النص المفهرس

صفحات 1-20

بُعْدَةُ الْقَرَاني
شَرْح
حِيح البُخَارِيْ
تأليف
الأَمَامِ الْعَلَّمَة بَدُرِ الدِّينِ أَبَي محمَّدَ مُحُدِ بْنْ أَحْدَ الْعَنِي
المتوفى سنة ٨٥٥هـ
ضبطه وصحّه
عبد الله محمود محمّد عُمَرَ
طبعة جديدة مرقمة الكتب والأبواب والأحاديث
حسب ترقيم المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي الشريف
الجُزء السَّادِسْ عَشْر
يحتوي على الكتب التالية:
تتمة أحاديث الأنبياء~ المناقب ~ فضائل الصحابة~ مناقب الأنصار
من الحديث (٣٤١٢) ~ الى الحديث (٣٨٦٠)
مشورات
محمد عَلى بيضون
لِنِشْرِكْتبِ الْسُنِّوَ الجِمَاعَةِ
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان

+
دار الكـ
جميع الحقوق محفوظة
Copyright C
All rights reserved
Tous droits réservés
1
جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة
لدار الكتب العلمية بيروت - لبنان
ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة
تنضيد الكتاب كاملاً أو مجزاً أو تسجيله على
أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو
برمجته على اسطوانات ضوئية إلا بموافقة
الناشر خطياً.
Exclusive Rights by
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beirut - Lebanon
No part of this publication may be
translated, reproduced, distributed in any
form or by any means, or stored in a data
base or retrieval system, without the
prior written permission of the publisher.
Droits Exclusifs à
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beyrouth - Libon
Il est interdit à toute personne individuelle
ou morale d'éditer, de traduire, de
photocopier, d'enregistrer sur cassette,
disquette, C.D, ordinateur toute
production écrite, entière ou partielle,
sans l'autorisation signée de l'éditeur.
الطّبعَة الأوْلى
١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان
رمل الظريف، شارع البحتري، بناية ملكارت
هاتف وفاكس : ٣٦٤٣٩٨ - ٣٦٦١٣٥ - ٣٧٨٥٤٢ (٩٦١١)
صندوق بريد : ٩٤٢٤ - ١١ بيروت - لبنان
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah
Beirut - Lebanon
Ramel Al-Zarif, Bohtory St., Melkart Bldg., Ist Floor
Tel. & Fax : 00 (961 1) 37.85.42 - 36.61.35 - 36.43.98
P.O.Box : 1 1 - 9424 Beirut - Lebanon
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah
Beyrouth - Liban
Ramel Al-Zarif, Rue Bohtory, Imm. Melkart, Iére Etage
Tel. & Fax : 00 (961 1) 37.85.42 - 36.61.35 - 36.43.98
B.P .: 1 1 - 9424 Beyrouth - Liban
ISBN 2-7451-2269-X
90000>
9 782745 122698
http://www.al-ilmiyah.com/
e-mail: sales@al-ilmiyah.com
info@al-ilmiyah.com
baydoun@al-ilmiyah.com

بسم الله الرحمن الرّحيم
٣٧ - بابُ قَوْلِ الله تعَالى: ﴿وإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرسَلِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿وَهْوَ
مُلِيمٍ﴾ [الصافات: ١٣٩ - ١٤٢].
أي: هذا باب في بيان قوله تعالى: ﴿وإن يونس لمن المرسلين إذ أبق إلى الفلك
المشحون فساهم فكان من المدحضين فالتقمه الحوت وهو مليم﴾ [الصافات: ١٣٩ -
١٤٢]. ويونس بن متى، بفتح الميم وتشديد التاء المثناة من فوق مقصور، وقيل: متى أمه
ولم يشتهر نبي بأمه غير يونس والمسيح، عليهما الصلاة والسلام، وروى عبد الرزاق: إن متى
اسم أمه ولكن الأصح أنه اسم أبيه، وكان رجلاً صالحاً من أهل بيت النبوة ولم يكن له ولد
ذكر فقام إلى العين التي اغتسل فيها أيوب، عليه الصلاة والسلام، فاغتسل هو وزوجته منها
وصليا ودعوا الله تعالى أن يرزقهما ولداً مباركا، فيبعثه الله في بني إسرائيل، فاستجاب الله
دعاءهما ورزقهما يونس، وتوفي متى ويونس في بطن أمه وله أربعة أشهر، وقد قيل: إنه من
بني إسرائيل وإنه من سبط بنيامين، وكان من أهل قرية من قرى الموصل يقال لها: نينوى،
وكان قومه يعبدون الأصنام فبعثه الله إليهم.
قال مُجَاهِد مُذْنِبٌ
هو تفسير قوله: مليم، هكذا رواه الطبري من طريق مجاهد من ألام الرجل إذا أتى بما
يلام عليه، وفي (تفسير النسفي): وهو مليم داخل في الملامة، يقال: رب لائم مليم، أي:
يلوم غيره وهو أحق منه باللوم، وعن الطبري: المليم هو المكتسب اللوم.
الْمَشْعُونُ المُوَقَّرُ
أشار به إلى تفسير قوله تعالى: ﴿إِلى القلك المشحون﴾ [الصافات: ١٤٠]. هكذا
رواه ابن أبي حاتم من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد والموقر بضم الميم وفتح القاف
المملوء وقيل معناه المشحون المحمل المجهز.
﴿فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات: ١٤٣]. الآية
يعني أتم الآية أو اقرأ الآية، وهو قوله: ﴿للبث في بطنه إلى يوم يبعثون﴾ [الصافات:
١٤٤]. يعني: فلولا أن يونس كان من المسبحين، أي: المنزهين الذاكرين الله تعالى قبل
ذلك في الرخاء بالتسبيح والتقديس للبث في بطن الحوت إلى يوم يبعثون، يعني إلى يوم
القيامة. وفي (تفسير النسفي): الظاهر لبثه حياً إلى يوم القيامة، وعن قتادة: لكان بطن الحوت
قبراً له إلى يوم القيامة، وقال الكلبي: كان لبثه في بطن الحوت أربعين يوماً، وقال الضحاك:
عشرين يوماً. وقال عطاء: سبعة أيام، وقيل: ثلاثة أيام، وعن الحسن البصري: لم يلبث إلاَّ
قليلاً ثم أخرج من بطنه بعيد الوقت الذي التقم فيه.
٣

٤
٦٠ - كِتابُ أحَادِيثِ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (٣٧)
﴿فَتَذْنَاهُ بِالعَرَاءِ﴾ بِوَجْهِ الأَرْضِ ﴿وَهْوَ سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٥].
أي: فطرحناه، وفسر العراء: بوجه الأرض، وهكذا فسره الكلبي، وقال مقاتل: هو ظهر
الأرض، وقال مقاتل بن سليمان: هو البراز من الأرض، وقال الأخفش: هو الفضاء، وقال
السدي: هو الساحل، ويقال: العراء الأرض الخالية من الشجر والنبات، ومنه قيل للمتجرد:
عريان. قوله: ((سقيم))، أي: عليل مما حل به.
﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾ [الصافات: ١٤٦]. من غَيْرِ ذَاتِ أَصْلِ الدُّبَّاءِ
ونَخوِهِ
قوله: ((عليه) أي: له، وقيل: عنده، واليقطين: القرع، وعن ابن عباس والحسن ومقاتل:
كل نبت يمتد وينبسط على وجه الأرض وليس له ساق نحو القثاء والبطيخ والقرع والحنظل،
وقال سعيد بن جبير: هو كل نبت ينبت ثم يموت في عامه، وقيل: هو يفعيل من: قطن
بالمكان إذا أقام به إقامة زائل لا إقامة ثابت، وقيل: هو الدباء. وفائدة الدباء: أن الذباب لا
يجتمع عنده، وقيل: لرسول الله، عَّهِ: إنك لتحب القرع؟ قال: أجل، هي شجرة أخي
يونس، وقيل: هي التين، وقيل: هي شجرة الموز يغطي بورقها ويستظل بأغصانها ويفطر على
ثمارها، وقال مقاتل بن حيان: كان يستظل بالشجرة. وكانت وعلة تختلف إليه فيشرب من
لبنها. قوله: ((من غير ذات أصل))، صفة يقطين أي: من يقطين كائن من غير ذات أصل.
قوله: ((الدباء))، بالجر بدل من: يقطين، أو بيان وليس هو مضافاً إليه. فافهم. قوله:
((ونحوه))، أي: ونحو اليقطين: القثاء والبطيخ.
﴿وَأَزْسَلْنَاهُ إلَى مِائَةٍ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧].
أي: وأرسلنا يونس. وفي (تفسير النسفي): يجوز أن يكون قبل حبسه في بطن
الحوت، وهو ما سبق من إرساله إلى قومه من أهل نينوى، وقيل: هو إرسال ثان بعدما جرى
عليه في الأولين، والغرض من قوله: ﴿إلى مائة ألف أو يزيدون﴾ [الصافات: ١٤٧].
الكثرة، وقال مقاتل: معناه بل يزيدون، وعن ابن عباس: معناه ويزيدون، وعنه مبلغ الزيادة على
مائة ألف عشرون ألفاً، وعن الحسن والربيع، بضع وثلاثون ألفاً، وعن ابن حبان: سبعون ألفاً.
﴿فَآمَنُوا فَمَنَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٤٨].
يعني: فآمن قوم يونس عند معاينة العذاب. قوله: ((فمتعناهم إلى حين)) أي: إلى أجل
مسمى إلى حين انقضاء آجالهم.
﴿وَلاَ تَكُنْ كَصاحِبِ الحُوتِ إِذْ نَادَى وَهْوَ مَکْظُومٌ﴾ [القلم: ٤٨] كَظِيمٌ وَهْوَ
مَغْمُومٌ.
الخطاب للنبي، عٍَّ، أي: لا تكن يا محمد كصاحب الحوت وهو يونس في
الضجر والغضب والعجلة. قوله: ((إذ نادى))، أي: حين دعا ربه في بطن الحوت وهو كظيم،

