النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (٦)
((فيسبق عليه))، الفاء للتعقيب تدل على حصول السبق بلا مهلة، ضمن يسبق معنى: يغلب،
أي: يغلب عليه الكتاب، وما قدر عليه سبقاً بلا مهلة فعند ذلك يعمل بعمل أهل الجنة أو
أهل النار. قوله: ((فيعمل بعمل أهل النار))، وفيه حذف تقديره. فيدخلها، وكذلك بعد قوله:
((بعمل أهل الجنة فيدخلها)).
وقال الخطابي: فيه: أن ظاهر الأعمال من الحسنات والسيئات أمارات وليست
بموجبات، وأن مصير الأمور في العاقبة إلى ما سبق به القضاء وجرى القدر، وروى ابن حبان
في (صحيحه) من حديث أبي الدرداء مرفوعاً: فرغ الله إلى كل عبد من خمس: من رزقه
وأجله وعمله وأثره ومضجعه، يعني قبره، فإنه مضجعه على الدوام ﴿وما تدري نفس بأي
أرض تموت﴾ [لقمان: ٣٤].
٣٢٠٩/١٩ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ سَلاَّم قال أخبرَنا مَخْلَدٌ قال أخْبَرَنا ابنُ مجرَيْجِ قال
أُخْبَرَنِي مُوسَى بنُ عُقْبَةَ عنْ نافِعِ قال قال أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ عنِ النَّبِيِّ عَّه
وتابَعَهُ أَبُو عَاصِمٍ عنُّ ابنِ جُرَيْجٍ قَال أخْبَرَنِي مُوسَى بنُ عُقْبَةَ عِنْ نَافِعِ عنْ أَبِي هُرَيْرَةً عنٍ
النَّبِيِّ عَ الِ قَال إِذَا أُحَبَّ الله العَبْدَ نادَى جِبْرِيلَ إنَّ الله يُحِبُّ فُلاناً فأخْبِبْهُ فَيُحِبُهُ فَيُنادِي
جِبْرِيلُ في أَهْلِ السَّماءِ إنَّ الله يُحِبُّ فُلاَنَاً فأحِبُوهُ فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ ويُوضَعُ لَهُ القَبُولُ في
الأرضِ. [الحديث ٣٢٠٩ - طرفاه في: ٦٠٤٠، ٧٤٨٥].
مطابقته للترجمة في قوله: ((نادى جبريل)) عليه الصلاة والسلام. ومحمد بن سلام، باللام
المشددة: ومخلد، بفتح الميم واللام وسكون الخاء المعجمة: ابن يزيد - من الزيادة - مر في
الجمعة، وابن جريج عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، وأبو عاصم الضحاك بن مخلد النبيل.
وأورد البخاري هذا الحديث من طريقين: أحدهما: موصول وهو إلى قوله: وتابعه.
والثاني: معلق وهو من قوله: وتابعه أبو عاصم ... إلى آخره، وقد وصله في الأدب عن عمرو
ابن علي عن أبي عاصم وساقه على لفظه هناك، قيل: هو أحد المواضع التي يستدل بها على
أنه قد يعلق عن بعض مشايخه ما هو عنده بواسطة، لأن أبا عاصم من شيوخه يروي عنه كثيراً
في الكتاب. وقال الطوفي: ذكر البخاري الحب في كتابه ولم يذكر البغض، وهو في رواية
غيره، وإذا أبغض عبداً نادى جبريل، عليه الصلاة والسلام: إني أبغض فلاناً فأبغضه، قال:
فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: أن الله يبغض فلاناً فأبغضوه، فيبغضونه، ثم يوضع
له البغض في الأرض. قلت: هذا أخرجه الإسماعيلي من طريق روح بن عبادة عن ابن جريج.
قوله: ((ويوضع له القبول في الأرض))، يعني: عند أكثر من يعرفه من المؤمنين، ويبقى
له ذكر صالح، ويقال معناه: يلقي في قلوب أهلها محبته مادحين مثنين عليه.
وفيه: أن كل من هو محبوب القلوب فهو محبوب الله، بحكم عكس القضية.
٢٠/ ٣٢١٠ - حدّثنا مُحَمَّدٌ قال حدَّثنا ابنُ أبِي مَرْيَمَ قال أخْبرَنا اللَّيْثُ قال حدَّثنا ابنُ
أبِي جَعْفَرَ عنْ مُحَمَّدٍ بِنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ عنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ عنْ عائِشَةَ رضي الله تعالى عنهَا

١٨٢
٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (٦)
زَوْجِ النَّبِيِّ عَ لَّهِ أَنَّهَا قَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ الله عَ لَّه يَقُولُ إِنَّ المَلائِكَةَ تَنْزِلُ في العَنَانِ وَهُوَ
الشَّحَابُ فَتَذْكُرُ الأُمْرَ قُضِيَ في السَّماءِ فَتَسْتَرِقُ الشَّيَاطِينَ السَّمْعَ فَتَسْمَعُهُ فَتُوحِيهِ إلَى
الْكُهَّانِ فَيَكْذِبُونَ مَعَهَا مائَةَ كَذْبَةٍ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ. [الحديث ٣٢١٠ - أطرافه في: ٣٢٨٨،
٥٧٦٢، ٦٢١٣، ٧٥٦١].
مطابقته للترجمة في قوله: الملائكة، ومحمد هو الذي ذكر مجرداً هو محمد بن
يحيى الذهلي، قاله الغساني، وقال أبو ذر بعد أن ساقه: محمد هذا هو البخاري، وقال
بعضهم: هذا هو الأرجح عندي، فإن الإسماعيلي وأبا نعيم لم يجدا الحديث من غير رواية
البخاري فأخرجاه عنه، ولو كان عند غير البخاري لما ضاق مخرجه عليهما. انتهى. قلت:
عدم وجدان الإسماعيلي وأبي نعيم الحديث لا يستلزم أن يكون محمد هنا البخاري، وهذا
ظاهر لا يخفى على أحد ولم يجرِ للبخاري العادة بأن يذكر اسمه قبل ذكر شيخه بقوله:
حدثنا محمد، وذكر فى (رجال الصحيحين): محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس
ابن ذؤيب أبو عبد الله الذهلي النيسابوري في فصل: أفراد البخاري، فيمن اسمه محمد،
وقال: روى عنه البخاري في قريب من ثلاثين موضعاً ولم يقل: حدثنا محمد بن يحيى
الذهلي مصرحاً، ويقول: حدثنا محمد ولا يزيد عليه، ويقول: محمد بن عبد الله، ينسبه إلى
جده، ويقول: حدثنا محمد بن خالد، ينسبه إلى جد أبيه، والسبب في ذلك أن البخاري لما
دخل نيسابور شغب عليه محمد بن يحيى الذهلي في مسألة خلق اللفظ، وكان قد سمع منه
فلم يترك الرواية عنه ولم يصرح باسمه. وابن أبي مريم هو سعيد بن محمد بن الحكم، وابن
أبي مريم بن أبي جعفر هو عبيد الله بن أبي جعفر، واسمه يسار القرشي، ومحمد بن عبد
الرحمن أبو الأسود.
والنصف الأول من هذا الإسناد بصريون، والنصف الثاني مدنيون، وأوله هو محمد بن
عبد الرحمن.
قوله: (العنان))، بفتح العين المهملة وتخفيف النون الأولى: السحاب. قوله: ((فتذكر))
أي: الملائكة الأمر الذي قضي في السماء وجوده وعدمه. قوله: ((فتسترق))، تفتعل من
السرقة، أي: تستمع سرقة، يقال: استرق السمع أي: استرق مستخفياً. قوله: ((إلى الكهان))،
بضم الكاف وتشديد الهاء، جمع: كاهن وهو الذي يتعاطى الإخبار عن الكائنات في مستقبل
الزمان، ويدعي معرفة الأسرار، وفي (المغرب): لما بعت النبي عٍَّ وحرست السماء بطلت
الكهانة.
٢١/ ٣٢١١ - حدّثنا أحْمَدُ بنُ يُونُسَ قال حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ قال حدَّثنا ابنُ
شِهَابٍ عنْ أبي سلَمَةَ والأغَرِّ عِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ قال قال النبيُّ عَ لَّ إِذَا
كانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ كانَ عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبُوابِ المَسْجِدِ مَلاَئِكَةٌ يَكْتُبُونَ الأَوَّلَ فَالأَوَّلَ
فإِذَا جَلَسَ الإِمَامُ طَوَوُا الصَّحُفَ وجاؤُوا يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ. [انظر الحديث ٩٢٩].

١٨٣
٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (٦)
مطابقته للترجمة في قوله: ((ملائكة)). وأحمد بن يونس هو ابن عبد الله بن يونس
اليربوعي الكوفي، وإبراهيم بن سعد ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري القرشي
المديني، وابن شهاب محمد بن مسلم الزهري، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف،
والأغر، بفتح الهمزة والغين المعجمة وتشديد الراء: اسمه سلمان أبو عبد الله الجهني مولاهم
المدني، كذا وقع في رواية الأكثرين: الأغر، ووقع في رواية الكشميهني: الأعرج، بالعين
المهملة وبالجيم في آخره، والأول أشهر. وأخرج النسائي من وجه آخر عن الزهري عن
الأعرج وحده.
والحديث مر في كتاب الجمعة في: باب الاستماع إلى الخطبة بأتم منه فإنه أخرجه
هناك: عن آدم عن ابن أبي ذئب عن الزهري عن أبي عبد الله الأغر عن أبي هريرة، الحديث،
ومضى الكلام فيه هناك.
٢٢ /٣٢١٢ - حدَّثنا عِلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قالَ حدَّثَنَا سُفْيَانُ قال حدَّثَنا الزُّهْرِيُّ عنْ
سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ قال مرَّ عُمَرُ في المَسْجِدِ وحَسَّانُ يُنْشِدُ فقال كُنْتُ أَنْشِدُ فِيهِ وَفِيهِ مَنْ
هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ ثُمَّ الْتَفَتَ إلَى أَبِي هُرَيْرَةَ فقال أَنْشُدُكَ بالله أسَمِعْتَ رسولَ الله عَلَّهِ يَقُولُ
أجِبْ عَنِّي اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ القُدُسِ قال نَعَمْ. [أنظر الحديث ٤٥٣ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((بروح القدس)) فإنه جبريل، عليه الصلاة والسلام، وسفيان
هو ابن عيينة.
قوله: ((في المسجد)) أي: النبوي: والواو في ((وحسان))، للحال، وكذا الواو في:
((وفيه من هو خير منك)). وقد مضى في: باب الشعر في المسجد، عن أبي سلمة بن عبد
الرحمن: أنه سمع حسان بن ثابت يستشهد أبا هريرة: أنشدك الله! هل سمعت النبي عَ له
يقول: يا حسان أجب عن رسول الله! أللهم أيده بروح القدس؟ قال أبو هريرة: نعم. قوله:
((أسمعت؟)) الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الاستخبار. قوله: ((أجب عني))، أي: قل جواب
هجو الكفار عن جهتي.
٣٢١٣/٢٣ - حدَّثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ قال حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ عَدِيِّ بِنِ ثَابِتٍ عِنِ الْبَرَاءِ
رضي الله تعالى عنهُ قال قال النَّبِيُّ عَّهِ لِحَسَّانَ اهْجُهُم أو هاجِهِمْ وجِبْرِيلُ مَعَكَ.
[الحديث ٣٢١٣ - أطرافه في: ٤١٢٣، ٤١٢٤، ٦١٥٣].
مطابقته للترجمة في قوله: ((وجبريل معك)) والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الأدب
عن سليمان بن حرب وفي المغازي عن حجاج بن منهال. وأخرجه مسلم في الفضائل عن
عبيد الله بن معاذ وعن زهير وعن أبي بكر بن نافع وعن بندار عن غندر. وأخرجه النسائي في
القضاء عن حميد بن مسعدة وفي المناقب عن أحمد بن حفص.
قوله: ((اهجهم))، أمر من: هجا يهجو هجواً، وهو نقيض المدح. قوله: ((أو هاجهم))،
شك من الراوي من المهاجاة، ومعناه: جازهم بهجوهم. قوله: ((وجبريل معك))، يعني: يؤيدك

١٨٤
٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (٦)
ويعينك علیه.
٢٤ / ٣٢١٤ - حدَّثنا مُوسى بنُ إِسْمَاعِيلَ قال حدَّثنا جَرِيرٌ (ح) وحدَّثنَا إِسْحَاقُ قال
أخبرنا وهب بنُ جَرِير قال حدَّثنا أبي قال سَمِعْتُ محُمَيْدَ بنَ هِلاَلٍ عنْ أَنَسِ بنِ مالِكِ رضي
الله تعالى عنهُ قال كأنِّي أَنْظُرُ إلى غُبَارِ ساطِعٍ في سِكَّةٍ بَنِي غَنْمٍ زَادَ مُوسى مَوْكِبَ جِبْرِيلَ.
[الحديث ٣٢١٤ - طرفه في: ٤١١٨].
مطابقته للترجمة في قوله: ((موكب جبريل)) عليه الصلاة والسلام، وموسى بن
إسماعيل التبوذكي، وجرير هو ابن حازم أبو النصر الأزدي البصري، وإسحاق هو ابن راهويه،
ووهب بن جرير يروي عن أبيه جرير بن حازم المذكور، وروى هذا الحديث من طريقين.
الأول: عن موسى عن جرير عن حميد عن أنس. والثاني: عن إسحاق عن وهب بن جرير
عن أبيه عن حميد بن هلال بن هبيرة العدوي أبو نصر البصري.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في المغازي عن موسى بن إسماعيل أيضاً.
قوله: ((في سكة بني غنم))، السكة، بكسر السين المهملة وتشديد الكاف: الزقاق، و:
بني غنم، بفتح الغين المعجمة وسكون النون: بطن من الخزرج، وهم من ولد غنم بن مالك
ابن النجار، منهم أبو أيوب الأنصاري وآخرون. وقال بعضهم: ووهم من زعم أن المراد هنا
ببني غنم حي من بني تغلب، بفتح التاء المثناة من فوق وسكون الغين المعجمة، فإن أولئك
لم يكونوا يومئذ بالمدينة. انتهى. قلت: أراد بهذا الحط على الكرماني، فإن القائل به هو
الكرماني. قوله: ((زاد موسى))، هو موسى بن إسماعيل المذكور. وأراد بهذا أن موسى زاد في
المتن هذه الزيادة، وقد أوصلها البخاري في المغازي عنه. قوله: ((موكب جبريل))، عليه
الصلاة والسلام. قال الكرماني: هو منصوب بنزع الخافض. قلت: الأولى أن يقال: منصوب
بفعل محذوف تقديره: أنظر موكب جبريل، ونحو ذلك، ويجوز أن يرفع على أنه خبر مبتدأ
محذوف تقديره: هذا موكب جبريل، وقال ابن التين: الأحسن أن يكون مجروراً على أنه
بدل من لفظ: غيار، وقال الكرماني: ويروى: وموكب جبريل، بالواو والموكب نوع من
السير، ويقال للقوم الركوب على الإبل للزينة: موكب، وكذلك جماعة الفرسان. وقال ابن
الأثير: الموكب جماعة من ركاب يسيرون برفق، وهم أيضاً: القوم الركوب للزينة والتنزه،
وذكره في: باب وكب، فدل على أن الميم زائدة، وكذلك ذكره الجوهري في: باب
وكب.
٢٥/ ٣٢١٥ - حدّثنا فَرْوَةُ قال حدَّثنا عَلِيُّ بنُ مُشْهِرٍ عنْ هِشامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ أَبِيهِ عنْ
عائِشَةَ رضي الله تعالى عنهَا أنَّ الحَارِثَ بنَ هِشَامٍ قال سألَ النَّبِيُّ عَّ ◌َلِ كَيْفَ يَأْتِيكَ الوَخِيُّ
قال كُلُّ ذَاكَ يأْتِي المَلَكُ أحياناً في مِثْلِ صَلْصِّلَةِ الجَرَسِ فَيَفْصُمُ عَنِّيٍ وَقَدْ وَعَيْتُ ما
قال وهوَ أَشَدُّهُ علِّيَّ وَيَتَمَثَّلُ لِي المَلَكُ أُخْيَانَاً رَجُلاً فَيُكَلِّمُنِي فَأْعِيِ ما يَقُولُ. [انظر
الحديث ٢].

١٨٥
٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (٦)
مطابقته للترجمة في قوله: ((الملك)) في الموضعين. وفروة، بفتح الفاء وسكون الراء:
ابن أبي المغراء أبو القاسم الكندي الكوفي وهو من أفراده. والحديث مر في أول الكتاب فإنه
أخرجه هناك عن عبد الله بن يوسف عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ... إلى
آخره. قوله: ((فيفصم))، بالفاء أي: يقطع.
٢٦/ ٣٢١٦ - حدَّثنا آدَمُ قال حدَّثنا شَيْبَانُ قال حدَّثنا يَحيى بنُ أبِي كَثِيرٍ عنْ أبِي
سلَمَةَ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ قال سَمِعْتُ النَّبِيَّ عَ لَّهِ يَقُولُ مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ في
سَبِيلِ الله دَعَتْهُ خَزَنَةُ الجَنَّةِ أيْ فُلُ هَلُمَّ فَقالَ أَبُو بَكْرٍ ذَاكَ الذي لا تَوَى عَلَيْهِ قال النَّبِيُّ
عَلَّه أَرْجُو أَن تَكُونَ مِنْهُمْ. [انظر الحديث ١٨٩٧ وطرفيه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((خزنة الجنة)) فإنهم الملائكة. والحديث مضى في كتاب
الجهاد في: باب فضل النفقة، فإنه أخرجه هناك عن سعد بن حفص عن شيبان عن يحيى عن
أبي سلمة ... إلى آخره، ومضى الكلام فيه هناك.
قوله: ((زوجين))، أي: درهمين أو دينارين. قوله: ((أي فل)) أي: يا فلان. قوله: ((لا توى))
بفتح التاء المثناة من فوق أي: لا هلاك.
٢٧ / ٣٢١٧ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قال حدَّثنا هِشَامٌ قال أُخْبرَنَا مَعْمَرٌ عنٍ
الزَّهُرِيِّ عنْ أَبِي سَلَمَةَ عنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها أنَّ النَّبِيَّ عَّ ◌ُلِّ قَال لَهَا يا عائِشَةُ هُذَا
جِبرِيلُ يَقْرَؤُ عَلَيْكِ السَّلامَ فَقَالَتْ وَعَلَيْهِ السَّلاَمُ ورَحْمَةُ الله وبرَكَاتُهُ تَرى ما لاَ أَرَى تُرِيدُ النَّبِيَّ
عَ ظَلِّ. [الحديث ٣٢١٧ - أطرافه في: ٣٧٦٨، ٦٢٠١، ٦٢٤٩، ٦٢٥٣].
مطابقته للترجمة في قوله: ((هذا جبريل)). وهشام هو ابن يوسف الصنعاني اليماني
قاضيها، ومعمر، بفتح الميمين: هو ابن راشد.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الاستئذان عن محمد بن مقاتل وفي الأدب وفي
الرقاق عن أبي اليمان وفي فضل عائشة عن يحيى بن بكير. وأخرجه مسلم في الفضائل عن
عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي. وأخرجه الترمذي في المناقب عن سويد بن نصر. وأخرجه
النسائي في عشرة النساء وفي اليوم والليلة عن عمرو بن منصور وعن محمد بن حاتم وعن
أحمد بن يحيى.
قوله: ((يا عائشة))، وروي: يا عائش، بالترخيم فيجوز في الشين الضم والفتح. قوله:
((يقرأ)) من الثلاثي، ويروى: يقرئك، بضم الياء من المزيد فيه، وفيه: منقبة عظيمة لعائشة،
رضي الله تعالى عنها.
فإن قلت: هلا واجهها جبريل كما واجه مريم عليها السلام؟ قلت: وجه ذلك أنه لما
قدر وجود عيسى، عليه السلام، لا من أب نصب جبريل ليعلمها بكونه قبل كونه لتعلم أنه
يكون بالقدرة فتسكن في زمن الحمل، ثم بعث إليها عند الولادة لكونها في وحدة، فقال:
﴿لا تحزني قد جعل ربك تحتك سرياً﴾ [مريم: ٢٤]. فكان خطاب الملك لها في الحالتين

١٨٦
٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (٦)
لتسكن ولا تنزعج. وجواب آخر: أن مريم كانت خالية من زوج فواجهها بالخطاب، وأم
المؤمنين احترمت لمكان سيد الأمة كما احترم الشارع قصر عمر، رضي الله تعالى عنه، الذي
رآه في المنام خوفاً من الغيرة، وهذا أبلغ في فضل عائشة لأنها إذا احترمها جبريل، عليه
الصلاة والسلام، الذي لا شهوة له حفظاً لقلب زوجها سيد الأمة، كان عما قيل فيها في
الإفك أبعد. وجواب آخر: أنه خاطب مريم لكونها نبية على قول، وعائشة لم يذكر عنها
ذلك. وفيه: أن النبي ◌َّلّهِ، يرى الملك ولا يراه من معه. وفيه: زيادة عائشة في الرد على
سلام جبريل، عليه الصلاة والسلام، بقولها: ورحمة الله وبركاته، وهي سنة. قاله ابن عباس:
وكان ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، يقول في ابتداء السلام وفي رده سواء: السلام
عليكم. وفيه: جواز سلام الأجنبي على الأجنبية إذا لم يخش، ترتب مفسدة والأولى تركه
في هذا الزمان.
٢٨/ ٣٢١٨ - حدَّثنا أبُو نُعَيْم قال حدَّثنا عُمَرُ بنُ ذَرّ ح وحدَّثني يَحْيِى بنُ جَعْفَرٍ
قال حدَّثنا وَكِيعٌ عِنْ عُمَرَ بنِ ذَرّ عنْ أَبِيهِ عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرِ عنِ ابنِ عَباسٍ رضي الله تعالىٍ
عنهُما قال قال رسولُ الله عَّلَّهِ لِجِبْرِيلَ أَلاَ تَزُورْنَا أَكْثَرَ مِمَّا تَزُورْنَا فَزَلَتْ: ﴿وَمَا نَتَزَّلُ إِلاَّ
بِأَمْرٍ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وما خَلْفَنَا﴾ [مريم: ٦٤]. الآية. [الحديث ٣٢١٨ - طرفاه في:
٤٧٣١، ٧٤٥٥].
مطابقته للترجمة في قوله لجبريل، عليه الصلاة والسلام. وأبو نعيم، بضم النون:
الفضل ابن دكين، وعمرو بن ذر، بفتح الذال المعجمة وتشديد الراء، وتقدم في التيمم،
ويحيى بن جعفر بن أعين أبو زكريا البخاري البيكندي، وهو من أفراده، وعمر بن ذر يروي
عن أبيه ذر ابن عبد الله الهمداني الكوفي.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في التفسير عن أبي نعيم أيضاً وفي التوحيد عن خلاد
ابن يحيى وفي بدء الخلق أيضاً عن يحيى عن وكيع. وأخرجه الترمذي في التفسير عن
الحسين ابن حريث وعن عبد بن حميد. وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن إسماعيل وعن
إبراهيم بن الحسن، وقال الترمذي: حديث حسن.
قوله: ((حدثنا عمر))، بصيغة الجمع وكلمة: ((ح))، بعده للتحويل. قوله: ((وحدثني))،
بصيغة الإفراد وساق الحديث على لفظ وكيع. قوله: ((ألا تزورنا؟)) كلمة: أَلاَ، هنا للعرض
والتحضيض، ويجوز أن تكون للتمني. قوله: ((فنزلت)) أي: نزلت الآية التي أولها ﴿وما نتنزل
إلاَّ بأمر ربك﴾ [مريم: ٦٤]. إلى آخره.
٢٩/ ٣٢١٩ - حدّثنا إِسْمَاعِيلُ قال حدَّثني سُلَيْمَانُ عنْ يُونُسَ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ
عُبَيْدِ الله بنِ عَبْدِ الله بنِ عُتْبَةَ بنِ مَسْعُودٍ عن ابنٍ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهُما أنَّ رسولَ الله
◌َِّ قال أَقْرِأني جِبْرِيلُ علَى حَرْفٍ فَلَمْ أَزَلْ أَسْتَزِيدُهُ حَتى انْتَهى إلى سَبْعَةٍ أُخْرُفٍ.
[الحديث ٣٢١٩ - طرفه في: ٤٩٩١].

١٨٧
٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (٦)
مطابقته للترجمة في قوله: ((جبريل)) عليه الصلاة والسلام. وإسماعيل بن أبي أويس،
وسليمان بن بلال، ويونس ابن يزيد، وابن شهاب محمد بن مسلم الزهري.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في فضائل القرآن عن سعيد بن عفير. وأخرجه مسلم
في الصلاة عن حرملة عن عبد بن حميد.
قوله: ((على حرف)) أي: على لغة، وقيل: الحرف الإعراب، وقيل: الكيفيات. قوله:
((فلم أزل أستزيده))، أي: أطلب منه الزيادة على حرف واحد، وفي رواية: وكان ميكائيل عن
شماله، فنظر عَّ له إلى ميكائيل كالمستشير، فلم يزل يشير إليه: استزده، حتى قال: ((سبعة
أحرف)) كلها شافٍ كافٍ، فلهذا قيل: إن المراء في القرآن كفر، وأنه لا ينبغي أن يقول أحد
لبعض القرآن ليس هو هكذا، ولا يقال: إن بعض القرآن خير من بعض. قوله: ((إلى سبعة
أحرف)) أي: سبعة لغات من لغة العرب، يعني: أنها مفرقة في القرآن، فبعضه بلغة قريش،
وبعضه بلغة هذيل، وبعضه بلغة هوازن، وبعضه بلغة اليمن، وليس معناه أن يكون في الحرف
الواحد سبعة أوجه، على أنه قد جاء في القرآن ما قد قرىء بسبعة وعشرة، كقوله: ﴿مالك
يوم الدين﴾ ﴿وعبد الطاغوت﴾ [المائدة: ٦٠]. ومما يبين ذلك قول ابن مسعود: إني قد
سمعت القراء فوجدتهم متقاربين، فاقرأوا كما علمتم إنما هو كقول أحدكم: هلم وتعال
وأقبل. وفيه أقوال غير ذلك هذا أحسنها.
٣٢٢٠/٣٠ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ مُقَاتِلٍ قال أخْبَرَنَا عَبْدُ الله قالَ أُخبرَنا يُونُسُ عنِ
الزُّهْرِيِّ قال حدَّثني عُبَيْدُ الله بنُ عَبْدِ الله عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهُما قال كانَ
رَسُولُ اللهِ عَلَّهِ أَجْوَدَ النَّاسِ وكانَ أَجْوَدَ ما يَكُونُ فِي رَمَضانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ وكانَ جِبْرِيلُ
يَلْقَاهُ في كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ فَرَسُولُ اللهِ عَ لَّهِ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ أَجْوَدُ
بالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ. [انظر الحديث ٦ وطرفه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((جبريل)) في الموضعين، وعبد الله هو ابن المبارك.
والحديث قد مر في أول الكتاب فإنه أخرجه هناك عن عبدان عن عبد الله عن يونس إلى
آخره.
وعنْ عَبْدِ الله قال حدَّثْنا مَعْمَرٌ بِهِذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ
عبد الله هو ابن المبارك هو موصول عن محمد بن مقاتل، وكان ابن المبارك قصد فيه
الرواية عن شيخيه أحدهما: يونس، والآخر: معمر.
ورَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ وفَاطِمَةُ رضي الله تعالى عنهُما عنِ النَّبِيِّ عَِّ أَنَّ جِبْرِيلَ كانَ
يُعَارِضُهُ الْقُرآنَ
أما رواية أبي هريرة فوصلها البخاري في فضائل القرآن، وسيأتي إن شاء الله تعالى، وأما
رواية فاطمة فوصلها في علامات النبوة، وسيأتي إن شاء الله تعالى.

١٨٨
٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (٦)
٣٢٢١/٣١ - حدَّثْنا قُتَيْبَةُ قال حدَّثنا لَيْثُ عنِ ابنِ شِهَابٍ أَنَّ عُمَرَ بنَ عبْدِ العَزِيزِ
أُخَّر العَصْرَ شَيْئاً فقال لَهُ عُرْوَةُ أَمَا إِنَّ جِبْرِيلَ قَدْ نَزَلَ فَصلَّى أمَامَ رَسُولِ اللهِ عَ لَّه فَقال عُمَّرُ
أَعْلَمْ ما تَقُولُ يا عُرْوَةُ قال سَمِعتُ بَشِيرَ بنَ أَبِي مَسِعُودٍ يَقُولُ سَمِعْتُ أبا مَسْعُودٍ يَقُولُ
سَمِعْتُ رَسُولَ الله عَّلِ يَقُولُ نَزلَ جِبْرِيلُ فأمَّني فَصَلَّيْتُ مَعَهُ ثُمَّ صَلَّيْتُ معَهُ ثُمَّ صَلَّيْتُ
معَهُ ثُمَّ صَلَّيْتُ معَهُ يَحْسُبُ بِأصَابِعِهِ خَمْسَ صَلَوَاتٍ. [انظر الحديث ٥٢١ وطرفه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((نزل جبريل)). وبشير، بفتح الباء الموحدة وكسر الشين
المعجمة: يروي عن أبيه أبي مسعود واسمه: عقبة بن عمرو البدري. وهذا الحديث قد تقدم
في: باب مواقيت الصلاة، ولكن بعبارة مختلفة، وقد مر الكلام فيه هناك مستوفى.
قوله: ((فصلى أمام رسول الله، عَّله))، أي: قدَّامه، وحكى ابن مالك أنه روى بالكسر
بمعنى: الإمام الذي يؤم الناس، وقال بعضهم: واستشكل بأن الأمام معرفة والموضع موضع
الحال، فوجب جعله نكرة بالتأويل. قلت: لا يحتاج إلى هذا التعسف، لأن لفظ: أمام، الذي
بمعنى: قدام، ظرف وهو منصوب على الظرفية.
٣٢٢٢/٣٢ _ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قال حدَّثنا ابنُ أَبِي عَدِيّ عنْ شُعْبَةَ عنْ حَبِيبٍ
ابنِ أبِي ثابِتٍ عنْ زَيْدِ بنِ وهْبٍ عنْ أَبِي ذَرّ رضي الله تعالى عنهُ قال قال النَّبِيُّ عَّه قال
لي جِبرِيلُ مَنْ ماتَ منْ أُمَّتِكَ لا يُشْرِكُ باللهِ شَيْئاً دخَلَ الجَنَّةَ أوْ لَمْ يَدْخُلِ النَّارَ قال وإنْ
زَنَى وإِنْ سَرَّقَ قال وإن. [انظر الحديث ١٢٣٧ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((جبريل)) عليه الصلاة والسلام. وابن أبي عدي هو محمد
ابن أبي عدي القسملي، وقد مر غير مرة. والحديث مضى في كتاب الاستئذان في: باب
أداء الديون مضموناً إلى شيء آخر، ومر الكلام فيه هناك.
قوله: ((دخل الجنة))، قال الخطابي: فيه إثبات دخول، ونفي دخول، وكل واحد
منهما متميز عن الآخر بوصف أو وقت، والمعنى: إن مات على التوحيد فإن مصيره إلى
الجنة، وإن ناله قبل ذلك من العقوبة ما ناله، وأما لفظ: لم يدخل النار، فمعناه: لم يدخل
دخولاً تخليدياً، ويجب التأويل بمثله جمعاً بين الآيات والأحاديث. قوله: ((وإن ... )) أي: وإن
زنى وإن سرق، فيه دليل على جواز حذف فعل الشرط والاكتفاء بحرفه.
٣٣ /٣٢٢٣ _ حدَّثنا أبو اليَمَانِ قال أخبرنا شُعَيْبٌ قال حدَّثنا أبُو الزِّنادِ عنِ الأعْرَج
عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه قال قال النَّبِيُّ عَلَِّ المَلائِكَةُ يَتَعَاقَبُونَ مَلائِكَةٌ بِاللَّيْلِّ
ومَلائِكَةٌ بالنَّهارِ ويَجْتَمِعُونَ في صَلاةِ الفَجْرِ والعَصْرِ ثُمَّ يَعْرُجُ الْهِ الَّذِينَ باتُوا فِيكُمَ
فِيَسْأَلُهُمْ وهُوَ أَغْلَمُ فَيَقُولُ كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِيَ فِيَقُولُونَ تَرَكْنَاهُمْ يُصَلُّونَ وَأَتَيْنَاهُمْ يُصَلُّونَ.
[انظر الحديث ٥٥٥ وطرفيه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((الملائكة)) وأبو اليمان الحكم بن نافع، وأبو الزناد، بالزاي
والنون: عبد الله بن ذكوان، والأعرج عبد الرحمن بن هرمز.

