النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
٦٠ - كِتابُ أَحَادِيثِ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلاَمُ / باب (٥٦)
الجبال، فبلغ معاذاً فأنكره. وقال: بل هو شهادة ورحمة ودعوة نبيكم، وكان بالكوفة طاعون
فخرج المغيرة منها، فلما كان في حضار بني عوف طعن فمات. وأما عمر بن الخطاب،
رضي الله تعالى عنه، فإنه رجع من سرع ولم يقدم عليه حين قدم الشام وذلك لدفع الأوهام
المشوشة لنفس الإنسان، وتأول من فر أنه لم ينة عن الدخول أو الخروج مخافة أن يصيبه غير
المقدر، ولكن مخافة الفتنة أن يظنوا أن هلال القادم إنما حصل بقدومه، وسلامة الفار إنما
كانت بفراره، وهذا من نحو النهي عن الطيرة. وعن ابن مسعود: هو فتنة على المقيم والفار،
وأما الفار فيقول: فررت فنجوت، وأما المقيم فيقول: أقمت فمت وإنما فر من لم يأتِ أجله،
وأقام من حضر أجله. وقالت عائشة، رضي الله تعالى عنها. ((الفرار منه كالفرار من الزحف)).
ويقال: قلما فر أحد من الوباء فسلم. ويكفي في ذلك موعظة قوله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين
خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت ... ﴾ [البقرة: ٢٤٣]. الآية، قال الحسن: خرجوا
حذراً من الطاعون فأماتهم الله في ساعة واحدة، وهم أربعون ألفاً. وذكر أبو الفرج الأصبهاني
في كتابه: كانت العرب تقول إذا دخل أحد بلداً وفيها وباء فإنه ينهق نهيق الحمار قبل
دخوله فيها إذا فعل أمن من الوباء. فإن قلت: عدم القدوم عليه تأديب وتعليم، وعدم الخروج
إثبات التوكل والتسليم، وهما ضدان يؤمر وينهى عنه. قلت: قال ابن الجوزي: إنه لم يؤمن
على القادم عليه أن يظن إذا أصابه أن ذلك على سبيل العدوى التي لا صنع للعذر فيما نهي
عن ذلك، فكلا الأمرين مراد لإثبات العذر وترك التعرض لما فيه من تزلزل الباطن. وقال
بعضهم: إنما نهى عن الخروج لأنه إذا خرج الأصحاء وهلك المرضى فلا يبقى من يقوم
بأمرهم.
قوله: ((قال أبو النضر: لا يخرجكم إلاَّ فراراً منه))، كذا هو بالنصب، ويجوز رفعه،
واستشكلهما القرطبي لأنه يفيد بحكم ظاهره أنه لا يجوز لأحد أن يخرج من الوباء إلاَّ من
أجل الفرار، وهذا محال، وهو نقيض المقصود من الحديث، فلا جرم قيده بعض رواة الموطأ
بكسر الهمزة وسكون الفاء، ورد هذا بأنه لا يقال: أفر إفراراً، وإنما يقال: فر فراراً وقيل: ألا
ههنا غلط من الراوي؟ والصواب حذفها، وقيل: إنها زائدة كما في قوله تعالى: ﴿ما منعك أن
لا تسجد﴾ [الأعراف: ١٢]. أي: ما منعك أن تسجد؟ ووجه طائفة النصب على الحال،
وجعلوا: ألاَّ، للإيجاب لا للاستثناء، وتقديره: لا تخرجوا إذا لم يكن خروجكم إلاّ فراراً منه،
فأباح الخروج لغرض آخر كالتجارة ونحوها.
١٢٨/ ٣٤٧٤ - حدّثنا مُوسى بنُّ إِسْمَاعِيلَ حدَّثنا دَاوُدُ بنُ أبي الفُرَاتِ حدَّثنَا عَبْدُ الله
ابنُ بُرَيْدَةَ عنْ يَخْتَى بنِ يَعْمَرَ عنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها زَوْجِ النَّبِيِّ عَّ لِ قَالَتْ سأَلْتُ
رَسُولَ الله عَّهِ عنِ الطَّاعُونِ فأخْبَرَنِي أَنَّهُ عَذَابٌ يَبْعَثُهُ الله عَلَى مَنْ يَشاءُ وأنَّ اللهَ جَعَلَهُ
رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ لَيْسَ مِنْ أحَدٍ يَقَعُ الطَّاعُونُ فَيَمْكُثُ فِي بَلَدِهِ صابِرَاً مُخْتَسِباً يَعْلَمُ أَنَّهُ لاَ
يُصِيبُهُ إلَّ ما كتَبَ الله لَهُ إلاَّ كانَ لَهُ مِثْلُ أجْرٍ شَهِيدٍ. [الحديث ٣٤٧٤ - طرفاه في:
٥٧٣٤، ٦٦١٩].
عمدة القارى /«١٦ /٦٥

٨٢
٦٠ - كِتابُ أَحَادِيثِ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (٥٦)
هذا الحديث من جنس الحديث السابق، فلذلك ذكره عقيبه فتقع المطابقة بينه وبين
الترجمة من حيث أنه مطابق للمطابق والمطابق للمطابق للشيء مطابق لذلك الشيء.
وداود بن أبي الفرات، بضم الفاء وتخفيف الراء وبالتاء المثناة من فوق: المروزي ثم
البصري مات سنة سبع وستين ومائة، وعبد الله بن بريدة، بضم الباء الموحدة مصغر بردة: ابن
الحصيب - بالمهملتين ـ قاضي مرو، تقدم في الحيض، ويحيى بن يعمر، بفتح الياء آخر
الحروف وسكون العين المهملة وفتح الميم وبالراء: البصري النحوي القاضي أيضاً بمرو
التابعي الجليل.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في التفسير عن موسى بن إسماعيل أيضاً وفي الطب
عن إسحاق عن حبان بن هلال وفي القدر عن إسحاق بن إبراهيم عن النضر بن شميل،
وأخرجه النسائي في الطب عن العباس بن محمد وعن إبراهيم بن يونس.
قوله: ((ليس من أحد)) كلمة: من، زائدة. قوله: ((فيمكث في بلده))، أي: يستقر فيه
ولا يخرج. قوله: ((صابراً))، حال وكذا قوله: ((محتسباً) إما من الأحوال المترادفة أو
المتداخلة، وكذلك قوله: ((يعلم)) حال. قوله: ((إلاَّ كان له))، استثناء من قوله: أحد.
وفيه: بيان عناية الله تعالى بهذه الأمة المكرمة حيث جعل ما وعد عذاباً لغيرهم رحمة
لهم.
١٢٩ / ٣٤٧٥ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حدَّثنا لَيْثٌ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ عُرْوَةَ عنْ
عائِشَةَ رضي الله تعالى عنها أنَّ قُرَيْشَاً أهَمَّهُمْ شأنُ المَرْأَةِ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سرَقَتْ فقال ومنْ
يُكَلِّمُ فِيهَا رسولَ الله عَ لِ فِقالُوا ومنْ يَجْتَرِي عَيْهِ إِلاَّ أَسَامَةُ بنُ زَيْدٍ حِبُّ رَسُولِ اللهِ عَ لَله
فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ فقال رسُولُ اللهِ عَلَلِ أَتَشْفَعُ في حَدّ مِنْ حُدُودِ الله ثُمَّ قامَ فاخْتَطَبَ ثُمَّ قَالَ
إِنََّا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وإِذَا سرَقَ فِيهِم
الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ وَأَيُ الله لَوْ أَنَّ فاطِمَةَ ابْنَةَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا. [انظر
الحديث ٢٦٤٨ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((إنما أهلك الذين من قبلكم)) لأن المراد منهم بنو إسرائيل،
والدليل عليه قوله في بعض طرقه: إن بني إسرائيل كانوا.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في فضل أسامة عن قتيبة وفي الحدود عن أبي
الوليد. وأخرجه مسلم في الحدود عن قتيبة ومحمد بن رمح. وأخرجه أبو داود فيه عن يزيد
ابن خالد وقتيبة. وأخرجه الترمذي فيه والنسائي في القطع جميعاً عن قتيبة. وأخرجه ابن ماجه
في الحدود عن محمد بن رمح.
قوله: ((أهمهم))، أي: أحزنهم. قوله: ((شأن المرأة))، أي: حال المرأة المخزومية، وهي
فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد بنت أخي أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد وكانت سرقت
حلياً وكان ذلك في غزوة الفتح. وقتل أبوها كافراً يوم بدر، و کان حلف لیکسرن حوض

٨٣
٦٠ - كِتابُ أَحَادِيثِ الأنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (٥٦)
رسول الله، عَّ له، فقاتل حتى وصل إليه فأدركه حمزة، رضي الله تعالى عنه، وهو يكسره
فقتله، فاختلط دمه بالماء. قوله: ((فقالوا))، أي: قريش. قوله: ((فيها))، أي: في المرأة
المخزومية، أي: لأجلها. قوله: ((ومن يجترىء عليه؟)) أي: ومن يتجاسر عليه؟ بطريق
الإدلال. قوله: ((حب رسول الله، عَّةٍ)) بكسر الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة: أي
محبوب رسول الله، عَّهِ. قوله: ((أتشفع))، الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الإنكار. قوله:
((أنهم)) بفتح الهمزة. قوله: ((وأيم الله)) اختلف في همزته: هل هي للوصل أو للقطع؟ وهو من
ألفاظ القسم نحو: لعمر الله، وعهد الله، وفيه لغات كثيرة وتفتح همزته وتكسر. وقال ابن
الأثير: وهمزتها همزة وصل، وقد تقطع، وأهل الكوفة من النحاة يزعمون أنه جمع يمين،
وغيرهم يقول: هو اسم موضوع للقسم.
وفيه: النهي عن الشفاعة في الحدود ولكن ذلك بعد بلوغه إلى الإمام. وفيه: منقبة
ظاهرة لأسامة، رضي الله تعالى عنه.
٣٤٧٦/١٣٠ - حدّثنا آدَمُ حدَّثنا شُعْبَةُ حدَّثنا عَبْدُ المَلِكِ بنُ مَيْسَرَةَ قال سَمِعْتُ
النَّزَّال بنَ سَيْرَةَ الهِلاَلِيَّ عنِ ابنِ مَسْعُودٍ رضي الله تعالى عنهُ قال سَمِعْتُ رَجُلاً قرَأْ وسَمِعْتُ
النَّبِيَّ عَلَّهِ يَقْرَأْ خِلافَهَا فَجِئْتُ بِهِ النَّبِيَّ عَّلَه فَأُخْبَرْتُهُ فعَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ الكَرَاهِيَةَ وقال
كِلاَكُمَا مُخْسِنٌ وَلاَ تَخْتَلِفُوا فإنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ اخْتَلَفُوا فَهَلَكُوا. [انظر الحديث ٢٤١٠
وطرفه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فإن من كان قبلكم اختلفوا)). وآدم هو ابن أبي إياس،
وعبد الملك ميسرة ضد الميمنة، والنزال، بفتح النون وتشديد الزاي وباللام، سبق مع
الحديث في كتاب الخصومات فإنه أخرج هذا الحديث هناك عن أبي الوليد عن شعبة عن
عبد الملك بن ميسرة ... إلى آخره. قوله: ((قرأ)) ويروى: قرأ آية، وقد مر الكلام فيه هناك.
١٣١/ ٣٤٧٧ - حدّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصِ حدَّثنا أبِي حدَّثنا الأعْمَشُ قال حدَّثَنِي شَقِيقٌ
قال عَبْدُ الله كأنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ عَِّ يَحْكِي نَبِيَّاً مِنَ الأَنْبِيَاءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَذْمُوهُ وهُوَ يَمْسَحُ
الدَّمَ عنْ وَجْهِهِ ويَقُولُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ. [الحديث ٣٤٧٧ - طرفه في:
٦٩٢٩].
مطابقته للترجمة في قوله: ((نبياً من الأنبياء)) والظاهر أنه من أنبياء بني إسرائيل. وقال
النووي: هذا النبي الذي حكى النبي عٍَّ، ما جرى له من المتقدمين، وقال بعضهم: يحتمل
أن يكون هو نوح، عليه الصلاة والسلام، فإن قومه كانوا يبطشون به فيخنقونه حتى يغشى
عليه، فإذا أفاق قال: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون. قلت: على قوله: لا مطابقة بينه
وبين الترجمة، فإن الترجمة في بني إسرائيل ونوح، عليه الصلاة والسلام، قبل بني إسرائيل
بمدة متطاولة. وقال القرطبي: إن النبي عَّله، هو الحاكي والمحكي. قلت: هذا أيضاً نحوه.
وعمر بن حفص شيخ البخاري، يروي عن أبيه حفص بن غياث بن طلق النخعي الكوفي

٨٤
٦٠ - كِتَابُ أَحَادِيثِ الأنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (٥٦)
قاضيها، وهو يروي عن سليمان الأعمش عن شقيق بن سلمة عن عبد الله بن مسعود، رضي
الله تعالى عنه. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في استتابة المرتدين، وأخرجه مسلم في
المغازي عن محمد بن نمير وعن أبي بكر بن أبي شيبة. وأخرجه ابن ماجه في الفتن عن ابن
نیر به.
٣٤٧٨/١٣٢ - حدَّثنا أبُو الوَلِيدِ حدَّثنا أَبُو عَوانَةَ عنْ قَتَادَةً عِنْ عُقْبَةَ بنِ عَبْدِ الغافِرِ
عنْ أبِي سَعِيدٍ رضي الله تعالى عنهُ عن النَّبِيِّ عَ لِّ أنَّ رَجُلاً كَانَ قَبْلَكُمْ رِغَسَهُ الله مالاً فقال
لِبَنِيه لَمَّا حُضِرَ أيَّ أبٍ كُنْتُ لَكُمْ قالوا خَيْرَ أبٍ قال فإِنِّي لَمْ أَعْمَلْ خَيْرَاً قَطُ فِإِذَا مُتُّ
فأخْرِقُونِي ثُمَّ اسْحَقُونِي ثُمَّ ذَرُّونِي في يَوْم عاصِفٍ فَفَعَلُوا فَجَمَعَهُ الله عَزَّ وَجَلَّ فقال ما
حَمَلَكَ قال مَخافَتَكَ فَتَلَقَّهُ بِرَحْمَتِهِ. [الحديث ٣٤٧٨ - طرفاه في: ٦٤٨١، ٧٥٠٨].
مطابقته للترجمة في قوله: ((أن رجلاً كان قبلكم)). وأبو الوليد هو هشام بن عبد
الملك، وأبو عوانة، بفتح العين: الوضاح ابن عبد الله اليشكري، وعقبة بن عبد الغافر أبو نهار
الأزدي الكوفي وليس له في البخاري سوى هذا الحديث وحديث آخر مضى في الوكالة.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الرقاق عن موسى بن إسماعيل وفي التوحيد عن
عبد الله بن أبي الأسود، وأخرجه مسلم في التوبة عن عبيد الله بن معاذ وعن يحيى بن حبيب
وعن أبي موسى وعن ابن أبي شيبة.
قوله: ((رغسه الله))، بفتح الراء والغين المعجمة والسين المهملة، أي: أعطاه الله، وقيل:
أي أكثر ماله وبارك فيه، وهو من الرغس وهو البركة والنماء والخير، ورجل مرغوس كثير
المال والخير، وقيل: رغس كل شيء أصله، فكأنه جعل له أصلاً من المال. وقيل: يروى:
رأسه الله مالاً، بالسين المهملة. وقال ابن التين، هذا غلط، فإن صح فهو بشين معجمة من
الريش والرياش وهو المال. قلت: في رواية مسلم: راشه الله، بالراء والشين المعجمة من
الريش وهو المال. قوله: ((لما حضر))، على صيغة المجهول أي: لما حضره الموت. قوله:
(«في يوم عاصف))، أي: عاصف ريحه أي: شديد. قوله: ((ما حملك؟)) أي: أي شيء حملك
على هذه الوصية؟ قوله: ((مخافتك)) أي: حملتني مخافتك، أي: لأجل الخوف منك، فيكون
ارتفاع مخافتك بالفعل المحذوف، وقال الكرماني: ارتفاعه بأنه مبتدأ محذوف الخبر، أو
بالعكس، ويروى بالنصب على نزع الخافض أي: لأجل مخافتك. قلت: الذي ذكرناه أوجه
وأنسب على ما لا يخفى على المعرب. قوله: ((فتلقاه))، بالقاف عند أبي ذر أي: استقبله
برحمته، وقال ابن التين: لا أعلم للفاء وجهاً إلاَّ أن يكون أصله: فتلففه رحمته، فلما اجتمعت
الفاآت الثلاث أبدلت الأخيرة ألفاً فصار: تلفاه، ويروى: فتلافاه، وهي رواية الكشميهني.
وقال مُعاذٌ حدَّثَنَا شُعْبَةُ عنْ قَتَادَةَ قال سَمِعْتُ عُقْبَةَ بنَ عَبْدِ الغَافِرِ سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ
الخُذْرِيَّ عنِ النَّبِيِّ عَلِّ
هذا التعليق وصله مسلم عن عبيد الله بن معاذ العنبري عن أبيه حدثنا أبي حدثنا شعبة

٨٥
٦٠ - كِتابُ أَحَادِيثِ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (٥٦)
عن قتادة سمع عقبة بن عبد الغافر يقول: سمعت أبا سعيد الخدري يحدث عن النبي
((أن رجلاً فيمن كان قبلكم راشه الله تعالى مالاً وولداً، فقال لولده: لتفعلن ما آمركم به أو
الأولين ميراثي غيركم إذا أنا مت، فأحرقوني، وأكبر ظني أنه قال ثم اسحقوني واذروني في
الريح، فإني لم ابتهر عند الله خيراً، وإن الله يقدر على أن يعذبني، قال: فأخذ منهم ميثاقاً
ففعلوا ذلك به وذري، فقال الله تعالى: ما حملك على ما فعلت؟ قال: مخافتك، قال: فما
تلافاه غيرها».
٣٤٧٩/١٣٣ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حدَّثنا أبُو عَوَانَةَ عنْ عَبْدِ المَلِكِ بنِ عُمَيْرٍ عنْ رِبْعِيٍّ بنِ
حِرَاشِ قال قال عُقْبَةُ لِحُذَيْفَةَ أَلاَ تُحَدِّثُنا ما سَمِعْتَ مِنَ النَّبِيِّ عَّ المه قال سَمِعْتُهُ يَقُولُ إِنَّ
رَجُلاً حَضَرَهُ المَوْتُ لَمَّا أَيِسَ مِنَ الحَيَاةِ أَوْصَى أَهْلَهُ إِذَا مِتُّ فاجْمَعُوا لِي حَطَباً كَثِيرَاً ثُمَّ
أَوْرُوا نارًاً حتَّى إذَا أَكَلَتْ لَحْمِي وخَلَصَتْ إلَى عَظْمِي فَخُذُوهَا فاطْحَنُوهَا فَذَرُّونِي فِي الْيَمِّ
في يَوْمٍ حارّ أَوْ رَاح فجَمَعَهُ الله فقال لِمَ فَعَلْتَ قال خَشْيَتِكَ فَغَفَرَ لَهُ قال عُقْبَةُ وأنَا سَمِعْتُهُ
يَقُولُ. [انظر الحديث ٣٤٥٢ وطرفه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((أن رجلاً حضره الموت)) وهذا الحديث مضى في أول:
باب ما ذكر عن بني إسرائيل، بأتم منه، فإنه أخرجه هناك: عن موسى بن إسماعيل عن أبي
عوانة عن عبد الله بن عمير عن ربعي بن حراش ... إلى آخره، وهنا أخرجه: عن مسدد عن
أبي عوانة الوضاح، وهذا هكذا رواية الكشميهني، وأبو ذر صوب رواية الأكثرين، وهي: عن
موسى بن إسماعيل التبوذكي، وذكر أبو نعيم في (المستخرج): أنه عن موسى ومسدد جميعاً
لأنهما قد سمعا من أبي عوانة، وقد ذكرنا هناك ما تيسر لنا من لطف الله وفضله، فلنذكر هنا
ما يجلب من الفوائد أحسنها وأخصرها.
فقوله: ((قال عقبة)) هو عقبة بن عمرو أبو مسعود البدري، لا عقبة بن عبد الغافر
المذكور آنفاً. ولا يلتبس عليك. قوله: ((ألاَ تحدثنا))، كلمة: ألا، هنا للعرض والتحضيض،
ومعناهما طلب الشيء، ولكن العرض طلب بلين والتحضيض طلب بحث وإلاَّ هذه تختص
بالفعلية. قوله: ((قال سمعته)) أي: قال عقبة: سمعت حذيفة، يقول: قال النبي عَّهِ. قوله:
((أوصى إلى أهله)) ويروى ((أوصى أهله)) قوله: ((ثم أوروا)) أمر للجمع بفتح الهمزة من أورى
يوري إيراءً، يقال: ورى الزند يري: إذا خرجت ناره، وأوراه غيره إذا استخرج ناره. قوله:
((وإذا خلصت)) بفتح اللَّم أي: وصلت. قوله: ((فذروني))، بضم الذال وتشديد الراء من:
ذروت الشيء أذروه ذرواً: إذا فرقته. قوله: ((في اليم))، أي: في البحر. قوله: ((في يوم حار
أو راح)) هذا على الشك في رواية النسفي، وعند أبي الهيثم: حار فقط بالراء أي: شديد
الحر. قال الجوهري: حر النهار فيه لغتان تقول: حررت يا يوم بالفتح وحررت بالكسر وأحر
النهار لغة فيه سمعها الكسائي. قوله: ((أو راح))، أي: ذي ريح شديدة، وفي رواية المروزي:
حاز، بحاء مهملة وزاي مشددة ومعناه: يحز بيرده أو حره، وكذا قيده الأصيلي وأبو ذر، وفي
رواية القابسي: في يوم حان، بالنون، واقتصر ابن التين على هذه الرواية، ثم نقل عن ابن
-
:

