النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
٦٤ - كِتَابُ المَغَازِي / باب (٣)
وقَوْلِ الله تعالَى ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أذِلَّةٌ فَاتَّقُوا الله لعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ إِذْ تَقُولُ
لِلْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَكْفِيَكُمْ أنْ يُمِذَّكُمْ رَبِّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ بَلَى إِنْ
تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا ويأتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هُذَا يُمْدِذْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاَفٍ مِنَ المَلائِكَةِ
مُسَوَّمِينَ وما جَعَلَهُ الله إلاَّ بُشْرَى لَكُمْ ولِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمُ بِهِ ومَا النَّصْرُ إِلَّ مِنْ عِنْدِ الله
العَزِيزِ الحَكِيمِ لِيَقْطَعَ طَرَفَاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾. [آل
عمران: ١٢٣ - ١٢٧].
وقول الله، بالجر عطفاً على قوله: قصة غزوة بدر، وسيقت هذه الآيات الكريمة كلها
في رواية كريمة وفي رواية أبي ذر والأصيلي، وقول الله تعالى: ﴿ولقد نصركم الله ببدر وأنتم
أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون) إلى قوله: ﴿فينقلبوا خائبين﴾ قوله: ﴿ولقد نصركم الله﴾ في
معرض المنة حيث أعز الله الإسلام وأهله يوم بدر ورفع فيه الشرك وخرب محله، هذا مع قلة
العدد في المسلمين يومئذ وكثرة العدو وفي سوابغ الحديد والبيض والعدة الكاملة والخيول
المسومة والخيلاء الزائدة، فأعز الله رسوله وأظهر وحيه وتنزيله، وبيض الله وجه النبي عليه
وقبيله، وأخزى الشيطان وجيله، ولهذا قال ممتنا على عادة المؤمنين وحزبه المفلحين المتقين
﴿ولقد نصركم الله ببدر﴾. قال الشعبي: بدر بئر لرجل يسمى بدر بن الحارث بن مخلد بن
النضر بن كنانة، وقيل: سميت بدراً لاستدارتها كالبدر، وقيل: لصفائها ورؤية البدر فيها،
وقال السهيلي: احتفرها رجل من بني غفار ثم من بني النجار، واسمه بدر بن كلدة، وقال
الواقدي: ذكرت هذا لعبد الله بن جعفر ومحمد بن صالح فأنكراه، وقالا: لأي شيء سميت
الصفراء؟ ولأي شيء سمي الجار؟ إنما هو اسم الموضع. قال: وذكرت ذلك ليحيى بن
النعمان الغفاري فقال: سمعت شيوخاً من غفار يقولون: هو مؤنا ومنزلنا وما ملكه أحد قط
اسمه بدر، وما هو من بلاد جهينة إنما هو من بلاد غفار، قال الواقدي: هو المعروف عندنا.
وفي (الإكليل): بدر موضع بأرض العرب يقال لها الأثيل بقرب ينبع والصفراء والجار
والجحفة، وهو موسم من مواسم العرب ومجمع من مجامعهم في الجاهلية، وبها قليب وآبار
ومياه تستعذب، وعن الزهري: كان بدر متجراً يؤتى في كل عام. وقال البكري: هي على
مائة وعشرين فرسخاً من المدينة، ومنها إلى الجار ستة عشر ميلاً، وبه عينان جاريتان عليهما
الموز والنخل والعنب. قوله: ﴿وأنتم أذلة﴾ جمع ذليل، وهو جمع قلة وجمع الكثرة: ذلال،
وجاء بجمع القلة ليدل على أنهم على ذلتهم كانوا قليلاً وذلتهم ما كان بهم من ضعف
الحال وقلة السلاح والمال والمركوب، وعدوهم كثيرون مع شكة وشوكة، وسنبين ذلك عن
قريب. قوله: ﴿فاتقوا الله﴾ أي: مخالفة أمره وعقابه، وقال الزمخشري ﴿فاتقوا الله﴾ في
الثبات مع رسوله ﴿لعلكم تشكرون﴾ بتقواكم ما أنعم به عليكم، ولعلكم ينعم الله عليكم
نعمة أخرى تشكرونها، فوضع الشكر موضع الإنعام لأنه سبب له. قوله: ﴿إِذ تقول﴾ ظرف
لقوله: نصركم، أو بدل ثان من: إذ غدوت، وقال ابن كثير: اختلف المفسرون في هذا، هل
١

١٠٠٢
٦٤ - كِتَابُ المَغَازِي / باب (٣)
كان يوم بدر أو يوم أحد؟ على قولين: أحدهما: أن قوله: ((إذ تقول)) يتعلق بقوله: ﴿ولقد
نصركم الله ببدر﴾، روي هذا عن الحسن البصري وعامر الشعبي والربيع بن أنس وغيرهم،
واختاره ابن جرير. والثاني: أنه يتعلق بقوله: ﴿وإذ غدوت من أهلك تبوىء المؤمنين
مقاعد للقتال﴾ [آل عمران: ١٢١]. وذلك يوم أحد، وهو قول مجاهد وعكرمة والضحاك
والزهري وموسى بن عقبة وغيرهم، لكن قالوا: لم يحصل الإمداد بخمسة آلاف لأن
المسلمين فروا يومئذ، زاد عكرمة: ولا بثلاثة آلاف. قوله: ﴿ألن يكفيكم﴾ قال ابن أبي
حاتم: حدثنا أبي حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا وهيب عن داود عن عامر يعني الشعبي: أن
المسلمين بلغهم يوم بدر أن كرز بن جابر يمد المشركين، فشق عليهم، فأنزل الله: ﴿ألن
يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين﴾ إلى قوله: ﴿مسومين﴾ قال:
فبلغت كرز الهزيمة فلم يمد المشركين، ولم يمد الله المسلمين بالخمسة آلاف. وقال الربيع
بن أنس: أمد الله المسلمين بألف ثم صاروا ثلاثة آلاف ثم صاروا خمسة آلاف. فإن قلت: ما
الجمع بين هذه الآية على هذا القول، وبين قوله في قضية بدر: ﴿إِذ تستغيثون ربكم
فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين﴾ [الأنفال: ٩]. قلت: التنصيص على
الألف ههنا لا ينافي الثلاثة آلاف فما فوقها، فمعنى: مردفين، يردفهم غيرهم ويتبعهم ألوف
أخر مثلهم، والكفاية مقدار سد الخلة، والاكتفاء الاقتصار على ذلك، والإمداد إعطاء الشيء
بعد الشيء. قال المفضل: كل ما كان على جهة القوة والإعانة قيل فيه: أمده، وكل ما كان
على جهة الزيادة قيل فيه: مده، ومنه قوله تعالى: ﴿والبحر يمده﴾ [لقمان: ٢٧]. وقال
بعضهم: المد في الشر والإمداد في الخير، بدليل قوله: ﴿ويمدهم في طغيانهم يعمهون﴾
[البقرة: ١٥]. و﴿تمد له من العذاب مداً﴾ [مريم: ٧٩]. وقال في الخير: ﴿إِني ممدكم
بألف﴾ [الأنفال: ٩]. قوله: ((بلى)) تصديق لما وعده بالإمداد والكفاية. وقال الزمخشري:
بلى، إيجاب لما بعد لن، يعني: بل يكفيكم الإمداد بهم، فأوجب الكفاية. قوله: ((أن
تصبروا)) أي: على لقاء العدو وتتقوا معصية الله ومخالفة نبيه. قوله: ((ويأتوكم من فورهم
هذا))، يعني المشركين من فورهم هذا يعني: من ساعتهم هذه، قيل: يوم فورهم يوم بدر،
وقيل: يوم أحد، وقيل: يوم فورهم يوم غضبهم، ثبت هذا في رواية الكشميهني، وهو قول
عكرمة ومجاهد، وروي عن الحسن وقتادة والربيع والسدي: أي: من وجههم هذا، وأصل
الفور غليان القدر، ثم قيل للغضبان: فائر. قوله: ((يمددكم))، جزاء. أن: قوله: ((مسومين))، أي:
معلمين بالسيماء، قال أبو إسحاق السبيعي: عن حارثة عن مضرب عن علي بن أبي طالب
قال كان سيماء الملائكة يوم بدر الصوف الأبيض وكان سيماؤهم أيضاً في نواصي خيولهم
وروى ابن أبي حاتم بإسناده عن أبي هريرة: ﴿مسومين﴾ قال: بالعهن الأحمر، وقال مكحول:
مسومين بالعمائم، وروى ابن مردويه من حديث عبد القدوس بن حبيب عن عطاء بن أبي
رباح عن ابن عباس، قال: قال رسول الله، عَّله، في قوله: مسومين، قال: معلمين، وكانت
سيماء الملائكة يوم بدر عمائم سود، ويوم أحد عمائم حمر، وروى من حديث حصين بن

١٠٣
٦٤ - كِتَابُ المَغَازِي / باب (٣)
مخارق عن سعد عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس، قال: لم تقاتل الملائكة إلاَّ يوم بدر،
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الأحمسي حدثنا وكيع حدثنا هشام بن عروة عن يحيى بن عباد أن
الزبير، رضي الله تعالى عنه كان عليه يوم بدر عمامة صفراء معتجراً بها، فنزلت الملائكة
عليهم عمائم صفر، وقال ابن إسحاق: حدثني من لا أتهم عن مقسم عن ابن عباس، قال:
كانت سيماء الملائكة يوم بدر عمائم بيض، قد أرسلوها في ظهورهم، ويوم حنين عمائم
حمر، ولم تضرب الملائكة في يوم سوى يوم بدر، وكانوا يكونون عدداً ومددا لا يضربون،
وقال عروة: كانت الملائكة يومئذ على خيل بلق وعمائمهم صفر، وقال أبو إسحاق:
عمائمهم بيض، وقال الحسن: عملوا على أذناب خيلهم ونواصيهم بصوف أبيض.
قوله: ((وما جعله الله إلاَّ بشرى لكم))، أي: ما جعل الله هذا الوعد إلاَّ بشارة لكم.
قوله: ((ولتطمئن قلوبكم به))، واضح مثل: ﴿وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظاً﴾ [فصلت:
١٢]. قوله: ((وما النصر إلاَّ من عند الله)) أي دون الملائكة، وكثرة العدد، ولكن نزولهم
سبب من أسباب النصر لا يحتاج الرب إليه. قوله: ((العزيز))، أي: الذي لا يغالب، ((الحكيم))،
الذي تجري أفعاله على ما يريد وهو أعلم بمصالح العبيد. قوله: ((ليقطع طرفاً))، فيه حرف
العطف محذوف أي: وليقطع طائفة ((من الذين كفروا))، وقال السدي: ليهدم ركناً من أركان
المشركين بالقتل والأسر. قوله: ((أو يكبتهم)) أي: يهزمهم، وقيل: يصرعهم، وقيل: يهلكهم،
وقيل: يلعنهم. قوله: ((فينقلبوا))، أي: فيرجعوا خائبين أي: لم يحصلوا على ما أملوه.
وقالَ وَحْشِيٍّ قَتَلَ حَمْزَةَ طُعَيْمَةَ بنَ عَدِيٍّ بنِ الخِيارِ يَوْمَ بَدْرٍ
وحشي، بفتح الواو وسكون الحاء المهملة وكسر الشين المعجمة وتشديد الياء: هو
ابن حرب - ضد الصلح - الحبشي، مولى طعيمة - مصغر الطعمة - بالمهملتين، وقيل: مولى
جبير بن مطعم بن عدي بن الخيار، كذا وقع فيه: ابن الخيار، وهو وهم والصواب: ابن
نوفل، وقال ابن الأثير: هو طعيمة بن عدي بن نوفل، ولم يذكر ابن الخيار. قوله: ((قتل
حمزة)) أي: ابن عبد المطلب، وكان جبير بن مطعم وهو ابن أخي طعيمة قال له: لما قتل
حمزة يوم بدر: طعيمة! إن قتلت حمزة بعمي فأنت حر، فقتله يوم أحد على ما سيأتي إن شاء
الله تعالى، وهذا التعليق رواه البخاري في غزوة أحد في: باب قتل حمزة، رضي الله تعالى
عنه.
وقَوْلُهُ تَعَالى ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمْ اللهِ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتٍ
الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ الآية [الأنفال: ٧].
كلمة: إِذ، منصوبة بإضمار: اذكر، والمراد بإحدى الطائفتين: الطائفة التي فيها العير
والتي فيها النفير، وكان في العير أبو سفيان ومن معه ومعهم من الأموال، وكان في النفير أبو
جهل وعتبة بن ربيعة وغيرهما من رؤساء قريش مستعدين للسلاح متأهبين للقتال، ومراد

