النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ ٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (٤) الوهي بالتشقيق، وهذا قول الفراء، وروى الطبري عن ابن عباس: واهية متمزقة ضعيفة. أَرْجَائِها ما لَمْ يَنْشَقَّ مِنْها فَهْيَ علَى حَافَتَيْهِ كَقَوْلِكَ عَلَى أَرْجَاءِ الِثْرِ أشار بهذا إلى قوله تعالى: ﴿والملك على أرجائها﴾ [الحاقة: ١٧]. وهو جمع الرجاء مقصوراً، وهو ناحية البئر، والرجوان حافتا البئر، ووقع في رواية غير الكشميهني: فهو على حافتيها، وكأنه أفرد الضمير باعتبار لفظ الملك، وجمع باعتبار الجنس، وروى عن قتادة في قوله: ﴿والملك على أرجائها﴾ [الحاقة: ١٧]. أي: على حافات السماء، وروى الطبري عن سعيد بن المسيب مثله، وعن سعيد بن جبير: على حافاة الدنيا، وعن ابن عباس قال: والملك على حافات السماء حين تشقق. أَغْطَشَ وجَنَّ أَظْلَمَ أشار بقوله: أغطش إلى قوله تعالى: ﴿أغطش ليلها﴾ [النازعات: ٢٩]. وبقوله: وجن، إلى قوله تعالى: ﴿فلمَّا جن عليه الليل﴾ [الأنعام: ٧٦]. وفسرهما بقوله: أظلم، فالأول: تفسير قتادة أخرجه عبد بن حميد من طريقه، والثاني: تفسير أبي عبيدة. وقال الحَسَنُ كُوَّرَتْ تُكَوَّرُ حتَّى يَذْهَبَ ضَوْءُهَا أشار بهذا إلى قوله تعالى: ﴿إذا الشمس كورت﴾ [التكوير: ١]. قال الحسن البصري: معنى: كورت، تكور حتى يذهب ضوؤها، ومعنى تكور تلف، تقول: كورت العمامة تكويراً إذا لففتها، والتكوير أيضاً الجمع، تقول: كورته إذا جمعته، وقد أخرج الطبري من طريق علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿إذا الشمس كورت﴾ [التكوير: ١]. يقول: أظلمت، ومن طريق الربيع بن خثيم، قال: كورت، أي: رمى بها، ومن طريق أبي يحيى عن مجاهد: کورت، قال: اضمحلت. واللَّيْلُ وما وسَقَ جَمَعَ مِنْ دَابَّةٍ وصله عبد بن حميد من طريق مبارك بن فضالة عن الحسن نحوه. اتَّسَقَ اسْتَوَى أشار به إلى قوله تعالى: ﴿والقمر إذا اتسق﴾ [الانشقاق: ١٨]. فسره بقوله: استوى، وصله عبد بن حميد أيضاً من طريق منصور عنه، وأصل اتسق أو تسق قلبت الواو تاء وأدغمت التاء في التاء أي: تجمع ضوؤه، وذلك في الليالي البيض. بُرُوجَاً مَنَازِلَ الشَّمْسِ والقَمَرِ أشار بِهِ إلَى قولِهِ تعالَى: ﴿تبارك الذي جعل في السماء بروجاً﴾ [الفرقان: ٦١]. وفسر البروج بالمنازل أي: منازل الشمس والقمر. وروى الطبري من طريق مجاهد، قال: البروج عمدة القاري/ ج ١٥ م١١ ١٦٢ ٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (٤) الكواكب، ومن طريق أبي صالح قال: هي النجوم الكبار، وقيل: هي قصور في السماء، رواه عبد بن حميد من طريق يحيى بن رافع، ومن طريق قتادة قال: هي قصور على أبواب السماء فيها الحرس، وعند أهل الهيئة: البروج غير المنازل، فالبروج اثنا عشر، والمنازل ثمانية وعشرون، فكل برج عبارة عن منزلتين، وثلث منها، وبهذا يحصل الجواب عما قيل: كيف يفسر البروج بالمنازل والبروج اثنا عشر والمنازل ثمانية وعشرون؟ أو المراد بالمنازل معناها اللغوي لا التي عليه أهل التنجيم. الحَرُورُ بالنَّهَارِ مَعَ الشَّمْسِ أشار بهذا إلى قوله تعالى: ﴿ولا الظل ولا الحرور﴾ [فاطر: ٢١]. وفسر الحرور بأنه يكون بالنهار مع الشمس، كذا روي عن أبي عبيدة، وقال الفراء: الحرور الحر الدائم ليلاً كان أو نهاراً، والسموم بالنهار خاصة. وقال ابنُ عَبَّاسٍ: الحَرُورُ باللَّيْلِ والسَّمُومُ بِالنَّهَارِ رؤية بضم الراء ابن العجاج، اسمه عبد الله بن رؤية بن لبيد بن صخر بن كثيف بن عميرة بن حيي بن ربيعة بن سعد بن مالك بن سعد التميمي السعدي من سعد تميم البصري هو وأبوه راجزان مشهوران عالمان باللغة، وهما من الطبقة التاسعة من رجال الإسم، وتفسير رؤية هذا ذكره أبو عبيد عنه في (المجاز) وقال السدي: المراد بالظل والحرور في الآية الجنة والنار أخرجه ابن أبي حاتم عنه. يُقَالُ يُولِجُ نْكَوِّرُ أشار به إلى قوله تعالى: ﴿يولج الليل في النهار﴾ [الحج: ٢٦١، لقمان: ٢٩، فاطر: ٢١٣، الحديد: ٦]. وفسره بقوله: يكور، وقال بعضهم: يكور كذا، يعني بالراء في رواية أبي ذر ورأيت في رواية ابن شبويه: يكون، بنون وهو الأشبه. قلت: الأشبه بالراء لأن معنى يكور يلف النهار في الليل. وقال أبو عبيدة: يولج أي ينقص من الليل فيزيد في النهار، وكذلك النهار، وروى عبد بن حميد من طريق مجاهد قال: ما نقص من أحدهما دخل في الآخر يتقاصان ذلك في الساعات. ولِيجَةَ كلِّ شَيْءٍ أدْخَلْتَهُ فِي شَيْءٍ أشار بهذا إلى لفظ: وليجة، المذكور في قوله تعالى: ﴿أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة﴾ [التوبة: ١٦]. وقد فسر وليجة بقوله: ((كل شيء أدخلته في شيء)). قوله: ﴿أن تتركوا﴾ [التوبة: ١٦]. أي: أم حسبتم أيها المؤمنون أن نترككم مهملين ولا نختبركم بأمور يظهر فيها أهل العزم والصدق من الكاذب؟ ولهذا قال: ﴿ولما يعلم الله﴾ [التوبة: ١٦]. إلى قوله: ﴿وليجة﴾ [التوبة: ١٦]. أي: بطانة ودخيلة، بل هم في الظاهر والباطن على النصح لله ١٦٣ ٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (٤) ولرسوله، فاكتفى بأحد القسمين عن الآخر. وقال المفسرون: الوليجة الخيانة، وقيل: الخديعة، وقيل: البطانة من غير المسلمين وهو أن يتخذ الرجل من المسلمين دخيلاً من المشركين يفشون إليهم أسرارهم، وقال ابن قتيبة: كل شيء أدخلته في شيء ليس منه فإنه وليجة. ٣١٩٩/٩ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قال حدَّثنا سُفْيَانُ عنِ الأعْمَشِ عنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيَّ عنْ أَبِيهِ عنْ أَبِي ذَرّ رضي الله تعالى عنهُ قال قال النَّبِيُّ عَِّ لِأَبِيَّ ذَرّ حِينَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ أَتَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ قُلْتُ الله ورسُولُهُ أَعْلَمُ قال فإِنَّهَا تَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ العَرْشِ فَتُسْتَأَذِنَ فَيُؤْذَنُ لَهَا ويُوشِكُ أنْ تَسْجُدَ فَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا وَتَسْتَأَذِنَ فَلاَ يُؤْذَنُ لَهَا يُقالُ لَها ازْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ فَتَطْلُعُ مِنْ مَغْرِبِهَ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَالشَّمُسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ [يس: ٣٨]. مطابقته للترجمة من حيث إن المذكور فيه من جملة صفات الشمس التي تعرض عليها، وزعم بعضهم أن وجه المطابقة هو سير الشمس في كل يوم وليلة، وليس ذلك بوجه، والدليل على وجه ما قلنا أن في بعض النسخ ذكر هذا: باب صفة الشمس، ثم ذكر الحديث المذكور، والألفاظ التي ذكرها من قوله: قال مجاهد: كحسبان الرحى، إلى هذا الحديث ليس بموجودة في بعض النسخ. ورجال هذا الحديث كلهم مضوا عن قريب، وإبراهيم التيمي عن أبيه يزيد - من الزيادة ابن شريك ابن طارق التيمي الكوفي، وهو يروي عن أبي ذر واسمه جندب بن جنادة، وقد اختلف في اسمه واسم أبيه اختلافاً كثيراً أشهرها ما ذكرناه. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في التفسير عن الحميدي وعن أبي نعيم وفي التوحيد عن عياش عن يحيى بن جعفر. وأخرجه مسلم في الإيمان عن أبي بكر بن أبي شيبة وعن أبي . كريب وعن إسحاق بن إبراهيم وأبي سعيد الأشج عن إسحاق ويحيى بن أيوب وعن عبد الحميد. وأخرجه أبو داود في الحروف عن عثمان والقواريري. وأخرجه الترمذي في الفتن وفي التفسير عن هناد. وأخرجه الترمذي في الفتن وفي التفسير عن هناد. وأخرجه النسائي في التفسير عن إسحاق بن إبراهيم. ذكر معناه: قوله: ((أتدري؟)) الغرض من هذا الاستفهام إعلامه بذلك. قوله: ((حتى تسجد تحت العرش))، فإن قلت: ما المراد بالسجود إذ لا جبهة لها، والانقياد حاصل دائماً؟ قلت: الغرض تشبيهها بالساجد عند الغروب. فإن قلت: يرى أنها تغيب في الأرض، وقد أخبر الله تعالى أنها تغرب في عين حمئة، فأين هي من العرش؟ قلت: الأرضون السبع في ضرب المثال كقطب الرحى، والعرش لعظم ذاته كالرحى، فأينما سجدت الشمس سجدت تحت العرش، وذلك مستقرها. فإن قلت: أصحاب الهيئة قالوا: الشمس مرصعة فى الفلك فإنه يقتضي أن الذي يسير هو الفلك، وظاهر الحديث أنها هي التي تسير وتجري؟ قلت: أما أولاً ١٦٤ ٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (٤) فلا اعتبار لقول أهل الهيئة عند مصادمة كلام الرسول، عَّهِ، وكلام الرسول، عَّ له، هو الحق لا مرية فيه، وكلامهم حدس وتخمين، ولا مانع في قدرة الله تعالى أن تخرج الشمس من مجراها وتذهب إلى تحت العرش فتسجد ثم ترجع. فإن قلت: قال الله تعالى: ﴿وكل في فلك يسبحون﴾ [الأنبياء: ٣٣، يس: ٤٠]. أي: يدورون. قلت: دوران الشمس في فلكها لا يستلزم منع سجودها في أي موضع أراده الله تعالى، وقال بعضهم: يحتمل أن يكون المراد بالسجود من هو موكل بها من الملائكة. قلت: هذا الاحتمال غير ناشىء عن دليل فلا يعتبر به، وهو أيضاً مخالف لظاهر الحديث، وعدول عن حقيقته، وقيل: المراد من قوله: تحت العرش، أي: تحت القهر والسلطان. قلت: لماذا الهروب من ظاهر الكلام وحقيقته؟ على أنا نقول: السموات والأرضون وغيرهما من جميع العالم تحت العرش، فإذا سجدت الشمس في أي موضع قدره الله تعالى يصح أن يقال: سجدت تحت العرش، وقال ابن العربي: وقد أنكر قوم سجود الشمس وهو صحيح ممكن. قلت: هؤلاء قوم من الملاحدة لأنهم أنكروا ما أخبر به النبي عَّه وثبت عنه بوجه صحيح: ولا مانع من قدرة الله تعالى أن يمكن كل شيء من الحيوان والجمادات أن يسجد له. قوله: ((فتستأذن))، يدل على أنها تعقل، وكذلك قوله: ((تسجد))، قال الكرماني: فإن قلت: فيم تستأذن؟ قلت: الظاهر أنه في الطلوع من المشرق، والله أعلم بحقيقة الحال. انتهى. قلت: لا حاجة إلى القيد بقوله: الظاهر، لأنه لا شك أن استئذانها هذا لأجل الطلوع من المشرق على عادتها، فيؤذن لها، ثم إذا قرب يوم القيامة تستأذن في ذلك فلا يؤذن لها كما في الحديث المذكور. قوله: ((ويوشك أن تسجد)) لفظ: يوشك، من أفعال المقاربة، وهي على أنواع: منها ما وضع للدلالة على قرب الخبر، وهو ثلاثة: كاد وكرب وأوشك، كما عرف في موضعه، فعلى هذا معنى: ويوشك أن تسجد، ويقرب أن تسجد، وقد علم أن أفعال المقاربة ملازمة لصيغة الماضي إلاَّ أربعة ألفاظ، فاستعمل لها مضارع منها: أوشك. قوله: ((فلا يقبل منها)) يعني: لا يؤذن لها حتى تسجد. قوله: ((وتستأذن فلا يؤذن لها))، يعني: تسْتأذن بالسير إلى مطلعها فلا يؤذن لها. فذلك قوله تعالى: ﴿والشمس تجري لمستقر لها﴾ [يس: ٤٣]. أشار بقوله، فذلك إلى ما تضمن قوله: فإنها تذهب إلى آخره. قوله: ((لمستقر لها)) يعني: إلى مستقر لها. قال ابن عباس: لا يبلغ مستقرها حتى ترجع إلى منازلها. قال قتادة: إلى وقت وأجل لها لا تعدوه، وقيل: إلى انتهاء أمرها عند انقضاء الدنيا، وقيل: إلى أبعد منازلها في الغروب، وقيل: لحد لها من مسيرها كل يوم في مرأى عيوننا وهو المغرب، وقيل: مستقرها أجلها الذي أقر الله عليه أمرها في جريها فاستقرت عليه، وهو آخر السنة. وعن ابن عباس: إنه قرأ ﴿لا مستقر لها﴾ وهي قراءة ابن مسعود، أي: لا قرار لها فهيٍ جارية أبداً ﴿ذلك﴾ [يس: ٤٣]. الجري على ذلك التقدير والحساب الدقيق الذي يكلَّ الفطن عن استخراجه وتتحير الأفهم في استنباط ما هو إلاَّ ﴿تقدير العزيز﴾ [يس: ٤٣]. ١٦٥ ٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (٤) الغالب بقدرته على كل مقدور ﴿العليم﴾ [يس: ٤٣]. المحيط علماً بكل معلوم، فإن قلت: روى مسلم عن أبي ذر قال: سألت رسول الله، عَ ليه عن قول الله تعالى: ﴿والشمس تجري لمستقر لها﴾ [يس: ٤٣]. قال: مستقرها تحت العرش. قلت: لا ينكر أن يكون لها استقرار تحت العرش من حيث لا ندركه ولا نشاهده، وإنما أخبر عن غيب فلا نكذبه ولا نكيفه إن علمنا لا يحيط به. ٣٢٠٠/١٠ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قال حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ الْمُخْتَارِ قال حدَّثنا عَبْدُ الفَتَّاحِ الدَّانَاجُ قال حدَّثني أبو سلَمَةَ بنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ عنِ النَّبِيِّ عَِّ قال الشَّمْسُ والقَمَرُ مُكَوَّرَانِ يَوْمَ القِيَامَةِ. مطابقته للترجمة ظاهرة، لأن تكور الشمس والقمر من صفاتهما. وعبد الله هو ابن فيروز الداناج، بالدال المهملة وتخفيف النون وفي آخره جيم، ويقال: بدون الجيم أيضاً، وهو معرب، ومعناه: العالم وهو بصري. قوله: ((مكوران)) أي: مطويان ذاهبا الضوء، وقال ابن الأثير: أي: يلفان ويجمعان، وفي رواية كعب الأحبار: يجاء بالشمس والقمر ثورين يكوران في النار يوم القيامة، أي: يلفان ويلقيان في النار، والرواية: ثورين، بالثاء المثلثة كأنهما يمسخان، وقال ابن الأثير: وقد روي بالنون وهو تصحيف، وقال الطبري بإسناده عن عكرمة عن ابن عباس: تكذيب كعب في قوله: هذه يهودية يريد إدخالها في الإسلام، الله أكرم وأجل من أن يعذب على طاعته، ألم تر إلى قوله تعالى: ﴿وسخر لكم الشمس والقمر دائبين﴾ [إبراهيم: ٣٣]. يعني: دوامهما في طاعته، فكيف يعذب عبدين أثنى الله عليهما؟ انتهى. قلت: قد روي عن أبي هريرة وأنس أيضاً مثل ما روي عن كعب. أما حديث أبي هريرة فقد قال الخطابي: وروي في هذا الحديث زيادة لم يذكرها أبو عبد الله الداناج: شهدت أبا سلمة، حدثنا أبو هريرة عن رسول الله، عَّ اله، أنه قال: ((إن الشمس والقمر ثوران يكوران في النار يوم القيامة)). قال الحسن: وما ذنبهما؟ قال أبو سلمة: أنا أحدثك عن رسول الله، عَّه وأنت تقول ما ذنبهما؟ فسكت الحسن. وأما ما روي عن أنس فقد رواه أبو داود الطيالسي في (مسنده): عن يزيد الرقاشي عن أنس مرفوعاً: (أن الشمس والقمر ثوران عقيران في النار)). وذكره أبو مسعود الدمشقي في بعض نسخ (أطرافه) موهماً أن ذلك في الصحيح، وذكر ابن وهب في (كتاب الأموال): عن عطاء بن يسار أنه تلا هذه الآية: وجمع ﴿الشمس والقمر﴾ [إبراهيم: ٣٣]. قال: يجمعان يوم القيامة ثم يقذفان في النار فيكونان في نار الله الكبرى، وقال الخطابي: ليس المراد بكونهما في النار، تعذيبهما بذلك، ولكنه تبكيت لمن لكان يعبدهما في الدنيا ليعلموا أن عبادتهم لهما كانت باطلة. وقيل: إنهما خلقا من النَّار فأعيدا فيها، ويرد هذا القول ما روي عن ابن مسعود مرفوعاً: ((تكلم ربنا بكلمتين صير إحداهما شمساً والأخرى قمراً وكلاهما من النور ويعادان يوم القيامة إلى الجنة)). وقال ١٦٦ ٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (٤) الإسماعيلي: لا يلزم من جعلهما في النار تعذيبهما، فإن لله في النار ملائكة وغيرها لتكون لأهل النار عذاباً وآلة من آلات العذاب. ٣٢٠١/١١ - حدَّثنا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قال حذَّثني ابنُ وَهْبٍ قال أخبرَني عَمْرٌو أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمنِ بنَ القاسِمِ قال حدَّثَهُ عنْ أبِيهِ عنْ عبْدِ الله بنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهُما أَنَّهُ كانَ يُخْبِرُ عَنِ النَّبِيِّ عَّه قال إنَّ الشَّمْسَ وِالقَمَرَ لاَ يَحْسِفَانِ لِمَوْتِ أحَدٍ ولا لِحَيَاتِهِ ولَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ الله فإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَصَلَّا. [انظر الحديث ١٠٤٢]. مطابقته للترجمة من حيث إن الكسوف الذي يعرض للشمس والخسوف الذي يعرض للقمر من صفاتهما. ويحيى بن سليمان بن يحيى أبو سعيد الجعفي الكوفي، سكن مصر ومات بها سنة سبع وثلاثين ومائتين، وهو من أفراده، وابن وهب هو عبد الله بن وهب المصري، وعمرو هو ابن الحارث المصري، وعبد الرحمن بن القاسم يروي عن أبيه القاسم بن محمد ابن أبي بكر الصديق، رضي الله تعالی عنه. وهذا الحديث قد مضى في أول أبواب الكسوف، فإنه أخرجه هناك: عن أصبغ عن ابن وهب إلى آخره نجوه، وقد مر الكلام فيه هناك. قوله: ((فصلوا)) أي: صلاة الكسوف. ٣٢٠٢/١٢ _ حدَّثنا إِسْمَاعِيلُ بنُ أبِي أُوَيْسٍ قال حدَّثني مالِكٌ عنْ زَيْدِ بنِ أَسْلَمَ عنْ عَطَاءِ بنِ يَسارٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ عِبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهُما قال قال النَّبِيُّ عَّهِ إِنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ آيَتانِ مِنْ آيَاتِ الله لاَّ يَخْسِفَانِ لِمَوْتٍ أَحَدٍ ولاَ لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأيْتُمْ ذَلِكَ فَاذْكُرُوا الله. [انظر الحديث ٢٩ وأطرافه]. مطابقته للترجمة مثل ما ذكرنا في الحديث السابق. والحديث مضى بأتم وأطول منه في: باب صلاة الكسوف، فإنه أخرجه هناك: عن عبد الله بن مسلمة عن مالك ... إلى آخره. ٣٢٠٣/١٣ _ حدَّثنا يَحْبَى بِنُ بُكَيْرٍ قال حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلِ عنِ ابنِ شِهَابٍ قال أَخْبَرَنِي عُزْوَةُ أنَّ عائِشَةَ رضي الله تعالى عنها أُخْبَرَتْهُ أنَّ رسولَ الله عَلَّهِ يَوْمَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ قامَ فَكَّبَرَ وقَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً ثُمَّ رَكَعَ ركُوعَاً طَوِيلاً ثُمَّ رَفَعَ رأسَهُ فقال سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ وقامَ كَمَا هُوَ فَقَرَأْ قِرَاءَةً طَوِيلَةً وهِيَ أَدْنَى مِنَ القِرَاءَةِ الأولى ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعاً طَوِيلاً وهْوَ أَدْنَى مِنَ الرَّكْعَةِ الأولى ثُمَّ سَجَدَ سُجُودَاً طَوِيلاً ثُمَّ فَعَلَ في الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ سلَّمَ وقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ فخَطَبَ النَّاسَ فقال في كُشوفِ الشَّمْسِ والقَمَرِ إِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آياتِ الله لاَ يَخْسِفَانِ لِمَوْتٍ أَحَدٍ ولاَ لِحَيَاتِهِ فإذَا رَأيْتُمُوهُمَا فَافْزَعُوا إلى الصَّلاةِ. [انظر الحديث ١٠٤٤ وأطرافه]. مطابقته للترجمة مثل مطابقة ما قبله. والحديث مضى في: باب هل يقول: كسفت الشمس أو خسفت؟ فإنه أخرجه هناك: عن سعيد بن عفير عن الليث ... إلى آخره نحوه. ١٦٧ ٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (٥) قوله: ((فافزعوا)) أي: التجئوا إلى الصلاة وذكر الله. ٣٢٠٤/١٤ _ حدَّثْنا مُحَمَّدُ بنُ الْمُثَنَّى قال حدَّثنا يَحْيِى عنْ إِسْمَاعِيلَ قال حدَّثني قَيْسٌ عنْ أَبِي مَسْعُود رضي الله تعالى عنهُ عنِ النَّبِيِّ عَّ ◌َلِّ قال الشَّمْسُ وِالقَمَرُ لاَ يَتْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أحَدٍ وَلاَ لِحَيَاتِهِ وَلَكِنَّهُمَا آيَتانِ مِنْ آيَاتِ الله فإذَا رَأيْتُمُوهُما فَصَلَّوا. [انظر الحديث ١٠٤١ وأطرافه]. مطابقته للترجمة ظاهرة، ويحيى هو ابن سعيد القطان، وإسماعيل هو ابن أبي خالد الأحمسي البجلي مولاهم الكوفي، وقيس بن أبي حازم واسمه: عوف الأحمسي البجلي، وأبو مسعود اسمه: عقبة بن عمرو البدري. وقال الكرماني: وفي بعضها ابن مسعود، أي: عبد الله، وهذا وإن كان صحيحاً من جهة أن قيس بن أبي حازم بالزاي يروي عنه أيضاً، لكن الروايات متعاضدة، على أن الحديث في مسانيد عقبة لا عبد الله. والحديث مضى في: باب لا ينكسف الشمس لموت أحد ولا لحياته، والله أعلم. ٥ - بابُ ما جاءَ في قَوْلِهِ تعالى ﴿وَهْوَ الَّذِي يُرسِلُ الرِّيَاحَ نُشُراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: ٥٧]. أي: هذا باب في بيان ما جاء ... إلى آخره. قاصِفاً تَقْصِفُ كُلَّ شَيْءٍ أشار به إلى تفسير لفظ: قاصفاً، في قوله تعالى: ﴿فيرسل عليكم قاصفاً من الريح﴾ [الإسراء: ٦٩]. وفسره بقوله: تقصف كل شيء، يعني تأتي عليه .. وقال أبو عبيدة: هي التي تقصف كل شيء أي: تحطم، وروى الطبري من طريق ابن جريج، قال: قال ابن عباس: القاصف التي تفرق، هكذا رواه منقطعاً، لأن ابن جريج لم يدرك ابن عباس. لَوَاقِحَ مَلاَقِحَ مُلْقِحَة أشار به إلى لفظ: لواقح، في قوله تعالى: ﴿وأرسلنا الرياح لواقح﴾ [الحج: ٢٢]. وفسر اللواقح بالملاقح جمع ملقحة، وهو من النوادر، يقال: ألقح الفحل الناقة والريح السحاب ورياح لواقح، وقال ابن السكيت: اللواقح الحوامل. وعن أبي عبيدة: الملاقح جمع ملقحة وملقح، مثل ما قال البخاري، وأنكره غيره، فقال: جمع لاقحة ولاقح على النسب، أي: ذات اللقاح، والعرب تقول للجنوب: لاقح وحامل، وللشمال حائل وعقيم. وقال ابن مسعود: لواقح تحمل الريح الماء فتلقح السحاب وتمر به فيدر كما تدر اللقحة ثم يمطر، وقال ابن عباس: تلقح الرياح والشجر والسحاب وتمر به، وقال عبد الله بن عمر: الرياح ثمانية: أربع عذاب وأربع رحمة، فالرحمة: الناشرات والذاريات والمرسلات والمبشرات، وأما العذاب: فالعاصف والقاصف، وهما في البحر - والصرصر والعقيم، وهما في البر. ١٦٨ ٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (٥) إِعْصَارٌ ريحٌ عاصفٌ تَهُبُّ مِنَ الأَرْضِ إلى السَّمَاءِ كعَمُودٍ فیهِ نَارٌ أشارَ بهذا إلى تفسير لفظ: إعصار، في قوله تعالى: ﴿فأصابها إعصار فيه نار﴾ [البقرة: ٢٦٦]. وعن ابن عباس: هي الريح الشديدة، وقيل: ريح عاصف فيها سموم، وقيل: هي التي يسميها الناس الزوبعة، وعن الضحاك: الإعصار ريح فيها برد شديد، والذي قاله البخاري أظهر لقوله تعالى: ﴿فيه نار﴾ [البقرة: ٢٦٦]. وهو تفسير أبي عبيدة. صِڑّ بَرْدٌ أشار به إلى تفسير لفظ: صر، في قوله تعالى: ﴿ريح فيها صر﴾ [آل عمران: ١١٧]. قال أبو عبيدة: الصر شدة البرد. تُشْراً مُتَفَرَّقَةً فسر: نشراً، الذي في قوله تعالى: ﴿وهو الذي يرسل الرياح نشراً بين يدي رحمته﴾ [ آل عمران: ١١]. الذي وصفه برحمة بقوله: متفرقة، وهو جمع نشور، وعن عاصم، كأنه جمع نشر، وعن محمد اليماني: هو المطر. ٣٢٠٥/١٥ _ حدَّثنا آدَمُ قال حدَّثنا شُغْبَةُ عنِ الحَكَمِ عنْ مُجَاهِدٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهُما عنِ النَّبِيِّ عَُّلَِّ قال نُصِرْتُ بالصَّبَا وَأُهْلِكَتْ عادٌ بالدَّبُورِ. [انظر الحديث ١٠٣٥ وطرفيه]. مطابقته للترجمة ظاهرة لأنه يتضمن ريح الرحمة. والحَكّم بفتحتين هو ابن عتيبة، والحديث مضى في الاستسقاء في: باب قول النبيَّ عَّهِ: نصرت بالصبا، فإنه أخرجه هناك: عن مسلم عن شعبة إلى آخره. ٣٢٠٦/١٦ - حدّثنا مَكّيُّ بنُ إِبْرَاهِيمَ قال حدَّثَنا ابنُ مجرَّيْجِ عنْ عطَاءٍ عنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها قَالَتْ كانَ النَّبِيُّ عَ ◌ّهِ إِذَا رأى مَخِيلَةً في الشَّماءِ أقْبَلَ وأدْبرَ ودَخَلَ وخَرَجَ وتَغَيَّرَ وجهُهُ فإذَا أَمْطَرَتِ السَّماءُ سُرِّيَ عنْهُ فَعرَّفَتْهُ عَائِشَةُ ذَلِكَ فقال النَّبِيُّ عَلِّ مَا أَدْرِي لَعَلَّهُ كما قال قَوْمٌ ﴿فَلَمَّا رَأوْهُ عارِضَاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾ [الأحقاف: ٢٤]. الآية. [الحديث ٣٢٠٦ - طرفه في: ٤٨٢٩]. مطابقته للترجمة من حيث إنه مشتمل على ذكر الريح والمطر الذي يأتي به الريح. ومكي بن إبراهيم بن بشر بن فرقد الحنظلي البلخي، ولفظ: مكي، على صورة النسبة، اسمه وليس هو منسوباً إلى مكة، وقد وهم الكرماني، فقال: مكي، نسبة إلى مكة وقال في موضع آخر: كالمنسوب إلى مكة: وابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج وعطاء هو ابن أبي رباح. والحديث أخرجه الترمذي في التفسير عن عبد الرحمن بن الأسود البصري. وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن يحيى بن أيوب المروزي. قوله: ((مخيلة)) بفتح الميم وكسر الخاء المعجمة وسكون الياء آخر الحروف، وهي: ١٦٩ ٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (٦) السحابة التي يخلل فيها المطر. قوله: ((وتغير وجهه)) خوفاً أن تصيب أمته عقوبة ذنب العامة كما أصاب الذين ﴿قالوا: هذا عارض ممطرنا﴾ [الأنفال: ٣٣]. الآية. فإن قلت: كيف يلتئم هذا مع قوله: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم﴾ [الأنفال: ٣٣]. قلت: الآية نزلت بعد