٨٦
٦٠ - كِتابُ أَحَادِيثِ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلاَمُ / باب (٥٦)
فارس: الحون ريح يحن كحنين الإبل، قال: فعلى هذا يقرأ: في يوم حان بتشديد النون، يريد
حان ريحه. وفي (التوضيح): وتبعه بعض شيوخنا فاقتصر عليه في شرحه وأهمل الباقي. قوله:
((فجمعه الله)) أي: جمع جسده لأن التحريق والتفريق إنما وقع عليه وهو الذي يجمع ويعاد
عند البعث، وفي حديث سلمان الفارسي عند أبي عوانة في (صحيحه): فقال الله: كن،
فكان كأسرع من طرف العين. قوله: ((فقال: لِمَ فعلت)) أي: فقال الله تعالى لذلك الرجل: لِمَ
فعلت هذا؟ ((قال: من خشيتك))، أي: من أجل خشيتي منك.
قوله: ((فغفر له)) فإن قلت: إن كان هذا الرجل مؤمناً فلِمَ شَك في قدرة الله تعالى؟
حيث قال: فوالله لئن قدر علي ربي ليعذبني عذاباً ما عذبه أحداً، على ما يأتي عن قريب في
حديث أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه، وإن لم يكن، فكيف غفر له؟ قلت: كان مؤمناً
بدليل الخشية، ومعنى: قدر، مخففاً ومشدداً: حكم وقضى، أو ضيق. وقال النووي: قيل:
أيضاً: إنه على ظاهره، ولكن قاله غير ضابط لنفسه وقاصد لمعناه، بل قاله في حالة غلب
عليه فيها الدهش والخوف بحيث ذهب تدبره فيما يقوله، فصار كالغافل والناسي لا يؤاخذ
عليهما، أو أنه كان في زمان ينفعه مجرد التوحيد، أو كان في شرعهم جواز العفو عن الكافر.
وقال الخطابي: فإن قلت: كيف يغفر له وهو منكر للقدرة على الإحياء؟ قلت: ليس بمنكر،
إنما هو رجل جاهل ظن أنه إذا صنع به هذا الصنيع ترك فلم ينشر ولم يعذب، وحيث قال:
من خشيتك، علم أنه رجل. مؤمن فعل ما فعل من خشية الله، ولجهله حسب أن هذه الحيلة
تنجيه. قوله: ((وقال عقبة))، أي: عقبة بن عمرو أبو مسعود البدري: ((وأنا سمعته يقول)) أي:
النبي عَ لِّ.
حدَّثْنَا مُوسَى حدَّثنا أبُو عَوَانَةَ حدَّثنَا عَبْدُ المَلِكِ وقال في يَوْمِ رَاحِ
أشار بهذا إلى أن موسى بن إسماعيل التبوذكي خالف مسدداً في لفظه من الحديث
المذكور، وهي قوله: في يوم راح، لأن في رواية مسدد: في يوم حار، على ما مر عن قريب.
١٣٤/ ٣٤٨٠ - حدّثنا عبْدُ الْعَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله حدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدِ عنِ ابنِ شِهَابٍ
عنْ عُبَيْدِ الله بنِ عَبْدِ الله بنِ عُتْبَةَ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ الله عَّ ◌َلَّهِ قال كانَ الرَّجُلُ يُدَايِنُ
النَّاسَ فَكَانَ يَقُولُ لِفَتَاهُ إِذَا أَتَيْتَ مُغْسِرَاً فَتَجَاوَزْ عنْهُ لَعَلَّ الله أَنْ يَتَجاوَزَ عَنَّا قال فَلَقِيَ الله
فَتَجَاوَزَ عَنْهُ. [انظر الحديث ٢٠٧٨].
مطابقته للترجمة في أول الحديث، وقد مضى هذا الحديث في البيوع في: باب من
أنظر معسراً، فإنه أخرجه هناك عن هشام بن عمار عن يحيى بن حمزة عن الزبيدي عن
الزهري عن عبيد الله بن عبد الله ... إلى آخره نحوه، غير أن فيه: كان تاجراً يداين الناس.
٣٤٨١/١٣٥ - حدَّثني عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثنا هِشَامٌ أُخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ
حُمَيْدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ عنِ النَّبِيِّ عَلَّهِ قال كانَ رَجُلٌ
يُشْرِفُ عَلَى نَفْسِهِ فَلَمَّا حَضَرَهُ المَوْتُ قال لِبَنِيهِ إِذَا أَنَا مُتُّ فأخْرِقُونِي ثُمَّ اطْحَنُونِي ثُمّ

٨٧
٦٠ - كِتَابُ أَحَادِيثِ الأنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلاَمُ / باب (٥٦)
ذَرُّونِي في الرِّيحِ فَوَالله لَئِنْ قَدَرَ عَلَيَّ رَبِّي لَيُعَذِّبَنِّي عَذَابَاً ما عَذَّبَهُ أَحَدَاً فَلَمَّا ماتَ فُعِلَ
بِهِ ذَلِكَ فأمَرَ اللهَ الأرْضَ فقال اجْمَعِي ما فِيكِ مِنْهُ فَفَعَلَتْ فإِذَا هُوَ قَائِمٌ فقال ما حَمَلَكَ
عَلَى ما صَنَعْتَ قال يا رَبِّ خَشَيْتُكَ فَغَفَرَ لَهُ وقال غَيْرَهُ مَخافَتُكَ يا رَبِّ. [الحديث ٣٤٨١
- طرفه في: ٧٥٠٦].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فكان رجل مسرف على نفسه)). وعبد الله بن محمد هو
المعروف بالمسندي، وهشام هو ابن يوسف الصنعاني، وكان قاضيها. قوله: ((ثم ذروني))،
يفتح الذال وتخفيف الراء أي: اتركوني، وهو أمر من: يذر، والعرب أماتوا ماضيه، وفي رواية
الكشميهني: ثم أذروني، بفتح الهمزة في أوله من: أذرت الريح الشيء: إذا فرقته بهبوبها.
قوله: ((فوالله لئن قدر علي)) قد مضى معناه عن قريب. قوله: ((فعل به ذلك)) أي: الذي
أوصى به الرجل. قوله: ((وقال غيره)) المراد من لفظ: الغير، هو عبد الرزاق، فإن هشاماً روى
عن معمر عن الزهري بلفظ: خشيتك، وروى عبد الرزاق عن معمر بلفظ: مخافتك بدل
خشيتك، ومعناهما واحد، وبقية معاني ألفاظ الحديث قد مرت عن قريب.
٣٤٨٢/١٣٦ - حدَّثني عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدٍ بنِ أسْمَاءَ حدَّثنا جُوَيْرِيَةُ بنُ أَسْمَاءَ عنْ
نافِعٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهُما أَنَّ رَسُولَ الله عَ لَّلِ قَالَ عُذِّبَتْ امْرَأٌ في
هِرَّةٍ سَجَنَتْهَا حَتَّى ماتَتْ فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ لاَ هِيَ أَطْعَمَتْهَا ولا هِيَ سَقَتْهَا إِذْ حَبَسَتْهَا وَلاَ
هِيَ تَرَكَتْهَا تأكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأرْضِ. [انظر الحديث ٢٣٦٥ وطرفه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، لأن وضع الحديث هنا يدل على أن تلك المرأة من بني
إسرائيل وعبد الله بن محمد بن أسماء بن عبيد بن مخراق الضبعي البصري ابن أخي جويرية
:
ابن أسماء وهو شيخ مسلم أيضاً، وجويرية مصغر جارية بالجيم ابن أسماء بن عبيد ابن
مخراق الضبعي البصري، والحديث مر في أواخر بدء الخلق في: باب خمس من الدواب،
ومر أيضاً نحوه في الصلاة في: باب ما يقرأ بعد التكبير. وأخرجه مسلم في الحيوان وفي
الأدب عن عبد الله بن محمد المذكور ومر الكلام فيه هناك. قوله: ((في هرة))، أي: بسبب
هرة، وقد تجيء كلمة: في، للسببية كما في نحو: في النفس المؤمنة مائة إبل. قوله:
((خشاش الأرض)) بالمعجمات وفتح الخاء، وهي: حشرات الأرض وهوامها.
٣٤٨٣/١٣٧ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ يُؤُنُسَ عَنْ زُهَيْرِ حدَّثنا مَنْصُورٌ عن رِبْعِيٌّ بنِ حِرَاشٍ
حدَّثْنَا أَبو مَسْعُودٍ عُقْبَةُ قال قال النَّبِيُّ عَ لَّهِ إِنَّ مِمَّا أدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلاَمِ النُّبُوَّةِ إِذَا لَمْ
تَسْتَحِي فافْعَلْ ما شِئْتَ. [الحديث ٣٤٨٣ - طرفاه في: ٣٤٨٤، ٦١٢٠].
مطابقته للترجمة يمكن أن تؤخذ من أول الحديث لأن المراد من الناس الأوائل، وهو
يشمل بني إسرائيل وغيرهم فافهم. وأحمد ابن يونس هو أحمد بن عبد الله بن يونس اليربرعي
الكوفي، وزهير هو ابن معاوية الكوفي، ومنصور هو ابن المعتمر الكوفي، وربعي بن حراش مر
عن قريب، وأبو مسعود عقبة بن عمرو البدري، وهذا هو المحفوظ وحكى الدارقطني في