١٠٤
٦٤ - كِتَابُ المَغَازِي / باب (٣)
المسلمين حصول العير لهم، وقصة ذلك مختصرة: أن النبي عَّ له، خرج من المدينة طالباً
لعير أبي سفيان التي بلغه خبرها أنها صادرة من الشام فيها أموال جزيلة لقريش، فاستنهض
رسول الله، عَّ، المسلمين من خف منهم، فخرج في ثلاثمائة وبضعة عشر رجل وطلب
نحو الساحل من على طريق بدر، وعلم أبو سفيان بخروج النبي عَ لّه، في طلبه: فبعث
ضمضم بن عمرو نذيراً إلى أهل مكة فنهضوا في قريب من ألف مقنع ما بين تسعمائة إلى
الألف، وتيامن أبو سفيان بالعير إلى ساحل البحر فنجا، وجاء النفير فوردوا ماء بدر، وجمع
الله بين المسلمين والكافرين على غير ميعاد لما يريد الله تعالى من إعلاء كلمة المسلمين
ونصرهم على عدوهم والتفرقة بين الحق والباطل، والغرض أن رسول الله، عَ لّم لما بلغه
خروج النفير أوحى الله إليه بعدَة إحدى الطائفتين: إما العير وإما النفير، ورغب كثير من
المسلمين إلى العير لأنه كسب بلا قتال، كما قال تعالى: ﴿وتودون أن غير ذات الشوكة﴾
[الأنفال: ٧]. الآية. قوله: ((أنها لكم)) بدل من ﴿إحدى الطائفتين﴾ [الأنفال: ٧]. قوله:
((وتودون))، أي: تحبون أن الطائفة التي لا حد لها ولا منعة ولا قتال تكون لكم وهي العير،
والشوكة: الشدة والقوة، وأصلها من الشوك، وقال أبو عبيدة: يقال: ما أشد شوكة بني فلان،
أي: حدهم، وكأنها مستعارة من واحد الشوك.
قال أبُو عَبْدِ الله الشَّوْكَةُ الحِدَّة
أبو عبد الله هو البخاري، ففسر الشوكة بالحدة، وقد ذكرناه، وليس هذا بمذكور في
بعض النسخ.
٣٩٥١/٣ _ حدَّثني يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلِ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ
عَبْدِ الرَّحْمنِ بنِ عَبْدِ الله بنِ كَعْبٍ أَنَّ عَبْدَ الله بنَ كَعْبٍ قال سَمِعْتُ كَعْبَ بنَ مالِكِ رضي
الله تعالى عنهُ يَقُولُ لَمْ أَتَخَلَّفْ عنْ رَسُولِ اللهِ عَ لّه فِي غَزْوةٍ غَزَاهَا إلَّ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ غَيْرَ
أَنِّي تَخَلَّفْتُ عَنْ غَزْوَةِ بَدْرٍ وَلَمْ يُعَاتَبْ أَحَدٌ تَخَلَّفَ عَنْهَا إِنَّمَا خَرَجَ رَسُولُ اللهِ عَّهِ يُرِيدُ عِيرَ
قُرَيْشٍ حتَّى جَمَعَ الله بَيْنَهُمْ وبَيْنَ عَدُوِّهِمْ علَى غَيْرِ مِيعَادٍ. [انظر الحديث ٢٧٥٧ وأطرافه].
مطابقته للترجمة تظهر من لفظ الحديث، وقال بعضهم: والغرض منه هنا قوله: ((ولم
يعاتب أحداً))، انتهى. قلت: أراد به وجه المطابقة بين الحديث والترجمة، وليس الغرض
ذلك، لأن ما قاله لا يطابق الترجمة بل الوجه ما ذكرناه، ورجاله قد مروا ولا سيما شيخه إلى
عبد الرحمن، وهو طرف من حديث كعب بن مالك في قصة توبته، وسيأتي مطولاً في غزوة
تبوك.
قوله: ((إلاَّ في غزوة)) وجه هذا الاستثناء أن غير صفة، والمعنى: ما تخلفت إلاَّ في
تبوك حال مغايرة تخلف بدر لتخلف تبوك، لأن التوجه فيه لم يكن بقصد الغزو بل بقصد
أخذ العير، وهو معنى قوله: ((إنما خرج رسول الله، عَلَّه)) إلى آخره. قوله: ((ولم يعاتب))،
على صيغة المجهول، ولفظ ((أحد)) مرفوع، وفي رواية الكشمسهني: ((ولم يعاتب الله أحداً)

١٠٥
٦٤ - كِتَابُ المَغَازِي / باب (٤)
قوله: ((يريد عير قريش))، جملة حالية، يعني: لم يرد القتال. قوله: ((على غير ميعاد)) يعني:
بين النبي عَّه وبين كفار قريش.
٤ - بابُ قَوْلِ الله تعَالى ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لِكُمْ أَنِّي مُمِدُكُمْ بِأَلْفٍ
مِنَ المَلائِكَةِ مُزْدِفِينَ وما جَعَلَهُ الله إلاَّ بُشْرَى ولِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وما النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ
الله إنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ إِذْ يُغَشِّيكُمْ النعاسَ أمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عِلَّيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ ماءً
لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ ولِيَزِبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ ويُثَبَّتَ بِهِ الأَقْدَامَ إِذْ
يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَتَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأَلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ
كَفَرُوا الرُّغْبَ فَاضْرِبُوا فوقَ الأعْنَاقِ واضْرِبُوا مِنْهُمْ كلَّ بَنانِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُوا الله
ورَسُولَهُ ومَنْ يُشَاقِقِ الله وَرَسُولَهُ فإنَّ الله شَديدُ العِقَابِ﴾. [الأنفال: ٩ - ١٢].
أي: هذا باب في ذكر قول الله تعالى: ﴿إِذ تستغيثون ربَّكم﴾ الآيات، هكذا سيقت
هذه الآيات كلها في رواية كريمة، وفي رواية الأكثرين: باب قول الله تعالى: ﴿إِذ تستغيثون
ربكم﴾ إلى قوله: ﴿شديد العقاب﴾ قوله: ﴿إِذ تستغيثون﴾ بدل من قوله ﴿إِذ يعد كم﴾
[الأنفال: ٧]. وقيل: يتعلق بقوله: ﴿ليحق الحق ويبطل الباطل﴾ [الأنفال: ٨]. واستغاثتهم
أنهم لما علموا أنه لا بد من القتال طفقوا يدعون الله تعالى، أي: رب انصرنا على عدوك، يا
غياث المستغيثين أغثنا، وسيجيء بيان الاستغاثة في حديث ابن عباس، رضي الله تعالى
عنهما. قوله: ﴿إِنِّي ممدكم﴾ من الإمداد، وقد مر الكلام فيه عن قريب، وأصل ((أني))
بأني، فحذف الجار وسلط عليه: استجاب، فنصب محله، وعن أبي عمرو أنه قرأ: أني
ممدكم، بالكسر على إرادة القول أو على إجراء استجاب مجرى: قال، لأن الاستجابة من
القول. قوله: ﴿مردفين﴾ أي: مردف بعضهم بعضاً، وعن ابن عباس: متتابعين، يعني وراء كل
ملك ملك، وقال ابن جرير: حدثني المثنى حدثنا إسحاق حدثنا يعقوب بن محمد الزهري
حدثني عبد العزيز بن عمران عن الربيعي عن أبي الحويرث عن محمد بن جبير عن علي،
رضي الله تعالى عنه، قال: نزل جبريل، عليه الصلاة والسلام، في ألف من الملائكة عن ميمنة
النبي عَّهِ، وفيها أبو بكر، رضي الله تعالى عنه، ونزل ميكائيل في ألف من الملائكة عن
ميسرة النبي عَّ له، وأنا في الميسرة، وهذا يقتضي - لو صح إسناده - أن الألف مردفة بمثلها،
ولهذا قرأ بعضهم: مردفين، بفتح الدال.
قوله: ((وما جعله الله))، أي: وما جعل الله بعث الملائكة وإعلامه إياكم بهم ﴿إلا
بشرى لكم ولتطمئن به قلوبكم﴾ [الأنفال: ٧]. وإلاَّ فالله تعالى قادر على نصركم على
أعدائكم بدون ذلك، ولهذا قال: ﴿وما النصر إلاّ من عند الله﴾ قوله: ﴿إِذ يغشيكم النعاس﴾
كلمة: إذ، بدل ثان من: إذ يعدكم، أو منصوب بالنصر، أو بما في من عند الله من معنى
الفعل، أو بما جعله الله، ومعنى: يغشيكم يغطيكم، يقال: غشاه تغشية إذا غطاه، قال