٥
٦٠ - كِتَابُ أَحَادِيثِ الأنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (٣٧)
أي: مملوء غيظاً، من كظم السقاء إذا ملأه. وأشار بقوله: كظيم، إلى أن مكظوم على وزن
مفعول، ولكنه بمعنى: كظيم على وزن فعيل، وفسره بقوله: وهو مغموم، وقيل: محبوس عن
التصرف.
٧٥/ ٣٤١٢ - حدّثنا مُسَدَّدٌ حدَّثنا يَخْتَى عنْ سُفْيَانَ قال حدَّثني الأعْمَشُ ح حدَّثنا
أَبُو نُعَيْم حدَّثنا سُفْيَانُ عنِ الأعْمَشِ عنْ أبِي وَائِلٍ عنْ عَبْدِ الله رضي الله تعالى عنه عن النَّبِيّ
◌َِّ قال لا يَقُولَنَّ أحَدُكُمْ إِنِّي خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ زَادَ مُسَدَّدٌ يُؤُنُسَ بنِ مَتَّى.
مطابقته للترجمة ظاهرة. وأخرجه من طريقين: أحدهما: عن مسدد عن يحيى القطان
عن سفيان الثوري عن سليمان الأعمش. والآخر: عن أبي نعيم الفضل بن دكين عن سفيان
عن الأعمش عن أبي وائل شقيق بن سلمة عن عبد الله بن مسعود. والحديث أخرجه
البخاري أيضاً في التفسير: عن أبي نعيم وعن مسدد عن قتيبة أيضاً. وأخرجه النسائي في
التفسير عن محمود بن غيلان، قال العلماء: إنما قاله، عَّةٍ، لما خشي على من سمع قصته
أن يقع في نفسه تنقيص له، فذكره لسد هذه الذريعة.
٧٦/ ٣٤١٣ - حدّثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ قَتَادَةَ عنْ أَبِي العَالِيَةِ عنِ ابنِ
عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما عنِ النَّبِيِّ عَّه قال ما يَنْبَغِي لِعَبْدِ أَنْ يَقُولَ إِنِّي خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ
ابنِ مَتَّى ونَسَبَهُ إلى أَبِيهِ. [انظر الحديث ٣٣٩٥ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، وأبو العالية رفيع بن مهران. والحديث قد مضى في: باب
قول الله تعالى: ﴿وهل أتاك حديث موسى﴾ [طه: ٩]. ومضى الكلام فيه هناك.
٣٤١٤/٧٧ - حدّثنا يَحْيِّى بنُ بُكَيْرٍ عنِ اللَّيْثِ عنْ عَبْدِ العَزِيزِ بنِ أبِي سلَمَةَ عنْ
عَبْدِ اللهِ بنِ الفَضْلِ عنِ الأَعْرَجِ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ قال بيْنَمَا يَهُودِيِّ يَعْرِضُ
سِلْعَتَهُ أُعْطِيَ بِهَا شَيْئاً كَرِهَهُ فقال لا والَّذِي اضْطَفى مُوسَى عَلَى البَشَرِ فسَمِعَهُ رَجُلٌ مِنَ
الأَنْصَارِ فَقامَ فَلَطَمَ وَجْهَهُ وقال تَقُولُ والَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلى البَشَرِ والنبيُّ عَّهِ بَيْنَ
أَظْهُرِنا فَذَهَبَ إِلَيْهِ فقال أبا القاسِمِ إِنَّ لِي ذِمةً وعَهْداً فَما بالُ فُلان لَطَمَ وجْهِي فقال لِمَ
لَطَمْتَ وجْهَهُ فَذَكَرَهُ فَغَضِبَ النبيُّ عَ لَّهِ حَتَّى رُنِيَ فِي وَجْهِهِ ثُمَّ قال لاَ تُفَضِّلُوا بَيْنَ أَنْبِياءِ الله
فإِنَّهُ يُنْفَخْ في الصُّوَرِ فَيَضْعَقُ مَنْ فِي السَّمَواتِ ومَنْ في الأرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ الله ثُمَّ يُنْفَخُ
فيهِ أَخْرَى فَأَكُونُ أوَّلَ مَنْ بُعِثَ فإذَا مُوسَى آخِذٌ بِالْعَرْشِ فَلاَ أذْرِي أحُوسِبَ بِصَغْفَتِهِ يَوْمَ
الطُّورِ أَمْ بُعِثَ قَبْلِي. [انظر الحديث ٢٤١١ وأطرافه].
... / ٣٤١٥ - وَلاَ أَقُولُ إنَّ أحدَاً افْضَلُ مِنْ يُونُسَ بنِ مَنَّى. [الحديث ٣٤١٥ -
أطرافه في: ٣٤١٦، ٤٦٠٤، ٤٦٣١، ٤٨٠٥].
مطابقته للترجمة ظاهرة في آخر الحديث، والأعرج هو عبد الرحمن بن هرمز،
والحديث مضى عن قريب في: باب وفاة موسى، عليه الصلاة والسلام.

٦
٦٠ - كِتابُ أَحَادِيثِ الأنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (٣٨)
قوله: ((يعرض))، أي: يبرز متاعه للناس ليرغبوا في شرائه فأعطى له به ثمناً بخساً. قوله:
((أظهرنا))، مقحم، وقد يوجه عدم إقحامه وهو أنه جمع ظهر، ومعناه: أنه بينهم على سبيل
الاستظهار كان ظهراً منه قدامه وظهراً وراءه، فهو مكنون من جانبيه، إذا قيل: بين ظهرانيهم،
ومن جوانبه إذا قيل: بين أظهرهم. قوله: ((ذمة وعهداً)، يعني: مع المسلمين، فلم أخفر ذمتي
ونقض عهدي باللطم. قوله: ((لا تفضلوا بين أنبياء الله))، معناه: لا تفضلوا بعضاً بحيث يلزم
منه نقص المفضول، أو يؤدي إلى الخصومة والنزاع، أو: لا تفضلوا بجميع أنواع الفضائل،
وإن كان رسول الله، عَ لّه أفضل منهم مطلقاً، إذ الإمام أفضل من المؤذن مطلقاً، وإن كان
فضيلة التأذين غير موجودة فيه، أو: لا تفضلوا من تلقاء أنفسكم وأهوائكم. فإن قلت: نهى
عَ لِّ عن التفضيل وقد فضل هو بنفسه موسى، عليه الصلاة والسلام؟ قلت: لم يفضل، إذ
معناه: وأنا لا أدري أن هذا البعث فضيلة له أم لا؟ وأجاز له ما لم يجز لغيره. فإن قلت:
السياق يقتضي تفضيل موسى على سيدنا رسول الله، عَّ له. قلت: لئن سلمنا لا يقتضي إلاَّ
تفضيله بهذا الوجه وهذا لا ينافي كونه أفضل مطلقاً من موسى. قوله: ((بصعقته يوم الطور))،
وهو في قوله تعالى: ﴿فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً وخر موسى صعقاً﴾ [الأعراف:
١٤٣]. فإن قلت: إن موسى قد مات، فكيف تدركه الصعقة؟ وأيضاً قد ورد النص وأجمعوا
أيضاً على أن رسول الله، عَ لّ هو أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة؟
فإن قلت: المراد من البعث الإفاقة بقرينة الروايات الأخر حيث قال: أفاق قبلي، وهذه
الصعقة هي غشية بعد البعث عند نفخة الفزع الأكبر. قوله: ((ولا أقول ... )) إلى آخره، أي: لا
أقول من عند نفسي أو قاله عَّله تواضعاً وهضماً لنفسه.
٣٤١٦/٧٨ - حدّثنا أبو الوليدِ حدّثنا شُعْبَةُ عنْ سَعْدِ بنِ إِبْرَاهِيمَ قال سَمِعْتُ محُمَيْدَ
ابنَ عَبْدِ الرَّحْمن عنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عن النبيِّ عَّهِ قال لاَ يَنْتَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ أنا
خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بنِ مَتَّى. [انظر الحديث ٣٤١٥ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، وأبو الوليد هشام بن عبد الملك، وقد مر الكلام فيه عن
قريب، والله أعلم.
٣٨ - بابٌ ﴿واسألْهُمْ عنِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَخرِ إِذْ يَعْدُونَ في
السَّبْتِ﴾ [الأعراف: ١٦٣].
أي: هذا باب يذكر فيه قول الله تعالى: ﴿واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر
إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم أشرعاً ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك
نبلوهم بما كانوا يفسقون﴾ [الأعراف: ١٦٣]. قوله: ((واسألهم))، أي: اسأل يا محمد هؤلاء
اليهود الذين بحضرتك عن قصة أصحابهم الذين خالفوا أمر الله ففاجأتهم نقمته على صنيعهم
واعتدائهم واحتيالهم في المخالفة، وحذر هؤلاء من كتمان صفتك التي يجدونها في كتبهم
لئلا يحل بهم ما حل بإخوانهم وسلفهم. قوله: ((عن القرية)) أي: يعتدون فيه ويخالفون فيه