٨٨
٦٠ - كِتابُ أَحَادِيثِ الأنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (٥٦)
(العلل) رواية إبراهيم بن سعد عن منصور عن عبد الملك فقال: عن ربعي عن حذيفة، ورواه
أيضاً أبو مالك الأشجعي عن ربعي بن حراش عن حذيفة. قيل: لا يبعد أن يكون ربعي سمعه
من أبي مسعود ومن حذيفة جميعاً.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الأدب عن أحمد بن يونس. وأخرجه أبو داود في
الأدب عن القعنبي. وأخرجه ابن ماجه في الزهد عن عمرو بن رافع.
قوله: ((إن مما أدرك الناس)) بالرفع والنصب، أي: مما أدركه الناس أو مما بلغ الناس.
قوله: ((من كلام النبوة)) أي: مما اتفق عليه الأنبياء، أي: إنه مما ندب إليه الأنبياء ولم ينسخ
فيما نسخ من شرائعهم. لأنه أمر أطبقت عليه العقول، وفي رواية أبي داود وأحمد وغيرهما:
من كلام النبوة الأولى، وفي بعض نسخ البخاري هكذا أيضاً. قوله: ((فافعل ما شئت))
ویروی: فاصنع ما شئت.
وفيه: أوجه: أحدها: إذا لم تستح من العتب ولم تخش العار فافعل ما تحدثك به
نفسك، حسناً كان أو قبيحاً، ولفظه أمر ومعناه توبيخ. الثاني: أن يحمل الأمر على بابه
تقول: إذا كنت آمناً في فعلك أن تستحي منه لجريك فيه على الصواب وليس من الأفعال
التي يستحي منها فاصنع ما شئت. الثالث: معناه الوعيد أي: إفعل ما شئت تجازى به. كقوله
عز وجل: ﴿اعملوا ما شئتم﴾ [فصلت: ٤٠]. الرابع: لا يمنعك الحياء من فعل الخير.
الخامس: هو على طريق المبالغة في الذم، أي: تركك الحياء أعظم مما تفعله، واعلم أن
الجملة - أعني قوله: إذا لم تستح - إسم: إن، على تقدير القول، أو خبره على تأويل من
التبعيضية بلفظ البعض، ولفظ: إصنع، أمر بمعنى الخبر أو أمر تهديدي، أي: إصنع ما شئت
فإن الله يجزيك.
٣٤٨٥/١٣٨ - حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُحَمَّدٍ أُخبرَنا عُبَيْدُ الله أخبرَنا يُونُسُ عنِ الزُّهْرِيِّ
أخبرَني سالِمْ أَنَّ ابنَ عُمَرَ حدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ عَُّلَِّ قال بَيْنَما رجلٌ يَجُرُّ إِزَارَهُ مِنَ الخُيَلاَءِ
خُسِفَ بِهِ فَهْوَ يَتَجَلْجَلُ في الأرْضِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ. [الحديث ٣٤٨٥ - طرفه في:
٥٧٩٠].
مطابقته للترجمة تؤخذ من لفظ الحديث، لأن الرجل الذي فيه من الأوائل وهو يشمل
بني إسرائيل وغيرهم، وقيل: هذا الرجل هو قارون وهو من بني إسرائيل. وبشر. بكسر الباء
الموحدة وسكون الشين المعجمة: ابن محمد أبو محمد السختياني المروزي وهو من أفراده،
وعبد الله هو ابن المبارك المروزي، ويونس هو ابن يزيد الأيلي، والزهري هو محمد بن
مسلم، وسالم هو ابن عبد الله بن عمر. والحديث أخرجه النسائي في الزينة عن وهب بن
بیان.
قوله: ((بينما)) ظرف مضاف إلى جملة فيحتاج إلى جواب، وجوابه هو قوله: ((خسف
به)). قوله: ((من الخيلاء)» هو التكبر والتبختر مع الإعجاب. قوله: ((يتجلجل)) أي: يتحرك

٨٩
٦٠ - كِتابُ أَحَادِيثِ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (٥٦)
في الأرض، والجلجلة الحركة مع صوت، وقال ابن دريد: كل شيء خلطت بعضه ببعض
فقد جلجلته. وعن ابن فارس: هو أن يسيخ في الأرض مع اضطراب شديد وتدافع من شقٍ
إلى شقٍ.
تابَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ خَالِدِ عنِ الزُّهْرِيِّ
أي: تابع يونُسَ عبدُ الرحمن بن خالد في روايته عن محمد بن مسلم الزهري، وعبد
الرحمن هذا هو أبو خالد الفهمي مولى الليث بن سعد بن عوف، روى عنه الليث، وكان
والياً لهشام على مصر سنة ثمان عشرة ومائة، وعزل سنة تسع عشرة، وتوفي سنة سبع
وعشرين ومائة، ووصل هذه المتابعة الذهلي في (الزهريات) عن أبي صالح عن الليث عن
عبد الرحمن.
٣٤٨٦/١٣٩ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ حدَّثَنا وُهَيْبٌ قال حدَّثني ابن طاؤُسٍ عنْ
أبِيِه عن أبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه عنِ النَّبِيِّ عَّ قال نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ
القِيَامَةِ بَيْدَ كلِّ أُمَّةٍ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا وَأُوتِينَا مِنْ بَعْدِهِمْ فَهَذَا اليَوْمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ
فَغَدَاً لِلْيَهُودِ وبَعْدُ غَدٍ لِلْنَّصَارَى. [انظر الحديث ٢٣٨ وأطرافه].
... / ٣٤٨٧ _ عَلَى كُلِّ مُسلِمٍ في كلِّ سَبْعَةِ ايَّامٍ يَوْمٌ يَغْسِلُ واسَهُ وجَسَدَهُ.
[انظر الحديث ٨٩٧ وطرفه].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((أوتوا الكتاب من قبلنا)) لأنهم من بني إسرائيل
وغيرهم. وابن طاوس هو عبد الله، يروي عن أبيه طاوس.
والحديث مضى في أول كتاب الجمعة من وجه آخر فإنه أخرجه هناك: عن أبي
اليمان عن شعيب عن أبي الزناد عن الأعرج أنه: سمع أبا هريرة ... إلى آخره، وهنا زيادة على
ذلك، وهو قوله: على كل مسلم ... إلى آخره.
قوله: ((نحن الآخرون)) أي: في الدنيا ((السابقون)) في الآخرة. قوله: ((بيد)) بفتح الباء
الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وفتح الدال المهملة، ومعناه: غير، يقال، فلان كثير
المال بيد أنه بخيل، ويجيء بمعنى: إلاّ، وبمعنى: لكنٍ، وقال المالكي: المختار عندي في:
بيد أن يجعل حرف استثناء بمعنى: لكن، لأن معنى إلاَّ مفهوم منها، ولا دليل على إسميتها.
والمشهور استعمالها متلوة بأن كما في الحديث، والأصل فيه: بيد أن كل أمة ... فحذف
أن، وبطل عملها. قال أبو عبيد: وفيه لغة أخرى: ميد، بالميم وجاء في الحديث: أنا أفصح
العرب ميد أني من قريش، وقال الطيبي: قيل: معنى: بيد، على أنه، وعن المزني: سمعت
الشافعي يقول بيد من أجل قوله اختلفوا فيه، معنى الاختلاف فيه أنه فرض يوم للجمع
للعبادة، ووكل إلى اختيارهم فمالت اليهود إلى السبت والنصارى إلى الأحد، وهدانا الله إلى
يوم الجمعة الذي هو أفضل الأيام. قوله: ((على كل مسلم ... )) إلى آخره، المراد به: يوم
الجمعة، لأنه في كل سبعة أيام يوم، وأشار بقوله: ((يغسل رأسه وجسده)) إلى الاغتسال يوم

٩٠
٦٠ - كِتابُ أَحَادِيثِ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (٥٦)
الجمعة فإن له فضلاً عظيماً حتى صرح في الحديث الصحيح أنه واجب وإليه ذهب مالك
وآخرون.
١٤٠ / ٣٤٨٨ - حدّثنا آدَمُ حدَّثنا شُعْبَةُ حدَّثنا عَمْرُو بنُ مُرَّةَ سَمِعْتُ سَعِيدَ بنَ
الْمُسَيِّبِ قال قدِمَ مُعاوِيَةُ بنُ أبِي سُفْيَانَ المَدِينَةَ آخِرَ قَدْمَةٍ قَدِمَهَا فَخَطَبَنَا فَأُخْرَجَ كُبَّةٌ مِنْ
شَعَرٍ فقال ما كُنْتُ أَرَى أَنَّ أَحَدَاً يَفْعَلُ هَذَا غَيْرَ اليَهُودِ وإِنَّ النَّبِيَّ عَ ◌ّهِ سَمَّاهُ الزُّورَ يَعْنِي
الوِصَالَ في الشَّعَرَ. [انظر الحديث ٣٤٦٨ وطرفيه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((اليهود)) لأنهم من بني إسرائيل وقد مر نحوه من حديث
معاوية عن قريب في هذا الباب، غير أنه من وجه آخر. قوله: ((قدمة))، بفتح القاف وكان
ذلك في سنة إحدى وخمسين. قوله: ((كبة))، بضم الكاف وتشديد الباء الموحدة من الغزل،
وقال الجوهري: الكبة الجر وهو من الغزل، تقول منه: كببت الغزل، أي: جعلته كبباً، وفي
الحديث الذي مضى قصة من شعر. قوله: ((سماه الزور))، الزور الكذب والتزيين بالباطل ولا
شك أن وصل الشعر منه وفيه طهارة شعر الآدمي.
تابَعَهُ غُنْدَرٌ عِنْ شُعْبَةَ
أي: تابع آدَمَ شيخ البخاري غندرُ، بضم الغين المعجمة وسكون النون وفتح الدال وفي
آخره راء، وهو لقب محمد بن جعفر في رواية الحديث المذكور عن شعبة، ووصل مسلم
هذه المتابعة وقال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا غندر عن شعبة وحدثنا ابن المثنى وابن
بشار، قالا: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن سعيد بن المسيب
((قال: قدم معاوية المدينة فخطبنا وأخرج كبة من شعر، فقال: ما كنت أرى أن أحداً يفعله إلاَّ
اليهود، إن رسول الله، عَّ له بلغه فسماه الزور)). وقال مسلم: وجاء رجل بعصا على رأسها
خرقة، قال معاوية: وهذا الزور، قال قتادة: يعني ما يكثر النساء أشعارهن من الخرق، والله
تعالى أعلم بالصواب.

بسم الله الرحمن الرَّحِيم
٦١ - كِتابُ المناقِبِ
أي: هذا كتاب في بيان المناقب، وهو جمع المنقبة، وهي ضد المثلبة، ووقع في
بعض النسخ: باب المناقب، والأول أولى، لأن الكتاب يجمع الأبواب وفيه أبواب كثيرة
تتعلق بأشياء كثيرة على ما لا يخفى.
١ - بابُ قَوْلِ الله تَعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وأنْفَى وَجَعَلْنَاكُمْ
شُعُوبَاً وقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. وَقَولُهِ
﴿وَاتَّقُوا الله الَّذِي تَسَّاءَلُونَ بِهِ الأزْحَامَ إِنَّ اللّه كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].
أي: هذا باب في ذكر قول الله تعالى: ﴿يا أيها الناس ... ﴾ [الحجرات: ١٣]. إلى
آخره، ذكر هذا ليبني عليه تفسير الشعوب والقبائل وما يتعلق بها، واعلم أن هذه الآية الكريمة
نزلت في ثابت بن قيس، وقوله للرجل الذي لم يفسح له: ابن فلانة، فقال رسول الله، عَ ليهِ:
من الذاكر فلانة؟ فقام ثابت بن قيس. فقال: أنا يا رسول الله! قال: أنظر في وجوه القوم،
فنظر إليها. فقال رسول الله، عَّ له: ما رأيت يا ثابت؟ قال: رأيت أبيض وأسود وأحمر، قال:
فإنك لا تفضلهم إلاَّ في الدين والتقوى، فأنزل الله في ثابت هذه الآية.
قوله: ((من ذكر)) آدم عليه السلام، ((وأنثى))، حواء، عليها السلام، وقيل: خلقنا كل
واحد منكم من أب وأم فما منكم أحد إلاَّ وهو يدلي ما يدلي به الآخر سواء بسواء، فلا وجه
للتفاخر والتفاضل في النسب. قوله: ((وجعلناكم شعوباً))، وهي رؤوس القبائل وجمهورها،
قيل: ربيعة ومضر والأوس والخزرج، واحدها: شعب، بفتح الشين، والشعب الطبقة الأولى
من الطبقات الست التي عليها العرب، وهي: الشعب والقبيلة والعمارة والبطن والفخذ
والفصيلة. فالشعب يجمع القبائل، والقبائل تجمع العمائر، والعمائر تجمع البطون، والبطن
تجمع الأفخاذ، والفخذ تجمع الفصائل. خزيمة شعب، وكنانة قبيلة، وقريش عمارة، وقصي
بطن، وهاشم فخذ، والعباس فصيلة، وسميت الشعوب: شعوباً لأن القبائل تتشعب منها. وقال
صاحب (المنتهى): ما تشعب من قبائل العرب والعجم، والشعوب الأمم المختلفة، فالعرب
شعب وفارس شعب والروم شعب والترك شعب. وفي (الموعب): الشعب مثال كعب وعن
ابن الكلبي: بالكسر، وفي (نوادر الهجري): لم يسمع فصيحاً بكسر الشين، وفي (المحكم):
الشعب هو القبيلة نفسها وقد غلبت الشعوب بلفظ الجمع على جيل العجم، وفي (تهذيب)
الأزهري: أخذت القبائل من قبائل الرأس لاجتماعها، وفي (الصحاح) قبائل الرأس هي القطع
المشعوب بعضها إلى بعض تصل بها الشؤون، وقال الزجاج: القبيلة من ولد إسماعيل، عليه
الصلاة والسلام، كالسبط من ولد إسحاق، عليه الصلاة والسلام، سموا بذلك ليفرق بينهما،
ومعنى: القبيلة من ولد إسماعيل معنى الجماعة، يقال: لكل جماعة من واحد: قبيلة، ويقال
لكل جمع على شيء واحد: قبيل، أخذ من قبائل الشجرة وهي أغصانها، وذكر ابن الهبارية
٩١

٩٢
٦١ - كِتابُ المَناقِبِ / باب (١)
في كتابة تلك المعاني: أن القبائل من ولد عدنان مائتان وسبع وأربعون قبيلة، والبطون من
ولده مائتان وأربعة وأربعون بطناً والأفخاذ خمسة عشر فخذاً غير أولاد أبي طالب. وذكر أهل
اللغة: أن الشعوب مثل مضر وربيعة، والقبائل دون ذلك مثل قريش وتميم، ثم العمائر جمع
عميرة، ثم البطون جمع بطن، ثم الأفخاذ جمع فخذ، وقسم الجواني العرب إلى عشر
طبقات: الجذم ثم الجمهور ثم الشعب ثم القبيلة ثم العمارة ثم البطن ثم الفخذ ثم العشيرة
ثم الفصيلة ثم الرهط. قوله: ((لتعارفوا))، أي: ليعرف بعضكم بعضاً في قرب النسب وبعده،
فلا يعتري إلى غير آبائه لا أن يتفاخروا بالآباء والأجداد، ويدَّعوا التفاضل والتفاوت في
الأنساب، ثم بيِّن الفضيلة التي بها يفضل الإنسان على غيره ويكتسب الشرف والكرم عند
الله تعالى فقال: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ [الحجرات: ١٣] وقال مجاهد: ((لتعارفوا))
ليقال فلان ابن فلان، وقرأ ابن عباس: لتعرفوا، وأنكره بعض أهل اللغة. قوله: ((وقوله تعالى:
﴿واتقوا الله الذي﴾ [النساء: ١]. إلى آخره أي: اتقوا الله بطاعتكم إياه. قال إبراهيم ومجاهد
والحسن والضحاك والربيع وغير واحد: الذي تساءلون به، أي: كما يقال: أسألك بالله
وبالرحم، وعن الضحاك: واتقوا الله الذي به تعاقدون وتعاهدون، واتقوا الأرحام أن تقطعوها،
ولكن زوروها وصلوها، والأرحام جمع: رحم، وقرأ عبد الله بن يزيد المقريء و: الأرحامُ،
بالضم على الابتداء والخبر محذوف أي: الأرحامُ مما يتقى به، والجمهور على النصب على
تقدير: واتقوا الأرحام، وقرىء بالجر أيضاً عطفاً على قوله: به، وفيه خلاف فأجازه الكوفيون
ومنعه البصريون لأنه لا يجوز عندهم العطف على الضمير المجرور إلاَّ بإعادة الجار. قوله:
﴿إن الله كان عليكم رقيباً﴾ [النساء: ١]. أي: مراقباً لجميع أعمالكم وأحوالكم.
وما يُنْهَى عنْ دَعْوَى الجاهِلِيَّةِ
عطف على قوله: وقول الله الذي هو عطف على قول الله المجرور بإضافة الباب إليه،
أي: باب فيما ينهى عن دعوى الجاهلية، وهي الندبة على الميت والنياحة، وقيل: قولهم: يا
لفلان، وقيل: الانتساب إلى غير أبيه، وقد عقد له باباً عن قريب يأتي، إن شاء الله تعالى.
الشُّعُوبُ النَّسَبُ البَعِيدُ: والقَبَائِلُ دُونَ ذَلِكَ
أراد بالنسب البعيد مثل مضر وربيعة، هذا قول مجاهد والضحاك. قوله: ((والقبائل دون
ذلك))، مثل قریش وتمیم.
٣٤٨٩/١ - حدّثنا خالِدُ بنُ يَزِيدَ الكاهِلِيُّ حدَّثنا أَبُو بَكْرٍ عنْ أَبِي حُصِينٍ عنْ سَعِيدِ
ابنِ مُجُبَيْرٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهُما وجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا: قال
الشُّعُوبُ القَبائِلُ العِظَامُ وَالقَبَائِلُ البُطُونُ.
مطابقته للآية التي هي الترجمة ظاهرة، لأن المذكور فيها الشعوب والقبائل، وقد فسر
ابن عباس الشعوب بالقبائل العظام، وفسر القبائل بالبطون، وذلك لأن الشعوب تجمع القبائل،
وذكر عن ابن عباس أيضاً: أن القبائل الأفخاذ، فعلى هذا أن القبائل التي فسرها بالبطون

٩٣
٦١ - كِتابُ المَناقِبِ / باب (١)
تجمع الأفخاذ. وخالد بن يزيد أبو الهيثم المقرىء الكاهلي الكوفي، وهو من أفراده،
والكاهلي نسبة إلى كاهل، بكسر الهاء: ابن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة
ابن إلياس بن مضر، بطن من هذيل، والظاهر أنه منسوب إلى كاهل بن أسد بن خزيمة بن
مدركة لأن جماعة كثيرة من أهل الكوفة ينتسبون إليه، وأبو بكر هو ابن عياش بن سالم
الأسدي الكوفي الحناط، بالنون وفي اسمه أقوال كثيرة، والأصح أن اسمه كنيته، وأبو
حصين، بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين: اسمه عثمان بن عاصم بن حصين الأسدي
الكوفي.
!
٢/ ٣٤٩٠ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارِ حدَّثنا يَحْتَى بنُ سَعِيدٍ عنْ عُبَيْدِ الله قال حدَّثني
سَعِيدُ بنُ أَبِي سَعِيدٍ عنْ أبِيهِ عنْ أَبِي هُرَيْرَة رضي الله تعالى عنهُ قال قِيلَ يا رسولَ الله مَنْ
أَكْرَمُ النَّاسِ قال أتْقَاهُمْ قالوا لَيْسَ عنْ لهَذَا نَسْألُكَ قال فيُوسُفُ نَبيُّ الله. [انظر الحديث
٣٣٥٣ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((قال أتقاهم)). ويحيى بن سعيد القطان، وعبيد الله هو ابن
عمر العمري، وسعيد يروي عن أبيه أبي سعيد كيسان المقبري. والحديث مر في: باب
كنتم شهداء إذا حضر يعقوب الموت﴾ [البقرة: ١٣٣]. فإنه أخرجه هناك بأتم منه، ومر الكلام
فيه هناك، وإنما أطلق على يوسف: أكرم الناس لكونه رابع نبي في نسق واحد ولا يعلم غيره
بذلك.
٣٤٩١/٣ - حدَّثنا قَيْسُ بنُ حَفْصِ حدَّثنا عَبْدُ الوَاحِدِ حدَّثنا كُلَيْبُ بنُ وَائِلٍ قال
حدَّثَتْنِي رَبِيبَةُ النَّبِيِّ عَ لَّهِ زَيْنَبُ ابْنَةُ أبي سلَمَةَ قال قُلْتُ لَهَا أَرَأَيْتِ النَّبِيَّ عَِّ أَكَانَ مِنْ
مُضَرَ قالَتْ فَمِمَّنْ كانَ إِلاَّ مِنْ مُضَرَ مِنْ بَنِي النَّضْرِ بنِ كِنَانَةَ. [الحديث ٣٤٩١ - طرفه
في: ٣٤٩٢].
مطابقته للترجمة في قوله: ((إلا من مضر)) فإنه من الشعوب، وقيس بن حفص أبو
محمد الدارمي البصري، وعبد الواحد هو ابن زياد، وكليب مصغر كلب ابن وائل بالهمز،
تابعي وسط كوفي، وأصله من المدينة، وليس له في البخاري غير هذا الحديث.
قوله: ((أرأيت)) أي: أخبريني. قوله: ((أكان من مضر؟)) الهمزة فيه للاستفهام. قوله:
((فممن كان؟)) بالفاء رواية الكشميهني، ورواية غيره بلا فاء، ويجيء تفسيره عن قريب.
٤ /٣٤٩٢ - حدّثنا مُوسَى حدَّثنا عَبْدُ الوَاحِدِ حدَّثنا كُلَيْبٌ حدَّثَتْنِي رَبِيبَةُ النَّبِيِّ عَله
وأظُنُهَا زَيْنَبَ قَالَتْ نَهَى رَسُولُ الله عَّهِ عنِ الدُّبَاءِ والحَنْتَمِ والْمُقَيِّرِ والمزَقَّت وقُلْتُ لَهَا
أَخْبِرِينِي النَّبِيُّ عَلَّهِ مِمَّنْ كَانَ مِنْ مُضَرَ كَانَ قالَتْ فَمِمَّنْ كَانَ إلاَّ مِنْ مُضَرَ كانَ مِنْ وَلَدِ
النَّضْرِ بنِ كِنَانَةَ. [انظر الحديث ٣٤٩١].
هذا طريق آخر في الحديث المذكور. وموسى بن إسماعيل التبوذكي.