١٠٦
٦٤ - كِتَابُ المَغَازِي / باب (٤)
الزمخشري: قرىء بالتشديد والتخفيف، ونصب النعاس، والضمير لله عز وجل. قوله: ((أمنة))
مفعول له، أي: لأمنكم، قال المفسرون: ذكرهم الله بما أنعم به عليهم من إلقائه النعاس عليهم
أماناً من خوفهم الذي حصل لهم من كثرة عدوهم وقلة عددهم، وقال أبو طلحة: كنت ممن
أصابه النعاس يوم أحد، ولقد سقط السيف من يدي مراراً، ولقد نظرت إليهم يمتدون وهم
تحت الجحف، وقال سفيان الثوري: عن أبي عاصم عن أبي رزين عن عبد الله ابن عباس،
أنه قال: النعاس في القتال أمنة من الله، وفي الصلاة وسوسة من الشيطان، وقال قتادة: النعاس
في الرأس والنوم في القلب، وقال سهل بن عبد الله: هو يحل في الرأس مع حياة القلب،
والنوم يحل في القلب بعد نزوله من الرأس. قوله: ﴿وينزل عليكم﴾ إلى قوله: ﴿الأقدام﴾
وعن ابن عباس: نزل المسلمون يوم بدر على كثيب أعفر سوخ فيه الأقدام وحوافر الدواب،
وسبقهم المشركون إلى ماء بدر وغلبوهم عليه، وأصبح المسلمون بعضهم محدثين وبعضهم
جنباً، وأصابهم الظمأ ووسوس إليهم الشيطان، وقال: تزعمون أن فيكم نبي الله وأنكم أولياء
الله وقد غليكم المشركون على الماء وأنتم تصلون جنباً ومحدثين؟ فكيف ترجون أن تظهروا
عليهم؟ فأرسل الله عليهم مطراً من السماء سال منه الوادي، فشرب منه المسلمون واغتسلوا
وسقوا الركاب وملأوا الأسقية وأطفأت الغبار واشتد الرمل حتى ثبتت عليه الأقدام وزالت
وسوسة الشيطان، فذلك قوله تعالى: ﴿وينزل عليكم﴾ الآية. قوله: ((إذ يوحي ربك)) بدل ثالث
من: ﴿إِذ يعدكم﴾ [الأنفال: ٧]. وأنه نصب: بيثبت به الأقدام. قوله: ((إني معكم))، مفعول
يوحي، وقرىء: إني: بالكسر على إرادة القول. قوله: ((فثبتوا الذين آمنوا)) المعنى: أني معينكم
على التثبيت فثبتوهم، وقال ابن إسحاق: فآزروهم، وقيل: قاتلوا معهم، وقيل: كثروا سوادهم.
قوله: ((الرعب))، أي: الخوف والمذلة والصغار، فاضربوا فوق الأعناق، وقال الزمخشري أراد
أعالي الأعناق التي هي المذابح لأنها مفاصل، فكان إيقاع الضرب فيها حزاً وتطبيراً للرؤوس،
وقيل: أراد الرؤوس لأنها فوق الأعناق. قوله: ((كل بنان))، قال الزمخشري: البنان الأصابع،
يريد الأطراف، وقيل: كل مفصل. قوله: ((ذلك)) إشارة إلى ما أصابهم من الضرب والقتل
والعقاب العاجل، ومحله الرفع على الابتداء، وقوله: ((بأنهم)) خبره أي: ذلك العقاب وقع
عليهم بسبب مشاقهم. قوله: ((شاقوا الله ورسوله)) أي: خالفوهما. قوله: ((شديد العقاب)) أي:
هو الطالب الغالب لمن خالفه وناوه، لا يفوته شيء ولا يقوم لغضبه شيء.
٤ / ٣٩٥٢ - حدّثنا أَبُو نُعَيْمِ حدَّثنا إِسْرَائِيلُ عنْ مُخارِقٍ عنْ طارِقِ بنِ شِهَاب قال
سَمِعْتُ ابنَ مسْعُودٍ يقُولُ شَهِدْتُ مِنَّ المِقْدَادِ بنِ الأَسْوَدِ مَشْهَدَاً لأنْ أكُونَ أَنَا صاحِبَهُ أَحَبَّ
إليَّ مِمَّا عُدِلَ بِهِ أتى النَّبِيَّ عَّهِ وَهْوَ يدْعُو عَلَّى المُشْرِكِينَ فَقال لا نَقُولُ كَمَا قال قَوْمُ
مُوسَى إِذْهَبْ أنْتَ ورَبك فقَاتِلاَ ولَكِنَّا نُقاتِلُ عنْ يَمِينِكَ وعنْ شِمالِكَ وبَيْنَ يَدَيْكَ وخَلْفَكَ
فَرَأيْتُ النَّبِيَّ عَّهِ أَشْرَقَ وَجْهُهُ وسَرَّهُ يَعْني قَوْلَهُ. [الحديث ٣٩٥٢ - طرفه في: ٤٦٠٩].
ذكر في هذا الباب حديثين: أحدهما: هذا، وهو في بيان ما وقع قبل الوقعة. والآخر:
حديث ابن عباس فيه بيان الاستغاثة، وكل منهما متعلق بما ذكر في الآيات الكريمة والمطابقة

١٠٧
٦٤ - كِتَابُ المَغَازِي / باب (٤)
بهذا المقدار تكفي. وأبو نعيم الفضل بن دكين، وإسرائيل هو ابن يونس بن أبي إسحاق
السبيعي، ومخارق، بضم الميم وتخفيف الخاء المعجمة وكسر الراء وفي آخره قاف: ابن
عبد الله ابن جابر البجلي الأحمسي، بالمهملتين، ويقال: اسم أبيه عبد الرحمن، ويقال:
خليفة، وهو كوفي ثقة عند الجميع، وقيل: ليس له رواية عن غير طارق بن شهاب بن عبد
شمس بن سلمة البجلي الأحمسي الكوفي، يكنى أبا عبد الله، رأى النبي عَّهِ، وغزا في
خلافة أبي بكر وعمر، رضي الله تعالى عنهما، ثلاثاً وثلاثين أو ثلاثاً وأربعين غزوة، سمع
جماعة من الصحابة ومات سنة ثلاث وثمانين.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في التفسير عن أبي نعيم أيضاً، وعن حمدان بن
عمرو، وأخرجه النسائي في التفسير عن أبي بكر بن النضر.
قوله: ((شهدت من المقداد))، بكسر الميم: ابن الأسود، وفي الحقيقة اسم أبيه
عمرو، والأسود كان تبناه فصار ينسب إليه. قوله: ((لأن أكون أنا)) اللام فيه مفتوحة، ولفظة:
أنا، وقعت في رواية الكشميهني: وعلى هذه الرواية يجوز في قوله: ((صاحبه)) الرفع والنصب،
وعلى رواية غيره يتعين النصب. قوله: ((صاحبه))، أي: صاحب المشهد. قوله: ((مما عدل
به))، على صيغة المجهول، أي: مما وزن به من شيء يقابله، وقال الكرماني: أي: من الثواب
الذي عدل ذلك المشهد به، وهذا فيه مبالغة وإلاّ قدره من الثواب خير من الدنيا وما فيها،
والأولى أن يقال: أي من كل شيء يقابل ويوازن به من الدنيويات. قوله: ((وهو يدعو)) الواو
فيه للحال. قوله: ((فقال))، أي: المقداد، قوله: ((لا نقول))، بنون الجمع. قوله: ((كما قال قوم
موسی))، أي: كقول قوم موسى لموسى، عليه السلام، وأصل ذلك ما رواه ابن مردويه، حدثنا
علي بن الحسن حدثنا أبو حاتم الرازي حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري حدثنا حميد عن
أنس: أن رسول الله، عَّه، لما سار إلى بدر استشار المسلمين، فأشار عليه عمر، رضي الله
تعالى عنه، ثم استشارهم، فقال الأنصاري: يا معشر الأنصار إياكم يريد رسول الله، عَّ له إذ لا
نقول له كما قال بنو إسرائيل لموسى: ﴿إِذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون﴾ [المائدة:
٢٤]. والذي بعثك بالحق، لو ضربت أكبادها إلى برك الغماد لاتبعناك! ورواه أحمد والنسائي
أيضاً، وروى أحمد بإسناده عن طارق بن شهاب: أن المقداد قال لرسول الله، عَّم يوم بدر:
يا رسول الله! إنا لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿إذهب أنت وربك فقاتلا إنا
ههنا قاعدون﴾ [المائدة ٢٤]. ولكن إذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون. قوله:
(أشرق وجهه))، من الإشراق، أي: استنار. قوله: ((وسره)) يعني قوله، أي: سر النبي عَ ◌ّهِ، قول
المقداد، رضي الله تعالى عنه.
٣٩٥٣/٥ - حدّثني مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله بنِ حَوْشَبِ حدَّثَنَا عبْدُ الوَهَّابِ حدَّثنا
خَالِدٌ عنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ قال قال النَّبِيُّ عَّهِ يَوْمَ بَدْرٍ أَللَّهُمَّ أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ
اللَّهُمَّ إنْ شِئْتَ لَمْ تُعْبَدْ فَأخَذَ أَبُو بَكْر بِيَدِهِ فَقَال حَسْبُكَ فخَرَجَ وهْوَ يَقُولُ ﴿سيُهْزَمُ الْجَمْعُ
ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]. [انظر الحديث ٢٩١٥ وطرفيه].

١٠٨
٦٤ - كِتَابُ المَغَازِي / باب (٥)
قد مر وجه ذكره، وعبد الوهاب هو ابن عبد المجيد الثقفي، وخالد هو الحذاء،
والحديث قد مضى في كتاب الجهاد في: باب ما قيل في درع النبي عَِّ، فإنه أخرجه
هناك: عن محمد بن المثنى عن عبد الوهاب عن خالد ... إلى آخره.
قوله: ((أنشدك)) بضم الشين أي: أطلب منك الوفاء بما عهدت ووعدت من الغلبة على
الكفار والنصر للرسول وإظهار الدين. قوله: ((إن شئت لم تعبد))، أي: إن شئت لا تعبد بعد
هذا. فبوم لسلطون على المؤمنين، وفي حديث عمر: أللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل
الإسلام لا تعبد في الأرض. قوله: ((حسبك)) أي: يكفيك من القول فاتركه، وقال الخطابي لا
يتوهم أن أبا بكر كان أوثق بوعد ربه من النبي عَّه، في تلك الحالة، لأنه لا يجوز ذلك
قطعاً، بل كان الحامل للنبي عَّه، على ذلك الشفقة على أصحابه وتقويتهم، إذ كان ذلك
أول مشهد شهدوه من لقاء العدو، فابتهل في الدعاء ليسكنهم إذ كانوا يعلمون أن وسيلته
مقبولة ودعاءه مستجاب، فلما قال له أبو بكر، رضي الله تعالى عنه، مقالته كف عن الدعاء إذ
علم أنه استجيب دعاؤه بما وجده أبو بكر في نفسه من القوة والطمأنينة حتى قال له ذلك
القول، ولهذا قال بعده: ﴿سيهزم الجمع ويولون الدبر﴾ [القمر: ٤٥]. فإن قلت: هل وقع مثل
هذا في يوم غير يوم بدر؟ قلت: روى أبو نعيم من حديث أنس أنه قال يوم أحد: اللهم إنك
إن تشأ لا تعبد في الأرض، والله أعلم.
٥ - باب
قد مر غير مرة أن لفظ: باب، إذا وقع مجرداً يكون كالفصل لما قبله وهذا هكذا وقع
بغير ترجمة عند الجميع، ووقع في نسخة صاحب (التوضيح): باب فضل من شهد بدراً،
وهذا غير صواب، لأن هذه الترجمة بعينها ستأتي فيما بعد، إن شاء الله تعالى.
٣٩٥٤/٦ - حدّثني إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسى أخبرَنَا هِشَامٌ أنَّ ابنَ جرَيْجِ أَخْبرَهُمْ قال
أخبرَنِي عَبْدُ الكَرِيمِ أنَّهُ سَمِعَ مِقْسَماً مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بنِ الحَارِثِ يُحَدَّثُ عنّ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ
سَمِعَهُ يَقُولُ لاَ يَشَتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ عنْ بَدْرٍ والْخَارِجُونَ إِلَى بَدْرٍ. [الحديث
٣٩٥٤ - طرفه في: ٤٥٩٥].
مطابقته لما قبله من حيث إن فيه بيان أنه: لا مساواة بين من حضر غزوة بدر وبين
من غاب عنها، وإبراهيم بن موسى هو أبو إسحاق الفراء المعروف بالصغير، وهشام هو ابن
يوسف، وابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج. وعبد الكريم هو ابن مالك
الجزري أبو أمية، مقسم - بكسر الميم - أبو القاسم مولى ابن عباس، وهو في الأصل مولى
عبد الله بن الحارث الهاشمي، وإنما قيل له: مولى ابن عباس، لشدة ملازمته له، وما له في
البخاري إلاَّ هذا الحديث الواحد.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في التفسير عن إبراهيم بن موسى وعن إسحاق عن
عبد الرزاق، وأخرجه الترمذي في التفسير عن الحسن بن محمد الزعفراني، وقال: حسن

١٠٩
٦٤ - كِتَابُ المَغَازِي / باب (٦)
غريب.
٦ - بابُ عِدَّةِ أصحابٍ بَدْرٍ
أي: هذا باب في بيان عدد أصحاب غزوة بدر الذين شهدوا الوقعة ومن ألحق بهم.
٧/ ٣٩٥٥ _ حدَّثنا مُسْلِمٌ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ أَبِي إِسْحَاقَ عنِ البَرَاءِ قال اسْتُصْغِرَتُ أنا
وابنُ عُمرَ. [الحديث ٣٩٥٥ - طرفه في: ٣٩٥٦].
... /٣٩٥٦ _ وحدّثني مَحمُودٌ حدَّثنا وَهْبُ عنْ أَبِي إِسْحَاقَ عنِ البَرَاءِ قال
اسْتُصْغِرْتُ أَنَا وابنُ عُمَرَ يَوْمَ بَدْرٍ وكانَ الْمُهَاجِرُونَ يَوْمَ بَدْرٍ نَيِّفاً على سِتِّينَ والأَنصَارُ نَيّفَاً
وأَرْبَعِينَ ومِائَتَيْنِ. [انظر الحديث ٣٩٥٥].
مطابقته للترجمة ظاهرة، وأبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، والبراء هو ابن عازب
الأنصاري، ومحمود هو ابن غیلان، ووهب هو ابن جرير.
قوله: ((استصغرت))، على صيغة المجهول. قوله: ((يوم بدر))، يعني يوم عرض الناس
يوم بدر، واعترض عياض وابن التين بأن هذا يرده قول ابن عمر: استصغرت يوم أحد، ورد
عليهما بأنه لا منافاة بين الإخبارين، فيحمل على أنه استصغر يوم بدر ثم استصغر يوم أحد،
بل جاء ذلك صريحاً عن ابن عمر، رضي الله تعالى عنه، نفسه وأنه عرض يوم بدر وهو ابن
ثلاث عشرة سنة فاستصغر، وعرض يوم أحد وهو ابن أربع عشرة سنة فاستصغر، يقال:
استصغره أي: عده صغيراً. قوله: ((نيفاً))، بالتشديد والتخفيف، يقال: عشرة ونيف، وكل ما
زاد على العقد فهو نيف حتى يبلغ العقد الثاني، ونيف فلان على السبعين أي زاد عليها،
وقيل: النيف كالبضع بين الثلاث إلى التسع، وقيل: من الواحد إلى الثلاث، والبضع ما بين
الثلاث والتسع، قيل: ما دون نصف العقد أي ما دون الخمسة، وقيل: ما دون العشرة، وقال
قتادة: أكثر من ثلاثة إلى عشرة، وقيل: ما بين ثلاثة وخمسة، ذكره أبو عبيد. قوله: ((نيفاً
على ستين)) منصوب لأنه خبر: كان، ويجوز في: نيفاً، الثاني النصب والرفع، أما النصب
فعلى تقدير، وكان الأنصار نيفاً، وقوله: ((وأربعين)) عطف عليه، وقوله: ((ومائتين)) عطف على
أربعين، وأما الرفع فعلى أنه خير لقوله: ((والأنصار)) لكونه مبتدأ، أو يقرأ على هذا: وأربعون
ومائتان، لأنهما حينئذ معطوفان على المرفوع.
واختلفوا في عدد من حضر يوم بدر للقتال، فقال ابن إسحاق: كان جميعهم ثلاثمائة
رجل وأربعة عشر رجلاً، من المهاجرين ثلاثة وثمانون، ومن الأوس أحد وستون رجلاً، ومن
الخزرج مائة وسبعون رجلاً منهم رسول الله، عَّ له، وهذا مخالف لما ذكره البخاري في
حديث الباب، ووقع في رواية مسلم من حديث ابن عباس عن عمر بن الخطاب، رضي الله
تعالى عنهم، قال: لما كان يوم بدر نظر رسول الله، عَّ إلى المشركين وهم ألف وأصحابه
ثلاثمائة وتسعة عشر ... الحديث، وقال ابن سعد: خرج رسول الله، عَ لَّه إليها في ثلاثمائة

١١٠
٦٤ - كِتَابُ المَغَازِي / باب (٦)
رجل وخمسة نفر، كان المهاجرون منهم أربعة وسبعين وسائرهم من الأنصار وثمانية تخلفوا
لعلة ضرب رسول الله، عَّم بسهامهم وأجرهم، وهم: عثمان بن عفان تخلف على امرأته
رقية، وطلحة بن عبيد الله، وسعيد بن زيد بعثهما، عليه الصلاة والسلام، يتجسسان خبر
العير، وأبو لبابة خلفه على المدينة، وعاصم بن عدي خلفه على أهل العالية، والحارث بن
حاطب رده من الروحاء إلى بني عمرو بن عوف لشيء بلغه عنهم، والحارث بن الصمة،
كسر بالروحاء، وخوات بن جبير، كسر أيضاً فهؤلاء ثمانية لا اختلاف فيهم عندنا. وفي
(الإكليل): كانوا ثلاثمائة رجل وخمسة عشر رجلاً، كما خرج طالوت.
وفي (الأوائل) للعسكري: حضر بدراً ثلاثة وثمانون مهاجرياً وأحد وستون أويسياً ومائة
وسبعون خزرجياً، وعند ابن عقبة: وستة عشر، وعند البزار من حديث أبي موسى: ثلاثمائة
وسبعة عشر، ووقع في رواية زهير وإسرائيل وسفيان، على ما يجيء عن قريب في هذا الباب:
كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر. فإن قلت: ما وجه هذا الاختلاف؟ قلت: الذين شهدوا منهم في
الحقيقة ثلاثمائة وخمسة أو ستة، نص على الستة ابن جرير من حديث ابن عباس، ونص على
الخمسة ابن سعد، والذي زاد على هذا ضم إليهم من استصغر ولم يؤذن له في القتال يومئذ:
كالبراء وابن عمر، وكذلك أنس، رضي الله تعالى عنه، وقد روى أحمد بسند صحيح عنه أنه
سئل: هل شهدت بدراً؟ فقال: وأين أغيب عن بدر؟ وكأنه كان في خدمة النبي عَّ له، كما
ثبت عنه أنه خدمه عشر سنين، وذلك يقتضي أن ابتداء خدمته له حين قدوم النبي عمرو خالد
المدينة، فكأنه خرج معه إلى بدر أو خرج مع عمه زوج أمه أبي طلحة، وكذلك جابر بن عبد
الله، فقد روى أبو داود بإسناد صحيح، عنه أنه قال: كنت أمنح الماء لأصحابي يوم بدر،
وذكر بعضهم سعد بن مالك الساعدي والد سهل وأنه مات في الطريق، واختلف في سعد بن
عبادة هل شهدها أو رد لحاجة؟ فإذا وقع التحرير في هذا يظهر وجه الاختلاف في العدد.
٨/ ٣٩٥٧ - حدّثنا عَمْرُو بنُ خالِدٍ حدَّثنا زُهَيْرٌ حدَّثنا أَبُو إِسْحَاقَ قال سَمِعْتُ البَرَاءَ
رضي الله تعالى عنه يقُولُ حدَّثنِي أصْحَابُ مُحَمَّدٍ عَ لَّهِ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرَاً أنَّهُمْ كَانُوا عِدَّةَ
أصْحَابٍ طالُوتَ الَّذِينَ جازُوا معَهُ النَّهْرَ بِضْعَةَ عشَرَ وَثَلاثَمِائَةٍ قال البَرَاءُ لا والله ما جاوزَ معَهُ
النَّهْرَ إلاَّ مُؤْمِنٌ. [الحديث ٣٩٥٧ - طرفاه في: ٣٩٥٨، ٣٩٥٩].
هذا طريق آخر في حديث البراء أخرجه عن عمرو بن خالد الحراني عن زهير بن
معاوية عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله. والحديث من أفراده.
قوله: ((أصحاب طالوت)) هو ابن قشن بن أقبيل بن صادق بن يحوم بن يحورث بن
أفيح بن ناحور بن بنيامين بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، عليه السلام، واسم طالوت
بالعبرانية: شاول، وكان دباغاً يعمل الأدم. قاله وهب، وقال عكرمة والسدي: كان سقاءً
يسقي على حمار له من النيل فضلّ حمارُه، فخرج في طلبه، وقد ذكر الله تعالى قصته في
القرآن في سورة البقرة، وملخصها: أن الله عز وجل بعث إلى بني إسرائيل نبياً، يقال له

١١١
٦٤ - كِتَابُ المَغَازِي / باب (٦)
أشمويل من ذرية هارون، عليه السلام، وكان قد غلب عليهم جالوت ملك العمالقة، وكانوا
يسكنون ساحل بحر الروم بين مصر وفلسطين، وطلب بنو إسرائيل من أشمويل أن يجعل
عليهم ملكاً يقاتل جالوت، فسأل الله فأمَّر عليهم طالوت. وذلك أن أشمويل حين سأل الله
ذلك أتى بعصا وقرن فيه دهن القدس، وقيل له: إن الذي يكون لكم ملكاً يكون طوله طول
هذا العصا، وإذا دخل عليك ينشف هذا الدهن، فاتفق أن طالوت حين خرج في طلب حماره
دخل عليه، فرآه فقاسه فجاء طول العصا ونشف الدهن الذي في القرن، ولما رأى أشمويل
ذلك قال له: أنت ملك بني إسرائيل، وأخبرهم بذلك.
وقال الله تعالى: ﴿وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً﴾ [البقرة:
٢٤٧]. وقصته طويلة، فآخر الأمر اجتمع عنده ثمانون ألفاً، فقال لهم طالوت بأمر أشمويل:
﴿إن الله مبتليكم بنهر﴾ [البقرة: ٢٤٩]. ليرى طاعتكم، وهو نهر الأردن، وقال ابن كثير: هو
النهر المسمى بالشريعة ﴿فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني﴾ [البقرة:
٢٤٩]. يعني من أهل ديني وطاعتي ﴿فشربوا منه إلاّ قليلاً﴾ [البقرة: ٢٤٩]. وهم ثلاثمائة
وبضعة عشر كما ذكر في حديث الباب، وكان فيهم داود، عليه السلام، فلما وقعت المقاتلة
بين طالوت وجالوت عند قصر أم حكيم بقرب مرج الصفر بحوران من نواحي دمشق، قتل
داود جالوت كما أخبر الله في كتابه العزيز، ومات أشمويل بعد انكسار جالوت وكان عمره
اثنين وخمسين سنة، ثم إن طالوت اشتغل بالغزو حتى قتل هو وأولاده جميعاً، وكانت مدة
ملكه أربعين سنة، وكان أحلم الناس وأعلمهم وأطولهم، فلذلك سمي: طالوت، وقيل: أوحي
إليه ونبيء، ذكره الزمخشري، والله أعلم. ثم افترقت أسباط بني إسرائيل فملك سبط يهوذا،
داود عليه السلام، ابن إيشا، قوله: ((جازوا)) معه النهر بالجيم والزاي وهو رواية الكشميهني
بغير ألف في أوله، وفي رواية غيره، وأجازوا، بالألف وفي رواية إسرائيل: جاوزوا، من
المجاوزة والكل بمعنى التعدية، وقد مر تفسير النهر وتفسير بضعة أيضاً عن قريب. قوله: ((لا
والله)) كلمة: لا، إما لنفي كلام تقدم بينهم فيما يتعلق بالمسألة، وإما زائدة لتأكيد معنى عدم
المجاوزة.
٩/ ٣٩٥٨ - حدّثنا عبدُ الله بنُ رَجاءٍ حدَّثنا إسْرَائِيلُ عنْ أَبِي إِسْحَاقَ عنِ البَرَاءِ قال
كُنَّا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ عَ لَلِ فَتَحَدَّثَ أنَّ ◌ِدَّةَ أَصْحَابٍ بَدْرٍ عَلَى عِدَّةِ أَصْحَابٍ طالُوتَ الَّذِينَ
جاوَزُوا معَهُ النَّهْرَ وَلَمْ يُجَاوِزْ مَعَهُ إِلاَّ مُؤْمِنٌ بِضْعَةَ عَشَرَ وَثَلاثَمِائَةٍ. [انظر الحديث ٣٩٥٧
وأطرافه].
هذا طريق آخر في حديث البراء أخرجه عن عبد الله بن رجاء - ضد الخوف -
البصري عن إسرائيل بن يونس عن جده أبي إسحاق عمرو بن عبد الله. قوله: ((أصحاب
محمد)» بالرفع مبتدأ، و ((نتحدث)) مع فاعله خبره، والجملة في محل النصب خبر كان.
قوله: ((أصحاب بدر)) أي: أصحاب غزوة بدر. قوله: ((على عدة أصحاب طالوت)) خبر: إن،
وكلمة: على، بمعنى الاستعلاء المعنوي، وفي الحقيقة تؤدي معنى التشبيه ولا تخفى

١١٢
٦٤ - كِتَابُ المَغَازِي / باب (٧)
المشابهة بين القضيتين من وجوه لا تخفى.
٣٩٥٩/١٠ _ حدَّثني عبْدُ الله بنُ أَبِي شَيْبَةَ حدَّثنا يَخيِّى عن سُفْيَانَ عنْ أَبِي
إِسحَاقَ عنِ البَرَاءِ ح وحدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ أخْبِرَنَا سُفْيَانُ عنْ أبِي إِسْحَاقَ عنِ البَرَاءِ رضي
الله تعالى عنه قال كُنَّا نتَحَدَّثُ أنَّ أَصْحَابَ بَدْرٍ ثَلاثُمِائَةٍ وبِضْعَةَ عشَرَ بِعِدَّةِ أَصْحَابٍ طالُوتَ
الَّذِينَ جاوَزُوا معَهُ النَّهْرَ وما جاوَزَ معَهُ إلَّ مُؤمِنٌ. [انظر الحديث ٣٩٥٧ وأطرافه].
هذان طريقان آخران في حديث البراء: أحدهما: عن عبد الله وهو عبد الله بن محمد
ابن أبي شيبة واسمه إبراهيم وكنية عبد الله أبو بكر العبسي الكوفي أخو عثمان بن أبي شيبة
عن يحيى بن سعيد القطان الأحول البصري عن سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن البراء،
وأخرجه ابن ماجه في الجهاد عن بندار عن أبي عامر العقدي. والطريق الثاني: عن محمد
ابن كثير العبدي البصري عن سفيان الثوري عن أبي إسحاق.
٧ - بابُ دُعاءِ النَّبِيِّ عَّهِ عَلَى كُفَّارِ قُرَيْشِ شَيْبَةً وعُثْبَةَ والوَلِيدِ وأبِي جَهْلِ بنِ
هِشام وهَلاً کِهِمْ
أي: هذا باب في بيان دعاء النبي عَّمِ على كفار قريش، وهذه الترجمة ثبتت لأكثر
الرواة وسقطت في رواية أبي ذر عن المستملي والكشميهني.
قوله: ((شيبة))، هو ابن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، وقال بعضهم: شيبة بن
ربيعة بالجر وبالفتح على البدلية، وكذا عتبة. قلت: من له مساس بالعربية لا يعرف كذا، بل
شيبة لا ينصرف للعلمية والتأنيث، فيكون مفتوحاً في محل الجر، وهو وما بعده عطف بيان
لكفار قريش، و: عتبة، بضم العين المهملة وسكون التاء المثناة من فوق: ابن ربيعة المذكور،
والوليد، بفتح الواو: وهو ابن عتبة المذكور، وأبو جهل اسمه عمرو بن هشام بن المغيرة بن
عبد الله بن عمر بن مخزوم، وكان يكنى أبا الحكم فكناه رسول الله، عَ ليه، أبا جهل. قوله:
((وهلاكهم)) بالجر، أي: وفي بيان هلاكهم، فقبل الله دعاءه وكلهم قتلوا يوم بدر، أما شيبة
فقتله حمزة بن عبد المطلب، رضي الله تعالى عنه، وأما عتبة فقتله عبيد بن الحارث بن
المطلب، وقال ابن هشام: اشترك فيه هو وحمزة وعلي، رضي الله تعالى عنهم، وأما الوليد
فقتله علي بن أبي طالب، وأما أبو جهل فقتله معاذ بن عمرو بن جموح ومعاذ بن عفراء وعبد
الله بن مسعود، وقد جز رأسه وأتى به إلى النبي معد له.
١١/ ٣٩٦٠ - حدَّثني عَمْرُو بنُ خالِدٍ حدَّثنا زُهَيْرٌ حدَّثنا أَبُو إِسْحَاقَ عنْ عَمْرِو بنِ
مَيْمُونٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ مسعُودٍ رضي الله تعالى عنه قال اسْتَقْبَلَ النَّبيُّ عَ لِّ الْكَعْبَةَ فَدَعَا عَلَى
نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى شَيْبَةَ بنِ رَبِيعَةَ وعُثْبَةَ بنِ رَبِيعَةً والوَلِيدِ بنِ عُثْبَةً وأبِي جَهْلِ بنِ هِشَامٍ
فَأَشْهَدُ بالله لقَدْ رَأيْتُهُمْ صَرْعَى قَدْ غَيَّرَتْهُمْ الشَّمْسُ وكانَ يَوْمَاً حاراً. [انظر الحديث ٢٤٠
وأطرافه].

١١٣
٦٤ - كِتَابُ المَغَازِي / باب (٨)
مطابقته للترجمة ظاهرة، والحديث قد مر في كتاب الوضوء في: باب إذا ألقي على
المصلي قذر، وفي كتاب الصلاة في: باب المرأة تطرح على المصلي شيئاً من الأذى، بأتم
منه وأطول. قوله: ((صرعى))، جمع: صريع، أي: مطروحين بين القتلى في المصارع التي
عينها رسول الله، عَّ له قبل القتال.
٨ - بابُ قَتْلِ أبِي جَهْلٍ
أي: هذا باب في بيان قتل أبي جهل، أي: في كيفية قتله، وهذه الترجمة ثبتت لغير
أبي ذر، قيل: سقوطها أوجه لأن فيه هلاك غير أبي جهل أيضاً. قلت: وفي بعض النسخ
أيضاً: باب قتل أبي جهل وغيره، فعلى هذا ثبوتها أوجه.
٣٩٦١/١٢ - حدّثنا ابنُ نَُيْرِ حدثنا أبو أُسامَةَ حدَّثنا إِسْمَاعِيلُ أُخْبرَنا قَيْسٌ عنْ عَبْدِ
الله رضي الله تعالى عنهُ أنَّهُ أَتَّى أبَا جَهْلٍ وبِهِ رَمَقٌ يَوْمَ بَدْر فقال أبُو جَهْلٍ هَلْ أَعْمِدُ مِنْ
رَجُلٍ قَتَلْتُمُوهُ.
مطابقته للترجمة ظاهرة. وابن نمير هو محمد بن عبد الله بن نمير، وقد مر غير مرة، وأبو
أسامة حماد بن أسامة، وإسماعيل هو ابن أبي خالد الأحمسي البجلي والحديث من أفراده.
قوله: ((رمق)) وهو بقية الروح يتردد في الحلق. قوله: ((هل أعمد من رجل؟)) أي: هل
أعجب من رجل قتله قومه؟ يعني: ليس قتلكم لي إلاَّ قتل رجل قتله قومه، لا يزيد على ذلك
ولا هو فخر لكم ولا عار علي، يقال: أنا أعمد من كذا، أي: أعجب منه، وقيل: أعمد،
بمعنى: أغضب، من قولهم: عمد عليه إذا غضب، والحاصل أنه يهون على نفسه ما حل به
من الهلاك وأنه ليس بعار عليه أن يقتله قومه، وقال السهيلي: هو عندي من قولهم: عمد
البعير يعمد، إذا انفضح سنامه فهلك، أي: أهلك من رجل قتله قومه. وقال أبو عبيد: معناه:
هل زاد على سيده قتله قومه؟ وعن عبيدة: أي هل كان ذلك إلاَّ هذا؟ يقول: إن هذا ليس
بعار علي وفي (تهذيب) الأزهري: قال شمر: هذا استفهام أي: أعجب من رجل قتله قومه،
وقد ذكرنا هذا.
٣٩٦٢/١٣ - حدّثنا أحْمَدُ بنُ يُونُسَ حدَّثنا زُهَيْرٌ حدَّثنا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ أنَّ أَنَسَاً
حدَّثَهُمْ قال قال النَّبِيُّ عَّله ح وحدَّثني عَمْرُو بنُ خالِدٍ حدَّثنا زُهَيْرٌ عنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عنْ
أَنَسٍ رضي الله تعالى عنه قال قال النَّبيُّ عََِّّ منْ يَنْظُرُ ما صنعَ أَبُو جَهْلٍ فانْطَلَقَ ابنُ مَسْعُودٍ
فَوَجَدَهُ قَدْ ضرَبَهُ ابْنا عَفْرَاءَ حتَّى بِرَدَ قَال ◌َأَنتَ أَبُو جَهْلٍ قال فَأخَذَ بِلِحْيَّتِهِ قَال وهَلْ فَوْقَ رَجُلٍ
قتَلْتُمُوهُ أَوْ رَجُلٍ قتَلَهُ قَوْمُهُ قال أحْمَدُ بنُ يُونُسَ أَنْتَ أَبُو جَهْلٍ. [الحديث ٣٩٦٢ - طرفاه
في: ٣٩٦٣، ٤٠٢٠].
مطابقته للترجمة ظاهرة. وأخرجه من طريقين: أحدهما عن أحمد بن يونس هو أحمد
ابن عبد الله بن يونس اليربوعي الكوفي عن زهير بن معاوية الجعفي الكوفي عن سليمان بن
عمدة القاري/ ج١٧ م٨

١١٤
٦٤ - كِتَابُ المَغَازِي / باب (٨)
طرخان التيمي البصري عن أنس. وأخرجه مسلم في المغازي أيضاً عن علي بن حجر وعن
حامد بن عمر. والآخر: عن عمرو بن خالد الجزري، وسكن مصر عن زهير ... إلى آخره،
وقال الكرماني: الحديث من مراسيل الصحابة، لأن الأصح أن أنساً لَمُ يشهد بدراً، قلت: قد
ذكرنا عن قريب عن أبي داود أنه روى بإسناد صحيح عن أنس أنه قال: كنت أمنح الماء
لأصحابي يوم بدر.
قوله: ((ابنا عفراء))، يعني: معاذاً ومعوذاً، وفي (صحيح مسلم): أن اللذين قتلاه: معاذ
ابن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء، وهو ابن الحارث بن رفاعة بن سواد، وعفراء أمه،
وهي ابنة عبيد بن ثعلبة النجارية، وكذلك تقدم في كتاب الجهاد في: باب من لم يخمس
الأسلاب أن معاذ بن عمرو هو الذي قطع رجل أبي جهل وصرعه ثم ضربه معوذ بن عفراء
حتى أثبته ثم تركه وبه رمق فدفق عليه عبد الله بن مسعود واحتز رأسه. فإن قلت: ما وجه
الجمع بين هذه الأقاويل؟ قلت: لعل القتل كان بفعل الكل فأسند كل راوٍ إلى ما رآه من
الضرب أو من زيادة الأثر على حسب اعتقاده. قوله: ((حتى برد))، بفتحتين أي: حتى مات.
قوله: ((قال))، أي: ابن مسعود: أنت أبو جهل؟ هذا على أصل رواية المستملي وحده، وفي
رواية الأكثرين: أنت أبا جهل، بالنصب على النداء أي: أنت مصروع يا أبا جهل، أو هو على
مذهب من يقول: ولو ضربه يا أبا قبيس، أو تقديره: أنت تكون أبا جهل؟ وخاطبه بذلك
مقرعاً له ومتشفياً منه، لأنه كان يؤذيه بمكة أشد الأذى، وعند أبي إسحاق والحاكم من
حديث ابن عباس، قال ابن مسعود: فوجدته بآخر رمق فوضعت رجلي على عنقه، فقلت:
أخزاك الله يا عدو الله، قال: وبما أخزاني؟ هل أعمد من رجل قتلتموه؟ وقال عياض: إن ابن
مسعود إنما وضع رجله على عنق أبي جهل ليصدق رؤياه، فإنه رأى ذلك في المنام، قال:
وزعم رجال من بني مخزوم أنه قال: لقد ارتقيت يا رويعي الغنم مرتقى صعباً، قال: ثم
احتززت رأسه فجئت به رسول الله، عَّله، فقلت: هذا رأس عدو الله أبي جهل، فقال: والله
الذي لا إله إلاَّ هو، فحلف له، ويقال: مر ابن مسعود على أبي جهل فقال: الحمد لله الذي
أخزاك وأعز الإسلام، فقال أبو جهل: أتشتمني يا رويع هذيل؟ فقال: نعم والله وأقتلك، فحذفه
أبو جهل بسيفه، وقال: دونك هذا إذاً، فأخذه عبد الله فضربه حتى قتله، وجاء به إلى النبي
عَّله، وقال: يا رسول الله! قتلت أبا جهل، فقال: الله الذي لا إله إلاَّ هو، فحلف له، فأخذه
النبي عٍَّ، بيده ثم انطلق معه حتى أراه إياه، فقام عنده، وقال: الحمد لله الذي أعز الإسلام
وأهله، ثلاث مرات، وعن أبي إسحاق: لما جاء النبي عَّلِّ البشير بقتل أبي جهل استحلفه
ثلاثة أيمان بالله الذي لا إله إلاَّ هو لقد رأيته قتيلاً، فحلف له، فخر عَّه ساجداً. قوله: ((وهل
فوق رجل قتلتموه؟))، قال النووي: أي: لا عار في قتلكم إياي. قوله: ((أو رجل قتله قومه))،
شك من الراوي، وهو سليمان التيمي بيَّنه ابن علية عنه، وقال التيمي أيضاً: قال أبو مجلز:
قال أبو جهل: فلو غير أكّار قتلني؟ وهذا في مسلم، وهو مرسل، وأبو مجلز بكسر الميم
وسكون الجيم وفتح اللام وفي آخره زاي، واسمه لاحق بن حميد السدوسي البصري التابعي

١١٥
٦٤ - كِتَابُ المَغَازِي / باب (٨)
المشهور، وروى عنه سليمان التيمي وغيره، والأكّار، بفتح الهمزة وتشديد الكاف وفي آخره
راء، وهو الزراع، وأراد بذلك ابني عفراء لأنهما من الأنصار وهم أصحاب زرع ونخل، وأشار
بذلك إلى تنقيصهم.
قوله: ((أحمد بن يونس)) وهو شيخه في الطريق الأول للحديث المذكور، أي: قال
أحمد في روايته: قال ابن مسعود: أنت أبو جهل؟ على الأصل، وعامة الرواة على قوله: أنت
أبو جهل، وقد ذكرنا وجهه.
١٤/ ٣٩٦٣ _ حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى حدَّثنا ابنُ أَبِي عَدِيٍ عنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ
عنْ أَنَسٍ رضي الله تعالى عنه قال قال النَِّيُّ عَ ◌ّهِ يَوْمَ بَدْرٍ مَنْ يَنْظُرُ ما فَعَلَ أَبُو جَهْلٍ فَانْطَلَقَ
ابنُّ مَسْعُودٍ فَوَجِدَهُ قَدْ ضَرَبَهُ ابْنَا عَفْرَاءَ حتَّى بِرَدَ فَأَخَذَ بِلِحْيَتِهِ فقال أَنْتَ أَبًا جَهْلٍ قَال وهَلْ
فَوْقَ رَجُلٍ قَتَلَهُ قَوْمُهُ أَوْ قال قَتَلْتُمُوهُ. [انظر الحديث ٣٩٦٢ وطرفه].
هذا طريق آخر في حديث أنس أخرجه عن محمد بن المثنى عن ابن أبي عدي، بفتح
العين المهملة وكسر الدال وتشديد الياء: واسمه محمد بن إبراهيم أبو عمرو البصري،
وإبراهيم هو اسم أبي عدي السلمي عن سليمان التيمي. قوله: ((ما فعل أبو جهل؟)) وفي
الحديث السابق: ((ما صنع أبو جهل)). و: فعل، من أعم الأفعال بخلاف صنع. قوله: ((حتى
برد))، قد ذكرنا أن معناه: مات، وفي رواية لمسلم: ((حتى برك))، يعني حتى سقط على
الأرض. قال القاضي: رواية الجمهور: ((برد))، يعني بالدال، واختار جماعة محققون الكاف.
١٥ - حدَّثني ابنُ المُثَنَّى أَخْبَرَنَا مُعَاذُ بنُ مُعاذٍ حدَّثنا سُلَيْمَانُ أخبرَنَا أَنَسُ بنُ
مالِكِ نَحْوَهُ
هذا طريق آخر في حديث أنس أخرجه عن محمد بن المثنى عن معاذ، بضم الميم:
ابن معاذ التيمي عن أنس، رضي الله تعالى عنه، زاد هنا اسم والد أنس، كما نراه.
٣٩٦٤/١٦ _ حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قال كَتَبْتُ عنْ يُوسُفَ بنِ المَاحِشُونِ عنْ
صَالِحِ بنِ إِبْرَاهِيمَ عنْ أَبِيهِ عنْ جَدَّهِ في بَدْرٍ يَعْنِي حَدِيثَ اثْنَيْ عِفْرَاءَ.
[انظر الحديث ٣١٤١ وطرفه].
علي بن عبد الله هو ابن المديني. قوله: ((كتبت)) كناية عن سمعت لأن الكتابة
لازم السماع عادة، وقول بعضهم: ظاهره أنه كتبه عنه ولم يسمعه منه، بعيد ظاهراً، ويوسف
بن الماجشون هو يوسف بن يعقوب بن عبد الله بن أبي سلمة، واسمه دينار، والماجشون هو
لقب يعقوب، وتفسيره المورد، وقد ذكر فيما مضى مستقصّى، وإبراهيم هو ابن عبد الرحمن
ابن عوف يروي عنه ابنه صالح، وصالح يروي عن أبيه إبراهيم عن جده عبد الرحمن،
والضمير في جده يرجع إلى صالح.
والحديث مضى مطولاً في كتاب الخمس في: باب من لم يخمس الأسلاب، فإنه

١١٦
٦٤ - كِتَابُ المَغَازِي / باب (٨)
أخرجه هناك عن مسدد عن يوسف بن الماجشون ... إلى آخره. ومر الكلام فيه هناك
مستقصىّ. قوله: ((في بدر)) أي: في قصة غزوة بدر، قوله: ((يعني حديث ابني عفراء))، أراد
به الحديث الذي مضى في الخمس.
١٧/ ٣٩٦٥ - حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله الرَّقَاشِيُّ حدَّثنَا مُعْتَمِرٌ قال سَمِعْتُ أَبِي
يَقُولُ حدَّثنا أبُو مِجْلٍَ عنْ قَيْسٍ بِنِ عُبَادٍ عنْ علِيٌّ بنِ أبِي طالِبٍ رضي الله تعالى عنهُ أنَّهُ
قال أنا أوَّلُ مَنْ يَجْتُو بَيْنَ يدَيِّ الرَّحْمنِ لِلْخُصُومَةِ يَوْمَ القِيَامَةِ وقال قَيْسُ بنُ عُبَادٍ وَفِيهِمْ
أُنْزِلَتْ ﴿هِذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩]. قال هُمُ الَّذِينَ تَبَارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ
حَمْزَةٌ وعَلِيٌّ وعُبَيْدَةُ أَوْ أَبُو عُبَيْدَةَ بنُ الحَارِثِ وَشَيْبَةُ بنُ رَبِيعَةً وعُثْبَةُ بنُ رَبِيعَةً والوَلِيدُ بنُ
عُتْبَةَ. [الحديث ٣٩٦٥ - طرفاه في: ٣٩٦٧، ٤٧٤٤].
مطابقته للترجمة ظاهرة، ومحمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الملك بن مسلم
الرقاشي والد أبي قلابة عبد الملك بن محمد البصري وهو شيخ مسلم أيضاً، والرقاشي، بفتح
الراء والقاف المخففة وبالشين المعجمة فى ربيعة بن نزار نسبة إلى رقاش بنت ضبيعة بن
قيس بن ثعلبة، ومعتمر هو ابن سليمان يروي عن أبيه سليمان بن طرخان التيمي البصري،
وأبو مجلز ضبطناه عن قريب في هذا الباب، وقيس بن عباد، بضم العين المهملة وتخفيف
الباء الموحدة: الضبعي البصري، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث وحديث آخر تقدم
في مناقب عبد الله بن مسلم، وفيه: ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، وهم: سليمان
ابن طرخان، وأبو مجلز، وقيس بن عباد.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في التفسير عن حجاج بن منهال. وأخرجه النسائي
في السير عن هلال بن بشر البصري.
قوله: ((أنا أول من يجثو))، أراد بالأولية تقييده بالمجاهدين من هذه الأمة، لأن
المبارزة المذكورة أول مبارزة وقعت في الإسلام. و: يجثو، بالجيم والثاء المثلثة: من جثا
يجثو أي: يقعد على ركبتيه مخاصماً. قوله: ((وقال قيس بن عباد))، موصول بالإسناد
المذكور. قوله: ((فيهم أنزلت))، أي: في علي وحمزة وعبيدة بن الحارث، وروى قيس بن
عباد، على ما يجيء الآن، أن أبا ذر الغفاري كان يقسم بالله سبحانه، أنزلت هذه الآية، يعني:
قوله: ﴿هذان خصمان اختصموا﴾ [الحج: ١٩]. في ستة نفر من قريش تبارزوا يوم بدر:
حمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب وعبيدة بن الحارث، رضي الله تعالى عنهم،
وعتبة وشيبة ابني ربيعة، والوليد بن عتبة. قوله: ((هذان خصمان))، الخصم صفة يوصف بها
الفوج أو الفريق، كأنه قيل: هذان فوجان أو فريقان يختصمان، وهذان بالنظر إلى اللفظ،
واختصموا بالنظر إلى المعنى، وقال الله تعالى في حق أحد الفريقين، الذين كفروا، وهم: عتبة
وشيبة والوليد: ﴿فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار ... ﴾ [الحج: ١٩]. الآية. قوله: ((هم
الذين تبارزوا))، من التبارز، وهو الخروج من الصف على الإنفراد للقتال. قوله: ((حمزة))،

١١٧
٦٤ - كِتَابُ المَغَازِي / باب (٨)
بالرفع مع ما عطف عليه عطف بيان لقوله: هم الذين تبارزوا، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ
محذوف تقديره: أحدهم حمزة والثاني علي ... إلى آخره، بهذا التقدير، ولم يقع في هذه
الرواية تفصيل المبارزين، وذكر ابن إسحاق أن عبيدة بن الحارث وعتبة بن ربيعة كانا أسن
القوم، فبرز عبيدة لعتبة وحمزة لشيبة وعلي للوليد، وفي رواية موسى بن عقبة: برز حمزة
العتبة، وعبيدة لشيبة، وعلي للوليد، ثم اتفقا فقتل علي الوليد، وقتل حمزة الذي بارزه،
واختلف عبيدة ومن بارزه بضربتين، فوقعت الضربة في ركبة عبيدة فمات منها، لما رجعوا
بالضغراء، ومال حمزة وعلي إلى الذي بارز عبيدة فأعاناه على قتله، وعبيدة - مصغر عبدة -
ابن الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف القرشي، كان أسن من رسول الله، عَّ له، بعشر
سنين، أسلم قبل دخوله، عَّه، دار الأرقم، وكان عمره يوم مات ثلاثاً وستين سنة.
٣٩٦٦/١٨ - حدّثنا قَبِيصَةُ حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ أَبِي هاشِمٍ عنْ أَبِي مَجْلَزِ عنْ قَيْسٍ
ابنِ عُبادٍ عنْ أَبِي ذَرّ رضي الله تعالى عنه قال نَزَلَتْ ﴿هذانِ خَضْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾
[الحج: ١٩] في سِنَّةٍ مِنْ قُرَيْشٍ عَلِيّ وحَمْزَةَ وعُبَيْدَةَ بنِ الحَارِثِ وَشَيْبَةَ بنِ رَبِيعَةَ وعُثْبَةَ بنِ
رَبِيعَةَ وَالْوَلِيدِ بنِ عُثْبَةَ. [الحديث ٣٩٦٦ - أطرافه في: ٣٩٦٨، ٣٩٦٩، ٤٧٤٣].
قيس بن عباد المذكور روى هذا الحديث عن علي وأبي ذر كليهما، وسفيان هو ابن
عيينة، وأبو هاشم اسمه يحيى بن دينار الرماني لنزوله قصر الرمان الواسطي. والحديث أخرجه
البخاري أيضاً هنا عن يحيى بن جعفر وعن يعقوب بن إبراهيم، وفي التفسير عن حجاج بن
منهال. وأخرجه مسلم في آخر كتابه: عن عمرو بن زرارة وعن أبي بكر بن أبي شيبة وعن
ابن المثنى. وأخرجه النسائي في السير وفي المناقب عن محمد بن منيع وعن سليمان بن
عبيد الله وفي التفسير عن بندار، وأخرجه ابن ماجه في الجهاد عن يحيى بن حكيم وعن
محمد بن إسماعيل.
٣٩٦٧/١٩ - حدّثنا إسْحَاقُ بنُ إبْرَاهِيمَ الصَّوَّافُ حدَّثنا يُوسُفُ بنُ يَعْقُوبَ كانَ
يَنْزِلُ فِي بَنِي ضُبَيْعَةً وهْوَ مَوْلَّى لِبَنِي سَدُوسَ حدَّثنا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ عنْ أَبِي مِجْلٍَ عنْ قَيْسٍ
ابن ◌ُبَادٍ قال قال عَلِيٍّ رضي الله تعالى عنهُ فِينا نَزَلَتْ لهذِهِ الآيَةَ ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا
فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩]. [انظر الحديث ٣٩٦٥ وطرفه].
هذا طريق آخر في حديث علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه، أخرجه عن
إسحاق بن إبراهيم الصواف البصري وهو من أفراده عن يوسف بن يعقوب أبو يعقوب
السدوسي مولاهم، ويقال له: الضبعي، لأنه كان ينزل بني ضبيعة، بضم الضاد المعجمة وفتح
الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وبالعين المهملة، وكان بقفاه سلعة فقيل له: السلعي
وهو البصري، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث.
٢٠ / ٣٩٦٨ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ جَعْفَرٍ أُخْبَرَنَا وكِيعٌ عنْ سُفْيَانَ عنْ أَبِي هاشِمِ عنْ
أبي مِجْلَزٍ عنْ قَيْسٍ بنِ عُبَادٍ سَمِعْتُ أَبًا ذَرّ رضي الله تعالى عنه يُقْسِمُ لَنَزَلَتْ هُؤْلاَءِ الْآيَاتُ

١١٨
٦٤ - كِتَابُ المَغَازِي / باب (٨)
في لهؤلاءِ الرَهْطِ السِّنَّةِ يَوْمَ بَدْرٍ نَحْوَهُ. [انظر الحديث ٣٩٦٦ وأطرافه].
هذا طريق آخر في حديث أبي ذر أخرجه عن يحيى بن جعفر بن أعين أبو زكريا
البخاري البيكندي، وهو من أفراده، وسفيان هو الثوري. قوله: ((يقسم)) بضم الياء أي:
يحلف، واللام في: لنزلت، للتأكيد وأراد بالآيات قوله تعالى: ﴿هذان خصمان اختصموا﴾
[الحج: ١٩]. إلى تمام ثلاث آيات، وقال مجاهد: سألت ابن عباس، فقال: سورة الحج نزلت
بمكة سوى ثلاث آيات منها نزلت بالمدينة في ستة نفر من قريش ثلاثة مؤمنون وثلاثة
كافرون، فالمؤمنون: علي وحمزة وعبيدة، رضي الله تعالى عنهم، وذكر الباقي مثل ما في
الكتاب، فنزلت فيهم: ﴿هذان خصمان﴾ [الحج: ١٩]. إلى تمام ثلاث آيات. قلت: ثلاثة من
المسلمين من بني عبد مناف، وثلاثة من المشركين من بني عبد شمس بن عبد مناف.
٢١/ ٣٩٦٩ - حدّثنا يَعْقُوبُ بنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ حدَّثنا هُشَيْمٌ أُخْبِرَنا أبُو هاشِمٍ عنْ
أبِي مِجْلَزِ عنْ قَيْسٍ قال سَمِعْتُ أبا ذَرٍ يُقْسِمُ قَسَمَاً إِنَّ لهذِهِ الآيَةَ ﴿هذان خَصْمانِ اخْتَصَمُوا
في رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩]. نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ بَرزُوا يَوْمَ بَدْرٍ حَمْزَةَ وعَلِيّ وعُبَيْدَةَ بنِ الحارِثِ
وعُتْبَةَ وشَيْبَةَ ابْنَيْ رَبِيعَةَ والوَلِيدِ بنِ عُتْبَةَ. [انظر الحديث ٣٩٦٦ وطرفه].
هذا طريق آخر في حديث أبي ذر، رضي الله تعالى عنه، أخرجه عن يعقوب بن
إبراهيم الدورقي عن هشيم، بضم الهاء وفتح الشين المعجمة ابن بشير، بضم الباء الموحدة
وفتح الشين المعجمة: الواسطي عن أبي هاشم الرماني عن أبي مجلز لاحق عن قيس بن
عباد. قوله: ((قسماً)) نصب على أنه مفعول مطلق. قوله: ((في الذين)) أي: في الرهط الذين.
قوله: ((حمزة)) بفتح التاء في موضع الجر لأنه غير منصرف، و: علي، بالجر عطف عليه، و:
عبيدة، أيضاً بالفتح في موضع الجر لأنه معطوف على المجرور، وكذلك: عتبة وشيبة قوله:
((والوليد» بالجر لكونه معطوفاً على المجرورات.
٣٩٧٠/٢٢ - حدَّثني أحْمَدُ بنُ سَعِيدٍ أَبُو عَبْدِ الله حدَّثنا إسْحَاقُ بنُ مَنْصُورٍ حدَّثنا
إبْرَاهِيمُ بنُ يُوسُفَ عنْ أبِيهِ عنْ أَبِي إِسْحَاقَ سألَ البَرَاءَ وأنَا أسْمَعُ قال أَشَهِدَ عَلِيٌّ بَدْرَاً قال
بارَزَ وظَاهَرَ.
مطابقته للترجمة ظاهرة. وأحمد بن سعيد بن إبراهيم أبو عبد الله المعروف بالرباطي،
وهو شيخ مسلم أيضاً، وإسحاق بن منصور أبو عبد الله السلولي الكوفي، وإبراهيم بن يوسف
ابن إسحاق بن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، وإبراهيم يروي عن أبيه يوسف
ويوسف يروي عن جده أبي إسحاق، وإسحاق مات قبل أبيه. والحديث من أفراده.
قوله: ((وأنا أسمع)) أي: والحال أنا أسمع سؤال السائل المذكور عن البراء. قوله:
((قال)) أي: السائل المذكور. قوله: ((أشهد)) الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الاستخبار، و:
شهد، فعل ماضٍ بمعنى: حضر، وعلي بن أبي طالب بالرفع فاعله. قوله: ((بدراً)) أي: غزوة
بدر، قال: أي البراء بارز من المبارزة، وقد مر تفسيرها عن قريب. قوله: ((وظاهر)) بلفظ

١١٩
٦٤ - كِتَابُ المَغَازِي / باب (٨)
الماضي أيضاً، أي: لبس درعاً على درع، ويروى: ظهر من الظهور، وفي الكلام حذف،
تقديره: قال: نعم شهد بدراً وبارز وظاهر.
٣٩٧١/٢٣ _ حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عبد الله قال حدَّثني يُوسُفُ بنُ الْمَاجِشُونِ عِنْ
صالِحِ بنِ إِبْرَاهِيمَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بنِ عَوْفٍ عنْ أَبِيهِ عنْ جَدِّهِ عبْدِ الرَّحْمنِ قال كاتَبْتُ أُمَيَّةَ
ابنَ خَلَفٍ فَلَمَّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ فَذَكَرَ قَتْلَهُ وَقَتْلَ ابْنِهِ فقال بِلاَلٌ لاَ نَجَوْتُ إِنَّ نَجا أُمَيَّةُ. [انظر
الحديث ٢٣٠١].
هذا الحديث بهذا الإسناد والمتن قد مر في كتاب الوكالة في: باب إذا وكل مسلم
حربياً، بأم منه وأطول.
قوله: ((كاتبت)) معناه: عاهدت ((أمية بن خلف)) بفتحتين، ولفظ الذي في كتاب
الوكالة: كاتبت أمية بن خلف كتاباً بأن يحفظني في صاغيتي بمكة وأحفظه في صاغيته،
وصاغية الرجل خاصته والذين يميلون إليه ويأتونه. قوله: ((فذكر قتله) أي: قتل أمية، وتفسيره
في الحديث الذي في الوكالة، وهو أن عبد الرحمن قال: فلما كان في يوم بدر خرجت إلى
جبل لأحرزه حين نام الناس، فأبصره بلال فخرج حتى وقف على مجلس من الأنصار، فقال
أمية بن خلف: لا نجوت إن نجا أمية، فخرج معه فريق من الأنصار في آثارنا، فلما خشيت
أن يلحقونا خلفت لهم ابنه لإشغالهم فقتلوه، ثم أبوا حتى يتبعونا، وكان رجلاً ثقيلاً، فلما
أدركونا قلت له: ابرك فبرك، فألقيت عليه نفسي لأمنعه فتخللوه بالسيوف من تحتي حتى
قتلوه. قوله: ((فقال بلال: لا نجوت إن نجا أمية)) قال الكرماني: فقتله بلال لأنه كان قد
عذب بلالاً كثيراً في المستضعفين بمكة، وقيل فيه:
فقد أدركت ثأرك يا بلال
هنيئاً زادك الرحمن فضلاً
قلت: الحديث لا يدل على أن بلالاً اختص بقتل أمية، وقال ابن إسحاق: أمية بن
خلف قتله رجل من الأنصار من بني مازن، وقال ابن هشام: ويقال: قتله الحصن بن الحارث
ابن عبد المطلب، ويمكن أن يكون بلال مع الذين تخللوه بالسيوف تحت عبد الرحمن بن
عوف فصار من جملة القاتلين، وكان بلال اشتراه أبو بكر، رضي الله تعالى عنه، بمكة من أمية
ابن خلف كما ذكرناه.
٢٤/ ٣٩٧٢ - حدّثنا عبْدَانُ بنُ عُثْمَانَ قال أخبَرَنِي أبي عنْ شُعْبَةَ عنْ أبِي إسْحَاقَ
عنِ الأُسْوَدِ عنْ عَبْدِ الله رضي الله تعالى عنهُ عنِ النَّبِيِّ عَّ ◌ُلِّ أَنَّهُ قَرَأ والنَّجْم فسَجَدَ بِهَا
وسَجَدَ مَنْ مَعَهُ غَيْرَ أنَّ شَيْخَاً أخذَ كَفَّأَ مِنْ تُرَابٍ فَرَفَعَهُ إلى جَبْهَتِهِ فَقال يَكْفِينِي هذَا: قال
عَبْدُ اللهِ فَلَقَدْ رَأيْتُهُ بَعْدُ قُتِلَ كافِرَاً. [انظر الحديث ١٠٦٧ وأطرافه].
مطابقته للترجمة تأتي على النسخة التي قيل فيها عدة أصحاب بدر وغيره، أو تقول:
المراد من قوله: شيخاً، هو أمية بن خلف وأنه قيل في غزوة بدر، وأنه قد ذكر في الحديث
السابق، فحصل بينهما التناسب من هذا الوجه. وعبدان هو عبد الله يروي عن أبيه عثمان بن

١٢٠
٦٤ - كِتَابُ المَغَازِي / باب (٨)
جبلة المروزي، وأبو إسحاق عمرو، والأسود بن يزيد وعبد الله بن مسعود، والحديث مر في:
أبواب سجود القرآن في: باب سجدة النجم، فإنه أخرجه هناك عن حفص بن عمر عن
شعبة ... إلى آخره.
٢٥ / ٣٩٧٣ _ أخْبَرَنِي إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسى حدَّثنا هِشامُ بنُ يُوسُفَ عَنْ مَعْمَرٍ عنْ
هِشَامٍ عنْ عُرْوَةً قال كانَ في الزُّبَيْرِ ثَلاثُ ضرَبَاتٍ بالسَّيْفِ إِحْدَاهُنَّ في عاتِقِه قال إنْ كُنْتُ
لَأُدْخِلُ أصَابِعِي فِيها قال ضُرِبَ ثِنْتَيْنِ يَوْمَ بَدْرٍ وَاحِدَةٌ يَوْمَ اليَرْمُوكِ قال عُرْوَةُ وقال لِي عَبْدُ
الْمَلِكِ بنُ مَرْوَانَ حِينَ قُتِلَ عَبْدُ الله بنُ الزُّبَيْرِ يا عُزْوَةَ هَلْ تَعْرِفُ سَيْفَ الزُّبَيْرِ قُلْتُ نَعَمْ قال
فَمَا فِيهِ قُلْتُ فِيهِ فَلَّةٌ فُلَّهَا يَوْمَ بَدْرٍ قال صَدَقْتَ:
بِهِنَّ قُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الكَتَّائِبِ
ثُمَّ رَدَّهُ عَلَى عُرْوَة قال هِشامٌ فَأَقَمْنَاهُ بَيْنَنَا ثَلاثَةُ آلافٍ وأَخَذَهُ بَعْضُنَا وَلَوَدِدْتُ أَنِّي
كُنْتُ أَخَذْتُهُ. [انظر الحديث ٣٧٢١ وطرفه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، فإنه يصرح بحضور الزبير بن العوام وقعة بدر، فيدخل في
العدة، وإبراهيم بن موسى هو أبو إسحاق الفراء الرازي، ومعمر - بفتح الميمين - يروي عن
هشام بن عروة بن الزبير.
قوله: ((أخبرني)) ويروى: حدثني. قوله: ((حدثنا هشام))، ويروى: أخبرنا هشام. قوله:
((إحداهن في عاتقه)) وتقدم في مناقب الزبير من طريق عبد الله بن المبارك عن هشام: أن
الضربات الثلاث كن في عاتقه، وكذا هو في الرواية التي بعده، والعاتق ما بين العنق
والمنكب. قوله: ((قال)) أي: عروة. قوله: ((إن كنت))، إن، هذه مخففة من الثقيلة. قوله:
(لأدخل)) من الإدخال، واللام فيه للتأكيد، وفاعله هو عروة. قوله: ((أصابعي فيها)) وفي رواية
الكشميهني: فيهن، وزاد في المناقب، وفي الرواية التي بعدها: ألعب وأنا صغير. قوله:
((ضرب ثنتين يوم بدر وواحدة يوم اليرموك))، وفي رواية المبارك: أنه ضرب يوم اليرموك
ضربتين على عاتقه بينهما ضربة ضربها يوم بدر، قيل: إن كان اختلافاً على هشام فرواية ابن
المباك أثبت لأن في حديث معمر عن هشام مقالاً، وإلاَّ فيحتمل أن يكون كان فيه في غير
عاتقه ضربتان أيضاً، فيجمع بذلك بين الخبرين، و: اليرموك، بفتح الياء آخر الحروف، وقيل
بالضم أيضاً وسكون الراء وضم الميم وسكون الواو وفي آخره كاف، قال الكرماني: هو
موضع بناحية الشام، وقال بعضهم: من نواحي فلسطين، ويقال: إنه نهر. قلت: اليرموك موضع
بين أذرعات ودمشق، وكانت به وقعة عظيمة بين المسلمين وأميرهم أبو عبيدة بن الجراح،
رضي الله تعالى عنه، وبين عسكر الروم، وأرسلهم هرقل وأميرهم يسمى ماهان الأرمني، وقال
سيف بن عمر: كانت وقعة يرموك في سنة ثلاث عشرة من الهجرة قبل فتح دمشق، وتبعه
على ذلك ابن جرير الطبري، وقال إبن إسحاق: كانت في سنة خمس عشرة بعد فتح دمشق،
وعليه الجمهور، وقتل فيها من المسلمين أربعة آلاف نفس ومن الروم زهاء على مائة ألف