النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ ٦٠ - كِتَابُ أَحَادِيثِ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (٩) المتابعتان لقتيبة بن سعيد في كون عمر إبراهيم، عليه السلام، في ثمانين سنة، فيكون اتفاق هذه الروايات تدل على أن عمره عند اختتانه كان ثمانين سنة، وينبغي التنبيه في هذا الموضع حتى لا يختلط الكلام. تابَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ إسْحَاقَ عنْ أبِي الزِّنادِ أي: تابع شعيباً عبد الرحمن بن إسحاق بن عبد الله الثقفي المدني فيه مقال استشهد به البخاري، وروى له في الأدب وهذه المتابعة وصلها مسدد في (مسنده) عن بشير بن المفضل عنه ولفظه: اختتن إبراهيم بعدما مرت به ثمانون سنة واختتن بالقدوم، يعني مخففة وقال النووي: لم يختلف الرواة عند مسلم بالتخفيف. وتابَعَهُ عَجْلاَنُ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أي: تابع شعيباً أو عبد الرحمن بن إسحاق عجلان مولى فاطمة بنت عتبة بن ربيعة القرشي، والد محمد بن عجلان، يعني: في التخفيف، وهذه المتابعة وصلها أحمد عن يحيى القطان عن محمد بن عجلان عن أبيه عجلان عن أبي هريرة. ورَوَاهُ مُحَمَّدُ بنُ عَمْرٍو عنْ أَبِي سلَمَةً أي: وروى الحديث المذكور محمد بن عمرو عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، ووصل هذا أبو يعلى في (مسنده) من هذا الوجه، ولفظه: اختتن إبراهيم على رأس ثمانين سنة. واختلف في المراد بالقدوم، فقيل: مقيل لإبراهيم، عليه السلام، وقيل: هي قرية بالشام، وقال الحازمي: المخفف قرية كانت عند حلب، وقيل: هو اسم مجلس إبراهيم بحلب، وقال ثعلب: هو اسم موضع، وقال ابن وضاح: هو جبل بالمدينة، وقال ابن دريد: قدوم، بالفتح والتخفيف: ثنية بالشراة، وكذا قال البكري، وحكى البكري عن محمد بن جعفر اللغوي: أن المكان مشدد لا يدخله الألف واللام، ومن رواه في حديث إبراهيم بالتخفيف فإنما عنى الآلة، وقال القرطبي: الذي عليه أكثر الرواة بالتخفيف، يعني به: الآلة، وهو قول أكثر أهل اللغة. وقال الجوهري: القدوم الذي ينحت به مخفف، ولا تقول: قدوم، بالتشديد، وقال ابن السكيت: والجمع قدوم. ٣٠ / ٣٣٥٧ - حدّثنا سَعيدُ بنُ تَليدِ الرُّعَيْنِيُّ أُخبرَنا ابنُ وهْبٍ قال أخبرَنِي جَرِيرُ بنُ حازِمِ عنْ أيّوبَ عنْ مُحَمَّدٍ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ قال قال رَسُولُ اللهِ صَ لِّ لَمْ يَكْذِّبْ إِبْرَاهِيمُ عليهِ السَّلاَمُ إلَّ ثَلاثاً [انظر الحديث ٢٢١٧ وأطرافه]. ... / ٣٣٥٨ _ وحدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ مَخْبُوبٍ حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ أيّوبَ عنْ مُحَمَّدٍ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ قال لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ إِلاَّ ثَلاثَ كَذَبَاتٍ ثِنْتَيْنِ مِنْهُنَّ فِي ذَاتِ الله عزَّ وجَلَّ قَوْلُهُ إِنِّي سَقِيمٌ وقَوْلُهُ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا وقال بَيْنا هُوَ ذَاتَ يَوْمٍ وسارَةُ إِذْ أَتَى عَلَى جَبَّارٍ مِنَ الجَبَابِرَةِ فَقِيلَ لَهُ إِنَّ هُهُنَا رَجُلاً مَعَهُ امْرَأَةٌ مِنْ ٣٤٢ ٦٠ - كِتابُ أحَادِيثِ الأنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (٩) أحْسَنِ النَّاسِ فَأرْسَلَ إِلَيْهِ فسَأْلَهُ عَنْهَا فقَالَ مَنْ لهذِهِ قال أُخْتِي فأتَى سَارَةَ قال يا سارَةُ لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الأرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وغيرُكِ وإِنَّ هَذَا سألَنِي فأخْبَرْتُهُ أَنَّكِ أُخْتِي فَلاَ تُكَّذِّبِينِي فأرْسَلَ إِلَيْهَا فِلَهَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ ذَهَبَ يَتَنَاوَلُهَا بِيَدِهِ فَأُخِذَ فقَالَ ادْعِي الله لِي ولاَ أَضُرُكِ فَدَعَتْ الله فَأُطْلِقَ ثُمْ تَنَاوَلَهَا النَّانِيَّةَ فَأُخِذَ مِثْلَهَا أَوْ أَشَدَّ فَقالَ ادْعِي الله لِي ولاَ أَضُرَّكِ فِدَعَتْ فَأُطْلِقَ فَدَعا بَعْضَ حَجَبَتِهِ فقال إِنَّكُمْ لَمْ تَأْتُونِي بِإِنْسَانِ إِنَّمَا أَتَيْتُمُونِي بِشَيْطَانٍ فَأُخْدَمَهَا هَاجَرَ وهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فَأَوْمَأْ بِيَدِهِ مَهْيا قالَتْ رَدَّ الله كَيْدَ الْكَافِرِ أَوِ الفَاجِرِ فِي نَحْرِهِ وأَخْدَمَ هاجَرَ قال أبُو هُرَيْرَةَ فَتِلْكَ أَمُّكُمْ يا بَني ماءِ السَّماءِ. [انظر الحديث ٢٢١٧ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((لم يكذب إبراهيم)) وما المقصود إلاَّ ذكر إبراهيم فقط. وأخرجه من طريقين: الأول: عن سعيد بن تليد، بفتح التاء المثناة من فوق وكسر اللام وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره دال مهملة: وهو سعيد بن عيسى بن تليد أبو عثمان الرعيني المصري، وهو من أفراده، يروي عن عبد الله بن وهب المصري عن جرير بن حازم عن أيوب السختياني عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة. والثاني: عن محمد بن محبوب - ضد مبغوض ـ أبي عبد الله البصري إلى آخره .. وهذا الطريق غير مرفوع. والحديث في الأصل مرفوع كما في رواية جرير بن حازم، وكذا عند النسائي والبزار وابن حبان مرفوع من حديث هشام بن حسان عن ابن سيرين، وابن سيرين كان غالباً لا يصرح برفع كثير من حديثه. وأخرجه البخاري أيضاً في النكاح عن سعيد المذكور مرفوعاً. وأخرجه مسلم في الفضائل عن أبي الطاهر بن السرح. وأخرج البخاري هذا الحديث أيضاً في كتاب البيوع في: باب شراء المملوك من الحربي عن أبي اليمان عن شعيب عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ... إلى آخره، وليس فيه قضية الكذب، وباقي القضية فيه على اختلاف في المتن بزيادة ونقصان. قوله: ((إلاَّ ثلاثاً) أي: إلاَّ ثلاث كذبات، كما في الطريق الثاني، وقيل: الجيد أن يقال: بفتح الذال في الجمع لأنه جمع كذبة بسكون الذال وهو اسم لا صفة لأنك تقول: كذب كذبة كما تقول ركب ركبة، ولو كان صفة لسكن في الجمع، وقد استشكل بعضهم هذا الحصر في ثلاث لأنه جاء في رواية مسلم من حديث أبي حيان عن أبي زرعة عن أبي هريرة، قال: أتي رسول الله، عَّ له يوماً بلحم فرفع إليه الذراع ... الحديث، وهو حديث طويل في الشفاعة، وفيه: إذهبوا إلى إبراهيم، عليه الصلاة والسلام ... الحديث، وفيه: وذكر كذباته ... الحديث، وفيه: وزاد في قصة إبراهيم قال: وذكر قوله في الكوكب: هذا ربي، وقوله لآلهتهم: ((بل فعله كبيرهم هذا)، وقوله: ﴿إِني سقيم﴾ [الصافات: ٨٩]. وجه الاستشكال أن ذكر الكوكب يقتضي أن كذباته أربع، وهو يعارض الحصر في حديث الباب. وقال بعضهم في معرض الجواب: الذي يظهر أنه وهم من بعض الرواة، فإنه ذكر قوله في الكوكب بدل قوله في سارة، والذي اتفقت عليه الطرق في ذكر سارة دون الكوكب. انتهى. قلت: لا يحتاج إلى نسبة أحد إلى الوهم، لأن قوله في الكوكب لا يخلو إما أنه كان ٣٤٣ ٦٠ - كِتَابُ أحَادِيثِ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (٩) وهو طفل كما قاله ابن إسحاق، وإما أنه كان بعد البلوغ، فإن كان الأول فلا يعد هذا شيئاً. لأن الطفولية ليست بمحل للتكليف، وإن كان الثاني فإنه إنما قال ذلك على طريق الاحتجاج على قومه تنبيهاً على أن الذي يتغير لا يصلح للربوبية، أو قاله توبيخاً أو تهكماً بهم، وكل ذلك لا يطلق عليه الكذب، وأما وجه إطلاق الكذب على الأمور الثلاثة فهو ما قاله الماوردي: أما الكذب فيما طريقه البلاغ عن الله عز وجل فالأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، معصومون عنه، وأما في غيره فالصحيح امتناعه. فيؤول ذلك بأنه كذب بالنسبة إلى فهم السامعين، أما في نفس الأمر فلا، إذ معنى سقيم إني سأسقم لأن الإنسان عرضة للأسقام أو سقيم بما قدر عليه من الموت أو كانت تأخذه الحمى في ذلك الوقت. وأما: فعله كبيرهم، فيؤول بأنه أسند إليه لأنه هو السبب لذلك أو هو مشروط بقوله: إن كانوا ينطقون أو يوقف عند لفظ: فعله، أي: فعله فاعله، وكبيرهم هو ابتداء الكلام، وأما سارة فهي أخته بالإسلام، واتفق الفقهاء على أن الكذب جائز بل واجب في بعض المقامات، كما أنه لو طلب ظالم وديعة ليأخذها غصباً وجب على المودع عنده أن يكذب بمثل: أنه لا يعلم موضعها، بل يحلف عليه. قوله: ((ثنتين منهن))، أي: كذبتين من هذه الكذبات الثلاث كانتا في ذات الله تعالى، أي: لأجله، وإنما خص هاتين الثنتين لأنهما في ذات الله لأن قصة سارة وإن كانت أيضاً في ذات الله، لأنها سبب لدفع كافر ظالم عن مواقعة فاحشة عظيمة، لكنها تضمنت حظاً لنفسه ونفعاً له بخلاف الثنتين المذكورتين، لأنهما كانتا في ذات الله محضاً، وقد وقع في رواية هشام بن حسان: أن إبراهيم لم يكذب قط إلا ثلاث كذباتٍ، كل ذلك في ذات الله تعالى، وعند أحمد من حديث ابن عباس: والله إن جادل بهن إلاَّ عن الله. قوله: ((بينا هو))، أي: إبراهيم وسارة معه. قوله: إذا أتى، جواب: بينا إذا أتى إبراهيم. قوله: على جبار، يعني: مر على جبار من الجبابرة، وفي رواية مسلم: وواحدة في شأن سارة، أي: خصلة واحدة من الثلاث المذكورة، فإنه قدم أرض جبار ومعه سارة، وكانت أحسن الناس، واسم هذا الجبار: عمرو · ابن امرىء القيس بن سبأ، وكان على مصر، ذكره السهيلي، وهو قول ابن هشام في (التيجان) وقيل: اسمه صادوف، بالفاء حكاه ابن قتيبة، وأنه كان على الأردن، وقيل: سفيان ابن علوان بن عبيد بن عويج بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح عَّهِ، حکاہ الطبري ويقال: إنه أخو الضحاك الذي ملك الأقاليم، وقيل: إنه ملك حران. وقال علماء السير: أقام إبراهيم بالشام مدة فقحط الشام، فسار إلى مصر ومعه سارة. وكان بها فرعون، وهو أول الفراعنة، عاش دهراً طويلاً، فأتى إليه رجل، وقال: إنه قدم رجل ومعه امرأة من أحسن الناس، وجرى له معه ما ذكره في الحديث. قوله: ((فأرسل إليه))، أي: أرسل هذا الجبار إلى إبراهيم. قوله: ((فقال من هذه؟)) أي: فقال الجبار: من هذه المرأة؟ قال: أختي، وفي رواية مسلم: فأرسل إليها فأتى بها، فهذا يدل على أنه أتى بها حين أرسل إليه الجبار، ورواية البخاري تدل على أنه أرسل إليه أولاً وسأل ٣٤٤ ٦٠ - كِتابُ أَحَادِيثِ الأنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلاَمُ / باب (٩) عنها، ثم أتى إبراهيم إليها، وقال لها ما ذكره في الحديث، ثم أرسلها إليه. قوله: «فقال: يا سارة ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك))، قيل: يشكل عليه كون لو طمعه وأجاب بعضهم بأن مراده بالأرض: الأرض التي وقع له بها ما وقع، ولم يكن لوط معه، إذ ذاك. فإن قلت: ذكر أهل السير أن إبراهيم سار إلى مصر ومعه سارة ولوط. قلت: يمكن أنه سار معه إلى مصر ولم يدخلها معه، فأتى الجواب المذكور كما ذكره، والله أعلم. قوله: ((فأخبرته أنك أختي فلا تكذبيني))، وكانت عادة هذا الجبار أن لا يتعرض إلاَّ إلى ذوات الأزواج، فلذلك قال لها: إني أخبرته أنك أختي. وقيل: لو قال: إنها امرأتي لألزمه بالطلاق. قوله: ((فلما دخلت عليه)) أي: فلما دخلت سارة على الجبار. قوله: ((فأخذ)) على صيغة المجهول أي: اختنق حتى ركض برجله كأنه مصروع، وفي رواية مسلم: فأرسل إليها فأتي بها قام إبراهيم يصلي فلما دخلت عليه لم يتمالك أن بسط يديه إليها فقبضت يده قبضة شديدة، وعند أهل السير: فلما دخلت عليه ورآها أهوى إليها فتناولها بيده فيبست إلى صدره. قوله: ((الثانية))، ويروى: ثانية، بدون الألف واللام، وعند أهل السير: فعل ذلك ثلاث مرات. قوله: ((فدعت))، وكان دعاؤها: أللهم إن كنت تعلم أني آمنت بك وبرسولك وأحصنت فرجي إلاَّ على زوجي فلا تسلط علي الكافر. قوله: ((فدعا بعض حجبته))، بفتح الجيم والباء الموحدة جمع حاجب، وفي رواية مسلم: ((ودعا الذي جاء بها)). قوله: ((إنكم لم تأتوني بإنسان إنما أتيتموني بشيطان))، وفي رواية الأعرج: ((ما أرسلتم إليَّ إلاَّ شيطاناً، أرجعوها إلى إبراهيم)). وفي رواية مسلم: ((فقال: إنما جئتني بشيطان ولم تأتني بإنسان، فأخرجها من أرضي وأعطها هاجر)». والمراد من الشيطان: المتمرد من الجن، وكانوا قبل الإسلام يعظمون أمر الجن جداً، ويرون كل ما يقع من الخوارق من فعلهم وتصرفهم. قوله: ((فأخدمها هاجر)» أي: وهب لها خادماً اسمها هاجر، ويقال: آجر، بالهمز بدل الهاء، وهي أم إسماعيل، عليه الصلاة والسلام، وهو اسم سرياني، ويقال: إن أباها كان من ملوك القبط، وأصلها من قرية بأرض مصر تدعى: حفن، بفتح الحاء المهملة وسكون الغاء. قوله: ((فأتته))، أي: فأتت هاجر إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، والحال أنه يصلي. قوله: ((فأومأ بيده))، أي: أشار بيده. قوله: ((مهيا))، بفتح الميم وسكون الهاء وتخفيف الياء آخر الحروف مقصوراً، وهذه رواية المستملي، وفي رواية ابن السكن: ((مهين))، بالنون في آخره، وفي رواية الأكثرين: (مهيم)، بالميم في آخره، والكل بمعنى واحد وهو أنها كلمة يستفهم بها معناها: ما حالك؟ وما شأنك؟ ويقال: إن إبراهيم أول من قال هذه الكلمة. قوله: ((رد الله كيد الكافر في نحره))، هذا مثل تقوله العرب لمن أراد أمراً باطلاً فلم يصل إليه، وفي رواية مسلم: ((كف الله يد الفاجر وأخدم خادمً). وفي رواية الأعرج: ((أشعرت أن الله كبت الكافر وأخدم وليدة)) أي: جارية للخدمة، ومعنى: كبت: رده الله خاسئاً. قوله: ((قال أبو هريرة: فتلك أمکم یا بني ماء السماء)) أراد بهم العرب، لأنهم يعيشون بالمطر ويتبعون مواقع القطر في البوادي لأجل المواشي. ٣٤٥ ٦٠ - كِتَابُ أحَادِيثِ الأنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (٩) وفيه: حجة لمن يدعي أن العرب كلهم من ولد إسماعيل، ويقال: أراد به: ماء زمزم، إذ أنبطها الله تعالى لهاجر فعاشوا بها فصاروا كأنهم أولادها، وقال ابن حبان في (صحيحه): كل من كان له من ولد إسماعيل يقال له: ابن ماء السماء، لأن إسماعيل ولد هاجر وقد ربي بماء زمزم وهي من ماء السماء، وقيل: سموا بذلك لخلوص نسبه وصفائه، فأشبه ماء السماء، وقال عياض: والأظهر عندي أنه أراد بذلك الأنصار، نسبهم إلى جدهم عامر ماء السماء بن حارثة القطريف بن امريء القيس البطريق بن ثعلبة بن مازن بن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وعامر هذا هو جد الأوس والخزرج ابنا حارثة بن ثعلبة العنقاء بن عمرو بن مزيقيا بن عامر ماء السماء. وقال صاحب (التوضيح): وما ذكره إنما يأتي على الشاذ أن العرب جميعها من ولد إسماعيل، عليه الصلاة والسلام، إلاَّ قبائل استثنيت، أما الأنصار فليسوا من ولد إسماعيل بن هاجر، ولا يعلم لها ولد غيره. قلت: قال الرشاطي: إن الأنصار جزآن: الأوس والخزرج أخوان رفعنا نسبهما في: باب الأنصار، فذكرناها كما ذكرهما الآن، وأمهما: قيلة بنت الأرقم بن عمرو بن جفنة، وقيل: قيلة بنت كاهل بن عذرة بن سعد بن قضاعة، حكى ذلك ابن الكلبي والهمداني، وسنستقصي الكلام في هذا الباب، إن شاء الله تعالى، عند انتهائنا إلى باب ذكره البخاري بقوله: باب نسبة اليمن إلى إسماعيل عٍَّ، والله أعلم. ذكر ما يستفاد من الحديث المذكور: فيه: مشروعية أن يقال: أخي في غير النسب، ويراد به الأخوة في الإسلام. وفيه: قبول صلة الملك الظالم وقبول هدية المشرك. وفيه: إجابة الدعاء بإخلاص النية وكفاية الرب لمن أخلص في الدعاء بالعمل الصالح. وفيه: أن من نابه أمر مهم من الكرب ينبغي له أن يفزع إلى الصلاة. وفيه: أن الوضوء كان مشروعاً للأمم قبلنا وليس مختصاً بهذه الأمة ولا بالأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، لثبوت ذلك عن سارة، وذهب بعضهم إلى نبوة سارة، والجمهور على أنها ليست بنبية. ٣٣٥٩/٣١ - حدّثنا عُبَيْدُ الله بنُ مُوسَى أوِ ابنُ سَلاَم عنْهُ أخبرنا ابنُ جُرَيْجِ عنْ عَبْدِ الحَمِيدِ بنِ مُجُبَيْرٍ عنْ سَعِيدِ بنِ الْمُسَيَّبِ عنْ أَمِّ شَرِيكِ رضي الله تعالى عنهَا أنَّ رَسُولَ الله عَّهِ أَمَرَ بِقَتْلِ الوَزَعِ وقال كانَ يَنْفُخُ علَى إِبْراهِيمَ عليْهِ السَّلامُ. [انظر الحديث ٣٣٠٧]. مطابقته للترجمة في قوله: ((على إبراهيم)) وعبيد الله بن موسى بن باذام أبو محمد العبسي الكوفي، وهو من أكبر مشايخ البخاري وكأنه شك في سماعه هذا الحدیث منه، وتحقق أنه سمعه من محمد بن سلام، فأورده على هذا الوجه، وقد وقع له نظير هذا في أماكن، وابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، وعبد الحميد بن جبير - مصغر الجبر ضد الكسر - ابن شيبة بن عثمان الحجبي المعدود في أهل الحجاز، وأم شريك اسمها غزية أو غزيلة. والحديث مر في كتاب بدء الخلق في: باب خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف ٣٤٦ ٦٠ - كِتابُ أَحَادِيثِ الأنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (٩) الجبال، وقد مر الكلام فيه هناك. قوله: ((عن أم شريك))، وفي رواية أبي عاصم: إحدى نساء بني عامر بن لؤي، ولفظ المتن: أنها استأمرت النبي عَّله، في قتل الوزغات فأمر بقتلهن، ولم يذكر الزيادة، والوزغات بالفتح جمع وزغة بالفتح أيضاً، وذكر بعض الحكماء: أن الوزغ أصم أبرص وأنه لا يدخل بيتاً فيه زعفران، وأنه يلقح بفيه، وأنه يبيض، ويقال لكبارها: سام أبرص بتشديد الميم، ويمج في الإناء فينال الإنسان من ذلك مكروه عظيم، وإذا تمكن من الملح تمرغ فيه، ويصير ذلك مادة لتولد البرص، وينحجز في الشتاء أربعة أشهر لا يأكل شيئاً كالحية، وبينه وبين الحية إلفة كالفة العقارب والخنافس. ٣٣٦٠/٣٢ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفُصِ بنِ غِياثٍ حدَّثنا الأعْمَشُ قال حدَّثني إبْرَاهِيمُ عنْ عَلْقَمَةَ عنْ عَبْدِ الله رضي الله تعالى عنه قال لَمَّا نَزَلَتِ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَم يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ يِظُلْم﴾ [الأنعام: ٨٢] قُلْنَا يا رَسُولَ الله أَيُّنَا لاَ يَظْلِمُ نَفْسَهُ قال لَيْسَ كَما تَقُولُونَ ﴿لَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمْ﴾ [الأنعام: ٨٢] بِشَرْكِ أَوَلَمْ تَسْمَعُوا إِلى قَوْلِ لُقْمَانَ لإِينِهِ ﴿يَا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بالله إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]. [انظر الحديث ٣٢ وأطرافه]. اعترض الإسماعيلي فقال: لا أعلم في الحديث شيئا من قصة إبراهيم، وقال بعضهم نصرة للبخاري: وخفي عليه أنه حكاية عن قول إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، لأنه سبحانه لما فرغ من حكاية قول إبراهيم في الكوكب والقمر والشمس، ذكر محاجة قومه له، ثم حكى أنه قال لهم: وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطاناً؟ فأي الفريقين أحق بالأمن؟ فهذا كله عن إبراهيم. انتهى. قلت: قد سبق صاحب (التوضيح) بهذا الجواب، وقال الكرماني: مناسبة هذا الحديث بقصة إبراهيم اتصال هذه الآية بقوله: ﴿وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه﴾ [الأنعام: ٨٣]. وكل هذا لا يجدي شيئاً، والكلام في مطابقة الحديث للترجمة، والترجمة هي قوله: باب ﴿واتخذ الله إبراهيم خليلاً﴾ [النساء: ١٦٥]. فأين المطابقة بين هذا الحديث وبين الترجمة؟ واعتراض الإسماعيلي باقٍ، وقول القائل المذكور: وخفي عليه .. إلى آخره، غير موجه أصلاً، بل هو الذي خفي عليه أنه أثبت المطابقة بالجر الثقيل، وأبعد منه ما قاله الكرماني: والمقصود من المطابقة أن يكون فيه شيء من ألفاظ الترجمة، ولو كان شيئاً يسيراً، وهذه الأحاديث المذكورة كلها لا تخلو عن ذكر إبراهيم، كما هو مذكور في الترجمة، ويستأنس في المطابقة من حديث رواه الحاكم عن علي، رضي الله تعالى عنه، أنه قرأ هذه الآية: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم﴾ [الأنعام: ٨٢]. قال: هذه في إبراهيم وأصحابه وليست في هذه الأمة. وهذا الحديث مضى في كتاب الإيمان في: باب ظلم دون ظلم، وأخرجه هناك من طريقين: أحدهما: عن أبي الوليد عن شعبة. والآخر: عن بشر بن خالد عن محمد عن شعبة ٣٤٧ ٦٠ - كِتَابُ أحَادِيثِ الأنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (١٠) عن سليمان الأعمش عن إبراهيم النخعي عن علقمة بن الأسود عن عبد الله بن مسعود، رضي الله تعالى عنه، والله أعلم بالصواب. ١٠ - بابٌ يَزِفّونَ النَّسَلاَنُ في المَشْي أي: هذا باب، ولم يذكر له ترجمة، وهو كالفصل من باب قول الله تعالى: ﴿واتخذ الله إبراهيم خليلاً﴾ [النساء: ١٦٥]. وقوله: يزفون النسلان في المشي، إنما ذكر في رواية الحموي والكشميهني، وفي رواية المستملي والباقين: باب، بغير ترجمة، وفي رواية النسفي: لم يذكر: باب، وفي شرح الكرماني: باب قال الله تعالى: ﴿فأقبلوا إليه يزفون﴾ [الصافات: ٩٤]. وقال بعضهم: والذي يظهر ترجيح ما وقع عند المستملي، ووهم من وقع عنده: باب يزفون النسلان، فإنه كلام لا معنى له. قلت: بل له معنى جيد، لأن قوله باب: كالفصل كما ذكرنا فلا يحتاج إلى الترجمة، لأنه من الباب السابق، وقوله: ((يزفون)) أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿فأقبلوا إليه يزفون﴾ [الصافات: ٩٤]. لأنه من جملة قصة إبراهيم مع قومه حين كسر أصنامهم، قال الله تعالى: فأقبلوا إليه أي أقبلوا إلى إبراهيم، يزفون أي: يسرعون، ثم أشار بقوله: النسلان في المشي إلى المعنى الحاصل من قوله: يزفون، وهو من زف في مشيه إذا أسرع، وكذلك النسلان هو الإسراع في المشي، يقال: نسل ينسل من باب ضرب يضرب نسلاً ونسلاناً. وفي حديث لقمان: وإذا سعى القوم نسل، أي: إذا عدو الغارة أو مخافة أسرع هو، قال ابن الأثير: النسلان دون السعي. قلت: ومادته: نون وسين مهملة ولام. ٣٣٦١/٣٣ - حدّثنا إِسْحَاقُ بنُ إِبْرَاهِيمَ بنِ نَصْرٍ حدَّثنا أبو أُسَامَةَ عنْ أَبِي حَيَّانَ عنْ أبِي زُرْعَةَ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ قال أَتِيَ النَّبِيُّ عَ لَّه يَوْماً بِلَخم فقال إنَّ الله يَجْمَعُ يَوْمَ القِيَامَةِ الأُوَّلِينَ وَالآخَرِينَ في صَعِيدٍ واحِدٍ فيُسْمِعُهُمْ الدَّاعِي ويَتْفِذُهُمْ البَصَرُ وتَدْنُوا الشَّمْسُ مِنْهُمْ فَذَكَرَ حَدِيثَ الشَّفَاعَةِ فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فيَقُولُونَ أَنْتَ نَبِيُّ الله وَخَلِيلُهُ مِنَ الأرْضِ اشْفَعْ لَنَا إلَى رَبِّكَ فِيَقُولُ فَذَكَرَ كَذَبَاتِهِ نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إلى مُوسى. [انظر الحديث ٣٣٤٠ وطرفيه]. مطابقته لباب ﴿واتخذ الله إبراهيم خليلاً﴾ [النساء: ١٦٥]. في قوله: ((أنت نبي الله وخليله في الأرض» وأبو أسامة حماد بن أسامة، وأبو حيان، بفتح الحاء المهملة وتشديد الياء آخر الحروف يحيى بن سعيد التيمي، تيم الرباب، الكوفي. وأبو زرعة، بضم الزاي وسكون الراء: اسمه هرم بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي الكوفي. والحديث قد مضى في: باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّا أرسلنا نوحاً إلى قومه﴾ [نوح: ١]. عن قريب. قوله: ((وينفذهم))، رواه الأكثرون بفتح الياء وبعضهم بالضم، يقال: نفذني بصره: إذا بلغني، وتجاوز، ويقال: أنفذت القوم إذا أخذتهم، ومعناه أنه يحيط بهم بصر الناظر لا يخفى عليه منهم شيء لاستواء الأرض. وقال أبو حاتم: أصحاب الحديث يروونه بالذال المعجمة، وإنما هو بالمهملة أي: يبلغ أولهم وآخرهم حتى يراهم كلهم ويستوعبهم، من ٣٤٨ ٦٠ - كِتابُ أحَادِيثِ الأنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (١٠) نفدت الشيء أنفده وأنفدته. قوله: ((فذكر كذباته)) تفسير قوله: فيقول. تَابَعَهُ أَنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ عَلِّ أي: تابع أبا هريرة في رواية الحديث المذكور أنس بن مالك، بيَّن البخاري هذه المتابعة في التوحيد وغيره من حديث قتادة عن أنس: أن النبي عَِّ قال: ((يجمع الله المؤمنين يوم القيامة كذلك، فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا حتى يريحنا من مكاننا ... )) الحدیث. ٣٤ / ٣٣٦٢ _ حدَّثني أحمَدُ بنُ سَعِيدٍ أَبُو عَبْدِ الله حدَّثنا وهْبُ بنُ جَرِيرٍ عنْ أَبِيهِ عنْ أَيُّوبَ عنْ عَبْدِ الله بنِ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنْ أَبِيهِ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهُما عنِ النَّبِيِّ عَ لِّ قَالَ يَرْحَمُ الله أُمَّ إِسْمَاعِيلَ لَوْلاَ أَنَّهَا عَجِلَتْ لَكَانَ زَمْزَمُ عَيْنَاً مَعِيناً. [انظر الحديث ٢٣٦٨ وأطرافه]. مطابقته للباب الذي تقدم ظاهرة لأنه في قضية إبراهيم، عليه السلام، وحديث ابن عباس هذا أخرجه البخاري من ثلاث طرق: وهذا هو الأول. ورجاله سبعة: الأول: أحمد بن سعيد بن إبراهيم أبو عبد الله المروزي المعروف بالرباطي. الثاني: وهب بن جرير الأزدي البصري أبو العباس. الثالث: أبوه جرير، بفتح الجيم: ابن حازم بن زيد أبو النصر الأزدي البصري. الرابع: أيوب السختياني. الخامس: عبد الله بن سعيد بن جبير الأسدي الكوفي. السادس: أبوه سعيد بن جبير بن هشام الأسدي الفقيه الورع. السابع: عبد الله بن عباس، رضي الله تعالى عنهُما. ذكر الاختلاف الواقع في هذا الإسناد: هذا الحديث رواه ابن السكن والإسماعيلي من طريق حجاج بن الشاعر عن وهب بن جرير عن أبيه عن أيوب عن عبد الله بن سعيد بن جبير عن أبيه عن ابن عباس عن أبي بن كعب عن النبي عَّ ◌ُلّه، وزاد في روايتهما: أبي بن كعب، رضي الله تعالى عنه. ورواه النسائي عن أحمد بن سعيد شيخ البخاري المذكور عن وهب بن جرير عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبي بن كعب ... إلى آخره، فأسقط عبد الله بن سعيد بن جبير، وزاد أبي بن كعب. ورواه النسائي أيضاً عن أبي داود سليمان بن سعيد عن علي بن المديني عن وهب به، وفيه: قلت لأبي حماد: لا تذكر أبي ابن كعب، ولا ترفعه، وقال: أنا أحفظ كذا، وكذا حدثني به أيوب. قال وهب: وحدثنا حماد ابن زيد عن أيوب عن عبد الله بن سعيد عن أبيه عن ابن عباس نحوه، ولم يذكر أبي بن كعب، ولم يرفعه، قال وهب: فأتيت سلام بن أبي مطيع فحدثني بهذا الحديث عن حماد ابن زيد عن أيوب عن عبد الله بن سعيد، فرد ذلك رداً شديداً ثم قال لي: فأبوك ما يقول؟ قلت: أبي يقول: أيوب عن سعيد. فقال: العجب! والله ما يزال الرجل من أصحابنا، الحافظ قد غلط، إنما هو أيوب عن عكرمة بن خالد عن سعيد بن جبير. وقال أبو مسعود: رأيت جماعة اختلفوا على وهب بن جرير في هذا الإسناد، قال الجياني: لم يذكر أبو مسعود إلاَّ ٣٤٩ ٦٠ - كِتابُ أحَادِيثِ الأُنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (١٠) هذا، وأنا أذكر ما انتهى إلي من الخلاف على وهب وعلى غيره في هذا الإسناد، فرواه عن حجاج عن وهب به بزيادة أبي بن كعب، ثم رواه من طريق البخاري بإسقاطه، ورواه علي بن المديني عنه بإثباته، ورواه حماد بن زيد عن أيوب فلم يذكره ولا رسول الله، عَّهِ، ورواه ابن علية عن أيوب، فقال: نبئت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال أول من سعى بين الصفا والمروة .. الحديث بطوله، نحواً مما رواه معمر عن أيوب عن سعيد وفيه قصة زمزم، ورواه سلام بن أبي مطيع عن أيوب عن عكرمة بن خالد ولم يذكر ابن جبير، قال أبو علي: وكيف يصح هذا وفيه من الخلاف ما عرفت؟ فنقول: إذا ميزه الناظر ميز منه ما ميزه البخاري وحكم بصحته وعلم أن الخلاف الظاهر فيه إنما يعود إلى وفاق، وأنه لا يدفع بعضه بعضاً، والاختلاف إذا كان دائراً على ثقات حفاظ لا يضر، فلا يلتفت إلى عيب الإسماعيلي على البخاري إخراجه رواية أيوب لاضطرابها، ولا يلتفت أيضاً إلى إنكار سلام بن أبي مطيع على كون مخرج الحديث عن سعيد رواه عن عكرمة لأنه ليس من حمال المحابر. ذكر معناه: قوله: ((رحم الله أم إسماعيل)) هي: هاجر وقصتها ملخصة ما ذكره السدي: أن سارة زوج إبراهيم، عليهما الصلاة والسلام، حلفت أن لا تساكن هاجر، فحملها إبراهيم وإسماعيل معها إلى مكة على البراق، ومكة إذ ذاك عضاه وسلم وسمر، وموضع البيت يومئذ ربوة، فوضعهما موضع الحجر ثم انصرف، فاتبعته هاجر، فقالت: إلى من تكلنا؟ فالله أمرك بهذا؟ قال: نعم، فقالت: إذن لا يضيعنا، ثم انصرف راجعاً إلى الشام، وكان مع هاجر شنة ماء وقد نفد فعطشت وعطش الصبي، فقامت وصعدت الصفا فتسمعت هل تسمع صوتاً أو ترى إنساناً فلم تسمع صوتاً ولم تر أحداً، ثم ذهبت إلى المروة فصعدت عليها وفعلت مثل ذلك، فلم تزل تسع بينهما حتى سعت سبع مرات. وأصل السعي من هذا، ثم سمعت صوتاً فجعلت تدعو: اسمع أيل - يعني: إسمع يا الله - قد هلكت وهلك من معي، فإذا هي بجبريل، عليه السلام، فقال لها: من أنت؟ قالت: سرية إبراهيم تركني وابني ههنا. قال: إلى من وكلكما؟ قالت: إلى الله تعالى، قال: وكلكما إلى كافٍ، ثم جاء بهما إلى موضع، زمزم فضرب بعقبه ففارت عيناً، فلذلك يقال لزمزم، ركضة جبريل، عليه السلام، فلما نبع الماء أخذت هاجر شنتها وجعلت تستقي فيها تدخره، وهي تفور، فقال رسول الله، عَ ليهِ: ((يرحم الله أم إسماعيل، لولا أنها عجلت لكانت زمزم عيناً معيناً)، وهو بفتح الميم أي سائلاً جارياً على وجه الأرض، يقال: عين معين، أي ذات عين جارية، والقياس أن يقال: معينة، والتذكير إما حملاً على اللفظ، أو لِوَهم أنه فعيل بمعنى مفعول، أو على تقدير ذات معين، وهو الماء يجري على وجه الأرض. ٣٣٦٣ _ وقال الأنْصَارِيُّ حدَّثنا ابنُ جُرَيْجٍ أمَّا كَثِيرُ بنُ كَثِيرٍ فحَدَّثَني قال إنِّي وعُثْمَانَ بنَ أَبِي سُلَيْمانَ مُجُلوسٌ مَعَ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٌ فقال ما هَكَذَا حدَّثني ابنُ عَبَّاسٍ قال أَقْبَلَ إبْرَاهِيمُ باسْمَاعِيلَ وأمِّهِ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ وهْيَ تُرْضِعُهُ مَعَها شَنَّةٌ لَمْ يَرْفَعْهُ ثُمَّ جَاءَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ ويِابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ. [انظر الحديث ٢٣٦٨ وأطرافه]. ٣٥٠ ٦٠ - كِتابُ أحَادِيثِ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (١٠) هذا طريق ثان أخرجه معلقاً عن الأنصاري، وهو محمد بن عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس مات سنة أربع عشرة أو خمس عشرة ومائتين، عن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج،، قال: أما كثير بن كثير - ضد القليل - في الإثنين، ابن المطلب بتشديد الطاء المهملة وكسر اللاَّم ابن أبي وداعة، بفتح الواو وتخفيف الدال المهملة: السهمي، مر في كتاب الشرب وعثمان بن أبي سليمان بن جبير بن مطعم القرشي. قوله: ((جلوس)) أي: جالسان. قوله: ((وأمه))، يعني: هاجر. والواو في: وهي ترضعه، للحال. قوله: ((شنة))، بفتح الشين المعجمة وتشديد النون: وهي القربة اليابسة. قوله: ((لم يرفعه)) أي: الحديث، وهذا التعليق وصله أبو نعيم في (المستخرج): عن فاروق بن عبد الكبير حدثنا أبو خالد عبد العزيز ابن معاوية القرشي عن الأنصاري، ولكنه أورده مختصراً. ٣٣٦٤/٣٥ - وحدّثني عبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثنا عبْدُ الرَّزَّاقِ أُخبرَنا مَعْمَرٌ عنْ أيُّوبَ السَّخْتِيانيّ وكَثِيرٍ بنِ كَثِيرِ بنِ المُطَّلِبِ بنِ أبِي وَدَاعَةً يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى الآخَرِ عنْ سَعِيدٍ بنِ جُبَيْرِ قَال ابْنُ عَبَّاسٍ أوَّلَ ما أَتَّخَذَ النِّساءُ المِنْطَقَ مِنْ قِبَلٍ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ اتَّخَذَتْ مِنْطَقَاً لِتُعَفِّي أَثَرَها عَلَى سارَةَ ثُمَّ جاءَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ وبابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ وَهْيَ تُرْضِعُهُ حتَّى وضَعَهُما عِنْدَ البَيْتِ عنْدَ دَوْحَةٍ فَوْقَ زَمْزَمَ في أعْلَى المَسْجِدِ ولَيْسَ بِمَكّةَ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ ولَيْسَ بِهَا ماءٌ فَوَضَعَهُمَّا هُنَالِكَ ووضَعَ عِنْدَهُمَا جِرَابًاً فِيهِ تَخْرُ وسِقَاءَ فيهِ ماءٌ ثُمَّ قَفَّى إِبْرَاهِيمُ مُنْطَلِقَاً فَتَبِعَتْهُ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ فَقالَتْ يا إبْرَاهِيمُ أَيْنَ تَذْهَبُ وتَتْرُكُنا بِهِذَا الوَادِي الَّذِي لَيْسَ فيهِ إنْسٌ وَلاَ شَيْءٌ فقالَتْ لَهُ ذَلِكَ مِرَارًاً وجعَلَ لاَ يَلْتَفِتُ إليْهَا فقالَتْ لَهُ الله الَّذِي أمَرَكَ بِهَذَا قال نعَمْ قالتْ إذَنْ لاَ يُضَيِّعَنَا ثُمَّ رَجَعَتْ فَانْطَلَقَ إبْرَاهِيمُ حتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ النَّنِيَّةِ حَيْثُ لا يَرَوْنَهُ اسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ البَيْتَ ثُمَّ دَعَا بِهَؤْلاَءِ الكَلِمَاتِ وَرَفَعَ يَدَيْهِ فقال ﴿رَبِّ أَنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعِ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ حتَّى بَلَغَ ﴿يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: ٣٧] وجَعَلَتْ أَمَّ إِسْمَاعِيلَ تُرضِعُ إِسمَاعِيلَ وتَشْرَبُ مِنْ ذَلِكَ المَاءِ حَتَّى إِذَا نَفِذَ ما فِي السِّقاءِ عَطِشَتْ وَعَطِشَ ابْنُهَا وَجَعَلَتْ تَنْظُرُ إِلَيْهِ يتَلَوَّى أَوْ قال يَتَلَبَّطُ فانْطَلَقَتْ كَرَاهِيَةَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَيْهِ فَوَجَدَتْ الصَّفَا أَقْرَبَ جَبَلٍ في الأَرْضِ يَلِيهَا فقامَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ اسْتَقْبَلَتِ الوَادِي تَنْظُرُ هَلْ تَرَى أَحَدَاً فَلَمْ تَرَ أَحَدَاً فَهَبَطَتْ مِنَ الصَّفَا حتَّى إِذَا بَلَغَتِ الوَادِيَ رفَعَتْ طرَفَ دِرْعِه ثُمَّ سَعَتْ سَعْيَ الإنْسَانِ الْمَجْهُودِ حتَّى جاوَزَتِ الوَادِي ثُمّ أتتْ المَرْوَةَ فَقَامَتْ عَلَيْهَا ونَظَرَتْ هَلْ تَرَى أَدَاً فَلَمْ تَرَ أَحَدَاً ففَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ. قال ابنُ عَبَّاسٍ قَال النَّبِيُّ عَ لَّهِ فَذَلِكَ سَعْيُ النَّاسِ بَيْنَهُمَا فَلَمَّا أَشْرَفَتْ عَلَى المَرْوَةِ سَمِعَتْ صَوْتَاً فقالَتْ صَهْ تُرِيدُ نَفْسَهَا ثُمَّ تَسَمَّعَتْ فَسَمِعَتْ أيضاً فقَالَتْ قَدْ أَسْمَعْتَ إِنْ كانَ عِنْدَكَ غُوَاتٌ فإِذَا هِيَ بالمَلَكِ عِنْدَ مَوْضِعِ زَمْزَمَ فَبَحَثَ بِعَقِهِ أوْ قال بِجَناحِهِ حتَّى ظَهَرَ المَاءُ فَجَعَلَتْ تُحَوِّضُهُ وَتَقولُ بِيَدِها مَكَذَا وَجَعَلَتْ تَغْرِفُ مِنَ المَاءِ فِي سِقَائِهَا وَهْوَ يَفورُ بَعْدَ ما تَغْرِفُ قال ابنُ عَبَّاسٍ قال النبيِ عَّهِ يَرْحَمُ اللهِ أَمَّ إِسْمَاعِيلَ لَوْ تَرَكَتْ زَمْزَمَ أوْ قال لَوْ لَمْ تَغْرِفْ مِنَ المَاءِ لَكانَتْ زَمْزَمُ عَيْنَاً مَعِيناً قال فشَرِبَتْ وأَرْضَعَتْ ولدَهَا فقال لَهَا المَلَكُ لاَ تَخافُوا الضَّيْعَةَ فإنَّ هُهُنَا بَيْتَ الله يَثْنِيهِ لهذَا الغُلاَمُ وأبوهُ وإِنَّ الله لا يُضَيِّعُ أَهْلَهُ ٣٥١ ٦٠ - كِتَابُ أَحَادِيثِ الأُنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (١٠) وكانَ البَيْتُ مُرْتَفِعَاً مِنَ الأرْضِ كالرَّابِيَةِ تأتِيهِ السُّيُولُ فتأْخُذُ عنْ يَمِنِهِ وشِمَالِهِ فَكَانَتْ كَذَلِكَ حتَّى مَرَّتْ بِهِمْ رُفْقَةٌ منْ بُرْهُمَ أوْ أَهْلُ بَيْتِ مِنْ جُرْهُمَ مُقْبِلِينَ مِنْ طَرِيقِ كَدَاءٍ فَزَلُوا في أُشْفَل مَكَّةَ فرَأوْا طائِرَاً عائفَاً فقالُوا إِنَّ هَذَا الطَّائِرَ لَيَدُورُ علَى ماءٍ لَعَهْدُنَا بِهَذَا الوَادِي وما فِيهِ ماءٌ فأرْسَلُوا جَرِيّاً أوْ جَرِيَّيْنِ فإِذَا هُمْ بالماءِ فَرَجَعُوا فأخْبَرُوهُمْ بالمَاءِ فَأقْبُلُوا قال وأُمّ إِسْمَاعِيلَ عِنْدَ الماءِ فَقَالُوا أَتَأْذَنِينَ لَنا أنْ نَنْزِلَ عِنْدَكِ فِقالَتْ نَعَمْ ولَكِنْ لاَ حَقَّ لَكُمْ في المَاءِ قَالُوا نَعَمْ قال ابنُ عَبَّاسٍ قال النَّبِيُّ عَ لَه فَأَلْفَى ذَلِكَ أُمْ إِسْمَاعِيلَ وَهْيَ تُحِبُّ الإنْسَ فَتَزَلُوا وَأرْسَلُوا إلى أهْلِيهِمْ فَتَزَلُوا مَعَهُمْ حتَّى إِذَا كانَ بِهَا أَهْلُ أبياتٍ مِنْهُمْ وشَبَّ الغُلاَمُ وتَعَلَّمَ العَرَبِيَّةَ مِنْهُمْ وأنفَسَهُمْ وأعْجَبَهُمْ حِينَ شَبَّ فَلَمَّا أَدْرَكَ زَوَّجُوهُ امْرَأَةً مِنْهُمْ وماتَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ فَجاءَ إِبْرَاهِيمُ بَعْدَ ما تَزَوَّجَ إِسْمَاعِيلُ يُطالِعُ تَرِكَتَهُ فَلَمْ يَجِدْ إِسْمَاعِيلَ فَسألَ امْرَأْتَهُ عَنْهُ فقالَتْ خرجَ يَتَغِي لَنَا ثُمَّ سألَهَا عنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ فقالَتْ نَحْنُ بِشَرٌ نَحْنُ في ضِيقٍ وَشِدَّةٍ فَشَكَتْ إِلَيْهِ قال فإذَا جاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي عَلَيْهِ السَّلاَمَ وَقُولِي لَهُ يُغَيِّرُ عَتَبَةَ بابِهِ فَلَمَّا جاءَ إِسْمَاعِيلُ كأنَّهُ آنَسَ شَيْئاً فقال هَلْ جاءَكُمْ مِنْ أحَدٍ قَالَتْ نَعَمْ جاءَنَا شَيْخٌ كَذَا وكَذَا فسَأَلَنَا عَنْكَ فَأُخْبرْتُهُ وسألَنِي كَيْفَ عَيْشُنَا فأخْبَرْتُهُ أَنَّ في جَهْدٍ وشِدَّةٍ قال فَهَلْ أَوْصَاكِ بِشَيْءٍ قَالَتْ نَعَمْ أمَرَنِي أنْ أَقْرَأ عَلَيْكَ السَّلامَ ويَقولُ غَيِّرْ عَتَبَةَ بابِكَ قال ذَاكَ أبي وقدْ أمَرَنِي أَنْ أُفَارِقَكِ الحَقِي بِأهْلِكِ فَطلقَها وَتَزَوَّجَ مِنْهُمْ أُخْرَى فَلَبِثَ عَنْهُمْ إِبْرَاهِيمُ ما شاءَ اللّهِ ثُمَّ أَتَاهُمْ بَعْدُ فَلَمْ يَجِدْهُ فَدَخَلَ عَلَى امْرَأْتِهِ فسَألَهَا عَنْهُ فِقالَتْ خَرَجَ يَبْتَغِي لَنا قال كَيْفَ أَنْتُمْ وسألَهَا عنْ عَيْشِهِمْ وهَيْئَتِهِمْ فقالَتْ نَحْنُ بِخَيْرٍ وسِعَةٍ وأثْنَتْ علَى الله فقال ما طَعَامُكُمْ قَالَتِ اللَّحْمُ قال فَمَا شَرَابُكُمْ قالَتِ الْمَاءُ قال اللَّهُمَّ بارِكْ لَهُمْ في اللَّحْمِ والماءِ قال النَِّيُّ عَّهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ حَبّ ولَوْ كَانَ لَهُمْ دَعَا لَهُمْ فِيهِ قال فَهُمَا لاَ يَخْلُو عَلَيْهِمَا أَحَدٌ بِغَيْرِ مَكَّةَ إِلاَّ لَمْ يُوَافِقَاهُ قال فَإِذَا جاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي عَلَيْهِ السَّلاَمَ ومُرِيهِ يُثْبِتْ عَتَبَةَ بابِهِ فَلَمَّا جاءَ إِسْمَاعِيلُ قال هَلْ أَتَاكُمْ مِنْ أُحَدٍ قالَتْ نَعمْ أتانا شَيْخٌ حَسَنُ الْهَيْئَةِ وَأَثْنَتْ عليْهِ فَسَألَنِي عَنْكَ فَأُخْبَرْتُهُ فسألني كَيْفَ عَيْشُنَا فأخبَرْتُهُ أَنَّا بِخَيْرٍ قال فأوْصَاكِ بِشَيْءٍ قالَتْ نَعَمْ هُوَ يَقْرَأْ عَلَيْكَ السَّلاَمَ ويَأْمُكَ أَنْ تُثْبِتَ عَتَبَةَ بابِكَ قال ذَاكَ أَبي وأنْتِ الْعَتَبَةُ أُمَرَنِي أنْ أُمْسِكَكِ ثُمَّ لَبِثَ عَنْهُمْ ما شاءَ الله ثُمَّ جاءَ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِسْمَاعِيلُ يَثْرِي لَهُ نَبْلاً تَحْتَ دَوْحَةٍ قَرِيباً مِنْ زَمْزَمَ فَلَمَّا رَآهُ قَامَ إِلَيْهِ فصَنَعَا كَمَا يَصْنَعُ الوَالِدُ بالوَلَدِ والوَلَدُ بالوَالِدِ ثُمَّ قال يا إِسْمَاعِيلُ إِنَّ الله أمَرَنِي بِأَمْرٍ قال فاضْنَعْ مَا أَمَرَكَ رَبُّكَ قال وَتُعِينُنِي قال وأُعِيئُكَ قال فإنَّ الله أمَرَنِي أَنْ أَبْنِيَ هُهُنَا بَيْتاً وأَشَارَ إِلَى أَكَمَةٍ مُرْتَفِعَةٍ عَلَى ما حَوْلَهَا قال فَعِنْدَ ذُلِكَ رفَعَا القَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ فَجَعَلَ إسْمَاعِيلُ يأْتِي بِالحِجَارَةِ وإِبْرَاهِيمُ يَثْنِي حتَّى إِذَا ارْتَفَعَ البِنَاءُ جاءَ بِهِذَا الحَجَرَ فَوَضَعَهُ لَهُ فَقامَ عَليْهِ وَهْوَ يَئِنِي وإِسْمَاعِيلُ يُناوِلُهُ الحِجَارَةَ وهُمَا يَقُولانَ ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧] قال فَجَعَلَاً يَبْنِيَانِ حتَّى يَدُورَا حَوْلَ البَيْتِ وَهُمَا يَقولانِ ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧]. [انظر الحديث ٢٣٦٨ وأطرافه]. هذا من تتمة الحديث الأول، لأن الحديث الأول جزء يسير منه، وهذا يوضح القصة ٣٥٢ ٦٠ - كِتابُ أَحَادِيثِ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (١٠) كما ينبغي، وعبد الله بن محمد المعروف بالمسندي، وعبد الرزاق بن همام، ومعمر بن راشد. ذكر معناه: قوله: ((المنطق))، بكسر الميم ما يشد به الوسط أي: اتخذت أم اسماعيل منطقاً، وكان أول الإتخاذ من جهتها، ومعناه: أنها تزيت بزي الخدم إشعاراً بأنها خادمها، يعني: خادم سارة لتستميل خاطرها وتجبر قلبها، وفي رواية ابن جريج: النطق، بضم النون والطاء، وهو جمع: منطق، وكان السبب في ذلك أن سارة كانت وهبت هاجر لإبراهيم فحملت منه بإسماعيل، فلما ولدته غارت منها، فحلفت لتقطعن منها ثلاثة أعضاء، فاتخذت هاجر منظقاً فشدت به وسطها وجرت ذيلها لتخفي أثرها على سارة، وهو معنى قوله: ((لتعفي أثرها))، أي: لأن تعفي، يقال عفا على ما كان منه: إذا أصلح بعد الفساد، ويقال: إن إبراهيم شفع فيها، وقال لسارة: حللي يمينك بأن تثقبي أذنيها وتخفضيها، فكانت أول من فعل ذلك، ووقع في رواية ابن علية عند الإسماعيلي: أول ما أحدث العرب جر الذيول عن أم إسماعيل. قوله: ((ثم جاء بها إبراهيم)) قيل: كان على البراق، وقيل: كان تطوى له الأرض. قوله: ((وهي ترضعه))، الواو فيه للحال، أي: هاجر ترضع إسماعيل، قوله: ((عند البيت)) أي: عند موضع البيت، لأنه لم يكن في ذلك الوقت بيت ولا بناء. قوله: ((فوضعهما)) عند البيت، هكذا في رواية الكشميهني، وفي رواية غيره: حتى وضعهما. قوله: ((عند دوحة))، بفتح الدال والحاء المهملتين، وهي الشجرة العظيمة. قوله: ((فوق زمزم))، هكذا هو في رواية الكشميهني، وفي رواية غيره: فوق الزمزم. قوله: ((وفي أعلى المسجد))، أي: في أعلى مكان المسجد، لأنه لم يكن حينئذ بنى المسجد. قوله: ((جرابا))، بكسر الجيم، وهو الذي يتخذ من الجلد يوضع فيه الزوادة. قوله: ((وسقاء» بالنصب، عطف على: جراباً، وهو بكسر السين، وهو قربة صغيرة، وفي رواية تأتي: شنة، بفتح الشين المعجمة وتشديد النون، وهي القربة العتيقة اليابسة. قوله: ((ثم قفى))، بفتح القاف وتشديد الفاء من التقفية، وهي الإعراض، والتولي. وقال الهروي: معنى قفَّى ولَّى، يعني: ولَّى راجعاً إلى الشام، وفي رواية إبن إسحاق: فانصرف إبراهيم، عليه السلام، إلى أهله بالشام وترك إسماعيل وأمه عند البيت. قوله: ((منطلقاً) نصب على الحال. قوله: ((فتبعته أم إسماعيل)) وفي رواية ابن إسحاق: ((فاتبعته))، وفي رواية ابن جريج: ((فأدركته بكذا)). قوله: ((إذن لا يضيعنا))، وفي رواية عطاء: ((لن يضيعنا))، وفي رواية ابن جريج: ((حسبي))، وفي رواية إبراهيم بن نافع عن كثير، فقالت: ((رضيت بالله)). قوله: ((عند الثنية))، بفتح الثاء المثلثة وكسر النون وتشديد الياء آخر الحروف، وهو في الجبل كالعقبة، وقيل: هو الطريق العالي فيه، وقيل: أعلى المسيل في رأسه. قوله: ((رب))، يعني: يا رب، ويروى: ((ربي))، بالياء هكذا رواية الكشميهني: ((رب))، وفي رواية غيره: ((ربنا))، كما في القرآن، وهو قوله تعالى: ﴿ربنا إني أسكنت من ذريتي بوادٍ غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون﴾ [إبراهيم: ٣٧]. ٣٥٣ ٦٠ - كِتابُ أحَادِيثِ الأنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلاَمُ / باب (١٠) قوله: ((بواد غير ذي زرع))، هو مكة. قوله: ((المحرم))، وصف البيت بالمحرم لأن الله تعالى حرم التعرض له والتهاون به، ولأنه حرم على الطوفان، أي: منع منه. قوله: ((ليقيموا الصلاة عند بيتك المحرم)) يتعلق بقوله: أسكنت أي: ما أسكنتهم بهذا الوادي الخلاء البلقع إلاَّ ليقيموا الصلاة عند بيتك المحرم. قوله: ((فاجعل أفئدة من الناس)) أي: من أفئدة الناس، وهي جمع فؤاد، وهي القلوب، وقد يعبر عن القلب بالفؤاد، وقيل: جمع: وفود من الناس ولو قال: أفئدة للناس، لحجت اليهود والنصارى والمجوس، قاله سعيد بن جبير. قوله: ((تهويّ إليهم))، أي: تقصدهم وتسكن إليهم. قوله: ((وارزقهم من الثمرات))، أي: التي تكون في بلاد الريف حتى يحبهم الناس. فقبل الله دعاءه، وأنبت لهم بالطائف سائر الأشجار لعلهم يشكرون النعمة. قوله: ((حتى إذا نفد ما في السقاء)) أي: حتى إذا فرغ الماء الذي في السقاء. قوله: ((وعطش ابنها)) أي: إسماعيل، بكسر الطاء في الموضعين، قيل: كان عمره في ذلك الوقت سنتين، وقيل: كان لبنها انقطع. قوله: ((يتلوى)) أي: يتمرغ وينقلب ظهراً لبطن ويميناً وشمالاً، واللوى: وجع في البطن. قوله: ((وقال: يتلبط)) بالباء الموحدة قبل الطاء المهملة أي: يتمرغ ويضرب بنفسه الأرض، وقال الداودي: هو أن يحرك لسانه وشفتيه كأنه يموت. قال الخليل: لبط فلان بفلان الأرض إذا صرعه صرعاً عنيفاً، وقال ابن دريد: اللبط باليد والخبط بالرجل، وفي رواية عطاء بن السائب، فلما ظمىء إسماعيل جعل يضرب الأرض بعقبيه، وفي رواية معمر والكشميهني يتلمظ بالميم والظاء المعجمة. قوله: ((ثم استقبلت الوادي))، وفي رواية عطاء بن السائب، والوادي يومئذ عميق. قوله: ((تنظر))، جملة وقعت حالاً. قوله: ((فهبطت)) بفتح الباء. قوله: ((ثم سعت سعي الإنسان المجهود))، أي: الذي أصابه الجهد، وهو الأمر المشق. قوله: ((سبع مرات))، وفي حديث أبي جهم: وكان ذلك أول من سعى بين الصفا والمروة. قوله: ((فقالت: صه))، بفتح الصاد المهملة وسكون الهاء وبكسرها منونة، والمعنى: لما سمعت الصوت قالت لنفسها: صه، أي: اسكتي. وفي رواية إبراهيم بن نافع وابن جريج: فقالت: أغثني إن كان عندك خير. قوله: ((ثم تسمعت))، أي: تكلفت في السماع واجتهدت فيه، وهو من باب التفعل ومعناه التكلف. قوله: ((قد أسمعت)) بفتح التاء من الإسماع. قوله: ((غواث))، بفتح الغين المعجمة في رواية الأكثرين وتخفيف الواو وفي آخره ثاء مثلثة، قيل: وليس في الأصوات: فعال، بفتح أوله غيره، وحكى ابن الأنباري ضم أوله، وحكى ابن قرقول كسر أوله أيضاً، وفي رواية أبي ذر الضم، والفتح للأصيلي، وضبطه الدمياطي بالضم، وضبطه ابن التين بالفتح، وعلى كل حال هو مشتق من الغوث، وجزاء الشرط محذوف تقديره: إن كان عندك غواث أغثني. قوله: ((فإذا هي بالملك))، كلمة: إذا، للمفاجأة، وفي رواية إبراهيم بن نافع وابن جريج: فإذا جبريل، وفي حديث علي عند الطبري بإسناد حسن: فناداها جبريل، فقال: من أنت؟ قالت: أنا هاجر أم ولد إبراهيم، قال: فإلى من وكلكما؟ قالت: إلى الله. قال: وكلكما إلى كافٍ. قوله: ((فبحث بعقبه))، البحث طلب الشيء في التراب وكأنه حفر بطرف رجله. قوله: عمدة القاري/ ج١٥ م٢٣ ٣٥٤ ٦٠ - كِتابُ أحَادِيثِ الأنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (١٠) ((أو قال بجناحه))، شك من الراوي، قال الكرماني: ومعنى: قال، بجناجه، أشار به، وفي رواية إبراهيم بن نافع، فقال: بعقبه هكذا، وغمز عقبه على الأرض، وفي رواية ابن جريج: فركض جبريل برجله، وفي حديث علي: ففحص الأرض بإصبعه فنبعت زمزم. قوله: ((حتى ظهر الماء))، وفي رواية ابن جريج: ففاض الماء، وفي رواية ابن قانع: فانبثق أي: تفجر. قوله: ((وجعلت تحوضه))، أي: تجعله كالحوض لئلا يذهب الماء، وفي رواية ابن قانع: فدهشت أم إسماعيل فجعلت تحفر، وفي رواية الكشميهني من رواية ابن نافع: تحفن، بالنون بدل الراء، والأول أصوب، وفي رواية عطاء بن السائب: فجعلت تفحص الأرض بيدها. قوله: ((وتقول بيدها))، هكذا هو حكاية فعلها، وهذا من إطلاق القول على الفعل. قوله: ((عيناً معيناً))، قد مر تفسيره عن قريب، وفي رواية ابن قانع: كان الماء ظاهراً. قوله: ((لا تخافوا الضيعة)) أي: الهلاك، ويروى: لا تخافي، وفي حديث أبي جهم: لا تخافي أن ينفد الماء، ويروى: لا تخافي على أهل هذا الوادي ظمأً وأنها عين تشرب بها ضيفان الله، وزاد في حديث أبي جهم: فقالت: بشرك الله بخير. وفيه: أن الملك يتكلم مع غير الأنبياء، عليهم السلام. قوله: ((يبني هذا الغلام))، كذا هو بغير ذكر المفعول، وفي رواية الإسماعيلي: (بينيه))، بإظهار المفعول. قوله: ((كالرابية))، وهو المكان المرتفع. قوله: ((رفقة))، بضم الراء وسكون الفاء وفتح القاف، وهي: الجماعة المختلطون سواء كانوا في سفرهم أو لا. قوله: ((من جرهم))، بضم الجيم والهاء، حي من اليمن وهو ابن قحطان بن عابر بن شالخ بن إرفخشذ بن سام بن نوح، عليه السلام، وكان جرهم وأخوه قطورا أول من تكلم بالعربية عند تبليل الألسن، وكان رئيس جرهم مضاض بن عمرو، ورئيس قطورا السميدع، ويطلق على الجميع: جرهم، وقيل: إن أصلهم من العمالقة، وفي رواية عطاء ابن السائب: وكانت جرهم يومئذ بوادٍ قريب من مكة. قوله: ((أو أهل بيت من جرهم))، شك من الراوي. قوله: ((مقبلين))، حال من الإقبال، وهو التوجه إلى الشيء. قوله: ((من طريق كداء»، بفتح الكاف وبالمد وكذا هو في جميع الروايات، واعترض بعضهم بأن كداء بالفتح والمد: محل في أعلى مكة وأما الذي في أسفلها بضم الكاف والقصر، والصواب هنا هذا: يعني: بالضم والقصر، ورد بأنه: لا مانع من أن يدخلوها من الجهة العليا وينزلوا من الجهة السفلى. قوله: ((عائفاً))، بالعين المهملة وبالفاء، وهو الذي يتردد على الماء ويحوم حوله ولا يمضي عنه. قاله الخليل. والعائف: الرجل الذي يعرف مواضع الماء من الأرض. قوله: (لعهدنا))، اللام فيه مفتوحة للتأكيد. قوله: ((بهذا الوادي))، ظرف مستقر لا لغو. قوله: ((وما فيه ماء))، الواو فيه للحال. قوله: ((فأرسلوا جرياً))، بفتح الجيم وكسر الراء وتشديد الياء آخر الحروف، وهو الرسول، ويطلق على الوكيل والأجير، وسمي بذلك لأنه يجري مجرى مرسله أو موكله، أو لأنه يجري مسرعاً في حوائجه. قوله: ((أو جريين))، شك من الراوي، هل أرسلوا واحداً أو اثنين؟ وفي رواية إبراهيم بن نافع: ((فأرسلوا رسولاً)). قوله: ((فإذا هم بالماء))، كلمة إذا للمفاجأة. فإن قلت: المذكور: ٣٥٥ ٦٠ - كِتابُ أَحَادِيثِ الأنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (١٠) جرى، بالإفراد أو جريين بالتثنية، فما وجه الجمع؟ قلت: يحتمل كون ناس آخرين مع الجري من الخدم والأتباع. قوله: ((فأقبلوا))، أي: جرهم أقبلوا إلى جهة الماء. قوله: ((وأم إسماعيل عند الماء)»، جملة حالية أي: كائنة عند الماء مستقرة. قوله: ((فقالو))، أي: جرهم قالوا بعد حضورهم عند أم إسماعيل. قوله: ((فقالت: نعم))، أي: قالت أم إسماعيل: نعم أذنت لكم بالنزول. قوله: ((فألفى ذلك))، بالفاء أي: وجد. قال الكرماني: أي: وجد ذلك الجرهمي أم إسماعيل محبة للمؤانسة بالناس، وقال بعضهم: فألفى ذلك: أي وجد، وأم إسماعيل، بالنصب على المفعولية، ولم يبين فاعل: وجد، من هو كأنه خفي عليه، وكذلك خفي على الكرماني حتى جعل فاعل: ألفى، الجرهمي، والفاعل لقوله: فألفى هو قوله: ذلك، وأم إسماعيل مفعوله، وذلك إشارة إلى استئذان جرهم والمعنى: فأتى استئذان جرهم بالنزول أم إسماعيل، والحال أنها تحت الأنس لأنها كانت وحدها وإسماعيل صغير والوحشة متمكنة، ونظير ما ذكرنا من هذا نظير ما في قول عائشة، رضي الله تعالى عنه، ما ألفاه الشَّحر عندي إلاَّ نائماً، وفسره ابن الأثير وغيره: أي ما أتى عليه السَّحر إلاَّ وهو نائم، يعني: بعد صلاة الليل، والفعل فيه للسحر. قوله: ((الأنس))، بضم الهمزة ويجوز بالكسر أيضاً لأن الإنس بالكسر جنسها. قوله: ((وشب الغلام))، أي: إسماعيل، عليه الصلاة والسلام، وفي حديث أبي جهم: ونشأ إسماعيل بین ولدانهم، أي ولدان جرهم. قوله: ((وتعلم العربية منهم)) أي: من جرهم، وقال بعضهم: وفيه تضعيف لقول من روى: أنه أول من تكلم بالعربية، وقع ذلك عند الحاكم من حديث ابن عباس بلفظ: ((أول من نطق بالعربية إسماعيل)). قلت: ليس فيه تضعيف ذلك لأن المعنى: أول من تكلم بالعربية من أولاد إبراهيم إسماعيل، عليهما الصلاة والسلام، لأن إبراهيم وأهله كلهم لم يكونوا يتكلمون بالعربية فالأولية أمر نسبي، فبالنسبة إليهم هو أول من تكلم بالعربية لا بالنسبة إلى جرهم. قوله: ((وأنفسهم))، قال الكرماني: أنفسهم، بلفظ الماضي أي: رغبهم فيه وفي مصاهرته، يقال: أنفسني فلان في كذا، أي: رغبني فيه ((وأعجبهم)) أي: أعجبهم في نفاسته، وقال بعضهم: أنفسهم، بفتح الفاء بلفظ أفعل التفضيل: من النفاسة أي: كثرت رغبتهم فيه انتهى. قلت: قوله: أفعل التفضيل، غلط وما هو إلاَّ فعل ماضٍ من الإنفاس، والفاعل فيه: إسماعيل، وهو عطف على: تعلم. وقال ابن الأثير في (النهاية): وحديث إسماعيل، عليه الصلاة والسلام، أنه تعلم العربية وأنفسهم أي: رغبهم وأعجبهم وصار عندهم نفيساً، يقال: أنفسني في كذا: أي: رغبني فيه. قوله: ((زوجوه إمرأة منهم))، قال السهيلي: اسمها جداء بنت سعد. وعن إبن إسحاق: أن اسمها عمارة بنت سعد بن أسامة، وفي حديث أبي جهم: أنها بنت صدي، ولم يسمها، وقال عمر بن شبة: اسمها حية بنت أسعد بن عملق، وعن ابن إسحاق: أن إسماعيل خطبها إلى أبيها فزوجها منه. قوله: ((وماتت أم إسماعيل)) يعني: في خلال ذلك، وفي رواية عطاء بن السائب: فقدم إبراهيم وقد ماتت هاجر، عليها السلام، وكان عمرها تسعين سنة، فدفنها إسماعيل، عليه الصلاة والسلام، في الحجر. ٣٥٦ ٦٠ - كِتابُ أحَادِيثِ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (١٠) قوله: ((يطالع تركته))، بكسر الراء أي: يتفقد حال ما تركه هناك، والتركة، بكسر الراء وسكونها: بمعنى المتروكة، والمراد بها أهله، والمطالعة النظر في الأمور، وقال ابن التين: هذا يشعر بأن الذبيح إسحاق، لأن المأمور بذبحه كان عندما بلغ السعي، وقد قال في هذا الحديث: إن إبراهيم تركه رضيعاً وعاد إليه وهو متزوج، فلو كان هو المأمور بذبحه لذكر في الحديث أنه عاد إليه في خلال ذلك بين زمان الرضاع والتزويج، وأجاب الكرماني: بأنه ليس فيه نفي مجيئه مرة أخرى قبل موتها وتزوجه. قلت: بل ليس فيه نفي المجيء أصلاً، بل فيه المجيء مرات، فإنه جاء فيخبر أبي جهم: كان إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، يزور هاجر كل شهر على البراق، يغدو غدوة فيأتي مكة ثم يرجع فيقيل في منزله بالشام. قوله: ((خرج يبتغي لنا)، أي: يطلب لنا الرزق، وفي رواية ابن جريج: وكان عيش إسماعيل الصيد، يخرج فيتصيد، وفي حديث أبي جهم: ولكن إسماعيل يرعى ماشية ويخرج متنكباً قوسه فيرمي الصيد. قوله: ((ثم سألها عن عيشهم)، وزاد في رواية عطاء بن السائب، وقال: هل عندك من ضيافة؟ قوله: ((فقالت: نحن في ضيق وشدة))، وفي حديث أبي جهم: فقال لها: هل من منزل؟ فقالت: لاها الله إذاً. قال: فكيف عيشكم؟ قال: فذكرت جهداً، فقالت: أما الطعام فلا طعام، وأما الشاء فلا نحلب إلاَّ المصر، أي: الشخب، وأما الماء فعلى ما ترى من الغلظ. الشخب: بفتح الشين وسكون الخاء المعجمتين وبياء موحدة: السيلان. قوله: ((يغير عتبة بابه))، العتبة بفتح العين المهملة من فوق والباء الموحدة: وهي أسكفة الباب، وهي ههنا كناية عن المرأة. قوله: ((جاءنا شيخ كذا وكذا))، وفي رواية عطاء بن السائب: كالمستخف بشأنه. قوله: ((فسألنا عنك))، بفتح اللام. قوله: ((ذاك أبي)) أي: ذاك الذي هو أبي إبراهيم. قوله: ((وتزوج منهم أخرى))، أي: تزوج من جرهم امرأة أخرى، ذكر الواقدي: أن اسمها سامة بنت مهلهل، وقيل: اسمها عاتكة، وقيل: بشامة، بفتح الباء الموحدة وبشين معجمة خفيفة: بنت مهلهل بن سعد بن عوف، وقيل: اسمها نجدة بنت الحارث بن مضاض، وحكى ابن سعد عن إبن إسحاق: أن اسمها رعلة بنت يشجب بن يعرب بن يوذان ابن جرهم، وذكر الدارقطني: أن اسمها سيدة بنت مضاض، وقال الجواني: اسمها هالة بنت الحارث بن مضاض، ويقال: سلمى، ويقال: الحنفاء. قوله: ((نحن بخير وسعة))، وفي حديث أبي جهم: نحن في خير عيش بحمد الله، ونحن في لبن كثير ولحم كثير وماء طيب. قوله: ((اللهم بارك لهم في اللحم والماء)). وفي رواية إبراهيم بن نافع: اللهم بارك لهم في طعامهم وشرابهم. قوله: ((فهما لا يخلوان عليهما)) أي: فاللحم والماء لا يعتمد عليهما أحد بغير مكة إلاّ لم يوافقاه، والغرض: أن المداومة على اللحم والماء لا يوافق الأمزجة وينحرف المزاج عنهما إلاّ في مكة فإنهما يوافقانه، وهذا من جملة بركاتها وأثر دعاء إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، وفي رواية الكشميهني: لا يخلوان، بصيغة التثنية، يقال: خلوت بالشيء واختليت: إذا لم تخلط به غيره، ويقال: أخلى الرجل اللبن إذا غيره، وفي حديث أبي جهم: ليس أحد يخلو على اللحم والماء بغير مكة إلاّ اشتكى بطنه. قوله: ((هل ٣٥٧ ٦٠ - كِتَابُ أحَادِيثِ الأنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (١٠) أتاكم من أحد؟» وفي رواية عطاء بن السائب: فلما جاء إسماعيل وجد ريح أبيه، فقال لامرأته: هل جاءك أحد؟ قالت: نعم شيخ أحسن الناس وجهاً وأطيب ريحاً. قوله: (أن تثبت عتبة بابك)) وفي حديث أبي جهم: فإنها فلاح المنزل. قوله: ((أن أمسكك)) زاد في حديث أبي جهم: ولقد كنت علي كريمة، ولقد ازددت علي كرامة، فولدت لإسماعيل عشرة ذكور، قلت: ولدت اثني عشر رجلاً، وهم: نابت وقيدار وإذميل وميشى ومسمع وذوما وماش وآزر وفطور ونافش وظميا وقيدما، وكانت له ابنة تسمى: نسمة. قوله: ((يبري))، بفتح الياء وسكون الباء الموحدة ((والنبل)) بفتح النون وسكون الباء الموحدة: السهم، قبل أن يركب فيه نصله وريشه، وهو السهم العربي. قوله: ((دوحة))، وهي التي نزل إسماعيل وأمه تحتها أول قدومهما، ووقع في رواية إبراهيم بن نافع، من رواء زمزم. قوله: ((كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد»، يعني من الاعتناق والمصافحة وتقبيل اليد. قوله: ((إن الله أمرني بأمر)) قيل: كان عمر إبراهيم في ذلك الوقت مائة سنة، وعمر إسماعيل ثلاثين سنة. قوله: ((وتعينني؟)) قال: وأعينك. وفي رواية الكشميهني: فأعينك، بالفاء وفي رواية إبراهيم بن نافع: إن الله قد أمرني أن تعينني عليه، قال: إذن أفعل. بالنصب. قوله: ((أكمة)) بفتحين، وهي: الرابية. قوله: ((على ما حولها))، يتعلق بقوله: ابني. قوله: ((رفعا القواعد)) جمع قاعدة، وفي رواية أحمد عن عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن سعيد عن ابن عباس: القواعد التي رفعها إبراهيم كانت قواعد البيت قبل ذلك، وفي رواية مجاهد عند ابن أبي حاتم: أن القواعد كانت في الأرض السابعة، وفي حديث أبي جهم: فبلغ إبراهيم من الأساس أس آدم، عليه الصلاة والسلام، وجعل طوله في السماء تسعة أذرع وعرضه في الأرض، يعني: دوره ثلاثين ذراعاً، كان ذلك بذراعهم، زاد أبو جهم: وأدخل الحجر في البيت، وكان قبل ذلك زرباً لغنم إسماعيل، وإنما بناه بحجارة بعضها على بعض ولم يجعل له سقفاً، وجعل له باباً وحفر له بئراً عند بابه خزانة للبيت يلقي فيها ما يهدي للبيت، وفي حديثه أيضاً: أن الله أوحى إلى إبراهيم أن اتبع السكينة، فحلقت على موضع البيت كأنها سحابة فحفراه: يريد أن أساس آدم الأول. وقال ابن جرير: حدثنا هناد بن السري حدثنا أبو الأحوص عن سماك عن خالد بن عرعرة: أن رجلاً قام إلى علي، رضي الله تعالى عنه، فقال: ألا تخبرني عن البيت أهو أول بيت وضع في الأرض؟ فقال: لا، ولكنه أول بيت وضع للبركة مقام إبراهيم، ومن دخله كان آمناً، وإن شئت أنبأتك كيف بني: إن الله تعالى أوحى إلى إبراهيم أن ابنٍ لي بيتاً في الأرض. قال: فضاق إبراهيم بذلك ذرعاً، فأرسل الله السكينة، وهي ريح خجوج ولها رأسان، فاتبع أحدهما صاحبه حتى انتهت إلى مكة فتطوت على موضع البيت كطي الجحفة، وأمر إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، أن يبني حيث تستقر السكينة، فبنى إبراهيم وبقي حجر، فقال إبراهيم لإسماعيل: إنتني حجراً كما أمرك الله. قال: فانطلق الغلام يلتمس له حجراً، فأتاه به فوجده قد ركب الحجر الأسود في مكانه، فقال: يا أبت، من أتاك بهذا الحجر؟ قال: أتاني ٣٥٨ ٦٠ - كِتابُ أحَادِيثِ الأنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (١٠) به من لا يتكل على بنائك، جاء به جبريل، عليه الصلاة والسلام، من السماء فأتماه. وفي رواية السدي: لما بنيا القواعد فبلغا مكان الركن، قال إبراهيم الإسماعيل: يا بني أطلب لي حجراً حسناً أضعه ههنا. قال: يا أبتِ إني كسلان. قال: علي ذلك، فانطلق يطلب له حجراً،، وجاء جبريل بالحجر الأسود من الهند، وكان أبيض ياقوتة بيضاء مثل الثغامة، وكان آدم، عليه الصلاة والسلام، هبط به من الجنة فاسودَّ من خطايا الناس، فجاءه إسماعيل بحجر فوجده عند الركن، فقال: يا أبت! من جاءك بهذا؟ قال: جاء به من هو أنشط منك، فبينما هما يدعوان الكلمات التي ابتلي إبراهيم ربه فقال: ﴿ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم﴾ [البقرة: ١٢٧]. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا عمرو بن رافع حدثنا عبد الوهاب بن معاوية عن عبد الرحمن بن خالد عن عليان بن أحمر: أن ذا القرنين قدم مكة فوجد إبراهيم وإسماعيل بنيا قواعد البيت من خمسة أجبل، فقال: ما لكما ولأرضي؟ فقالا: نحن عبدان مأموران، أمرنا ببناء هذه الكعبة، قال: فهاتا البينة على ما تدعيان، فقامت خمسة أكبش، فقلن: نحن نشهد أن إبراهيم وإسماعيل عبدان مأموران، أمرا ببناء هذه الكعبة، فقال: قد رضيت وسلمت، ثم مضى. وذكر الأزرقي في (تاريخ مكة): أن ذا القرنين طاف مع إبراهيم بالبيت. قلت: ريح خجوج أي: شديدة المرور في غير استواء. قوله: ((فتطوت))، وفي رواية: ((فتطوقت)). قوله: «مثل الثغامة))، بفتح الثاء المثلثة والغين المعجمة، وهي طير أبيض کبیر. قوله: ((من خمسة أجبل))، وعند ابن أبي حاتم: بناه من خمسة أجبل: حراء وثبير ولبنان وجبل الطور وجبل الخمر، قال ابن أبي حاتم: جبل الخمر يعني: بفتح الخاء المعجمة هو: جبل بيت المقدس، وقال عبد الرزاق: عن ابن جريج عن عطاء: أن آدم بناه من خمسة أجبل: حراء وطور زيتا وطور سينا والجودي ولبنان، وكان ربضه من حراء، ومن طريق محمد بن طلحة التيهمي: قال: سمعت أنه أسس البيت من ستة أجبل: من أبي قبيس ومن الطور ومن قدس ومن ورقان ومن رضوى ومن أحد. قلت: حراء، بكسر الحاء المهملة والمد وهو جبل من جبال مكة معروف، وثبير، بفتح الثاء المثلثة وكسر الباء الموحدة جبل من جبال مكة، و: لبنان، بضم اللأَّم وسكون الباء الموحدة: جبل بالشام من أعظم الجبال وأصله ممتد من الحجاز إلى الروم، و: جبل الطور، على مسيرة سبعة أيام من مصر وهو الجبل الذي كلم الله تعالى موسى، عليه الصلاة والسلام، عليه. و: طور زينا: جبل بالقدس، و: الجودي، جبل مطل على جزيرة ابن عمر على دجلة فوق الموصل، و: طور سينا، اختلف فيه، فقيل: هو جبل بقرب أيلة، وقيل: هو جبل بالشام، و: قدس، بفتح القاف إثنان: قدس الأبيض وقدس الأسود، وهما جبلان عند ورقان، وورقان على وزن قطران: جبل أسود بين العرج والرويئة على يمين المار من المدينة إلى مكة. و: العرج، بفتح العين المهملة وسكون الراء وفي آخره جيم: قرية جامعة من أعمال الفرع على أيام من المدينة النبوية. و: الرويثة، بضم الراء وفتح الواو وسكون الياء آخر الحروف وفتح الثاء المثلثة: وهي قرية جامعة بينها وبين المدينة سبعة ٣٥٩ ٦٠ - كِتَابُ أحَادِيثِ الأنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلاَمُ / باب (١٠) عشر فرسخاً، و: رضوى، من جبل تهامة بينه وبين المدينة سبع مراحل وهو من الينبع على يوم. قوله: ((جاء بهذا الحجر))، أراد به الحجر المشهور بمقام إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، وفي رواية إبراهيم بن نافع: حتى ارتفع البناء وضعف الشيخ عن نقل الحجارة، فقام على حجر المقام، وزاد في حديث عثمان: ونزل عليه الركن والمقام، فكان إبراهيم يقوم على المقام يبني عليه ويرفعه له إسماعيل، عليه السلام، فلما بلغ الموضع الذي فيه الركن وضعه يومئذ موضعه، وأخذ المقام فجعله لاصقاً بالبيت. قوله: ((حتى يدورا))، من الدوران، ویروی: (حتی یدورا))، من التدوير. ٣٦/ ٣٣٦٥ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثنا أبو عامِرٍ عَبْدُ المَلِكِ بنُ عَمْرٍو قال حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ نَافِعِ عنْ كَثِيرِ بنِ كَثير عن سعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عن ابنٍ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهُما قال لَمَّا كانَ بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ وَبَيْنَ أَهْلِهِ ما كانَ خَرَج باسْمَاعِيلَ، وأَمَّ إِسْمَاعِيلَ ومَعَهُمْ شَنَّةٌ فِيها مَاءٌ فجَعَلَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ تَشْرَبُ مِنَ الشَّةِ فَيَدِرُ لَبْنُهَا عَلَى صَبِيّهَا حتى قَدِمَ مَكَّةً فَوَضَعَهَا تَحْتَ دَوْحَةٍ ثُمَّ رَجَعَ إِبْرَاهِيمُ إلى أهْلِهِ فَاتَّبَعَتْهُ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ حتَّى لَمَّا بَلَغُوا كَدَاءٌ نادَتْهُ مِنْ وَرَائِهِ يا إبْرَاهِيمُ إلى مَنْ تَتْرُكُنا قال إلى الله قالَتْ رَضِيتُ بالله قال فِرَجَعَتْ فِجَعَلَتْ تَشْرَبُ مِنَ الشَّنَّةِ وَيَدِرُّ لبْنُهَا عَلَى صَبِيّهَا حتَّى لما فَنِي الماءُ قَالَتْ لَوْ ذَهَبْتُ فَتَظَرْتُ لَعَلِّي أُحِشُ أحداً قال فَذَهَبتْ فصَعِدَتِ الصَّفا فتَظَرَتْ ونَظَرَتْ هَلْ تُحِسُ أحَداً فَلَمْ تُحِمَّ أحدَاً فَلَمَّا بَلَغَتِ الوَادِي سَعَتْ وأَتَتِ المَزْوَةَ فَفَعَلَتْ ذلِكَ أَشْوَاطاً ثُمَّ قالَتْ لَوْ ذَهَبْتُ فَتَظَرْتُ ما فَعَلَ تَعْنِي الصَّبِيَّ فَذَهَبَتْ فَنَظَرَتْ فَإِذَا هُوَ عَلَى حالِهِ كأَنَّهُ يَنْشَغُ لِلْمَوْتِ فَلَمْ تُقِرَّهَا نَفْسُها فقالَتْ لوْ ذَهَبْتُ فَتَظَرْتُ لَعَلِّي أُحِسُّ أحدَاً فَذَهَبَتْ فَصَعِدَتِ الصَّفَا فَنَظَرَتْ ونَظَرَتْ فَلَمْ تُحِسَّ أحَدَاً حتَّى أَتَمّتْ سبْعاً ثُمَّ قالَتْ لَوْ ذَهَبْتُ فَنَظَرْتُ ما فَعَلَ فإذَا هِيَ بِصَوْتٍ فَقالَتْ أغِثْ إنْ كانَ عِنْدَكَ خَيْرٌ فإِذَا جِبْرِيلُ قال فَقال بِعِقِبِهِ هَكَذَا وَغَمَزَ عَقِبَهُ عَلَى الأَرْضِ قال فانْبَشَقَ المَاءُ فِدَهشَتْ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ فَجَعَلَتْ تَخْفِرُ قال فقال أبو القَاسِمِ مَُّلِّ لَوْ تَرَكَتْهُ كانَ المَاءُ ظاهِرَاً قال فَجَعَلَتْ تَشْرَبُ مِنَ الْمَاءِ وَيَدِرُ لَبْنُهَا عَلَى صَبِيِّهَا قَالَ فَمَرَّ ناسٌ مِنْ جِرُهْمَ يِبَطْنِ الوَادِي فَإِذَا هُمْ بِطَيْرٍ كأَنَّهُمْ أَنْكَرُوا ذَلِكَ وقالوا ما يَكُونُ الطَّيْرُ إِلاَّ عَلَى ماءٍ فَبَعَثُوا رَسُولَهُمْ فَتَظَرَ فَإِذَا هُمْ بِالمَاءِ فأتاهُمْ فأخْبَرَهُمْ فَأَتَوْا إِلَيْهَا فقالوا يا أُمَّ إسْمَاعِيلَ أنأْذَنِينَ لَنَا أنْ نَكُونَ مَعَكِ أَوْ نَسْكُنَّ مَعَكِ فَبَلَغَ ابْنُهَا فَتَكَحَ فِيهِمْ امْرَأَةً قَالِ ثُمَّ إِنَّهُ بَدًا لإِبْرَاهِيمَ عَ لَِّه فقال لِأَهْلِهِ إِنِّي مُطَّلِعْ تَرِكَتِي قال فَجَاءَ فسَلَّمَ فقالَ أيْنَ إِسْمَاعِيلُ فقالَتِ امْرَأَتُهُ ذَهَبَ يَصِيدُ قال قُولِي لَهُ إِذَا جاءَ غَيِّرْ عَتَبَةً باِكَ فَلَمَّا جاءَ أُخْبَرَتْهُ قال أنْتِ ذَاكِ فاذْهَبِي إلى أهْلِكِ قال ثُمَّ إِنَّهُ بَدَا لإِبْرَاهِيمَ فقال لِأَهْلِهِ إِنِّي مُطَّلِعٌ تَرِكَتِي قال فَجاءَ فقال أيْنَ إِسْمَاعِيلُ فقالَتِ امْرَأَتُهُ ذَهَبَ يَصِيدُ فقالَتْ أَلاَ تَنْزِلُ فَتَطْعَمَ وتَشْرَبَ فقال وما طَعَامُكُمْ وما شَرَابُكُمْ قَالَتْ طَعَامُنا اللَّحْمُ وشَرَّابُنَا الماءُ قالَ الَّلهُمَّ بارِكْ لَهُمْ فِي طَعَامِهِمْ وَشَرَابِهِمْ قال فقالِ أَبُو القَاسِمِعَلَّه بِرَكَةٌ بِدَعْوَةِ إِبْرَاهِيمَ عَّلِ قال ثُمَّ إِنَّهُ بَدَا لِإِبْرَاهِيمَ عَلَه فقال لِأَهْلِهِ إِنِّي مُطَّلِعٌ تَرِكَتِيَ فَجَاءَ فَوَافَقَ إِسْمَاعِيلَ مِنْ ورَاءٍ زَمْزَمَ يُصْلِحُ نَبْلاً لَهُ فقال يا إِسْمَاعِيلُ إِنَّ رَبَّكَ أَمَرَنِي أَنْ أَبْنِيَ لَهُ بَيْتَاً قال ٣٦٠ ٦٠ - كِتابُ أحَادِيثِ الأنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (١١) أَطِعْ رَبَّكَ قال إنَّهُ أَمَرَنِي أَنْ تُعِينَنِي عَلَيْهُ قال إذَنْ أَفْعَل أوْ كما قال قال فقاما فجَعَلَ إبْرَاهِيمُ يَبْنِي وإِسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الحِجَارَةَ ويَقُولاَنِ ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧]. قال حتَّى ارْتَفَعَ الِنَاءُ وضَعُفَ الشَّيْخُ علَى نَقْلِ الْحِجَارَةِ فقامَ علَى حَجَرِ المقَامِ فَجَعَلَ يُناوِلُهُ الحِجَارَةَ ويَقُولانِ ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمَيعُ العَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧]. [انظر الحديث ٢٣٦٨ وأطرافه]. هذا طريق ثالث لحديث ابن عباس، وعبد الله بن محمد البخاري المعروف بالمسندي، وأبو عامر هو العقدي، وإبراهيم بن نافع المخزومي المكي. قوله: ((وبين أهله))، يعني: سارة لما ولدت هاجر إسماعيل، وقد تقدمت قصتها. قوله: ((ما كان))، أي: من جنس الخصومة التي هي معتادة بين الضرائر. قوله: ((لما بلغوا))، أي: نادته حين البلوغ. قوله: ((كداء))، قد مر الكلام فيه مع الخلاف في ضبطه. قوله: ((كأنه ينشغ))، بالنون والشين والغين المعجمتين: وهو الشهيق من الصدر حتى كاد يبلغ به الغشي، أي: يعلو نفسه كأنه شهيق من شدة ما يرد عليه. قوله: ((فلم تقرها نفسها))، من الإقرار في المكان، و: نفسها، مرفوع بأنه فاعله. قوله: ((فقال بعقبه))، أي: أشار به، وهذا من المواضع التي يستعمل فيها: قال، في غير معناه. قوله: ((فانبثق))، أي: انخرق وتفجر، ومادته باء موحدة وثاء مثلثة وقاف. قوله: ((وتحفر))، بالراء، ويروى: تحفن، بالنون أي: تملأ الكفين. قوله: ((فبلغ))، الفاء فيه فصيحة أي: فأذنت فكان كذا فبلغ. قوله: ((بدا))، أي: ظهر لإبراهيم التوجه إلى هاجر. قوله: ((بركة))، مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هي بركة، أو بالعكس، أي: زمزم بركة أو في طعام مكة وشرابها بركة، وسياق الكلام يدل عليه. قوله: ((عتبة بابك))، ويروى: ((بيتك)). قوله: ((على نقل الحجارة))، ويروى: ((عن نقل الحجارة)). ١١ - باب ٣٣٦٦/٣٧ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ حدَّثنا عَبْدُ الوَاحِدِ حدَّثنا الأعْمَشُ حدَّثنا إبْرَاهِيمُ النَّيْمِيُّ عنْ أَبِيهِ قال سَمِعْتُ أبا ذَرّ رضي الله تعالى عنه قال قُلْتُ يا رسُولَ الله أيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ في الأرْضِ أوَّلَ قَال المَسْجِدُ الحَرَامُ قال قُلْتُ ثُمَّ أيّ قال المسْجِدُ الأَقْصَى قُلْتُ كَمْ كانَ بَيْنَهُمَا قال أَرْبَعُونَ سنَةً ثُمَّ أَيْنَما أَدْرَكَتْكَ الصَّلاَةُ بَعْدُ فَصَلِّهْ فإنَّ الفَضْلَ فيهِ. [الحديث ٣٣٦٦ - طرفه في: ٣٤٢٥]. مطابقته للترجمة في قوله: ((المسجد الحرام)) لأنه بناء إبراهيم الخليل، عليه الصلاة والسلام، والمراد بالترجمة التي في قوله: باب قول الله تعالى: ﴿واتخذ الله إبراهيم خليلاً﴾ [النساء: ١٦٥]. والباب المجرد الذي بعده قد قلنا: إنه كالفصل، فالاعتبار للباب المترجم دون المجرد. وعبد الواحد هو ابن زياد، والأعمش سليمان وإبراهيم التيمي هو ابن يزيد يروي عن أبيه يزيد بن شريك بن طارق التيمي عداده في أهل الكوفة.