٧
٦٠ - كِتَابُ أَحَادِيثِ الأنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (٣٨)
أمر الله وهو اصطيادهم في يوم السبت وقد نهوا عنه، وإذ يعدون بدل من القرية بدل
الاشتمال، ويجوز أن يكون منصوباً بقوله: كانت، أو بقوله: حاضرة. قوله: ((إذ تأتيهم)) كلمة:
إذ، منصوب بقوله: يعدون. قوله: ((شرعاً)) أي: ظاهرة على الماء، قاله ابن عباس. قوله:
((كذلك نبلوهم)) أي: نختبرهم بإظهار السمك لهم على ظهر الماء في اليوم المحرم عليهم
صیده.
يَعْدُونَ يتَعَدَّوْنَ يَتَجَاوَزُونَ في السَّبْتِ ﴿إِذ تأتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً﴾
[الأعراف: ١٦٣]. شَوَارِعَ
فسر قوله تعالى: ﴿إِذ يعدون﴾ بقوله: يتعدون يتجاوزون، وقد فسرناه، وقد فسر شرعاً
بقوله: شوارع، وفيه نظر، لأن الشرع جمع شارع، والشوارع جمع شارعة، ومادته تدل على
الظهور ومنه شرع الدين: إذا بينه وأظهره.
إلى قَوْلِهِ ﴿كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ [الأعراف: ١٦٣ - ١٦٧].
إلى: متعلق بقوله: شرعاً، وليس هو بتعلق نحوي، وإنما معناه: إقرأ بعد قوله: شرعاً، إلى
قوله ﴿كونوا قردة خاسئين﴾ وهو قوله: ﴿ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا
يفسقون وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً قالوا
معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء
وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون فلما عتوا عما نهوا عنه قلنا لهم
كونوا قردة خاسئين﴾ [الأعراف: ١٦٣ - ١٦٧]. قوله: أمة منهم، أي: جماعة من أصحاب
السبت وكانوا ثلاث فرق: فرقة ارتكبت المحذور واحتالوا على صيد السمك يوم السبت.
وفرقة نهت عن ذلك وأنكرت واعتزلتهم. وفرقة سكتت فلم تفعل ولم تنه، ولكنهم قالوا
للمنكرة: لِمَ تَعِظُونَ قوماً الله مهلكهم؟ قوله: ((معذرة))، قرىء بالرفع على تقدير: هذا معذرة،
وبالنصب على تقدير: نفعل ذلك معذرة إلى ربكم أي: فيما أخذ علينا بالأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر، ولعلهم يتقون أي: لعلهم بهذا الإنكار يتقون ما هم فيه ويتركونه ويرجعون
إلى الله تعالى تائبين، فإذا تابوا تاب الله عليهم. قوله: ((فلما نسوا ما ذكروا به)) أي: فلما
أبى الفاعلون المنكر قبول النصيحة ((أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا))
أي: ارتكبوا المعصية. قوله: ((فلما عتوا)) أي: فلما تكبروا. قوله: ((قردة))، جمع قرد، قوله:
((خاسئين)) أي: ذليلين حقيرين مهانين، وروى ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس: صار
شبانهم قردة وشيوخهم خنازير.
بَئیسٌ شَدِيدٌ
هكذا فسره أبو عبيدة، وهكذا فسره الزمخشري يقال: بؤس يبؤس بأساً: إذا اشتد فهو
بئيس، وقرىء: بئس، بوزن حذر وبئس على تخفيف العين ونقل حركتها إلى الفاء، كما
يقال: كبد في كبد، وبيس على قلب الهمزة ياء: كذيب، في ذئب، وبيئس على وزن فيعل

٨
٦٠ - كِتابُ أَحَادِيثِ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلاَمُ / باب (٣٩)
بكسر الهمزة وفتحها، وبيس على وزن ريس وبيس على وزن هين في هين.
٣٩ - بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿وَآتَيْنَا داؤُدَ زَبُورَأَ﴾ [النساء: ١٦٣، الإسراء: ٥٥].
ولم يذكر البخاري في هذا الباب حديثاً.
أي: هذا باب في بيان قوله تعالى: ﴿وآتينا داود زبوراً﴾ [الأعراف: ١٦٣ - ١٦٧].
وقبله: ﴿إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل
وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبوراً﴾
[النساء: ١٦٣، والإسراء: ٥٥]. وداود اسم أعجمي، وعن ابن عباس: هو بالعبرانية القصير
العمر، ويقال: سمي به لأنه داوى جراحات القلوب، وقال مقاتل: ذكره الله في القرآن في
اثني عشر موضعاً، وهو داود بن إيشا، بكسر الهمزة وسكون الياء آخر الحروف وبالشين
المعجمة: ابن عوبد، بفتح العين المهملة وسكون الواو وفتح الباء الموحدة، على وزن جعفر:
ابن باعر، بباء موحدة وعين مهملة مفتوحة: ابن سلمون بن يارب، بياء آخر الحروف وفي
آخره باء موحدة: ابن رام بن حضرون، بحاء مهملة وضاد معجمة: ابن فارص، بفاء وفي آخره
صاد مهملة ابن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، عليهم الصلاة والسلام. ومنهم من
زاد بعد سلمون: يحشون بن عمينا ابن داب بن رام، وقيل: ارم. قوله: ((زبورا))، هو اسم
الكتاب الذي أنزل الله عليه، وروى أبو صالح عن ابن عباس، قال: أنزل الله الزبور على داود،
عليه الصلاة والسلام، مائة وخمسين سورة بالعبرانية، في خمسين منها ما يلقونه من بخت
نصر، وفي خمسين ما يلقونه من الروم، وفي خمسين مواعظ وحكم، ولم يكن فيه حلال ولا
حرام ولا حدود ولا أحكام، وروى: أنه نزل عليه في شهر رمضان.
الزُّبُرُ الْكُتُبُ واحِدُها زَبُورٌ. زَبَرْتُ كَتَبْتُ
الزبر، بضم الزاي والباء: جمع زبور، قال الكسائي: يعني المزبور، يعني: المكتوب،
يقال: زبرت الورق فهو مزبور أي: كتبته، فهو مكتوب، وقرأ حمزة: زبور، بضم الزاي وغيره
من القراء بفتحها.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا داؤُدَ مِنَّا فَضْلاً يا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ [سبأ: ١٠ - ١١].
فضلاً أي: نبوة وكتاباً هو الزبور وصوتاً بديعاً وقوة وقدرة وتسخير الجبال والطير،
قوله: ((يا جبال))، بدل من قوله: ((فضلاً)) بتقدير قولنا: يا جبال، أو هو بدل من قوله تعالى:
آتينا، بتقدير: قلنا يا جبال.
قال مُجَاهِدٌ سَبِّجِي مَعَهُ
هو تفسير قوله تعالى ﴿أُوِّبي معه﴾، يعني: يا جبال سبحي مع داود، وأوّبي أمر من
التأويب أي: رجعي معه التسبيح أو رجعي معه في التسبيح كلما رجع فيه لأنه إذا رجعه فقد
رجع، وقيل: سبحي معه إذا سبح، وقيل: هي بلسان الحبشة، وقيل: نواحي معه والطير

٩
٦٠ - كِتابُ أحَادِيثِ الأنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلاَمُ / باب (٣٩)
تساعدك على ذلك، وكان إذا نادى بالنياحة أجابته الجبال بصداها وعكفت عليه الطير من
فوقه، فصدى الجبال الذي يسمعه الناس من ذلك اليوم.
والطيْرَ
هو منصوب بالعطف على محل الجبال، وقيل: منصوب على أنه مفعول معه، وقيل:
منصوب بالغطف على: فضلاً، يعني: وسخرنا له الطيرَ.
﴿وَأَلَنَّا لَهُ الحَدِيدَ﴾ [سبأ: ١٠]
أي: ألنًّا لداود الحديد فصار في يده مثل الشمع، وكان سأل الله أن يسبب له سبباً
يستغني به عن بيت المال فيتقوت منه ويطعم عياله، فألان الله له الحديد.
﴿أَنِ اعْمَلْ سابِغَاتٍ﴾ [سبأ: ١١] الدُّرُوعَ
كلمة: أن، هذه مفسرة بمنزلة: أي، كما في قوله تعالى: ﴿فأوحينا إليه أن اصنع
الفلك﴾ [المؤمنون: ٢٧]. وسابغات، منصوب بقوله: اعمل، وفسره بقوله: الدروع، وكذا
فسر أبو عبيدة السابغات بالدروع، وقال أهل التفسير: أي كوامل واسعات، وقرىء: صابغات،
بالصاد.
﴿وَقَدِّزْ في السَّرْدِ﴾ [سبأ: ١١] المَسَامِيرِ والحَلَقِ ولا تُدِقَّ المِسْمَارَ فيَتَسَلْسَلَ ولاَ
تُعَظِّمْ فَيَفْصِمَ
فسر السرد بقوله: المسامير والحلق، قال المفسرون معنى قوله: ﴿وقدر في السرد﴾
[سبأ: ١١]. أي: لا تجعل المسامير دقاقاً، ولا غلاظاً، وأشار البخاري إلى ذلك بقوله: ولا
تدق بالدال المهملة، من التدقيق، ويدل عليه ما روى إبراهيم الحربي في (غريب الحديث):
من طريق مجاهد في قوله: ﴿وقدر في السرد﴾ [سبأ: ١١]. لا تدق المسامير، فيتسلل ولا
تغلظها فيفصمها، وقيل: ولا ترق، بالراء من الرقة وهو أيضاً يؤدي ذلك المعنى. قوله:
((فيتسلسل))، ويروى: فيتسلل، ويروى: فيسلس، والكل يرجع إلى معنى واحدٍ، يقال: شيء
سلس، أي: سهل، ورجل سلس أي: لين منقاد بين السلس والسلاسة. قوله: ((ولا تعظم)) أي:
المسمار، فيفصم، من الفصم: وهو القطع.
أفْرِغْ أَنْزِلْ
أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿ربنا أفرغ علينا صبراً﴾ [البقرة: ٢٥٠]. وفسر أفرغ
بقوله: أنزل من الإنزال، قال المفسرون، معنى قوله: ﴿أفرغ علينا صبراً﴾ أي: أنزل علينا
صبراً من عندك، وهذا في قصة طالوت، وفيها قضية داود عليه الصلاة والسلام، فكأنه ذكر
ههنا لأن قضيتهما واحدة، وقال بعضهم: أفرغ أنزل لم أعرف المراد من هذه الكلمة هنا!
قلت: ليس هذا الموضع من المواضع التي يدعى فيها العجز، والوجه فيه من المعنى
والمناسبة ما ذكرناه.

١٠
٦٠ - كِتابُ أَحَادِيثِ الأُنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (٣٩)
بَسْطَّةً زِيادَةً وفَضْلاً
أشار إلى ما في قوله تعالى ﴿إن الله اصطفاه عليكم وزاده مبسطة في العلم والجسم﴾ [البقرة:
٢٤٧]. وهذا أيضاً في قصة طالوت فيه ما ذكرناه وقد فسر البخاري بسطة بقوله زيادة
وفضلاً أي زيادة في القوة وفضلاً في المال وفي علم الحروب وهذا والذي قبله لم يقعا إلاَّ في
رواية الكشميهني وحده.
﴿واعْمَلُوا صالِحَاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [سبأ: ١١].
فأجازيكم عليه أحسن جزاء وأتمه.
٧٩/ ٣٤١٧ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عنْ هَمَّامِ
عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ عِنِ النَّبِيِّ عَّ ◌ُلْلِ قال خُفْفَ عَلَى دَاوِدَ عليه السَّلاَمٌ
القُرْآنُ فكانَ يأمُرُ بِدَوَابِهِ فَتُسْرَجُ فَيَقْرَأُ القُرْآنَ قَبْلَ أنْ تُشْرَجَ دَوَابُهُ ولاَ يأكُلُ إلاَّ مِنْ عَمَلٍ
يَدِهِ. [انظر الحديث ٢٠٧٣ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة. ورجاله قد ذكروا غير مرة. والحديث أخرجه البخاري أيضاً
في التفسير عن إسحاق بن نصر.
قوله: ((خفف))، على صيغة المجهول من التخفيف. قوله: ((القرآن))، وفي رواية
الكشميهني: القراءة، وقال الكرماني: القرآن أي التوراة أو الزبور، وقال التوربشتي: وإنما أطلق
القرآن لأنه قصد به إعجازه من طريق القراءة. وقال صاحب (النهاية): الأصل في هذه اللفظة
الجمع، وكل شيء جمعته فقد قرأته، وسمى القرآن قرآناً لأنه جمع الأمر والنهي وغيرهما، وقد
يطلق القرآن على القراءة، وقرآن كل نبي يطلق على كتابه الذي أوحي إليه، قوله: ((فكان))
أي: داود يأمر بدوابه، وفي روايته في التفسير: بدابته بالإفراد، ويحمل الإفراد على مركوبه
خاصة، وبالجمع مركوبه ومراكيب أتباعه. قوله: ((قبل أن تسرج))، وفي رواية موسى: فلا
تسرج حتى يقرأ القرآن، والأول أبلغ. وفيه: الدلالة على أن الله تعالى يطوي الزمان لمن يشاء
من عباده كما يطوي المكان، وهذا لا سبيل إلى إدراكه إلاَّ بالفيض الرباني، وجاء في
الحديث: إن البركة قد تقع في الزمن اليسير حتى يقع فيه العمل الكثير، وقال النووي: أكثر
ما بلغنا من ذلك من كان يقرأ أربع ختمات بالليل وأربعاً بالنهار. انتهى، ولقد رأيت رجلاً
حافظاً قرأ ثلاث ختمات في الوتر في كل ركعة ختمة في ليلة القدر. قوله: ((ولا يأكل إلاَّ
من عمل يده))، وهو من ثمن ما كان يعمل من الدروع من الحديد بلا نار ولا مطرقة ولا
سندان، وهو أول من عمل الدروع من زرد، وكانت قبل ذلك صفائح.
رَوَاهُ مُوسَى بِنُ عُقْبَةَ عنْ صَفْوانَ عنْ عِطَاءِ بنِ يَسَارٍ
عن أبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه
أي: روى الحديث المذكور موسى بن عقبة عن صفوان بن سليم عن عطاء بن يسار