هذه القصة، وهذه كرامة لرسول الله، عَّةٍ ورفع لدرجته حيث لا يعذب أمته وهو فيهم، ولا يعذبهم أيضاً وهم يستغفرون بعد ذهابه عّلّه، واستنبطت الصوفية من ذلك: أن الإيمان الذي في القلوب أيضاً يمنع من تعذيب أبدانهم كما كان وجوده فيهم مانعاً منه. قوله: ((فإذا أمطرت السماء)) قد مر الكلام في أمطر ومطر في: باب الاستسقاء، وفي رواية أبي ذر بدون الألف. قوله: ((سري عنه))، على صيغة المجهول أي: كشف عنه ما خالطه من الوجل، يقال: سررت الثوب وسريته إذا أخلقته، وسريت الجل عن الفرس إذا نزعته عنه، والتشديد للمبالغة. قوله: ((فعرفته عائشة)) من التعريف أي: عرفت النبي عَّما كان عرض له. قوله: ((عارضاً)) وهو السحاب الذي يعترض فى أفق السماء. ٦ - بابُ ذِكْرِ المَلاَئِكَةِ صَلَواتُ الله علَيْهِمْ أي: هذا باب في ذكر الملائكة، وهو جمع ملك، وقال ابن سيده: هو مخفف عن ملأك كالشمائل جمع شمأل وإلحاق التاء التأنيث الجمع وتركت الهمزة في المفرد للاستئقال. وقال القزاز: هو مأخوذ من الألوكة وهي الرسالة، وقيل: هو مأخوذ من الملك بفتح الميم وسكون اللام: وهو الأخذ بقوة، وقيل: من الملك، بالكسر لأن الله تعالى قد جعل لكل ملك ملكاً فملك ملك الموت قبض الأرواح، وملك إسرافيل الصور، وكذا سائرهم، ويفسد هذا قولهم: ملائكة بالهمزة ولا أصل له على هذا القول في الهمزة، وقد جاء الملك جمعاً كما في قوله تعالى: ﴿والملك على أرجائها﴾ [الحاقة: ١٧]. والملائكة أجسام لطيفة هوائية تقدر على التشكل بأشكال مختلفة مسكنها السموات ويقال جوهر بسيط ذو نطق وعقل مقدس عن ظلمة الشهوة وكدورة الغضب ﴿ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون﴾ [التحريم: ٦]. طعامهم التسبيح وشرابهم التقديس وأنسهم بذكر الله تعالى خلقوا على صور مختلفة وأقدار متفاوتة لإصلاح مصنوعاته وإسكان سمواته. وقالَ أنسٌ: قال عبدُ الله بنُ سَلاَمٍ لِلنَّبِيِّ عَّهِ: إِن جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ عَدُوُّ اليَهُودِ مِنَ المَلائِكَةِ هذا التعليق قطعة من حديث وصله البخاري في كتاب الهجرة عن محمد بن سلام عن مروان بن معاوية عن حميد عن أنس، وسيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى. وقالَ ابنُ عبّاسٍ إِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ المَلائِكَةُ هذا التعليق رواه الطبراني مرفوعاً عن عائشة بلفظ: ما في السماء الدنيا موضع قدم إلاّ عليه ملك ساجد أو قائم، فذلك قوله: ﴿وإنا لنحن الصافون﴾ [الصافات: ١٦٥]. وروى أيضاً عن محمد بن سعد حدثني أبي قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي عن أبيه عن ابن ١٧٠ ٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (٦) عباس بزيادة: الملائكة صافون تسبح لله، عز وجل. ١٧/ ٣٢٠٧ - حدثنا هُذْبَةُ بنُ خَالِدٍ قال حدَّثنَا هَمَّامٌ عنْ قَتَادَةَ ح وقال لي خلِيفَةُ قال حدَّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعِ قال حدَّثنا سَعيدٌ وهِشامٌ قالا حدَّثْنَا قتَادَةُ قال حدَّثنا أنَسُ بنُّ مالِكِ عنْ مالِكِ بنِ صَعْصَعَةَ رضي الله تعالى عنهُما قال قال النَّبيُّ عَّ لَه بَيْنَا أَنَا عِنْدَ البَيْتِ بَيْنَ النَّائِمِ واليَقْظَانِ وذَكَرَ يَغْنِي رَجُلاً بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ فَأَتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُلِىءَ حِكْمَةٌ وإيماناً فَشُقَّ مِنَ النَّحْرِ إِلى مَرَاقٌ الْبَطْنِ ثُمَّ غُِلَ البَطْنُ بِاءٍ زَمْزَمَ ثُمَّ مُلِىءَ حِكْمَةٌ وإيماناً وَأَتِيتُ بِدَايَّةٍ أَبْيضَ دُونَ البَعْلِ وفَوْقَ الحِمارِ البُرَاقُ فَانْطَلَقْتُ مَعَ جِبْرِيلَ حتَّى أَتَيْنَا السَّماءَ الدُّنْيَا قِيلَ مَنْ هَذَا قال جِبْرِيلُ قِيلَ ومَنْ مَعَكَ قِيلَ مُحَمَّدٌ قِيلَ وَقَدْ أَرْسِلَ إِلَيْهِ قال نَعَمْ قِيلَ مَرْحَبَاً ولَنِعْمَ الْمَجِيءُ جاءَ فَأَتَبْتُ على آدَمَ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فقال مَرْحَبَاً بِكَ مِنْ ابنٍ ونَبِيّ فَأَتَيْنَا السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ قِيلَ مَنْ هَذَا قالْ جِبْرِيلُ قِيلَ مَنْ مَعَكَ قال مُحَمَّدٌ عَّهِ قِيلَ أَرْسِلَ إِلَيْهِ قال نَعَمْ قِيلَ مَرْحَباً بِهِ ولَنِعْمَ المَجِيءُ جاءَ فَأَتَيْتُ عَلَى عِيسَى وَيَحْيَى فقالاً مَرْحَبَاً بِكَ مِنْ أخٍ ونَبِيّ فَأَتَّيْنَا السَّمَاءَ الثَّالِثَةَ قِيلَ مَنْ هذَا قِيلَ جِبريلُ قِيلَ مَنْ مَعَكَ قالَ مُحَمَّدٌ قِيلَ وَقَدْ أَرْسِلَ إِلَيْهِ قال نَعَمْ قِيلَ مَوْحَبَاً بِهِ ولَنِعْمَ المُجِيءُ جاءَ فَأَتَيْتُ يُوسُفَ فسَلَّمْتُ عَلَيْهِ قال مَرْحَباً بِكَ مِنْ أَخِ ونَبِيّ فَأَتَيْنَا السَّماءَ الرَّابِعَةَ قِيلَ مَنْ هُذَا قِيلَ جِبْرِيلُ قِيلَ مَنْ مَعَكَ قِيلَ مُحَمَّدٌ عَّهِ قِيلَ وَقَدْ أَرْسِلَ إِلَيْهِ قَالَ نَعَمْ قِيلَ مَرْحَبَاً بِهِ وَنِعْمَ الْمَجِيءُ جاءَ فَأَتَيْتُ علَى إذْرِيسَ فسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فقال مَرْحَباً بِكَ مِنْ أَخ ونَبِيّ فَأَتَيْنَا السَّماءَ الخَامِسَةَ قِيلَ مَنْ لهذَا قال جِبْرِيلُ قِيل ومنْ معَكَ قِيلَ مُحَمَّدٌ قِيلَ وقدْ أُوْسِلَ إِلَّيْهِ قال نَعَمْ فِيلَ مَرْحَباً بِهِ ولَنِعْمَ المَجِيءُ جاءَ فَأَتَيْنَا عَلَى هَرُونَ فَسلَّمْتُ عَلَيْهِ فقال مَرْحَباً بِكَ مِنْ أَخِ ونَبِيّ فَأَتَيْنَا عَلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ قِيلَ مَنْ لهَذَا قِيلَ جِبرِيلُ قِيلَ مَنْ معَكَ قِيلَ مُحَمَّدٌ عَِّلَّ قِيلُ وقَدْ أَرْسِلَ إِلَيْهِ مَرْحَباً بِهِ وَلَنِعْمَ المَجِيءُ جاءَ فَأَتَيْتُ عَلَى مُوسى فسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فقال مَرْحَباً بِكَ مِنْ أَخ ونَبِيّ فِلَمَّا جاوَزْتُ بَكَى فَقيلَ ما أَبْكاكَ قال يا رَبِّ لهذَا الغُلامُ الَّذِي بُعِثَ بَعْدِي يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِهِ أَفْضَلُ مِمَّا يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِي فَأَتَيْنَا السَّماءَ السَّابِعَةَ قِيلَ مَنْ هذَا قال جِبْرِيلُ قِيلَ مَنْ مَعكَ قِيلَ مُحَمَّدٌ قِيلَ وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ مَوْحَباً بِهِ ونِعْمَ الْمَجِيءُ جاءَ فَأَتَيْثُ علَى إبرَاهِيمَ فسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فقال مَرْحَباً بِكَ مِنِ ابْنٍ ونَبِيّ فَرُفِعَ لِيَ البَيْتُ المَعْمُورُ فسألْتُ جِبْرِيلَ فقال هَذا الْبَيْتُ المَعْمُورُ يُصَلِّي فِيهِ كَلَّ يَوْمِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ إِذَا خَرَجُوا لَمْ يَعُودُوا إِلَيْهِ آخِرَ ما عَلَيْهِمْ وَرُفِعَتْ لِيَ سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى فَإِذَا نَبِّقُها كأنَّهُ قِلاَلُ هَجَرٍ ووَرَقُها كأنَّهُ آذَانُ الْفُيُولِ في أَصْلِهَا أَرْبَعةُ أَنْهَارٍ نَهْرَانِ بَاطِنَانِ ونَهْرَانِ ظاهِرَانِ فسألْتُ جِبْرِيلَ فقال أمَّا الباطِنَانِ فَفي الجَنَّةِ وأمَّا الّاهِرَانِ النِّيلُ وَالْفُرَاتُ ثُمَّ فُرِضَتْ عَلَيَّ خَمْسُونَ صَلاَةٌ فَأَقْبَلْتُ حتَّى جِئْتُ مُوسَى فقال ما عَنَعْتَ قُلْتُ فُرِضَتْ عَلَيَّ خَمْسُونَ صَلاَةً قال أنا أعْلَمُ بالنَّاسِ مِنْكَ عالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ المُعَالَجَةِ وإِنَّ أُمَّتَكَ لاَ تُطِيقُ فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسَلْهُ فَرَجَعْتُ فَسَألْتُهُ فَجْعَلَهَا أَرْبَعِينَ ثُمَّ مِثْلَهُ ثُمَّ ثَلاثِينَ ثُمَّ مِثْلَهُ فَجَعَلَ عِشْرِينَ ثُمَّ مِثْلَهُ فَجَعَلَ عَشْرَاً فَأَتَيْثُ مُوسَى فقالَ مِثْلَهُ فَجَعَلَهَا خَمْساً فَأَتَيْتُ مُوسَى فقال ما صَنَعْتَ قُلْتُ جَعَلَها خَمْسَاً فَقالَ مِثْلَهُ قُلْتُ سَلَّمْتُ بِخَيْرٍ فَنُودِيَ إِنِّي قَدْ أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي وخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي وَأَجْزِي الحَسَنَةَ عَشْرَاً. ١٧١ ٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (٦) مطابقته للترجمة ظاهرة، لأن فيه ذكر جبريل صريحاً وهو من الكروبيين وهم سادة الملائكة. ذكر رجاله: وهم تسعة: الأول: هدية، بضم الهاء وسكون الدال وبالباء الموحدة: ابن خالد بن أبي الأسود القيسي البصري، ويقال: هداب. الثاني: همام بن يحيى بن دينار العوذي، بفتح العين المهملة وسكون الواو وبالذال المعجمة. الثالث: قتادة بن دعامة. الرابع: خليفة بن خياط أبو عمرو العصفري. الخامس: يزيد بن زريع أبو معاوية العيشي البصري. السادس: سعيد بن أبي عروبة واسمه مهران اليشكري. السابع: هشام بن أبي عبد الله الدستوائي. الثامن: أنس بن مالك، رضي الله تعالى عنه. التاسع: مالك بن صعصعة الأنصاري، رضي الله تعالى عنه. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري مقطعاً في أربعة مواضع بعضها في بدء الخلق عن هدية وخليفة، وبعضها في الأنبياء عن هدية أيضاً وفي بعض النسخ عن عباد بن أبي يعلى. وأخرجه مسلم في الإيمان عن أبي موسى عن ابن أبي عدي وعن أبي موسى عن معاذ. وأخرجه الترمذي في التفسير عن محمد بن بشار وابن أبي عدي. وأخرجه النسائي في الصلاة عن يعقوب بن إبراهيم الدورقي وعن إسماعيل بن مسعود وغيرهم. ذكر معناه: قوله: ((عن قتادة (ح) وقال لي خليفة)) كلمة (ح) إشارة إلى التحويل من إسناد إلى آخر قبل ذكر الحديث، وقيل إلى الحائل بين السندين، وإنما قال: قال لي خليفة، ولم يقل: حدثني، إشعاراً بأنه سمع منه عند المذاكرة لا على طريق التحميل والتبليغ. قوله: ((عند البيت))، أي: الكعبة. وقد مر في أول كتاب الصلاة في رواية أبي ذر أنه قال: فرج عن سقف بيتي، والتوفيق بينهما هو أن الأصح كان له عَّلَّه معراجان، أو دخل بيته ثم عرج بين النائم واليقظان، وظاهر حديث أبي ذر الذي مضى في أول كتاب الصلاة: أنه كان في اليقظة إذ هو مطلق الإطلاق، وهو المطابق لما في (مسند أحمد) عن ابن عباس: أنه كان في اليقظة رآه بعينه، والتوفيق بينهما بأن يقال: إن كان الإسراء مرتين أو أكثر فلا إشكال فيه، وإن كان واحداً فالحق أنه كان في اليقظة بجسده، لأنه قد أنكرته قريش، وإنما ينكر إن كان في اليقظة، إذ الرؤيا لا تنكر ولو بأبعد منه. وقال القاضي عياض: اختلفوا في الإسراء إلى السموات، فقيل: إنه في المنام، والحق الذي عليه الجمهور أنه أسري بجسده. قلت: اختلفوا فيه على ثلاث مقالات: فذهبت طائفة إلى أنه كان في المنام مع اتفاقهم أن رؤيا الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، وحي وحق وإلى هذا ذهب معاوية. وحكي عن الحسن، والمشهور عنه خلافه، واحتجوا في ذلك بما روي عن عائشة، رضي الله تعالى عنها، ما فقد جسد رسول الله، عَّلّه، وبقوله: بينا أنا نائم، وبقول أنس: وهو نائم في المسجد الحرام، وذكر القصة، وقال في آخرها: فاستيقظت وأنا بالمسجد الحرام. وذهب معظم السلف إلى أنه كان بجسده وفي اليقظة، وهذا در الحق، وهو قول ابن عباس فيما صححه الحاكم وعدد في (الشفاء) عشرين نفساً قال بذلك من الصحابة والتابعين ١٧٢ ٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (٦) وأتباعهم، وهو قول أكثر المتأخرين من الفقهاء والمحدثين والمفسرين والمتكلمين. وذهبت طائفة إلى أن الإسراء بالجسد يقظة إلى بيت المقدس وإلى السماء بالروح، والصحيح أنه أسري بالجسد والروح في القصة كلها، وعليه يدل قوله تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده﴾ [الإسراء: ١]. إذ لو كان مناماً لقال: بعبده، ولا يعدل عن الظاهر والحقيقة إلى التأويل إلاّ عند الاستحالة، وليس في الإسراء بجسده وحال يقظته استحالة، وقال ابن عباس: هي رؤيا عين رآها لا رؤيا منام. وأما قول عائشة: ما فقد جسده، فلم يحدث عن مشاهدة لأنها لم تكن حينئذ زوجة ولا في سن من يضبط، ولعلها لم تكن ولدت، فإذا كان كذلك تكون قد حدثت بذلك عن غيرها، فلا يرجح خبرها على خبر غيرها، وقال الحافظ عبد الحق في (الجمع بين الصحيحين): وما روى شريك عن أنس أنه كان نائماً، فهو زيادة مجهولة، وقد روى الحفاظ المتقنون والأئمة المشهورون كابن شهاب وثابت البناني وقتادة عن أنس، ولم يأت أحد منهم بها، وشريك ليس بالحافظ عند أهل الحديث. قوله: ((وذكر)) أي: رسول الله، عَّهِ. قوله: ((فأتايت)) على صيغة المجهول، قوله: ((بطست)) الطست مؤنثة وجمعها طسوس وجاء بكسر الطاء، ويقال: طس بتشديد السين. قوله: ((ملىء)) على صيغة المجهول من الماضي والتذكير باعتبار الإناء، وفي رواية الكشميهني: ملآى، وفي رواية غيره: ملآن، فالحاصل أن فيه ثلاث روايات. قوله: ((حكمة وإيماناً)) قال الكرماني: هما معنيان، والإفراغ صفة الأجسام. قلت: كان في الطست شيء يحصل به كمال الإيمان والحكمة وزيادتهما، فسمي إيماناً وحكمة، لكونه سبباً لهما. وقال الطيبي: لعله من باب التمثيل أو تمثل له المعاني كما تمثل له أرواح الأنبياء الدارجة بالصور التي كانوا عليها. قوله: ((فشق من النحر إلى مراق البطن)) النحر الصدر ومراق، بفتح الميم وتخفيف الراء وتشديد القاف: وهو ما سفل من البطن ورق من جلده، وأصله مراقق، وسميت بذلك لأنها موضع رقة الجلد، وقال الطيبي: ما ذكر من شق الصدر واستخراج القلب وما يجري مجراه، فإن السبيل في ذلك التسليم دون التعرض بصرفه إلى وجه يتقوله متكلف ادعاء للتوفيق بين المنقول والمعقول تبروءاً مما يتوهم أنه محال، ونحن بحمد الله لا نرى العدول عن الحقيقة إلى المجاز في خبر الصادق عن الأمر المحال به على القدرة. واعلم أن هذا الشق غير الشق الذي كان في زمن صغره، فعلم أن الشق كان مرتين. قوله: ((وأتيت بدابة أبيض)) إنماقال: أبيض، ولم يقل: بيضاء، لأنه أعاده على المعنى أي: بمركوب أو براق. قوله: ((البراق)) مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هو براق، ويجوز بالجر على أنه بدل من دابة، والبراق اسم الدابة التي ركبها عَّ تلك الليلة. وقال ابن دريد: اشتقاقه من البرق، إن شاء الله، لسرعته. وقيل: سمي به لشدة صفائه وتلألؤ لونه، ويقال: شاة برقاء إذا كان خلال صوفها طاقات سود، فيحتمل التسمية به لكونه ذا لونين، وذكر ابن أبي خالد في كتاب (الاحتفال في أسماء الخيل وصفاتها): أن البراق ليس بذكر ولا أنثى، ووجهه كوجه الإنسان وجسده كجسد الفرس، وقوائمه كقوائم الثور، وذنبه كذنب الغزال، وقال ابن ١٧٣٠ ٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (٦) إسحاق: البراق دابة أبيض وفي فخذيه جناحان يحفز بهما رجليه، يضع حافره في منتهى طرفه، وقال الزبيدي في (مختصر العين) وصاحب (التحرير): هي دابة كانت الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، يركبونها. وقال الطيبي: وهذا الذي قالاه يحتاج إلى نقل صحيح، ثم قال: لعلهم حسبوا ذلك في قوله في حديث آخر: فربطته بالحلقة التي تربط بها الأنبياء البراق، وأظهر منه حديث أنس في حديث آخر: قول جبريل، عليه الصلاة والسلام، للبراق: فما ركبك أحد أكرم على الله منه. وعن قتادة: أن رسول الله، عَ لّه لما أراد الركوب على البراق شمس فوضع جبريل، عليه الصلاة والسلام، يده على مفرقته ثم قال: ألاَ تَسْتَحي يا براق مما تصنع؟ فوالله ما ركبك عبد لله قبل محمد أكرم على الله منه. قال: فاستحيى حتى ارفضَّ عرقاً، ثم قر حتى ركبه. وقال ابن بطال في سبب نفرة البراق بعد عهد بالأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، وطول الفترة بين عيسى ومحمد، عليهما الصلاة والسلام. وقال غيره: قال جبريل، عليه الصلاة والسلام لمحمد عَّ له حين شمس به البراق: لعلك يا محمد مسست الصفراء اليوم - يعني: الذهب - فأخبر النبي عَ ◌ّ أنه ما مسها إلاَّ أنه مر بها، فقال: تباً لمن يعبدك من دون الله، وما شمس إلاَّ لذلك، ذكره السهيلي. وسمع العبد الضعيف من بعض مشايخه الثقات أنه إنما شمس ليعد له الرسول عَ ليه بالركوب عليه يوم القيامة، فلما وعد له ذلك قر. وفي (صحيح ابن حبان): أن جبرائيل، عليه الصلاة والسلام، حمله عَّ له على البراق رديفاً له ثم رجعا ولم يصل فيه أي: في بيت المقدس، ولو صلى لكانت سنة، وهو من أظرف ما يستدل به على الإرداف. وفي حديث أنس وغيره أنه صلى، وأنكر ذلك حذيفة، وقال: والله ما زالا عن ظهر البراق حتى رجعا. وأخرج البيهقي حديث الإسراء من حديث شداد بن أوس وفيه: أنه صلى تلك الليلة ببيت لحم. قوله: ((حتى أتينا السماء الدنيا)) لم يذكر فيه مجيئه إلى القدس، وقد قال الله تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده﴾ [الإسراء: ١]. الآية، ذكر أهل السير، والمفسرون أنه لما ركب البراق أتى إلى بيت المقدس، ومعه جبريل، عليه الصلاة والسلام، ولما فرغ أمره فيه نصب له المعراج، وهو السلم، فصعد فيه إلى السماء ولم يكن الصعود على البراق كما يتوهمه بعض الناس، بل كان البراق مربوطاً على باب مسجد بيت المقدس حتى يرجع عليه إلى مكة. قوله: ((قيل من هذا؟» وفي رواية أبي ذر التي مضت في أول الكتاب: فلما جئت إلى السماء الدنيا قال جبريل لخازن السماء: إفتح، فهذا يدل على أن السموات أبواباً وحفظة موكلين بها. وفيه: إثبات الإستيذان وأنه ينبغي أن يقول: أنا زيد، مثلاً. قوله: ((قال: جبريل)) يعني: قال: أنا جبريل. قوله: ((قال: محمد)) أي: قال جبريل: معي محمد، والظاهر أن القائل في قوله: قيل، وفي رواية أخرى: وقد بعث إليه للإسراء وصعود السموات؟ قال الطيبي: وليس مراده الاستفهام عن أصل البعثة والرسالة، فإن ذلك لا يخفى عليه إلى هذه المدة، هذا هو الصحيح، وقيل: معناه أوحى إليه وبعث نبياً والأول ١٧٤ ٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (٦) أظهر، لأن أمر نبوته كان مشهوراً في الملكوت لا يكاد يخفى على خزان السموات وحراسها، وأوقف للاستفتاح والإستيذان، وقيل: كان سؤالهم للاستعجاب بما أنعم الله عليه، أو للاستبشار بعروجه، إذ كان من البيّ أن أحداً من البشر لا يترقى إلى أسباب السموات من غير أن يأذن الله له، ويأمر ملائكته بإصعاده وأن جبريل، عليه الصلاة والسلام، لا يصعد بمن لا يرسل إليه ولا يفتح له أبواب السماء. قوله: ((مرحبا به)) أي: بمحمد، ومعناه لقي رحباً وسعة. وقيل: معناه رحب الله به مرحباً فجعل، مرحباً موضع الترحيب، فعلى الأول انتصابه على المفعولية، وعلى الثاني: على المصدرية. قوله: ((ولنعم المجيء جاء)) المخصوص بالمدح محذوف، وفيه تقديم وتأخير، تقديره: جاء فلنعم المجيء مجيئه. قال المالكي: فيه: شاهد على الاستغناء بالصلة عن الموصول والصفة عن الموصوف في باب: نعم، لأنها تحتاج إلى فاعل هو المجيء وإلى مخصوص بمعناها، وهو مبتدأ مخبر عنه بنعم وفاعلها، وهو في هذا الكلام وشبهه موصول أو موصوف بجاء، والتقدير: نعم المجيء الذي جاء، أو: نعم المجيء جاء، وكونه موصولاً أجود لأنه مخبر عنه، وكون المخبر عنه معرفة أولى من كونه نكرة. قوله: ((فأتيت على آدم فسلمت عليه))، وفي رواية: وأمر بالتسليم عليهم أي: على الأنبياء الذين لقيهم في السموات وعلى خزان السموات وحراسها، لأنه كان عابراً عليهم، وكان في حكم القيام وكانوا في حكم القعود، والقائم يسلم على القاعد، وإن كان أفضل منه. قوله: من ابن ونبي كل واحد من البنوة والنبوة ظاهر، وهو من قوله: ((هذا)) إلى قوله: فرفع لي كله ظاهر إلاَّ بعض الألفاظ نفسرها، فقوله: ((فأتيت على إدريس)) وكان في السماء الرابعة. قيل: هذا معنى قوله: ﴿ورفعناه مكاناً علياً﴾ [مريم: ٥٧]. قاله أبو سعيد الخدري، رضي الله تعالى عنه، وقيل: رفعناه في المنزلة والرتبة، وقيل: المراد من قوله: ﴿ورفعناه مكاناً عليا﴾ [مريم: ٥٧]. الجنة. فإن قلت: إذا كان في الجنة فكيف لقيه في السماء الرابعة؟ قلت: قيل: إنه لما أخبر بعروجه، عَّلَّه، إلى السموات وما فوقها استأذن ربه في ملاقاته، فاستقبله فكان اجتماعه به في السماء الرابعة اتفاقاً لا قصداً. قوله: ((مرحباً من أخ ونبي)). فإن قلت: كيف قال إدريس، عليه الصلاة والسلام: من أخ، وهو جد لنوح، عليه الصلاة والسلام، فكان المناسب أن يقول: من ابن. قلت: لعله قاله تلطفاً وتأدباً والأنبياء أخوة. قوله: ((فلما جاوزت بكى))، قالوا: كان بكاؤه عَّ له لأجل الرقة لقومه والشفقة عليهم حيث لمٍ ينتفعوا بمتابعته انتفاع هذه الأمة بمتابعة نبيهم، ولم يبلغ سوادهم مبلغ سوادهم، ولا ينبغي إلاّ أن يحمل على هذا الوجه أو ما يضاهي ذلك، فإن الحسد في ذلك العالم منزوع عن عوام المؤمنين، فضلاً عمن اختاره الله لرسالته واصطفاه لمكالمته. قوله: ((يا رب هذا الغلام))، لم يرد موسى، عليه الصلاة والسلام، بذلك استقصار شأنه، فإن الغلام قد يطلق ويراد به القوي الطري الشاب، والمراد منه استقصار مدته مع استكثار فضائله وأمته أتم سواداً من أمته. وقال الخطابي. قوله: ((الغلام))، ليس على معنى الإزراء والاستصغار لشأنه إنما هو على تعظيم منة الله تعالى عليه مما أناله من النعمة وأتحفه من الكرائم من غير طول عمر أفناه ١٧٥ ٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (٦) مجتهداً في طاعته وقد تسمي العرب الرجل المستجمع السن غلاماً ما دام فيه بقية من القوة، وذلك في لغتهم مشهورة. قوله: ((فأتيت على إبراهيم عليه الصلاة والسلام))، هذا في السماء السابعة، وذكر في حديث أبي ذر في أول كتاب الصلاة أنه في السادسة، قيل: في التوفيق بينهما: بأن قال: لعله وجد في السادسة ثم ارتقى هو أيضاً إلى السابعة، وكذلك اختلف في موسى عَّله: هل هو في السادسة أو السابعة؟ والكلام فيه مثل ما مر الآن. قوله: (فرفع لي البيت المعمور)) أي: كشف لي وقرب مني، والرفع التقريب والعرض، وقال التوربشتي: الرفع تقريبك الشيء. وقد قيل في قوله: ﴿وفرش مرفوعة﴾ [الواقعة: ٣٤]. أي: مقربة لهم، وكأنه أراد أن البيت المعمور ظهر له كل الظهور، وكذلك سدرة المنتهى استبينت له كل الاستبانة حتى اطلع عليها كل الاطلاع، بمثابة الشيء المقرب إليه، وفي معناه: رفع لي بيت المقدس، والبيت المعمور بيت في السماء حيال الكعبة، اسمه: الضراح، بضم الضاد المعجمة وتخفيف الراء وبالحاء المهملة، وعمرانه كثرة غاشيته من الملائكة. قوله: ((لم يعودوا))، ويروى: لم يعتدوا. قوله: ((آخر ما عليهم))، بالرفع والنصب، فالنصب على الظرف، والرفع على تقدير: ذلك آخر ما عليهم من دخوله. قال صاحب (المطالع): الرفع أجود. قوله: ((ورفعت لي سدرة المنتهى)) قد ذكرنا الآن معنى الرفع، ويروى: السدرة المنتهى بالألف واللام، والسدرة شجرة النبق، وسميت بها لأن علم الملائكة ينتهى إليها ولم يجاوزها أحد إلاَّ رسول الله، عَ له، وحكي عن عبد الله بن مسعود، رضي الله تعالى عنه: إنما سميت بذلك لكونها ينتهي إليها ما يهبط من فوقها وما يصعد من تحتها من أمر الله تعالى. قوله: ((فإذا نبقها)) كلمة: إذا، للمفاجأة، و: النبق، بفتح النون وكسر الباء: حمل السدر، ويخفف أيضاً، الواحدة نبقة ونبقة. قوله: ((قلال هجر))، القلال جمع قلة، وقال ابن التين: القلة مائتا رطل وخمسون رطلاً بالرطل البغدادي، والأصح عند الشافعية خمسمائة رطل، وقال الخطابي: القلال الجرار، وهي معروفة عند المخاطبين معلومة القدر، وقال ابن فارس: القلة ما أقله الإنسان من جرة أو جب، قال: وليس في ذلك عند أهل اللغة حد محدود إلاَّ أن يأتي في الحديث تفسير فيجب أن يسلم، وعبارة الهروي: القلة: ما يأخذ مزادة من الماء، سميت بذلك لأنها تقل أي: ترفع، و: هجر، بفتح الهاء والجيم وفي آخره راء: بلدة لا تنصرف للتعريف والتأنيث، وفي (المطالع): هجر مدينة باليمن هي قاعدة البحرين بينها وبين البحرين عشر مراحل، ويقال: الهجر، أيضاً بالألف واللام. قوله: ((كأذان الفيول)) وهو جمع: فيل، وهو الحيوان المعروف. قوله: ((أنهار))، جمع نهر بسكون الهاء وفتحها. قوله: ((نهران باطنان)) قال مقاتل: هما السلسبيل والكوثر. قوله: ((ونهران ظاهران)) وقد بينهما في الحديث بقوله: النيل والفرات يخرجان من أصلها ثم يسيران حيث أراد الله تعالى، ثم يخرجان من الأرض ویجریان فيها. وعن ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما: إن جميع المياه من تحت صخرة بيت ١٧٦ ٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (٦) المقدس ومن هناك يتفرق في الدنيا. أما النيل: فمبدؤه من جبال القمر، بضم القاف وسكون الميم، وقيل: بفتح الميم، تشبيهاً بالقمر في بياضه، وقيل: ينبع من اثني عشر عيناً هناك، ويجري في ثلاثة أشهر في القفار وثلاثة أشهر في العمران إلى أن يجيء إلى مصر فيفترق فرقتين عند قرية يقال لها: شطنوف، فيمر الغربي منه على رشيد وينصب في البحر الملح، وأما الشرقي فيفترق أيضاً فرقتين عند جوجر فيفترق فرقتين أيضاً فتمر الغربية منهما على دمياط من غربيها، وينصب في البحر الملح، والشرقية منهما تمر على أشمون طناح فينصب هناك في بحيرة شرقي دمياط يقال لها بحيرة تنيس وبحيرة دمياط. وأما الفرات: فأصله من أطراف أرمينية قريب من قاليقلا، ثم يمر على بلاد الروم ثم يمر بأرض ملطية ثم على شمشاط وقلعة الروم والبيرة وجسر منيح وبالس وجعبر والرقة والرحبة وقرقيسا وعانات والحديثة وهيت والأنبار ثم يمر بالطفوف ثم بالحلة ثم بالكوفة وينتهي إلى البطائح وينصب في البحر الشرقي. قالوا: ومقدار جريانها على وجه الأرض أربعمائة فرسخ. قوله: ((عالجت بني إسرائيل)) أي: مارستهم ولقيت منهم الشدة فيما أردت منهم من الطاعة، والمعالجة مثل المزاولة والمجادلة. قوله: ((فسله))، أصله فاسأله، لأنه أمر من السؤال، فنقلت حركة الهمزة إلى السين فحذفت تخفيفاً واستغنى عن همزة الوصل فحذفت فصار: فسله، على وزن: فله، قوله: ((فارجع إلى ربك))، أي: إلى الموضع الذي ناجيت ربك فيه. قوله: ((فرجعت)) أي: إلى موضع مناجاتي. قوله: ((فسألته)) أي: فسألت الله التخفيف. قوله: ((فجعلها)) أي: فجعل الفريضة التي قدرها أربعين صلاة. قوله: ((ثم مثله))، أي: ثم قال موسى عَّلِ مثله، قوله: ((ثم ثلاثين))، أي: ثم جعلها ثلاثين صلاة. قوله: ((ثم مثله))، أي: ثم قال موسى عَّلِ مثله. قوله: ((فجعله عشرين))، أي: عشرين صلاة. قوله: ((ثم مثله))، أي: ثم قال موسى عَّهِ مثله. قوله: ((فجعل عشراً))، أي: عشر صلوات. قوله: ((فأتيت موسى عٍَّ)) أي: في الموضع الذي لقيته فيه، فقال موسى أيضاً مثله، قوله: ((فجعلها خمساً)) أي: خمس صلوات. قوله: ((فقال: ما صنعت؟)) أي: فقال موسى عَُّلّ: ماذا صنعت فيما رجعت؟ وهذه هي المراجعة الأخيرة. قوله: ((قلت: جعلها خمساً) أي: خمس صلوات. قوله: ((فقال: سلمت بخير)) أي: فقال النبي عَّ لموسى عَّ له: سلمت، بتشديد اللام من التسليم يعني: سلمت له ما جعله من خمس صلوات، فلم يبق لي مراجعة لأني استحييت من ربي، كما مضى في حديث أبي ذر في أول كتاب الصلاة من قوله: ((إرجع إلى ربك. قلت: استحييت من ربي)) يعني: من تعدد المراجعة. قوله: ((فنودي))، أي: فجاء النداء من قبل الله تعالى: ((إني قد أمضيت فريضتي)) أي: أنفذت فريضتي بخمس صلوات وخففت عن عبادي من خمسين إلى خمس، وأجزي الحسنة عشراً فيحصل ثواب خمسين صلاة لكل صلاة ثواب عشر صلوات. فإن قلت: كيف جازت هذه المراجعة في باب الصلاة من رسولنا محمد وموسى، عليهما الصلاة والسلام؟ قلت: لأنهما عرفا أن الأمر الأول غير واجب قطعاً لا يقبل التخفيف. ١٧٧ ٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (٦) وفيه: جواز النسخ قبل وقوعه. وقال هَمَّامٌ عنْ قَتَادَةَ عنِ الحَسَنِ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ عنِ النَّبِيِّ عَّ ◌َلَّهِ فِي البَيْتِ المَعْمُورِ أي: قال همام بن يحيى الذي مضى في رواة الحديث المذكور الذي روى عنه هدبة في السند الأول، وأشار بهذا إلى أن هماماً فصل في سياقة قصة البيت المعمور عن قصة الإسراء، وروى أصل الحديث عن قتادة عن أنس، وقصة البيت المعمور عن قتادة عن الحسن البصري عن أبي هريرة، وأما سعيد بن أبي عروبة وهشام الدستوائي اللذان مضيا في الطريق الثاني للحديث المذكور فإنهما قد أدرجا قصة البيت المعمور في حديث أنس، وقال بعضهم: رواية همام موصولة هنا عن هدية عنه، ووهم من زعم أنها معلقة، فقد روى الحسن عن سفيان في (مسنده) الحديث بطوله عن هدية، فاقتصر الحديث إلى قوله: فرفع لي البيت المعمور، قال قتادة: حدثنا الحسن عن أبي هريرة: أنه رأى البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ولا يعودون فيه، وأخرجه الإسماعيلي عن الحسن بن سفيان وأبي يعلى والبغوي وغير واحد كلهم عن هدية مفصلاً. انتهى. قلت: ظاهره التعليق وإخراج غيره إياه موصولاً لا يستلزم أن يكون ما أخرجه البخاري بصورة التعليق أن يكون موصولاً، وهذا ظاهر لا يخفى. قوله: ((عن الحسن عن أبي هريرة))، قال يحيى بن معين: لم يصح للحسن سماع من أبي هريرة، فقيل ليحيى: قد جاء في بعض الأحاديث: قال: حدثنا أبو هريرة. قال: ليس بشيء، وقال الكرماني: الحسن ههنا روى عنه بلفظ: عن، فيحتمل أن يكون بالواسطة. ١٨/ ٣٢٠٨ - حدّثنا الحَسَنُ بنُ الرّبيع قال حدَّثنا أَبُو الأخْوَصِ عنِ الأعمَشِ عنْ زَيْدِ ابنِ وهْبٍ قال عَبْدُ الله حدَّثنا رسولُ اللهِ عَ لمِّ وَهْوَ الصَّادِقُ المَصْدُوِقُ قال إنَّ أحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنٍ أُمِّهِ أزْبَعِينَ يَوْمَاً ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَبْعَثُ الله مَلَكَاً فَيُؤْمَرُ بِأَزْبَعِ كَلِمَاتٍ ويُقَالُ لَهُ اكْتُبْ عَمَلَهُ ورِزْقَهُ وأجَلَهُ وشَقِيٍّ أَوْ سَعِيدٌ ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ فإِنَّ الرَّجُلُ مِنْكُمْ لَيَعْمَلُ حتَّى ما يَكُونَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الجَنَّةِ إِلَّ ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ كِتابُهُ بِعَمَلِ أهْلِ النَّارِ ويَعْمَلُ حَتَّى ما يَكُونَ بَيْنَهُ وبَيْنَ النَّارِ إلاَّ ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلٍ أَهْلِ الجَنَّةِ. [الحديث ٣٢٠٨ - أطرافه في: ٣٣٣٢، ٦٥٩٤، ٧٤٥٤]. مطابقته للترجمة في قوله: ((ثم يبعث الله ملكاً)) لأن في الحديث ذكر الملك، وفي الترجمة ذكر الملائكة، والملائكة أنواع لا يحصي عددهم إلاّ الله تعالى، وساداتهم الأكابر أربعة: جبريل وميكائيل وعزرائيل وإسرافيل. ومنهم: الروح، قال الله تعالى: ﴿يوم يقوم الروح﴾ [النبأ: ٣٨]. ومنهم الحفظة. ومنهم الملائكة الموكلون بالقطر والنبات والرياح والسحاب. ومنهم ملائكة القبور. ومنهم سياحون في الأرض يبتغون مجالس الذكر. ومنهم كروبيون عمدة القاري/ ج١٥ م١٢ ١٧٨ ٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (٦) وروحانيون وحافون ومقربون. ومنهم ملائكة تقذف الشياطين بالشهاب. ومنهم حملة العرش. ومنهم موكلون بصخرة بيت المقدس. ومنهم موكلون بالمدينة. ومنهم موكلون بتصوير النطف. ومنهم ملائكة يبلغون السلام إلى النبي عَّ له من أمته. ومنهم من يشهد الحروب مع المجاهدين. ومنهم خزان أبواب السماء. ومنهم الموكلون بالنار. ومنهم ملائكة يسمون الزبانية. ومنهم من يغرسون أشجار الجنة. ومنهم من يصوغون حلى أهل الجنة. ومنهم خدم أهل الجنة. ومنهم من نصفه ثلج ونصفه نار، وقد ذكر البخاري في أحاديث الباب منهم جماعة كما ترجمه. ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: الحسن بن الربيع - ضد الخريف - ابن سليمان البجلي الكوفي، يعرف بالبوراني، بضم الباء الموحدة وسكون الواو وبالراء. قال أبو حاتم: كنت أحسب الحسن مكسور العنق لانحنائه حتى قيل: إنه لا ينظر إلى السماء حياء من الله تعالى. الثاني: أبو الأحوص سلام - بالتشديد - ابن سليم الحنفي، مولى بني حنيفة الكوفي. الثالث: سليمان الأعمش. الرابع: زيد بن وهب أبو سليمان الهمداني الكوفي، خرج إلى النبي عَّ له فقبض النبي عَ لّه وهو في الطريق. الخامس: عبد الله بن مسعود، وهؤلاء كلهم کوفیون. وقيل هذا الحديث رواه جماعة، منهم: سفيان بن عيينة عن الأعمش إلى قوله: شقي أو سعيد، كلام رسول الله، عَّم وما بعده كلام ابن مسعود، وقد رواه عبد الرحمن بن حميد الرواسي عن الأعمش فاقتصر من المتن على المرفوع فحسب، ورواه بطوله سلمة بن كهيل عن زيد بن وهب ففصل كلام ابن مسعود من كلام رسول الله، عَّهِ، ثم قال بعد ذكر الشقاوة والسعادة: ((قال عبد الله: والذي نفسي بيده، إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة ... )) الحديث. وأخرجه مسلم من حديث الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الله قال: حدثنا رسول الله، عَّهِ ... إلى آخره نحوه، غير أن بعد قوله: وشقي أو سعيد: ((فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلاّ ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلاَّ ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها)). انتهى. والحديث رواه البخاري أيضاً في القدر عن أبي الوليد وفي التوحيد عن آدم. وأخرجه مسلم في القدر عن ابن أبي شيبة وعن محمد بن عبد الله بن نمير وعن عثمان بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم وعن أبي سعيد الأشج وعن عبد الله بن معاذ وأخرجه أبو داود عن حفص بن عمرو ومحمد ابن كثير. وأخرجه الترمذي في القدر عن هناد وعن محمد بن بشار وعن علي بن حجر. وأخرجه ابن ماجه في السنة عن علي بن محمد عن وكيع ومحمد بن فضيل وأبي معاوية وعن علي بن ميمون، وأنكر عمرو بن عبيد هذا الحديث وكان من زهاد القدرية ولا اعتبار لإنكاره. ذكر معناه: قوله: ((وهو الصادق المصدوق)) أي: الصادق في قوله وفيما يأتيه من ١٧٩ ٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (٦) الوحي، والمصدوق أن الله تعالى صدقه في وعده. وقال الكرماني: المصدوق أي: من جهة جبريل، عليه الصلاة والسلام، أو المصدق يعني بتشديد الدال المفتوحة. وقال الطيبي: الأولى أن تجعل هذه الجملة اعتراضية لا حالية فتعم الأحوال كلها، وأن يكون من عاداته ودأبه ذلك فما أحسن موقعه هنا. قوله: ((يجمع))، على صيغة المجهول، قالوا: بمعنى الجمع أن النطفة إذا وقعت في الرحم وأراد الله أن يخلق منها بشراً طارت في أطراف المرأة تحت كل شعرة وظفر فتمكث أربعين ليلة ثم تنزل دماً في الرحم، فذلك جمعها. قوله: ((أربعين يوماً)) هذه الأربعون الأولى النطفة فيها تجري في أطراف المرأة ثم تصير دماً. قوله: ((ثم تكون علقة)) وهو الدم الغليظ الجامد وهذا في الأربعين الثاني، أشار إليه بقوله: ((مثل ذلك)) أي: مثل الأول أربعين يوماً. قوله: ((ثم تكون مضغة))، وهي قطعة من اللحم قدر ما يمضغ، وهذا في الأربعين الثالث، أشار إليه بقوله: ((مثل ذلك)) يعني مثل الثاني أربعين يوماً. فإن قلت: إن الله قادر على أن يخلقه في لمحة، فما الحكمة في هذا المقدار؟ قلت: فيه حكم وفوائد. منها: أنه لو خلقه دفعة واحدة لشق على الأم لأنها لم تكن معتادة بذلك، وربما تهلك فجعل أولاً نطفة لتعتاد بها مدة ثم تكون علقة وهلم جرا ... إلى الولادة. ومنها: إظهار قدرة الله تعالى ونعمته ليعبدوه ويشكروا له حيث قلبهم في تلك الأطوار إلى كونهم إنساناً حسن الصورة متحلياً بالعقل والشهامة مزيناً بالفهم والفطانة. ومنها: إرشاد الناس وتنبيههم على كمال قدرته على الحشر والنشر، لأن من قدر على خلق الإنسان من ماء مهين ثم من علقة ومضغة مهيأة لنفخ الروح فيه، يقدر على صيرورته تراباً ونفخ الروح فيه وحشره في المحشر للحساب والجزاء. قوله: ((ثم يبعث الله ملكاً) أي: بعد انتهاء الأربعين الثالثة يبعث الله ملكاً (فيؤمر بأربع كلمات)) يكتبها وهي: قوله: ((ويقال له))، أي: للملك المرسل: ((أكتب عمله ورزقه وأجله وشقي أو سعيد)) وكل ذلك بما اقتضت حكمته وسبقت كلمته. قوله: ((وشقي أو سعيد))، كان من حق الظاهر أن يقال: يكتب سعادته وشقاوته، فعدل حكاية لصورة ما يكتبه، لأنه يكتب شقي أو سعيد. قوله: ((ثم ينفخ فيه الروح))، أي: بعد كتابة الملك هذه الأربعة ينفخ فيه الروح. وفي (صحيح مسلم): أن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك، ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات ... الحديث، فهذا يدل على أن كتب هذه الأربعة بعد نفخ الروح، ولفظ البخاري يدل على أن ذلك قبل نفخ الروح، لأن في لفظة: ((ثم ينفخ فيه الروح)) وكلمة: ثم، تقتضي تأخر كتب الملك هذه الأمور إلى ما بعد الأربعين الثالثة. وقال النووي: والأحاديث الباقية تقتضي الكتب عقيب الأربعين الأولى، ثم أجاب عن ذلك بقوله: إن قوله: ثم يبعث إليه الملك، فيؤذن له فيكتب معطوف على قوله: ((يجمع في بطن أمه)) ومتعلقاته لا بما قبله، وهو قوله: ثم يكون مضغة مثله، ويكون قوله: ثم يكون علقة مثله، ثم يكون مضغة مثله، معترضاً بين المعطوف والمعطوف عليه، وذلك جائز موجود في القرآن والحديث الصحيح ١٨٠ ٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (٦) وفي كلام العرب. وقال القاضي وغيره: والمراد بإرسال الملك في هذه الأشياء أمره بها والتصرف فيها بهذه الأفعال، وإلاّ فقد صرح في الحديث بأنه موكل بالرحم، وأنه يقول: يا رب هذه نطفة يا رب هذه علقة. وقال القاضي: وقوله في الحديث الذي روي عن أنس: وإذا أراد أن يخلق خلقاً قال: يا رب أذكر أم أنثى؟ شقي أم سعيد؟ لا يخالف ما قدمناه، ولا يلزم منه أن يقول ذلك بعد المضغة، بل هو ابتداء كلام وإخبار عن حالة أخرى، فأخبر أولاً بحال الملك مع النطفة، ثم أخبر أن الله تعالى إذا أراد أن يخلق النطفة علقة كان كذا وكذا. فإن قلت: في رواية يرسل الملك بعد مائة وعشرين يوماً، وفي رواية: ثم يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر في الرحم بأربعين أو خمسة وأربعين ليلة، فيقول: يا رب أشقي أم سعيد؟ وفي رواية: إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكاً فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها، وفي رواية حذيفة بن أسيد: أن النطفة تقع في الرحم أربعين ليلة، ثم يتسور عليها الملك، وفي رواية: أن ملكاً موكلاً بالرحم إذا أراد الله أن يخلق شيئاً يأذن له لبضع وأربعين ليلة، وذكر الحديث، وفي رواية أنس، رضي الله تعالى عنه: أن الله قد وكل بالرحم ملكاً فيقول: أي رب نطفة، أي رب علقة، أي رب مضغة، فما الجمع بين هذه الروايات؟ قلت: للملك مراعاة الحال النطفة، وأنه يقول: يا رب هذه نطفة، هذه علقة، هذه مضغة في أوقاتها، وكل وقت يقول فيه ما صارت إليه، ولتصرفه وكلامه أوقات: أحدها حين يخلقها الله نطفة ثم ينقلها علقة وهو أول علم الملك بأنه ولد، لأنه ليس كل نطفة تصير ولداً، وذلك عقيب الأربعين الأولى، فحينئذ يكتب رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته، ثم للملك تصرف آخر في وقت آخر، وهو تصويره وخلق سمعه وبصره وجلده ولحمه وعظمه وكونه ذكراً أو أنثى، وذلك إنما يكون في الأربعين الثالثة، وهي مدة المضغة، وقبل انقضاء مدة هذه الأربعين، وقبل نفخ الروح فيه، لأن نفخ الروح لا يكون إلاّ بعد تمام صورته. فإن قلت: روي: إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكاً فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظمها قال: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب أجله؟ فيقول ربك ما شاء ويكتب الملك، وذكر رزقه؟ قلت: ليس هذا على ظاهره ولا يصح حمله على ظاهره، بل المراد بتصورها وخلق سمعها إلى آخره أنه يكتب ذلك ثم يفعله في وقت آخر، لأن التصوير عقيب الأربعين الأولى غير موجود في العادة، وإنما يقع في الأربعين الثالثة وهي مدة المضغة كما قال الله تعالى: ﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين﴾ [المؤمنون: ٨]. إلى قوله: ﴿لحما﴾ [المؤمنون: ٨]. ثم يكون للملك فيه تصرف آخر وهو وقت نفخ الروح عقيب الأربعين الثالثة حتى يكمل له أربعة أشهر. قوله: ((حتى ما يكون))، حتى، هي الناصبة و: ما نافية ولفظة: يكون، منصوب بحتى وما غير كافة لها من العمل. قوله: ((إلاّ ذراع))، المراد بالذراع التمثيل والقرب إلى الدخول، أي: ما يبقى بينه وبين أن يصلها إلاّ كمن بقي بينه وبين موضع من الأرض ذراع. قوله: