النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١ ٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (١٥) بقتل الكلاب، يقول: ((اقتلوا الحيات والكلاب، واقتلوا ذا الطفيتين والأبتر فإنهما يلتمسان البصر ... )) الحديث، وفيه: بينا أنا أطارد حية يوماً من ذوات البيوت مر بي زيد بن الخطاب أو أبو لبابة ... إلى آخره. وقال صَالِحٌ وابنُ أبي حَفْصَةَ وابنُ مُجَمِّعٍ عنِ الزُّهْرِيِّ عن سالِمٍ عنِ ابنِ عَمَرَ رَآنِي أَبُو لُبَابَةَ وَزَيْذُ بنُ الخَطَّابِ صالح هو ابن كيسان الهذلي، وابن أبي حفصة اسمه محمد بن أبي حفصة، واسم أبي حفصة ميسرة البصري، وابن مجمع بضم الميم وفتح الجيم وكسر الميم وقيل بفتحها: وهو إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع بن يزيد بن حارثة بن عامر بن مجمع بن العطاف بن ضبيعة بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن أوس الأنصاري المدني، وهؤلاء الثلاثة رووا الحديث عن الزهري عن سالم بن عبد الله عن عبد الله بن عمرو، وفي روايتهم: رآني أبو لبابة وزيد بن الخطاب، بواو الجمع بلا شك. أما تعليق صالح فوصله مسلم من حديثه عن أبي صالح عن الزهري بهذا الإسناد، وأشار به إلى الإسناد الذي قبله، ثم قال: غير أن صالحاً قال: حتى رآني أبو لبابة بن عبد المنذر وزيد بن الخطاب فقالا: إنه قد نهى عن ذوات البيوت. وأما تعليق ابن أبي حفصة فوصله أبو أحمد ابن عدي. وأما تعليق ابن مجمع فوصله البغوي وابن السكن في كتاب الصحابة، والله أعلم. ١٥ - بابٌ خَيْرُ مَالِ الْمُسْلِمِ غَتَمّ يُتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الجِبَالِ أي: هذا باب في بيان أن خير مال المسلم غنم، وهو اسم مؤنث موضوع للجنس يقع على الذكور وعلى الإناث وعليهما جميعاً، فإذا صغرتها ألحقتها الهاء، فقلت: غنيمة، لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها إذا كانت لغير الآدميين فالتأنيث فيها لازم. قوله: ((شعف الجبال))، بفتح الشين المعجمة وفتح العين المهملة وبالفاء: جمع شعفة، وشعفة كل شيء أعلاه، ويجمع على شعاف أيضاً، والمراد به هنا رأس الجبال. ١٠٢/ ٣٣٠٠ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ أبِي أوَيْس قال حدَّثني مالِكٌ عنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بنِ عَبْدِ الله بنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بنِ أبِي صَعْصَعَةَ عنْ أَبِيهِ عنْ أَبِي سَعيد الخُدْرِيِّ رضي الله تعالى عنهُ قال قالَ رسُولُ اللهِ عَ لِ يُوشِكُ أنْ يَكُونَ خَيْرَ مالِ الرَّجُلِ غنَمْ يَتْبَعُ بِهَا شعَفَ الجِبَالِ ومَوَاقِعَ القَطْرِ يَفِرُ بِدِينِهِ مِنَ الفِتَنِ. [انظر الحديث ١٩ وأطرافه]. مطابقته للترجمة ظاهرة، ورجاله قد ذكروا غير مرة، والحديث مضى فى كتاب الإيمان في: باب من الدين الفرار من الفتن، فإنه أخرجه هناك عن عبد الله بن مسلمة عن مالك ... إلى آخره نحوه، وقال الكرماني: روي بنصب خير ورفع غنم، وبرفعهما وبرفع الخير ونصب الغنم، ولم يذكر وجه ذلك، فوجهه أنَّ في الأول: نصب لأنه خبر يكون مقدماً، ورفع غنم لأنه اسمه، وفي الثاني: يكون تامة وفي الثالث: رفع خير لأنه اسم يكون ونصب غنم لأنه خبره. قوله: ((ومواقع القطر)) أي: المطر، يعني الأودية والصحاري، وقد مضى الكلام فيه ٢٦٢ ٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (١٥) مستوفىّ هناك. ٣٣٠١/١٠٣ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قال أخبرَنَا مَالِكٌ عنْ أَبِي الزِّنَادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ أنَّ رسُولَ الله عَُّلَِّ قال رأسُ الكُفْرِ نَخْوَ الْمَشْرِقَ وَالْفَخْرُ والخُيَلاءُ في أَهْلِ الخَيْلِ والإِبِلِ وَالْفَدَادِينَ مِنْ أَهْلِ الوَبَرِ والسَّكِينَةُ في أهْلِ الغَنَمِ. [الحديث ٣٣٠١ - أطرافه في: ٣٤٩٩، ٤٣٨٨، ٤٣٨٩، ٤٣٩٠]. مطابقته للترجمة في قوله: في الغنم. وأبو الزناد، بالزاي والنون: عبد الله بن ذكوان، والأعرج عبد الرحمن بن هرمز الأعرج. والحديث أخرجه مسلم في الإيمان عن يحيى بن يحيى عن مالك. قوله: ((رأس الكفر نحو المشرق))، وفي رواية الكشميهني: ((قِبَل المشرق))، بكسر القاف وفتح الباء، أي: من جهته، يريد أنه كان في عهده حين قال ذلك. وفيه: إشارة إلى شدة كفر المجوس، لأن مملكة الفرس ومن أطاعهم من العرب كانت من جهة المشرق بالنسبة إلى المدينة، وكانوا في غاية القوة والكثرة والتجبر، حتى إن ملكهم مزق كتاب رسول الله، عَّهِ، والدجال أيضاً يأتي من المشرق من قرية تسمى رستاباذ، فيما ذكره الطبري، ومن شدة أكثر أهل المشرق كفراً وطغياناً أنهم كانوا يعبدون النار، وأن نارهم ما انطفأت ألف سنة، وكان الذين يخدمونها، ـ وهم السدنة - خمسة وعشرون ألف رجل. قوله: ((والفخر))، بالخاء المعجمة، مشهور، ومنه: إعجاب النفس. قوله: ((والخيلاء))، بضم الخاء المعجمة وفتح الياء آخر الحروف مخففة وبالمد: الكبر واحتقار غيره. قوله: ((والفدادين»، قال الخطابي: الفدادون، يفسر على وجهين: أن يكون جمعاً للفداد، وهو الشديد الصوت من الفديد، وذلك من دأب أصحاب الإبل إذا رويته بتشديد الدال من: فد، إذا رفع صوته. والوجه الآخر: أنه جمع الفدان، وهو آلة الحرب، وذلك إذا رويته بالتخفيف، يريد أهل الحرث، وقال القزاز: الفدادون، بتشديد الدال جمع فداد، وهو من بلغت إبله مائتين وألفاً، إلى أكثر، وقال أبو عبيدة نحوه، وهم المكثرون من الإبل جفاة، وأهل خيلاء، وقال أبو العباس: هم الجمالون والرعيان والبقارون والحمالون، وقال الأصمعي: هم الذين تعلو أصواتهم في حروثهم وأموالهم ومواشيهم. قال: والفديد الصوت الشديد، وقال أبو عمرو الشيباني: هو بالتخفيف جمع فداد بالتشديد، وهو عبارة عن البقر التي يحرث عليها، وأهلها أهل جفاء لبعدهم، حكاه أبو عبيدة، وأنكر عيه، وعلى هذا المراد بذلك أصحابها بحذف مضاف، وقال القرطبي: أما الحديث فليس فيه إلاّ رواية التشديد، وهو الصحيح على ما قاله الأصمعي وغيره، وقال ابن فارس في الحديث: الجفاء والقسوة في الفدادين، قال: يريد أصحاب الحروث والمواشي. قال: فديدهم أصواتهم وجلبتهم، وقال الخطابي: إنما ذم هؤلاء لاشتغالهم بمعالجة ما هم عليه عن أمور دينهم وتلهيهم عن أمر الآخرة، وتكون منها قساوة القلب ونحوها. قوله: ((من أهل الوبر))، بفتح الواو والباء الموحدة: هو بيان الفدادين، والمراد منه - ضد أهل المدر - فهو ٢٦٣ ٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (١٥) كناية عن سكان الصحارى، قال الكرماني: فإن أريد الوجه الأول من الوجهين - يعني اللذين ذكرهما الخطابي - فهو تعميم بعد تخصيص، واستشكل بعضهم ذكر: الوبر، بعد ذكر: الخيل، وقال: لأن الخيل لا وبر لها وأجيب: بأنه لا إشكال فيه، لأن قوله: ((من أهل الوبر)) بيان الفدادين، كما ذكرناه. قوله: ((السكينة في الغنم))، أي: السكون والطمأنينة والوقار والتواضع، وقال ابن خالويه: السكينة مصدر سكن سكينة، وليس في المصادر له شبيه إلاّ قولهم: عليه ضريبة، أي: خراج معلوم. ١٠٣م /٣٣٠٢ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قال حدَّثنا يَحْيِى عنْ إِسْمَاعِيلَ قال حدَّثني قَيْسٌ عَنْ عُقْبَةَ بنِ عَمْرٍو أبي مَشْعُودٍ قال أَشَارَ رسُولُ الله عَُّلِّ بِيَدِهِ نَحْوَ الْيَمَنِ فَقالَ الإِيمَانُ يَمَانٍ هَهُنَا ألا إنَّ الْقَسْوَةَ وَغِلَظَ الْقُلُوبِ في الْقِّدَّادِينَ عِنْدَ أصُولٍ أَذْنَابِ الإِبِلِ حَيْثُ يَطْلُعُ قَوْنَا الْشَّيْطَانِ فِي رَبِيَعَةَ وَمُضَرَ. [الحديث ٣٣٠٢ - أطرافه في: ٣٤٩٨، ٤٣٨٧، ٥٣٠٣]. هذا الحديث وما بعده من الأحاديث التي ليس بينها وبين الترجمة المذكورة مطابقة ولا مناسبة، وإنما كان اللائق أن تكون هذه الترجمة لحديث ابن مسعود وأبي هريرة فقط، لأن فيهما ذكر الغنم، والبقية كان ينبغي أن تكون في الترجمة التي هي: باب قول الله تعالى: ﴿وبث فيها من كل دابة﴾ [البقرة: ١٦٤]. لوجود المطابقة فيها، قيل: ولهذا سقطت هذه الترجمة من رواية النسفي، ولم يذكرها أيضاً الإسماعيلي. ذكر رجال الحديث: يحيى هو ابن سعيد القطان، وإسماعيل بن أبي خالد، وقيس بن أبي حازم البجلي، وعقبة بن عمرو الأنصاري البدري، وكنيته أبو مسعود. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الطلاق عن ابن المثنى عن يحيى، وفي مناقب قريش عن علي بن عبد الله وفي المغازي عن عبد الله بن محمد. وأخرجه مسلم في الإيمان عن أبي بكر عن أبي أسامة وعن محمد بن عبد الله بن نمير وعن أبي كريب وعن يحيى بن حبيب. ذكر معناه: قوله: (أشار رسول الله، عَّالَّله، بيده نحو اليمن)) لأنه كان بتبوك، وقال هذا القول وأشار إلى ناحية اليمن، وهو يريد مكة والمدينة يومئذ بينه وبين اليمن، وقيل: قال عَ لِّ هذا القول وكان بالمدينة لأن كونها هو الغالب عليه، وعلى هذا تكون الإشارة إلى سياق أهل اليمن، وقال النووي: أشار إلى اليمن وهو يريد مكة والمدينة، ونسبهما إلى اليمن لكونهما من ناحيته. قوله: ((الإيمان يمان))، إنما قال ذلك لأن الإيمان بدأ من مكة، وهي من تهامة وتهامة من أرض اليمن، ولهذا يقال: الكعبة اليمانية، وقيل: إنما قال هذا القول للأنصار لأنهم يمانيون، وهم نصروا الإيمان والمؤمنين وآووهم فنسب الإيمان إليهم. وهذا غريب، وأغرب منه قول الحكيم الترمذي: إنه إشارة إلى أويس القرني، وقيل: سبب الثناء على أهل اليمن إسراعهم إلى الإيمان وحسن قبولهم للبشرى حين لم يقبلها بنو تميم، وفي رواية: أتاكم أهل اليمن ألين قلوباً وأرق أفئدة يريد بلين القلوب سرعة خلوص الإيمان في قلوبهم، ويقال: ٢٦٤ ٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (١٥) الفؤاد غشاء القلب والقلب جنته وسويداؤه فإذا رق الغشاء أسرع نفوذ الشيء إلى ما وراءه، وقال أبو عبيد: إنما بدأ الإيمان من مكة لأنها مولده ومبعثه، ثم هاجر إلى المدينة، ويقال: إن مكة من أرض تهامة، وتهامة من أرض اليمن، ولهذا سمي مكة وما وليها من أرض اليمن: تهائم، فمكة على هذا يمانية. فإن قلت: الإيمان يمان، مبتدأ وخبر، فكيف يصح حمل اليمان عليه؟ قلت: أصله الإيمان يماني، بياء النسبة، فحذفوا الياء للتخفيف كما قالوا: تهامون وأشعرون وسعدون. قوله: ((إلا أن القسوة وغلظ القلوب))، قال السهيلي: إنهما لمسمّى واحد. كقوله: ﴿إنما أشكو بثي وحزني إلى الله﴾ [يوسف: ٨٦]. البث هو الحزن، وقال القرطبي: القسوة يراد بها أن تلك القلوب لا تلين ولا تخشع لموعظة، وغلظها عدم فهمها، وقد مضى في تفسير الفدادين. قوله: ((عند أصول أذناب الإبل)) أي: أنهم يبعدون عن الأمصار فيجهلون معالم دينهم قاله الداودي. قوله: ((حيث يطلع قرنا الشيطان)) أي: جانبا رأسه، وقال الخطابي: ضرب المثل بقرني الشيطان فيما لا يحمد من الأمور، والمراد بذلك اختصاص المشرق بمزيد تسلط من الشيطان ومن الكفر. قوله: «في ربيعة ومضر))، يتعلق بقوله: في الفدادين، أي: المصوتين عند أذناب الإبل، وهو في جهة المشرق حيث هو مسكن هاتين القبيلتين: ربيعة ومضر، قال الكرماني: يحتمل أن يكون: في ربيعة ومضر، بدلاً من: الفدادين، وعبر عن المشرق بقوله: حيث يطلع قرنا الشيطان، وذلك أن الشيطان ينتصب في محاذاة مطلع الشمس حتى إذا طلعت كانت بين قرني رأسه، أي: جانبيه، فتقع السجدة حين تسجد عبدة الشمس لها. ١٠٤/ ٣٣٠٣ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ قال حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ جَعْفَرِ بنِ رَبِيعَةَ عنِ الأَعْرَجِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ أنَّ النَّبِيَّ عَِّ قال إذَا سَمِعْتُمْ صِيَاحَ الدِّيَكَةِ فَاسأَلُوا الله مِنْ فَضْلِهِ فإِنَّهَا رَأْتْ مَلَكاً وإِذَا سَمِعْتُمْ نَهِيقَ الجِمَارِ فَتَعَوَّذُوا بالله مِنَ الشَّيْطَانِ فإِنَّهُ رَأَى شَيْطَاناً. جعفر بن ربيعة بن شرحبيل بن حسنة القرشي من أهل مصر، يروي عن عبد الرحمن ابن هرمز الأعرج عن أبي هريرة. وهذا الحديث أخرجه الأئمة الخمسة عن شيخ واحد وهو قتيبة بن سعيد، فالبخاري هنا عن قتيبة عن الليث بن سعد، ومسلم عنه في الدعوات، وأبو داود عنه في الأدب، والترمذي عنه في الدعوات، والنسائي عنه في التفسير وفي اليوم والليلة، الكل عن قتيبة عن اللیث. قوله: ((الديكة))، بكسر الدال المهملة وفتح الياء آخر الحروف: جمع ديك، ويجمع في القلة على: أدياك، وفي الكثرة على: ديوك وديكة، وأرض مداكة ومديكة: كثيرة الديوك، وقال ابن سيده: الديك ذكر الدجاج، وعن الداودي: وقد يسمى الديك دجاجة والدجاجة تقع على الذكر والأنثى. قوله: ((فإنها رأت ملكاً)) بفتح اللام، فلذلك أمر بالدعاء عند صياحها ٢٦٥ ٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (١٥) لتؤمن الملائكة على ذلك وتستغفر له وتشهد له بالتضرع والإخلاص، فيوافق الدعوات، فتقع الإجابة، ومنه يؤخذ استحباب الدعاء عند حضور الصالحين. وفي (صحيح ابن حبان): ((لا تسبوا الديك فإنه يدعو إلى الصلاة)) وفي رواية البزار: صرخ ديك قريب من رسول الله، معَ }. فقال رجل: أللهم العنه، فقال النبي عَّه ((مه! كلاً إنه يدعو إلى الصلاة)). وللديك خاصية ليس لغيره من معرفة الوقت الليلي، فإنه يقسط أصواته فيها تقسيطاً لا يكاد يخطىء ويوالي صياحه قبل الفجر وبعده سواء طال الليل أو قصر. وفيه: دلالة أن الله تعالى جعل للديك إدراكاً، وكذلك جعل للحمير، وإن كل نوع من الملائكة والشياطين موجود قطعاً. قوله: ((نهيق الحمار))، وهو صوته المنكر، وإنما أمر بالتعوذ عنده لحضور الشيطان فيخاف من شره فيتعوذ منه، وروى أبو موسى الأصبهاني في (ترغيبه) من حديث أبي رافع، قال: قال رسول الله، عٍَّ: ((لا ينهق الحمار حتى يرى شيطاناً أو يمثل له شيطان، فإذا كان كذلك فاذكروا الله تعالى وصلوا علي)). فائدة: قال الداودي: ينبغي أن يتعلم من الديك خمسة أشياء: حُسن الصوت. والقيام بالسحر. والسخاء. والغيرة. وكثرة النكاح. ١٠٥/ ٣٣٠٤ - حدَّثنا إسْحَاقُ قالَ أخْبَرَنَا رَوْعٌ قال أخبرَنَا ابنُ جُرَيْجِ قال أخبرني عَطاءٌ سَمِعَ جَابِرَ بنَ عَبْدِ الله رضي الله تعالى عنهُما قال قالَ رسُولُ الله عَ لِ إذَا كانَ جُنْحُ اللَّيْلِ أوْ أَمْسَيْتُمْ فَكُفُوا صِبْيَانَكُمْ فإنَّ الشَّيَاطِينَ تَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ فَإِذَا ذَهَبَ ساعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ فَحُلّوَهُمْ وأغْلِقُوا الأبوابَ وَاذْكُرُوا اسْمَ الله فإنَّ الشَّيْطَانَ لاَ يَفْتَحُ بابَاً مُغْلَقاً. قال وأُخْبَرَنِي عَمْرُو بِنُ دِينَارٍ سَمِعَ جابِرَ بنَ عَبْدِ الله نَحْوَ ما أَخْبَرَنِي عَطاءٌ ولَمْ يَذْكُرْ وَاذْكُرُوا اسْمَ الله. [انظر الحديث ٣٢٨٠ وأطرافه]. إسحاق هذا هو ابن راهويه، كما عند أبي نعيم، وقال الكرماني: هو إسحاق بن منصور. قلت: هو ابن منصور بن كوسج أبو يعقوب المروزي، وقد حدث كل من إسحاق ابن راهويه وإسحاق بن منصور عن روح بن عبادة، فيحتمل أن يكون إسحاق هذا الذي ذكره مجرداً إسحاق بن راهويه، أو يكون إسحاق بن منصور، والظاهر أنه إسحاق بن منصور، لأن البخاري قال في: باب ذكر الجن وتفسير البقرة والرقاق: حدثنا إسحاق حدثنا روح، وحدث في الصلاة في موضعين وفي الأشربة في غير موضع عن إسحاق بن منصور عن روح، وحدث في تفسير سورة الأحزاب وسورة (ص) عن إسحاق بن إبراهيم عن روح، وهو إسحاق ابن راهويه، وابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج. وعطاء هو ابن أبي رباح. والحديث قد مر عن قريب في: باب صفة إبليس من وجه آخر، فإنه رواه: عن يحيى ابن جعفر عن محمد