١٨٩
٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (٧)
قوله: ((الملائكة)) مبتدأ و ((يتعاقبون)) خبره أي: يأتي بعضهم عقيب بعض بحيث إذا
نزلت طائفة صدرت الأخرى. قوله: ((ملائكة بالليل وملائكة بالنهار))، يوضح معنى التعاقب.
قوله: ((يصلون))، ويروى: وهم يصلون، والجملة حالية في الوجهين، وكذا الكلام في:
يصلون، الثاني وقد استوفينا الكلام فيه في: باب فضل صلاة العصر، لأنه أخرج الحديث
هناك: عن عبد الله بن يوسف عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج ... إلى آخره.
٧ - بابٌ إذَا قال أحدُكُمْ آمِينَ والمَلائِكَةُ في السَّماءِ فَوافَقَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى
غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ
أي: هذا باب يذكر فيه إذا قال الإمام ... إلى آخره، قالوا: ليس لذكر هذا الباب هنا
وجه، لأن جميع أحاديث هذا الباب في ذكر الملائكة، وهو متصل بالباب السابق، ولهذا لا
يوجد هذا في كثير من النسخ، وكذا لم يقع في رواية أبي ذر ذكر هذا الباب.
قوله: ((آمين)) مقصور وممدود، ومعناه: استجب. قوله: ((فوافقت إحداهما)) أي: إحدى
كلمتي: آمين، وأخذ هذه الترجمة من حديث أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله،
عَّله قال: ((إذا قال الإمام: ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧] فقولوا:
آمين، فإنه ما وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه)) رواه البخاري من حديث أبي
صالح عنه، وروى ابن ماجه من حديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة: أن رسول الله،
عَّ اله، قال: ((إذا أُمَّن الإمام فأمّنُوا، فإن الملائكة تؤمن، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له
ما تقدم من ذنبه)).
٣٢٢٤/٣٤ - حدَّثنا مُحَمَّدٌ قال أخبرنا مَحْلَدٌ قال أخبرنا ابنُ جُرَيْج عنْ اسْماعِيلَ
ابن أُمَيَّةَ أنَّ نافعاً حدَّثَهُ أنَّ القَاسِمَ بنَ مُحَمَّدٍ حدَّثَهُ عنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها قالَتْ
حَشَوْتُ لِلنَّبِيِّ عَ لّهِ وِسَادَةٌ فِيها تَمَاثِيلُ كأَنَّهَا نُخْرِقَةٌ فَجاءَ فَقامَ بَيْنَ الْبَابَيْنِ وجعَلَ يَتَغَيَّرُ وجْهُهُ
فَقُلْتُ ما لَنَا يَا رَسُولَ الله قال ما بالُ هُذِهِ الوِسَادَةِ قالَتْ وِسَادَةٌ جعَلْتُهَا لَكَ لِتَضْطَجِعَ عَلَيْهَا
قال أمَا عَلِمْتِ أنَّ المَلائِكَةَ لاَ تَدْخُلُ بَيْتَاً فِيهِ صُورَةٌ وَأَنَّ مَنْ صنَعَ الصُّورَةَ يُعَذّبُ يَوْمَ
القِيَامَةِ يَقُولُ أخيُوا مَا خَلَقْتُمْ. [انظر الحديث ٢١٠٥ وأطرافه].
مطابقته للترجمة أعني: باب ذكر الملائكة في قوله: ((أن الملائكة)) وكذا المطابقة
بين أحاديث هذا الباب كلها، وبين هذه الترجمة في ذكر الملائكة.
ومحمد هذا هو محمد بن سلام، ومخلد هو ابن يزيد، وابن جريج عبد الملك بن
عبد العزيز بن جريج وعن قريب مضى هكذا هؤلاء الثلاثة على نسق واحد، وإسماعيل بن
أمية، بضم الهمزة وفتح الميم وتشديد الياء آخر الحروف: ابن عمرو بن سعيد بن العاص
الأموي القرشي المكي، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، رضي الله تعالى عنه.
والحديث مضى في كتاب البيوع في: باب التجارة فيما يكره لبسه للرجال والنساء،
فإنه أخرجه هناك: عن عبد الله بن يوسف عن مالك عن نافع عن القاسم بن محمد عن

١٩٠
٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (٧)
عائشة .. إلى آخره.
قوله: ((وسادة)) بكسر الواو، وهي المخدة وجمعها: وسائد، و: التماثيل جمع التمثال،
وهو وإن كان في الأصل للصورة المطلقة فالمراد منه هنا صورة الحيوان. قوله: ((كأنها
مرقة))، وربما سموا الطنفسة التي فوق الرحل نمرقة، عن أبي عبيد، ويجمع على: نمارق. قوله:
((فقام بين البابين) ويروى: بين الناس. قوله: ((وجعل)) من أفعال المقاربة، وهي على ثلاثة
أقسام منها ما وضع للدلالة على الشروع، وهي: طفق وجعل وعلق وأخذ، ويعمل عمل كان
إلاَّ أنه يجب أن يكون خبره جملة، وههنا كذلك. قوله: ((فقلت: ما لنا)) ويروى: فقالت: ما
لنا؟ يعني: ما فعلنا حتى تغير وجهك؟ قوله: ((ما بال هذه النمرقة)) أي: ما شأنها فيها تماثيل؟
قوله: ((قال: أما علمت)) أي: قال رسول الله، عَّ له، قوله: ((يقول)) أي: يقول الله، ويروى:
فيقال. قوله: ((أحيوا)) بفتح الهمزة، وباقي الكلام مر هناك.
٣٢٢٥/٣٥ - حدثنا ابنُ مُقَاتِلٍ قال أخبرَنَا عبْدُ الله قال أخبرَنا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ
عُبَيْدِ الله بنِ عَبْد الله أنَّهُ سَمِعَ ابنَ عبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهُما يقُولُ سَمِعْتُ أبًا طَلْحَةَ
يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ الله عَِّ يَقُولُ لاَ تَدْخُلُ المَلائِكَةُ بَيْتاً فيهِ كَلْبٌ ولا صُورَةُ تَمَاثِيلَ.
[الحديث ٣٢٢٥ - أطرافه في: ٣٢٢٦، ٣٣٢٢، ٤٠٠٢، ٥٩٤٩، ٥٩٥٨].
وجه مطابقة هذا إلى آخر الباب قد ذكرناه، وابن مقاتل هو محمد بن مقاتل المروزي
المجاور بمكة، وهو من أفراده، وعبد الله هو ابن المبارك المروزي، ومعمر - بفتح الميمين -
هو ابن راشد، وأبو طلحة هو زيد بن سهل الأنصاري. وقال الدارقطني: وافق معمر هنا عن
الزهري جماعة وخالفهم الأوزاعي فرواه عن الزهري عن عبيد الله عن أبي طلحة، ولم يذكر
ابن عباس، ورواه سالم أبو النضر عن عبيد الله نحو رواية الأوزاعي، وفي النسائي عن معقل
عن الأوزاعي كرواية الجماعة، وقال: هذا هو الصواب، وحديث الوليد خطأ، ثم رواه من
حديث الوليد عن الأوزاعي عن الزهري عن عبيد الله، قال: حدثني أبو طلحة ... فذكره،
وروى الترمذي من حديث إسحاق بن موسى الأنصاري: حدثنا معن حدثنا مالك عن أبي
النضر عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: أنه دخل على أبي طلحة الأنصاري يعوده، فوجد
عنده سهل بن حنيف، قال: فدعا أبو طلحة إنساناً ينزع نمطاً تحته، فقال له سهل: لم تنزعه؟
قال: لأن فيه تصاوير. وقال فيها النبي عَّ له ما قد علمت، قال سهل: أو لم يقال: إلاَّ ما كان
رقماً في ثوب؟ فقال: بلى، ولكنه أطيب لنفسي. هذا حديث حسن صحيح. قلت: في رواية
مالك هذه ما يقتضي الاتصال بين عبيد الله بن عبد الله بن عتبة وبيني أبي طلحة، فإنه دخل
على أبي طلحة وسمعه منه، وهكذا في رواية محمد بن إسحاق عن سالم أبي النضر عنه
عند النسائي، وفي رواية الستة، ما خلا أبا داود، ومن رواية الزهري أيضاً إدخال ابن عباس بين
عبيد الله بن عبد الله وبين أبي طلحة، فهل الحكم للرواية الزائدة أو للرواية الناقصة؟ فاختار
ابن الصلاح الحكم للناقصة لأنه يصرح فيها بالاتصال، واختار النسائي الزائدة لأنه روی
كلتيهما ورجح الزائدة.

١٩١
٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (٧)
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في بدء الخلق عن علي
ابن عبد الله وفي المغازي عن إبراهيم بن موسى، وعن إسماعيل بن أبي أويس وفي اللباس
عن آدم. وأخرجه مسلم في اللباس عن يحيى بن يحيى وعن عمرو الناقد وأبي بكر بن أبي
شيبة وإسحاق بن إبراهيم وعن أبي الطاهر بن السرح وحرملة بن يحيى وعن إسحاق بن
إبراهيم وعبد بن حميد. وأخرجه الترمذي في الاستئذان عن سلمة بن شيبة والحسن بن علي
وعبد بن حميد. وأخرجه النسائي في الصيد عن قتيبة وإسحاق بن منصور، وفي الزينة عن
وهب بن بيان وعن محمد بن عبد الملك وعن يزيد بن محمد، وأخرجه ابن ماجه في
اللباس عن أبي بكر بن أبي شيبة.
ذكر معناه: قوله: ((فيه كلب)) قال ابن التين: يريد كلب دار، قال: وأراد بالملائكة غير
الحفظة، وكذا قال النووي: إن هؤلاء هم الذين يطوفون بالرحمة والتبريك والاستغفار،
بخلاف الحفظة، وقال الخطابي: إنما لم يدخل في بيت إذا كان فيه شيء من هذه مما
يحرم اقتناؤه من الكلاب والصور، وأما ما ليس بحرام من كلب الصيد أو الزرع أو الماشية
والصورة التي تمتهن في البسط والوسائد وغيرهما فلا يمتنع دخول الملائكة بسببه. وقال
النووي: الأظهر أنه عام في كل كلب وكل صورة. ثم قيل: سبب المنع من دخول الملائكة
كونها معصية فاحشة، وكونها مضاهاة لخلق الله، وفيها ما يعبد من دون الله، وامتناعهم من
الدخول في بيت فيه كلب لكثرة أكله النجاسات، ولأن بعضها يسمى شيطاناً، والملائكة
ضد لهم، ولقبح رائحة الكلب، والملائكة يكرهون الرائحة الكريهة، ولأنها ينهى عن اتخاذها
مما لم يؤذن فيه، فعوقب متخذها بحرمانه دخول الملائكة بيته وصلاتها فيه، واستغفارها له
وتبريكها عليه، ودفعها أذى الشيطان. قلت: كل هذه في الكلب لا يشفي العليل ولا يروي
الغليل، وهذا الخنزير أسوأ حالاً من الكلب، مع أنه ما ورد فيه شيء وفي النجاسة هو أنجس
منه، لأنه نجس العين بالنص بخلاف الكلب فإن في نجاسة عينه خلافاً. قوله: ((ولا صورة
تماثيل)) من إضافة العام إلى الخاص.
٣٢٢٦/٣٦ - حدَّثنا أحْمَدُ قال حدَّثنا ابنُ وهْبٍ قال أخبرنا عَمْرٌو أنَّ بُكَيْرَ بنَ
الأَشَجِّ خدَّثَهُ أنَّ بُسرَ بنَ سَعِيدٍ حَدَّثَهُ أنَّ زَيْدَ بنَ خالِدِ الجُهَنِيَّ رضي الله تعالى عنهُ حدَّثَهُ
ومَعَ بُشْرِ بنِ سَعِيدٍ عُبَيْدُ اللهِ الخَوْلاَنِيُّ الَّذِي كانَ في حَجْرٍ مَيْمُونَةَ رضي الله تعالى عنها
زَوْجَ النَّبِيِّ عَلَّهِ قال حدَّثَهُما زَيْدُ بنُ خَالِدٍ أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ قال حدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ عَلَِّ قال لاَ
تَدْخُلُ المَلائِكَةُ بَيْتاً فِيهِ صُورَةٌ قال بُشْرٌ فَمَرِضَ زَيْدُ بنُ خَالِدٍ فَعُدْنَاهُ فإِذَا نَحْنُ فِي بِئْتِهِ
بِسِتْرٍ فِيهِ تَصاوِيرُ فَقُلْتُ لِعُبَيْدِ اللهِ الخَوْلانِيِّ أَلَمْ يُحَدِّثْنا في التَّصَاوِيرِ فقال إنَّهُ قال إلاَّ رَقْم في
ثَوْبٍ أَلاَ سَمِعْتَهُ قُلْتُ لا قال بَلى قَدْ ذَكَرَهُ. [انظر الحديث ٣٢٢٥ وأطرافه].
أحمد هو أبو صالح المصري، وجزم به أبو نعيم، وقال الكرماني: أحمد بن صالح، أو
ابن عيسى التستري، وذكره في (رجال الصحيحين): أحمد، غير منسوب، يحدث عن عبد
الله بن وهب المصري حدث عنه البخاري في غير موضع من (الجامع) واختلفوا في أحمد

١٩٢
٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (٧)
هذا، فقال قوم: إنه أحمد بن عبد الرحمن ابن أخي ابن وهب، وقال آخرون: إنه أحمد بن
صالح أو أحمد بن عيسى وقال أبو أحمد الحافظ النيسابوري: أحمد عن ابن وهب هو ابن
أخي ابن وهب، وقال أبو عبد الله بن منده: كلما قال البخاري في (الجامع): حدثنا أحمد
عن ابن وهب فهو ابن صالح المصري، ولم يخرج البخاري عن أحمد بن عبد الرحمن في
(الصحيح) شيئاً وإذا حدث عن أحمد بن عيسى نسبه، وابن وهب هو عبد الله بن وهب
المصري، وعمرو - بفتح العين - هو ابن الحارث المصري، وبكير، بضم الباء الموحدة:
مصغر بكر بن الأشج، بالشين المعجمة وبتشديد الجيم، وقد مر في الوضوء، وبسر، بضم
الباء الموحدة وسكون السين المهملة: ابن سعيد مولى الحضرمي من أهل المدينة، وزيد بن
خالد الجهني من مشاهير الصحابة، وعبيد الله الخولاني هو عبيد الله بن الأسود، ويقال: ابن
الأسد الخولاني ربيب ميمونة زوج النبي معَ له.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في اللباس عن قتيبة عن الليث. وأخرجه مسلم في
اللباس عن قتيبة به. وعن إسحاق بن إبراهيم. وأخرجه أبو داود فيه عن قتيبة به وعن عثمان
ابن أبي شيبة وعن وهب بن بقية. وأخرجه النسائي في الزينة عن إسحاق بن إبراهيم وعن
عیسی بن حماد.
قوله: ((الأرقم)) أصل الرقم الكتابة والصورة غير الرقم، وقال ابن الأثير: الرقم النقش
والوشم. قوله: ((ألاَ سَمعته؟)) كلمة: ألاَ، بفتح الهمزة واللام المخففة، ومعناها ههنا الاستفهام
عن النفي. قوله: ((قلت: لا)) أي: لم أسمعه قال: بلى، سمعته قد ذكره أي: الحديث.
٣٢٢٧/٣٧ - حدّثنا يَحْيَى بِنُ سُلَيْمَانَ قال حدَّثني ابنُ وَهْبٍ قال حدَّثني عَمْرٌو
عنْ سالِمٍ عنْ أَبِيهِ قال وعَدَ النبيُّ عَّهِ جِبْرِيلُ فَقال إنَّا لا نَدْخُلُ بَيْتاً فِيهِ صُورَةٌ ولا كلْبٌ.
[الحديث ٣٢٢٧ - طرفه في: ٥٩٦٠].
يحيى بن سليمان أبو سعيد الجعفي الكوفي، سكن مصر، وعمرو، بفتح العين وبالواو
كذا وقع في رواية الأكثرين، وظن بعضهم أنه عمرو بن الحارث، وهو خطأ لأنه لم يدرك
سالماً، والصواب: عمر، بضم العين وبغير واو، وهو: عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن
عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنهم، وكذا ثبت في رواية الكشميهني، وكذا وقع في
اللباس عن يحيى بن سليمان بهذا الإسناد. قوله: ((وعد النبي)» بالنصب، وجبريل بالرفع فاعله
يعني وعد النبي عَّله، أن ينزل فلم ينزل، فسأله رسول الله، عَّله، عن السبب فقال: إنا لا
ندخل بيتاً فيه صورة ولا كلب.
٣٢٢٨/٣٨ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قال حدَّثني مالِكٌ عنْ شُمَيّ عنْ أبِي صالِحٍ عنْ أبِي
هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه أنَّ رسُولَ الله عَ لَلِ قال إذا قال الإِمامُ سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ
فقُولُوا اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ فإِنَّهُ مَنْ وافَقَ قَولَ المَلائِكَةِ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ. [انظر
الحديث ٧٩٦].

١٩٣
٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (٧)
إسماعيل بن أبي أَويس، وسمي، بضم السين المهملة وفتح الميم وتشديد الياء آخر
الحروف: مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة، وأبو صالح عبد
الله بن ذكوان، والحديث مضى في كتاب الصلاة في: باب فضل اللهم ربنا ولك الحمد،
وقد مر الكلام فيه هناك.
٣٢٢٩/٣٩ _ حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ الْمُنْذِرِ قال حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ فُلَيْحِ قال حدَّثنا أبي
عنْ هِلالِ بِنِ عِلِيّ عنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بنِ أبِي عَمْرَةَ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ عنٍ
النَّبِيّ عَِّ قال إنَّ أحدَكُمْ في صلاةٍ ما دامَتِ الصَّلاةُ تَخْبِسُهُ والمَلائِكَةُ تَقُولُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ
لَهُ وازْحَمْهُ ما لَمْ يَقُمْ مِنْ صَلاتِهِ أَوْ يُحدِثْ. [انظر الحديث ١٧٦ وأطرافه].
محمد بن فليح يروي عن أبيه فليح بن سليمان، وكان اسمه: عبد الملك، غلب عليه
لقبه فليح. والحديث مر في كتاب الصلاة في: باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة،
وفي: باب الحدث في المسجد. قوله: ((ما لم يقم من صلاته)) أي: من موضع صلاته الذي
صلى فيه. قوله: ((أو يحدث)) أي: أو ما لم يحدث؟
٤٠ /٣٢٣٠ _ حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قال حدَّثنا سُفْيانُ عنْ عَمْرٍو عنْ عَطاءٍ عنْ
صَفْوَانَ بنِ يَعْلَى عنْ أبِيهِ رضي الله تعالى عنهُ قال سَمِعْتُ النَّبِيَّ عَ لَّهِ يَقْرَأْ عَلى المِنْبَرِ ونادَوْا
يا مالِكُ قال سُفْيَانُ في قِرَاءَةِ عَبْدِ الله ونادَوْا يا مالٍ. [الحديث ٣٢٣٠ - طرفاه في:
٣٢٦٦، ٤٨١٩].
سفيان هو ابن عيينة، وعمرو هو ابن دينار، وعطاء هو ابن أبي رباح، وصفوان يروي
عن أبيه يعلى، بفتح الياء آخر الحروف وسكون العين المهملة وفتح اللام بالقصر: ابن أمية
التميمي، ويعرف بابن منية، وهي أمه، ويقال: جدته.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في صفة النار عن قتيبة وفي التفسير عن حجاج بن
المنهال. وأخرجه مسلم في الصلاة عن قتيبة وأبي بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم
وأخرجه أبو داود في الحروف عن أحمد بن حنبل وأحمد بن عبدة. وأخرجه النسائي فيه وفي
التفسير عن قتيبة، وفي التفسير أيضاً عن إسحاق بن إبراهيم.
قوله: ((يا مالك))، وهو اسم خازن النار، قوله: ((قال سفيان))، أي: قال سفيان وهو ابن
عيينة الراوي. قوله: ((في قراءة عبد الله))، هو عبد الله بن مسعود. قوله: ((يا مال))، مرخم
حذف الكاف منه، ويجوز في اللام الضم والكسر.
٣٢٣١/٤١ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يُوسُفَ قال أخبرَنا ابنُ وَهْبٍ قال أخبرَنِي يُونُسُ عنِ
ابنِ شِهَابٍ قال حدَّثني عُرْوَةُ أَنَّ عائشةَ رضي الله تعالى عنهَا زَوْجَ النَّبِيِّ عَ لِ حدَّثَتْهُ أنَّها
قَالَتْ لِلنَّبِيِّ عَلَِّ هَلْ أَتَّى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنَ يَوْمِ أَحُدٍ قال لَقَدْ لَقِيتُ منْ قَوْمِكَ ما
لَقِيتُ وكانَ أشَدُّ ما لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعِقَبَةِ إِذْ عَرَضتَُ نَفْسي علَى ابنِ عَبْدِ يالِيلَ بنِ عَبْدِ
كُلاَلٍ فَلَمْ يُجِبْني إلى ما أرَدْتُ فانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ علَى وَجْهِي فَلَمْ أَسْتَفِقِ إلاَّ وأنا
عمدة القاري/ ج١٥ م١٣