١١
خـ
٦٠ - كِتَابُ أَحَادِيثِ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ والسَّلامُ / باب (٤٠)
عن أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه، ووصله الإسماعيلي من حديث إبراهيم بن طهمان عن
موسى بن عقبة، ووصله البخاري أيضاً في كتاب خلق أفعال العباد عن أحمد بن أبي عمرو
عن أبيه، وهو حفص بن عبد الله عن إبراهيم بن طهمان عن موسى بن عقبة.
٣٤١٨/٨٠ - حدّثنا يَخْتِى بنُ بُكَثِرِ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ أَنَّ سَعِيدَ
ابنَ المُسَيَّبِ أَخْبَرَهُ وأبًا سلَمَةَ بنَ عَبْدِ الرَّحْمنِ أنَّ عَبْدَ الله بْنَ عَمْرٍو رضي الله تعالى عنهما
قال أُخْبِرَ رَسُولُ اللهِ عَّهِ أَنِّي أقولُ والله لأَصُومَنَّ النَّهَارَ ولِأَقُومَنَّ اللَّيْلَ ما عشْتُ فقال لَهُ
رسُولُ اللهِ عَِّ أَنْتَ الَّذِي تَقُولُ والله لأصُومَنَّ النَّهَارَ ولأقُومَنَّ اللَّيْلَ ما عِشْتُ قُلْتُ قَدْ قُلْتُهُ
قَالَ: إِنَّكَ لاَ تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ فَصُمْ وَأَفْطِزْ وَقُمْ وَجْ وصُمْ مِنَ الشِّهْرِ ثَلاثَةَ أيَّامِ فإنَّ الحَسَنَةَ
بِعَشْرٍ أَمْثَالِهَا وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ فَقُلْتُ إِنِّي أَطِيقُ أفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ يا رسولُ الله قال فَصُمْ
يَوْمَاً وأفْطِزْ يَوْمَيْنِ قال قُلْتُ إنّي أطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ قال فَصُمْ يَوْماً وَأَفْطِزْ يَوْماً وذلِكَ صِيَامُ
دَاوُدَ وهوَ عَذْلُ الصِّيَّامِ قُلْتُ إِنِّي أَطِيقُ أَفْضَلَ مِنْهُ يا رَسُولَ الله قال لا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. [انظر
الحديث ١١٣١ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((صيام داود، عليه الصلاة والسلام))، والحديث قد مر في
كتاب الصوم في: باب صوم الدهر، ومر الكلام فيه هناك.
٣٤١٩/٨١ - حدّثنا خَلاَّدُ بنُ يَحتَى حدَّثنا مِشْعَرٌ حدَّثنا حَبِيبُ بِنُ أَبِي ثابِتٍ عنْ
أبي العَبَّاسِ عنْ عَبْدِ الله بنِ عَمْرِو بنِ العاصِ قال قال لي رسُولُ اللهِ عَ لَّه ◌َلَمْ أَنَّأُ أَنَّكَ تَقُومُ
اللّيْلِ وِقَصُومُ النَّهارَ فَقُلْتُ نَعَمْ فقال فإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ هَجَمَتِ العَيْنُ ونَفِهَتِ النَّفْسُ صُمْ
مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلاَةَ أَيَّامٍ فَذْلِكَ صَوْمُ الدَّهْرِ أوْ كَصَوْمِ الدَّهْرِ قُلْتُ إِنِّي أَجِدُ بي قال مِسْعَرٌ
يَعْنِي قُوَّةً قَالَ فَصُمْ صَوْمَ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ وكَانَ يَصُوَمُ يَوْماً ويُفْطِرُ يَوْماً ولاَ يَفِرُ إذَا لاَقَى.
[انظر الحديث ١١٣١ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((صوم داود عَّةٍ)). ومسعر، بكسر الميم وسكون السين
المهملة وفتح العين المهملة وفي آخره راء: ابن كدام، وأبو العباس اسمه السائب - من
السيب - المشهور بالشاعر، والحديث قد مضى في كتاب الصوم في: باب حق الأهل في
الصوم، وفي كتاب التهجد في: باب مجرد من الترجمة.
قوله: (هجمت))، أي: غارت، قال الأصمعي: هجمت ما في الضرع إذا حلبت كل ما
فيه. قوله: ((نفهت))، بفتح النون وكسر الفاء أي: ضعفت. قوله: ((ولا يفر إذا لاقى))، وجه
اتصاله بما قبله هو بيان أن صومه ما كان يضعفه عن الحرب.
٤٠ - بابٌ أحَبُّ الصَّلاَةِ إلى الله صَلاَةُ دَاوُد عَ لَّهِ وَأَحَبُّ الصِّيام إلى الله صِيامُ
داوُدَ كَانَ يَنامُ نِصْفَ اللَّيْلِ ويَقُومُ ثُلُثَهُ ويَنامُ سُدُسَهُ ويَصُومُ يَوِماً ويُفْطِرَ يَوْماً قال عَلِيٍّ
وهوَ قَوْلُ عَائِشَةَ ما أَلْفَاهُ السَّحَرُ عِنْدِي إِلاَّ نائِماً
أي: هذا باب يذكر فيه أحب الصلاة ... إلى آخره. قوله: ((قال علي))، الظاهر أنه علي

١٢
٦٠ - كِتابُ أَحَادِيثِ الأنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (٤١)
ابن المديني أحد مشايخه. قوله: ((وهو قول عائشة))، أي: قوله: ((وينام سدسه)) أي: السدس
الأخير موافق لقول عائشة: ((ما ألفاه السَّحَرَ)) بالفاء أي: ما وجده السحر عندي إلاَّ نائماً، أي:
إلاَّ حال كونه نائماً، والسحر، مرفوع لأنه فاعل ألفاه، والضمير المنصوب فيه يرجع إلى النبي
مَِّ، وقد مر هذا الحديث في كتاب التهجد في: باب من نام عند السحر، قال: حدثنا
موسى بن إسماعيل حدثنا إبراهيم بن سعد قال: ذكر أبي عن أبي سلمة عن عائشة، قالت: ما
ألفاه السحر عندي إلاَّ نائماً يعني النبي عنّ له، وقد مر الكلام فيه هناك.
٨٢/ ٣٤٢٠ - حدَّثْنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ عَمْرِو بنِ دِينارٍ عنْ عَمْرِو بنٍ
أوْسِ الثَّقَفِيِّ سَمِعَ عَبْدَ الله بنَ عَمرَو قال قال لي رسُولُ اللهِ عَ لَّهِ أَحَبُّ الصِّيَامِ إلى الله
صِيامُ دَاوُدَ كان يَصُومُ يَوْماً ويُفْطِرُ يَوْمَاً وأحَبُّ الصَّلاةِ إلى الله صَلاَةُ داوُدَ كَانَ يَنَامُ نِصْفَ
اللَّيْلِ ويَقُومُ ثُلُثَهُ ويَنامُ سُدُسَهُ. [انظر الحديث ١١٣١ وأطرافه].
الحديث والترجمة شيء واحد غير أن فيهما تقديماً وتأخيراً. والحديث مضى في
كتاب التهجد في: باب من نام عند السحر، فإنه رواه عن علي بن عبد الله عن سفيان عن
عمرو بن دينار إلى آخره، وقد مر الكلام فيه هناك.
٤١ - بابٌ ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنا دَاوُدَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أوَّابٌ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿وَفَضْلٍ
الخِطَّابِ﴾ [ص: ١٧ - ٢٠].
أي: هذا باب يذكر فيه قوله تعالى: ﴿واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب إنا سخرنا
الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق والطير محشورة كل له أواب وشددنا ملكه وآتيناه
الحكمة وفصل الخطاب﴾ [ص: ١٧ - ٢٠]. قوله: ((واذكر عبدنا)) عطف على ما قبله وهو
قوله: ﴿إصبر على ما يقولون﴾ [ص: ١٧]. خاطب الله تعالى نبيه بقوله: إصبر على ما
يقولون أي: الكفار، واذكر عبدنا داود في صبره على العبادة والطاعة. قوله: ((ذا الأيد)) أي:
القوة إنه أواب أي: راجع عن كل ما يكرهه الله تعالى. قوله: ((بالعشي))، أي: بآخر النهار
والإشراق أوله. قوله: ((والطير))، أي: وسخرنا له الطير محشورة أي: مجموعة. قوله: ((كل له))
أي: كل واحد من الجبال والطير له أي: لداود أواب، أي: مطيع. قوله: ((وشددنا ملكه))،
أي: ملك داود، وعن ابن عباس: كان داود أشد ملوك الأرض سلطاناً كان يحرس محرابه كل
ليلة ثلاثة وثلاثون ألف رجل، وعنه: ستة وثلاثون ألف رجل، فإذا أصبحوا قيل: إرجعوا فقد
رضي نبي الله منكم، وقيل: ثلاثة وثلاثون ألف رجل، وعنه: ستة وثلاثون ألفاً من بني
إسرائيل ثم يأتي عوضهم، قال قتادة: فكأن جملة حرسه مائتان وثلاثون ألف حرس. قوله:
((وآتيناه الحكمة)) يعني: النبوة والزبور وعلم الشرائع والإصابة في الأمر. قوله: ((فصل
الخطاب))، الفصل: التمييز بين الشيئين وقيل: الكلام البين، والفصل بمعنى المفصول، وقيل:
الفصل بمعنى الفاصل، والفاصل من الخطاب الذي يفصل بين الحق والباطل والصحيح
والفاسد، وقيل: فصل الخطاب هو قوله: أما بعد، فإنه أول من قالها.

١٣
٦٠ - كِتَابُ أحَادِيثِ الأنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلاَمُ / باب (٤١)
قال مُجَاهِدٌ الْفَهْمَ في القَضاءِ
أي: قال مجاهد: فصل الخطاب هو الفهم في القضاء. وروى ابن أبي حاتم من طريق
أبي بشر عن مجاهد، قال: الحكمة الصواب، ومن طريق ليث عن مجاهد: فصل الخطاب:
إصابة القضاء وفهمه.
ولاَ تُشْطِطْ لاَ تُشْرِف
أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء
الصراط﴾ [ص: ٢٢]. وفسر: لا تشطط، بقوله: لا تسرف. قال بعضهم: كذا وقع هنا. قلت:
فكأنه استبعد هذا التفسير، وقد فسره السدي هكذا، وفسره أيضاً بقوله: لا تحف، وقال
الفراء: معناه لا تجرُ، وروى ابن جرير من طريق قتادة في قوله: ولا تشطط، أي: لا تمل، وعن
المؤرج: لا تفرط والشطط مجاوزة الحد، وأصل الكلمة من قولهم: شطت الدار وأشطت إذا
بعدت.
﴿واهْدِنَا إلَى سَواءِ الصِّرَاطِ﴾ [ص: ٢٢]
هو بعد قوله: ولا تشطط، ومعناه: واهدنا إلى وسط الطريق.
﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تَسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةٍ﴾ [ص: ٢٣ - ٢٤].
نذكر الآية بتمامها ثم نذكر ما ذكره البخاري من ألفاظ هذه الآية وتمامها: ﴿ولي نعجة
واحدة فقال اكفلنيها وعزني في الخطاب﴾ [ص: ٢٣ - ٢٤]. وبعد هذه الآية: ﴿قال لقد
ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثير من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلاَّ الذين
آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخرّ راكعاً وأناب﴾
[ص: ٢٣ - ٢٤]. قوله: ((إن هذا أخي)) أي: في الدين، أو المراد: أخوة الصداقة والألفة
وأخوة الشركة، والمراد من النعجة المرأة، وهذا من أحسن التعريض حيث كنى بالنعاج عن
النساء، والعرب تفعل هذا كثيراً، توري عن النساء بالظباء والشاء والبقر.
يُقالُ لِلْمَرْأَةِ نَعْجَةٌ ويُقالُ لَهَا أيضاً شاةٌ
هذا كثير فاش في أشعارهم. وقال الحسين بن الفضل، هذا تعريض للتنبيه والتفهيم
لأنه لم يكن هناك نعاج، وإنما هذا مثل قول الناس: ما ضرب زيد عمراً، وما كان هناك
ضرب.
﴿ولِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فقال أَكْفِلْنِيهَا﴾ [ص: ٢٣]. مِثْلُ ﴿وَكَفَلَهَا زَكَرِيَّاءُ﴾ [آل
عمران: ٣٧]. ضَمَّها
أشار به إلى أن معنى الكفل الضم، فلذلك قال: إكفلنيها مثل ﴿وكفلها زكريا﴾ [آل
عمران: ٣٧]. أي: ضم زكرياء مريم بنت عمران إلى نفسه، وعن أبي العالية معنى: إكفلنيها
ضمها إلي أكفلها. وقال ابن كيسان: إجعلها كفلي، أي: نصيبي.

