النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ ٥٨ - كِتَابُ الْجِزْيَةِ وَالْمُؤَادَعَةِ مَعَ أهْلِ الذِّمَّةِ والحَربِ / باب (١٨) وقفيزها ... الحديث، وساق الحديث بلفظ الماضي - والمراد ما يستقبل - مبالغة في الإشارة إلى تحقق وقوعه، وروى مسلم أيضاً عن جابر، رضي الله تعالى عنه، مرفوعاً: يوشك أهل العراق أن لا يجبى إليهم قفيز ولا درهم قالوا: مم ذاك؟ قال: من قبل العجم، يمنعون ذلك. وفيه: علم من علامات النبوة. ١٨ __ باب ٠ أي: هذا باب وقد وقع كذا بلا ترجمة، وهو كالفصل من الباب الذي قبله، وقد مر مثل هذا غير مرة. ٢٢ / ٣١٨١ - حدَّثنا عَبْدَانُ قال أخبَرَنَا أَبُو حَمْزَةَ قالَ سَمِعْتُ الأَعْمَشَ قال سألتُ أبا وَائِلٍ شَهِدْتَ صِفِّينَ قال نَعَمْ فسَمِعْتُ سَهْلَ بنَ محُنَيْفٍ يَقولُ اَنَّهِمُوا رَأْيَكُمْ رَأْيِتُنِي يَوْمَ أبي جَنْدَلٍ ولَوْ أَسْتَطِيعُ أنْ أَرُدَّ أَمْرَ النَّبِيِّ عَُّلِّ لَرَدَدْتُهُ وما وضَعْنَا أَسْيَافَنَا عَلَى عَوَاتِقِنَا لِأَمْرٍ يُفْظِعُنَا إِلاَّ أَسْهَلْنَ بِنا إلى أَمْرٍ نَعْرِفُهُ غَيْرَ أَمْرِنَا هَذَا. [الحديث ٣١٨١ - أطرافه في: ٣١٨٢، ٤١٨٩، ٤٨٤٤، ٧٣٠٨]. تعلق هذا الحديث بالباب المترجم من حيث ما آل أمر قريش في نقضهم العهد من الغلبة عليهم والقهر بفتح مكة فإنه يوضح أن مال الغدر مذموم، ومقابل ذلك ممدوح. وعبدان قد مر غير مرة، وأبو حمزة، بالحاء المهملة وبالزاي: وهو محمد بن ميمون السكري، والأعمش هو سليمان، وأبو وائل شقيق بن سلمة، وسهل بن حنيف بن واهب الأنصاري. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الاعتصام عن عبدان أيضاً وعن موسى بن إسماعيل، وفي الخمس عن الحسن بن إسحاق وفي التفسير عن أحمد بن سليمان. قوله: ((صفين))، بكسر الصاد المهملة وتشديد الفاء، وهو اسم موضع على الفرات وقع فيه الحرب بين علي ومعاوية وهي وقعة مشهورة. قوله: ((اتهموا رأيكم))، قال ذلك يوم صفين، وكان مع علي، رضي الله تعالى عنه، يعني: اتهموا رأيكم في هذا القتال، يعظ الفريقين، لأن كل فريق منهما يقاتل على رأي يراه واجتهاد يجتهده، فقال لهم سهل: اتهموا رأيكم فإنما تقاتلون في الإسلام إخوانكم برأي رأيتموه، وكانوا يتهمون سهلاً بالتقصير في القتال، فقال: اتهموا رأيكم، فإني لا أقصر، وما كنت مقصراً في الجماعة كما في يوم الحديبية. قوله: ((رأيتني))، أي: رأيت نفسي يوم أبي جندل، بفتح الجيم وسكون النون، واسمه: العاص بن سهل وإنما نسب اليوم إليه ولم يقل: يوم الحديبية، لأن رده إلى المشركين كان شاقاً على المسلمين، وكان ذلك أعظم عليهم من سائر ما جرى عليهم من سائر الأمور، وكان أبو جندل جاء إلى النَّبِي عَّم، من مكة مسلماً وهو يجر قيوده، وكان قد عذب على الإسلام، فقال سهل والده: يا محمد! هذا أول ما أقاضيك عليه. فرد عليه أبا جندل وهو ينادي: أتردونني! إلى المشركين وأنا مسلم، وترون ما لقيت من العذاب في الله؟ فقام سهل : : ١٤٢ ٥٨ - كِتَابُ الْجِزْيَةِ وَالْمُوَادَعَةِ مَعَ أهْلِ الذِّمَّةِ والحَرْبِ / باب (١٨) إلى ابنه بحجر فكسر قيده، فغارت نفوس المسلمين يومئذ حتى قال عمر، رضي الله تعالى عنه: ألسنا على الحق؟ فعلى ما نعطي الدنية؟ على وزن فعيلة، أي: النقيصة والخطة الخسيسة، أي: لِمَ نردُّ أبا جندل إليهم ونقاتل معهم ولا نرضى بهذا الصلح؟ قوله: ((فلو أستطيع أن أرد أمر النبي عَّ)) أشار بهذا الكلام إلى جواب الذي اتهموه بالتقصير في القتال يوم صفين، فقال: كيف تنسبونني إلى التقصير؟ فلو كان لي استطاعة على رد أمر النبي عَّةِ، يوم الحديبية لرددته، ولم يكن امتناعي عن القتال يومئذ للتقصير، وإنما كان لأجل أمر النبي عَّهِ، بالصلح. قوله: ((وما وضعنا أسيافنا ... ) إلى آخره. يعني: ما جردنا سيوفنا في الله لأمر يفظعنا من أفظع بالفاء والظاء المعجمة والعين المهملة. قال ابن فارس: فظع وأفظع لغتان، يقال: أمر فظيع أي: شديد علينا، إلاَّ أسهلت بنا إلى أمر نعرفه غير أمرنا هذا، يعني: أمر الفتنة التي وقعت بين المسلمين، فإنها مشكلة حيث حلت المصيبة بقتل المسلمين، فنزع السيف أول من سله في الفتنة. ٣١٨٢/٢٣ - حدَّثنا عبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدٍ قال حدَّثنا يَحْتَى بنُ آدَمَ قال حدَّثنا يَزِيدُ بنُ عبْدِ العَزِيزِ عنْ أَبِيهِ قال حدَّثنا حَبِيبُ بنُ أبِي ثابِتٍ قال حدَّثني أبو وائِلٍ قال كُنَّا بِصِفِينَ فقامَ سَهْلُ بنُ حُنَيْفٍ فقال أَيُّهَا النَّاسُ اتَّهِمُوا أَنْفُسَكُمْ فإنَّا كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ عَّهِ يَوْمَ الحُدَيْبِيَّةِ ولَوْ نَرَى قِتَالاً لَقَاتَلْنَا فَجاءَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ فقال يا رسُولُ اللهِ أَلَسْنَا عَلَى الحَقِّ وهُمْ عَلَى الْبَاطِلِ فقال بَلَى فقالَ أَلَيْسَ قَتْلاَنَا في الجَنَّةِ وقَتْلاَهُمْ فِي النَّارِ قَالِ بَلَى قال فَعَلَى ما نُعْطِي الدَّنِيَّةِ في دِينِنَا أَنَرْجِعُ ولما يَحْكُمِ الله بَيْنَنَا وبيْنَهُمْ فقال: ابنَ الخَطَّابِ إِنِّي رسُولُ الله ولَنْ يُضَيِّعَني الله أَبَدَاً)) فَانْطَلَقَ عُمَرُ إلىَ أبِي بَكْرٍ فقال لَهُ مِثْلَ ما قال لِلنَّبِيِّ عَ لَّه فقال إنَّهُ رسُولُ الله وَلَنْ يُضَيِّعَهُ الله أَبَداً فَتَزَلَتْ سورَةُ الفَتْحِ فَقَرَأْهَا رَسُولُ اللهِ عَّلِ عَلَى عُمَرَ إلى آخرِها فقال عُمَرُ يا رسولَ الله أوَ فَتْحٌ هُوَ قَال نَعَمْ. [انظر الحديث ٣١٨١ وأطرافه]. تعلق هذا الحديث أيضاً بالباب المترجم مثل تعلق الحديث السابق، وعبد الله بن محمد بن عبد الله المعروف بالمسندي، ويزيد من الزيادة ابن عبد العزيز الكوفي، يروي عن أبيه سياه، بكسر السين المهملة وتخفيف الياء آخر الحروف وبالهاء وصلاً ووقفاً، منصرف وغير منصرف، والأصح الانصراف، وحبيب بن أبي ثابت واسمه دينار الكوفي، وأبو وائل شقيق بن سلمة. قوله: ((فجاء عمر، رضي الله تعالى عنه))، قد مر هذا في كتاب الشروط في باب الشروط في الجهاد قوله: فنزلت سورة الفتح أي: سورة ﴿إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً﴾ [الفتح: ١]. والمراد بالفتح صلح الحديبية، وقيل: فتح مكة، وقيل: فتح الروم، وقيل: فتح الإسلام بالسيف والسنان، وقيل: الفتح الحكم، والمختار من هذه الأقاويل: فتح مكة، وقيل: فتح الحديبية، وهو الصلح الذي وقع فيها بين النبي عَ لّه وبين مشركي مكة، فإن قلت: كيف كان فتحاً وقد أحصروا فنحروا وحلقوا بالحديبية؟ قلت: كان ذلك قبل الهدنة، فلما تمت الهدنة كان فتحاً مبيناً. ١٤٣ ٥٨ - كِتَابُ الْجِزْيَةِ والْمُؤَادَعَةِ مَعَ أهْلِ الذِّمَّةِ والحَربِ / باب (١٩) ٢٤ /٣١٨٣ _ حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قال حدَّثنا حاتمٌ عنْ هِشامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ أَبِيهِ عنْ أسْماءَ ابْنَةِ أبِي بَكْرٍ رضي الله تعالى عنهما قالَتْ قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهْيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ إِذْ عَاهَدُوا رسولَ الله عَ لَه ومُدَّتِهِمْ مَعَ أَبِيهَا فَاسْتَفْتَتْ رَسُولَ الله عَ لَّه فَقَالَتْ يَا رَسُولَ الله إِنَّ أُمِّي قَدِمَتْ عَلَيَّ وَهْيَ رَاغِبَةٌ أَفَأْصِلُهَا قال نَعَمْ صِلِيهَا. [انظر الحديث ٢٦٢٠ وأطرافه]. تعلق هذا الحديث بما قبله من حديث إن عدم الغدر اقتضى جواز صلة القريب ولو كان على غير دينه، وحاتم هو أبو إسماعيل ابن إسماعيل الكوفي. والحديث مضى في كتاب الهبة في: باب الهدنة للمشركين، ومضى الكلام فيه. قوله: ((قدمَتْ عليَّ)) بتشديد الياء. قوله: ((أمي))، واسمها: قبيلة، بفتح القاف وسكون الياء آخر الحروف، واسم أبيها: عبد العزى، وأسماء وعائشة أختان من جهة الأب فقط. قوله: (ومدتهم)) أي: المدة التي كانت معينة للصلح بينهم وبين رسول الله، عَ ليه. قوله: ((راغبة)) أي: في أن تأخذ مني بعض المال. ١٩ - بابُ الْمُصَالَحَةِ عَلَى ثَلاثَةِ أيَّامٍ أَوْ وَقْتٍ مَعْلُومٍ أي: هذا باب في بيان المصالحة مع المشركين على مدة ثلاثة أيام. قوله: أو وقت معلوم، أي: أو المصالحة على وقت معلوم سواء كان ثلاثة أيام أو أشهر أو نحو ذلك. ٣١٨٤/٢٥ - حدّثنا أحْمَدُ بنُ عُثْمَانَ بنِ حَكِيمٍ قال حدَّثنا شُرَيْحُ بن مَسْلَمَةً قال حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ يُوسُفَ بنِ أبِي إِسْحَاقَ قال حدَّثنِي أبيّ عنْ أبِي إِسْحَاقَ قال حدَّثني البَرَاءُ رضي الله تعالى عنهُ أنَّ النبي عَّه لما أرادَ أنْ يَعْتَمِرَ أَرْسَلَ إليَّ أَهْلٍ مَكَّةَ يَسْتَأْذِنُهُمْ لِيَدْخُلَ مَكّةَ فاشْتَرَطُوا عَلَيْهِ أنْ لاَ يُقِيمَ بِها إلاَّ ثَلاثَ لَيَالٍ ولاَ يَدْخُلَهَا إلَّ بِجُلُتَانِ السّلاحِ ولا يَدْعُو مِنْهُمْ أَحدَاً قال فأخَذَ يَكْتُبُ الشَّرْطَ بَيْنَهُمْ عِلِيُّ بِنُ أَبِي طالِبٌ فكتَبَ هَذَا ما قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله فقالوا لَوْ عَلِمْنَا أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ لَمْ تَمْتَغْكَ وَلَبَا يَعْنَاكَ ولَكِنْ اكْتُبْ هذَا ما قاضَى عَلَيه مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله فقَال أنا والله مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله وأنا والله رَسُولُ الله قالَ وكانَ لاَ يَكْتُبُ قَالَ فَقَالَ لِعَلِيّ امْحُ رَسُولَ الله فقالَ عَلِيُّ والله لا أمْحَاهُ أَبَداً قال فأرِنيهِ قالَ فأراهُ إِيَّاهُ فَمَحَاهُ النبيُّ عَ لَّه بِيَدِهِ فَلَمَّا دَخَلَ ومَضى الأيَّامُ أَتَوْا عِيّاً فقالُوا مُرْ صَاحِبَكَ فَلْيَوْتَحِلْ فَذَكَرَ ذلِكَ لِرَسُولِ اللهِ عَ لّهِ فَقالَ نَعَمْ ثُمَّ ارْتَحَلَ. [انظر الحديث ١٧٨١ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((أن لا يقيم إلاَّ ثلاث ليال)) وأحمد بن عثمان بن حكيم ابن دينار أبو عبد الله الأزدي الكوفي، وشريح بن مسلمة بفتح الميم واللام الكوفي، وإبراهيم ابن يوسف الكوفي وأبوه يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق الكوفي، وأبو إسحاق عمرو بن عبد الله الكوفي السبيعي. ومر الحديث في كتاب الصلح في: باب كيف يكتب، ومضى الكلام فيه. قوله: ((جلبان))، بضم الجيم وسكون اللام: شبه الجراب من الأدم يوضع فيه السيف ١٤٤ ٥٨ - كِتَابُ الْجِزْيَةِ والْمُؤَادَعَةِ مَعَ أَهْلِ الذِّمَّةِ والحَرْبِ / باب (٢٠) و (٢١) مغموداً. قوله: ((لا أمحاه)) ويروى: لا أمحوه، ويقال: محاه يمحوه ويمحاه ويمحيه، ثلاث لغات. ٢٠ _ بابُ المُؤَادَعَةِ منْ غَيْرِ وَقْتٍ أي: هذا باب في بيان الموادعة أي: المصالحة والمتاركة من غير تعيين وقت. وقَوْلِ النَّبِيِّ صَ لَّهِ أَفِرُّكُمْ ما أَقَرَّكُمْ الله بِهِ هذا طرف من حديث عبد الله بن عمر، رضي الله تعالى عنهما، وقد مر في كتاب المزارعة في: باب إذا قال رب الأرض أقرك ما أقرك الله، وليس في أمر المهادنة حد عند أهل العلم لا يجوز غيره، وإنما ذلك على حسب الحاجة والاجتهاد في ذلك إلى الإمام وأهل الرأي. ٢١ - بابُ طَرْحِ جِيَفِ المُشْرِكِينَ في الِثْرِ ولا يُؤْخَذُ لَهُمْ ثَمَنٌ أي: هذا باب في بيان جواز طرح جيف المشركين في البئر، والجيف، بكسر الجيم وفتح الياء آخر الحروف جمع جيفة. قوله: ((ولا يؤخذ لهم ثمن))، أي: لا يجوز أخذ الفداء فيها من المشركين إذ كان أصحاب قليب بدر رؤساء مشركي مكة، ولو مكن أهلهم من إخراجهم من البئر ودفنهم لبذلوا في ذلك كثير المال، وإنما لا يجوز أخذ الثمن فيها لأنها ميتة لا يجوز تملكها ولا أخذ عوض عنها، وقد حرم الشارع ثمنها وثمن الأصنام في حديث جابر، وفي الترمذي من حديث ابن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس: أن المشركين أرادوا أن يشتروا جسد رجل من المشركين فأبى، عَّه، أن يبيعهم إياه، وقال أحمد: لا يحتج بحديث ابن أبي ليلى، وقال البخاري: وهو صدوق ولكن لا يعرف صحيح حديثه من سقيمه، وذكر ابن إسحاق في المغازي: أن المشركين سألوا النبي عٍَّ أن يبيعهم جسد نوفل ابن عبد الله بن المغيرة، وكان اقتحم الخندق فقال النبي عَّه: لا حاجة لنا بثمنه ولا جسده، وقال ابن هشام: بلغني عن الزهري أنهم بذلوا فيه عشرة آلاف. ٢٦ / ٣١٨٥ - حدّثنا عبْدَانُ بنُ عُثْمَانَ قال أخبرني أبي عنْ شُعْبَةَ عنْ أبي إسحاقَ عنْ عَمْرٍو بن ميْمُونٍ عنْ عَبْدِ الله رضي الله تعالى عنهُ قال بَيْنَا رسُولُ اللهِ عَ لِ سَاجِدٌ وحَوْلَهُ ناسٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنَ المُشْرِكِينَ إِذْ جاءَ عُقْبَةُ بنُ أبِي مُعَيْطٍ بِسَلى جَزُورٍ فَقَذَفَهُ عَلَى ظَهْرِ النَّبيِّ عَّهِ فَلَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ حتَّى جَاءَتْ فَاطِمَةُ عَلَيْهَا السَّلاَمُ فأخَذَتْ مِنْ ظَهْرِهِ ودَعَتْ على مَنْ صَنَعَ ذَلِكَ فَقالَ النَّبِيُّ عََّلِ اللَّهُمَّ عَلَيْكَ المَلَّ مِنْ قُرَيْشِ اللَّهُمَّ عَلَيْكَ أَبَا جَهْلٍ بنَ هِشامٍ وعُثْبَةَ بنَ رَبِيعَةَ وَشَيْبَةَ بنَ رَبِيَعَةَ وعُقْبَةً بِنَ أَبِي مُعَيْطٍ وَأَمَّةَ بنَ خَلَفٍ أَوْ أَبَيَّ بنَ خَلفٍ فَلَقَدْ رَأْيْتُهُمْ قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ فَأَلْقُوا فِي بِثْرٍ غَيْرَ أمَيَّةً أَوْ أَبِيّ فإنَّهُ كانَ رَبُجلاً ضَخْماً فَلَهَا جَرُّوهُ تقَطّعَتْ أَوْصَالُهُ قَبْلَ أنْ يُلْقَى في البِتْرِ. [انظر الحديث ٢٤٠ وأطرافه]. مطابقته للترجمة ظاهرة، وعبدان اسمه عبد الله بن عثمان، يروي عن أبيه عثمان بن ١٤٥ ٥٨ - كِتَابُ الْجِزْيَةِ والْمُؤَادَعَةِ مَعَ أهْلِ الذِّمَّةِ والحَرْبِ / باب (٢٢) جبلة وأبو إسحاق مر عن قريب. والحديث مضى بهذا الإسناد في كتاب الطهارة في: باب إذا ألقي على ظهر المصلي قذر إلى آخره. قوله: ((سلا)) بالسين المهملة وتخفيف اللّم مقصوراً هو اللفافة التي يكون فيها الولد في بطن الناقة والجزور المنحور من الإبل، قوله: ((عليك الملا)) أي: أخذ الجماعة وأهلكهم. ٢٢ - بابُ إِثْمِ الغَادِرِ لِلْبَرّ والفَاجِرِ أي: هذا باب في بيان إثم الغادر للرجل البر، بفتح الباء الموحدة وتشديد الراء: الخير، وسواء كان الغدر من بر لبر أو لفاجر، أو من فاجر لفاجر أو لبر، والغادر هو الذي يواعد على أمر ولا يفي به، يقال: غدر يغدر، بكسر الدال في المضارع. ٢٧/ ٣١٨٦ - ٣١٨٧ - حدَّثنا أَبُو الوَلِيدِ قال حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ سُلَيْمَانَ الأعْمَشِ عنْ أبِي وائِلِ عنْ عَبْدِ الله وعنْ ثابتٍ عنْ أَنَسٍ عنِ النَّبِيِّ عَ لَّهِ قال لِكُلُ غادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ القِيَامَةِ قال أحدَّهُما يُنْصَبُ. وقال الآخَرُ يُرَى يَوْمَ القِيَامَةِ يُعْرَفُ بِهِ. مطابقته للترجمة ظاهرة، والوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، وعبد الله هو ابن مسعود. قوله: ((وعن ثابت)) قائل ذلك هو شعبة، وقال الكرماني: وعن ثابت، عطف على سليمان. والحديث أخرجه مسلم في المغازي عن أبي موسى وأبي قدامة. قوله: ((لواء))، أي: علم. قوله: ((قال أحدهما))، أي: أحد الراويين عن عبد الله ينصب أي: اللواء. وقال الآخر: يرى يوم القيامة، أي: يعرف به، وإنما قال بلفظ: أحدهما لالتباسه عليه، ولا قدح بهذا اللفظ لأن كلتا الروايتين بشرط البخاري، واللواء لا يمسكه إلاَّ صاحب جيش الحرب، ويكون الناس تبعاً له، ومعنى: لكل غادر لواء، أي: علامة يشتهر بها في الناس، لأن موضع اللواء شهرة مكان الرئيس. ٢٨ / ٣١٨٨ _ حدَّثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ قال حدَّثنا حَمَّادُ عنْ أَيُّوبَ عنْ نافِعِ عنِ ابنِ ◌ُمرَ رضي الله تعالى عنهُما قال سَمِعْتُ النَّبِيَّ عَلَّهِ يَقُولُ لِكُلِّ غادِرٍ لِوَاءٌ يُنْصَبُّ بِغَدْرَتِهِ. [الحديث ٣١٨٨ - أطرافه في: ٦١٧٧، ٦١٧٨، ٦٩٦٦، ٧١١١]. مطابقته للترجمة ظاهرة، وحماد هو ابن زيد، وأيوب هو السختياني. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الفتن عن سليمان بن حرب أيضاً. وأخرجه مسلم في المغازي عن أبي الربيع. قوله: ((بغدرته))، أي: بسبب غدرته في الدنيا، أو بقدر غدرته، وفي غلظ تحريم الغدر لا سيما من صاحب الولاية العامة، لأن غدرته يتعدى ضرره إلى خلق كثير، ولأنه غير مضطر إلى الغدر لقدرته على الوفاء. وقال عياض: المشهور أن هذا الحديث ورد في ذم الإمام إذا غدر في عهده لرعيته أو لمقاتلته أو للإمامة التي تقلدها والتزم القيام بها، فمتى خان فيها أو عمدة القاري/ ج١٥ م١٠ ١٤٦ ٥٨ - كِتَابُ الْجِزْيَةِ والْمُؤَادَعَةِ مَعَ أهْلِ الذِّمَّةِ والحَرْبِ / باب (٢٢) ترك الرفق فقد غدر بعهده، وقيل: المراد نهي الرعية عن الغدر للإمام فلا تخرج عليه ولا تتعرض لمعصيته لما يترتب على ذلك من الفتنة، قال، والصحيح الأول. قلت: لا مانع من أن يحمل الخبر على أعم من ذلك. ٣١٨٩/٢٩ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قال حدَّثنا جَرِيرٌ عنْ مَنْصُورٍ عنْ مُجَاهِدٍ عنْ طاؤُسٍ عنِ ابنه عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهُما قال قال رسولُ الله عَِّ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ لاَ هِجْرَةٌ ولَكِنْ جِهَادٌ ونِيَّةٌ وإِذَا اسْتُفِرْتُمْ فَانْفُرُوا وقال يَوْمَ فَتْحِ مَكّةَ إِنَّ هَذا البَلَدَ حِرَّمَهُ الله يَوْمَ خَلَقَ السَّمُواتِ وَالأرْضَ فَهْوَ حَرَامٌ بِحُزْمَةِ الله إلى يَوْمِ الَقِيَامَةِ وإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ القِتَالُ فِيهِ لِأحَدٍ قَبْلِيٍ ولَمْ يَحِلَّ لي إلاَّ ساعَةٍ مِنْ نَهَارٍ فَهْوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ الله إلى يَوْمِ القِيامَةِ لاَ يُعْضَدُ شَوْكُهُ ولاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهُ وَلاَ يَلْتَقِطُ لُقْطَتَهُ إِلَّ مَنْ عَرَفَها ولاَ يُخْتَلَى خَلاَهُ فَقَال العَبَّاسُ يا رسولَ الله إلَّ الإذْخرِ فإِنَّهُ لِقَئِهِمْ ولِثُيُوتِهِمْ قال إلاَّ الإذْخِرَ. [انظر الحديث ١٣٤٩ وأطرافه]. وجه مطابقته للترجمة يمكن أخذه من قوله: ((فانفروا)) إذ معناه: لا تغدروهم ولا تخالفوهم، إذ إيجاب الوفاء بالخروج مستلزم لتحريم الغدر، ووجه آخر: هو أن النبي عَ لِ لم يغدر في استحلال القتال بمكة لأنه كان يإحلال الله تعالى له ساعة، ولولا ذلك لما جاز له. ورجال الحديث كلهم قد مضوا غير مرة. والحديث مضى في كتاب الحج في: باب لا يحل القتال بمكة، فإنه أخرجه هناك: عن عثمان بن أبي شيبة عن جرير عن منصور ... إلى آخره. وأخرجه أيضاً في: باب لا ينفر صيد الحرم، ومضى الكلام فيه هناك. والله أعلم. بسم الله الرحمن الرحيم ٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ أي: هذا كتاب في بيان بدء الخلق، البدء على وزن: فعل، بفتح الباء وسكون الدال وفي آخره همزة، من بدأت الشيء بدأ ابتدأت به. وفي (العباب): بدأت بالشيء فعلته ابتداءً، وبدأ الله الخلق وأبداهم، بمعنى، والخلق بمعنى المخلوق، وهكذا وقع: كتاب بدء الخلق، بعد ذكر البسملة في رواية الأكثرين، وليس في رواية أبي ذر ذكر البسملة، ووقع في رواية النسفي ذكر بدء الخلق بدل: كتاب بدء الخلق. ١ - بابُ ما جاءَ في قَوْلِ الله تعَالى: ﴿وَهْوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]. أي: هذا باب في بيان وما جاء في قول الله تعالى: ﴿وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده﴾ [الروم: ٢٧]. وتمام الآية: ﴿وله المثل الأعلى في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم﴾ [الروم: ٢٧]. قوله: ﴿وهو الذي﴾ أي: وهو الذي يبدأ الخلق أي: ينشىء المخلوق ثم يعيده، أي: ثانياً للبعث. قوله: ﴿وهو أهون عليه﴾ [الروم: ٢٧]. أي: الإعادة أهون عليه أي: أسهل، وقيل: أيسر، وقيل: أسرع عليه، وقال مجاهد وأبو العالية: الإعادة أهون عليه من البداية، وكل هين عليه. وقال الزمخشري: فإن قلت: لِمَ ذكر الضمير في قوله: ﴿وهو أهون عليه﴾ [الروم: ٢٧]. والمراد به الإعادة؟ قلت: معناه: وأن يعيده أهون عليه. قوله: ﴿وله المثل الأعلى﴾ [الروم: ٢٧]. أي: الصفة العليا: ﴿في السموات والأرض وهو العزيز﴾ في ملكه ﴿الحكيم﴾ في خلقه. وقالَ الرَّبِيعُ بنُ خَيْثم والحَسَنُ كلٍّ عَلَيْهِ هَيِّنٌّ هَيْنٌ وهَيِّنُ مِثْلُ لَيْنٍ وَلَيٍِّ ومَيْتٍ ومَيِّتٍ وضَيْقٍ وضَيِّقٍ. أُفَعَيِينًا أفأعيا عَلَيْنَا حِينَ أَنْشَأْكُمْ وأَنْشأُ خَلْقَكُمْ. لُغُوبُ النَّصَبُ أْوَارَاً طَوْرَاً كَذَا وطَوْرَاً كذَا عدَا طَوْرَهُ أَيْ قَدْرَهُ الربيع، بفتح الراء - ضد الخريف - ابن خيثم، بضم الخاء المعجمة وفتح الثاء المثلثة وسكون الياء آخر الحروف: ابن عائذ بن عبد الله الثوري الكوفي من التابعين الكبار الورعين القانتين، مات سنة بضع وستين، والحسن هو البصري وهما فسرا قوله تعالى: ﴿هو أهون عليه﴾ [الروم: ٢٧]. بمعنى: كل عليه هين، فحملا لفظ: أهون، الذي هو أفعل التفضيل بمعنى: هين. وتعليق الربيع وصله الطبري من طريق منذر الثوري عنه نحوه، وتعليق الحسن وصله الطبري أيضاً من طريق قتادة عنه، ولفظه: وإعادته أهون عليه من بدئه، وكل على الله تعالى هين. قوله: ﴿هَيٌِّ﴾ بتشديد الياء ﴿وهَيْن﴾ بتخفيفها، أشار بهذا إلى أنهما لغتان، كما جاء التشديد والتخفيف في الألفاظ التي ذكرها، قال الكرماني: وغرضه من هذا أن أهون بمعنى: هين، أي: لا تفاوت عند الله بين الإبداء والإعادة كلاهما على السواء في السهولة. قوله: ((أفعيينا))، أشار به إلى قوله تعالى: ﴿أفعيينا بالخلق الأول﴾ [ق: ١٥]. وفسره بقوله: ١٤٨ ٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (١) أفأعيى علينا، يعني ما أعجزنا الخلق الأول حين أنشأناكم وأنشأنا خلقكم، وعدل عن التكلم إلى الغيبة التفاتاً، والظاهر أن لفظ: ((حين أنشأكم وأنشأنا خلقكم)) إشارة إلى آية أخرى، وإلى تفسيره وهو قوله تعالى: ﴿إِذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم﴾ [النجم: ٣٢]. ونقل البخاري بالمعنى حيث قال: حين أنشأكم، بدل: إذ أنشأكم، أو هو محذوف في اللفظ واكتفى بالمفسر عن المفسر، وروى الطبري من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿أفعيينا بالخلق الأول﴾ [ق: ١٥]. بقوله: أفأعيى علينا حين أنشأناكم خلقاً جديداً، فشكوا في البعث، وقال أهل اللغة: عييت بالأمر إذا لم تعرف جهته، ومنه: العي في الكلام. قوله: لغوب، النصب أشار به إلى قوله تعالى: ﴿ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب﴾ [ق: ٥٠]. قال الزمخشري: اللغوب الإعياء، والنصب التعب وزناً ومعنىٍ، وهذا تفسير مجاهد، أخرجه عنه ابن أبي حاتم. وأخرج من طريق قتادة: أكذب الله اليهود في زعمهم أنه استراح في اليوم السابع، قال: وما مسنا من لغوب أي: من إعياء، وغفل