بن عبد الله الأنصاري عن ابن جريج ... إلى آخره، وبين متنيهما مغايرة بزيادة ونقصان، وقد مر الكلام فيه هناك. قوله: ((قال وأخبرني عمرو بن دينار))، أي: قال ابن جريج: وأخبرني عمرو بن دينار ٢٦٦ ٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (١٥) بهذا الحديث عن جابر بن عبد الله، ولم يذكر فيه: واذكروا اسم الله، كما ذكر عطاء في روايته عن جابر، رضي الله تعالى عنه. ١٠٦/ ٣٣٠٥ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ حدَّثنا وُهَيْبٌ عنْ خالِدٍ عنْ مُحَمَّدٍ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ عنِ النَّبِيِّ عَّ قال فُقِدَتْ أُمَّةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلاَ يُدْرَى ما فَعَلَتْ وإِنِّي لاَ أُوَاهَا إِلاَّ الفأر إذَا وُضِعَ لَهَا أَلْبَانُ الإبلِ لَمْ تَشْرَبْ وإِذَا وُضِعَ لَها ألْبانُ الشَّاءِ شَرِبَتْ فَحَدَّثْتُ كَعْبَاً فقال أَنْتَ سَمِعْتَ النَّبِيَّ عَِّ يَقُولُهُ قُلْتُ نَعَمْ قال لِي مِرَارًاً فَقُلْتُ أَفَاقْرَأُ التَّوْرَاةَ. وهيب - بالتصغير - هو ابن خالد، وخالد هو الحذاء، ومحمد هو ابن سيرين، وهؤلاء كلهم بصریون. والحديث أخرجه مسلم في آخر الكتاب عن إسحاق بن إبراهيم ومحمد بن المثنى ومحمد بن عبد الله الأزدي. قوله: ((فقدت أمة))، أي: طائفة منهم فقدوا لا يدرى ما وقع لهم. قوله: ((وإني لا أراها)) أي: لا أظنها مسخها الله إلاَّ الفأر، وهو جمع فأرة. قوله: ((وإذا وضع لها)) إلى قوله: ((شربت))، دليل على أن التي مسخت هي الفأر أن بني إسرائيل لم يكونوا يشربون ألبان الإبل، والفأر أيضاً لا يشربها، وقال الترمذي في تفسير سورة يوسف بإسناده: قال اليهود لرسول الله، عَّل: أخبرنا عما حرم إسرائيل على نفسه! قال: اشتكى عرق النساء فلم يجد شيئاً يلائمه إلاَّ لحوم الإبل وألبانها، فلذلك حرمهما. قالوا: صدقت. قوله: ((الشاء)) جمع شاة. قوله: فحدثت كعباً، وهو كعب بن ماتع، بكسر التاء المثناة من فوق المشهور بكعب الأحبار، قال الكرماني: أسلم في خلافة الصديق ومات في خلافة عثمان، رضي الله تعالى عنهما. قلت: كعب بن مانع الحميري أبو إسحاق من آل ذي رعين، ويقال: من ذي الكلاع، ثم من بني ميتم، وهو من مسلمة أهل الكتاب، أدرك النبي عَّهم وأسلم في خلافة عمر بن الخطاب، ويقال: في خلافة أبي بكر، ويقال: أدرك الجاهلية وروى عن النبي عَّ له مرسلاً. وقال ابن سعد: وكان على دين يهود فأسلم، وقدم المدينة ثم خرج إلى الشام فسكن حمص حتى توفي بها سنة ثنتين وثلاثين في خلافة عثمان، رضي الله تعالى عنه. قوله: ((يقول))، جملة حالية أي: يقول النبي عَّهِ. قوله: ((قال لي مراراً). يعني: قال كعب مراراً: أنت سمعت النبي عَّله. قوله: ((قلت))، القائل هو أبو هريرة: ((أفأقرأ التوراة؟)) الهمزة للاستفهام على سبيل الإنكار. وفيه: تعريض لكعب الأحبار بأنه كان على دين اليهود قبل الإسلام، والحاصل أن أبا هريرة قال: أنا أقرأ التوراة حتى أنقل منها، ولا أقول إلاَّ من السماع عن رسول الله، عَّله، وفي سكوت كعب عن الرد على أبي هريرة دليل على تورعه، وروى مسلم فقال: حدثني أبو كريب محمد بن العلاء، قال: حدثنا أبو أسامة عن هشام عن محمد عن أبي هريرة قال: ٢٦٧ ٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (١٥) الفأرة مسخ، وآية ذلك أنه يوضع بين يديها لبن الغنم فتشربه ويوضع بين يديها لبن الإبل فلا تذوقه. قال له كعب: أسمعت هذا من رسول الله، عَ لَه؟ قال: أفأنزلت علي التوراة؟ انتهى. فدل هذا صريحاً على أن الفأرة مسخ، ولم يكن قبل ذلك، وكذا كل حيوان قيل فيه إنه مسخ، وإن ما كان منها بعد المسخ توالد منها. فإن قلت: جاء في حديث أبي سعيد، قال: وذكر عند النبي عَّ الِ القردة والخنازير، فقال: إن الله تعالى لم يجعل لمسخ نسلاً ولا عقباً، وقد كانت القردة والخنازير قبل ذلك. قلت: أبو هريرة وكعب لم يبلغهما هذا الحديث، فدل على أن المسوخ كانت قبل ما وقع من ذلك، ولهذا قال ابن قتيبة: أنا أظن أن القردة والخنازير هي المسوخ بأعيانها توالدت إلاَّ أن يصح هذا الحديث، وأراد به حديث أبي سعيد المذكور، وهو صحيح، والظاهر أنه عَ ليه قال الذي قاله أولاً ثم أعلم بعد بما رواه أبو سعيد، ولهذا قال، عَّهِ: لا أراها إلاَّ الفأر، فكأنه كان يظن ذلك، ثم أعلم بأنها ليست هي هي. ٣٣٠٦/١٠٧ - حدّثنا سَعِيدُ بنُ عُفَيْرٍ عنِ ابنِ وَهْبٍ قال حدَّثني يُونُسُ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ عُزْوَةَ يُحَدِّثُ عنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنهَا أَنَّ النَّبِيَّ عَ لِّ قَال لِلْوَزَعِ القُوَيْسِقُ ولَمْ أسْمَعْهُ أُمَرَ بِقَتْلِهِ وزَعَمَ سَعْدُ بنُ أبِي وَقَّاصٍ أَنَّ النَّبِيَّ عَّه أمرَ بِقَتْلِهِ. [انظر الحديث ١٨٣١ وأطرافه]. ابن وهب هو عبد الله بن وهب، ويونس هو ابن يزيد، وابن شهاب هو محمد بن مسلم. والحديث مضى في كتاب الحج في: باب ما يقتل المحرم من الدواب، فإنه أخرجه هناك: عن إسماعيل بن أبي أويس عن مالك عن ابن شهاب .. إلى آخره. قوله: ((ولم أسمعه أمر بقتله))، قول عائشة، رضي الله تعالى عنها، قال ابن التين: لا حجة فيه، إذ لا يلزم من عدم سماعها عدم الوقوع وقد حفظه غيرها. وقد جاء عن عائشة من وجه آخر عند أحمد: أنه كان في بيتها رمح موضوع، فسئلت، فقالت: نقتل به الوزغ، فإن النبي عِ لّهِ، أخبر أن إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، لما ألقي في النار ولم يكن في الأرض دابة إلاَّ أطفأت عنه النار إلاَّ الوزغ، فإنها كانت تنفخ عليه النار، فأمر النبي عَ ◌ّهِ، بقتلها. قوله: ((زعم سعد بن أبي وقاص))، قائل ذلك في الظاهر عروة، وزعم بمعنى: قال، ويحتمل أن يكون عائشة، رضي الله تعالى عنها، هذا أقرب من حيثية ما يقتضيه التركيب. ١٠٨ / ٣٣٠٧ - حدّثنا صَدَقَةُ بنُ الفَضْلِ أُخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ حدَّثنا عَبْدُ الحَمِيدِ بنُ جُبَيْرِ ابنِ شَيْبَةً عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ أَنَّ أَمَّ شَرِيكِ أُخْبَرَتْهُ أنَّ النَّبِيَّ عَلَّهِ أَمَرَهَا بِقَتْلِ الأوْزَاغِ. [الحديث ٣٣٠٧ - طرفه في: ٣٣٥٩]. صدقة بن الفضل، وابن عيينة هو سفيان، وأم شريك اسمها غزية، بضم الغين المعجمة وفتح الزاى مصغر وقيل: غزيلة، وهي عامرية قرشية، وقيل: أنصارية، وقيل: دوسية. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في أحاديث الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، عن عبيد الله بن موسى وابن سلام، وأخرجه مسلم في الحيوان عن أبي بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد ٢٦٨ ٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (١٥) وإسحاق بن إبراهيم وابن أبي عمر، أربعتهم عن ابن عيينة وعن أبي الطاهر بن السرح وعن محمد بن أحمد وعن عبد بن حميد. وأخرجه النسائي في الحج عن محمد بن عبد الله بن يزيد بن العزيز، وأخرجه ابن ماجه في الصيد عن أبي بكر بن أبي شيبة. ٣٣٠٨/١٠٩ - حدّثنا عُبَيْدُ بنُ إسْمَاعِيلَ حدَّثنا أَبُو أُسَامَةَ عنْ هِشَامٍ عِنْ أَبِيهِ عنْ عائِشَةَ رضي الله تعالى عنها قالَتْ قال النَّبِيُّ عَِّ افْتُلُوا ذَا الطّفْيَتَيْنِ فإنَّهُ يَطْمِسُ البَصَر ويُصِيبُ الحَبَلَ. أبو أسامة حماد بن أسامة. قوله: ((قال النبي))، ويروى: قال رسول الله، عَ لَه، وقد مضى عن قريب عن ابن عمر نحو هذا الحديث. تابَعَهُ حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ أخبرنَا أُسَامَةُ أي: تابع أبا سلمة حماد بن سلمة في روايته إياه عن هشام، وقد وصل أحمد هذه المتابعة عن عفان عنه. ٣٣٠٩/١١٠ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حدَّثنا يَحْتِى عنْ هِشَامِ قال حدَّثني أبِي عنْ عائِشَةَ قالَتْ أَمَرَ النَّبِيُّ عَ لّهِ بِقَتْلِ الأَبْتَرِ وقالَ إِنَّهُ يُصِيبُ البَصَرَ ويُذْهِبُ الحَبَلَ. [انظر الحديث ٣٣٠٨]. يحيى هو القطان، وهشام يروي عن أبيه عروة عن عائشة، وقد مر تفسير الأبتر عن قریب. ٣٣١٠/١١١ - حدَّثني عَمْرُو بنُ عَلِيّ حدَّثنا ابنُ عَدِيّ عنْ أبِي يُونُسَ القُشَيْرِيِّ عنِ ابنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أنَّ ابنَ عُمَرَ كانَ يَقْتُلُ الحَيَّاتِ ثُمَّ نَهَى قال إنَّ النَّبِيِّ عَلَِّ هَدَمَ حَائِطَاً لَهُ فَوَجَدَ فِيهِ سِلْخَ حَيَّةٍ فقال انْظُرُوا أَيْنَ هُوَ فَتَظَرُوا فقال اقْتُلُوهُ فَكُنْتُ أَقْتُلُهَا لِذَلِكَ. [انظر الحديث ٣٢٩ وطرفيه]. ٣٣١١ - فَلَقِيتُ أَبًا لُتَابَةَ فَأَخْبَرَنِي أَنَّ النَّبِيَّ عَ لَّهِ قال لا تَقْتُلُوا الجِنَّانَ إلاَّ كُلَّ أَبْتَرَ ذِي طُفْيَتَيْنِ فإنَّهُ يُسْقِطُ الوَلَدَ وِيُذْهِبُ البَصَرَ فاقْتُلُوهُ. [انظر الحديث ٣٢٩٨ وطرفيه]. عمرو بن علي بن بحر أبو حفص الصيرفي البصري، وابن أبي عدي هو محمد بن إبراهيم بن أبي عدي، وأبو يونس حاتم بن مسلم البصري القشيري، بضم القاف وفتح الشين المعجمة وسكون الياء آخر الحروف وبالراء: نسبة إلى قشير بن كعب بن ربيعة، قبيلة كبيرة، وابن أبي مليكة هو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة. قوله: ((سلخ حية))، أي: جلدها يقال: انسلخ الشهر من سنته والحية من قشرها، وهو بكسر الشين. قوله: ((أبا لبابة))، قد مر الكلام فيه، وفي معنى حديث ابن عمر الذي روي من وجوه. قوله: ((الجنان))، بكسر الجيم وتشديد النون: جمع جان، وهو الحية البيضاء أو الصغيرة أو الرقيقة، وقد مر الكلام فيه أيضاً. قوله: ((إلاَّ كل أبتر ذي طفيتين))، فإن قلت: تقدم عن قريب: اقتلوا ذا الطفيتين والأبتر، بالواو، إشارة إلى أنهما صنفان. وهذا دل على أنه ٢٦٩ ٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (١٦) صنف واحد. قلت: قال الكرماني: الواو للجمع بين الوصفين لا بين الذاتين، فمعناه: اقتلوا الحية الجامعة بين وصف الأبترية وكونها ذات الطفيتين، كقولهم: مررت بالرجل الكريم والنسمة المباركة، وأيضاً: لا منافاة بين أن يرد الأمر بقتل ما اتصف بإحدى الصفتين، وبقتل ما اتصف بهما معاً، لأن الصفتين قد تجتمعان فيها وقد تفترقان. ١١٢/ ٣٣١٢ - حدَّثنا مالِكُ بنُ إِسْمَاعِيلَ حدَّثنا جَرِيرُ بنُ حَازِمٍ عنْ نَافِعِ عنِ ابنِ عُمَرَ أَنَّهُ كانَ يَقْتُلُ الحَيَّاتِ. [انظر الحديث ٣٢٩٧ وطرفيه]. ٣٣١٣ - فَحَدَّثَهُ أَبُو لُبَابَةَ أَنَّ النَّبِيَّ عَُّلِّ نَهَى عَنْ قَتْلِ جِنَّانِ البُيُوتِ فَأَمْسَكَ عَنْهَا. [انظر الحديث ٣٢٩٨ وطرفيه]. مر الكلام فيه مستوفى فليراجع. ١٦ - بابٌ خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ في الحَرَمِ أي: هذا باب يذكر فيه خمس من الدواب، وهو جمع دابة من دب على الأرض يدب دبيباً، وكل ماشٍ على الأرض دابة، ودبيب، والدابة التي تركب، ودابة الأرض أحد أشراط الساعة. قوله: ((خمس))، مرفوع بالابتداء، وفواسق صفته، وقوله: يقتلن، خبره على صيغة المجهول. قوله: ((في الحرم))، يعلم منه أن جواز قتلها في غير الحرم بالطريق الأولى. ٣٣١٤/١١٣ _ حدَّثنا مُسَدَّدٌ حدَّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعِ حدَّثنا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ عُرْوَةَ عنْ عائِشَةَ رضي الله تعالى عنهَاِ عنِ النَّبِيِّ عَِّ قال خَفْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ في الحَرَمِ الفأرَةُ والعَقْرَبُ والحُدَيَّا والْغُرَابُ والْكَلْبُ العَقُورُ. [انظر الحديث ١٨٢٩]. مطابقته للترجمة ظاهرة. والحديث مر في كتاب الحج في: باب ما يقتل المحرم من الدواب، ومر الكلام فيه هناك. قوله: ((والحديا))، بضم الحاء وفتح الدال وتشديد الياء مقصورة: وهو تصغير حدأة على وزن عنبة وقياسه: الحدية، فزيد فيه الألف للإشباع، وقد أنكر بعضهم صيغة التصغير، ولا وجه لإنكاره لما ذكرنا من وجه ذلك، أو يقال: إنه موضوع على صيغة التصغير، وقال الجوهري: الحدأة مثال عنبة، وجمعها: حدا، مثل عنب، ولا يقال: حدأة، ووقع في حديث ابن عمر الآتي: الحدأة. ١١٤/ ٣٣١٥ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ أَخْبَرَنا مالِكٌ عن عَبْدِ الله بنِ دِينار عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهُما أنَّ رسولَ الله عَّله قال خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ مَنْ قَتَلَهُنَّ وهُوَ مُخرِمٌ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ الْعَقْرَبُ والفَأْرَةُ والكَلْبُ العَقُورُ والغُرَابُ والْحِدْأَةُ. [انظر الحديث ١٨٢٦]. قد مر في كتاب الحج في: باب ما يقتل المحرم من الدواب، حديث ابن عمر أخرجه عبد الله بن يوسف عن مالك عن نافع عن ابن عمر: أن رسول الله، عَ ◌ّه قال: ((خمس ٢٧٠ ٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (١٦) من الدواب ليس في قتلهن على المحرم جناح ... )). ٣٣١٦/١١٥ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قالَ حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ كَثِيرٍ عنْ عَطاءٍ عنْ جابِرِ ابن عَبْدِ الله رضي الله تعالى عنهُما رَفَعَهُ قال خَمِّرُوا الآنِيَةَ وأَوْكُوا الأسْقِيَةَ وأجِيفُوا الأبوابَ وَاكْفِتُوا صِبْيَانَكُمْ عِنْدَ العِشَاءِ فإِنَّ لِلْجِنِّ انْتِشَاراً وخَطْفَةً وَاطِفِؤُوا المَصَابِيحَ عِنْدَ الرُقَادِ فإنَّ الْفُوَيْسِقَةَ رَبَّا اجْتَّتِ الفَتِيلَةَ فأخْرَقَتْ أَهْلَ الْبَيْتِ. [انظر الحديث ٣٢٨٠ وأطرافه]. قد مر هذا الحديث في: باب صفة إبليس عن قريب. قوله: ((رفعه)) أي: إلى رسول الله، عَ لَه، لأنه أعم من أن يكون بالواسطة أو بدونها، وأن يكون الرفع مقارناً لرواية الحديث أولاً، فأشار إليه. ((وكثير)) - ضد القليل - ابن شنظير، بكسر الشين المعجمة وسكون النون وكسر الظاء المعجمة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره راء: أبو قرة الأزدي البصري، وقال ابن معين فيه: ليس بشيء، وقال الحاكم: مراده بذلك أنه ليس له من الحديث ما يشتغل به، وقد قال فيه ابن معين مرة: صالح، وكذا قال أحمد، وقال ابن عدي: أرجو أن تكون أحاديثه مستقيمة، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث. قوله: ((وأجيفوا))، بالجيم والفاء من الإجافة، يقال: أجفت الباب، أي: رددته. وقال القزاز: تقول جفأت الباب أغلقته، وقال ابن التين: لم أر من ذكره هكذا غيره، وفيه نظر، فإن أجيفوا لامه فاء، وجفأت لامه همزة. قلت: معنى جفأت، مهموز اللام: فرغت، يقال: جفأت القدر إذا فرغته. وفي حديث جبير: أنه حرم الحمر الأهلية فجفأوا القدور: أي فرغوها وقلبوها، وروى: فأجفئوا، قال ابن الأثير: وهي لغة فيه قليلة. وقال الجوهري: جفأت القدر إذا كفأتها أو أملتها فصببت ما فيها، ولا تقل: أجفأتها، وأما الذي في حديث: فأجفأووا قدورهم بما فيها، فهي لغة مجهولة. انتهى، والذي في الحديث ذكره ابن الأثير في: باب أجوف معتل العين بالواو، ثم قال: وفي حديث الحج أنه دخل البيت وأجاف الباب أي: رده عليه، ومنه الحديث: ((أجيفوا أبوابكم)) أي: ردوها. قوله: ((واكفتوا)) بهمزة الوصل أي: ضموا صبيانكم عند العشاء وامنعوهم من الحركة في ذلك الوقت، من كفت الشيء أكفته كفتاً من باب ضرب يضرب إذا ضممته إلى نفسك. قوله: ((عند العشاء))، ويروى: ((عند المساء))، وفي الرواية المتقدمة: ((إذا جنح الليل - أو إذا أمسيتم - فكفوا صبيانكم)). قوله: ((وخطفة))، بفتح الخاء المعجمة وسكون الطاء المهملة وبالفاء: وهو استلاب الشيء وأخذه بسرعة، يقال: خطف الشيء يخطفه من باب علم، وكذا اختطفه يختطفه، ويقال فيه: خطف يخطف من باب ضرب يضرب، وهو قليل. قوله: ((عند الرقاد))، أي: عند النوم. قوله: ((فإن الفويسقة)) أي: الفأرة. قوله: ((اجترت))، بالجيم وتشديد الراء، وفي رواية الإسماعيلي: ربما جرت، وبقية الكلام فيه مرت في: باب صفة الشيطان. قالَ ابنُ جُرَيْجِ وحَبِيبٌ عنْ عَطَاءٍ فإنَّ للشَّيْطَانِ أي: قال عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج وحبيب بن أبي قريبة أبو محمد المعلم ٢٧١ ٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (١٦) البصري، أراد أنهما رويا هذا الحديث عن عطاء بن أبي رباح، كما في رواية ابن شنظير، إلا أنهما قالا: فإن للشيطان، بدل قول كثير بن شنظير: فإن للجن، والتوفيق بين الروايتين بأن يقال: لا محذور في القول بانتشار الصنفين، وقيل: هما حقيقة واحدة يختلفان بالصفات. أما تعليق ابن جريج فقد وصله البخاري في أول هذا الباب. وأما تعليق حبيب فقد وصله أحمد وأبو يعلى من رواية حماد بن سلمة عن حبيب المذكور. ١١٦ / ٣٣١٧ - حدّثنا عَبْدَةُ بنُ عَبْدِ الله قالَ أخْبَرنا يَحْيِىَ بنُ آدَمَ عنْ إِسْرَائِيلَ عنْ مَنْصُورٍ عنْ إِبْرَاهِيمَ عنْ عَلْقَمَةَ عنْ عَبْدِ اللهِ قالَ كُنَّا مَعَ رَسولِ اللهِ عَُّلّ في غارٍ فَنَزَلَتْ ﴿وَالمُرْسَلاتِ عُرْفاً﴾ [المرسلات: ١] فإنَّا لَنَتَلَقَّاهَا من فِيهِ إذْ خَرَجَتْ حَيَّةٌ مِنْ جُحْرِهَا فابْتَدَرْنَاهَا لِنَقْتُلَها فَسَبَقَتْنَا فَدَخَلَتْ جُحْرَهَا فَقالَ رسولُ اللهِ عَلَّهِ وَقِيَتْ شَرَّكُمْ كَمَا وُقِيتُمْ شَرَّهَا. [انظر الحديث ١٨٣٠ وأطرافه]. عبدة - ضد الحرة - ابن عبد الله أبو سهل الصفار الخزاعي البصري، ويحيى بن آدم ابن سليمان القرشي المخزومي الكوفي صاحب الثوري، وإسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، ومنصور بن المعتمر، وإبراهيم النخعي، وعلقمة بن قيس النخعي عم الأسود بن يزيد وعم أم إبراهيم، وعبد الله هو ابن مسعود، رضي الله تعالى عنه. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في التفسير عن محمود بن عبيد الله بن موسى عن إسرائيل به. وأخرجه النسائي في التفسير عن أحمد بن سليمان عن يحيى بن آدم به، وقد مر في كتاب الحج في: باب ما يقتل المحرم من الدواب فإنه أخرجه هناك: عن عمر بن حفص عن أبيه عن الأعمش عن إبراهيم .. قوله: ((وقيت))، على صيغة المجهول من: وفى يقي وقاية. إذا حفظ. فإن قلت: كان قتلهم لها خيراً لأنه مأمور به. قلت: هو شر بالنسبة إليها، والخيور والشرور من الأمور الإضافية. وعَنْ إِسْرَائِيلَ عنِ الأعْمَشِ عنْ إِبْرَاهِيمَ عنْ عَلْقَمَةَ عنْ عَبْدِ الله مِثْلَهُ قَالَ وإِنَّا لِتَتَلَقَّاهَا مَنْ فِيهِ رَطْبَةً أشار بهذا إلى أن إسرائيل المذكور، كما روى الحديث عن منصور عن إبراهيم، فكذلك رواه عن سليمان الأعمش عن إبراهيم، ولم يختلف عليه أنه من رواية إبراهيم. قوله: ((من فيه)) أي: من فمه. قوله: ((رطبة))، أي: غضة طرية في أول ما تلاها، ووصفت التلاوة بالرطوبة لسهولتها، ويحتمل أن يكون المراد من الرطوبة رطوبة فمه، يعني: أنهم أخذوها عنه قبل أن يجف ريقه من تلاوتها، كذا قاله الشراح. قلت: هذا كناية عن سرعة أخذهم على الفور حين سمعوه، وهو يقرأ من غير تأخير ولا توانٍ. ٢٧٢ ٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (١٦) وتابَعَهُ أَبُو عَوَانَةَ عنْ مُغِيرَةً أي: تابع إسرائيل أبو عوانة الوضاح اليشكري في روايته عن المغيرة بن مقسم عن إبراهيم، ومتابعة أبي عوانة تأتي في تفسير المرسلات. وَقَالَ حَفْصٌ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ وسُلَيْمَانُ بنُ قَرْمٍ عنِ الأعْمَشِ عنْ إِنْرَاهِيمَ عنِ الأَسْوَدِ عنْ عَبْدِ الله حفص هو ابن غياث، وأبو معاوية محمد الضرير، وسليمان بن قرم، بفتح القاف وسكون الراء وفي آخره ميم: الضبي، والأعمش سليمان، أراد أن هؤلاء الثلاثة خالفوا إسرائيل فجعلوا الأسود بن يزيد بدل علقمة بن قيس. أما رواية حفص فوصلها البخاري في الحج، وأما رواية أبي معاوية فوصلها مسلم من حديث أبي معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عبد الله، قال: ((كنا مع رسول الله، عَ ◌ّله في غار ... )) وأما رواية سليمان بن قرم فعلى الفتوح. ١١٧/ ٣٣١٨ - حدّثنا نَصْرُ بنُ عَلِيّ قالَ أُخبرَنا عَبْدُ الأعلى قالَ حدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بنُ عُمَرَ عنْ نافِعِ عنِ ابنِ عُمرَ رضي الله تعالى عنهُما عنِ النَّبِيِّ عَّهِ قالَ دَخَلَتِ امْرَأٌ النَّارَ في هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْها ولَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشاشِ الأرْضِ. [انظر الحديث ٢٣٦٥ وأطرافه]. نصر بن علي بن نصر بن علي الجهضمي الأزدي البصري، طلبه المستعين للقضاء، ثم جاؤوا بعهدة القضاء فقال: أخروها إلى العشي، فلما خرج إلى صلاة الظهر عاودوه، وقال: سألتكم إلى العشي وعسى أن يكفي الله. قالوا: ثم دخل إلى منزله فصلى ركعتين وسجد، وسأل الله أن يقبضه إليه فمات وهو ساجد، رحمه الله تعالى، سنة خمس ومائتين، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى. والحديث مضى في كتاب الشرب في: باب فضل سقى الماء، فإنه أخرجه هناك: عن إسماعيل عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر ... إلى آخره. قوله: ((امرأة)) لم يدر اسمها، ووقع في رواية: أنها حميرية سوداء طويلة، وفي رواية أخرى: امرأة من بني إسرائيل تعذب في النار، وفي أخرى لم يقل: من بني إسرائيل، ولا تنافي بينهما، لأن طائفة من حمير كانوا من بني إسرائيل. وفي (التوضيح): يجوز أن تكون هذه المرأة كافرة، لكن ظاهر الحديث إسلامها، وعذبت على إصرارها على ذلك وليس في الحديث تخليدها، وروى الحافظ أبو نعيم في (تاريخ أصبهان): أنها كانت كافرة، وكذلك رواه البيهقي في البعث والنشور عن عائشة، فيكون من جملة استحقاقها النار حبس الهرة، وعن القاضي: فيه احتمال. قوله: ((في هرة))، كلمة: في، للتعليل، أي: لأجل هرة، وفي رواية مسلم عن أبي هريرة من جراء هرة، بفتح الجيم وتشديد الراء بالقصر والمد. أي: من أجل هرة، والهرة أنثى، والهر والسنور الذكر، ويجمع على: هررة كفرد وقردة، والهرة على هرر كقربة وقرب. قوله: ((من خشاش الأرض)) بفتح الخاء وكسرها وضمها وبالشين ٢٧٣ ٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (١٦) المعجمتين وهي الحشرات. وفيه: جواز اتخاذ الهرة ورباطها إذا لم يهمل إطعامها وسقيها، ويلحق بها غيرها مما في معناها، وإنما يجب إطعامها على من حبسها، قاله القرطبي. قال النووي: وفيه: وجوب نفقة الحيوان على مالكه، قال بعضهم: فيه نظر، لأنه ليس في الخبر أنها ملكها. قلت: في قوله: هرة لها، يدل على ما قاله النووي، ويدل أيضاً على أن الهرة تملك، خلافاً لهذا القائل، فإنه قال: الهرة لا تملك، لأن اللام في: هرة لها، تدل على التمليك، ويرد على هذا القائل. قالَ وحدَّثنا عُبَيْدُ اللهِ عنْ سَعِيدِ المَقْبُرِيِّ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عنِ النَّبِيِّ عَ لَّهِ مِثْلَهُ أي: قال عبد الأعلى: حدثنا عبيد الله بن عمر عن سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي عَِّ مثل الحديث المذكور، وأخرجه مسلم هكذا، وقال: حدثني نصر بن علي الجهضمي حدثنا عبد الأعلى عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي عَ لَّه بمثل معناه. ١١٨/ ٣٣١٩ _ حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ أبي أُوَيْسٍ قال حدَّثني مالِكٌ عنْ أَبِي الزِّنادِ عنٍ الأَعْرَجَ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ أنَّ رَسُولَ الله عَُّلِ قال نَزَلَ نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِياءِ تَحْتَ شَجَرَةٍ فَلَدَغَتْهُ عَمْلَةٌ فَأَمَرَ بِجِهَازِهِ فَأُخْرِجَ مِنْ تَخْتِهَا ثُمَّ أَمَرَ بِبَيْتِهَا فَأَحْرِقَ بِالنَّارِ فَأُوْحَى الله إلَيْهِ فَهَلاَّ تَهْلَةً وَاحِدَةً. [انظر الحديث ٣٠١٩]. هؤلاء الرواة قد تكرر ذكرهم. والحديث أخرجه البخاري في كتاب الجهاد في: باب إذا أحرق المشرك المسلم عن أبي هريرة بغير هذا الطريق، ولفظه: ((قرصت نملة نبياً من الأنبياء ... )) الحديث. قوله: ((نزل نبي من الأنبياء))، قيل: هذا النبي هو عزير عَّه، وروى الحكيم الترمذي في (النوادر): أنه موسى، عليه الصلاة والسلام، وبذلك جزم الكلاباذي في (معاني الأخبار) والقرطبي في (التفسير). قوله: ((فلدغته نملة))، بالدال المهملة والغين المعجمة: أي قرصته، ولذعته، بالذال المعجمة والعين المهملة معناه: أحرقته، وليس المعنى ههنا إلاَّ على الأول، والنملة واحدة النمل، وجمع الجمع: نمال، والنمل أعظم الحيوان حيلة في طلب الرزق، وعن عجيب أمره أنه إذا وجد شيئاً، ولو قل - أنذر الباقين، ويحتكر في زمن الصيف للشتاء، وإذا خاف العفن على الحب أخرجه إلى ظاهر الأرض، وإذا حفر مكانه اتخذها تعاريج لئلا يجري إليها ماء المطر، وليس في الحيوان ما يحمل أثقل منه غيره، ويحكى: أن سليمان عَ لَّه سأل نملة ما يكفيك من الأكل في سنة واحدة؟ قالت: حبة من القمح، فأمر بها فحبست في قارورة ووضع معها حبة قمح، فتركوها سنة فطلبها ففتح فم القارورة، فإذا فيها النملة ولم تأكل إلاَّ نصفها، فقال لها: ما قلت مأكولي حبة قمح في سنة؟ فقالت: يا نبي الله، ولكن أنت ملك عظيم الشأن مشتغل بالأمور الكثيرة، فخفت أن تنساني سنتين، فأكلت نصف القمحة وادخرت نصفها للسنة الأخرى، فتعجب سليمان عّ لّه من أمرها وإدراكها، وليس هذا عمدة القاري / ج ١٥ م١٨ ٢٧٤ ٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (١٧) يبدع منها، فانظر ما أخبر الله عنها في سورة النمل. قوله: ((فأمر بجهازه))، قاله النووي: بكسر الجيم وفتحها ومعناه: أمر بتهيئة أمره في تلك النملة، فأخرج أي: الجهاز من تحتها، أي: من تحت الشجرة. قوله: ((ببيتها)) أي: ببيت تلك النملة، وفي رواية الزهري التي مضت في كتاب الجهاد: فأمر بقرية النمل فأحرقت، وقرية النمل موضع اجتماعها، والعرب تفرق في الأوطان فتقول: لمسكن الإنسان وطن، وللأسد عرين وغابة، وللإبل عطن، وللظبي كناس، وللذئب وجار، وللطائر عش، وللزنبور كور، ولليربوع نافقاء، وللنمل قرية. قوله: ((فأحرق))، أي: بيتها. قوله: ((فهلا نملة واحدة)) أي: فهلا أحرقت نملة واحدة لأنها هي التي أذتك، ولم يصدر من غيرها جناية؟ قال النووي: هذا الحديث محمول على أنه كان جائزاً في شرع ذلك النبي جواز قتل النمل وجواز التعذيب بالنار، فإنه لم يقع عليه العتب في أصل القتل ولا في الإحراق، بل في الزيادة على النملة الواحدة، وأما في شرعنا: فلا يجوز إحراق الحيوان بالنار، وشرع من قبلنا إنما يجوز العمل به إذا لم يقص الله لنا بالإنكار، ولا يجوز قتل النمل لما روى أصحاب (السنن) من حديث ابن عباس: أن النبي عَِّ نهى عن قتل النملة والنحلة، وقال الخطابي: النهي عن قتل النمل السليماني، وقال البغوي: النمل الصغير الذي يقال له: الذر، يجوز قتله. وقال عياض: في هذا الحديث دلالة على جواز قتل كل مؤذٍ، وقال القرطبي: ظاهر هذا الحديث أن هذا النبي عَّه إنما عاتبه الله حيث انتقم لنفسه بإهلاك جمع آذاه واحدٌ منهم، وكان الأولى به الصبر والصفح، وكأنه وقع له أن هذا النوع مؤذٍ لبني آدم، وحرمة بني آدم أعظم من حرمة الحيوان، فلو انفرد هذا النظر ولم ينضم إليه التشفي لم يعاتب، والذي يؤيد هذا التمسك بأصل عصمة الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، من النقائص، وهم أعلم بالله وبأحكامه من غيرهم، وأشدهم له خشية. ١٧ - بابٌ إذَا وقَعَ الذُّبَابُ في شَرَابٍ أحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ فإنَّ في إحدَى جَنَاحَيْهِ دَاءٌ وفي الأخْرَى شِفَاءً أي: هذا باب يذكر فيه إذا وقع الذباب ... إلى آخره، وترجم هذا الباب بنص الحديث الذي ساقه في هذا الباب، وإنما وقع هنا في رواية أبي ذر عن بعض شيوخه، وحذف عند الباقين، وحذفه أولى، لأن الأحاديث التي تأتي بعد هذا الحديث لا تعلق لها بذلك ولا مطابقة بينها وبين هذه الترجمة، كما تراه. ٣٣٢٠/١١٩ - حدّثنا خَالِدُ بنُ مَخْلَد حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ بِلاَلٍ قال حدَّثنِي عُثْبَةُ بنُ مُسْلِمٍ قال أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ بنُ حُنَيْنٍ قال سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ يَقُولُ قال النَّبِيُّ عٍَّ إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ في شَرَابٍ أحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ ثُمَّ لِيْزِعْهُ فإنَّ في إحْدَى جَناحَيْهِ دَاءً والأُخرَى شِفَاءً. [الحديث ٣٣٢٠ - طرفه في: ٥٧٨٢]. ٢٧٥ ٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (١٧) مطابقته للترجمة ظاهرة، فإنه لا فرق بينهما، غير أنه لم يذكر في الترجمة لفظ ((ثم لینزعه». ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: خالد بن مخلد، بفتح الميم واللام وسكون الخاء المعجمة وفي آخره دال: أبو الهيثم البجلي الكوفي. الثاني: سليمان بن بلال أبو أيوب القرشي التيمي. الثالث: عتبة، بضم العين المهملة وسكون التاء المثناة من فوق، وفتح الباء الموحدة: ابن مسلم مولى بني تميم المديني. الرابع: عبيد بن حنين، كلاهما بالتصغير، و: حنين، بضم الحاء المهملة وفتح النون الأولى: أبو عبد الله مولى زيد بن الخطاب القرشي العدوي. الخامس: أبو هريرة. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الطب عن قتيبة عن إسماعيل بن جعفر، وأخرجه ابن ماجه في الطب، قال: حدثنا سويد بن سعيد، قال: حدثنا مسلم بن خالد عن عتبة بن مسلم عن عبيد بن حنين عن أبي هريرة عن النبي عَ لِّ، قال: ((إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه فيه ثم ليطرحه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء)). وأخرجه عن أبي سعيد أيضاً، وقال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا يزيد بن هارون عن ابن أبي ذئب عن سعيد بن خالد عن أبي سلمة، قال: حدثني أبو سعيد: أن رسول الله، عَ لَّه، قال: ((أحد جناحي الذباب سم والآخر شفاء، فإذا وقع في الطعام فامقلوه فيه فإنه يقدم السم ويؤخر الشفاء)). وأخرجه النسائي مختصراً، وروى الدارقطني من حديث سعيد بن المسيب عن سليمان نحوه، ومن حديث أنس بإسناد ضعيف، وروى أبو داود أيضاً من حديث المقبري عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله، عَّله: ((إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه، فإن في أحد جناحيه داء والآخر شفاء، وإنه يتقى بجناحه الذي فيه الداء فیغمسه کله)). ويروى: فليغمسه كله. ذكر معناه: قوله: ((إذا وقع الذباب)) الذباب جمع ذبابة، قاله ابن التين وفي (المنتهى): الذب بالضم الذباب، وجمع الذباب: ذبان، ولا تقل: ذبانة، والجمع القليل: أذبة، كغراب وأغربة وغربان، وقال أبو هلال العسكري: الذباب واحد والجمع ذبان، والعامة تقول: ذبانة للواحد والذبان للجمع، وهو خطأ، وقال أبو حاتم السجستاني: تقول: هذا ذباب للواحد وذبابان في التثنية، ولا يقال ذبابة ولا ذبانة، وقال ابن سيده في (المحكم): لا يقال: ذبابة، إلا أن أبا عبيدة رواه عن الأحمر، والصواب ذباب، وفي التنزيل: ﴿وإن يسلبهم الذباب شيئاً﴾ [الحج: ٧٣]. فسروه بالواحد، وحكى سيبويه عن العرب: ذب، في جمع ذباب، وقال الجوهري: الذباب معروف، الواحدة ذبابة، ولا تقل: ذبانة، وجمع القلة: أذبة، والكثرة: ذبان. وقال أبو عبيد: أرض مذبة، ذات ذباب. وقال الفراء: أراض مذبوبة، كما يقال: موحوشة من الوحش، والمذبة ما يذب به الذباب، وقال الجاحظ: عمر الذباب أربعون يوماً وهو في النار، وليس تعذيباً له، وإنما يعذب به أهل النار لوقوعه عليهم، فإنه لا شيء أضر على المكلوم من وقوعه على كلمه. قوله: ((في شراب أحدكم))، الشراب هنا يدخل فيه كل المائعات، قال ٢٧٦ ٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (١٧) تعالى: ﴿يخرج من بطونها شراب﴾ [النحل: ٦٩]. قلت: قد ذكرنا آنفاً أن في رواية أبي داود: إذا وقع الذباب في إناء أحدكم، والإناء يكون فيه كل شيء من المأكولات والمشروبات. قوله: ((فليغمسه))، من غمسه في الماء إذا غطه فيه وأدخله، وفي رواية ابن ماجه: فامقلوه فيه، من المقل - بالقاف - وهو الغمس. قال أبو عبيد: أي اغمسوه في الطعام أو الشراب ليخرج الشفاء كما أخرج الداء، وذلك بإلهام الله تعالى، وفي (المغرب): في الحديث: إذا وقع الذباب في طعام أحدكم فامقلوه، فإن في أحد جناحيه سماً وفي الآخر شفاء، هكذا في الأصول، وأما: فامقلوه، ثم انقلوه فمصنوع. قلت: في غالب كتب أصحابنا وقع مثل ما قال، والصحيح: فامقلوه فيه، فإنه يقدم السم ويؤخر الشفاء، كما في رواية ابن ماجه وغيره، وليس فيه: ثم انقلوه، نعم، في رواية البخاري: ثم لينزعه، وهو يؤدي معنى: فانقلوه. قوله: ((فإن في إحدى جناحيه))، الجناج حقيقة للطائر، وإذا استعمل في غيره يكون بطريق الاستعارة، قال الله تعالى: ﴿واخفض لهما جناح الذل﴾ [الإسراء: ٢٤]. وفي غالب النسخ: فإن في أحد جناحيه داء والآخر شفاء، بتذكير: أحد، ووجه تأنيثها باعتبار أن جناح الطائر يده، والتأنيث باعتبار اليد. قوله: ((والأخرى شفاء))، الثابت في كثير من النسخ، وفي الأخرى، بإعادة حرف الجر، وتركها يدل على جواز العطف على عاملين، وهو رأي الأخفش والكوفيين، فحينئذ تكون: الأخرى، مجروراً عطفاً على: في إحدى، ويكون نصب: شفاء، مثل نصب: داء، والعامل في: إحدى، حرف الجر الذي هو لفظ: في، والعامل في: داء، كلمة: إن، فقد شركت الواو في العطف على العاملين اللذين هما: في وإن، وسيبويه لا يجوّز ذلك، يؤيده رواية إثبات حرف الجر في قوله: وفي الأخرى، وقيل: يروى شفاء، بالرفع، فعلى هذا يخرج الكلام عن العطف على عاملين، ولكنه على هذا يحتاج إلى حذف مضاف تقديره: ذو شفاء، لأن لفظ الآخر أو الأخرى يكون مبتدأ، وشفاء خبره، ولعدم صحة الحمل يقدر المضاف. وقال أبو محمد المالقي في (جامعه): ذباب الناس يتولد من الزبل، فإن أخذ الذباب الكبير وقطعت رؤوسها ويحك بجسدها الشعرة التي في الأجفان حكاً شديداً فإنه يبرئه، وإن سحق الذباب بصفرة البيض سحقاً ناعماً وضمدت بها العين التي فيها اللحم الأحمر من داخل فإنه يسكن في ساعته، وإن مسح لسعة الزنبور بالذباب سكن وجعه. انتهى. قال الخطابي ما ملخصه: قال بعض الجهلة المعاندين: كيف يجتمع الداء والشفاء في جناحي الذباب؟ وكيف تعلم الذباب ذلك من نفسها حتى تقدم الداء وتؤخر الدواء؟ وما أداها إلى ذلك؟ ورد عليهم: بأن عامة الحيوان جمعت فيها بين الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة في أشياء متضادة إذا تلاقت تفاسدت لولا تأليف الله لها، والذي ألهم النحلة وشبهها من الحيوان إلى بناء البيوت وادخار القوت هو الملهم للذباب ما تراه في الكتاب. ٣٣٢١/١٢٠ _ حدَّثنا الحَسَنُ بنُ الصَّبَّاحِ حدَّثنا إسْحَاقُ الأَزْرَقُ حَدَّثنَا عَوْفٌ عنٍ ٢٧٧ ٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (١٧) الحَسَنِ وابنٍ سِرِينَ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ عنْ رَسُولِ اللهِ عَ لَّهِ قال غُفِرَ لإِمْرَأَةِ مُومِسَةٍ مَرَّتْ بِكَلْبٍ عَلَى رَأسٍ رَكِيٍّ يَلْهَثُ قال كادَ يَقْتُلُهُ العَطَشُ فَتَزَعَتْ خُفَّهَا فَأَوْثَقَتْهُ بِخِمَارِهَا فَتَزَعَتْ لَهُ مِنَ المَاءِ فَّغُفِرَ لَهَا بِذَلِكَ. [الحديث ٣٣٢١ - طرفه في: ٣٤٦٧]. لا تتأتى المطابقة هنا إلاَّ بينه وبين الترجمة المتقدمة، وليس له مطابقة بهذه الترجمة أصلاً، وقد ذكرنا: أن هذه الترجمة ساقطة عند غير أبي ذر والحسن بن الصباح، بتشديد الباء البزار أبو علي الواسطي، وإسحاق بن يوسف الأزرق الواسطي، وعوف المشهور بالأعرابي، والحسن البصري ومحمد بن سیرین. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الإيمان عن أحمد بن عبد الله المنجوفي، وأخرجه النسائي فيه عن عبد الرحمن بن محمد بن سلام. وفي الجنائز عن محمد بن بشار، وقال صاحب (التوضيح): هذا الحديث سلف في الشرب من حديث أبي هريرة: أن رجلاً فعل ذلك، وكذا ذكره في الطهارة في: باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان، فلعلهما قضيتان. قلت: هذا الحديث في المرأة المومسة، والحديثان المذكوران في البابين المذكورين في الرجل، روى كليهما أبو صالح عن أبي هريرة، وكل منهما حديث مستقل بذاته، فلا وجه لقوله: هذا الحديث سلف، ولا لقوله: لعلهما قضيتان، بل هما قضيتان قطعاً، فإن نظرنا إلى الظاهر فھي ثلاث قضايا. قوله: ((مومسة))، أي: زانية ويجمع على: مومسات وميامس وموامس، وأصحاب الحديث يقولون: مياميس، ولا يصح إلاّ على إشباع الكسرة لتصير: ياء، وقد اختلف في أصل هذه اللفظة، فعضهم يجعله من الهمزة، وبعضهم يجعله من الواو، وقال ابن الأثير: كل منهما تكلف له اشتقاقاً فيه بُعْد، فذكرناها في حرف الميم لظاهر لفظها، ولاختلافهم في أصلها. قلت: قال في باب الميم: مومس، ثم ذكر ما ذكرناه، وقال ابن قرقول: المياميس والمومسات: المجاهرات بالفجور، والواحدة مومسة، وذكره أصحاب العربية في الواو والميم والسين، ورواه ابن الوليد عن ابن السماك: المآميس، بالهمزة فإن صح بالهمز فهو من مأس الرجل إذا لم يلتفت إلى موعظة، ومأس بين القوم أفسد. انتهى. قلت: إذا كان لفظ: مومسة، من مأس، يأتي إسم الفاعل المؤنث: مائسة، ولا يأتي من هذا الباب: مومسة، والذي يظهر لي أنه من: مومس، مثل: وسوس، والفاعل منه للمذكر مومس، وللمؤنث مومسة. قوله: ((ركي))، بفتح الراء وكسر الكاف وتشديد الياء: هو البئر، ويجمع على: ركايا. قوله: ((بذلك))، أي: بسبب ما فعلت من السقي. وفيه: دليل على قبول عمل المرتكب للكبائر من المسلمين، وأن الله تعالى يتجاوز عن الكبيرة بالعمل اليسير من الخير تفضلاً منه. ١٢١/ ٣٣٢٢ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قال حدَّثنا سُفْيَانُ قال حَفِظْتُهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ كمَا أنَّكَ هَهُنَا قالَ أخبرَنِي عُبَيْدُ الله عنِ ابنِ عَبَّاسٍ عنْ أَبِي طَلْحَةَ رضي الله تعالى عنهُمْ ٢٧٨ ٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (١٧) عنِ النَّبِيِّ عَلَّهِ قال لاَ تَدْخُلُ المَلائِكَةُ بَيْتاً فِيهِ كَلْبٌ وَلاَ صُورَةً. [انظر الحديث ٣٢٢٥ وأطرافه]. علي بن عبد الله المعروف بابن المديني، وسفيان بن عيينة، وعبيد الله بن عبد الله، وأبو طلحة زيد بن سهل الأنصاري، والحديث مضى عن قريب في: باب إذا قال أحدكم: آمين، فإنه أخرجه هناك: عن ابن مقاتل عن عبد الله عن معمر عن الزهري إلى آخره. قوله: ((كما أنك ههنا))، يعني: كما لا شك في كونك في هذا المكان، كذلك لا شك في حفظي له. ٣٣٢٣/١٢٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قال أخبرَنا مالِكٌ عنْ نافِعِ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَّرَ رضي الله تعالى عنهُما أنَّ رُسُولَ الله عَ لَّهِ أَمَرَ بِقَتْلِ الكِلاَبِ. الحديث أخرجه مسلم أيضاً في البيوع عن يحيى بن يحيى عن مالك. وأخرجه النسائي في الصيد عن قتيبة عن مالك، وأخرجه ابن ماجه فيه عن سويد بن سعيد عن مالك، وأخذ مالك وأصحابه وكثير من العلماء جواز قتل الكلاب إلاَّ ما