١٩٤
٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (٧)
بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ فرَفْعْتُ رَأْسِي فإذَا أنا بِسَحابَةٍ قَدْ أَظَلَّتِي فنظَرْتُ فإذا فِيها جِبرِيلُ فَنَادَانِي
فَقال إنَّ اللهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وما رَدُّوا عَلَيْكَ وَقَدْ بَعثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ
بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ فَتَادَانِيٍ ملَكُ الجِبَالِ فسَلَّمَ علَيَّ ثُمَّ قالَ يا مُحَمَّدُ فقال ذُلِكَ فِيمَا شِئْتَ
إِنْ شِئْتَ أنْ أَطِقَ عَلَيْهِمْ الأَخْشَبَيْنِ فقال النَّبيُّ عَّهِ بَلْ أرجو أنْ يُخْرِجَ الله من أَضْلاَبِهِمْ
مَنْ يَعْبُدُ الله وحدَهُ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً. [الحديث ٣٢٣١ - طرفه في: ٧٣٨٩].
الحديث أخرجه البخاري أيضاً في التوحيد عن عبد الله بن يوسف أيضاً. وأخرجه
مسلم في المغازي عن أبي الطاهر بن السرح وحرملة بن يحيى وعمرو بن سواد. وأخرجه
النسائي في النعوت عن أبي الطاهر به.
قوله: ((يوم أحد)) هو يوم غزوة أحد، كانت في سنة ثلاث من الهجرة. قوله: ((يوم
العقبة)) هي التي تنسب إليها جمرة العقبة وهي بمنىّ. قوله: ((إذا عرضت نفسي)) أي: حين
عرضت نفسي، كان ذلك في شوال في سنة عشر من المبعث، وأنه كان بعد موت أبي
طالب وخديجة، رضي الله تعالى عنها، وذكر موسى بن عقبة في (المغازي): عن ابن شهاب:
أن النبي عَ لَّه لما مات أبو طالب توجه إلى الطائف رجاء أن يؤووه فعمد إلى ثلاثة نفر من
ثقيف وهم ساداتهم، وهم أخوة: عبد ياليل وحبيب ومسعود بنو عمرو، فعرض عليهم نفسه
وشكا إليهم ما انتهك منه قومه، فردوا عليه أقبح رد. قوله: ((على ابن عبد ياليل))، بالياء آخر
الحروف وكسر اللام وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره لام: ابن عبد كلال، بضم الكاف
وتخفيف اللام وفي آخره لام، واسم عبد ياليل: كنانة، ويقال: مسعود. وفي (الجمهرة)
للكلبي: عبد ياليل بن عمرو بن عمير بن عوف بن عقدة بن عفرة بن عوف بن ثقيف،
والمذكور هنا: أنه معَِّ عرض نفسه على ابن عبد ياليل والذي في (المغازي): أن الذي
كلمه هو عبد ياليل نفسه، وعند أهل النسب أن عبد كلال أخوه لا أبوه، وكان ابن عبد ياليل
من أكابر أهل الطائف من ثقيف، وقد روى عبد بن حميد في (تفسيره): من طريق ابن أبي
نجيح عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿على رجل من القريتين عظيم﴾ [الزخرف: ٣١]. قال:
نزلت في عتبة بن ربيعة وابن عبد ياليل الثقفي، وعن ابن سعد: كانت إقامة النبي عَ ◌ّه في
الطائف عشرة أيام، وذكر ابن إسحاق وابن عقبة: أن كنانة بن عبد يا ليل وفد مع وفد
الطائف سنة عشر فأسلموا، وذكر أبو عمر في (الصحابة) كذلك، وذكر المدايني: أن الوفد
أسلموا إلاَّ كنانة، فخرج إلى الروم ومات بها بعد ذلك، والله أعلم.
قوله: ((على وجهي))، متعلق بقوله: انطلقت، أي على الجهة المواجهة لي. قوله:
((بقرن الثعالب)) جمع الثعلب الحيوان المشهور، وهو موضع بقرب مكة، وقال النووي: هو
ميقات أهل نجد، ويقال له: قرن المنازل، بفتح الميم، ويقال: هو على مرحلتين من مكة،
وأصل القرن كل جبل صغير منقطع من جبل كبير، وقال عياض: يقال فيه: قرن، غير مضاف
على يوم وليلة من مكة، قال: ورواه بعضهم بفتح الراء وهو غلط، وقال القابسي: من سكن
الراء أراد الجبل المشرف على الموضع، ومن فتحها أراد الطريق الذي يتفرق منه، فإنه موضع

١٩٥
٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (٧)
فيه طرق متفرقة. قوله: ((ملك الجبال))، أي: بعث الله إليك ملك الجبال، وهو الملك الذي
سخر الله له الجبال وجعل أمرها بيده. قوله: ((ذلك))، مبتدأ وخبره محذوف أي: ذلك كما
قال جبريل، أو كما سمعت منه، أو المبتدأ محذوف، أي: الأمر ذلك. قوله: ((فيما شئت؟))
كلمة ما، فيه استفهامية وجزاء قوله: ((إن شئت)) مقدر أي: إن شئت لفعلت. قوله: ((ذلك
فيما شئت إن شئت)) كذا هو في رواية أبي ذر عن شيخه، وروي عن الكشمسهني مثله إلاّ
أنه قال: فما شئت، وروى الطبراني عن مقدام بن داود عن عبد الله بن يوسف شيخ البخاري
فقال: يا محمد إن الله بعثني إليك وأنا ملك الجبال لتأمرني بأمرك، فما شئت إن شئت.
قوله: ((أن أُطبق)) أي: بأن أطبق، و: أن، مصدرية تقديره: لفعلت بإطباق الأخشبين
عليهم، والأخشبان - بالخاء والشين المعجمتين - هما جبلا مكة: أبو قبيس والذي يقابله
فيقعان، وقال الصغاني: بل هو الجبل الأحمر الذي يشرف على قيقعان، ووهم من قال: ثور.
قلت: الذي قال: الأخشبان: أبو قبيس وثور، هو الكرماني، وسميا بذلك لصلابتهما وغلظ
حجارتهما، يقال: رجل أخشب إذا كان صلب العظام عاري اللحم، والمراد من قوله: أن
أطبق عليهم: أن يلتقيا على من بمكة فيصيران كطبق واحد عليهم. قوله: ((بل أرجو)) كذا هو
في رواية الأكثرين، وفي رواية الكشميهني: أنا أرجو. قوله: ((أن يخرج الله))، بضم الياء من
الإخراج. قوله: ((من يعبد الله)) في محل النصب لأنه مفعول: يخرج. قوله: ((يعبد الله)) أي:
يوحده. قوله: ((لا يشرك به شيئاً)) تفسيره.
٤٢ / ٣٢٣٢ _ حدَّثْنا قُتَيْبَةُ قال حدَّثنا أبو عَوَانَةً قال حدَّثنا أبو إسْحَاقَ الشَّيْبَانِيُّ قال
سألْتُ زرَّ بنَ حُبَيْشِ عَنْ قَوْلِ الله تعالى ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أُدْنَى فَأُوْلحى إلى عَبْدِهِ ما
أَوْلحى﴾ [النجم: ١٠،٩]. قال حدَّثنا ابنُ مَسْعُودٍ أَنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ لَهُ سِتُّمِائَةٍ جَناحٍ. [الحديث
٣٢٣٢ - طرفاه في: ٤٨٥٦، ٤٨٥٧].
أبو عوانة - بفتح العين - الوضاح بن عبد الله اليشكري، وأبو إسحاق الشيبانى اسمه
سليمان بن أبي سليمان، واسمه فيروز الكوفي، وزر، بكسر الزاي وتشديد الراء: ابن حبيش،
بضم الحاء المهملة وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره شين معجمة:
الأسدي الكوفي مات سنة اثنين وثمانين. قوله: ﴿«قاب قوسين﴾ [النجم: ٩]. أي: قدر
قوسين. قوله: ((حدثنا ابن مسعود)) أي: عبد الله بن مسعود، ويروى: قال لي ابن مسعود.
قوله: ((أنه) أي: النبي عَ ◌ّه، وسيأتي الكلام في سورة: النجم، مبسوطاً، إن شاء الله تعالى.
٤٣ / ٣٢٣٣ - حدّثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ قال حدَّثنا شُعْبَةُ عنِ الأعْمَشِ عنْ إِبْرَاهِيمَ عنْ
عَلْقَمَةَ عنْ عَبْدِ الله رضي الله تعالى عنهُ ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكَبْرَى﴾ [النجم: ١٨]
قال رَأَى رَفْرَفَاً أُخْضَرَ سَدَّ أَفُقَ السَّماءِ. [الحديث ٣٢٣٣ - طرفه في: ٤٨٥٨].
الأعمش هو سليمان، وإبراهيم هو النخعي، وعلقمة بن يزيد، وعبد الله بن مسعود.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في التفسير عن قبيصة عن سفيان. وأخرجه النسائي في

١٩٦
٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (٧)
التفسير عن عمرو بن علي عن يحيى وعن عمرو بن علي عن ابن مهدي.
قوله: ((رفرفاً))، هو ثياب خضر تبسط، قال الكرماني: ويحتمل أن يكون المراد من
الرفرف: أجنحة جبريل، عليه الصلاة والسلام، بسطها كما تبسط الثياب. قلت: هذا قول
الخطابي وأفق السماء: أطرافها.
٣٢٣٤/٤٤ _ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله بنِ إِسْمَاعِيلَ قال حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله
الأنْصَارِيُّ عنِ ابنِ عَوْنٍ أَنْبَأْنَا الْقَاسِمُ عنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنهَا قالَتْ مَنْ زَعَمَ أنَّ
مُحَمَّداً رَأَى رَبَّهُ فَقدْ أعْظَمَ ولَكِنْ قدْ رأى جِبْرِيلَ في صُورَتِهِ وخَلْقِهِ ساداً ما بَيْنَ الأَفُقِ.
[الحديث ٣٢٣٤ - أطرافه في: ٣٢٣٥، ٤٦١٢، ٤٨٥٥، ٧٣٨٠، ٧٥٣١].
محمد بن عبد الله شيخه من أفراده، ومحمد بن عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن
أنس بن مالك الأنصاري البصري، وابن عون هو عبد الله بن عون بن أرطبان أبو عون المزني
البصري، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، رضي الله تعالى عنهم.
قوله: ((فقد أعظم) أي: دخل في أمر عظيم، ومفعوله محذوف. قوله: ((في صورته))،
أي: في هيئته وحقيقته. قوله: ((وخلقه)) أي: خلقته التي خلق عليها. قوله: ((ساداً)) نصب
على الحال من جبريل أي: مطبقاً بين أفق السماء. وقال أحمد بإسناده عن أبي وائل عن ابن
مسعود، قال: رأى رسول الله، عَ ◌ّه، جبريل في صورته وله ستمائة جناح، كل جناح منها قد
سد الأفق، يسقط من جناحه من التهاويل والدر والياقوت ما الله به عليم، والتهاويل: الألوان
المختلفة. وقال ابن الكلبي: سأل رسول الله، عَّه، جبريل أن يأتيه في صورته التي خلقه الله
عليها، فقال له: لا تستطيع أن تثبت، فقال: بلى، فظهر له في ستمائة جناح سد الأفق جناح
منها، فشاهد رسول الله، عَّ له، أمراً عظيماً فصعق، وذلك معنى قوله تعالى: ﴿ولقد رآه نزلة
أخرى﴾ [النجم: ١٣]. وقد ثبت أن جبريل، عليه الصلاة والسلام، كان يأتي النبي عَ ليه في
صورة دحية الكلبي، وتارة كان يأتيه في صورة أعرابي، وأتاه مرتين في صورته التي خلق
عليها، مرة منهبطاً من السماء، ومرة عند سدرة المنتهى، وجبريل هو أمين الوحي وخازن
القدس، ويقال له: الروح الأمين، وروح القدس، والناموس الأكبر، وطاووس الملائكة. ومعنى:
جبر: عبد، وأيل: اسم من أسماء الله تعالى، ومعناه: عبد الله، وفيه أربعة عشر لغة ذكرتها في
(التاريخ الكبير) في: فضل خلق الملائكة.
ثم اعلم أن إنكار عائشة، رضي الله تعالى عنها، الرؤية لم تذكرها رواية، إذ لو كان
معها رواية فيه لذكرته، وإنما اعتمدت على الاستنباط من الآيات، وهو مشهور قول ابن
مسعود، وعن أبي هريرة مثلها، وعن ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما: أنه رآه بعينه، روي
ذلك عنه بطرق، وروى ابن مردويه في (تفسيره) عن الضحاك وعكرمة عنه في حديث طويل،
وفيه: فلما أكرمني ربي برؤيته بأن أثبت بصري في قلبي أجد بصري لنوره نور العرش، وروى
اللالكائي من حديث حماد بن سلمة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعاً: رأيت ربي،

١٩٧
٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (٧)
عز وجل، ومن حديث أبي هريرة، قال: رأيت ربي، عز وجل ... الحديث. وذكر ابن إسحاق:
أن ابن عمر أرسل إلى ابن عباس يسأله: هل رأى رسول الله، عَ له ربه؟ فقال: نعم، والأشهر
عنه أنه رآه بعينيه، وروي عنه: أن الله تعالى اختص موسى، عليه الصلاة والسلام، بالكلام،
وإبراهيم، عليه الصلاة والسلام، فرآه محمد مرتين، وكلمه موسى مرتين، وحكى أبو الفتح
الرازي وأبو الليث السمرقندي هذه الحكاية عن كعب وحكى عبد الرزاق عن الحسن أنه
كان يحلف بالله لقد رأى محمد ربه، وحكى النقاش عن أحمد: أنا أقول بحديث ابن عباس:
بعينه رآه حتى انقطع نفس أحمد. وقال الأشعري وجماعة من أصحابه: أنه رآه ببصره وعيني
رأسه. وقال: كل آية أوتيها نبي من الأنبياء فقد أوتي مثلها نبينا عَّه، وخص من بينهم
بتفضيل الرؤية.
فإن قلت: قال الله تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار﴾ [الأنعام: ١٠٣]. وقال: ﴿لن تراني﴾
[الأعراف: ١٤٣]. قلت: المراد بالإدراك الإحاطة ونفي الإحاطة لا يستلزم نفي نفس الرؤية،
وعن ابن عباس: لا يحيط به، ونحن نقول به، وقيل: لا تدركه أبصار الكفار، وقيل: لا
تدركه الأبصار، وإنما يدركه المبصرون، وليس في الشرع دليل قاطع على استحالة الرؤية ولا
امتناعها، إذ كل موجود فرؤيته جائزة غير مستحيلة. وأما قوله: ﴿لن تراني﴾ [الأعراف:
١٤٣]. فمعناه: في الدنيا، وذكر القاضي أبو بكر أن موسى، عليه الصلاة والسلام، رأى ربه،
فلذلك صعق، وأن الجبل رأى ربه فلذلك صار دكاً، استنبطه من قوله: ﴿ولكن انظر إلى
الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني﴾ [الأعراف: ١٤٣]. ثم قال: ﴿فلما تجلى ربه
للجبل جعله دكاً وخر موسى صعقاً﴾ [الأعراف: ١٤٣]. فرآه الجبل فصار دكا، ورآه موسى،
عليه الصلاة والسلام، فصعق.
٤٥ /٣٢٣٥ _ حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قال حدَّثنا أبُو أُسَامَةَ قال حدَّثنا زَكَرِيَّاءُ بنُ
أَبِي زَائِدَةَ عنِ ابنِ الأشْوَعِ عنِ الشَّعْبِيِّ عنْ مَسْرُوقٍ قال قُلْتُ لِعَائِشَةَ رضي الله تعالى عنهَا
فَأَيْنَ قَوْلُهُ ﴿ثُمَّ دَنا فتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٨ - ٩]. قالَتْ ذَاكَ جِبْرِيلُ
كانَ يَأْتِيهِ في صُورَةِ الرَّجُلِ وإِنَّهُ أتاهُ لهَذِهِ المَرَّةَ في صُورَتِهِ الَّتِي هِيَ صُورَتُهُ فسَدَّ الأَفُقَ.
[انظر الحديث ٣٢٣٤ وأطرافه].
محمد بن يوسف هذا هو أبو أحمد البخاري البيكندي، وقد جزم به أبو علي الجياني،
وأبو أسامة حماد بن أسامة، وابن الأشوع، بفتح الهمزة وسكون الشين المعجمة وفتح الواو
وفي آخره عين مهملة: واسمه سعيد بن عمرو بن أشوع نسب إلى جده، والشعبي عامر بن
شراحيل، ومسروق بن الأجدع.
والحديث أخرجه مسلم في الإيمان عن محمد بن عبد الله بن نمير عن أبي أسامة
نحوه.
قوله: ((فأين قوله)) ومعنى الفاء هنا: إذا أنكرت رؤيته فما معنى قوله: ﴿ثم دنا فتدلى﴾

١٩٨
٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (٧)
[النجم: ٨ - ٩]. فقالت: المراد به قربه من جبريل، عليه الصلاة والسلام. فإن قلت: ملاقاة
جبريل، عليه الصلاة والسلام، كانت دائمة. قلت: لجبريل صورة خاصة خلق عليها لم يره
رسول الله، عَِّ، في تلك الصورة الخلقية إلاَّ هذه المرة، ومرة أخرى، وقد ذكرناه عن
قریب.
٣٢٣٦/٤٦ - حدَّثنا مُوسى قال حدَّثنا جريرٌ قال حدَّثنا أبُو رَجاءٍ عنْ سَمُرَةَ قال قال
النَّبيُّ عَّهِ رأيتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيانِي قالاَ الَّذِي يُوقِدُ النَّارَ مالِكٌ خازِنُ النَّارِ وَأَنَا جِئْرِيلُ وهذَا
ميكائيلُ. [انظر الحديث ٨٤٥ وأطرافه].
موسى هو ابن إسماعيل التبوذكي، وجرير - بفتح الجيم - هو ابن حازم بن زيد أبو
النصر الأزدي البصري، وأبو رجاء اسمه عمران بن ملحان، ويقال: ابن تيم، ويقال: ابن عبد
الله العطاردي البصري، أدرك زمن النبي عَّم ولم يره، وأسلم بعد الفتح، وأتى عليه مائة
وعشرون سنة. وقيل: أكثر من ذلك. والحديث مضى في كتاب الجنائز في باب مجرد بعد:
باب ما قيل في أولاد المشركين، مطولاً بعين هذا الإسناد.
٤٧/ ٣٢٣٧ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قال حدَّثنا أبُو عَوانَةَ عنِ الأعْمَشِ عنْ أبِي حازِمٍ عنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ قال قال رسولُ اللهِ عَ لِّ إِذَا دَعا الرَّجُلُ امْرَأتَهُ إلى فِرَاشِهِ
فَأَبَتْ فَباتَ غَضْبَانَ عَلَيْهاَ لَعَنَنْهَا المَلائِكَةُ حتَّى تُصْبِحَ. [الحديث ٣٢٣٧ - طرفاه في:
٥١٩٣، ٥١٩٤].
أبو عوانة الوضاح مضى عن قريب، والأعمش سليمان، وأبو حازم - بالحاء المهملة
والزاي - سلمان الأشجعي، والحديث أخرجه أيضاً في النكاح عن محمد بن بشار. وأخرجه
مسلم في النكاح عن أبي بكر بن أبي شيبة، وأبي كريب وعن أبي سعيد الأشج وعن زهير
ابن حرب. وأخرجه أبو داود فيه عن محمد بن عمرو الرازي. وأخرجه في الملائكة عن
محمد بن العلاء.
تابَعَهُ شُعْبَةُ وأَبُو حَمْزَةَ وابنُ دَاوُدَ وأَبُو مُعَاوِيَةَ عنِ الأعْمَشِ
أي: تابع أبو عوانة شعبةُ بن الحجاج فوصل هذه المتابعة البخاري في النكاح في: باب
إذا باتت المرأة مهاجرة فراش زوجها، فقال: حدثنا محمد بن بشار حدثنا ابن أبي عدي عن
شعبة عن سليمان عن أبي حازم عن أبي هريرة ... إلى آخره، نحوه سواء. قوله: ((وأبو حمزة))
أي: وتابعه أبو حمزة، وهو محمد بن ميمون السكري. قوله: ((وابن داود))، أي: وتابعه ابن
داود وهو عبد الله الخريبي، بالخاء المعجمة وبالراء، ووصل متابعته مسدد في (مسنده
الكبير): قوله: ((وأبو معاوية)) أي: وتابعه أبو معاوية وهو محمد بن خازم - بالمعجمتين -
ووصل متابعته مسلم فقال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وأبو كريب قالا: حدثنا أبو معاوية
وحدثني أبو سعيد الأشج، قال: حدثني وكيع وحدثني زهير بن حرب، واللفظ له، قال:
حدثنا جرير، كلهم عن الأعمش عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، عَ لّهِ: إذا