٩٤
٦١ - كِتابُ المَناقِبِ / باب (١)
قوله: ((وأظنها زينب))، الظاهر أن قائله موسى، لأن قيس بن حفص في الرواية السابقة
قد جزم بأنها زينب وشيخهما واحد. فإن قلت: قد أخرج الإسماعيلي هذا الحديث من رواية
حبان بن هلال عن عبد الواحد، قال: ولا أعلمها إلاَّ زينب. قلت: فعلى هذا الشك فيه من
شيخه عبد الواحد كان يجزم بها تارة ويشك فيها أخرى. قوله: ((قالت نهى النبي عَ لِّ)) إنما
ذكرت النهي عن هذه الأشياء هنا لأنها روت الحديث على هذه الصورة. قوله: ((الدباء»،
بضم الدال وتشديد الباء الموحدة وبالمد: القرع واحدها دباءة، و ((الحنتم)) بفتح الحاء
المهملة وسكون النون وفتح التاء المثناة من فوق وفي آخره ميم: وهي جرار مدهونة خضر
كانت تحمل فيها الخمر إلى المدينة، واحدها حنتمة ((والمقير)) المطلي بالقار، وهو الزفت،
وعن أبي ذر صوابه: النقير، بالنون وكسر القاف.
قوله: ((أخبريني)) خطاب منُ كليب لزينب. قوله: ((النبيُّ)) مبتدأ وخبره، هو قوله:
((ممن كان؟)) يعني: من أي قبيلة؟ قوله: ((من مضر)) كأن همزة الاستفهام فيه مقدرة، أي: من
مضر كان؟ ومضر، بضم الميم وفتح الضاد المعجمة: هو ابن نزار بن معد بن عدنان،
واشتقاق مضر من المضيرة وهو شيء يصنع من اللبن سمي به لبياض لونه، والعرب تسمي
الأبيض: أحمر، فلذلك سميت مضر الحمراء. وقال ابن سيده: سمي مضر لأنه كان مولعاً
بشرب اللبن الماضر، أي: الحامض، وهو أول من سن للعرب الحداء للإبل لأنه كان حسن
الصوت، فسقط يوماً من بعيره فوثبت يده فجعل يقول: وا يداه وا يداه، فأعنقت له الإبل، وأمه
سودة بنت عك، وقيل: حبيبة بنت عك، وكان على دين إسماعيل، عليه الصلاة والسلام.
وقال ابن حبيب: حدثنا أبو جعفر عن أبي جريج عن عطاء عن ابن عباس، قال: مات أدد والد
عدنان وعدنان ومعد وربيعة ومضر وقيس غيلان وتميم وأسد وضبة على الإسلام على ملة
إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، فلا تذكروهم إلاَّ كما يذكر به المسلمون، وعن سعيد بن
المسيب: أن رسول الله، عَّه، قال: لا تسبوا مضر فإنه كان مسلماً على ملة إبراهيم،
عليه الصلاة والسلام. وعند الزبير بن بكار من حديث ميمون ابن مهران عن ابن عباس
يرفعه: لا تسبوا مضر ولا ربيعة فإنهما كانا مسلمين. وقال رسول الله، عَّ له: إذا اختلف
الناس فالحق مع مضر، وروي أنه عَ لِّ قال: إن الله عز وجل، اختار هذا الحي من مضر.
قوله: ((فممن كان إلاَّ من مضر؟)) كلمة: إلاَّ، استثناء منقطع أي: لكن كان من مضر،
أو الاستثناء من محذوف أي: لم يكن إلاَّ من مضر، والهمزة محذوفة من كان، وممن كان،
كلمة مستقلة، أو الاستفهام للإنكار. قوله: ((كان من ولد النضر)) النضر بفتح النون وسكون
الضاد المعجمة ابن كنانة بكسر الكاف ابن خزيمة بن مدركة بلفظ اسم الفاعل ابن إلياس بن
مضر، وهذا بيان له لأن مضر قبائل وهذا بطن منه، والنضر اسمه: قيس سمي بالنضر لوضاءته
وجماله وإشراق وجهه، والنضر هو الذهب الأحمر وهو النضار، وأمه برة بنت مر بن أد بن
طابخة، وكنية: النضر أبو يخلد، كني بابنه يخلد.
وعلم من هذه: أن معرفة الأنساب لا يستغنى عنها، وقد جاء الأمر بتعلمها، وهو ما

٩٥
٦١ - كِتابُ المَناقِبِ / باب (١)
رواه أبو نعيم من حديث العلاء بن خارجة المدني، قال رسول الله، عَ له: ((تعلموا من
أنسابکم ما تصلون به أرحامكم)، وروى أبو هريرة عن النبي ءے مثله، وصححه. وقال أبو
عمر: روي عن النبي عَّلِ أنه قال: ((كفر بالله ادعاء نسب لا يعرف، وكفر بالله تبرؤ من
نسب وإن دق)). وروي عن أبي بكر، رضي الله تعالى عنه، مثله. وقال عَّهِ: ((من ادعى إلى
غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله))، وقد روي من الوجوه الصحاح عن رسول
الله، عَِّ ما يدل على معرفته بأنساب العرب، وروى الترمذي مصححاً من حديث عبد الله
ابن عمرو: خرج رسول الله، عَّه وفي يده اليمنى كتاب وفي اليسرى كتاب، فقال: هذا
كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم. وقال أبو محمد
الرشاطي: الحض على معرفة الأنساب ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة. وبالغ ابن حزم
في ذلك، وقال: لا ينكر حق معرفة النسب إلاَّ جاهل أو معاند.
وفرض أن يعلم المرء أن سيدنا رسول الله، عَّ هو: محمد بن عبد الله القريشي
الهاشمي الذي كان بمكة ورحل منها إلى المدينة، فمن يشك فيه أهو قريشي أو يماني أو
تميمي أو أعجمبي فهو كافر غير عارف بدينه إلاَّ أن يعذر بشدة ظلمة الجهل فيلزمه أن يتعلم
ذلك، ويلزم من بحضرته تعليمه، ومن الفرض في علم النسب أن يعرف المرء أن الخلافة لا
تجوز إلاّ من ولد فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، وأن يعرف كل من يلقاه بنسب في رحم
محرمه ليجتنب ما حرم عليه، وأن يعرف كل من يتصل به برحم يوجب ميراثاً أو صلة أو
نفقة أو عقداً أو حكماً، فمن جهل هذا فقد أضاع فرضاً واجباً عليه لازماً له من دينه، وأما
الذي يكون معرفته من النسب فضلاً في الجميع وفرضاً على الكفاية: فمعرفة أسماء أمهات
المؤمنين، وأكابر الصحابة من المهاجرين والأنصار الذين حبهم فرض، فقد صح أنه عَّه.
قال: آية الإيمان حب الأنصار، وآية المنافق بغض الأنصار.
:
٣٤٩٣/٥ - حدّثني إِسْحَاقُ بنُ إِبْرَاهِيمَ أُخْبَرَنَا جَرِيرٌ عنْ عُمَارَةَ عنْ أَبِي زُرْعَةَ عنْ
أبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ عنْ رَسُولِ اللهِ عَ لَّهِ قال تَجِدُونَ النَّاسَ مَعَادِنَ خِيارُهُمْ في
الجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ في الإسْلاَمَ. [الحديث ٣٤٩٣ - طرفاه في: ٣٤٩٦، ٣٥٨٨].
... / ٣٤٩٤ _ خِيَارُهُمْ فِي الإِسْلاَمِ إِذَا فُقِهُوا وٍتَجِدُونَ خَيْرَ النَّاسِ فِي هَذَا الشَّأْنِ
أَشَدَّهُمْ لَهُ كَرَاهِيَةً وَتَجِدُونَ شَرَّ النَّاسِ ذَا الوَجْهَيْنِ الَّذِي يَأْتِي هُؤُلاءِ بِوَجْهِ ويأْتِي هُؤُلاءِ بِوَجْهٍ.
[الحديث ٣٤٩٤ - طرفاه في: ٦٠٥٨، ٧١٧٩].
مطابقته للترجمة ظاهرة. وإسحاق بن إبراهيم المعروف بابن راهويه، وجرير هو ابن عبد
الحميد، وعمارة، بضم العين المهملة وتخفيف الميم: ابن القعقاع، وأبو زرعة اسمه هرم،
وقيل: عبد الرحمن، وقيل: عمرو.
والحديث أخرجه مسلم في الفضائل بتمامه وفي الأدب بقصة ذي الوجهين.
قوله: ((معادن)، أي: كمعادن، والحديث الآخر يوضحه: الناس معادن كمعادن الذهب

٩٦
٦١ - كِتابُ المَناقِبِ / باب (١).
والفضة، ووجه التشبيه اشتمال المعادن على جواهر مختلفة من نفيس وخسيس، كذلك
الناس من كان شريفاً في الجاهلية لم يزده الإسلام إلاَّ شرفاً، فإن تفقه وصل إلى غاية
الشرف، وكانت لهم أصول في الجاهلية يستنكفون عن كثير من الفواحش. قوله: ((إذا
فقهوا)) يعني: إذا فهموا أمور الدين، والفقه في الأصل الفهم، يقال: فقه الرجل، بكسر القاف،
يفقه، بفتحها إذا فهم وعلم، وفقه يفقه بضم القاف فيهما: إذا صار فقيهاً عالماً، وقد جعله
العرف خاصاً بعلم الشريعة وتخصيصاً بعلم الفروع منهما. قوله: ((تجدون خير الناس في
هذا الشأن)) أي: في الخلافة أو في الإمارة. قوله: ((أشدهم)) بالنصب على أنه مفعول ثان:
لتجدون. قوله: ((له)) أي: لهذا الشأن. قوله: ((كراهية))، نصب على التمييز ويروى: كراهة.
فإن قلت: كيف يصير خير جميع الناس بمجرد كراهته لذلك؟ قلت: المراد إذا تساووا في
سائر الفضائل، أو يراد من الناس الخلفاء أو الأمراء، أو معناه من خيرهم بقرينة الحديث الذي
بعده، فإن فيه تجدون من خير الناس بزيادة كلمة: من، كأنه قال: تجدون أكره الناس في
هذا الأمر من خيارهم، والكراهة بسبب علمه بصعوبة العدل فيها، والمطالبة في الآخرة، وهذا
في الذي ينال الخلافة أو الإمارة من غير مسألة، فإذا نالها بمسألة فأمره أعظم لأنه لا يعان
عليها، وهذا القسم أكثر في هذا الزمان. قوله: ((ذا الوجهين)) مفعول ثان لقوله: ((تجدون شر
الناس)) وذو الوجهين: هو المنافق وهو الذي يمشي بين الطائفتين بوجهين يأتي لإحداهما بوجه
ويأتي للأخرى بخلاف ذلك، وقال الله تعالى: ﴿مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى
هؤلاء﴾ [النساء: ١٤٣]. قال المفسرون: مذبذبين، يعني: المنافقين متحيرين بين الإيمان
والكفر فلا هم مع المؤمنين ظاهراً وباطناً، بل ظواهرهم مع المؤمنين وبواطنهم مع الكافرين،
ومنهم من يعتريه الشك، فتارة يميل إلى هؤلاء وتارة يميل إلى هؤلاء، وروى مسلم من حديث
عبد الله بن عمر عن النبي عَّه، قال: مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين تعير إلى
هذه مرة وإلى هذه مرة، لا تدري أيتهما تتبع.
٦/ ٣٤٩٥ - حدَّثْنَا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حدَّثنا المُغِيرَةُ عنْ أبي الزِّنادِ عنِ الأَعْرَجِ عنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ أنَّ النَّبِيَّ عَلَّهِ قال النَّاسُ تَبَعْ لِقُرَيْشٍ فِي هَذَا الشأنِ مُسْلِمُهُمْ
تبعّ لِمُسْلِمِهِمْ و کافِرُهُمْ تَعّ لِگافِهِمْ.
... /٣٤٩٦ _ والنَّاسُ مَعَادِنُ خيارُهُمْ في الجاهِلِيَّةِ خِيارُهُمْ في الإسْلاَمِ إِذَا فَقُهُوا
تَجِدُونَ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ أَشَدَّ النَّاسِ كَرَاهِيَةٌ لِهَذَا الشَّأنِ حتَّى يَقَعَ فِيهِ. [انظر الحديث ٣٤٩٣
وطرقه].
هذا طريق آخر لحديث أبي هريرة المدكور، رواه مختصراً ومطولاً. والمغيرة هو ابن
عبد الرحمن الحزامي المديني، وأبو الزناد عبد الله بن ذكوان، والأعرج عبد الرحمن بن
هرمز.
والحديث أخرجه مسلم في المغازي عن القعنبي، وفيه وفي الفضائل عن قتيبة. قوله:

٩٧
٦١ - كِتابُ المَناقِبِ / باب (١)
((الناس تبع لقريش)) قال الخطابي: يريد بقوله: تبع لقريش، تفضيلهم على سائر العرب
وتقديمهم في الإمارة. وبقوله: ((مسلمهم تبع لمسلمهم)) الأمر بطاعتهم أي: من كان مسلماً
فليتبعهم ولا يخرج عليهم، وأما معنى «كافرهم تبع لكافرهم))، فهو إخبار عن حالهم في
متقدم الزمان، يعني: أنهم لم يزالوا متبوعين في زمان الكفر، وكانت العرب تقدم قريشاً
وتعظمهم وكانت دارهم موسماً، ولهم السدانة والسقاية والرفادة يسقون الحجيج ويطعمونهم
فحازوا به الشرف والرياسة عليهم، ويريد بقوله: ((خيارهم إذا فقهوا)) أن من كانت له مأثرة
وشرف في الجاهلية وأسلم وفقه في الدين فقد أحرز مأثرته القديمة وشرفه الثابت إلى ما
استفاده من المزية بحق الدين، ومن لم يسلم فقد هدم شرفه وضيع قديمه، ثم أخبر أن خيار
الناس هم الذين يجدون الإمارة ويكرهون الولاية حتى يقعوا فيها، وهذا يحتمل وجهين:
أحدهما: أنهم إذا وقعوا فيها عن رغبة وحرص زالت عنهم محاسن الأخيار، أي: صفة
الخيرية، كقوله: من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين. والآخر: أن خيار الناس هم الذين
يكرهون الإمارة حتى يقعوا فيها، فإذا وقعوا فيها وتقلدوها زال معنى الكراهة، فلم يجز لهم أن
يكرهوها ولم يقوموا بالواجب من أمورها، أي: إذا وقعوا فيها فعليهم أن يجتهدوا في القيام
بحقها فعلَ الراغب فيها غير كاره لها.
باب
أي: هذا باب وهو كالفصل لما قبله.
٣٤٩٧/٧ - حدّثنا مُسَدَّدٌ حدَّثنا يَخيِى عِنْ شُعْبَةَ حدَّثَنِي عَبْدُ المَلِكِ عنْ طَاؤُسٍ
عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهُما ﴿إِلاَّ المِوَدَّةَ القُرْنَى﴾ [الشورى: ٢٣]. قالَ فقالَ سَعِيدُ
ابنُّ جُبَيْرٍ قُرْتَى مُحَمَّدٍ عَ لَّه فقال إِنَّ النَّبِيَّ عَ ◌ِّ لَمْ يَكُنْ بَطْنٌ مِنْ قُرَيْش إلاَّ وفِيهِ قَرَابَةٌ فَتَزَلَتْ
عَلَيْهِ ﴿إِلَّ أنْ تَصِلُوا قَرَابَةً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الشورى: ٢٣]. [الحديث ٣٤٩٧ - طرفه في:
٤٨١٨].
وجه ذكر هذه عقيب الحديث السابق أن المذكور فيه أن الناس تبع لقريش، وفيه
تفضيلهم على غيرهم، والمذكور في هذا أنه لم يكن بطن من قريش إلاَّ وللنبي معد له، فيه
قرابة، فيقتضي هذا تفضيله على الكل، ويحيى هو القطان، وعبد الملك هو ابن ميسرة أبو زيد
الزراد.
وهذا الحديث ذكره في التفسير في ﴿حم عسق﴾ [الشورى: ١]. حدثنا محمد بن
بشار حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن عبد الملك بن ميسرة، قال: سمعت طاوساً عن
ابن عباس أنه سئل عن قوله: ﴿إِلاَّ المودة في القربى﴾ [الشورى: ٢٣]. فقال سعيد بن
جبير: قربى آل محمد، فقال ابن عباس: عجلت، إن النبي عَّهِ لم يكن بطن من قريش إلاَّ
كان له فيهم قرابة، فقال: إلاَّ أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة. وأخرجه الترمذي أيضاً في
التفسير عن ابن بشار به، وقال: حسن صحيح. وأخرجه النسائي فيه عن إسحاق بن إبراهيم
عمدة القاري /ج١٦ /م٧

٩٨
٦١ - كِتابُ المَناقِبِ / باب (١)
عن غندر به.
قوله: ﴿إِلَّ المودة في القربى﴾ [الشورى: ٢٣]. وقبله: ﴿قل لا أسألكم عليه أجراً إلا
المودة في القربى﴾ [الشورى: ٢٣]. لما أوحى الله تعالى إلى النبي عَّمِ هذا الكتاب
الشريف، قال: قل لهم يا محمد: لا أسألكم عليه، أي: لا أطلب من هذا التبليغ المال والجاه
ولا نفعاً عاجلاً ولا مطلوباً حاضراً لئلا يتوهم أنه عّ لّه يطلب من هذا التبليغ حظاً من
الحظوظ، وعن قتادة اجتمع المشركون في مجمع لهم، فقال بعضهم لبعض: أترون أن
محمداً يسأل على ما يتعاطاه أجراً؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية يحثهم على مودته ومودة
أقربائه. قوله: ﴿إِلا المودة في القربى﴾ [الشورى: ٢٣]. يجوز أن يكون استثناءً متصلاً،
أي: لا أسألكم أجراً إلاَّ هذه، وهو أن لا تؤذوا أهل قرابتي ولم يكن هذا أجراً في الحقيقة،
لأن قرابته قرابتهم، وكانت صلتهم لازمة لهم في المودة، ويجوز أن يكون استثناءً منقطعاً،
أي: لا أسألكم أجراً قط، ولكن أسألكم أن تودوا قرابتي الذين هم قرابتكم ولا تؤذوهم.
واختلف المفسرون في ذلك على أقوال: أحدها: محبة قرابة رسول الله، عَّه، وهم:
أهل بيته من آل هاشم فمن بعدهم من أهل البيت. والثاني: مودة قريش. الثالث: المراد علي
وفاطمة وولداها، ذكر في ذلك عن رسول الله، عَّهِ، وبه قال ابن عباس. والرابع: قاله
عكرمة: كانت قريش تصل الرحم، فلما بعث محمد عَّله، وبه قطعته. فقال: ((صلوني كما
تفعلون))، فالمعنى لكن أذكركم قرابتي. والخامس: مودة من يتقرب إلى الله، عز وجل، وهو
رأي الصوفية.
قوله: ((إلاَّ أن تصلوا)) أي: إلاَّ صلة الأرحام. قوله: ((فنزلت عليه)) أي: على النبي،
عَُّلّهِ. فإن قلت: هذا لم ينزل؟ قلت: نزل معناه وهو قوله تعالى: ﴿إِلاَّ المودة في القربى﴾
[الشورى: ٢٣]. وتقديره: إلاَّ المودة ثابتة في أهل القربى، وقيل: الضمير في نزلت راجع إلى
الآية التي فيها ﴿إِلاَّ المودة في القربى﴾ [الشورى: ٢٣]. وقوله: ((إلاّ أن تصلوا)) تفسير لها.
٣٤٩٨/٨ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ إسْمَاعِيلَ عنْ قَيْسٍ بنِ أبِي
مَسْعُودٍ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيُّ عَ لِ قال مِنْ هَهُنَا جاءَتِ الفِتَنُ نَحْوَ المَشْرِقِ والجَفَاءُ وغِلْظًّ القُلُوبِ
في الفَدَّادِينَ أهْلِ الوَبَرِ عِنْدَ أصُولِ أَذْنابِ الإِبِلِ والبَقَرِ في رَبِيعَةَ ومُضَرَ. [انظر الحديث
٣٣٠٢ وطرفيه].
مطابقته للترجمة يمكن أن تؤخذ من قوله: في ربيعة ومضر، فإنهما قبيلتان، ولما فسر
الكرماني هذا الحديث والذي بعده قال: فإن قلت: ما وجه مناسبتهما بالترجمة؟ قلت:
ضرورة أن الناس باعتبار الصفات كالقبائل، وكون الأتقى منهم فيها أكرم، وفي القلب منه ما
لا يخفى على الفطن.
وعلي بن عبد الله هو ابن المديني، وسفيان هو ابن عيينة، وإسماعيل هو ابن أبي
خالد، وقيس هو أبي حازم البجلي، وأبو مسعود هو عقبة بن عمرو الأنصاري البدري.

٩٩
٦١ - كِتَابُ المَناقِبِ / باب (١)
قوله: ((يبلغ به النبي عَّل))، إنما قال كذلك لأنه أعم من أنه: سمع من النبي عَّهِ أو
من غيره عنه. قوله: ((نحو المشرق))، هو بيان أو بدل لقوله: ههنا. قوله: ((في الفدادين))
بالتشديد، وهم الذين تعلوا أصواتهم في حروثهم ومواشيهم، وبالتخفيف: هي البقرة التي
تحرث، واحدها: فدان مشدداً. وقال ابن الأثير: يقال: فدا الرجل يفد فديداً إذا اشتد صوته،
وقيل: الفدادون هم المكثرون من الإبل، وقيل: هم الجمالون والبقارون والحمارون والرعيان.
قوله: ((أهل الوبر)) أي: أهل البوادي، والوبر، بفتح الواو والباء الموحدة وفي آخره راء: هو وبر
الإبل سمي بذلك لأنهم يتخذون بيوتهم منه. قوله: ((عند أصول أذناب الإبل))، هو عبارة عن
جلبتهم عند سوقها. قوله: ((في ربيعة ومضر))، بدل من الفدادين.
٣٤٩٩/٩ - حدَّثنا أبو اليَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قال أخبرَنِي أَبُو سلَمَةَ بنُ
عَبْدِ الرَّحْمنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ قال سَمِعْتُ رَسُولَ الله عَ لِّ يَقُولُ الفَخْرُ
والخُيَلاَءُ في الفَدَّادِينَ أُهْلِ الوَبَرِ والسَّكِينَةِ في أُهِلِ الغَمِ والإيمانُ ◌َمَانٍ وَالحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ.
[انظر الحديث ٣٣٠١ وأطرافه].
مر الكلام في وجه المطابقة في أول الحديث السابق، وأبو اليمان الحكم بن نافع.
والحديث أخرجه مسلم في الإيمان عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي عن أبي اليمان.
قوله: ((والخيلاء)) بضم الخاء وكسرها: الكبر والعجب، يقال: فيه خيلاء ومخيلة أي:
كبر، ومنه اختال فهو مختال. وقال الداودي: قوله: ((والفخر والخيلاء في الفدادين))، وهم،
وإنما نسب إليهم الجفاء وهما في أصحاب الخيل. قوله: ((والسكينة))، هو السكون والوقار.
قوله: ((يمان))، أصله: يمني، حذف إحدى الياءين وعوض منهما الألف فصار: يمان، وهي اللغة
الفصحى، ثم: يمنى، ثم يماني بزيادة الألف، ذكرها سيبويه، وحكى الجوهري وصاحب
(المطالع) وغيرهما عن سيبويه أنه حكى عن بعض العرب أنهم يقولون: اليماني، بالياء
المشددة. وقال القاضي وغيره: قد صرفوا قوله: الإيمان يمان، عن ظاهره من حيث إن مبدأ
الإيمان من مكة، ثم من المدينة.
وحكى أبو عبيد فيه أقوالاً: أحدها: أنه أراد بذلك مكة، فإنه يقال: إن مكة من تهامة
وتهامة من أرض اليمن. والثاني: المراد مكة والمدينة فإنه يروى ما في الحديث أنه عَّه.
قال هذا الكلام وهو بتبوك، ومكة ومدينة حينئذ بينه وبين اليمن، فأشار إلى ناحية اليمن وهو
يريد مكة والمدينة، فقال: الإيمان يمان ونسبها إلى اليمن لكونها حينئذ من ناحية اليمن، كما
قالوا: الركن اليماني وهو بمكة لكونه إلى ناحية اليمن. والثالث: ما ذهب إليه كثير من الناس
- وهو أحسنها - أن المراد بذلك الأنصار لأنهم يمانيون في الأصل، فنسب الإيمان إليهم
لكونهم أنصاره. واعترض عليه الشيخ أبو عمر وابن الصلاح، فقال - ما ملخصه -: إنه لو نظر
إلى طرق الأحاديث لما ترك ظاهر الحديث. منها: قوله، عليه السلام: ((أتاكم أهل اليمن))
والأنصار من جملة المخاطبين بذلك، فهم إذاً غيرهم. ومنها: قوله عليه السلام: ((جاء أهل

١٠٠
٦١ - كِتابُ المَناقِبِ / باب (٢)
اليمن))، وإنما جاء حينئذ غير الأنصار، فحينئذ لا مانع من إجراء الكلام على ظاهره، وحمله
على الحقيقة لأن من اتصف بشيء وقوي قيامه به نسب ذلك الشيء إليه إشعاراً بتمييزه به،
وكمال حاله فيه، وهكذا كان حال أهل اليمن حينئذ في الإيمان، وليس في ذلك نفي له عن
غيرهم، فلا منافاة بينه وبين قوله عَّله: ((إن الإيمان ليأزر إلى الحجاز)). ويروى: ((الإيمان في
أهل الحجاز))، لأن المراد بذلك الموجود منهم حينئذ لا كل أهل اليمن في كل زمان، فإن
اللفظ لا يقتضيه.
قوله: ((والحكمة يمانية)) الحكمة عبارة عن العلم المتصف بالأحكام المشتمل على
المعرفة بالله عز وجل - المصحوب بنفاذ البصيرة وتهذيب النفس وتحقيق الحق والعمل به
والصد عن اتباع الهوى والباطل، والحكيم من له ذلك، وقال ابن دريد: كل كلمة وعظتك أو
زجرتك أو دعتك إلى مكرمة أو نهتك عن قبيح فهي حكمة، وحكم، ومنه قوله عَ له: ((إن
من الشعر حكمة)) وفي بعض الروايات: حكماً.
قالَ أَبُو عَبْدِ الله سُمِّيَتِ اليَمَنَ لأَنَّهَا عنْ يَمِينِ الكَعْبَةِ والشّأمَ عنْ يَسارِ الكَعْبَةِ
والْمَشْأمَةُ المَيْسَرَةُ والَهُ اليُسْرَى الشُّؤْمَى والجانِبُ الأَيْسَرُ الأَشْأُمُ
أبو عبد الله هو البخاري نفسه، وليس هذا اللفظ بمذكور في بعض النسخ. قوله:
((سميت اليمن))، لأنها عن يمين الكعبة هذا قول الجمهور. وقال الرشاطي: سمي بذلك قبل
أن تعرف الكعبة لأنه عن يمين الشمس، وقيل: سمي بيمن بن قحطان، وقيل: سمي بيعرب
ابن قحطان، لأن يعرب اسمه يمن، فلذلك قيل: أرض يمن. قوله: ((والشأم)) أي: سميت الشام
لأنها عن يسار الكعبة، وقيل: سمي بشامات هناك حمر وسود، وقيل: سمي بسام بن نوح،
عليه الصلاة والسلام، لأنه أول من اختطه، وكان اسم سام: شام بالشين المعجمة، فعرب
فقيل: سام بالسين المهملة، وقيل: شام إسم أعجمي من لغة بني حام، وتفسيره بالعربي: خير
طيب. وقال البكري: الشام مهموز وقد لا يهمز، في (المطالع): قال أبو الحسين بن سراج:
الشام، بهمزة ممدود وأباه أكثرهم فيه إلاَّ في النسب، أعني: فتح الهمزة، كما اختلف في
إثبات الياء مع الهمزة الممدود فأجازه سيبويه ومنعه غيره، لأن الهمزة عوض من ياء النسب،
فعلى هذا يقال: شامي وشآم في الرجل، كما يقال: يماني ويمان. قوله: ((والمشأمة الميسرة))
الميم فيهما زائدة لأن اشتقاقهما يدل على ذلك، لأنهما من الشؤم واليسار. قال الجوهري:
المشأمة الميسرة، وكذلك الشأمة والشؤم نقيض اليمن. قوله: ((واليد اليسرى))، يعني:
تسمى بالشؤمى، قاله أبو عبيدة، وكذلك قال للجانب الأيسر الأشأم، ومادة الكل من الشؤم
وهو نقيض اليمن، كما ذكرناه.
٢ - بابُ مَناقِبٍ قُرَئِشِ
أي: هذا باب في بيان مناقب قريش والكلام فيه على أنواع.
الأول من هو الذي تسمى بقريش من أجداد النبي عَّ؟ فقال الزبير: قالوا: قريش
٠٠٠