الداودي فظن أن النصب في كلام المصنف بسكون الصاد، وأنه أراد ضبط اللغوب، ثم اعترض عليه بقوله: لم أر أحداً نصب اللاَّم، أي: من الفعل، وإنما هو بالنصب الأحمق. قوله: ((أطواراً) أشار به إلى ما في قوله: وقد خلقكم أطواراً ثم فسره بقوله: طوراً كذا وطوراً كذا، يعني طوراً نطفة وطوراً علقة وطوراً مضغة ونحوها، والأطوار: الأحوال المختلفة. وأخرج الطبري عن ابن عباس: أن المراد اختلاف أحوال الناس من صحة وسقم، وقيل: معناه أصنافاً في الألوان واللغات، وقال ابن الأثير: الأطوار التارات والحدود، واحدها طور، أي: مرة ملك ومرة هلك ومرة بؤس ومرة نعم. قوله: ((عدا طوره))، فسره بقوله: قدره، يقال: فلان عدا طوره إذا جاوز قدره. ٣١٩٠/١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ قال أخبَرَنَا سُفْيَانُ عنْ جامِعِ بنِ شَدَّادٍ عنْ صَفْوَانَ بنِ مُخْرِزٍ عنْ عِمْرَانَ بنِ حُصَيْن رضي الله تعالى عنهما قال جاءَ نَفَّرٌ مِنْ بَنِي تَمِيم إلى النبيِّ عَّهِ فَقالَ يا بَني ◌َمِيم أبْشِرُوا قالوا بَشَّرْتَنَا فأعْطِنا فتَغيرَ وجْهُهُ فَجاءَهُ أهْلُ الْيَمَنِ فقال يا أُهْلَ الْيَمَنِ اقْبَلُوا الْبُشرَىَ إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَنُو ◌َمِيمٍ قَالُوا قَبِلْنَا فَأَخَذَ النَّبِيُّ عَلِ يُحَدِّثُ بَدْءَ الخَلْقِ والْعَرْشِ فَجاءَ رَجُلٌ فَقال يا عِمْرَانُ راحِلَتُكُ تَفَلَّقَتْ لَيْتَنِي لَمْ أَقُمْ. [الحديث ٣١٩٠ - أطرافه فى: ٣١٩١، ٤٣٦٥، ٤٣٨٦، ٧٤١٨]. مطابقته للترجمة في قوله: ((يحدث بدء الخلق)) وسفيان هو الثوري، وجامع بن شداد بالتشديد أبو صخرة المحاربي الكوفي وصفوان بن محرز، بضم الميم على وزن الفاعل من الإحراز: المازني البصري. والحديث أخرجه البخاري في المغازي عن أبي نعيم وعن عمرو بن علي وفي بدء الخلق أيضاً عن عمرو بن حفص وفي التوحيد عن عبدان. وأخرجه الترمذي في المناقب عن محمد بن بشار. وأخرجه النسائي في التفسير عن محمد بن عبد الأعلى. ١٤٩ ٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (١) قوله: ((جاء نفر)) أي: عدة رجال من ثلاثة إلى عشرة، وكان قدومهم في سنة تسع. قوله: ((أبشروا))، أمر بهمزة قطع من البشارة، وأراد بها ما يجازى به المسلمون وما يصير إليه عاقبتهم، ويقال: بشرهم بما يقتضي دخول الجنة حيث عرفهم أصول العقائد التي هي المبدأ والمعاد وما بينهما. قوله: ((قالوا بشرتنا))، فمن القائلين بهذا الأقرع بن حابس، كان فيه بعض أخلاق البادية. قوله: ((فأعطنا))، أي: من المال. قوله: ((فتغير وجهه))، أي: وجه النبي عَِّ، إما للأسف عليهم كيف آثروا الدنيا، وإما لكونه لم يحضره ما يعطيهم فيتألفهم به. قوله: ((فجاء أهل اليمن))، هم الأشعريون قوم أبي موسى الأشعري، وقال ابن كثير: قدوم الأشعريين صحبة أبي موسى الأشعري في صحبة جعفر بن أبي طالب وأصحابه من المهاجرين الذين كانوا بالحبشة حين فتح رسول الله، عَّهِ خيبر، قوله: ((اقبلوا البشرى))، حكى عياض: أن في رواية الأصيلي: اليسرى، بالياء آخر الحروف والسين المهملة، قال: والصواب الأول. قوله: ((إذا لم يقبلها))، كلمة إذ، ظرف وهو اسم للزمن الماضي، ولها استعمالات أحدها أن تكون ظرفاً بمعنى الحين، وهو الغالب، وهنا كذلك. قوله: ((فأخذ النبي عَّةِ))، أي: شرع يحدث. قوله: ((راحلتك))، الراحلة الناقة التي تصلح لأن ترحل والمركب أيضاً من الإبل ذكراً كان أو أنثى، ويجوز فيها الرفع والنصب، أما الرفع فعلى الابتداء، وأما النصب فعلى تقدير: أدرك راحلتك. قوله: ((تفلتت)) أي: تشردت وتشمرت. قوله: ((ليتني لم أقم))، أي: قال عمران: ليتني لم أقم من مجلس رسول الله، عَّله حتى لم يفت مني سماع كلامه. ٣١٩١/٢ _ حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصِ بنِ غِياثٍ قال حدَّثنا أبي قال حدَّثنا الأعْمَشُ قال حدَّثنا جامِعُ بنُ شَدَّادٍ عنْ صَفْوانَ بنِ مُخْرِزٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُ عنْ عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ رضي الله تعالى عنهُما قال دخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ عَِّ وعَقَلْتُ ناقَتِي بِالْبَابِ فأتاهُ ناسٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ فَقال اقْبَلَوا البُشْرَى يا بَنِي ◌َمِيمِ قالوا قَدْ بَشَّرْتَنا فأعْطِنَا مَرَّتَيْنِ ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ ناسٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فقال اقْبَلُوا البُشْرَى يا أَهْلَ الْيَمَنِ إذْ لَمْ يَقْبَلْهَا بِنُو تميمٍ قالوا قَدْ قَبِلْنَا يا رَسُولَ الله قالوا جِئْنَاكَ نَسْألُكَ عِنْ هذَا الأَمْرِ قالَ كَانَ الله وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيرُهُ وكان عَرْشُهُ على الماءِ وكَتَبَ في الذِّكْرِ كلَّ شَيْءٍ وخَلَقَ السَّمَواتِ والأَرْضَ فَنادى مُنادٍ ذَهَبَتْ ناقَتُكَ يا ابنَ الحُصَيْنِ فَانْطَلَقْتُ فَإِذَا هِي يَقْطَعُ دُونَها السَّرابُ فَوالله لوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ تَرَكْتُهَا. [انظر الحديث ٣١٩٠ وأطرافه]. هذا طريق آخر لحديث عمران بن الحصين مع زيادة فيه. قوله: ((جئناك))، بكاف الخطاب، هكذا رواية الأكثرين وفي رواية الكشميهني: جئنا، بلا كاف. قوله: ((نسألك عن هذا الأمر)) أي: الحاضر الموجود، ولفظ: الأمر، يطلق ويراد به المأمور ويراد به الشأن، والحال، وكأنهم سألوا عن أحوال هذا العالم. قوله: ((كان الله ولم يكن شيء غيره)) وسيأتي في التوحيد: ولم يكن شيء قبله، وفي رواية غير البخاري، ولم يكن شيء معه، ووقع هذا الحديث في بعض المواضع: كان الله ولا شيء معه وهو الآن على ما عليه كان، وهي زيادة ليست في شيء من كتب الحديث نبه عليه الإمام تقي الدين بن تيمية. قوله: ((وكان عرشه ١٥٠ ٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (١) على الماء))، أي: لم يكن تحته إلاَّ الماء، وفيه دليل على أن العرش والماء كانا مخلوقين قبل السموات والأرض. فإن قلت: بين هذه الجملة وما قبلها منافاة ظاهرة لأن هذه الجملة تدل على وجود العرش، والجملة التي قبلها تدل على أنه لم يكن شيء. قلت: هو من باب الإخبار عن حصول الجملتين مطلقاً، والواو بمعنى: ثم فإن قلت: ما الفرق بين كان في: كان الله، وبين كان في: وكان عرشه؟ قلت: كان الأول: بمعنى الكون الأزلي، وكان الثاني: بمعنى الحدث. وفي قوله: وكان عرشه على الماء، دلالة على أن الماء والعرش كانا مبدأ هذا العالم لكونهم خلقا قبل خلق السموات والأرض ولم يكن تحت العرش إذ ذاك إلاَّ الماء. فإن قلت: إذا كان العرش والماء مخلوقين أولاً فأيهما سابق في الخلق؟ قلت: الماء لما روى أحمد والترمذي مصححاً من حديث أبي رزين العقيلي مرفوعاً: إن الماء خلق قبل العرش، وروى السدي في تفسيره بأسانيد متعددة: إن الله تعالى لم يخلق شيئاً مما خلق قبل الماء. فإن قلت: روى أحمد والتمرذي مصححاً من حديث عبادة بن الصامت مرفوعاً: أول ما خلق الله القلم، ثم قال: أكتب، فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة، واختاره الحسن وعطاء ومجاهد، وإليه ذهب إبن جرير وابن الجوزي، وحكى ابن جرير عن محمد بن إسحاق أنه قال: أول ما خلق الله تعالى النور والظلمة، ثم ميز بينهما فجعل الظلمة ليلاً أسود مظلماً، وجعل النور نهاراً أبيض مبصراً، وقيل: أول ما خلق الله تعالى نور محمد عَ له. قلت: التوفيق بين هذه الروايات بأن الأولية نسبي، وكل شيء قيل فيه إنه أول فهو بالنسبة إلى ما بعدها. قوله: ((وكتب في الذكر)) أي: قدر كل الكائنات وأثبتها في الذكر أي: اللوح المحفوظ. قوله: ((تقطع))، تفعل من التقطع وهو بلفظ الماضي وبلفظ المضارع من القطع. قوله: ((السراب)) بالرفع فاعله، والسراب هو الذي تراه نصف النهار كأنه ماء، والمعنى: فإذا هي، انتهى السراب عندها. قوله: ((لوددت))، أي: لأحببت أني لو تركتها لئلا يفوت منه سماع كلام رسول الله، عَّه، وقال المهلب: السؤال عن مبادىء الأشياء والبحث عنها جائز شرعاً، وللعالم أن يجيب عنها بما يعلم، فإن خشي من السائل إيهام شك أو تقصير فلا يجيبه وينهاه عن ذلك. ... / ٣١٩٢ - وروَاهُ عِيسَى عنْ رَقَبَةَ عنْ قَيْسٍ بنُ مُسْلِمٍ عنْ طارِقٍ بنِ شِهَابٍ قال سَمِعْتُ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهُ يَقولُ قامَ فِينَا النَّبِيُّ عََّلِّ مَقَاماً فأخبرَنَا عِنْ بَدْءِ الْخَلْقِ حتَّى دَخَلَ أَهْلُ الجَنَّةِ منازِلَهُمْ وَأَهْلُ النَّارِ مَنَازِلَهُمْ خَفِظَ ذَلِكَ مَنْ حَفِظَهُ ونَسِيَّهُ مَنْ نَسِيَهُ. عيسى هو ابن موسى البخاري أبو أحمد التيمي مولاهم يلقب: غنجار، بضم الغين المعجمة وسكون النون وبالجيم وبعد الألف راء، لقب به لاحمرار خديه، كان من أعبد الناس، مات سنة سبع أو ست وثمانين ومائة، وليس له في البخاري إلاّ هذا الموضع، ورقبة، بفتح الراء والقاف والباء الموحدة: ابن مصقلة، بالصاد المهملة وبالقاف: العبدي الكوفي. واعلم أن رواية الأكثرين هكذا. عيسى عن رقبة، وقال الجياني: سقط بينه وبين رقبة أبو حمزة السكري وهو محمد بن ميمون، وقال أبو مسعود الدمشقي: إنما رواه عيسى، يعني: ابن ١٥١ ٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (١) موسى عن أبي حمزة السكري عن رقبة. وقد وصل الطبراني هذا الحديث من طريق عيسى المذكور عن أبي حمزة عن رقبة ولم ينفرد به عيسى، فقد أخرجه أبو نعيم من طريق علي بن الحسين بن شقيق عن أبي حمزة ولكن في إسناده ضعف. قوله: ((قام فينا النبي عَّلّه، مقاماً)) يعني: قام على المنبر، بيَّنَّ ذلك ما رواه أحمد ومسلم من حديث أبي زيد الأنصاري، قال: صلى بنا رسول الله، عَّةٍ، صلاة الصبح وصعد المنبر فخطبنا حتى حضرت الصلاة، ثم نزل فصلى بنا الظهر ثم صعد المنبر فخطبنا ثم العصر كذلك حتى غابت الشمس فحدثنا بما كان وما هو كائن، فأعلمنا أحفظنا لفظ أحمد وأفاد هذا بيان المقام المذكور زماناً ومكاناً، وأنه كان على المنبر من أول النهار إلى أن غابت الشمس. قوله: ((حتى دخل)) كلمة: حتى، غاية للمبدأ وللإخبار، أي: حتى أخبر عن دخول أهل الجنة، والغرض أنه أخبر عن المبدأ والمعاش والمعاد جميعاً، وإنما قال: دخل، بلفظ الماضي موضع المستقبل مبالغة للتحقق المستفاد من خبر الصادق. وفيه: دلالة على أنه أخبر في المجلس الواحد بجميع أحوال المخلوقات من ابتدائها إلى انتهائها، وفي إيراد ذلك كله في مجلس واحد أمر عظيم من خوارق العادة، وكيف وقد أعطي جوامع الكلم مع ذلك؟ ٣١٩٣/٣ - حدَّثني عبْدُ لله بنُ أبِي شَيْبَةَ عنْ أبِي أَحْمَدَ عنْ سُفْيَانَ عنْ أَبِي الزِّنادِ عنِ الأغرَجِ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ قال قال النَّبِيُّ عَّهِ أَرَاهُ يَقُولُ اللهِ شَتَمَنِي ابنُ آدَمَ ومَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَشْتِمَنِي وَتَكَذَّبَنِي وما يَنْبَغِي لَهُ أَمَّا شَتْهُهُ فَقَوْلُهُ إِنَّ لِي وَلَدَاً وأمَّا تَكْذِينُهُ فَقَوْلُهُ لَيْسَ يُعِيدُنِي كَمَا بَدَأْنِي. [الحديث ٣١٩٣ - طرفاه في: ٤٩٧٤، ٤٩٧٥]. مطابقته للترجمة في قوله: ((ليس يعيدني كما بدأني)) وهو قول منكري البعث من عباد الأوثان. وأبو أحمد اسمه محمد بن عبد الله بن الزبير بن عمر بن درهم الأزدي، وقيل: الأسدي الزبيري، نسبة إلى جده، مات بالأهواز في جمادى الأولى سنة ثلاث ومائتين، وكان يصوم الدهر، وسفيان هو الثوري، وأبو الزناد، بالزاي والنون: عبد الله بن ذكوان، والأعرج عبد الرحمن بن هرمز. قوله: ((يشتمني))، بالفعل المضارع، ويروى: شتمني، بالماضي من الشتم، وهو توصيف الشيء بما هو إزراء ونقص لا سيما فيما يتعلق بالغيرة وإثبات الولد كذلك، لأنه يستلزم الإمكان المتداعي للحدوث، قالوا: إن هذا الحديث كلام قدسي، أي: نص إلهي في الدرجة الثانية، لأن الله تعالى أخبر نبيه، ◌َّله، معناه بإلهام وأخبر النبي عَّ له، عنه أمته بعبارة نفسه. قوله: ((وتكذبني))، من باب التفعل، ويروى: ويكذبني بضم الياء من التكذيب. ٣١٩٤/٤ - حدّثنا قُتَيِبَةُ بنُ سَعِيدٍ قال حدَّثنا مُغِيرَةُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ القُرَشِيُّ عنْ أَبِي ١٥٢ ٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (١) الزِّنَادِ عنِ الأَعْرَجَ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ قال قال رسُولُ الله عَ لَِّ لَمَّا قَضَى الله الخَلْقَ كَتَبَ فَي كِتَابِهِ فَهْوَ عِنْدَهُ فَوقَ العَرْشِ إِنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي. [الحديث ٣١٩٤ - أطرافه في: ٧٤٠٤، ٧٤١٢، ٧٤٥٣، ٧٥٥٣، ٧٥٥٤]. مطابقته للترجمة في قوله: ((لما قضى الله الخلق)). ومغيرة، بضم الميم وكسرها. والحديث أخرجه مسلم في التوبة، والنسائي في النعوت كلهم عن قتيبة. قوله: ((لما قضى الله الخلق))، قال الخطابي: يريد لما خلق الله الخلق كما في قوله تعالى: ﴿فقضاهن سبع سموات﴾ [فصلت: ١٢]. أي: خلقهن، وقال ابن عرفة: قضاء الشيء إحكامه وإمضاؤه والفراغ منه، وبه سمي القاضي لأنه إذا حكم فقد فرغ مما بين الخصمين. قوله: ((كتب في كتابه))، أي: أمر القلم أن يكتب في كتابه وهو اللوح المحفوظ، والمكتوب هو: أن رحمتي غلبت غضبي. قوله: ((فهو عنده))، أي: الكتاب عنده، والعندية ليست مكانية بل هو إشارة إلى كمال كونه مكنوناً عن الخلق مرفوعاً عن حيز إدراكهم. قوله: ((فوق العرش))، قال الخطابي: قال بعضهم: معناه دون العرش استعظاماً أن يكون شيء من الخلق فوق العرش كما في قوله تعالى: ﴿بعوضة فما فوقها﴾ [البقرة: ٢٦]. أي: فما دونها أي: أصغر منها، وقال بعضهم: إن لفظ الفوق زائد كما في قوله تعالى: ﴿فإن كن نساء فوق اثنتين﴾ [النساء: ١١]. إذ الثنتان يرثان الثلثين. قلت: في كل منهما نظر، أما الأول ففيه استعمال اللفظ في غير موضعه، وأما الثاني ففيه فساد المعنى، لأن معناه: يكون حينئذ: فهو عنده العرش، وهذا لا يصح، والأحسن أن يقال معنى قوله: فهو عنده فوق العرش أي: علم ذلك عند الله فوق العرش لا ينسخ ولا يبدل، أو ذكر ذلك عند الله فوق العرش، ولا محذور من إضمار لفظ العلم أو الذكر، على أن العرش مخلوق ولا يستحيل أن يمسه كتاب مخلوق، فإن الملائكة حملة العرش حاملونه على كواهلهم، وفيه المماسة فلا محذور أن يكون كتابه فوق العرش. فإن قلت: ما وجه تخصيص هذا بالذكر على ما قلت، مع أن القلم كتب كل شيء؟ قلت: لما فيه من الرجاء الكامل وإظهار أن رحمته وسعت كل شيء، بخلاف غيره. قوله: ((أن رحمتي))، بفتح أن على أنها بدل من: كتب، وبكسرها ابتداء كلام يحمي مضمون الكتاب. قوله: ((غلبت))، في رواية شعيب عن أبي الزناد في التوحيد: سبقت، بدل: غلبت، والمراد من الغضب معناه الغائي وهو لازمه، وهو إرادة الانتقام ممن يقع عليه الغضب والسبق والغلبة باعتبار التعلق أي: تعلق الرحمة سابق غالب على تعليق الغضب، لأن الرحمة مقتضى ذاته المقدسة، وأما الغضب فإنه متوقف على سابقة عمل من العبد حادث، وبهذا يندفع إشكال من أورد وقوع العذاب قبل الرحمة في بعض المواضع كمن يدخل النار من الموحدين ثم يخرج بالشفاعة أو غيرها، وقيل: الرحمة والغضب من صفات الفعل لا من صفات الذات فلا مانع من تقدم بعض الأفعال على بعض، وقال الطيبي في سبق الرحمة ١٥٣ ٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (٢) إشارة إلى أن قسط الخلق منها أكثر من قسطهم من الغضب، وأنها تنالهم من غير استحقاق، وأن الغضب لا ينالهم إلاّ باستحقاق، فالرحمة تشمل الشخص جنيناً ورضيعاً وفطيماً وناشئاً قبل أن يصدر منه شيء من الطاعة ولا يلحقه الغضب إلاّ بعد أن يصدر عنه من الذنوب ما يستحق معه ذلك، والله تعالى أعلم. ٢ - بابُ ما جاءَ في سَبْعٍ أَرَضينَ هذا باب في بيان ما جاء في وضع سبع أرضين. وقَوْلِ الله تعَالى ﴿ألله الَّذِي خِلَقَ سَبْعَ سَمُواتٍ وَمِنَ الأرْضِ مَثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ الله علَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وأنَّ الله قَدْ أَحَاطَ بِكُلَّ شَيْءٍ عِلْمَاً [الطلاق: ١٢]. وقول الله، بالجر عطفاً على قوله: في سبع أرضين. قوله: ((الله)) مبتدأ. و: الذي خلق، خبره. قوله: ((سبع سموات ومن الأرض مثلهن)) في العدد، قيل: ما في القرآن آية تدل على أن الأرضين سبع: إلاَّ هذه الآية. وقال الداودي: فيه دلالة على أن الأرضين بعضها فوق بعض مثل السموات ليس بينها فرجة، وحكى ابن التين عن بعضهم: أن الأرض واحدة، قال: وهو مردود بالقرآن والسنة. وروى البيهقي عن أبي الضحى عن مسلم عن ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما، أنه قال: ﴿الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن﴾ [الطلاق: ١٢]. قال: سبع أرضين في كل أرض نبي كنبيكم وآدم كآدمكم ونوح كنوحكم وإبراهيم كإبراهيمكم وعيسى كعيسى، ثم قال: إسناد هذا الحديث عن ابن عباس صحيح، وهو شاذ بمرة لا أعلم لأبي الضحى عليه متابعاً. وروى ابن أبي حاتم من طريق محمد عن مجاهد عن ابن عباس، قال: لو حدثتکم بتفسير هذه الآیة لکفرتم، و کفر کم تکذیبکم بها، وقد روی أحمد والترمذي من حديث أبي هريرة مرفوعاً، أن بين كل سماء وسماء خمسمائة عام، وأن سمك كل سماء كذلك، وأن بين كل أرض وأرض خمسمائة عام. وأخرجه إسحاق بن راهويه والبزار من حديث أبي ذر نحوه. فإن قلت: روى أبو داود والترمذي من حديث العباس ابن عبد المطلب، رضي الله تعالى عنه، مرفوعاً: بين كل سماء وسماء إحدى أو اثنتان وسبعون سنة. قلت: يجمع بينهما بأن اختلاف المسافة بينهما باعتبار بطء السير وسرعته، وفي (تفسير النسفي): وقيل: إن المراد بقوله: سبع أرضين الأقاليم السبعة، والدعوة شاملة جميعها، وقيل: إنها سبع أرضين متصلة بعضها ببعض والحائل بين كل أرض وأرض بحار لا يمكن قطعها ولا الوصول إلى الأرض الأخرى ولا تصل الدعوة إليهم. قوله: ((لتعلموا)) اللام تتعلق بخلق، وقيل: بيتنزل، والأول أقرب، وأن الله تعالى قد أحاط بكل شيء علماً لا يخفى عليه شيء، وعلماً مصدر من غير لفظ الفعل أي: قد علم كل شيء علماً. والسَّقْفِ المَرْفُوعِ السَّماءُ هذه حكاية عما في سورة الطور وهو: ﴿والطور وكتاب مسطور في رق منشور ١٥٤ ٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (٢) والبيت المعمور والسقف المرفوع﴾ [الطور: ١]. فقوله: والسقف المرفوع، بالرفع مبتدأ وقوله: ﴿السماء﴾ [الطور: ١]. خبره وهو تفسيره، كذا فسره مجاهد، رواه ابن أبي حاتم وغيره من طريق ابن أبي نجيح عنه، ويجوز بالجر على طريق الحكاية عما في سورة الطور سمى السماء سقفاً لأنها للأرض كالسقف للبيت، وهو يقتضي الرد على من قال: إن السماء كرية، لأن السقف في اللغة العربية لا يكون كرياً، وفيه نظر. سَمْگھَا بِنَاءَها أشار بهذا إلى ما في قوله تعالى: ﴿رفع سمكها فسواها﴾ [النازعات: ٢٨]. في: والنازعات، وهنا: سمكها، مرفوع على الابتداء وخبره قوله: بناؤها، ويجوز بالنصب على الحكاية. وقوله: ﴿رفع سمكها﴾ [النازعات: ٢٨]. أي: بناءها يعني: رفع بنيانها، والسمك، بفتح السين المهملة وسكون الميم، وهكذا فسره ابن عباس، رواه ابن أبي حاتم من طريق ابن أبي طلحة عنه. الْحُبْكُ اسْتِوَاؤُهَا وحُسْنُها أشار بهذا إلى ما في قوله تعالى ﴿والسماء ذات الحبك﴾ [الذاريات: ٧]. ويجوز في الحبك الرفع على الابتداء وخبره: استواؤها، ويجوز الجر على الحكاية، والتفسير الذي فسره رواه ابن أبي حاتم من طريق عطاء بن السائب عن يزيد عن سعيد بن جبير عنه، والحبك - بضمتين - جمع حبيكة، كطرق جمع طريقة، وزناً ومعنى. وقيل: واحدها حباك كمثال، وقيل: الحبك الطرائق التي ترى في السماء من آثار الغيم، وروى الطبري عن الضحاك نحوه، وقيل: هي النجوم أخرجه الطبري بإسناد حسن عن الحسن، وروى الطبري عن عبد الله بن عمرو: أن المراد بالسماء هنا السماء السابعة. وأذِنَتْ سَمِعَتْ وأَطَاعَتْ أشار بهذا إلى ما في قوله تعالى: ﴿إذا السماء انشقت وأذنت لربها وحقت﴾ [الانشقاق: ٢،١]. ورواه هكذا ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس: ﴿وأذنت لربها﴾ أي: أطاعت، ومن طريق الضحاك: أي: سمعت، قال النسفي: وحقيقته من أذن الشيء إذا أصغى إليه أذنه للاستماع، والسماع يستعمل للإسعاف والإجابة، كذلك الإذن أي: أجابت لربها إلى الانشقاق وما أراده منها. وألْقَتْ أخْرَجَتْ ما فِيهَا مِنَ المَوْتَى وتَخَلَّتْ عَنْهُمْ أشار إلى قوله تعالى بعد قوله: ﴿وأذنت لربها وحقت وإذا الأرض مدت وألقت ما فيها وتخلت﴾ [الانشقاق: ٣،٢]. وحقت أي: حق لها أن تطيع، وألقت أي: طرحت ما فيها، ومدت من مد الشيء فامتد وهو: أن تزول جبالها وآكامها، وكل أمة فيها حتى تمتد وتنبسط ويستوي ظهرها، وتخلت أي: خلت غاية الخلو حتى لا يبقى في بطنها شيء كأنها ١٥٥ ٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (٢) تكلفت أقصى جهدها في الخلو. طَحَاهَا دَحاها أشار بهذا إلى ما في قوله تعالى: ﴿والأرض وما طحاها، ونفس وما سواها﴾ [الشمس: ٧،٦]. وأراد بقوله: ((دحاها))، تفسير قوله: ﴿طحاها﴾ وهكذا فسره مجاهد، أخرجه عنه عبد ابن حميد وأخرج ابن أبي حاتم من طريق ابن عباس والسدي وغيرهما: ﴿دحاها﴾ أي: بسطها، من الدحو وهو البسط، يقال: دحا يدحو ويدحي، أي: بسط ووسع. بالسَّاهِرَةِ وَجْهُ الأَرْضِ كانَ فِيهَا الحَيَوَانُ نَوْمُهُمْ وسَهَرُهُمْ أشار بهذا إلى ما في قوله تعالى: ﴿فإذا هم بالساهرة﴾ [النازعات: ١٤]. أي: وجه الأرض، ولعله سمى بها لأن نوم الخلائق وسهرهم فيها، هكذا فسره عكرمة، أخرجه ابن أبي حاتم، وأخرج أيضاً من طريق مصعب بن ثابت عن أبي حازم عن سهل بن سعد في قوله تعالى: ﴿فإذا هم بالساهرة﴾ [النازعات: ١٤]. قال: أرض بيضاء عفراء كالخبزة، وعن ابن أبي حاتم: المراد بها أرض القيامة، وقال النسفي: قيل: هذه الساهرة جبل عند بيت المقدس، وقال أبو العالية: ﴿فإذا هم بالساهرة﴾ [النازعات: ١٤]. بالصقع الذي بين جبل حسبان وجبل أريحا. ٣١٩٥/٥ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عبْدِ الله قال أَخْبَرَنَا ابنُ عَليَّةَ عنْ عَلِيٌّ بنِ المُبَارَكِ قال حدَّثنا يَحْتِى بنُ أَبِيٍ كَثِيرٍ عنْ مُحَمَّدِ بنِ إِبْرَاهِيمَ بنِ الحَارِثِ عنْ أَبِي سلَمَةَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ وكانَتْ بَيْنَهُ وبَيْنَ أَنَاسٍ خُصُومَةٌ في أرْض فَدَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ فَذَكَرَ لَهَا ذَلِكَ فقالَتْ يا أبًا سلَمَةَ اجْتَنِبِ الأَرْضَ فإنَّ رَسُولَ اللهِ عَّه قال مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ طُوَّقَهُ مِنْ سَبْعٍ أَرَضِينَ. [انظر الحديث ٢٤٥٣ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((من سبع أرضين)). وعلي بن عبد الله هو ابن المديني، وابن علية اسمه إسماعيل بن إبراهيم، وعلية اسم أمه وقد مر غير مرة. والحديث قد مضى في المظالم في: باب إثم من ظلم شيئاً من الأرض، فإنه أخرجه هناك: عن أبي معمر عن عبد الوارث عن حسين عن يحيى بن أبي كثير إلى آخره. قوله: ((قيد شبر))، بكسر القاف وسكون الياء آخر الحروف، وهو المقدار. قوله: ((طوقه))، على صيغة المجهول، ومعنى التطويق أن يخسف الله به الأرض فتصير البقعة المغصوبة منها في عنقه يوم القيامة كالطوق، وقيل: هو أن يطوق حملها يوم القيامة، أي: يكلف، لا من طوق التقليد، بل من طوق التكليف. ٣١٩٦/٦ _ حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُحَمَّدٍ أُخبرَنا عَبْدُ الله عنْ مُوسَى بِنِ عُقْبَةَ عنْ سَالِمٍ عنْ أبِيهِ قال قال النبي عَّهِ مَنْ أَخَذَ شَيْئاً مِنَ الأرْضِ بِغَيْرِ حَقِّهِ خُسِفَ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ إِلى سَبْعٍ أَرْضِينَ. [انظر الحديث ٢٤٥٤ وأطرافه]. ١٥٦ ٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (٢) مطابقته للترجمة ظاهرة، وبشر، بكسر الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة: ابن محمد المروزي، وعبد الله هو ابن المبارك المروزي، وسالم يروي عن أبيه عبد الله بن المبارك. والحديث مضى في المظالم في: باب إثم من ظلم، فإنه أخرجه هناك عن مسلم ابن إبراهيم عن عبد الله بن المبارك. ٧ /٣١٩٧ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ الْمُثَنَّى قال حدَّثنا عبْدُ الوَهَّابِ قال حدَّثْنَا أَيُّوبُ عنْ مُحَمَّدٍ بنِ سِيرِينَ عنِ ابنِ أبِي بَكْرَةَ رضي الله تعالى عنه عَنِ النَّبِيِّ عَُّلَّهِ قال الزَّمَانُ قَدٍ اسْتَدَارَ كَھَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَواتِ والأَرْضَ السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرَاً مِنْهَا أربعةٌ حُرُمٌ ثَلاثٌ مُتَوَالِياتٌ ذُو القَعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ والْمُحَرَّمُ ورَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادي وشَعْبَانَ. [انظر الحديث ٨٧ وأطرافه]. مطابقته للترجمة تتأتى بالتعسف لأن الأحاديث المذكورة فيها التصريح بسبع أرضين، وهذا المذكور لفظ: الأرض فقط، ولكن المراد منه سبع أرضين أيضاً. وعبد الوهاب الثقفي، وأيوب السختياني، وابن أبي بكرة عبد الرحمن، وأبو بكرة نفيع بن الحارث الثقفي، وقد مضى في كتاب العلم عن أبي بكرة، وفي الحج أيضاً من هذا الوجه، ولكن يأتي نحوه بأتم منه في آخر المغازي. قوله: ((الزمان)) اسم لقليل الوقت وكثيره، وأراد به هنا السنة، وذلك أن قوله: ((السنة إثني عشر شهراً ... )) إلى آخره، جمل مستأنفة مبينة للجملة الأولى. فالمعنى أن الزمان في انقسامه إلى الأعوام، والأعوام إلى الأشهر عاد إلى أصل الحساب والوضع الذي اختاره الله ووضعه يوم خلق السموات والأرض. قوله: ((استدار))، يقال: دار يدور، واستدار يستدير بمعنى: إذا طاف حول الشيء وإذا عاد إلى الموضع الذي ابتدأ منه، ومعنى الحديث: أن العرب كانوا يؤخرون المحرم إلى صفر وهو النسيء المذكور في قوله تعالى: ﴿إنما النسيء زيادة في الكفر﴾ [التوبة: ٣٧]. وذلك ليقاتلوا فيه، ويفعلون ذلك كل سنة بعد سنة فينتقل المحرم من شهر إلى شهر حتى جعلوه في جميع شهور السنة، فلما كانت تلك السنة قد عاد إلى زمنه المخصوص به، قيل: دارت السنة كهيئتها الأولى، وقال بعضهم: إنما أخر النبي معَ ◌ّه الحج مع الإمكان ليوافق أصل الحساب فيحج فيه حجة الوداع. قوله: ((كهيئته))، الكاف صفة مصدر محذوف أي: استدار استدارة مثل حالته يوم خلق السموات والأرض. قوله: ((ثلاث متواليات)) إنما حذف التاء من العدد باعتبار أن الشهر واحد الأشهر بمعنى الليالي، فاعتبر لذلك تأنيثه، ويقال: ذلك باعتبار الغرة أو الليلة، مع أن العدد الذي لم يذكر معه المميز جاز فيه التذكير والتأنيث، ويروى: ((ثلاثة))، على الأصل. قوله: ((ذو القعدة)) مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي: هي ذو القعدة، أو: أولها ذو القعدة، وما بعده عطف عليه. قوله: ((ورجب مضمر)) عطف على قوله: ((ثلاث))، وليس بعطف على قوله: والمحرم، وإنما أضافه إلى مضر لأنها كانت تحافظ على تحريمه أشد من محافظة سائر العرب، ولم يكن يستحله أحد من العرب. قوله: ((بين جمادي وشعبان))، ذكره تأكيداً وإزاحة للريب الحادث فيه من النسيء. ١٥٧ ٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (٣) قال الزمخشري: النسيء تأخير حرمة شهر إلى شهر آخر، كانوا يحلون الشهر الحرام ويحرمون مكانه شهراً آخر حتى رفضوا تخصيص الأشهر الحرم، فكانوا يحرمون من شهور العام أربعة أشهر مطلقاً، وربما زادوا في الأشهر فيجعلونها ثلاثة عشر، أو أربعة عشر، قال: والمعنى: رجعت الأشهر إلى ما كانت عليه وعاد الحج إلى ذي الحجة وبطل النسيء الذي كان في الجاهلية، وقد وافقت حجة الوداع ذا الحجة، فكانت حجة أبي بكر، رضي الله تعالى عنه، قبلها في ذي القعدة. ٣١٩٨/٨ _ حدَّثني عُبَيْدُ بنُ إِسْمَاعِيلَ قال حدَّثنا أبُو أُسَامَةَ عنْ هِشَامِ عنْ أَبِيهِ عنْ سَعِيدِ بنِ زَيْدِ بنِ عَمْرِو بنِ نُفَيْلٍ أَنَّهُ خَاصَمَتْهُ أَزْوَى فِي حَقّ زَعَمَ أَنَّهُ انْتَقَصَهُ لَّهَا إلى مَرْوانَ فقالَ سَعِيدٌ أَنَا أَنْتَقِصُ مِنْ حقِّهَا شَيْئاً أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ الله عَ لَّه يَقُولُ مِنْ أَخَذَ شِبْرَاً مِنَ الأَرْضِ ظُلْماً فإنَّهُ يُطَوِّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرْضِينَ. [انظر الحديث ٢٤٥٢]. مطابقته للترجمة ظاهرة. وعبيد، بضم العين: واسمه في الأصل عبد الله الهباري القرشي الكوفي، وأبو أسامة حماد بن أسامة، وهشام بن عروة بن الزبير يروي عن أبيه عروة، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، بضم النون وفتح الفاء: العدوي أحد العشرة المبشرة، رضي الله تعالى عنهم. والحديث من قوله: ((لسمعت رسول الله، عَّ لَّه) إلى آخره، قد مر في المظالم في: باب إثم من ظلم شيئاً من الأرض. قوله: ((زعمت))، أي: ادعت أنه أي: أن سعيد بن زيد انتقصه، أي: انتقصها من حقها في أرض. قوله: ((إلى مروان))، يتعلق بقوله: خاصمته، أي: ترافعا إلى مروان، وهو كان يومئذ متولي المدينة، وقد ترك سعيد الحق لها ودعا عليها، فاستجاب الله تعالى دعاءه ومرت القصة في المظالم. قال ابنُ الزِّنادِ عنْ هشامٍ عنْ أبِيهِ قال قال لِي سَعِيدُ بنُ زَيْدِ دَخَلْتُ على النَّبِيِّ عَ له ابن أبي الزناد، بكسر الزاي وبالنون: هو عبد الرحمن بن عبد الله مفتي بغداد، وأراد البخاري بهذا التعليق بيان لقاء عروة سعيداً وتصريح سماعه منه الحديث المذكور، وقال بعضهم: وقد لقي عروة من هو أقدم من سعيد كوالده الزبير وعلي وغيرهما، قلت: لا يلزم من ذلك ملاقاته سعيداً من هذا الوجه. ٣ - بابّ في النُّجُومِ أي: هذا باب في بيان ما جاء في النجوم. وقَالَ قَتَادَةُ ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [الملك: ٥]. خلَقَ هَذِهِ النُّجُومُ لِثَلاثِ جَعَلَهَا زِينَةً لِلسَّمَاءِ ورُجُومَاً لِلْشَّيَاطِينَ وعَلاماتٍ يُهْتَدَى بِهَا فَمِنْ تأوَّلَ فِيها بِغَيْرِ ١٥٨ ٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (٣) ذلِكَ أخْطأ وأضاع نَصِيبَهُ وتكَلَّفَ ما لا علْمَ لَهُ بِهِ هذا التعليق وصله عبد بن حميد في تفسيره عن يونس عن سفيان عنه وزاد في آخره: وأن ناساً جهلة بأمر الله قد أحدثوا في هذه النجوم كهانة من غرس بنجم كذا كان كذا، ومن سافر بنجم كذا كان كذا، ولعمري ما من النجوم نجم إلاّ ويولد به الطويل والقصير والأحمر والأبيض والحسن والدميم، وقال الداودي: قول قتادة في النجوم حسن إلاَّ قوله: أخطأ وأضاع نصيبهِ، فإنه قصر في ذلك بل قائل ذلك كافر. انتهى. ورد عليه بأنه لم يتعين الكفر في ذلك إلاَّ في حق من نسب الاختراع إلى النجوم، وفي (ذم النجوم) للخطيب البغدادي من حديث إسماعيل بن عياش عن البحتري بن عبيد الله عن أبيه عن أبي ذر عن عمر مرفوعاً: لا تسألوا عن النجوم. ومن حديث عبد الله بن موسى عن الربيع بن حبيب عن نوفل بن عبد الملك عن أبيه عن علي، رضي الله تعالى عنه: نهاني رسول الله، عَّه، عن النظر في النجوم. وعن أبي هريرة وابن مسعود وعائشة وابن عباس نحوه. وعن الحسن: أن قيصر سأل قس بن ساعدة الأيادي: هل نظرت في النجوم؟ قال: نعم نظرت فيما يراد به الهداية ولم أنظر فيما يراد به الكهانة. وفي (كتاب الأنواء) لأبي حنيفة: المنكر في الذم من النجوم نسبة الأمر إلى الكواكب وأنها هي المؤثرة، وأما من نسب التأثير إلى خالقها وزعم أنه نصبها أعلاماً وصيرها آثاراً لما يحدثه فلا جناح عليه. وقال ابنُ عَبَّاسٍ هَشِيماً مُتَغَيّراً أشار بهذا إلى ما في قوله تعالى: ﴿فأصبح هشيماً تذروه الرياح﴾ [الكهف: ٤٥]. وفسر ابن عباس: هشيماً، بقوله: متغيراً، ذكره إسماعيل بن أبي زياد في تفسيره عن ابن عباس، وقد جرت عادة البخاري أنه إذا ذكر آية أو حديثاً في الترجمة ونحوها يذكر أيضاً بالتبعية على سبيل الاستطراد ما له أدنى ملابسة بها تكثيراً للفائدة. والأبُّ ما يأكُلُ الأَنْعَامُ أشار بهذا إلى ما في قوله تعالى: ﴿وحدائق غلباً وفاكهة وأبَّاً﴾ [عبس: ٣٠، ٣١]. وهذا أيضاً تفسير ابن عباس أيضاً، ووصله ابن أبي حاتم من طريق عاصم بن كليب عن أبيه عنه قال الأب ما أنبته الأرض مما تأكله الدواب ولا يأكله الناس ومن طريق عطاء والضحاك الأب كل شيء ينبت على وجه الأرض وزاد الضحاك إلاَّ الفاكهة. والأنامُ الخَلْقُ أشار بهذا إلى ما في قوله تعالى: ﴿والأرض وضعها للأنام﴾ [الرحمن: ١٠] فسر الأنام بقوله الخلق وهذا تفسير ابن عباس أيضاً رواه ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عنه في الآية المذكورة، والمراد بالخلق: المخلوق، وروى من طريق سماك عن عكرمة قال: الأنام الناس، ومن طريق الحسن قال: الجن والإنس. وقال الشعبي: هو كل ذي روح. ١٥٩ ٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (٤) برزَخٌ حاجِبٌ أشار بهذا إلى ما في قوله تعالى: ﴿بينهما برزخ لا يبغيان﴾ [الرحمن: ٢٠]. فسره بقوله: حاجب يعني: حاجب بين البحرين لا يختلطان، وهذا أيضاً تفسير ابن عباس، وحاجب: بالباء الموحدة في قول الأكثرين، وفي رواية المستملي والكشميهني حاجز، بالزاي موضع الباء، من حجز بين الشيئين إذا حال بينهما. وقال مُجَاهِدٌ أَلْفافاً مُلْتَفَّةً. والغُلْبُ المُلْتَفَّةُ أشار بهذا إلى ما روي عن مجاهد في تفسير قوله تعالى: ﴿وجنات ألفافاً﴾ [النبأ: ١٦]. أي: ملتفة، وصله عنه عبد بن حميد من طريق ابن أبي نجيح، ومعنى ملتفة أي: ملتفة بعضها على بعض، وألفاف جمع لف، وقيل: جمع لفيف، وحكى الكسائي أنه جمع الجمع، وقال الطبري: اختلف أهل اللغة في واحد الألفاف، فقال بعض نحاة البصرة: لف، وقال بعض نحاة الكوفة: لف ولفيف، وقال الطبري: إن كان الألفاف جمعاً فواحده جمع أيضاً، تقول: جنة لف وجنات لف. قوله: ((والغلب الملتفة)) إشارة إلى ما في قوله تعالى: ﴿وحدائق غلباً﴾ [عبس: ٣٠]. وفسر الغلب بقوله: الملتفة، وروى ابن أبي حاتم من طريق عاصم بن كليب عن أبيه عن ابن عباس: الحدائق ما التفت، والغلب ما غلظ، وروى من طريق عكرمة عنه: الغلب شجر بالجبل لا يحمل يستظل به. ﴿فِرَاشاً﴾ [البقرة: ٢٢]. مِهَاداً كَقَوْلِهِ ﴿وَلَكُمْ في الأرْضِ مُسْتَقَرّ﴾ [البقرة: ٣٦]. أشار بهذا إلى ما في قوله تعالى: ﴿وهو الذي جعل لكم الأرض فراشاً﴾ [البقرة: ٢٢]. وفسره بقوله: مهاداً، وبه فسر قتادة والربيع بن أنس وصله الطبري عنهما. قوله: ((كقوله: ﴿ولكم في الأرض مستقر﴾ [البقرة: ٣٦]. أي: كما في قوله تعالى: ﴿ولكم في الأرض مستقر﴾ [البقرة: ٣٦]. أي: موضع قرار، وهو بمعنى المهاد. نكداً قلِيلاً أشار بهذا إلى ما في قوله تعالى: ﴿والذي خبث لا يخرج إلاَّ نكداً﴾ [الأعراف: ٥٨]. وفسر النكد بقوله: قليلاً، وكذا أخرجه ابن أبي حاتم من طريق السدي، قال: ﴿لا يخرج إلاّ نكداً﴾ [الأعراف: ٥٨]. قال: النكد: الشيء القليل الذي لا ينفع. وأخرج ابن أبي حاتم أيضاً من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، رضي الله تعالى عنه، قال: هذا مثل ضرب للكافر، كالبلد السبخة المالحة التي لا تخرج منها البركة. ٤ - بابُ صِفَةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ بِحُسْبَانٍ أي: هذا باب في بيان تفسير صفة الشمس والقمر بحسبان. قالَ مُجَاهِدٌ گحسبَانِ الرَّحَی يعني الشمس والقمر يجريان بحسبان، يعني: بحساب معلوم كجري الرحى، يعني ١٦٠ ٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (٤) على حساب الحركة الرحوية الدورية وعلى وضعها، والحسبان قد يكون مصدراً، تقول: حسبت حساباً وحسباناً، مثل: الغفران والكفران والرجحان والنقصان والبرهان، وقد يكون جمع الحساب مثل: الشهبان والركبان والقضبان والرهبان، وقول مجاهد وصله الفريابي في (تفسيره) من طريق ابن أبي نجيح عنه. وقال غَيْرُهُ بِحِسَابٍ ومَنَازِلَ لاَ يَعْدُوَانِهَا أي: قال غير مجاهد في تفسير الآية المذكورة: إن معناها يجريان بحسبان، أي: بقدر معلوم، ويجريان في منازل لا يعدوانها أي: لا يتجاوزان المنازل، روى ذلك الطبري عن ابن عباس بإسناد صحيح، وروى عبد بن حميد أيضاً من طريق أبي مالك الغفاري مثله. حُسْبَانٌ جَمَاعَةُ حِسابٍ مِثْلُ شِهابٍ وشُهْبَانٍ قد ذكرنا الآن أن لفظ حسبان قد يكون جمعاً، وقد يكون مصدراً. ضُحَاهَا ضَوْؤُها أشار بهذا إلى قوله تعالى: ﴿والشمس وضحاها﴾ [الشمس: ١]. وفسر الضحى بالضوء، وصله عبد بن حميد من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، قال: ﴿والشمس وضحاها﴾ [الشمس: ١]. قال: ضوؤها، وقال الإسماعيلي: يريد أن الضحى تقع في صدر النهار، وعنده تشتد إضاءة الشمس، وروى ابن أبي حاتم من طريق قتادة والضحاك، وقال: ضحاها النهار، وفي (تفسير النسفي) .. ﴿والشمس وضحاها﴾ [الشمس: ١]. إذا أشرقت وقام سلطانها، ولذلك قيل: وقت الضحى، وكان وجهه شمس الضحى، وقيل: الضحوة ارتفاع النهار، والضحى فوق ذلك. أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ لاَ يَسْتُرُ ضَوْءُ أحَدِهِما ضَوْءَ الآخَرِ وَلاَ يَنْبَغِي لَهُما ذَلِكَ سَابِقُ النَّهَارِ يَتَطَالَبَانِ حَفِيفَانِ نَسْلَخُ نُخْرِجُ أَحَدَهُمَا مِنَ الْآخَرِ ونُجْرِي كلَّ واحِدٍ مِنْهُمَا أشار بهذا إلى قوله تعالى: ﴿لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار﴾ [يَس: ٤٠]. قال الضحاك: أي: لا يزول الليل من قبل مجيء النهار، وقال الداودي: أي: لا يأتي الليل في غير وقته. قوله: ((ولا الليل سابق النهار)) أي: يتطالبان حثيثان، أي: سريعان، وقال تعالى: يطلبه حثيثاً أي: سريعاً. قوله: ((نسلخ منه النهار)) أي: نسلخ من الليل النهار، والسلخ الإخراج. ويقال: سلخت الشاة من الإهاب، والشاة مسلوخة، والمعنى: أخرجنا النهار من الليل إخراجاً لم يبقَ معَهُ شيء، فاستعير السلخ لإزالة الضوء وكشفه عن مكان الليل وملقى ظله. قوله: ((ونجري)) بالنون من الإجراء. قوله: ((كل واحد منهما))، أي: من الليل والنهار، ولما كان السلخ إخراج النهار من الليل وبالعكس أيضاً كذلك، عمم البخاري فقال بلفظ أحدهما. واهِيَةٌ وهيُهَا تَشَقُقُهَا أشار بهذا إلى قوله تعالى: ﴿وانشقت السماء فهي يومئذ واهية﴾ [الحاقة: ١٦]. وفسر