١٩٩
٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (٧)
دعا الرجل امرأته ... إلى آخره نحوه، غير أن في قوله: فلم تأته، موضع: فأبت، في رواية
البخاري، رحمه الله.
٣٢٣٨/٤٨ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قال أخْبَرَنَا اللَّيْثُ قال حدَّثني عُقَيْلٌ عن
ابنِ شِهابٍ قال سَمِعْتُ أبا سلَمَةَ قال أخبرَني جابِرُ بنُ عَبْدِ الله رضي الله تعالى عنهُما أنَّهُ
سَمِعَ النَّبِيِّ عَّهِ يَقُولُ ثمَّ فَتَرَ عَنِّي الوَحِيُ فِتْرَةً فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي سَمِعْتُ صَوْتاً مِنَ السَّماءَ
فرَفَعْتُ بَصَرِي قِلَ السَّماءِ فإِذَا المَلَكُ الَّذِي جاءَنِيٍ بِجِرَاءِ قاعِدٌ عَلَى كُرْسِيّ بِيْنَ السَّماءِ
والأَرْضِ فَجُئِثْتُ مِنْهُ حتى هَوَيْتُ إلى الأرْضِ فَجِئْتُ أهْلِي فَقُلْتُ زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي فَأَنْزَلَ
الله تعالى: ﴿يا أيُّها المُدَّثِّر﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿وَالرِّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ١ - ٥]. قال أَبُو سَلَمَةً
والرّجْزُ الأوْثَانُ. [انظر الحديث ٤ وأطرافه].
رواة هذا الحديث قد مروا غير مرة على نسق واحد ومفترقين أيضاً. والحديث قد مر
بشرحه في أول الكتاب. قوله: ((فجئثت منه))، على صيغة المجهول من ألجأت بالجيم
والهمزة وبالثاء المثلثة، أي: رعبت، وفيه لغة أخرى: جثثت، بثاءين مثلثتين ومعناه: هويت،
أي: سقطت. قوله: ((والرجز: الأوثان)) تفسير منه بأن المراد من: الرجز، في قوله: ﴿والرجز
فاهجر﴾ [المدثر: ٥]. الأوثان وهو جمع وثن، وهو ما له جثة من خشب أو حجر أو فضة أو
جواهر، وكانت العرب تنصبها وتعبدها.
٣٢٣٩/٤٩ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قال حدَّثنا غُنْدَرٌ قال حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ قَتَادَةَ
وقال لِي خَلِيفَةُ حدَّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَبْعِ قال حدَّثنا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عنْ أبي العَالِيَةِ قال حدَّثنا
ابْنُ عَمِّ نَبِيِّكُمْ يَغْنِي ابنَ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهُما عنِ النَّبِيِّ عَّهِ قال رأيتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ
بِي مُوسَى رَجُلاً آدَمُ طُوَالاً جَعْدَاً كأنَّهُ مِنْ رِجَالٍ شَنُوءَةَ ورَأيْتُ عِيسَى رَجُلاً مَرْبُوعاً مَرْبُوعَ
الخَلْقِ إِلى الحُمْرَةِ والْبَياضِ سَبْطَ الرَّأسِ ورَأيْتُ مالِكاً خازنَ النَّارِ والدَّجَّالَ في آياتٍ
أراهُنَّ اللَّهِ إِيَّاهُ فَلاَ تَكُنْ في مِزْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ. [الحديث ٣٢٣٩ - طرفه في: ٣٣٩٦].
غندر، بضم الغين المعجمة وسكون النون: لقب محمد بن جعفر أبي عبد الله البصري
صاحب الكرابيس. قوله: ((وقال لي خليفة)) هو ابن خياط هو شيخ البخاري، وأشار بهذا
إلى أنه جمع بين روايتي شعبة بن الحجاج عن قتادة وسعيد بن أبي عروبة عن قتادة، أيضاً،
وساق الحديث على لفظ سعيد بن أبي عروبة، وأبو العالية، بالعين المهملة، اسمه: رفيع،
بضم الراء وفتح الفاء وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره عين مهملة - الرياحي، بكسر الراء
وتخفيف الياء آخر الحروف وبالحاء المهملة: البصري، وأبو العالية الآخر يروي أيضاً عن ابن
عباس: واسمه مختلف فيه، وشهرته بالبراء، بفتح الباء الموحدة وتشديد الراء، وكان يبري
النيل، وهو أيضاً بصري.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في أحاديث الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، عن ابن
بشار عن غندر عن شعبة نحو الأول: وأخرجه مسلم في الإيمان عن محمد بن المثنى وعن

٢٠٠
٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (٨)
محمد بن بشار، كلاهما عن غندر به وعن عبد بن حميد عن يونس بن محمد عن شيبان
عن قتادة، أتم من الأول.
ذكر معناه: قوله: ((آدم))، من الأدمة وهي في الناس السمرة الشديدة، وقيل: هو من
أدمة الأرض، وهي: لونها، وبه سمي آدم، عليه الصلاة والسلام، والأدمة في الإبل البياض مع
سواد المقلتين، يقال: بعير آدم بيَّن الأدمة، وناقة أدماء. قوله: ((طوال))، بضم الطاء المهملة
وتخفيف الواو ومعناه: شديد الأسر والخلق، أو يكون جعد الشعر وهو ضد السبط، لأن
السبوطة أكثرها في شعور العجم، وأما الذم: فهو القصير المتردد الخلق. وقال الداودي: لا
أرى جعداً محفوظاً، لأن الطوال لا يوصف بالجعودة، وقال ابن التين: هذا كلام غير صحيح،
لأن الطول لا ينافيه بل يكون الطويل جداً وسبطاً. قوله: ((شنوءة))، بفتح الشين المعجمة
وضم النون وسكون الواو وفتح الهمزة، قيل: هو من قحطان، وقال الكرماني: شنوءة اسم
قبيلة بطن من الأزد طوال القامات، وقال ابن هشام: شنوءة هو عبد الله بن كعب بن عبد الله
ابن مالك بن نضر بن الأزد، وإنما قيل: أزد شنوءة، لشنئان كان بينهم وهو: البغض، والنسبة
إليه شنوي، وجه تشبيه موسى، عليه الصلاة والسلام، برجال شنوءة في الطول والسمرة. قوله:
((مربوعاً)) أي: لا قصيراً ولا طويلاً. قوله: ((مربوع الخلق))، بفتح الخاء أي: معتدل الخلقة
مائلاً إلى الحمرة. قوله: ((سبط الرأس))، بكسر الباء الموحدة وسكونها، ومعناه: مسترسل
الشعر، وقال النووي: فتحها وكسرها لغتان مشهورتان، ويجوز إسكانها مع كسر السين ومع
فتحها على التخفيف، كما في الكتف، وقال: وأما الجعد في صفة موسى، عليه الصلاة
والسلام، فالأولى أن يحمل على جعودة الجسم، وهي اكتنازه واجتماعه لا جعودة الشعر،
لأنه جاء في رواية أبي هريرة: أنه رجل الشعر. قوله: (والدجال))، بالنصب أي: ورأيت
الدجال. قوله: ((في آيات)) أي: في آيات أخرى ((أراهن الله إياه)) أي: النبي عَِّ. قوله: ((فلا
تكن في مرية))، بكسر الميم، وهو: الشك. قال النووي: هذا استشهاد من بعض الرواة على
أنه عَ لّه لقي موسى، عليه الصلاة والسلام، وقال الكرماني: الظاهر أنه كلام رسول الله، عَ لَّهِ،
والضمير راجع إلى الدجال، والخطاب لكل واحد من المسلمين.
قال أنَسّ وأبُو بَكْرَةَ عنِ النَّبِيِّ عَ لَّهِ تَخْرُسُ المَلائِكَةُ المَدِينَةَ مِنَ الدَّجَّالِ
تعليق أنس، رضي الله تعالى عنه، وصله البخاري في أواخر الحج في فضل المدينة
في: باب لا يدخل الدجال المدينة، فإنه أخرجه هناك: عن إبراهيم بن المنذر عن الوليد عن
عمرو عن إسحاق عن أنس ... الحديث، وتعليق أبي بكرة نفيع ابن الحارث وصله أيضاً في
هذا الباب عن عبد العزيز بن عبد الله عن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن جده عن أبي بكرة عن
النبي عَّهِ ... إلى آخره.
٨ - بابُ ما جاءَ في صِفَةِ الجَنَّةِ وأنَّهَا مَخْلُوقَةٌ
أي: هذا باب في بيان ما جاء من الأخبار في صفة الجنة، في بيان أنها مخلوقة