١٤
٦٠ - كِتابُ أحَادِيثِ الأنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (٤١)
وعَزَّنِي غَلَِي صارَ أعَزَّ مِنِّي أعْزَرْتُهُ جَعَلْتُهُ عَزِيزاً في الخِطَابِ
قال أبو عبيدة في قوله: ((وعزني في الخطاب))، أي: صار أعز مني فيه، ويقال:
عزني في الخطاب أي المحاورة، وعن قتادة معناه: ظلمني وقهرني.
يُقالُ الْمُحَاوَرَةُ
أي: الخطاب، يقال: المحاورة، بالحاء المهملة.
﴿قال لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالٍ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾ [ص: ٢٤].
أي: قال داود، وفي (تفسير النسفي): لقد ظلمك، جواب قسم محذوف، وفي ذلك
استنكار لفعل خليطه وتهجين لطمعه. قوله: ﴿بسؤال نعجتك﴾ [ص: ٢٤]. مصدر مضاف
إلى المفعول.
﴿إِنَّ كَثِيرَاً مِنَ الخُلَطَاءِ﴾ أي الشُّرَكَاءِ ﴿لَيَتِغِي﴾
إلى قَوْلِهِ ﴿إَِّا فَتَنَّهُ﴾ [ص: ٢٤].
فسر الخلطاء بالشركاء، وهكذا فسره المفسرون وهو جمع خليط. قوله: ((ليبغي))
أي: ليظلم. قوله: إلى قوله: ﴿إِنما فتاه﴾ [ص: ٢٤]. قد ذكرنا الآن تمام الآية.
قال ابنُ عَبَّاسٍ: اخْتَبَزْنَاهُ
أي: قال عبد الله بن عباس: معنى فتناه اختبرناه، وهذا وصله ابن أبي حاتم من طريق
علي بن أبي طلحة عنه.
وقَرَأْ عُمَرُ: فَتَنَّاهُ بِتَشْدِيدِ التَّاءِ
هذه قراءة شاذة، ونقلت هذه القراءة أيضاً عن الحسن البصري وأبي رجاء العطاردي.
﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعَاً وأنابَ﴾ [ص: ٢٤].
خر راكعاً، أي: حال كونه راكعاً ساجداً، وعبر عن السجود بالركوع لأنهما بمعنى
الانحناء. قوله: ((وأناب)) أي: رجع إلى الله بالتوبة، من الإنابة وهو الرجوع إلى الله بالتوبة،
يقال: أناب ينيب إنابة فهو منيب إذا أقبل ورجع.
٣٤٢١/٨٢ - حدّثنا مُحَمَّدٌ حدَّثنا سَهْلُ بنُ يُوسُفَ قال سَمِعْتُ الْعَوَّامَ عنْ مُجَاهِدٍ
قال قُلْتُ لإِبنِ عَبَّاسٍ أَنَسْجُدُ في ﴿ص﴾ فَقَرَأْ ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وسُلَيْمَانَ﴾ حتَّى أَتَى
﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٨٤ - ٩٠]. فقال نَبِيُّكُمْ عَ لِّ مِمَّنْ أَمِرَ أنْ يَقْتَدِيَ بِهِمْ.
[الحديث ٣٤٢١ - أطرافه في: ٤٦٣٢، ٤٨٠٦، ٤٨٠٧].
مطابقته للترجمة في قوله: ((ومن ذريته داود)). ومحمد شيخه هو ابن سلام، كذا جزم
به بعضهم، وقال الكرماني: هو إما محمد بن سلام، وإما ابن المثنى، وإما ابن بشار على ما
اختلفوا فيه. انتهى. وقيل: يقال إنه أبو موسى الزَّمِن وهو محمد بن المثنى البصري، وسهل

١٥
٦٠ - كِتَابُ أحَادِيثِ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (٤٢)
ابن يوسف أبو عبد الله الأنماطي البصري، والعوام، بفتح العين المهملة وتشديد الواو: ابن
حوشب.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في التفسير عن محمد بن عبد الله وعن بندار عن
غندر عن شعبة.
قوله: ((أنسجد؟)) بهمزة الاستفهام وبنون المتكلم مع الغير، وفي رواية المستملي
والكشميهني: أأسجد، بهمزتين الأولى للاستفهام والثانية للمتكلم وحده. قوله: ((فقرأ))، أي:
ابن عباس قوله تعالى: ﴿ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك
نجزي المحسنين﴾ [الأنعام: ٨٤]. وقرأ بعده خمس آيات أخرى حتى قرأ بعدها: ﴿أولئك
الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا أسألكم عليه أجراً إن هو إلاَّ ذكرى للعالمين﴾ [الأنعام:
٩٠]. قوله: ((فقال نبيكم)) أي: فقال ابن عباس، وفي بعض الروايات: فقال ابن عباس. قوله:
((ممن أمر))، على صيغة المجهول. قوله: ((أن يُقتدى بهم)) أي: بهؤلاء الرسل المذكورين في
هذه الآيات المذكورة وهم سبعة عشر نبياً. قوله: ((ومن ذريته)) أي: ومن ذرية نوح، عليه
الصلاة والسلام، لأن قبله: ﴿ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلاًّ هدينا ونوحاً هدينا من قبل ومن
ذريته داود﴾ [الأنعام: ٨٤]. وإنما قلنا: الضمير يرجع إلى نوح لأنه أقرب المذكورين وهو
اختيار ابن جرير أيضاً. وقال آخرون: إن الضمير يرجع إلى إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، لأنه
الذي سيق الكلام من أجله، لكن يشكل على هذا ذكر لوط، عليه الصلاة والسلام، فإنه ليس
من ذرية إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، بل هو ابن أخيه هاران بن آزر أللهم إلاَّ أن يقال: إنه
دخل في الذرية تغليباً.
وفي ذكر عيسى، عليه الصلاة والسلام، في ذرية إبراهيم أو نوح على القول الآخر
دلالة على دخول ولد البنات في ذرية الرجل، لأن عيسى، عليه الصلاة والسلام، بأمه مريم،
عليها السلام، فإنه لا أب له.
٢٨٢ /٣٤٢٢ - حدّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ حدَّثنا وُهَيْبٌ حدَّثنا أَيُّوبُ عنْ عِكْرِمَةَ عنِ
ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهُما قال لَيْسَ ﴿ص﴾ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ ورَأيْتُ النَّبِيَّ عَّه
يَسْجُدُ فِيهَا. [انظر الحديث ١٠٦٩].
وجه ذكر هذا الحديث عقيب الحديث المذكور من حيث إن كلاً منهما يتضمن
ذكر السجود في (ص﴾، ووهيب - مصغر وهب - ابن خالد البصري، وأيوب هو
السختياني، والحديث مضى في: أبواب سجود التلاوة في: باب سجدة ﴿ص﴾، ومضى
الكلام فيه هناك، والله أعلم.
٤٢ - بابُ قَوْلِ الله تعالى
﴿ووهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٣٠].
أي: هذا باب في بيان ما ذكر في قول الله تعالى ﴿ووهبنا ... ﴾ إلى آخره وليس في

١٦
٦٠ - كِتابُ أَحَادِيثِ الأنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (٤٢)
بعض النسخ لفظ: باب، بل المذكور: قول الله تعالى ووهبنا ... إلى آخره. قوله: ((نعم العبد))،
المخصوص بالمدح محذوف. قوله: ((إنه أواب)) تعليل لكونه ممدوحاً لكونه أوَّاباً أي رجّاعاً
إليه بالتوبة أو مسبحاً مؤوباً للتسبيح ومرجعاً له، لأن كل مؤوب أواب.
الرَّاجِعُ المُنِيبُ
هذا تفسير الأواب، وفسره بأنه الراجع عن الذنوب، والمنيب من الإنابة وهي الرجوع
إلى الله بكل طاعة.
وقَوْلِهِ ﴿هَبْ لِي مُلْكَاً لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥].
وقوله، بالجر عطف على: قول الله، في قوله: باب قول الله. قوله: ((هب لي)) أي:
أعطني ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي، يعني: من دوني، وقال ابن كيسان: لا يكون لأحد
من بعدي، وقال يزيد بن وهب: هب لي ملكاً لا أسلبه في باقي عمري كما سلبته في ماضي
عمري، وقال مقاتل بن حيان: كان سليمان ملكاً ولكنه أراد بقوله: لا ينبغي لأحد من بعدي
تسخير الرياح والطير، وقيل: إنما سأل ذلك ليكون له علماً على المغفرة وقبول التوبة حيث
أجاب الله دعاءه، ورد عليه ملكه وزاد فيه.
وقَوْلِهِ ﴿وَاتَّعُوا ما تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ علَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢].
وقوله، بالجر أيضاً عطف على قوله: هب لي ملكاً. قوله: ((واتبعوا)) أي: اليهود، ما
تتلو الشياطين أي: ما ترويه وتخبره وتحدثه الشياطين. قوله: ((على ملك سليمان)) وعداه:
بعلى، لأنه ضمن معنى: تتلوا تكذب، وقال ابن جرير: على، هنا بمعنى: في، أي: في ملك
سليمان، ونقله عن ابن جريج وابن إسحاق. قلت: التضمين أولى وأحسن، وقال السدي ما
ملخصه: إن الشياطين كانوا يصعدون إلى السماء فيسمعون من الملائكة ما يكون في الأرض
فيأتون الكهنة فيخبرون به فتحدثه الكهنة للناس فيجدونه كما قالوا، وأدخلت الكهنة فيه غيره
فزادوا مع كل كلمة سبعين، كلمة، فاكتتب الناس ذلك، وفشى في بني إسرائيل أن الجن
تعلم الغيب، فبعث سليمان في الناس فجمع تلك الكتب وجعلها في صندوق ثم دفنها تحت
كرسيه، ولم يكن أحد من الشياطين يستطيع أن يدنو من الكرسي إلاَّ احترق، فلما مات
سليمان تمثل شيطان في صورة آدمي وأتى نفراً من بني إسرائيل فدلهم على تلك الكتب
فأخرجوها. فقال لهم الشيطان: إن سليمان كان يضبط الإنس والجن والطير بهذا السحر، ثم
طار وذهب وفشى في الناس أن سليمان كان ساحراً فاتخذت بنو إسرائيل تلك الكتب، فلما
جاء النبي عَ لٍ خاصموه بها، فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين على
ملك سليمان وما كفر سليمان﴾ [البقرة: ١٠٢]. الآية.
﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ ورَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ: ١٢].
أي: وسخرنا لسليمان الريح، وقال في آية أخرى: ﴿فسخرنا له الريح تجري بأمره

١٧
٦٠ - كِتابُ أَحَادِيثِ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (٤٢)
رخاء﴾ [ص: ٣٦]. أي: حيث أراد. قوله: ((غدوها)) أي: غدو الريح، شهر: يعني: مسير الريح
شهر في غدوته وشهر في روحته، وقال مجاهد: كان سليمان يغدو من دمشق فيقيل
بإصطخر، ويروح من إصطخر فيقيل بكابل، وكان بين إصطخر وكابل مسيرة شهر، وما بين
دمشق وإصطخر مسيرة شهر.
﴿وأرسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾ [سبأ: ١٢]. أُذَبْنا لَهُ عَيْنَ الحَدِيدِ
أسلّنا من الإسالة، وفسره بقوله: أذبنا له من الإذابة، وفسر عين القطر بالحديد، وقال
قتادة: عين من نحاس كانت باليمن، وقال الأعمش: سيلت له كما يسال الماء، وقيل: لم
يذب للناس لأحد قبله.
﴿ومِنَ الجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿مِنْ مَحَارِيبَ﴾ [سبأ: ١٢].
أي: وسخرنا له ﴿ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه
من عذاب السعير يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات
اعملوا آل داود شكراً وقليل من عبادي الشكور﴾ [سبأ: ١٢ - ١٣]. قوله: ((ومن يزغ)) أي:
ومن يمل من الجن عن أمرنا نذقه من عذاب السعير في الآخرة، وقيل: في الدنيا، وذلك أن
الله تعالى وكل بهم ملكاً بيده سوط من نار فمن زاغ عن أمره ضربه ضربة أحرقته.
قال مُجَاهِدٌ: بُنْيَانٌ ما دُون القُصُورِ
فسر مجاهد المحاريب بقوله: بنيان ما دون القصور، وقال أبو عبيدة: المحاريب
جمع محراب وهو مقدم كل بيت، وهو أيضاً المسجد والمصلى.
وَمَاثِيلَ
جمع: تمثال، وهي الصور، وكان عمل الصور في الجدران وغيرها سائغاً في شريعتهم.
﴿وجِفَان كالْجَوابِ﴾ [سبأ: ١٣]. كالحِياضِ لِلْإِبِلِ، وقالَ ابنُ عَبَّاسِ: كالْجَوْبَةِ مِنَ
الأرض
الجفان جمع جفنة، وهي القصعة الكبيرة شبهت بالجوابي وشبهت الجوابي بالحياض
التي يجبى فيها الماء أي: يجمع، واحدها: جابية، قال الأعشى:
تروح على آل المحلق جفنة
كجابية الشيخ العراقي تفهق
ويقال: كان يقعد على جفنة واحدة من جفان سليمان ألف رجل يأكلون بين يديه.
قوله: ((وقال ابن عباس: كالجوبة)) أي: الجفان كالجوبة، بفتح الجيم وسكون الواو والباء
الموحدة: وهي موضع ينكشف في الحرة وينقطع عنها.
﴿وقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ إلى قوْلِهِ ﴿الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣].
راسيات: أي: ثابتات لا يحولن ولا يحركن من أماكنهن لعظمهن، وفي (تفسير
عمدة القاري /ج١٦ /٢٢

١٨
٦٠ - كِتابُ أَحَادِيثِ الأنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلاَمُ / باب (٤٢)
النسفي): وكانت باليمن، ومنه قيل للجبال: رواسي. قوله: ((إلى قوله: الشكور))، بعني، إقرأ
إلى قوله: الشكور، وهو قوله: ﴿اعملوا آل داود شكراً وقليل من عبادي الشكور﴾ [سبأ:
١٣]. قال النسفي: أي: وقلنا: إعملوا شكراً، يعني: إعملوا بطاعة الله يا آل داود شكراً على
نعمه، وشكراً في محل المصدر على تقدير: اشكروا شكراً، لأن إعملوا فيه معنى: اشكروا من
حيث أن معنى العمل فيه للمنعم شكر له، وقيل: انتصب: شكراً، على أنه مفعول له، أي:
اعملوا لله واعبدوه، على وجه الشكر لنعمائه، وقيل: انتصب على الحال، أي: شاكرين،
وقيل: يجوز أن ينتصب: باعملوا، مفعولاً به، معناه: إنا سخرنا لكم الجن يعملون لكم ما
شئتم فاعملوا أنتم شكراً، على طريق المشاكلة. قوله: ((الشكور))، المتوفر على أداء الشكر
الباذل وسعه فيه، قد شغل به قلبه ولسانه وجوارحه اعتقاداً واعترافاً. وعن ابن عباس: الشكور
من يشكر على أحواله كلها، وقال السدي: هو من يشكر على الشكر، وقيل: من يرى عجزه
عن الشكر.
:
﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ المَوْتَ ما دِلَّهُمْ عِلَى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأرْضِ﴾. الأرَضَةُ ﴿تأكُلُ
مِنْسَأْتَهُ﴾ عَصاهُ ﴿فَلَمَّا خَرَّ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿المُهِينِ﴾ [سبأ: ١٣ - ١٤].
أي: فلما حكمنا على سليمان بالموت ما دل الجن على موته إلاَّ دابة الأرض وهي
الأرضة، وهي دويبة تأكل الخشب. قوله: ((منسأته)) أي: عصاه. قوله: ((فلما خر))، أي: سقط
سليمان ميتاً. قوله: ((إلى قوله: المهين))، يعني: اقرأ إلى قوله: المهين، وهو قوله تعالى:
﴿تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين﴾ [سبأ: ١٣ - ١٤].
قوله: ((تبينت الجن)) جواب: لما، أي: لما علمت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب وكانوا
يدعون أنهم يعلمون الغيب. قوله: ((في العذاب المهين))، أي: في العذاب الذي يهين
المعذب، يعني: ما عملوا مسخرين وهو ميت وهم يظنونه حياً.
﴿ُبُّ الخَيْرِ عنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ [ص: ٣٢] مِنْ ذِكْرِ رَبِّي
أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى
توارت بالحجاب﴾ [ص: ٣٢]. قوله: ((حب الخير))، قال الفراء: الخيل والخير بمعنى في
كلام العرب، والنبي عَ ◌ّه سمى زيد الخيل: زيد الخير، والخير: المال أيضاً. قوله: ((عن ذكر
ربي))، قال قتادة: عن صلاة العصر. قوله: ((حتى توارت))، يعني: الشمس، أي: غابت
بالحجاب وهو جبل دون القاف بمسيرة سنة تغرب الشمس من ورائه، قيل: معناه حتى
استترت الشمس بما يحجبها عن الأبصار، والإضمار قبل الذكر يجوز إذا جرى ذكر الشيء أو
دليل الذكر، وقد جرى هنا، وهو قوله: بالعشي، وهو ما بعد الزوال.
﴿فَطَفِقَ مَسْحَاً بالسُّوقِ والأعناق﴾ [ص: ٣١] يَمْسَحُ أعْرَافَ الخَيْلِ وعَرَاقِيتَهَا
أول الآية: ﴿ردوها علي﴾ [ص: ٣١]. وهي المذكورة قبله بقوله: ﴿إذا عرض عليه
بالعشي الصافئات الجياد﴾ [ص: ٣١]. وكان سليمان، عليه الصلاة والسلام، صلى الصلاة

١٩
٦٠ - كِتابُ أَحَادِيثِ الأنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (٤٢)
الأولى ثم قعد على الكرسي وهي تعرض عليه، فعرضت عليه منها تسعمائة وكانت ألفاً،
وكان سليمان غزا دمشق ونصيبين فأصاب منها ألف فرس، وقال مقاتل: ورث سليمان عن
أبيه داود ألف فرس، وكان أبوه أصابها من العمالقة، وقال الحسن: بلغني أنها كانت خيلاً
خرجت من البحر لها أجنحة، وقبل أن يكمل العرض غربت الشمس ففاتته صلاة العصر ولم
يعلم بذلك فاغتم لذلك، فقال: ﴿ردوها علي فطفق مسحاً﴾ [ص: ٣١]. أي: فأقبل يمسح
بسوقها وأعناقها بالسيف وينحرها تقرباً إلى الله تعالى وطلباً لرضاه حيث اشتغل بها عن
طاعته. قوله: ((يمسح أعراف الخيل وعراقيبها))، والعراقيب جمع عرقوب، وهو العصب
الغليظ عند عقب الإنسان.
والأصْفَادِ الوَثاقُ
أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿وآخرين مقرنين في الأصفاد﴾ [ص: ٣٨]. وفسر
الأصفاد بالوثاق، وروى ابن جرير من طريق السدي، قال: مقرنين في الأصفاد: أن تجمع
اليدان إلى العنق بالأغلال، وقال أبو عبيدة: الأصفاد والأغلال واحدها صفد، ويقال للعطاء
أيضاً: صفد. قوله: ﴿وآخرين﴾ [ص: ٣٨]. عطف على قوله: ﴿الشياطين﴾ [ص: ٣٨].
أي: سخرنا له الشياطين وسخرنا له آخرين، يعني: مردة الشياطين مقرنين في الأصفاد، يقال:
صفده أي: شده وأوثقه.
قال مُجَاهِدٌ الصَّافِئَاتُ صَفَنَ الفَرَسِ رَفَعَ إِحدى رِجْلَيْهِ حتَّى تَكُونَ عِلَى طَرَفٍ
الحَافِرِ، الجِيَادُ السِّرَاع
أي: قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿إِذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد﴾ [ص:
٣١]. أن الصافنات من صفن الفرس إلى آخره يعني: مشتق منه وهو جمع صافنة، وقال
النسفي: الصافن من الخيل القائم على ثلاث قوائم، وقد أقام الرابعة على طرف الحافر،
والصفون لا يكاد يكون في الهجن وإنما هو في العراب الخلص، ووصل الفريابي إلى مجاهد
ما قاله، لكن في روايته: يديه، والموجود في أصل البخاري: رجليه، وصوب القاضي عياض
ما عند الفريابي. قوله: ((الجياد السراع)) بكسر السين المهملة، وفي التفسير: الجياد المسرعة
في الجري جمع جواد، وقيل: جمع جيد، جمع لها بين وصفين محمودين.
جَسَداً شَيْطانَاً
أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿وألقينا على كرسيه جسداً﴾ [ص: ٣٤]. وفسر
جسداً بقوله: شيطاناً، وقال الفريابي: حدثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح في قوله تعالى: ﴿وألقينا
على كرسيه جسداً﴾ [ص: ٣٤]. قال: شيطاناً يقال له آصف، قال له سليمان، عليه الصلاة
والسلام، كيف تفتن الناس؟ قال: أرني خاتمك أخبرك، فأعطاه فنبذه آصف في البحر فساخ،
فذهب سليمان وقعد أصف على كرسيه ومنع الله نساء سليمان فلم يقربهن، فأنكرته أم
سليمان، عليه الصلاة والسلام، يستطعم ويعرفهم بنفسه فيكذبونه حتى أعطته امرأة حوتاً

٢٠
٦٠ - كِتابُ أَحَادِيثِ الأنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلاَمُ / باب (٤٢)
فطب بطنه فوجد خاتمه في بطنه، فرد الله إليه ملكه، وفر آصف فدخل البحر. ورواه ابن جرير
من وجه آخر عن مجاهد: أن اسمه آصر، آخره راء، ومن طريق علي بن أبي طلحة عن ابن
عباس: أن اسم الجن: صخر، ومن طريق السدي كذلك. انتهى.
قلت: في هذا نظر من وجوه: الأول: أنه يبعد من سليمان أن يناول خاتمه لغيره ليراه
مع علمه أن ملكه قائم به. والثاني: لا يليق أن يقعد شيطان على كرسي نبي مرسل الذي
أعطي ما لا يعطى غيره من الملك العظيم. والثالث: أن آصف، بالفاء في آخره: هو معلم
سليمان وكاتبه في أيام ملكه، والذي أظن أن الصحيح أن سليمان لما افتتن بسبب ابنة ملك
صيدون واصطفى ابنة ملكها لنفسه وأحبها صورت في بيتها صورة أبيها، وكان سليمان،
عليه الصلاة والسلام، إذا خرج من بيتها كانت هي وجواريها يعبدون هذه الصورة حتى أتى
على ذلك أربعون يوماً، وبلغ ذلك آصف بن برخياء فعتب على سليمان، عليه الصلاة
والسلام، بسبب ذلك، فعند ذلك سقط الخاتم من يده، وكان كلما أعاده كان يسقط، فقال
له آصف: إنك مفتون، ففر إلى الله تائباً من ذلك وأنا أقوم مقامك وأسير في عيالك وأهل
بيتك بسيرك إلى أن يتوب الله عليك ويردك إلى ملكك، ففر سليمان هارباً إلى الله تعالى،
وأخذ آصف الخاتم فوضعه في يده فثبت وغاب مدة أربعين يوماً، ثم أن الله تعالى لما قبل
توبته رجع إلى منزله فرد الله إليه ملكه وأعاد الخاتم في يده. وقيل: المراد من الجسد ابنه،
وذلك أنه لما ولد له قالت الشياطين: نقتله وإلاَّ لا نعيش معه بعده، ولما علم سليمان ذلك
أمر السحاب حتى حملت ابنه وعدى في السحاب خوفاً من مضرة الشياطين، فعاتبه الله
لذلك، ومات الولد فألقى ميتاً على كرسيه فهو الجسد الذي قال الله تعالى: ﴿وألقينا على
كرسيه جسداً﴾ [ص: ٣٤]. وهذا هو الأنسب والأليق من غيره، ويؤيده ما قاله الخليل: لا
يقال الجسد لغير الإنسان من خلق الأرض، وقال ابن إسحاق: وكان الخاتم من ياقوتة خضراء
أتاه بها جبريل، عليه الصلاة والسلام، من الجنة مكتوب عليها: لا إله إلاّ الله محمد رسول
الله، وهو الخاتم الذي ألبسه الله آدم في الجنة.
رُخَاءً طَيِّةً حَيْثُ أصابَ حَيْثُ شَاءَ
أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء﴾ [ص: ٣٦].
وفسر رخاء بقوله: طيبة، ويروى طيباً، بالتذكير، وفسر قوله: حيث أصاب، بقوله: حيث شاء،
بلغة چِمْيَر.
فامْتُنْ أَعْطِ بِغَيْرِ حِسَابٍ بِغَيْرِ حَرَجٍ
أول الآية: ﴿هذا عطاؤنا فامتن أو أمسك بغير حساب﴾ [ص: ٣٩]. وفسر قوله: فامتن،
بقوله: أعط، والعرب تقول: منَّ علي برغيف، أي: أعطانيه، وفسر قوله: بغير حساب، بقوله:
بغير حرج، وقال الحسن البصري. رحمه الله: إن الله لم يعط أحداً عطية إلاَّ جعل فيها حساباً
إلاَّ سليمان، فإن الله أعطاه عطاء هنيئاً، فقال: هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب، قال: