صمام واحد. أي: في مسلك واحد، والصمام ما يسد به الفرجة فسمي به
الفرج ويجوز أن يكون في موضع صمام على حذف مضاف، وهو بكسر الصاد المهملة
وتحفيف الميم، ويروى بالسين المهملة.
٤٥٢٦/٥٠ - حدَثنا إِسْحَاقُ أخبرنا النَّضْرُ بنُ شُمَيْلٍ أخبرنا ابنُ عَوْنٍ عنْ نَافِعِ قالِ
كان ابنُ عُمَرَ رَضِيَ الله عنهما إِذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ لَمْ يَتَكَلَّمْ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ فَأخَذْتُ عَلَيْهِ يَوْماً
فَقَرَأَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ حَتَّى انْتَهى إِلَى مَكَانٍ قال تَذْرِي فِيمَا أُنْزِلَتْ؟ قُلْتُ: لا. قال: أُنْزِلَتْ فِي
كَذَا وَكَذَا ثُمَّ مَضَى [الحديث ٤٥٢٦ - طرفه في ٤٥٢٧].

١٥٤
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورَةُ البَقَرَّةِ
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((في كذا وكذا)) لأن المراد به في إتيان النساء في
أدبارهن على ما نذكره عن قريب. وإسحاق هو ابن راهويه يروي عن النضر، بالضاد المعجمة
ابن شميل، بالشين المعجمة مصغر شمل يروي عن عبد الله بن عون بفتح العين وبالنون. عن
نافع مولى بن عمر عن عبد الله بن عمر ..
وأخرج هذا الحديث في تفسيره، وقال بدل قوله: ((حتى انتهى إلى مكان قال:
تدري)) إلى قوله: قلت: لا. قال: ((نزلت في إتيان النساء في أدبارهن)) وهكذا أورده ابن جرير
من طريق إسماعيل بن علية عن ابن عون مثله، وهذا قد فسر ذاك المبهم في حديث الباب
قوله: «ثم مضى أي: في قراءته)).
... / ٤٥٢٧ _ وَعَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ حدَثني أبي حدثني أَيُّوبُ عنْ نَافِعِ عنِ ابنِ عُمَّرَ
﴿فأتوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ قال يأتيها في. رَوَاهُ مُحَمَّدُ بنُ يَحْتَى بنِ سَعِيدٍ عنْ أَبِيهِ عن عُبَيْدِ
الله عنْ نَافِعِ عنِ ابنِ عُمَرَ. [الحديث ٤٥٢٦ - طرفه في ٤٥٢٧].
هذا معطوف على قوله أخبرنا النضر بن شميل، يعني: النضر يروي أيضاً عن عبد
الصمد بن عبد الوارث، وهو يروي عن أبيه عبد الوارث بن سعيد عن أيوب السختياني عن
نافع عن ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، وهذه الرواية رواها جرير في (التفسير) عن أبي
قلابة الرقاشي عن عبد الصمد بن عبد الوارث حدثني أبي فذكره بلفظ: يأتيها في الدبر،
ووقع هنا في رواية البخاري يأتيها في وسكت عن مجرورها، ولم يذكر في أي شيء،
وهكذا وقع في جميع النسخ، ولكن الحميدي ذكر في (الجمع بين الصحيحين) يأتيها في
الفرج، وبهذا قد تبين أن مجرور كلمة في هو الفرج، وقال بعضهم: هو من عنده بحسب
فهمه وليس مطابقاً لما في نفس الأمر، وأيد كلامه بقوله: وقد قال أبو بكر بن العربي أورد
البخاري هذا الحديث في (التفسير) فقال: يأتيها في ... وترك بياضاً. انتهى. قلت: لا نسلم
عدم المطابقة لما في نفس الأمر لأن ما في نفس الأمر عند من لا يرى إباحة إتيان النساء في
أدبارهن أن يقدر بعد كلمة في إما لفظ في الفرج، أو في القبل أو في موضع الحرث،
والظاهر من حال البخاري أنه لا يرى إباحة ذلك، ولكن لما ورد في حديث أبي سعيد
الخدري ما يفهم منه إباحة ذلك، ووردت أحاديث كثيرة في منع ذلك تأمل في ذلك ولم
يترجح عنده في ذلك الوقت أحد الأمرين فترك بياضاً بعد في، ليكتب فيه ما يترجح عنده
من ذلك. والظاهر أنه لم يدركه فبقي البياض بعده مستمراً فجاء الحميدي وقدر ذلك حيث
قال: يأتيها في الفرج نظراً إلى حال البخاري أنه لا يرى خلافه. ولو كان الحميدي علم من
حال البخاري أنه يبيح الإتيان في إدبار النساء لم يقدر هذا بل كان يقدر يأتيها في أي
موضع شاء، كما صرح في رواية ابن جرير في نفس حديث عبد الصمد يأتيها في دبرها ثم
قال: هذا القائل: هذا الذي استعمله البخاري نوع من أنواع البديع يسمى الاكتفاء ولا بد له
من نكتة يحسن سببها استعماله. قلت: ليت شعري من قال من أهل صناعة البديع أن حذف
المجرور وذكر الجار وحده من أنواع البديع، والاكتفاء إنما يكون في شيئين متضادين يذكر

١٥٥
٦٥ - كِتَابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورَةُ البَقَرَّةِ
أحدهما ويكتفي به عن الآخر كما في قوله تعالى: ﴿سرابيل تقيكم الحر﴾ [النحل: ٨١]
والتقدير: والبرد أيضاً، ولم يبين أيضاً ما هو المحسن لذلك على أن جمهور النحاة لا
يجوزون حذف المجرور إلا أن بعضهم قد جوز ذلك في ضرورة الشعر. وقد عاب
الإسماعيلي على صنيع البخاري ذلك، فقال: جميع ما أخرج عن ابن عمر مبهم لا فائدة فيه،
وقد رويناه عن عبد العزيز، يعني: الدراوردي عن مالك، وعبيد الله بن عمر، وابن أبي ذئب
ثلاثتهم عن نافع بالتفسير، ورواية الدراوردي المذكورة قد أخرجها الدارقطني في (غرائب
مالك) من طريقه عن الثلاثة عن نافع نحو رواية ابن عون عنه، ولفظ: نزلت في رجل من
الأنصار أصاب امرأته في دبرها فأعظم الناس ذلك، قال: فقلت له من دبرها في قبلها؟ قال لا
إلاّ في دبرها.
وأما اختلاف العلماء في هذا الباب فذهب محمد بن كعب القرظي وسعيد بن يسار
المدني ومالك إلى إباحة ذلك، واحتجوا في ذلك بما رواه أبو سعيد، أن رجلاً أصاب امرأته
في دبرها فأنكر الناس ذلك عليه، وقالوا: اثغرها؟ فأنزل الله عز وجل ﴿نساؤكم حرث لكم
فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾ [البقرة: ٢٢٣] وقالوا: معنى الآية. حيث شئتم من القبل والدبر، وقال
عياض: تعلق من قال: بالتحليل بظاهر الآية وقال ابن العربي في كتابه (أحكام القرآن) جوزته
طائفة كثيرة، وقد جمع ذلك ابن شعبان في كتابه (جماع النسوان) وأسند جوازه إلى زمرة
كبيرة من الصحابة والتابعين وإلى مالك من روايات كثيرة، وقال أبو بكر الجصاص في كتابه
(أحكام القرآن) المشهور عن مالك إباحة ذلك وأصحابه ينفون عن هذه المقالة لقبحها
وشناعتها وهي أشهر من أن تدفع بنفيهم عنه. وقد روى محمد بن سعد عن أبي سليمان
الجوزجاني، قال: كنت عند مالك بن أنس، فسئل عن النكاح في الدبر، فضرب بيده على
رأسه، وقال: الساعة اغتسلت منه ورواه عنه ابن القاسم: ما أدركت أحداً اقتدى به في ديني
يشك فيه أنه حلال، يعني: وطء المرأة في دبرها، ثم قرأ: ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم
أنى شئتم﴾ قال: فأي شيء أبين من هذا، وما أشك فيه وأما مذهب الشافعي فيه فما قاله
الطحاوي: حكى لنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم أنه سمع الشافعي يقول: ما صح عن
رسول الله عَّهِ، في تحريمه ولا في تحليله والقياس أنه حلال. وقال الحاكم: لعل الشافعي
كان يقول ذلك في القديم، وأما في الجديد فصرح بالتحريم.
وذهب الجمهور إلى تحريمه فمن الصحابة علي بن أبي طالب وابن عباس وابن مسعود
وجابر بن عبد الله وعبد الله بن عمرو بن العاص وأبو الدرداء وخزيمة بن ثابت وأبو هريرة
وعلي بن طلق وأم سلمة وقد اختلف عن عبد الله بن عمر بن الخطاب، والأصح عنه المنع،
ومن التابعين سعيد بن المسيب ومجاهد وإبراهيم النخعي وأبو سلمة بن عبد الرحمن وعطاء
ابن أبي رباح، ومن الأئمة سفيان الثوري وأبو حنيفة والشافعي في الصحيح، وأبو يوسف
ومحمد وأحمد وإسحاق وآخرون كثيرون، واحتجوا في ذلك بأحاديث كثيرة منها: حديث
ابن خزيمة أن رسول الله عَ ليه، قال: ((إن الله لا يستحيي من الحق، لا تأتوا النساء في

١٥٦
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورَةُ البَقَرَةِ
أدبارهن))، أخرجه الطحاوي والطبراني وإسناده صحيح ومنها: حديث عمرو بن شعيب عن
أبيه عن جده عن النبي عَّ له، قال: ((هي اللوطية الصغرى، يعني وطء النساء في أدبارهن))،
أخرجه الطحاوي بإسناد صحيح، والطيالسي والبيهقي. ومنها: حديث أبي هريرة قال: قال
رسول الله عَّ الله: ((لا ينظر الله عز وجل إلى رجل وطىء امرأة في دبرها))، أخرجه الطحاوي
وابن أبي شيبة وابن ماجه وأحمد. ومنها: حديث طلق بن علي: أن رسول الله عَ لَّه قال: ((إن
الله لا يستحيي من الحق لا تأتوا النساء في أعجازهن))، أخرجه الطحاوي وابن أبي شيبة،
وفي رواية في أعجازهن، أو قال: في أدبارهن، وأما الآية فتأولوها: بفأتوا حرثكم أنى شئتم
مستقبلين ومستدبرين، ولكن في موضع الحرث، وهو الفرج. فإن قلت: القاعدة عندكم أن
العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب. قلت: نعم لكن وردت أحاديث كثيرة فأخرجت
الآية عن عمومها وأقصرتها على إباحة الوطء في الفرج، ولكن على أي وجه كان.
٥١/ ٤٥٢٨ - حدَثنا أَبُو نُعَيْمِ حدَّثنا سُفْيَانُ عن ابنِ المُنْكَدِرِ سَمِعتُ جابِرَاً رضي الله
عنه قال كانَت اليَهُودُ تَقُولُ إِذَا جَامَعَها مِنْ وَرَائِهَا جَاءَ الوَلَدُ أَخْوَلَ فَنَزَلَتْ ﴿نِساؤُكُمْ حَرْثٌ
لَكُمْ فَأْتُوا حَرْتَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣].
مطابقته للترجمة ظاهرة. وأبو نعيم الفضل بن دكين، وسفيان هو الثوري قاله بعضهم:
وذكر الحافظ المزي أنه سفيان بن عيينة، وابن المنكدر. بالنون محمد بن المنكدر.
والحديث أخرجه مسلم في النكاح وغيره عن قتيبة. وأخرجه الترمذي في التفسير عن
ابن أبي عمر. وأخرجه النسائي في عشرة النساء عن إسحاق بن إبراهيم وأخرجه ابن ماجه في
النكاح عن سهل بن أبي سهل، وغيره.
وظاهر حديث جابر هذا يوهم أنه مطابق لحديث ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما،
وليس كذلك فإنه روي بوجوه كلها ترجع إلى معنى واحد، فروى الطحاوي من حديث
الزهري عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله أن يهودياً قال: إذا نكح الرجل امرأته
مجببة خرج ولده أحول فأنزل الله تعالى: ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾ إن
شئتم مجببة، وإن شئتم غير مجببة إذا كان ذلك في صمام واحد. وأخرجه مسلم أيضاً نحوه:
وروى الطحاوي أيضاً من حديث ابن جريج عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله أن
اليهود قالوا للمسلمين: من أتى امرأته وهي مدبرة جاء ولده أحول، فأنزل الله عز وجل:
﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾ فقال رسول الله عَ له: مدبرة ومقبلة ما كان
في الفرج، وفي رواية لمسلم من طريق سفيان بن عيينة عن ابن المنكدر، بلفظ: إذا أتى
الرجل امرأته من دبرها في قبلها، ومن طريق أبي حازم عن ابن المنكدر بلفظ: إذا أتيت المرأة
من دبرها فحملت. وقوله: ((فحملت)) يدل على أن مراده أن الإتيان في الفرج لا في الدبر.
وقال الطحاوي: ففي توقيت النبي عَّله في ذلك على الفرج إعلام منه إياهم أن الدبر بخلاف
ذلك. قلت: لأن تنصيصه على الفرج ينافي دخول الدبر قوله: ((مجيبة)) من جبى يجبى

١٥٧
٦٥ - كِتابُ تَفْسيِرِ القُرْآنِ / سورَةُ البَقَرَةِ
تجبية، كعلى يعلى تعلية، ومادته جيم وباء موحدة وألف، ومعناه: مكبة على وجهها تشبيهاً
بهيئة السجود، وعن سعيد بن المسيب: أنزلت هذه الآية الكريمة في العزل، أخرجه الدارمي
ولفظه (نساؤكم حرث لكم أنى شئتم)، قال: إن شئت فاعزل وإن شئت فلا تعزل، ورواه
الطحاوي عن ابن عباس نحوه: وعند الطبري: أن أناساً من حمير أتوا رسول الله عَ لَّه فقال
رجل منهم: يا رسول الله: إني رجل أحب النساء، فكيف ترى في ذلك؟ فنزلت: وعنده
مقاتل، قال: حيي بن أخطب ونفر من اليهود للمسلمين إنه لا يحل لكم جماع النساء إلا
مستلقيات، وإنا نجد في كتاب الله عز وجل أن جماع المرأة غير مستلقية دنس عند الله
تعالى، فنزلت. وعن ابن عباس الحرث منبت الولد، وقال السدي: هي مزرعة يزرع فيها أو
يحرث فيها، وقال ابن حزم: ما رويت إباحة الوطء في دبرها إلّ عن ابن عمر وحده باختلاف
عنه، وعن مالك باختلاف عنه فقط، وذكر أبو الحسن المرغيناني، أن من أتى امرأته في
المحل المكروه فلا حد عليه عند الإمام أبي حنيفة ويعزر، وقالا هو كالزنى، وقال أبو زكريا
اتفق العلماء الذين يعتد بهم على تحريم وطء المرأة في دبرها قال: وقال أصحابنا: لا يحل
الوطء في الدبر في شيء من الآدميين ولا غيرهم من الحيوان على حال من الأحوال.
i
٤٠ - بابٌ: ﴿وإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أُجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِخْنَ
أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢
أي: هذا باب فيه قوله تعالى: ﴿وإذا طلقتم النساء﴾ [البقرة: ٢٣٢] إلى آخره وقال
علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، نزلت هذه الآية في الرجل يطلق امرأته طلقة أو طلقتين
فتنقضي عدتها ثم يبدو له تزويجها وأن يراجعها وتريد المرأة ذلك فيمنعها أولياؤها من ذلك،
فنهى الله تعالى أن يمنعوها، وكذلك روى العوفي عنه، وكذا قال مسروق وإبراهيم النخعي
والزهري والضحاك إنها نزلت في ذلك، وقد روى أن هذه الآية هي التي نزلت في معقل بن
يسار، على ما يجيء الآن، وقال السدي: نزلت في جابر بن عبد الله وابن عم له، والصحيح
الأول، وقال الزمخشري: إما أن يخاطب به الأزواج الذين يعضلون نساءهم بعد انقضاء العدة
ظلماً وإما أن يخاطب به الأولياء في عضلهن أن يرجعن إلى أزواجهن. وقال ابن جرير: اتفق
أهل التفسير على أن المخاطب بذلك الأولياء. قوله: ((فبلغن أجلهن))، وبلوغ الأجل في هذه
الآية انقضاء العدة بخلاف الآية السابقة. وقال الشافعي: دل اختلاف الكلامين على اختلاف
البلوغين. قوله: ((فلا تعضلوهن))، أي: لا تضيقوا عليهن بمنعكم إياهن، وفي (تفسير عبد بن
أبي سعيد) العضل الحبس، وفي (الموعب) لابن التياني: عن الفراء وقطرب وأبي عبيد عضل
المرأة يعضلها ويعضلها، وعن أبي عمرو: يعضلها، يعني: بفتح الضاد، وأمور معضلات شداد
بكسر الضاد. وعن ابن دريد: عضل أيمه يعضلها عضلاً. وعضلها تعضيلاً. منعها من الزوج
ظلماً. وقال الزجاج: هو من قولهم: عضلت الدجاجة فهي معضل إذا احتبس بيضها، ونشب
فلم يخرج.

١٫٥٨
٦٥ - كِتابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ / سورَةُ البَقَرَةِ
٤٥٢٩/٥٢ - حدَثنا عُبَيْدُ الله بنُ سَعِيدٍ حدَّثنا أبُو عَامِرِ العَقَدِيُّ حدَّثنا عَبَّادُ بنُ رَاشِدٍ
حدَّثنا الحَسَنُ قَال حدَثني مَعْقِلُ بنُ يَسَارٍ قال كَانَتْ لِي أَخْتٌ تُخْطَبُ إلَيَّ [الحديث
٤٥٢٩ - أطرافه في: ٥١٣، ٥٣٣٠، ٥٣٣١].
مطابقته للترجمة تؤخذ من تمام الحديث والبخاري أخرجه هنا مختصراً. وفي الطريق
الثالث تمامه. وأخرجه من ثلاث طرق كما ترى، وعبيد الله بن سعيد بن إبراهيم بن سعد بن
إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وهو من أفراده، وأبو عامر عبد الملك بن عمرو، والعقدي
بالعين المهملة والقاف المفتوحتين نسبة إلى العقد، قوم من قيس، وهم صنف من الأزد،
وعباد، بفتح العين وتشديد الباء الموحدة، ابن راشد، والحسن هو البصري، ومعقل: بفتح
الميم وسكون العين المهملة وكسر القاف: ابن يسار ضد اليمين المزني، وقال العجلي:
يكنى أبا علي ولا نعلم في الصحابة أحداً يكنى به غيره. قلت: طلق بن علي يكنى أبا علي،
وكذلك قيس بن عاصم المنقري، ذكره أبو أحمد وغيره.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في النكاح عن أبي معمر، وفي الطلاق عن محمد
وفي النكاح أيضاً عن أحمد بن أبي عمرو وفي الطلاق أيضاً عن أبي موسى. وأخرجه أبو
داود في النكاح عن محمد بن المثنى وأخرجه الترمذي في التفسير عن محمد بن حميد.
وأخرجه النسائي فيه عن سوار بن عبد الله وغيره.
وقال إبْرَاهِيمُ عنْ يُونُسَ عنِ الحَسَنِ حدَثني مَعْقِلُ بنُ يَسَارٍ
هذا طريق ثان وهو معلق، وإبراهيم هو ابن طهمان، ويونس هو ابن عبيد، ووصله
البخاري في النكاح، وأراد بهذا التعليق بيان تصريح الحسن بالتحديث عن معقل.
حدَّثنا أبُو مَعْمَرٍ حدَّثنا عَبْدُ الوَارِثِ حدَّثنا يُونُسِ عنِ الحَسَنِ أَنَّ أُخْتَ مَعْقِلٍ بنِ يَسَارٍ
طَلَقَهَا زَوْجُها فَتَرَكَها حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُها فَخَطَبَها فَأَتَّى مَعْقِلٌ فَزَلَتْ ﴿فَلا تَعْضُّلوهُنَّ أَنْ
يَنْكِحنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾.
هذا طريق ثالث عن أبي معمر، بفتح الميمين، عبد الله المشهور بالمقعد، عن عبد
الوارث بن سعيد عن يونس بن عبيد عن الحسن البصري. قوله: ((إن أخت معقل بن يسار))
واسمها جميل بنت يسار، بضم الجيم وفتح الميم وسكون الياء آخر الحروف، وفي رواية
أبي إسحاق الهمداني اسمها فاطمة بنت يسار، وسماها ابن فتحون: جملى، بضم الجيم
وسكون الميم، وسماها محمد المنذري: لیلی.
٤١ - بابٌ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَزْبَعَةَ أَشْهُرٍ
وَعَشْراً﴾ إلى ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٤]
أي: هذا باب في قوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم) الآية. قوله: ((والذين)) أي:
وأزواج الذين يتوفون منكم، والخطاب للمسلمين، وقيل: للمكلفين، قال الكفار مخاطبون

١٥٩
٦٥ - كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ / سورَةُ البَقْرَةِ
بالتفاصيل بشرط الإيمان. قوله: ((ويذرون)) أي: يتركون. قوله: ((أزواجاً)) أي: زوجات قوله:
((يتربصن)) أي: بعدهم، وقيل: يحبسن أنفسهن وينتظرن أربعة أشهر وعشراً، وهذا الحكم
يشمل الزوجات المدخول بهن بالإجماع إلا المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملاً فإنها تعتد
بالوضع ولم تمكث بعده سوى لحظة لعموم قوله تعالى: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن
حملهن﴾ [الطلاق: ٤]. وكان ابن عباس يرى أن عليها أن تتربص بأبعد الأجلين من الوضع أو
أربعة أشهر وعشراً للجمع بين الآيتين، وكذلك يستثنى منها الزوجة إذا كانت أمة، فإن عدتها
على النصف من عدة الحرة: شهران وخمسة أيام، وعن الحسن وبعض الظاهرية التسوية بين
الحرائر والإماء. قوله: ((وعشراً)، إنما لم يقل وعشرة، ذهاباً، إلى الليالي والأيام داخلة فيها ثم
الحكمة في هذه المدة ما قاله الراغب: إن الأطباء يقولون إن الولد في الأكثر إذا كان ذكراً
يتحرك بعد ثلاثة أشهر، وإذا كان أنثى بعد أربعة أشهر، فجعل ذلك عدة المتوفى عنها
زوجها، وزيد عليه عشرة أيام للاستظهار، وخصت العشرة لأنها أكمل الأعداد وأشرفها. وقال
سعيد بن أبي عروبة عن قتادة: سألت سعيد بن المسيب: ما بال العشرة؟ قال: فيه ينفخ
الروح، وكذا قال أبو العالية: روى عنهما ابن جرير، ومن هنا ذهب أحمد في رواية: إن عدة
أم الولد عدة الحرة لأنها صارت فراشاً كالحرائر، وروى فيه حديث عمرو بن العاص: لا
تلبسوا علينا سنة نبينا عدة أم الولد إذا توفي عنها سيدها أربعة أشهر وعشراً، ورواه أبو داود
وابن ماجه أيضاً. وذهب إلى هذا أيضاً طائفة من السلف منهم، سعيد بن المسيب وسعيد بن
جبير ومجاهد والحسن وابن سيرين والزهري وعمر بن عبد العزيز، وبه كان يأمر يزيد بن عبد
الملك بن مروان وهو أمير المؤمنين، وبه يقول الأوزاعي وإسحاق بن راهويه، وقال طاوس
وقتادة: عدة أم الولد إذا توفي عنها سيدها نصف عدة الحرة، وقال أبو حنيفة وأصحابه
والثوري والحسن بن صالح بن حبي: تعتد بثلاث حيض، وهو قول علي وابن مسعود وعطاء
وإبراهيم النخعي، وقال مالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه: عدتهن حيضة، وبه يقول
ابن عمر والشعبي ومكحول والليث وأبو عبيد وأبو ثور. قوله: ((فإذا بلغن أجلهن))، أي: إذا
انقضت عدتهن، قاله الضحاك والربيع بن أنس. قوله: ((فلا جناح عليكم))، قال الزمخشري:
أيها الأئمة وجماعة المسلمين، وقال الزهري: أي: أولياؤها. قوله: ((فيما فعلن))، يعني: النساء
اللاتي انقضت عدتهن من التعرض للخطاب، وعن الحسن والزهري والسدي: بالنكاح
الحلال الطيب. قوله: ((بالمعروف))، أي: بالوجه الذي لا ينكره الشرع.
يَعْفُونَ یَهَبْنَ
أشار به إلى تفسير: يعفون، في قوله تعالى: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد
فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح﴾
[البقرة: ٢٣٨] وفسره بقوله يهبن، وذكر ابن أبي حاتم أنه قول ابن عباس وشريح وابن المسيب
وعكرمة ونافع ومجاهد والشعبي والحسن وابن سيرين ومقاتل وجابر بن زيد وعطاء
الخراساني والزهري والضحاك والربيع بن أنس والسدي، قال: وخالفهم محمد بن كعب،

١٦٠
٦٥ - كِتابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ / سورَةُ البَقَرَةِ
فقال: (إلا أن يعفون) يعني: الرجال. قال: وهو قول شاذ لم يتابع عليه انتهى. قلت: هذه
اللفظة مشتركة بين جمع الرجال وجمع النساء، تقول: الرجال والنساء يعفون، والفرق
تقديري، فالواو في الأول ضمير الرجال والنون علامة الرفع، وفي الثاني الواو لام الفعل والنون
ضمير النساء فلهذا لم تعمل فيها أن، ولكن في محل النصب، فوزن جمع المذكر، يعفون،
ووزن جمع المؤنث یفعلن، فافهم.
٥٣ /٤٥٣٠ - حدَثني أُمَّةُ بنُ بِسْطامٍ حدَّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعِ عَنْ حَبِيبٍ عَنْ ابنِ أبِي
مُلَيْكَةَ قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ قُلْتُ لِعُثْمَانَ بِنِ عَفَّانَ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَّفَوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَإِجِاَ﴾ [البقرة:
٢٤٠] قَال قَدْ نَسَخَتْها الآيَةُ الأَخْرَىَ فَلَم تَكْتُبُها أوْ تَدَعُها قَالَ يا ابنَ أُخِي لا أَغَيِّرُ شَيْئاً مِنْ
مَكانِهِ [الحديث ٤٥٣٠ - طرفه في ٤٥٣٦].
مطابقته للترجمة ظاهرة. وأمية بضم الهمزة وفتح الميم وتشديد الياء آخر الحروف،
ابن بسطام بن المنتشر العيشي البصري وهو شيخ مسلم أيضاً، ويزيد من الزيادة ابن زريع
مصغر زرع بفتح الزاي، وحبيب هو ابن الشهيد أبو محمد الأزدي الأموي البصري، وابن أبي
مليكة هو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة بضم الميم، واسمه زهير قاضي عبد الله بن
الزبير والحديث من أفراده.
قوله: ((قال ابن الزبير))، أي: عبد الله بن الزبير بن العوام، رضي الله تعالى عنهما قوله:
﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً﴾ وتمامه (وصية لأزواجهم متاعاً إلى الحول غير
إخراج) الآية. قوله: ((فلم تكتبها))؟ استفهام على سبيل الإنكار بمعنى: لم تكتب هذه الآية
وقد نسختها الآية الأخرى؟ وهي قوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن
بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً﴾ [البقرة: ٢٣٤] والمنسوخة هي قوله: ﴿والذين يتوفون منكم
ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم متاعاً إلى الحول﴾ [البقرة: ٢٤٠] قوله: ((أو تدعها))، شك من
الراوي، أي: فلم تدعها أي: تتركها مكتوبة. قوله: ((قال: يا ابن أخي)) أي: قال عثمان لابن
الزبير يا ابن أخي، إنما قال ذلك على عادة العرب، أو نظراً إلى أخوة الإيمان، أو لأن عثمان
من أولاد قصي وكذلك عبد الله بن الزبير. قوله: ((لا أغير شيئاً من مكانه))، أي: لا أغير شيئاً
مما كتب من القرآن وكان عبد الله ظن أن ما نسخ لا يكتب وليس كما ظنه بل له فوائد
الأولى: أن الله تعالى لو أراد نسخ لفظه لرفعه كما فعل في آيات عديدة، ومن صدور
الحافظين أيضاً. الثانية: أن في تلاوته ثواباً كما في تلاوة غيره. الثالثة: إن كان تثقيلاً ونسخ
بتخفيف عرف بتذكره قدر اللطف، وإن كان تخفيفاً ونسخ بتثقيل علم أن المراد انقياد
النفس للأصعب لأن يظهر فيها عند ذلك التسليم والانقياد، وكان الحكم في أول الإسلام إنه
إذا مات الرجل لم يكن لامرأته شيء من الميراث إلاَّ النفقة والسكنى سنة، فالآية أعني قوله:
((ويذرون أزواجاً وصية)) أوجبت أمرين: أحدهما: وجوب النفقة والسكنى من تركة الزوج
سنة. والثاني: وجوب الاعتداد سنة لأن وجوب النفقة والسكنى من مال الميت يوجب المنع