استثني منها، ولم يروا الأمر بقتل ما عدا المستثنى منسوخاً، بل محكماً. وقال الإجماع على قتل العقور منها، واختلفوا في قتل ما لا ضرر فيه، فيقال إمام الحرمين أمر الشارع أولاً بقتلها كلها، ثمٍ نسخ ذلك ونهى عن قتلها إلاَّ الأسود البهيم، ثم استقر الشرع على النهي عن قتل جميعها إلاّ الأسود، لحديث عبد الله بن مغفل المزني: لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها، رواه أصحاب (السنن) الأربعة. ومعنى: البهيم، شيطان بعيد عن المنافع قريب من المضرة، وهذه أمور لا تدرك بنظر، ولا يوصل إليها بقياس، وإنما ينتهي إلى ما جاء عن الشارع، وقد روى ابن عبد البر عن ابن عباس: أن الكلاب من الجن، وهي ضعفة الجن، وفي لفظ: السود منها جن، والبقع منها جن، وقال ابن الأعرابي: هم سفلة الجن وضعفاؤهم، وقال ابن عديس: يقال: كلب جني، وروي عن الحسن وإبراهيم أنهما يكرهان صيد الكلب الأسود البهيم، وإليه ذهب أحمد وبعض الشافعية، وقالوا: لا يحل الصيد إذا قتله، وعند أبي حنيفة ومالك والشافعي: يحل. وقال أبو عمر: الذي تختاره أن لا يقتل منها شيء إذا لم يضر، لنهيه أن يتخذ فيه روح غرضاً، ولحديث: الذي سقى الكلب، ولقوله: في كل كبد حر أجر، وترك قتلها في كل الأمصار، وفيها العلماء ومن لا يسامح في شيء من المنكر والمعاصي الظاهرة، وما علمت فقيهاً من فقهاء المسلمين جعل اتخاذ الكلاب جرحة، ولا رد قاضٍ شهادة متخذها، ومذهب الشافعي تحريم اقتناء الكلب لغير حاجة. وقال أبو عمر: في الأمر بقتل الكلاب دلالة على عدم أكلها، ألا ترى إلى الذي جاء عن عمر وعثمان، رضي الله تعالى عنهما، في ذبح الحمام وقتل الكلاب؟ وفيه: دلالة على افتراق حكم ما يؤكل وما لا يؤكل، لأنه ما جاز ذبحه وأكله لم يجز الأمر بقتله، ومن ذهب إلى الأسود منها بأنه شيطان فلا حجة فيه، لأن الله تعالى قد سمى من غلب عليه الشر من ٢٧٩ ٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (١٧) الإنس شيطاناً، ولم يجب بذلك قتله، وقد جاء مرفوعاً: في الحمام شيطان يتبع شيطانه، وليس في ذلك ما يدل على أنهما مسخا من الجن، ولا أن الحمامة مسخت من الجن، ولا أن ذلك واجب قتله، وقال ابن العربي في حديث سقي الكلب: يحتمل أن يكون قبل النهي عن قتلها ويحتمل بعدها، فإن كان الأول فليس بنسخ له، لأنه لما أمر بقتل الكلاب لم يأمر إلاّ بقتل كلاب المدينة لا بقتل كلاب البوادي، وهو الذي نسخ، وكلاب البوادي لم يرد فيها قتل ولا نسخ، وظاهر الحديث يدل عليه، ولأنه لو وجب قتله لما وجب سقيه، ولا يجمع عليه حر العطش والموت، كما لا يفعل بالكافر العاصي، فكيف بالكلب الذي لم يعص؟ وفي الحديث الصحيح أنه، عَّه، لما أمر بقتل يهود شكوا العطش، فقال: لا تجمعوا عليهم حر السيف والعطش، فسُقُوا ثم قُتِلوا. ٣٣٢٤/١٢٣ _ حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قال حدَّثنا هَمَّامٌ عنْ يَخْيَى قال حدَّثني أَبُو سلَمَةَ أنَّ أبا هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ حدَّثَهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ عَ لَّهِ مَنْ أَمْسَكَ كَلْبَاً يَنْقُصْ مِنْ عَمَلِهِ كلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ إلاَّ كَلْبَ حَرْثٍ أوْ كَلْبَ ماشِيَةٍ. [انظر الحديث ٢٣٢٢]. يحيى هو ابن أبي كثير، والحديث مر في كتاب المزارعة في: باب اقتناء الكلب للحرث، ومر الكلام فيه مستوفيّ، وقد ذكرنا أن القيراط له أصل لمقدار معلوم عند الله تعالى، والمراد نقص جزء من أجزاء عمله. وأما التوفيق بين قيراط في هذا الحديث، وبين قيراطين في رواية أخرى فباعتبار التغليظ في القيراطين لما لم ينته الناس، أو باعتبار كثرة الأذى من الكلب وقلته، أو باختلاف المواضع فالقيراطان في المدينة النبوية لزيادة فضلها، والقيراط في غيرها، أو القيراطان في المدينة والقيراط في البوادي، وقال الروياني: اختلفوا في المراد بما ينقص منه، فقيل: ينقص مما مضى من عمله، وقيل: من مستقبله. واختلفوا في محل نقصانها، فقيل: قيراط من عمل النهار، وقيراط من عمل الليل، وقيل: قيراط من عمل الفرض وقيراط من النفل، وقال القرطبي: أقرب ما قيل في ذلك قولان: أحدهما: أن جميع ما عمله من عمل ينقص لمن اتخذ ما نهى عنه من الكلاب، بإزاء كل يوم يمسكه جزآن من أجزاء ذلك العمل، وقيل: من عمل ذلك اليوم الذي يمسكه فيه. الثاني: يحط من عمله عملان، أو من عمل يوم إمساكه، عقوبة له على ما اقتحم من النهي. قوله: ((إلاَّ كلب حرث)) وهو الزرع، والماشية اسم يقع على جميع الإبل والبقر والغنم، وأكثر ما يستعمل في الغنم. ١٢٤ / ٣٣٢٥ - حدّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ قال حدَّثنا سُلَيْمَانُ قال أخبَرَنِي يَزِيدُ بنُ خُصَيْفَةَ قالَ أُخْبَرَنِي السَّائِبُ بنُ يَزِيدَ سَمِعَ سُفْيَانَ بنَ أَبِي زُهَيْرِ الشَّنْيَّ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله ◌َّهِ يَقُولُ مَنِ اقْتَتَى كلْباً لا يُغْنى عنْهُ زَزْعاً وَلا ضَزْعاً نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ فقال السَّائِبُ أَنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ عََّلَّ قال إيْ وَرَبِّ هَذِهِ القِبْلَةِ. [انظر الحديث ٢٣٢٣]. الحديث مر في كتاب المزارعة في: باب اقتناء الكلب للزراعة. وسليمان هو ابن بلال ٢٨٠ ٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (١٧) أبو أيوب، ويزيد - من الزيادة - ابن خصيفة، بضم الخاء المعجمة وفتح الصاد المهملة وسكون الياء آخر الحروف وبالفاء، وقد مر فيما مضى، والسائب - من السيب - ابن يزيد - من الزيادة - مر في الوضوء ((والشنئي))، بفتح الشين المعجمة وبالنون والهمزة: نسبة إلى شنوءة. قوله: ((إي:))، بكسر الهمزة وسكون الياء حرف: جواب بمعنى: نعم، فيكون لتصديق الخبر والإعلام المستخبر ولوعد الطالب، وزعم ابن الحاجب أنها إنما تقع بعد الاستفهام، واتفق الجميع على أنها لا تقع إلاَّ قبل القسم، كما وقع هنا قبل قوله: ((ورب هذه القبلة)) وقال الكرماني: فإن قلت: لا تعلق لبعض هذه الأحاديث بترجمة الباب؟ قلت: هذا آخر كتاب البدء، فذكر فيه ما ثبت عنده مما يتعلق بالمخلوقات، وذكر صاحب (التوضيح) أن ذكر أحاديث الكلب هنا لما أتي عن ابن عباس وغيره: أنها من الجن، والترجمة قريبة من الجن. انتهى. قلت: أما ما ذكره الكرماني فبعيد جداً، لأنه لا تعلق لها أصلاً بالترجمة، وكونها مما يتعلق بالمخلوقات لا يقتضي المناسبة لذكرها في هذه الترجمة، وهذا بعيد جداً، وأما ما ذكره صاحب (التوضيح) فأبعد منه جداً، لأن كونها من الجن يقتضي ذكرها في: باب الجن، وكيف يكون قرب هذه من: باب ذكر الجن، وبينه وبين الترجمة المذكورة ثلاثة أبواب؟ وبمثل هذا لا تقع المطابقة. والجواب الموجه ما ذكرناه، وهو: أن هذه الترجمة، وهي قوله: باب إذا وقع الذباب في شراب أحدكم ... إلى آخره، ليس بموجود عند الأكثرين من الرواة، فحينئذ تقع المطابقة بين هذه الأحاديث الأربعة المذكورة في هذا الباب وبين الترجمة السابقة عليه، وهي قوله: باب قول الله تعالى: ﴿وبث فيها من كل دابة﴾ [البقرة: ١٦٤]. وقوله: ((باب خير مال المسلم))، و: باب ((خمس من الدواب)) داخلان في: باب قول الله تعالى: ﴿وبث فيها من كل دابة﴾ [البقرة: ١٦٤]. فإن قلت: فعلى هذا حديث الذباب لا يبقى له شيء من المطابقة لشيء من الأبواب؟ قلت: قيل: مطابقته لقوله: باب إذا وقع الذباب، ظاهرة جداً، لكن يتوجه الجواب في ذلك، على من لا يرى وجود هذا الباب، وأما أبو ذر الذي روى عن مشايخه وجود هذا الباب، فقد قالوا: لم يقع هذا إلاَّ في آخر الأبواب المتقدمة كلها، فإن صح هذا أنه وقع في آخر الأبواب كلها باباً مستقلاً، فلا كلام فيه، فإنه باب مترجم بشيء يطابق حديثه إياه، والله أعلم. :