النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (١٠)
ضريع، كذلك، والله أعلم.
وقالَ عِكْرِمَةُ حَصَبُ جَهَنَّمَ حَطَبٌ بِالحَبَشِيَّةِ: وقالَ غَيرُهُ حاصِبَاً الرِّيحُ الْعاصِفُ
والخَاصِبُ ما تَزْمِي بِهِ الرِّيحُ ومِنْهُ حَصَبُ جَهَنَّمَ يُرْمَى بِهِ فِي جَهَنَّمَ هُمْ حَصَبُهَا
ويُقَالُ حَصَبَ في الأَرْضِ ذَهَبَ والحَصَبُ مُشْتَق منْ حَصْبَاءِ الحجَارَةِ
تعليق عكرمة وصله ابن أبي حاتم من طريق عبد الملك بن أبجر: سمعت عكرمة
بهذا ... وأخرجه ابن أبي عاصم عن ابني سعيد الأشج: حدثنا وكيع عن سفيان عن عبد
الملك بن أبجر سمعت عكرمة، وقال ابن عرفة: إن كان أراد بها حبشية الأصل سمعتها
العرب فتكلمت بها فصارت حينئذ عربية، وإلاّ فليس في القرآن غير العربية، وقال الخليل:
حصب ما هيء للوقود من الحطب، فإن لم يهيأ لذلك فليس بحصب، وروى الفراء عن علي
وعائشة، رضي الله تعالى عنهما، أنهما قرآها: ((حطب))، بالطاء وروى الطبري عن ابن عباس
أنه قرأها بالضاد المعجمة، قال: وكأنه أراد أنهم الذين تسجر بهم النار، لأن كل شيء هيجت
به النار فهو حصب. قوله: («وقال غيره))، أي: غير عكرمة: حاصباً، أي: في قوله تعالى: ﴿أو
يرسل عليكم حاصباً﴾ [الإسراء: ٦٨]. هو الريح العاصف الشديد، كذا فسره أبو عبيدة.
قوله: ((والحاصب)) ما ترمى به الريح، لأن الحصب الرمي، ومنه: حصب جهنم يرمى به
فيها، ويقال: الحاصب العذاب. قوله: ((هم حصبها))، أي: أهل النار حصب جهنم، وهو
مشتق من حصباء الحجارة، وهي الحصى. قال الجوهري: الحصباء الحصى وحصبت الرجل
أحصبه بالكسر، أي: رميته بالحصباء.
صَدِيدٌ قَيْحٌ ودَمٌ
أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿ويسقى ما ماء صديد﴾ [إبراهيم: ١٦]. وفسره:
بالقيح والدم، وكذا فسره أبو عبيدة.
خَبَتْ طَفِئَتْ
أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿كلما خبت﴾ [الإسراء: ٩٧]. وفسره بقوله: طفئت،
بفتح الطاء وكسر الفاء، يقال: طفئت النار تطفأ طفأ، وهو من باب: علم يعلم من المهموز،
وانطفأت، وأنا أطفأتها. وقال أبو عبيدة: يقولون للنار إذا سكن لهبها وعلا الجمر رماد: خبت،
فإن طفىء معظم الجمر يقال: خمدت، وإن طفىء كله يقال: همدت.
تُورُونَ تَسْتَخْرِ جُون: أُوْرَيْتُ أُوْقَدْتُ
أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿أفرأيتم النار التي تورون﴾ [الواقعة: ٧١]. وفسرها
بقوله: تستخرجون، وأصله من: ورى الزند، بالفتح يري ورياً: إذا خرجت ناره، وفيه لغة
أخرى: وري الزند يري، بالكسر فيهما، وأوريته أنا، وكذلك: وريته تورية، وأصل تورون:
توريون، نقلت ضمة الياء إلى الراء وحذفت الياء لالتقاء الساكنين، فصار: تورون على وزن:

٢٢٢
٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (١٠)
تفعون.
لِلْمُقْوِينَ لِلْمُسَافِرِينَ والْقِيُّ الفَقْرُ
أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿تذكرة ومتاعاً للمقوين﴾ [الواقع: ٧٣]. وفسر
المقوين بقوله المسافرين، واشتقاقه من: أقوى الرجل إذا نزل المنزل القواء، وهو الموضع
الذي لا أحد فيه. وروى الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، قال: للمقوين
للمسافرين، ومن طريق الضحاك وقتادة مثله، ومن طريق مجاهد قال: للمقوين، أي:
المستحقين، أي: المسافر والحاضر، ويقال: المقوين من لا زاد له، وقيل: المقوي الذي له
مال، وقيل: المقوي الذي أصحابه وإبله أقوياء، وقيل: هو من معه دابة. قوله: ((والقي))،
بكسر القاف وتشديد الياء، وفسره بقوله: ((القفر)) بفتح القاف وسكون الفاء وفي آخره راء،
وهو: مفازة لا نبات فيها ولا ماء، ويجمع على: قفار.
وقال ابنُ عَبَّاسٍ: صِرَاطُ الجَحِيمُ: سَوَاءُ الجَحِيمِ وَوَسَطُ الجَحِيمِ
أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿فاهدوهم إلى صراط الجحيم﴾ [الصافات: ٢٣].
وروى الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فاطلع فرآه في
سواء الجحيم﴾ [الصافات: ٥٥]. قال: في وسط الجحيم، ومن طريق قتادة والحسن مثله.
لَشَوْباً مِّنْ حَمِيمِ يُخْلَطُ طَعَامُهُمْ ويُساطُ بِالحَمِيمِ
أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿ثم إن لهم عليها لشوباً من حميم﴾ [الصافات: ٦٧].
وفسره بقوله: يخلط ... إلى آخره، والشوب الخلط. قال أبو عبيدة: تقول العرب: كل شيء
خلطته بغيره فهو شوب. قوله: ((يساط))، على صيغة المجهول أي: يخلط، ومنه: المسواط،
وهو الخشبة التي يحرك بها ما فيه التخليط، وهو بالسين المهملة.
زَفِيرٌ وشَهِيقٌ صَوْتٍ شَدِيدٌ وَصَوْتٌ ضَعِيفٌ
أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿ففي النار لهم فيها زفير وشهيق﴾ [هود: ١٠٦].
وفسر الزفير بالصوت الشديد، والشهيق بالصوت الضعيف، وهكذا فسره ابن عباس، أخرجه
الطبري وابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، ومن طريق أبي العالية
قال: الزفير في الحلق والشهيق في الصدر، ومن طريق قتادة: هو كصوت الحمار أوله زفير
وآخره شهيق. وقال الداودي: الشهيق هو الذي يبقى بعد الصوت الشديد من الحمار.
وِزداً عِطاشاً
أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا﴾ [مريم: ٨٦].
وفسر الورد بالعطاش، وكذا روي عن ابن عباس، وروي عن مجاهد: ورداً منقطعة أعناقهم قال
أهل اللغة: الورد مصدر: ورد، والتقدير عندهم، ذوي ورد، ويحكى أنه يقال للواردين الماء:
ورد، ويقال: ورد، أي: وراد، كما يقال: قوم زور أي زوار. فإن قلت: الذي يرد الماء ينافي

٢٢٣
٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (١٠)
العطش. قلت: لا يلزم من الورود إلى الماء تناوله منه، وقد جاء في حديث الشفاعة أنهم
يشكون العطش فترفع لهم جهنم سراب ماء، فيقال: ألا تردون؟ فيردونها فيتساقطون فيها.
غَّا خُشْرَانَاً
أشار بهذا إلى ما في قوله تعالى: ﴿فسوق يلقون غيّاً﴾ [مريم: ٥٩]. وفسر الغي
بالخسران، وعن ابن مسعود: الغي: وادٍ في جهنم، والمعنى فسوق يلقون حر الغي، وعنه: وادٍ
في جهنم بعيد القعر خبيث الطعم.
وقال مُجَاهِدٌ: يُسْجَرُونَ، تُوقَدُ بِهِمْ النَّارُ
أشار بهذا إلى ما في قوله تعالى: ﴿ثم في النار يسجرون﴾ [غافر: ٧٢]. وفسره بقوله:
توقد بهم النار كأنهم يصيرون وقود النار، وفي رواية الأكثرين: توقد لهم، وفي رواية أبي ذر:
بهم، بالباء.
ونُحَاسِ الصُّفْرُ يُصَبُّ عَلَى رُؤُوسِهِمْ
أشار بهذا إلى ما في قوله تعالى: ﴿يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس﴾ [الرحمن:
٣٥]. وفسر النحاس بالصفر يصب على رؤوس أهل النار من الكفار، وأخرج عبد بن حميد
من طريق منصور عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿يرسل عليكما شواظ من نار﴾ [الرحمن:
٣٥]. قال: قطعة من نار حمراء، و: نحاس، قال: يذاب الصفر فيصب على رؤوسهم. قلت:
الصفر - بالضم - النحاس الجيد الذي يعمل منه الآنية.
ذُوقُوا باشِرُوا وَجَرِّبُوا وليْسَ هُذَا مِنْ ذَوْقِ الفَمِ
أشار بهذا إلى ما في قوله تعالى: ﴿وذوقوا عذاب الحريق﴾ [الأنفال: ٢٥ والحج:
٢٢]. وفسره بقوله: باشروا ... إلى آخره وغرضه أن الذوق هنا بمعنى المباشرة والتجربة لا
بمعنى ذوق الفم، وهذا من المجاز أن يستعمل الذوق وهو مما يتعلق بالأجسام في المعاني
كما في قوله تعالى أيضاً: ﴿فذاقوا وبال أمرهم﴾ [الحشر: ١٥].
مَارِجٌ خَالِصٌ مِنَ النَّارِ مَرَجَ الأَمِيرُ رَعِيَّتَهُ إذَا خَلاَهُمْ يَعْدُو بَعْضُهُمْ علَى بَعْضٍ مَرِيجٍ
مُلْتَبِسٌ مَرِج أمْرُ النَّاسِ اخْتَلَطَ مَرَجَ البَحْرَيْنِ مَرَجْتَ دَابَّتَكَ تَرَكْتَها
أشار بقوله: مارج، إلى ما في قوله تعالى: ﴿وخلق الجان من مارج من نار﴾ [الرحمن:
١٥]. ثم فسره بقوله: خالص من النار، وروى الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن
عباس في قوله تعالى: ﴿وخلق الجان من مارج من نار﴾ [الرحمن: ١٥]. ما من خالص النار،
ومن طريق الضحاك عن ابن عباس، قال: خلقت الجن من مارج من نار، وهو لسان النار
الذي يكون في طرفها إذا التهب. قوله: ((مرج الأمير رعيته)) يعني: تركهم حتى يظلم بعضهم
بعضاً. قوله: (مريج)) أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿في أمر مريج﴾ [قَ: ٥]. وفسره بقوله:
ملتبس، ومنه قولهم: مرج أمر الناس، بكسر الراء، إذا اختلط، وأما مرج بالفتح فمعناه: ترك

٢٢٤
٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (١٠)
وخلي ومنه قوله تعالى: ﴿مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان﴾ [الرحمن: ١٩ -
٢٠]. أي: خلاهما لا يلتبس أحدهما بالآخر، وفي (تفسير النسفي): مرج البحرين، يعني:
أرسل البحرين العذب والملح متجاورين يلتقيان لا فضل بين الماءين في مرأى العين، بينهما
برزخ حاجز وحائل من قدرة الله تعالى، وحكمته لا يبغيان لا يتجاوان حديهما، ولا يبغي
أحدهما على الآخر بالممازجة، ولا يختلطان ولا يتغيران. وقال قتادة: بحر فارس والروم،
بينهما برزخ: وهي الجزائر، وقال مجاهد والضحاك: يعني بحر السماء وبحر الأرض يلتقيان
كل عام. قوله: ((مرجت دابت)) بفتح الراء معناه: تركتها. وفي (الصحاح): مرجت الدابة
أمرجها - بالضم - مرجاً: إذا أرسلتها ترعى.
٦٦ / ٣٢٥٨ _ حدَّثنا أبو الوَلِيدِ قال حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ مُهاجِرٍ أبي الحَسَنِ قال سَمِعْتُ
زَيْدَ بنَ وَهْبٍ يَقُولُ سَمِعْتُ أبا ذَرَ رضي الله تعالى عنهُ يَقُولُ كانَ النِيُّ عَ لَّهِ فِي سَفَرٍ فَقَالَ
أبْرِدْ ثُمَّ قالَ أبْرِدْ حتَّى فَاءَ الْفَيْءُ يَغْنِي لِلتُّلُولِ ثُمَّ قال أبْرِدُوا بالصَّلاَةِ فإنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ
فَيْحِ جَهَنَّمَ. [انظر الحديث ٥٣٥ وطرفيه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((من فيح جهنم)) وأبو الوليد هشام بن عبد الملك
الطيالسي، و: مهاجر، بلفظ اسم الفاعل من هاجر: أبو الحسن الصائغ يعد في الكوفيين، وزيد
ابن وهب أبو سليمان الهمداني الكوفي، خرج إلى النبي عَ لّه فقبض النبي عَ لّم وهو في
الطريق، وأبو ذر جندب بن جنادة، والحديث مضى في كتاب الصلاة في: باب الإبراد بالظهر
في شدة الحر. قوله: ((حتى فاء الفيء)) يعني: حتى وقع الظل تحت التلول.
٦٧ / ٣٢٥٩ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قال حدَّثنا سُفْيَانُ عنِ الأعْمَشِ عنْ ذَكْوَانَ
عنْ أبِي سَعِيدٍ رضي الله تعالى عنه قال قال النبي ◌َّهِ أَبْرِدُوا بالصَّلاةِ فإنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ
فَيْحِ جَهَنَّمَ. [انظر الحديث ٤٥٣٨].
مطابقته للترجمة في قوله: ((من فيح جهنم)) وسفيان بن عيينة، والأعمش بن سليمان،
والحديث مر في الصلاة في الباب الذي ذكرناه.
٦٨ / ٣٢٦٠ - حدَّثنا أَبُو اليَمَانِ قال أخبرنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قال حدَّثني أبُو سلَمَةً
ابن عَبْدِ الرَّحْمنِ أنَّهُ سَمِعَ أبَا هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ يَقولُ قال رسولُ الله عَ لِّ اشْتَكَتِ
النَّارُ إلى رَبِّهَا فقالَتْ يا رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضاً فأذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ نَفَسٍ في الشّتاءِ ونَفَسٍ
في الصَّيْفِ فأشَدُّ ما تَجِدُونَ في الحَرِّ وأشَدُّ ما تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهِرِيرِ. [انظر الحديث
٥٣٧].
مطابقته للترجمة في قوله: النار، فإن المراد منه جهنم وليس المراد نفس النار، لأن
جهنم فيها النار وفيها الزمهرير، وهو البرد الشديد، والضدان لا يجتمعان، ولفظ جهنم
يشملهما، وعلى غير ذلك من أنواع العذاب - أعاذنا الله من ذلك برحمته - ورجاله على هذا
النسق قد ذكروا غير مرة. والحديث قد مضى في الصلاة في الباب المذكور آنفاً. وفيه:

٢٢٥
٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (١٠)
دلالة على أن الله تعالى يخلق فيها أدراكاً، وقيل: إن الجنة والنار أسمع المخلوقات، وأن
الجنة إذا سألها عبد أمنت على دعائه، والنار إذا استجار منها أحد أمنت على دعائه.
٦٩ /٣٢٦١ _ حدَّثني عبدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قال حدَّثنا أبو عامِرٍ هُوَ العَقَدِيُّ حدَّثنا
هَمَّامٌ عنْ أَبِي جَمْرَةَ الضُّبَعِيِّ قَال كُنْتُ أُجَالِسُ ابنَ عَّاسٍ بِمَكّةَ فَأَخَذَتْنِي الحُمَّى فقال ابْرُدْها
عَنْكَ بِمَاءٍ زَمْزَمَ فَإِنَّ رَسُولَ الله عَلَِّ قال الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ فَأَبْرِدُوهَا بِالمَاءِ أَوْ قَالٍ بِمَاءِ
زَمْزَمَ شَكَّ هَمَّامٌ.
مطابقته للترجمة في قوله: ((من فيح جهنم)) وعبد الله بن محمد هو المسندي، وأبو "
عامر عبد الملك العقدي، بفتح العين المهملة والقاف، وهمام: بالتشديد: هو ابن يحيى
البصري، وأبو جمرة، بالجيم والراء: نصر بن عمران الضبعي.
والحديث أخرجه النسائي في الطب عن الحسن بن إسحاق. ((وفيح جهنم)) سطوع
حرها، قاله الليث، ويقال: فاحت القدر إذا غلت، وأصله واوي، وهذا من الطب النبوي الذي
لا يشك في حصول الشفاء به، وكلام الحكيم الذي يخالف هذا وأمثاله لغو فلا يلتفت إليه.
٧٠ /٣٢٦٢ - حدَّثني عَمْرُو بنُ عَبَّاسٍ قال حدَّثنا عَبْدُ الرَّحْمنِ قال حدَّثنا سُفْيَانُ
عنْ أبِيهِ عنْ عَبَايَةَ بنِ رِفَاعَةَ قَالٍ أَخْبرَنِي رَافِعُ بنُ خَدِيجٍ قالَ سَمِعْتُ النَّبِيَ عَِّ يَقُولُ
الحُمَّى منْ فَوْرِ جَهَنَّمَ فَأَبْرِدُوهَا عَنْكُمْ بِالْمَاءِ. [الحديث ٣٢٦٢ - طرفه في: ٥٧٢٦].
مطابقته للترجمة في قوله: ((من فور جهنم)) وعمرو بن عباس، بالباء الموحدة
المشددة: أبو عثمان البصري، وعبد الرحمن بن مهدي وسفيان هو الثوري يروي عن أبيه
سعيد بن مسروق، وعباية: بفتح العين المهملة وبالباء الموحدة المخففة وبعد الألف ياء آخر
الحروف: ابن رفاعة، بكسر الراء وتخفيف الفاء وبالعين المهملة، ورافع - بالفاء - ابن خديج،
بفتح الخاء المعجمة وكسر الدال المهملة: الأوسي الأنصاري الحارثي.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الطب عن مسدد. وأخرجه مسلم في الطب عن
هناد وعن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي بكر بن نافع ومحمد بن المثنى ومحمد بن حاتم،
وأخرجه الترمذي والنسائي فيه عن هناد به، وأخرجه ابن ماجه فيه عن محمد بن عبيد الله.
قوله: (من فور جهنم)) أي: من شدة حرها، و: فار، أي: جاش.
٧١/ ٣٢٦٤ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ الله قال حدَّثني نافِعٌ عنِ ابنِ عُمَّرَ
رضي الله تعالى عنهُما عنِ النَّبِيِّ عَ لّ قَال الحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ فَأبْرِدُوها بِالْمَاءِ.
[الحديث ٣٢٦٤ - طرفه في: ٥٧٢٣].
مطابقته للترجمة ظاهرة، ويحيى هو ابن سعيد القطان، وعبيد الله بن عمر.
والحديث أخرجه مسلم في الطب عن زهير بن حرب ومحمد بن المثنى، وفي هذا
الباب روى أبو نعيم من حديث أبي عبيدة بن حذيفة عن عمته فاطمة، قالت: عدت رسول
عمدة القاري/ ج١٥ م١٥

٢٢٦.
٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (١٠)
الله، عَّ له، وقد حم، فأمر بسقاء يعلق على شجرة ثم اضطجع بجنبه، فجعل يقطر الماء على
فؤاده، فقلت: ادع الله أن يشف عنك. فقال: ((إن أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الذين يلونهم)).
وعن طارق بن شهاب: سمعت أسامة يقول: قال لي رسول الله، عَ له: اثتني في وجه الصبح
بماء أصبه علي لعلي أجد خفافاً فأخرج إلى الصلاة، وروى الأنصاري من حديث إسماعيل بن
الحسن المكي عن الحسن عن سمرة مرفوعاً: ((الحمى قطعة من النار))، إذا حم دعا بغرفة من
ماء فأفرغها على قرنه فاغتسل، وصححه الحاكم، وروى ابن ماجه من حديث الحسن عن
أبي هريرة مرفوعاً: الحمى كير من كير جهنم فنحوها عنكم بالماء البارد، وروى الطحاوي
من حديث أنس مرفوعاً: ((إذا حم أحدكم فليستق عليه الماء البارد من السحر ثلاثاً)،
وصححه الحاكم.
٧٢/ ٣٢٦٥ _ حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ أبِي أَوَيْسٍ قال حدَّثني مالِكٌ عنْ أبِي الزِّنادِ عنِ
الأَعْرَجِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ أنَّ رَسُولَ الله عَ لَّهِ قال نارُكُمْ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ
مُجُزْءًا مِنْ نارِ جَهَنَّمَ قِيلَ يا رسولَ الله إنْ كانَتْ لكافِيَّةً قال فُضِّلَتْ عَلَيْهَا بِتِسْعَةٍ وسِتِّينَ جُزْءاً
كُلُّهُنَّ مِثْلُ خَرِّهَا.
مطابقته للترجمة ظاهرة، وأبو الزناد عبد الله بن ذكوان. والأعرج عبد الرحمن بن
هرمز.
قوله: ((ناركم)) مبتدأ. وقوله: ((جزء من سبعين جزءاً) خبره، وكلمة: من، في ((من نار
جهنم)) للتبيين، وفي معنى التبعيض أيضاً، وفي رواية مسلم: ((ناركم جزء واحد من سبعين
جزءاً)، وفي رواية أحمد: ((من نار جهنم، ولولا أنها أطفئت بالماء مرتين ما انتفعتم بها، وأنها
لتدعو الله عز وجل، أن لا يعيدها فيها)). وذكر ابن عيينة في (جامعه) من حديث ابن عباس:
((هذه النار قد ضرب بها البحر سبع مرات، ولولا ذلك ما انتفع بها أحد))، وعن ابن مسعود:
(ضرب بها البحر عشر مرات))، وسئل ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما، أيضاً عن نار الدنيا:
مم خلقت؟ قال: من نار جهنم، غير أنها طفئت بالماء سبعين مرة، ولولا ذلك ما قربت لأنها
من نار جهنم، ومعنى قوله: جزء من سبعين جزءاً، أنه لو جمع كل ما في الوجود من النار
التي يوقدها الآدميون لكانت جزءاً من أجزاء نار جهنم المذكورة، بيانه: لو جمع حطب الدنيا
وأوقد كله حتى صارت ناراً لكان الجزء الواحد من أجزاء نار جهنم الذي هو من سبعين جزءاً
أشد منه. قوله: ((إن كانت لكافية))، كلمة: إن، هذه مخففة من الثقيلة عند البصريين، وهذه
اللأَّم هي المفرقة بين إن، النافية، وأن، المخففة من الثقيلة، والمعنى: إن نار الدنيا كانت
كافية لتعذيب الجهنميين، وهي عند الكوفيين بمعنى: ما، واللام بمعنى: إلا، تقديره عندهم: ما
كانت إلاَّ كافية.
قوله: ((قال))، أي: قال رسول الله، عَلّ، في جوابهم بأن نار جهنم («فضِّلت عليها))
أي: على نار الدنيا، ويروى: عليهن، كما فضلت عليها في المقدار والعدد بتسعة وستين

٢٢٧
٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (١٠)
جزءاً فضلت عليها في الحر بتسعة وستين جزءاً. وقال الطيبي: فإن قلت: كيف طابق لفظ:
فضلت وعليهن جواباً، وقد علم هذا التفضيل من كلامه السابق؟ قلت: معناه: المنع من
الكفاية أي: لا بد من التفضيل ليتميز عذاب الله من عذاب الخلق، وروى ابن المبارك عن
معمر عن محمد بن المنذر قال لما خلقت النار فزعت الملائكة وطارت أفئدتهم ولما خلق
آدم عليه الصلاة والسلام سكن ذلك عنهم، وقال ميمون بن مهران: لما خلق الله جهنم أمرها
فزفرت زفرة فلم يبق في السموات السبع ملك إلاَّ خرَّ على وجهه، فقال لهم الرب: إرفعوا
رؤوسكم، أما علمتم أني خلقتكم للطاعة وهذه خلقتها لأهل المعصية؟ قالوا: ربنا لا نأمنها
حتى نرى أهلها، فذلك قوله تعالى: ﴿وهم من خشية ربهم مشفقون﴾ [المؤمنون: ٥٧].
وعن عبد الله بن عمر مرفوعاً: ((إن تحت البحر ناراً))، قال عبد الله: البحر طبق جهنم، ذكره
ابن عبد البر وضعفه، وفي (تفسير ابن النقيب) في قوله تعالى: ﴿يوم تبدل الأرض﴾ [إبراهيم:
٤٨]. تجعل الأرض جهنم، والسموات الجنة.
٣٢٦٦/٧٣ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قال حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ عَمْرٍو قال سَمِعَ عَطَاءً
يُخْبِرُ عنْ صَفْوَانَ بنِ يَعْلَى عنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ عَ لَّهِ يَقْرَأُ عَلَى المِنْبَرِ ونَادَوا يا مالِكُ.
[انظر الحديث ٣٢٣٠ وأطرافه].
ذكره هذا هنا مع أنه ذكره في: باب ذكر الملائكة، لمطابقة قوله: يا مالك، للترجمة
المذكورة، لأن المراد من: مالك، هو خازن جهنم، وهناك أخرجه: عن علي بن عبد الله عن
سفيان عن عمرو إلى آخره، وقد ذكر هناك، وقال سفيان: وقال في قراءة عبد الله: يا مال،
بالترخيم، كما ذكرناه.
٧٤/ ٣٢٦٧ - حدَّثنا عَلِيٍّ قال حدَّثنا سُفْيَانُ عِنِ الأعمَشِ عنْ أبِي وائِلٍ قال قِيلَ
الأَسَامَةَ لَوْ أَتَيْتَ فُلانَاً فَكَلَّمْتَهُ قَالَ إِنَّكُمْ لَتَرَوْنَ أَنِّي لاَ أُكَّلَّمُهُ إِلاَّ أُسْمِعُكُمْ إِنِّي أُكَلَّمُهُ في
السّرِّ دُونَ أَنْ أَفْتَحَ باباً لا أكُونُ أوَّلَ مَنْ فَتَحَهُ ولاً أَقُولُ لِرَجُلٍ أنْ كانَ عَليَّ أمِيراً إِنَّهُ خَيْرُ
النَّاسِ بَعْدَ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ عَ لَّه قالوا ومَا سَمِعْتَهُ يَقُولُ قال سَمِعْتُهُ يَقُولُ يُجَاءُ
بالرَّجُلِ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيُلْقَى في النَّارِ فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ فِي النَّارِ فَيَدُورُ كَما يَدُورُ الحِمَارُ بِرَحاهُ
فِيَجْتَمِعُ أهْلُ النَّارِ عَلَيْهِ فَيَقُولُونَ أَيْ فُلاَنُ ما شَأَنُكَ أَلَيْسَ كُنْتَ تأمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَانَا
عنِ المُنكَرِ قال كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَلاَ آتِيهِ وَأَنْهَاكُمْ عنِ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ. [الحديث
٣٢٦٧ - طرفه في: ٧٠٩٨].
مطابقته للترجمة من حيث إن فيه ذكر النار التي هي جهنم، وعلي هو ابن عبد الله
المعروف بابن المديني، وسفيان هو ابن عيينة، والأعمش هو سليمان، وأبو وائل هو شقيق
ابن سلمة، وأسامة هو ابن زيد بن حارثة حب النبي معَ له.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الفتن عن بشر بن خالد، وأخرجه مسلم في آخر
الكتاب عن يحيى بن يحيى وأبي بكر وابن نمير وإسحاق وأبي كريب، خمستهم عن أبي

٢٢٨
٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (١٠)
معاوية وعن عثمان عن جرير.
ذكر معناه: قوله: ((فكلمته)) أي: فيما يقع من الفتنة بين الناس والسعي في إطفاء
نائرتها، قاله الكرماني، وفي (التوضيح): أراد أن يكلمه في شأن أخيه لأمه: الوليد بن عتبة،
لما شهد عليه بما شهد، فقيل لأسامة ذلك لكونه كان من خواص عثمان. قوله: ((إنكم لترون
أني لا أكلمه؟)) أي: إنكم لتظنون أني لا أكلمه؟ قوله: ((ألا أسمعكم؟)) أي: إني لا أكلمه
إلا بحضوركم وأنتم تسمعون، وأسمعكم بضم الهمزة من الإسماع، ويروى: ألاَ بِسمعكم،
بصيغة المصدر. قوله: ((إني أكلمه سراً) أي: في السر دون أن أفتح باباً من أبواب الفتن،
حاصله: أكلمه طلباً للمصلحة لا تهييجاً للفتنة، لأن المجاهرة على الأمراء بالإنكار يكون
فيه نوع القيام عليهم، لأن فيه تشنيعاً عليهم يؤدي إلى افتراق الكلمة وتشتيت الجماعة.
قوله: ((لا أكون أول من فتحه)) أي: أول من فتح باباً من أبواب الفتنة. قوله: ((أن كان))،
بفتح الهمزة أي: لأن كان. قوله: ((فتندلق أقتابه))، أي: تنصب أمعاؤه من جوفه وتخرج من
دبره، والاندلاق بالدال المهملة والقاف: الخروج بالسرعة، ومنه دلق السيف واندلق إذا خرج
من غير سل، والأقتاب جمع قتب بالكسر، وهي الأمعاء، والقتب مؤنثة، وتصغيره: قتيبة، ومنه
سمي الرجل، قتيبة. قوله: ((أي فلان))، يعني: يا فلان ((ما شأنك)) أي: ما حالك التي أنت
فيها. قوله: ((ألست)) الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الاستخبار. قوله: ((بالمعروف))، وهو
اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله، عز وجل، والتقرب إليه والإحسان إلى الناس، وكل ما
ندب إليه الشرع، ونهى عنه من المحسنات والمقبحات، وهو من الصفات الغالبة أي: أمر
معروف بين الناس لا ينكرونه، والمنكر ضد المعروف، وكل ما قبحه الشرع وحرمه وكرهه
فهو منكر فيه الأدب مع الأمراء واللطف بهم، ووعظهم سراً وتبليغهم قول الناس فيهم، ليكفوا
عنه، هذا كله إذا أمكن، فإن لم يمكن الوعظ سراً فليجعله علانية، لئلا يضيع الحق. لما روى
طارق بن شهاب، قال: قال رسول الله، عَّ له: ((أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر)).
وأخرجه الترمذي من حديث أبي سعيد بإسناد حسن، قال الطبري: معناه إذا أمن على نفسه،
أو أن يلحقه من البلاء ما لا قِبَلَ له به، روي ذلك عن ابن مسعود وحذيفة، وهو مذهب
أسامة. وقال آخرون: الواجب على من رأى منكراً من ذي سلطان أن ينكره علانية كيف
أمكنه، روي ذلك عن عمر وأبي بن كعب، رضي الله تعالى عنهما. وقال آخرون: الواجب أن
ينكر بقلبه، وينبغي لمن أمر بمعروف أن يكون كامل الخير لا وصم فيه، وقد قال شعيب،
عليه الصلاة والسلام: وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إلاّ أنه يجب عند الجماعة أن
يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر من لا يفعل ذينك. وقال جماعة من الناس: يجب على
متعاطي الكأس أن ينهى جماعة الجلاس.
وفيه: وصف جهنم بأمر عظيم، روى مسلم عن ابن مسعود مرفوعاً: ((يؤتى بجهنم يوم
القيامة لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها))، ولابن وهب عن زيد
ابن أسلم عن علي، رضي الله تعالى عنه، مرفوعاً: ((فبينما هم يجرونها إذ شردت عليهم

٢٢٩
٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (١١)
شردة، فلولا أنهم أدركوها لأحرقت من في الجمع)).
أي: روى الحديث المذكور غندر، وهو محمد بن جعفر عن شعبة عن سليمان
الأعمش، وهذا التعليق وصله البخاري في كتاب الفتن.
١١ - بابُ صِفَةِ إِبْلِيسَ وجُنُودِهِ
أي: هذا باب في بيان صفة إبليس، وفي بيان جنوده. والكلام في صفته
وحقيقة أمره على أنواع:
الأول في اسمه: هل هو مشتق أو لا؟ فقال جماعة: هو اسم أعجمي، ولهذا منع من
الصرف للعلمية والعجمة، وقال ابن الأنباري: لو كان عربياً لصرف كإكليل، وقال الطبري:
إنما لم يصرف وإن كان عربياً لقلة نظيره في كلام العرب، فشبهوه بالعجمي، وهذا فيه نظر،
لأن كون قلة نظيره في كلام العرب ليس علة من العلل المانعة لاسم من الصرف، وقال قوم:
هو اسم عربي مشتق من: أبلس، إذا يئس. وقال الجوهري: أبلس من رحمة الله إذا يئس، ومنه
سمي إبليس، وكان اسمه: عزازيل، قيل: من ادعى أنه عربي فقد غلط ووجهه ما ذكرناه،
ولكن روى الطبري عن ابن أبي الدنيا عن ابن عباس، قال: كان اسم إبليس حيث كان عند
الملائكة عزازيل، ثم أبلس بعد، وهذا يؤيد قول من ادعى أنه عربي، وعن ابن عباس: أن
اسمه الحارث. وأما كنيته، فقيل: كانت كنيته أبا مرة، وقيل: أبو العمر، وقيل: أبو كردوس.
النوع الثاني: في بيان أصل خلقه روى الطبري من حديث حجاج عن ابن جريج
عن صالح مولى التؤمة وشريك عن ابن عباس قال: إن من الملائكة قبيلة من الجن، وكان
إبليس منها، وعن ابن عباس: سمي قبيلة الجن لأنهم خزان الجنة، وعن ابن عباس، قال:
إبليس حي من أحياء الملائكة، يقال لهم: الجن، خلقوا من نار السموم، وخلقت الملائكة
كلهم من النور غير هذا الحي. وعن الحسن البصري: إنه من الشياطين، ولم يكن من
الملائكة قط، واحتج بقوله تعالى: ﴿إِلاَّ إبليس كان من الجن﴾ [الكهف: ٥٠]. وقال
مقاتل: لا من الملائكة ولا من الجن، بل هو خلق منفرداً من النار كما خلق آدم، عليه
الصلاة والسلام، من الطين. وقال شهر بن حوشب: كان إبليس من الجن الذين يعملون في
الأرض الفساد، فأسره بعض الملائكة فذهب به إلى السماء، ويقال: كان نوع من الجن
سكان الأرض، وكان فيهم الملك والنبوة والدين والشريعة، فاستمروا على ذلك مدة، ثم طغوا
وأفسدوا وجحدوا الربوبية وسفكوا الدماء، فأرسل الله إليهم جنداً من السماء فقاتلوا معهم قتالاً
شديداً فطردهم إلى جزائر البحر، وأسروا منهم خلقاً كثيراً، وكان فيمن أسر: عزازيل، وهو إذ
ذاك صبي، ونشأ مع الملائكة وتكلم بكلامهم وتعلم من علمهم، وأخذ يسوسهم وطالت
أيامه حتى صار رئيساً فيهم حتى أراد الله تعالى خلق آدم، واتفق له ما اتفق. وروى عكرمة
عن ابن عباس، أنه قال: إبليس أصل الجان والشياطين، وهو أبو الكل، وروى مجاهد عنه أنه
قال: الجان أبو الجن كلهم، كما أن آدم أبو البشر.

٢٣٠
٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (١١)
النوع الثالث: في حده وصفته: أما حده: فما ذكره الماوردي في (تفسيره) هو
شخص روحاني خلق من نار السموم، وهو أبو الشياطين، وقد ركبت فيهم الشهوات، مشتق
من الإبلاس وهو اليأس من الخير. وأما صفته: فما قاله الطبري: كان الله قد حسن خلقه
وشرفه وكرمه وملكه على سماء الدنيا والأرض، وجعله مع ذلك من خزائن الجنة، فاستكبر
على الله تعالى وادعى الربوبية، ودعا من كان تحت يده إلى طاعته وعبادته، فمسخه الله
شيطاناً رجيماً، وشوه خلقه وسلبه ما كان خوله، ولعنه وطرده عن سماواته في العاجل، ثم
جعل مسكنه ومسكن شيعته وأتباعه في الآخرة نار جهنم. انتهى. وكان يقال له: طاوس
الملائكة لحسنه، ثم مسخه الله تعالی. وقال عبد الملك بن أحمد بإسناده عن ابن عباس،
قال: كان إبليس يأتي يحيى بن زكريا، عليهما الصلاة والسلام، طمعاً أن يفتنه، وعرف ذلك
يحيى منه، وكان يأتيه في صور شتى، فقال له: أحب أن تأتيني في صورتك التي أنت
عليها، فأتاه فيها فإذا هو مشوه الخلق کریه المنظر، جسده جسد خنزير ووجهه وجه قرد
وعيناه مشقوقتان طولاً وأسنانه كلها عظم واحد وليس له لحية ويداه في منكبيه وله يدان
آخران في جانبيه وأصابعه خلقة واحدة وعليه لباس المجوس واليهود والنصارى، وفي وسطه
منطقة من جلود السباع، فيها كيزان معلقة وعليه جلاجل، وفي يده جرس عظيم وعلى رأسه
بيضة من حديدة معوجة كالخطاف، فقال يحيى عَ لّه: ويحك ما الذي شوه خلقتك؟ فقال:
كنت طاوس الملائكة فعصيت الله فمسخني في أخس صورة، وهي ما ترى. قال: فما هذه
الكيزان؟ قال: شهوات بني آدم. قال: فما هذه الجرس؟ قال: صوت المعازف والنوح، قال:
فما هذه الخطاطيف؟ قال: أخطف بها عقولهم. قال: فأين تسكن؟ قال: في صدورهم وأجري
في عروقهم، قال: فما الذي يعصمهم منك؟ قال: بغض الدنيا وحب الآخرة.
النوع الرابع: في أولاده وجنوده. وروى مجاهد عن ابن عباس أنه قال: بلغنا أن
لإبليس أولاداً كثيرين، واعتماده على خمسة منهم: شبر والأعور ومسوط وداسم وزلنبور،
وقال مقاتل: لإبليس ألف ولد ينكح نفسه ويلد ويبيض كل يوم ما أراد، ومن أولاده:
المذهب وخنزب وهفاف ومرة والولهان والمتقاضي، وجعل كل واحد منهم على أمر ذكرته
في (تاريخي الكبير) ومن ذريته: الأقنص وهامة بن الأقنص ويلزون وهو الموكل بالأسواق
وأمه طرطية، ويقال: بل هي حاضنتهم، ذكره النقاش، قالوا: باضت ثلاثين بيضة: عشرة
بالشرق، وعشرة بالمغرب، وعشرة في وسط الأرض، وأنه خرج من كل بيض جنس من
الشياطين كالعفاريت والغيلان والحيات، وأسماؤهم مختلفة كلهم عدو لبني آدم، أعاذنا
الله من شرهم، وله جنود يرسلهم إلى إضلال بني آدم، وقد روى ابن حبان والحاكم
والطبراني من حديث أبي موسى الأشعري مرفوعاً، قال: إذا أصبح إبليس يبعث جنوده،
فيقول: من أضل مسلماً ألبسته التاج الحديث، وروى مسلم من حديث جابر: سمعت
رسول الله، عَّه يقول: عرش إبليس على البحر، فيبعث سراياه فيفتنون الناس، فأعظمهم
عنده أعظمهم فتنة.

٢٣١
٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (١١)
وقال مُجَاهِدٌ يُقْذَفُونَ يُزْمَوْنَ: دُحورَاً مَطْرُودِينَ
أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿ويقذفون من كل جانب دحوراً ولهم عذاب
واصب﴾ [الصافات: ٨ - ٩]. وفسر يقذفون بقوله: يرمون، ودحوراً بقوله: مطرودين، كأنه
جعل المصدر بمعنى المفعول جمعاً، وقد فسره عبد بن حميد من طريق ابن أبي نجيح عن
مجاهد كذلك.
وِاصِبٌ دَائِمٌ
أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿ولهم عذاب واصب﴾ [الصافات: ٩]. وفسر
الواصب بقوله: دائم، وقد ذكره البخاري وما بعده اتفاقاً واستطراداً.
وقال ابنُ عَبَّاسٍ مَدْخُورَاً مَطْرُودَاً
أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿فتلقى في جهنم ملوماً مدحوراً﴾ [الإسراء: ٣٩].
ووصل هذا التعليق الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عنه، والمدحور مفعول من الدحر،
وهو الدفع والإبعاد من قولك: دحرته أدحره دحراً ودحوراً. وفي (تفسير عبد بن حميد): عن
قتادة: دحوراً: قذفاً في النار.
يُقالُ مَرِيداً مُتَمَرَّدَاً
أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿وإن يدعون إلاَّ شيطاناً مريداً﴾ [النساء: ١١٧]. وفسر
مريداً بقوله: متمرداً.
بَتَّكَهُ قَطَعَهُ
أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿ولآمرنَّهُم فليبتكن آدان الأنعام﴾ [النساء: ١١٩].
أي: ليقطعن، وفسر: بتكه، بمعنى: قطعه وقال قتادة: يعني البحيرة. وهي إذا نتجت خمسة أبطن،
وكان آخرها ذكراً شقوا أذنها، ولم ينتفعوا بها، والتقدير: ولآمرنهم بتبتيك آذانهن، وليبتكنها.
واسْتَفْزِزْ اسْتَخِفَّ بِخَيْلِكَ الفُرْسَانُ والرَّجْلُ الرَّجَالَّةُ واحِدُها رَاجِلٌ مِثْلُ صاحِب
وصخبٍ وتاجِرٍ وتَجر
أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿واستفزز من استطعت منهم بصوتك، واجلب عليهم
بخيلك ورجلك﴾ [الإسراء: ٦٤]. وفسر قوله: استفزز، بقوله: استخف، ويريد بالصوت الغناء
والمزامير، وفسر الخيل بالفرسان، وفسر الرجل بفتح الراء وسكون الجيم بالرجالة بفتح الراء
وتشديد الجيم، ثم قال واحد الرجالة راجل، ومثله بقوله: صاحب وصحب، فإن الصحب
جمع صاحب والتجر، بفتح التاء المثناة من فوق: جمع تاجر، وقال ابن عباس: كل خيل
سارت في معصية، وكل رجل مشت فيها وكل ما أصيب من حرام فهو للشيطان، وقال غيره:
مشاركته في الأموال البحيرة والسائبة، وفي الأولاد عند الغزو وعند الحروب.

٢٣٢
٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (١١)
لِأخْتِكَنَّ: لأَضْتَأْصِلَنَّ
أشار بهذا إلى ما في قوله تعالى: ﴿لأحتنكن ذريته إلاَّ قليلاً﴾ [الإسراء: ٦٢]. وفسر:
لأحتنكنَّ، بقوله: لأستأصلنَّ من الاستئصال.
قَرِينٌ شَيْطَانٌ
أشار بهذا إلى ما في قوله تعالى: ﴿فهو له قرين﴾ [الزخرف: ٣٦]. وفسر القرين
بالشيطان، وفسره مجاهد كذلك.
٣٢٦٨/٧٥ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى قال أَخْبَرَنا عِيسَى عنْ هِشامٍ عنْ أَبِيهِ عنْ
عائِشَةَ رضي الله تعالى عنها قالَتْ سُجِرَ النَّبِيُّ عَ لَّهِ وقال اللَّيْثُ كَتَبَ إِلَيَّ هِشَامٌ أَنَّهُ سَمِعَهُ
ووَعَاهُ عنْ أَبِيهِ عنْ عَائِشَةَ قالَتْ سُحِرَ النَّبِيُّ عََِّّ حَتَّى كَانَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وما
يَفْعَلُهُ حتَّى كانَ ذَاتَ يَوْمٍ ودَعا ثُمَّ قال أشَعَرْتِ أنَّ الله أَقْتَانِي فِيما فِيهِ شِفَائِي أَتَانِي رَجُلان
فَقَعَدَ أحَدُهُمَا عِنْدَ رأْسِي وَالآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ فقالَ أَحَدُهُمَا لِلآخَرِ ما وَجَعُ الرَّجُلِ قال مَطْبُوبٌ
قال وَمَنْ طَبَّهُ قال لَبِيدُ بنُ الأَعْصَمِ قال فِيما ذَا قال في مُشْطٍ ومُشَاقَةٍ وبجفَّ طَّلْعَةٍ ذَكَرٍ قال
فأيْنَ هُوَ قال في بِثْرِ ذَوْرَانَ فِخَرَجَ إِلَيْهَا النَّبِيُّ عَّهِ ثُمَّ رَجَعَ فقال لِعَائِشَةَ حِينَ رَجَعَ نَخْلُهَا
كأنَّهَا رُؤُوسُ الشَّيَاطِينَ فَقُلْتُ اسْتَخْرَجْهُ فقال لا أمَّا أنَا فَقَدْ شَفَانِي الله وَخَشِيتُ أنْ يُثِيرَ
ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ شَرَّاً ثُمَّ دُفِنَتِ الْبِغْرُ. [انظر الحديث ٣١٧٥ وأطرافه].
وجه مطابقته للترجمة من حيث إن السحر إنما يتم باستعانة الشيطان على ذلك، وهي
من جملة صفاته القبيحة. وإبراهيم بن موسى بن يزيد الفراء أبو إسحاق الرازي، يعرف
بالصغير، وعيسى هو ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، وهشام هو ابن عروة بن الزبير بن
العوام، يروي عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الطب عن إبراهيم بن موسى عن عيسى. وأخرجه
النسائي في الطب عن إسحاق بن إبراهيم عن عيسى بن يونس نحوه.
ذكر معناه: قوله: ((وقال الليث))، هو الليث بن سعد، رحمه الله، هذا التعليق وصله
أبو بكر عبد الله بن داود عن عيسى بن حماد النجيبي المصري عن الليث. قوله: ((ووعاه))،
أي: حفظه. قوله: ((يخيل))، على صيغة المجهول من تخيل الشيء كذا وليس كذلك، وأصله
الظن. قوله: ((ذات يوم)) إنما لم يتصرف لأن إضافتها من قبيل إضافة المسمى إلى الاسم، لأن
معنى: كان ذات يوم قطعة من الزمان ذات يوم، أي: صاحبة هذا الإسم. قوله: ((أشعرت)) أي:
أعلمت. قوله: ((أفتاني))، ويروى: أنبأني، أي: أخبرني. قوله: ((مطبوب))، أي: مسحور،
والطب جاء بمعنى: السحر. قوله: ((مَن طبه؟)) أي: مَن سحره؟ قوله: ((في مشط ومشاقة))،
المشط فيه لغات: ضم الميم وإسكان الشين وضمها أيضاً وكسر الميم بإسكان الشين،
والمشاقة: بضم الميم وتخفيف الشين المعجمة والقاف، وقال الكرماني: ما يغزل من الكتان.
قلت: المشاقة ما يخرج من الكتاب حين يمشق، والمشق: جذب الشيء ليمتد ويطول. قوله:
((وجف طلعة ذكر))، الجف، بضم الجيم وتشديد الفاء: وهو وعاء طلع النخل، وهو الغشاء

٢٣٣
٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (١١)
الذي يكون عليه ويطلق على الذكر والأنثى، ولهذا قيده بقوله: ذكر، وهو الذي يدعى
بالكفري، وقال ابن فارس: جف الطلع، وعاؤها، يقال: إنه شيء ينثر من جذوع النخل، وقال
الهروي: ويروى في مشط ومشاقة في جف طلعة، قال: المشاطة الشعر الذي يسقط من
الرأس واللحية عند التسريح بالمشط، قال: وجف طلعة، أي: في جوفها. وقوله: ((ذكر))،
الذَّكر من النخل الذي يؤخذ طلعه فيجعل منه في طلع النخلة المثمرة فيصير بذلك تمراً، ولو
لم يجعل فيه لكان شيصاً لا توى فيه، ولا يكاد يساغ.
قوله: ((في بئر ذروان))، بفتح الذال المعجمة وسكون الراء، ويروى: ذي أروان،
وكلاهما صحيح مشهور، والأول أصح، وهي بئر بالمدينة في بستان بني زريق، بضم الزاي
وفتح الراء وسكون الياء آخر الحروف وبالقاف، من اليهود. قوله: ((كأنها رؤوس الشياطين»،
قال الخطابي: فيه قولان: أحدهما: أنها مستدقة كرؤوس الحيات، والحية يقال لها:
الشيطان. والآخر: أنها وحشية المنظر سمجة الأشكال، وهو مثل في استقباح صورتها وهول
منظرها كصورة الشياطين. قوله: ((أن يثير ذلك على الناس شراً) يريد في إظهاره، وقيل: إنما
امتنع عن تعيين الساحر لئلا تقوم أنفس المسلمين فيقع بينهم وبين قبيلة الساحر فتنة. قوله:
((ثم دفنت البئر))، على صيغة المجهول.
وفيه: أن آثار الفعل الحرام يجب إزالتها، وقد مر البحث في هذا مستوفىّ في: باب
هل يعفى عن الذمي إذا سحر؟ في أواخر الجهاد.
٣٢٦٩/٧٦ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ أبي أُوَيْسٍ قال حدَّثني أخِي عنْ سُلَيْمَانَ بِنِ بِلاَلٍ
عنْ يَحْيِّى ابنِ سَعِيدٍ عِنْ سَعِيدٍ بَنِ المُسَيَّبِ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ أنَّ رسُولَ
الله عَّلَّهِ قال يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَّةٍ رأسٍ أَحَدِكُمْ إِذَا هُوَ نامَ ثَلاَثُ عُقَدٍ يَضْرِبُ علَىِ
كُلِّ عُقْدَةٍ مَكانها عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فارْقُدْ فَإِنِ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ الله انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ فَإِنْ تَوَضَّأَ
انْحَلَّتْ عُقْدَة فإنْ صَلَّى انْحَلَّتَ عُقَدُهُ كُلُّها فَأَضْبَحَ نَشِطاً طَيِّبَ النَّفْسِ وإِلاَّ أَصْبَحَ خَبِيثَ
النَّفْسِ كَسْلاَنَ. [انظر الحديث ١١٤].
مطابقته للترجمة ظاهرة لأن عقد الشيطان على قافية رأس أحد من أفعال الشيطان
وصفاته القبيحة. والحديث مضى في كتاب التهجد بالليل في: باب عقد الشيطان على قافية
الرأس، فإنه أخرجه هناك عن عبد الله بن يوسف عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي
هريرة، وهنا أخرجه عن إسماعيل بن أبي أويس، واسمه عبد الله المدني ابن أخت مالك بن
أنس، وهو يروي عن أخيه عبد الحميد، وقد مر الكلام فيه هناك، ومعنى: يعقد، يتكلم علیه،
والقافية: مؤخر الرأس، ومنه قافية الشعر. قوله: ((انحلت عقده))، وهو جمع عقدة، ولهذا
أكده بقوله: كلها.
٧٧/ ٣٢٧٠ - حدَّثنا عُثُمَانُ بنُ أَبِي شَيْبَةَ قال حدثنا جَرِيرٌ عنْ مَنْصُورٍ عنْ أبِي وائِلٍ
عنْ عبْدِ الله رضي الله تعالى عنهُ قال ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ عَلَّهِ رَجُلٌ نامَ لَيْلَهُ حتَّى أَصْبَحَ قَال

٢٣٤
٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (١١)
ذَاكَ رَجُلٌ بالَ الشَّيْطَانُ في أُذُنَيْهِ أوْ قال في أُذُنِهِ. [انظر الحديث ١١٤٤].
مطابقته للترجمة ظاهرة، لأن بول الشيطان في أذن الرجل النائم كل ليلة من صفاته
القبيحة، وأبو وائل شقيق، وعبد الله هو ابن مسعود. ومضى الحديث في كتاب التهجد في:
باب إذا نام ولم يصلِّ بال الشيطان في أذنه، فإنه أخرجه هناك عن مسدد عن أبي الأحوص
عن منصور عن أبي وائل ... إلى آخره.
٣٢٧١/٧٨ - حدَّثنا مُوسى بنُ إِسْمَاعِيلَ قال حدَّثنا هَمَّامٌ عَنْ مَنْصُورٍ عنْ سالِمِ بنِ
أبِي الجَعْد عنْ كُرَيْبٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهُما عنِ النَّبِيِّ عَّلِ قال أُمَا إِنَّ
أحَدَكُمْ إِذَا أَتَى أهْلَهُ وقالَ بِسَم الله اللَّهُمَّ جَنِّنَا الشَّيْطَانَ وجَنِّبِ الشَّيْطَانَ ما رَزَقَتَا فَرُزِقَا
ولَدَاً لَمْ يَضُرُّهُ الشَّيْطَانُ. [انظر الحديث ١٤١ وأطرافهِ].
مطابقته للترجمة ظاهرة لأن من صفات الشيطان ضرره العام للمؤمنين، وهو من صفاته
الذميمة القبيحة. ورجاله قد مروا غير مرة. والحديث قد مضى في كتاب الطهارة في: باب
التسمية على كل حال، وعند الوقاع، فإنه أخرجه هناك: عن علي بن عبد الله عن جرير عن
منصور عن سالم بن أبي الجعد عن كريب ... الحديث، ومضى الكلام فيه هناك.
٣٢٧٢/٧٩ - حدَّثنا مُحَمَّدٌ قال أخبرَنا عَبْدَةُ عنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ أَبِيهِ عنِ ابنِ
عُمَرَ رضي الله تعالى عنهُما قال قال رسولُ الله عَ لَه إذَا طَلَعَ حاجِبُ الشَّمْسِ فَدَعُوا الصَّلاَةَ
حتَّى قَبْرُزَ وإِذَا غَابَ حاجِبُ الشَّمْسِ فَدَعُوا الصَّلاَةَ حتَّى تَغِيبَ. [انظر الحديث ٥٨٣].
٣٢٧٣ - وَلاَ تَحَيِّنُوا بِصَلاَئِكُمْ طُلوُعَ الشَّمْسِ وَلاَ غُرُوبِها فإِنَّها تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ
شَيْطَانٍ أَوِ الشَّيْطَانِ لاَ أدْرِي أيَّ ذَلِكَ قال هِشامٌ. [انظر الحديث ٥٨٢ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فإنها تطلع بين قرني الشيطان)). محمد هو ابن سلام،
قاله أبو نعيم، وأبو علي وعبدة، بفتح العين المهملة وسكون الباء الموحدة: ابن سليمان.
والحديث مضى في كتاب مواقيت الصلاة في: باب الصلاة بعد الفجر حتى ترتفع الشمس،
ومضى الكلام فيه هناك.
قوله: ((حتى تبرز))، أي: حتى تظهر. قوله: ((ولا تحينوا)) من التحين، وهو طلب وقت
معلوم ((وقرنا الشيطان)) جانبا رأسه. قوله: ((لا أدري أي ذلك قال هشام))، القائل بهذا هو
عبدة بن سليمان، وهشام هو ابن عروة.
٣٢٧٤/٨٠ - حدَّثنا أَبُو مَعْمَرٍ قال حدَّثنا عبْدُ الوَارِثِ حدَّثنا يُونُسُ عِنْ حُمَيْدِ بنِ
هِلالٍ عنْ أبِي صالِحِ عنْ أَبِي سَعِيدٍ قال قال النَّبِيُّ عَ لَّهِ إِذَا مَرَّ بَيْنَ يَدَيْ أحَدِكُمْ شَيْءٌ وَهْوَ
يُصَلِّي فَلْيَمْتَعْهُ فإِنْ أَبَى فَلْيَمْتَعْهُ فإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ فإنَّا هَوَ شَيْطَانٌ. [انظر الحديث ٥٠٩].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فإنما هو شيطان))، وأبو معمر - بفتح الميمين - عبد الله بن
عمرو بن أبي الحجاج المنقري المقعد، وعبد الوارث بن سعيد، ويونس هو ابن عبد الله

٢٣٥
٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (١١)
العبدي البصري، وأبو صالح ذكوان الزيات. والحديث قد مر في كتاب الصلاة في: باب يرد
المصلي-من مر بین یدیه.
٣٢٧٥ _ وقالَ عُثْمَانُ بنُ الهَيْثَمِ حدَّثْنَا عَوْفٌ عنْ مُحَمَّدِ بنِ سِيرِينَ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
رضي الله تعالى عنهُ قال وَكَلَنِي رَسُولُ اللهِ عَ لَّهِ بِحِفْظِ زَكاة رَمَضانَ فأتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو
مِنَ الطَّعَامِ فأخَذْتُهُ فَقُلْتُ لأَرْفَعَنَّكَ إلى رَسُولِ اللهِ عَّ ◌َلِّ فَذَكَرَ الحَدِيثَ فقال إِذَا أَوَيْتَ إلَى
فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ لَنْ يَزَالَ مِنَ الله حافِظٌ ولاَ يَقْرَبُكَ شَيْطَانُ حتَّى تُصْبِحَ فقال النَّبِيُّ
عَّهِ صَدَقَّكَ وَهْوَ كَذُوبٌ ذَاكَ الشَّيْطَانُ. [انظر الحديث ٢٣١١ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((ذاك الشيطان))، وعثمان بن الهيثم، بفتح الهاء وسكون
الياء آخر الحروف وفتح الثاء المثلثة: مؤذن البصرة، وعوف الأعرابي. والحديث مضى في
كتاب الوكالة في: باب إذا وكل رجلاً بعين ما ذكره هنا، قال: وقال عثمان بن الهيثم .. إلى
آخره، مطولاً، ومضى الكلام فيه هناك.
٣٢٧٦/٨١ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرِ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ قال
أُخْبَرَنِي عُزْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ قال أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ قال رسوُلُ الله عَلَِّ يأْتِي
الشَّيْطَانُ أحَدَكُمْ فَيَقُولُ مِنْ خَلَقَ كَذَا مَنْ خَلَقَ كَذَا حَتَّى يَقُولَ مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ فإذَا بَلَغَهُ
فلْيَسْتَعِذِ باللهِ ولْيَنْتَهِ.
مطابقته للترجمة ظاهرة. ورجاله قد ذكروا غير مرة.
والحديث أخرجه مسلم في الإيمان عن عبد الملك بن شعيب وعن زهير بن حرب
وعبد بن حميد وعن هارون بن معروف ومحمد بن عباد وعن محمود بن غيلان. وأخرجه أبو
داود في السنة عن هارون بن معروف به، وأخرجه النسائي في اليوم والليلة عن محمد بن
منصور، وعن أحمد بن سعيد وعن هارون بن سعيد.
قوله: (من خلق كذا))، وفي رواية مسلم: ((لا يزال الناس يسألون حتى يقولوا: هذا
خلق الله، فمن خلق الله؟)) قوله: ((فليستعذ بالله))، وفي رواية مسلم: ((فليقل آمنت بالله)).
ولأبي داود: ((فإذا قالوا ذلك فقولوا: الله أحد الله الصمد الآية، ثم ليتفل عن يساره ثلاثاً
وليستعذ بالله من الشيطان الرجيم)). ومعنى: فليستعذ، أي: قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم،
من الأعراض والشبهات الواهية الشيطانية. قوله: ((ولينته))، أي: عن الاسترسال معه في ذلك
بإثبات البراهين القاطعة الحقانية، على أن لا خالق له بإبطال التسلسل، ونحوه. وقال الطيبي:
لينته أي: ليترك التفكر في هذا الخاطر، وليستعذ بالله من وسوسة الشيطان، فإن لم يزل
التفكر بالاستعاذة فليقم وليشتغل بأمر آخر، وإنما أمره بذلك ولم يأمره بالتأمل والاحتجاج لأن
العلم باستغنائه عن الموجد أمر ضروري لا يقبل المناظرة له، وعليه، ولأن السبب في مثله
إحساس المرء في عالم الحس، وما دام هو كذلك لا يزيد فكره إلاَّ زيغاً عن الحق، ومن
كان هذا حاله فلا علاج له إلاّ اللجاء إلى الله تعالى والاعتصام بحوله وقوته. وقال المازري:

٢٣٦
٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (١١)
الخواطر على قسمين، فالتي لا تستقر ولا تجلبها شبهة هي التي تدفع بالأعراض عنها، وعلى
هذا ينزل الحديث، وعلى مثلها يطلق اسم الوسوسة. وأما الخواطر المستقرة الناشئة عن
الشبهة فهي لا تندفع إلاَّ بالنظر والاستدلال.
٨٢ /٣٢٧٧ - حدّثنا يَخْتِى بنُ بُكَثِرِ حدَّثنا اللَّيْثُ قال حدَّثني عُقَيْلٌ عنِ ابنِ شِهَابٍ
قال حدَّثني ابنُ أبِي أَنَسٍ مَوْلَى التَّيْمِيِّينَ أَنَّ أَبَاهُ حدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أبَا هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ
يَقُولُ قال رسُولُ اللهِ عَلِ إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتْحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ
وسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ. [انظر الحديث ١٨٩٨ وطرفه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((وسلسلت الشياطين)) وابن أبي أنس اسمه نافع بن مالك
أبو سهيل التيمي. والحديث مر في كتاب الصوم في: باب هل يقال رمضان أو شهر
رمضان.؟
٣٢٧٨/٨٣ - حدثنا الحُمَيْدِيُّ حدَّثَنَا سُفْيانُ حدَّثنا عَمْرٌو قال أخْبرني سَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ
قال قُلْتُ لإِبْنِ عَبَّاسٍ فقال حدَّثنا أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله عَ لَّهِ يَقُولُ إِنَّ مُوسَى قال
لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا قَال أرَأيْتَ إذْ أَوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ فإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وما أَنْسَانِيهُ إِلاَّ
الشَّيْطَانٌ أنْ أَذْكُرَهُ ولَمْ يَجِدْ مُوسَى النَّصَبَ حَتَّى جاوَزَ المَكَانَ الَّذِي أَمَرَ الله بِهِ. [أنظر
الحديث ٧٤ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((وما أنسانيه إلاَّ الشيطان)) والحميدي بن عبد الله بن
الزبير ابن عيسى، وسفيان بن عيينة، وعمرو بن دينار. والحديث مضى في كتاب العلم في
ثلاثة مواضع، وفي غيره أيضاً وقد ذكرناه هناك.
٣٢٧٩/٨٤ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكِ عنْ عبْدِ الله بنِ دِينِارٍ عَنْ عَبْد
الله بنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهُما قال رَأيْتُ رَسُولَ الله عَّلِ يُشِيرُ إلَى المَشْرِقِ فقال ها
إِنَّ الفِتْتَةَ هَهُنَا إِنَّ الفِتْتَةَ هَهُنَا مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ. [انظر الحديث ٣١٠٤ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((من حيث يطلع قرن الشيطان)) وهذا الحديث من أفراده.
قوله: ((ها))، قال الكرماني: ها، حرف ولم يزد على هذا شيئاً. قلت: هو حرف من حروف
المعجم، ومن حروف الزيادة وهي حرف تنبيه. قوله: ((من حيث يطلع قرن الشيطان))، نسب
الطلوع إلى قرن الشيطان مع أن الطلوع للشمس لكونه مقارناً لطلوع الشمس، والغرض أن
منشأ الفتن هو جهة المشرق، وقد كان كما أخبر عَّ له.
٣٢٨٠/٨٥ - حدَّثنا يَخْتَى بِنُ جَعْفَرٍ قال حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله الأنْصَارِيُّ حدَّثنا
ابنُ مجرَيْج قال أخبرني عَطاءٌ عِنْ جَابِرٍ رضي الله تعالى عنهُ عنِ النَّبِيِّ عَ لّه قال إذَا اسْتَنْجَحَ
اللَّيْلُ أوْ كانَ جُنْحُ اللَّيْلِ فَكُفُوا صِبْيَانَكُمْ فإنَّ الشَّيَاطِينَ تَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ فإذَا ذهَبَ ساعَةٌ مِنَ
العَشَاءِ فَخَلُوهُمْ وَأَغْلِقَ بابَكَ واذكُرِ اسْمَ الله وَأَطْفِىءٍ مِصْبَاحَكَ وَاذْكُرِ اسْمَ الله وأَوْكٍ

٢٣٧
٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (١١)
سِقَاءَكَ واذْكُرِ اسْمَ اللهِ وَخَمِّزْ إِنَاءَكَ واذْكُرِ اسْمَ الله وَلَوْ تَعْرُضُ عَلَيْهِ شَيْئاً. [الحديث
٣٢٨٠ - أطرافه في: ٣٣٠٤، ٣٣١٦، ٥٦٢٣، ٥٦٢٤، ٦٢٩٥، ٦٢٩٦].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فإن الشياطين تنتشر)). ويحيى بن جعفر بن أعين أبو زكريا
البخاري البيكندي، وهو من أفراده، ومحمد بن عبد الله الأنصاري من شيوخ البخاري، وروى
عنه هنا بواسطة، وابن جريج عبد الملك بن عبد العزيز، وعطاء بن أبي رباح.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الأشربة عن إسحاق بن منصور. وأخرجه مسلم
في الأشربة عن إسحاق بن منصور وعن أحمد بن عثمان. وأخرجه أبو داود فيه عن أحمد بن
حنبل. وأخرجه النسائي في اليوم والليلة عن أحمد بن عثمان وعن عمرو بن علي وعن عمرو
ابن دینار عن جابر.
ذكر معناه: قوله: ((إذا استنجح)) أي: إذا أظلم، ومادته: جيم ونون وحاء، وقال ابن
سيده: جنح الليل يجنح جنوحاً وجنحاً إذا أظلم، ويقال: إذا أقبل ظلامه، والجنح، بضم
الجيم وكسرها لغتان: وهو ظلام الليل، وأصل الجنح الميل. وقيل: جنح الليل أول ما يظلم.
قوله: ((أو كان جنح الليل)) وفي رواية الكشميهني: أو قال: كان جنح الليل، وحكى عياض
أنه وقع في رواية أبي ذر: استجنع، بالعين المهملة بدل الحاء، وهو تصحيف، وعند
الأصيلي: وأول الليل بدل: قوله: إذا كان جنح الليل، وكان هذه تامة بمعنى وجد أو حصل.
قوله: ((فكفوا صبيانكم))، أي: ضموهم وامنعوهم من الانتشار، وفي رواية: فاكفتوا، ومادته:
كاف وفاء وتاء مثناة من فوق، ومعناه: ضموهم إليكم، وكل من ضممته إلى شيء فقد كفته،
وفي رواية: ولا ترسلوا صبيانكم. وقال ابن الجوزي: إنما خيف على الصبيان في ذلك الوقت
لأن النجاسة التي يلوذ بها الشياطين موجودة معهم غالباً. والذكر الذي يستعصم به معدوم
عندهم، والشياطين عند انتشارهم يتعلقون بما يمكنهم التعلق به، فلذلك خيف على الصبيان في
ذلك الوقت والحكمة في انتشارهم حينئذ أن حركتهم في الليل أمكن منها لهم في النهار،
لأن الظلام أجمع لهم من غيره، وكذلك كل سواد، ويقال: إن الشياطين تستعين بالظلمة
وتكره النور وتشأم به. قوله: ((فخلوهم))، بفتح الخاء المعجمة، هكذا في رواية الأكثرين،
وفي رواية السرخسي، بضم الحاء المهملة. قوله: ((وأغلق)) من الإغلاق، فلهذا يقال: الباب
مغلق، ولا يقال: مغلوق، وإنما قال: فكفوا، بصيغة الجمع، وقال: أغلق بصيغة الإفراد لأن
المراد بقوله: أغلق لكل واحد، وهو عام بحسب المعنى، أو هو في معنى المفرد إذ مقابلة
الجمع بالجمع تفيد التوزيع، فكأنه قال: كف أنت صبيك، كذا قاله الكرماني، وقال
بعضهم: ولا شك أن مقابلة المفرد بالمفرد تفيد التوزيع. قلت: ليس كذلك، بل الصواب ما
قاله الكرماني. قوله: ((وأطفىء)) أمر من الإطفاء إنما أمر بذلك لأنه جاء في (الصحيح): أن
الفويسقة جرت الفتيلة فأحرقت أهل البيت، وهو عام يدخل فيه السراج وغيره، وأما القناديل
المعلقة فإن خيف حريق بسببها دخلت في الأمر بالإطفاء، وإن أمن ذلك كما هو من الغالب
فالظاهر أنه لا بأس بها لانتفاء العلة، وسبب ذلك أنه، عَّهِ صلى على خمرة فجرت الفتيلة

٢٣٨
٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (١١)
الفأرة فأحرقت من الخمرة مقدار الدرهم، فقال النبي، عَّم ذلك نبه عليه ابن العربي وفي
(سنن أبي داود) عن ابن عباس، قال: جاءت فأرة فأخذت تجر الفتيلة، فجاءت بها وألقتها
بين يدي رسول الله، عَّه، على الخمرة التي كان قاعداً عليها، فأحرقت منها موضع درهم.
قوله: ((وأوك)) أمر من الإيكاء، وهو الشد، والوكاء: اسم ما يشد به فم القربة، وهو ممدود
مهموز، والسقاء بكسر السين: اللبن، والماء، والوطب للبن خاصة، والنحي للسمن، والقربة
للماء. قوله: ((وخمِّر))، أمر من التخمير وهو التغطية، وللتخمير فوائد: صيانة من الشياطين
والنجاسات والحشرات وغيرها، ومن الوباء الذي ينزل في ليلة من السنة، وفي رواية أن في
السنة لليلة وفي رواية يوماً ينزل وباء لا يمر بإناء ليس عليه غطاء أو شيء ليس عليه وكاء إلاّ
نزل فيه ذلك الوباء. قال الليث بن سعد: والأعاجم يتقون ذلك في كانون الأول. قوله: ((ولو
تعرض عليه شيئاً) بضم الراء وكُسرها، ومعناه: إن لم تقدر أن تغطي فلا أقل من أن تعرض
عليه عوداً، أي: تعرضه عليه بالعرض وتمده عليه عرضاً، أي: خلاف الطول. قوله: ((شيئاً))،
وفي رواية: عوداً، هذا مطلق في الآنية التي فيها شراب أو طعام.
قلت: روى مسلم من حديث جابر بن عبد الله، رضي الله تعالى عنه، يقول: أخبرني
- أبو حميد الساعدي، قال: أتيت النبي عَّله بقدح لبن من النقيع ليس مخمراً. قال: ألاَ خمرته،
ولو تعرض عليه عوداً قال أبو حميد: إنما أمر بالأسقية أن توكأ ليلاً، وبالأبواب أن تغلق ليلاً
انتهى. فهذا أبو حميد قيد الإيكاء والإغلاق بالليل. قلت: قال النووي: ليس في الحديث ما
يدل عليه، والمختار عند الأصوليين، وهو مذهب الشافعي، رضي الله تعالى عنه، أن تفسير
الصحابي إذا كان خلاف ظاهر اللفظ ليس بحجة، ولا يلزم غيره من المجتهدين موافقته على
تفسيره. وأما إذا كان في ظاهر الحديث ما يخالفه فإن كان مجملاً يرجع إلى تأويله، ويجب
الحمل عليه لأنه إذا كان مجملاً لا يحل له حمله على شيء إلاَّ بتوقيف، وكذا لا يجوز
تخصيص العموم بمذهب الراوي عندنا، بل يتمسك بالعموم، وقد يقال: أبو حميد قال: أمرنا،
وهذا رواية لا تفسير، وهو مرفوع على المختار، ولا تنافي بين رواية أبي حميد والرواية
الأخرى في يوم، إذ ليس في أحدهما نفي للآخر وهما ثابتان. فإن قلت: ما حكم أوامر هذا
الباب؟ قلت: جميعها من باب الإرشاد إلى المصلحة الدنيوية، كقوله تعالى: ﴿وأشهدوا إذا
تبايعتم﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وليس على الإيجاب، وغايته أن يكون من باب الندب، بل قد جعله
كثير من الأصوليين قسماً منفرداً بنفسه عن الوجوب والندب، وينبغي للمرء أن يمتثل أمره،
فمن امتثل أمره سلم من الضرر بحول الله وقوته، ومتى - والعياذ بالله - خالف إن كان عناداً
خلد فاعله في النار، وإن كان عن خطأ أو غلط فلا يحرم شرب ما في الإناء أو أكله، والله
أعلم.
٣٢٨١/٨٦ _ حدَّثني مَحْمُودُ بنُ غَيْلاَنَ قال حدَّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قال أخبرنا مَعْمَرٌ
عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ عِلِيٍّ بنِ الحُسَيْنِ عَنْ صَفِيَّةَ ابْنَةِ حُيَّيّ قالَتْ كَانَ رَسُولُ اللهِ عَ لَّ مُعْتَكِفَاً
فَأَتَيْتُهُ أَزُورُهُ لَيْلاً فَحَدَّثْتُهُ ثُمَّ قُمْتُ فانْقَلَبْتُ فَقَامَ مَعِي لِيَقْلِبَنِي وكانَ مَسْكَنُهَا فِي دَارِ أُسَامَةً بنٍ

٢٣٩
٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (١١)
زَيْدٍ فَمَرَّ رَجُلانٍ مِنَ الأنْصَارِ فَلَمَّا رَأْيَا النَِّيَّ أَسْرَعَا فَقالَ النَّبِيُّ عَلَّلِ عَلَى رَسْلِكُمَا إِنَّهَا صَفِيئَةُ
بِنْتُ حُيَيٍّ فَقَالاَ سُبْحَانَ الله يا رسُولَ الله قالَ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ الإنْسَانِ مَجْرى الدَّمِ
وإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ في قُلوبِكُمَا سُوءَاً أوُ قالَ شَيْئاً. [انظر الحديث ٢٠٣٥ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((إن الشيطان)). وعلي بن الحسين بن علي بن أبي طالب،
رضي الله تعالی عنهم.
والحديث مر في كتاب الاعتكاف في: باب هل يخرج المعتكف لحوائجه إلى باب
المسجد، فإنه أخرجه هناك عن أبي اليمان عن شعيب عن الزهري ... إلى آخره نحوه، ومر
الكلام فيه هناك.
قوله: ((فانقلبت))، من الانقلاب، وهو الرجوع مطلقاً، والمعنى هنا فرجعت فقام النبي
عَّ له معي ليقلبني، أي: لأرجع إلى بيتي. فقام معي بصحبتي. قوله: ((على رسلكما))، بكسر
الراء، أي: على هيئتكما، فما هنا شيء تكرهانه. قوله: ((إن الشيطان يجري))، قيل: هو على
ظاهره أن الله جعل له قوة وقدرة على الجري في باطن الإنسان مجرى الدم، وقيل: استعارة
لكثرة وسوسته فكأنه لا يفارقه، كما لا يفارق دمه، وقيل: إنه يلقي وسوسته في مسام لطيفة
من البدن بحيث يصل إلى القلب.
وفيه: التحرز عن سوء الظن بالناس. وفيه: كمال شفقته عَ لّ على أمته، لأنه خاف أن
يلقي الشيطان في قلبهما شيئاً فيهلكان، فإن ظن السوء بالأنبياء، عليهم الصلاة والسلام،
کفر.
٣٢٨٢/٨٧ - حدَّثنا عَبْدَانُ عنْ أبِي حَمْزَةَ عنِ الأعْمَشِ عنْ عَدِيٍّ بنِ ثَابِتٍ عنْ
سُلَيْمَانَ بنِ صُرَدٍ قال كُنْتُ جالِساً مَعَ النبي عَّلَّهِ وَرَجُلاَنِ يَسْتَبَّانِ فَأَحَدُهُمَا أحمَرَّ وَجْهُهُ
وانْتَفخَتْ أَوْدَاجُهُ فقال النَّبِيُّ عَّهِ إِنِّي لأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا ذَهَبَ عَنْهُ ما يَجِدُ لَوْ قال
أعُوذُ بالله منَ الشَّيْطَانِ ذَهَبَ عَنْهُ ما يَجِدُ فقالُوا لَهُ أنَّ النَّبِيَّ عَِّ قَالَ تَعَوَّذْ بِالله مِنَ الشَّيْطَانِ
فَقالَ وهَلْ بِي جُنُونٌ.
مطابقته للترجمة ظاهرة، وعبدان تكرر ذكره، وأبو حمزة، بالحاء المهملة والزاي:
اسمه محمد بن ميمون السكري المروزي، والأعمش سليمان، وسليمان بن صرد، بضم
الصاد المهملة وفتح الراء وفي آخره دال مهملة: الخزاعي وقد مر في الغسل.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الأدب عن عمر بن حفص وعن عثمان بن أبي
شيبة. وأخرجه مسلم في الأدب عن يحيى بن يحيى وأبي كريب وعن نصر بن علي وعن
أبي بكر بن أبي شيبة. وأخرجه أبو داود فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة. وأخرجه النسائي في
اليوم والليلة عن هناد وعن محمد بن عبد العزيز.
قوله: ((يستبان)) أي: يتشاتمان. قوله: ((أوداجه)) جمع: ودج، بفتحتين وهو عرق في
الحلق في المذبح، وانتفاخ الأوداج كناية عن شدة الغضب. فإن قلت: لكل أحد ودجان وهنا

٢٤٠
٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (١١)
ذكر الأوداج بالجمع؟ قلت: هذا من قبيل قوله تعالى: ﴿وكنَّا لحكمهم شاهدين﴾ [الأنبياء:
٧٨]. أو لأن كل قطعة من الودج يسمى ودجاً كما جاء في الحديث: أزج الحواجب. قوله:
((ما يجد))، من وجد يجد وجداً وموجدة: إذا غضب، ووجد يجد وجداناً: إذا لقي ما يطلبه.
قوله: ((هل بي جنون؟)) قال النووي: رحمه الله تعالى: هذا كلام من لم يتفقه في دين الله
ولم يتهذب بأنوار الشريعة المكرمة وتوهم أن الإستعاذة مختصة بالمجانين ولم يعلم أن
الغضب من نزغات الشيطان، ويحتمل أنه كان من المنافقين أو من جفاة الأعراب. انتهى.
والاستعاذة من الشيطان تذهب الغضب، وهو أقوى السلاح على دفع كيده. وفي حديث
عطية: ((الغضب من الشيطان فإن الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب
أحدكم فليتوضأ)). وعن أبي الدرداء: ((أقرب ما يكون العبد من غضب الله، إذا غضب)). وقال
بكر بن عبد الله: ((أطفئوا نار الغضب بذكر نار جهنم))، وفي بعض الكتب قال الله تعالى:
((ابن آدم اذكرني إذا غضبت أذكرك إذا غضبت))، وروى الجوزي في (ترغيبه): عن معاوية بن
قرة، قال: قال إبليس: أنا جمرة في جوف ابن آدم إذا غضب حميته، وإذا رضي منيته.
٣٢٨٣/٨٨ - حدَّثِنا آدَمُ حدَّثنا شُعْبَةُ حدَّثنا مَنْصُورٌ عن سالِمِ بنِ أبِي الجَعْدِ عنْ
كُرَيْبٍ عنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قال قال النَّبِيُّ عَّ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَتَى أَهْلَّهُ قَال اللَّهُمَّ جَنَّتِي
الشَّيْطَانَ وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ ما رَزَقْتَنِي فإن كانَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌّ لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ وَلَمْ يُسَلَّطْ
عَلَيْهِ. [انظر الحديث ١٤١ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة. والحديث قد مر عن قريب في هذا الباب فإنه أخرجه: عن
موسى بن إسماعيل عن همام بن منصور إلى آخره. قوله: ((لم يضره)) يعني: لم يسلط عليه
بالكلية وإلاَّ فلا يخلو من الوسوسة.
قال وحدَّثنا الأعمَشُ عنْ سالِمٍ عنْ كُرَيْبٍ عنْ ابنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ
أي: قال شعبة: وحدثنا سليمان الأعمش عن سالم بن أبي الجعد، وأشار بهذا إلى أن
لشعبة شيخان فيه.
٨٩/ ٣٢٨٤ - حدَّثنا مَحْمُودٌ حدَّثْنَا شُعْبَةُ عنْ مُحَمَّدٍ بنِ زِيَادٍ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي
الله تعالى عنهُ عنِ النَّبِيِّ عَ لَّهِ أَنَّهُ صلَّى صَلاةً فقال إِنَّ الشَّيْطَانَ عَرَضَ لِي فَشَدَّ عَلَيَّ يَقْطَعُ
الصَّلاةَ عَلَيَّ فَأَمْكَنَنِي الله مِنْهُ فَذَكَرَهُ. [انظر الحديث ٤٦١ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، ومحمود هو ابن غيلان المروزي، وشبابة، بفتح الشين
المعجمة وتخفيف الباء الموحدة وبعد الألف باء أخرى مفتوحة: ابن سوار الفزاري المروزي،
والحديث مر في كتاب الصلاة في: باب الأسير أو الغريم يربط في المسجد، فإنه أخرجه
هناك عن إسحاق بن إبراهيم عن روح ومحمد بن جعفر، كلاهما عن شعبة عن محمد بن
زياد عن أبي هريرة عن النبي عَّله، قال: إن عفريتاً من الجن تغلَّت علي البارحة، أو كلمة
نحوها، ليقطع علي الصلاة فأمكنني الله منه، وأردت أن أربطه إلى سارية من سواري