النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ ٥٨ - كِتَابُ الْجِزْيَةِ والْمُؤَادَعَةِ مَعَ أهْلِ الذِّمَّةِ والحَرْبِ / باب (٥) النَّبِيُّ عَّهِ بِالٍ مِنَ الْبَخْرَيْنِ فقال انْتُرُوهُ في المَسْجِدِ فكانَ أْثَرَ مالٍ أُتِيَ بِهِ رسولُ اللهِ عَه إذ جاءَهُ العَبَّاسُ فقال يا رَسُولَ الله أعْطِنِي إِنِّي فَادَيْتُ نَفْسِي وفادَيْتُ عَقِيلاً قال خُذْ فَحَثًا في ثَوْبِهِ ثُمَّ ذَهَبَ يُقِله فَلَمْ يَسْتَطِعْ فقال أَمُرْ بَعْضَهُمْ يَرْفَعْهُ إِلَيَّ قال لا قال فارْفَعْهُ أَنْتَ عَلَيَّ قال لاَ فَثَرَ مِنْهُ ثُمَّ احْتَمَلَهُ عَلَى كاهِلِهِ ثُمَّ انْطَلَقَ فَمَا زَالَ يُتْبِعُهُ بَصَرَهُ حتَّى خَفِيَ عَلَيْنَا عَجَبَاً مِنْ حِرْصِه فَما قامَ رسولُ الله عَّهِ وَثَمَّ مِنْهَا دِرْهَمٌ. [انظر الحديث ٤٢١ وطرفه]. وقد مضى هذا التعليق بهذا الإسناد في كتاب الصلاة في: باب القسمة وتعليق القنو في المسجد. قوله: ((عقيلاً))، بفتح العين: ابن أبي طالب وقد فادى العباس لنفسه وله يوم بدر حين صارا أسيرين للمسلمين. قوله: ((يقله))، بضم الياء وكسر القاف وتشديد اللام، أي: يحمله. قوله: ((على كاهله))، وهو ما بين الكتفين. ٥ - بابُ إِثْم مَنْ قَتَلَ مُعاهَدَاً بِغَيْرِ لجزْمٍ أي: هذا باب في بيان إثم من قتل معاهداً أي ذمياً بغير جرم، أي: بغير ذنب أراد: إذا قتله بغير حق، وهذا القيد ليس في الحديث، ولكنه مستفاد من قواعد الشرع، ووقع منصوصاً عليه في رواية أبي معاوية التي يأتي ذكرها بلفظ: بغير حق، وروى النسائي وأبو داود من حديث أبي بكر بلفظ: من قتل نفساً معاهدة بغير حلها، حرم الله عليه الجنة. ٣١٦٦/٧ - حدَّثنا قَيْسُ بنُ حَفصٍ قال حدَّثنا عَبْدُ الوَاحِدِ قال حدَّثَنَا الحَسَنُ بنُّ عَمْرٍو قال حدَّثنا مُجاهِد عنْ عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو رضي الله تعالى عنهُما عنِ النَّبِيِّ عَ لَّه قال مِنْ قتَلَ مُعاهِدَاً لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ وإِنَّ رِيحَها تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةٍ أَرْبَعِينَ عاماً. [الحديث ٣١٦٦ - طرفه في: ٦٩١٤]. مطابقته للترجمة في قوله: ((من قتل معاهداً)) وقوله: ((لم يرح)) إلى آخره، يوضح ما أبهمه في الترجمة. وقيس بن حفص أبو محمد الدارمي البصري، وعبد الواحد بن زياد والحسن ابن عمرو الفقيمي التميمي الكوفي، والفقيمي، بضم الفاء وفتح القاف نسبة: إلى فقيم بن دارم ابن مالك، والحسن بن عمر، وهذا ليس له في البخاري إلاَّ هذا الحديث وآخر في الأدب. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الديات عن قيس بن حفص أيضاً وأخرجه ابن ماجه في الديات عن أبي كريب، قالوا: هذا الحديث منقطع فيما بين عبد الله بن عمرو ومجاهد، بيَّن ذلك البرديحي في كتابه (المتصل والمرسل) بقوله: مجاهد عن ابن عمرو، ولم يسمع منه، وقد رواه مروان بن معاوية الفزاري عن ... (١) حدثنا الحسن بن عمرو عن مجاهد عن جنادة بن أبي أمية عن عبد الله بن عمرو، قال الدارقطني: هو الصواب. وأجيب: بأن سماع مجاهد عن ابن عمر وثابت وليس هو بمدلس، فيحتمل أن يكون مجاهد سمعه أولاً من جنادة ثم لقي عبد الله بن عمرو، أو سمعاه معاً من ابن عمرو، فحدث به مجاهد تارة عن ابن عمرو وتارة عن جنادة، وقالوا أيضاً: هذا الحديث من مسند عبد الله بن عمرو إلاَّ أن (١) هنا بياض في جميع النسخ الخطية. ١٢٢ ٥٨ - كِتَابُ الْجِزْيَةِ والْمُؤَادَعَةِ مَعَ أهْلِ الذِّمَّةِ والحَرْبِ / باب (٦) الأصيلي رواه عن الجرجاني عن الفربري، فقال عبد الله بن عمر، بضم العين بغير واو، ورد بأنه تصحیف. ذكر معناه: قوله: ((معاهداً))، بكسر الهاء وفتحها وأراد به الذمي لأنه من أهل العهد، أي: الأمان، والعهد حيث وقع هو الميثاق. قوله: ((لم يرح))، بفتح الياء والراء وأصله: يراح، قال الجوهري: راح فلان الشيء يراحه ويريحه إذا وجد ريحه، وأما في هذا الحديث فقد جعله أبو عبيد من: راحه يراحه، وكان أبو عمرو يقول: إنه من راحه يريحه، والكسائي يقول: من راحه يريحه، ومعنى الثلاث واحد. قوله: ((أربعين عاماً)) هكذا هو في رواية الجميع. ((أربعين عاماً)) إلاَّ عبد الغفار، فقال: ((سبعين عاماً))، وكذا جاء في رواية أبي هريرة عند الترمذي مرفوعاً، ولفظه: ((ألا من قتل نفساً معاهدة لها ذمة الله وذمة رسوله فقد أخفر بذمة الله فلا يراح رائحة الجنة، وأن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفاً)). وروى النسائي أيضاً من حديث أبي بكرة بإسناد صحيح نحوه، وفي (الموطأ) خمسمائة، قال ابن بطال: أما الأربعون فهي أقصى أشد العمر في قول الأكثرين، فإذا بلغها ابن آدم زاد عمله ويقينه واستحكمت بصيرته في الخشوع لله تعالى على الطاعة والندم على ما سلف، فهذا يجد ريح الجنة على مسيرة أربعين عاماً، وأما السبعون فهي حد المعترك، ويعرض للمرء عندها من الخشية والندم الاقتراب أجله فيجد ريح الجنة من مسيرة سبعين عاماً، وأما وجه الخمسمائة فهي فترة ما بين نبي ونبي، فيكون من جاء في آخر الفترة واهتدى باتباع النبي عَ ل الذي كان قبل الفترة ولم يضره طولها، فيجد ريح الجنة على خمسمائة عام. فإن قلت: المؤمن لا يخلد في النار؟ قلت: المراد لم يجد أول ما يجدها سائر المسلمين الذين لم يقترفوا الكبائر، وقال أحمد: أربعة أحاديث تدور على ألسنة الناس ولا أصل لها عن رسول الله، عَّ ◌ُله: من آذى ذمياً فأنا خصمه يوم القيامة. ومن بشر بخروج آذار بشر بالجنة. ويوم نحركم يوم فطركم. وللسائل حق وإن جاء على فرس. ٦ - بابُ إِخْرَاجِ الَيهُودِ مِنْ جَزِيرَةِ العَرَبِ أي: هذا باب في بيان إخراج اليهود من جزيرة العرب، وقد مضى تفسير جزيرة العرب في: باب هل يستشفع إلى أهل الذمة. وقال الكرماني: جزيرة العرب هي ما بين عدن إلى ريف العراق طولاً، ومن جدة إلى الشام عرضاً، وقيل: هذا عام أريد به الخاص، وهو الحجاز. وقال عُمَرُ عنِ النَّبِيِّ عََّلِ أُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمْ الله بِهِ هذا قطعة من قصة أهل خيبر، وقد ذكرها البخاري موصولة في كتاب المزارعة في: باب إذا قال رب الأرض: أقرك ما أقرك الله، ومضى الكلام فيه هناك. ٣١٦٧/٨ - حدّثنا عبدُ الله بنُ يُوسُفَ قال حدَّثنا اللَّيْثُ قال حدَّثني سَعِيدُ المَقْبُرِيُّ عنْ أَبِيهِ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه قال بَيْنَما نَحْنُ في الْمَسْجِدِ خرَجُ النَّبِيُّ عَلَّه قال انْطَلِقُوا إلى يَهُودَ فخَرَجْنَا حتَّى جِئْنَا بَيْتَ المِدْرَاسِ فقال أُسْلِمُوا تَسْلَمُوا واعْلَمُوا أَنَّ ١٢٣ ٥٨ - كِتَابُ الْجِزْيَةِ وَالْمُوَادَعَةِ مَعَ أهْلِ الذِّمَّةِ والحَرْبِ / باب (٦) الأرْضَ لله ورسُولِهِ وإنِّي أُرِيدُ أن أُجْلِيَكُمْ مِنْ هَذا الأرضِ فَمَنْ يَجِدْ مِنْكُمْ بِمَالِهِ شَيْئاً فَلْيَبِعْهُ وإلاَّ فاعلَمُوا أَنَّ الأرْضَ لله ورَسُولِهِ. [الحديث ٣١٦٧ - طرفاه في: ٦٩٤٤، ٧٣٤٨]. مطابقته للترجمة من حيث إن النبي عٍَّ أراد أن يخرج اليهود لأنه كان يكره أن يكون بأرض العرب غير المسلمين لأنه امتحن في استقبال القبلة حتى نزل: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء﴾ [البقرة: ١٤٤]. الآية: وامتحن مع بني النضير حين أرادوا الغدر به، وأن يلقوا عليه حجراً، فأمره الله بإجلائهم وإخراجهم، وترك سائر اليهود، وكان يرجو أن يحقق الله رغبته في إبعاد اليهود عن جواره فلم يوح إليه في ذلك شيء إلى أن حضرته الوفاة، فأوحي إليه فيه، فقال: لا يبقين دينان بأرض العرب، وأوصى بذلك عند موته، فلما كان في خلافة عمر، رضي الله تعالى عنه، قال: من كان عنده عهد من رسول الله، عَ له، فليأت به، وإلاَّ فإني مجلیكم فأجلاهم. ورجال الحديث قد تكرر ذكرهم، وسعيد المقبري يروي هنا عن أبيه أبي سعيد واسمه: كيسان المدني مولى بني ليث. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الإكراه عن عبد العزيز بن عبد الله، وفي الاعتصام عن قتيبة، وأخرجه مسلم في المغازي، وأبو داود في الخراج والنسائي في السير جميعاً عن قتيبة. ذكر معناه: قوله: ((خرج))، جواب: بينما، وقد ذكرنا أن الأفصح في جوابه أن يكون بلا إذ وإذا. قوله: ((بيت المدارس))، بكسر الميم، وهو البيت الذي يدرسون فيه. وقيل: المدراس: العالم التالي للكتاب، وقال بعضهم: الأول أرجح لأن في الرواية الأخرى: حتى أتى المدارس. قلت: ما ثم ترجيح لأن معنى أتى المدراس، أي: جاء مكان دراستهم للتوراة ونحوها. قوله: ((أسلموا))، بفتح الهمزة، من الإسلام. قوله: ((تسلموا)) مجزوم لأنه جواب الأمر، وهو من السلامة، وفيه الجناس الحسن، لسهولة لفظه وعدم كلفته، ونظيره في كتاب هرقل: أسلم تسلم. قوله: ((واعلموا)) جملة ابتدائية كأنهم قالوا في جواب قوله: أسلموا تسلموا: لِمَ قلت هذا وكررته؟ فقال: إعلموا أني أريد أن أجليكم فإن أسلمتم سلمتم. قوله: ((بماله))، أي: بدل ماله، والباء للبدلية. قوله: ((فليبعه))، جواب: من، إن من كان له شيء مما لا يمكن تحويله فله أن يبيعه. قوله: ((وإلاَّ»، أي: وإن لم تسمعوا ما قلت لكم من ذلك فاعلموا أن الأرض لله، أي: تعلقت مشيئة الله بأن يورث أرضكم هذه للمسلمين ففارقوها، وهذا كان بعد قتل بني قريظة وإجلاء بني النضير، لأن هذا كان قبل إسلام أبي هريرة، لأن أبا هريرة إنما جاء بعد فتح خيبر. قوله: ((ورسوله))، ويروي: ((ولرسوله)). ٩/ ٣١٦٨ - حدَّثنا مُحَمَّدٌ قال حدَّثنا ابنُ عُيَيْنَةً عنْ سُلَيْمانَ بنِ أبِي مُسْلِم الأخوَلِ قال سَمِعَ سَعِيدَ بنَ جُبَيْرٍ قال سَمِعَ ابنَ عِبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهُما يَقُولُ يَوْمُ الخَّمِيسِ وما يَوْمُ الخَمِيسِ ثُمَّ بَكَى حتَّى بَلَّ دَمْعُهُ الحَصَى قُلْتُ يا ابنَ عَبَّاسِ ما يَوْمُ الخَمِيسِ قَال اشْتَدَّ ١٢٤ ٥٨ - كِتَابُ الْجِزْيَّةِ والْمُؤَادَعَةِ مَعَ أَهْلِ الذِّمَّةِ والحَرْبِ / باب (٧) بِرَسُولِ اللهِ عَ لّهِ وَجَعُهُ فقال اثْتُونِي بِكَتِفٍ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَاباً لاَ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدَاً فَتَنَازَعُوا ولاَ يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيّ تَنَازُعٌ فقالوا مالَهُ أَهَجَرَ اسْتَفْهِمُوهُ فقال ذَرُونِي فَالَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونِي إِلَيْهِ فأمَرَهُمْ بِثَلاثٍ قال أخرِجُوا المُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ العَرَبِ وأجِيزُوا الوَفْدَ بِنَحْوِ ما كُنْثٌ أُجِيزُهُمْ والثَّالِثَةُ خَيْرٌ إِمَّا أَنْ سَكَتَ عَنْهَا وإِمَّا أَنْ قالَهَا فَنَسِيتُهَا: قالَ سُفْيَانُ لهَذَا مِنْ قَوْلِ سُلَيْمَانَ. [انظر الحديث ١١٤ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((أخرجوا المشركين))، فإن قلت: الترجمة إخراج اليهود والمشرك أعم من اليهود. قلت: إنما ذكر اليهود في الترجمة لأن أكثرهم يوحدون الله تعالى، فإذا كان هؤلاء مستحقين الإخراج فغيرهم من الكفار أولى، ومحمد شيخ البخاري، قال الجياني: لم ينسبه أحد من الرواة، وقال بعضهم: هو محمد بن سلام، وقد ذكر في الوضوء: حدثنا ابن سلام حدثنا ابن عيينة. قلت: لا يلزم من قوله في الوضوء: حدثنا ابن سلام عن ابن عيينة أن يكون هنا أيضاً ابن سلام عن ابن عيينة، لأنه قال في عدة مواضع: عن محمد بن يوسف البيكندي عن ابن عيينة وروى الإسماعيلي هذا الحديث عن الحسن بن سفيان عن محمد بن خلاد الباهلي عن ابن عيينة وهو سفيان بن عيينة. والحديث مر في كتاب الجهاد في: باب هل يستشفع إلى أهل الذمة فإنه أخرجه هناك عن قتيبة عن ابن عيينة ... إلى آخره، وقد مر الكلام فيه هناك. قوله: ((قال سفيان)) أي: ابن عيينة، هذا من قول سليمان أي: الأحول المذكور فيه. وقال المهلب: إنما أمر بإخراجهم خوف التدليس منهم. وأنهم متى رأوا عدواً قوياً صاروا معه، كما فعلوا برسول الله، عَّه، يوم الأحزاب. وقال الطبري: فيه: من الفقه: أن الشارع بيَّن لأمته المؤمنين إخراج كل من دان بغير دين الإسلام من كل بلدة للمسلمين، سواء كانت تلك البلدة من البلاد التي أسلم أهلها عليها أو من بلاد العنوة إذا لم يكن للمسلمين بهم ضرورة إليهم، مثل كونهم عماراً لأراضيهم ونحو ذلك. فإن قلت: كان هذا خاصاً بمدينة رسول الله، عَّه، وسائر جزيرة العرب دون سائر بلاد الإسلام، إذ لو كان الكل في الحكم سواء لكان، معَّ بيَّن ذلك. قلت: قد ذكرنا أنه إذا كان للمسلمين ضرورة إليهم لا يتعرض لهم، ألا يرى أنه عَ لَه أقر يهود خيبر بعد قهر المسلمين إياهم لإعمار أرضها للضرورة، وكذلك فعل الصديق، رضي الله تعالى عنه، في يهود خيبر ونصارى نجران، وكذلك فعل عمر، رضي الله تعالى عنه، بنصارى الشام، فإنه أقرهم للضرورة إليهم في عمارة الأرضين، إذ كان المسلمون مشغولين بالجهاد. ٧ - بابّ إذَا غدَرَ المُشْرِكُونَ بِالمُسْلِمينَ هَلْ يُعْفَى عَنْهُمْ أي: هذا باب يذكر فيه إذا غدر المشركون بالمسلمين، والغدر ضد الوفاء، والغدر: الخيانة، والغدر نقض العهد، ولم يذكر جواب الاستفهام لأجل الاختلاف في معاقبة المرأة التي أهدت الشاة المسمومة. ١٢٥ ٥٨ - كِتَابُ الْجِزْيَةِ والْمُؤَادَعَةِ مَعَ أهْلِ الذِّمَّةِ والحَرْبِ / باب (٧) ٣١٦٩/١٠ _ حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قال حدَّثنا اللَّيْثُ قال حدَّثني سَعِيدٌ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ قال لَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَرُ أُهْدِيَتْ لِلنَبِيِّ عَلَّه شاةُ فِيها سُمّ فَقالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ اجْمَعُوا إِلَيَّ مَنْ كانَ هُهُنا مِنْ يَهُودَ فَجُمِعُوا لَهُ فَقَال لَهُمْ إِنِّي سائِلُكُمْ عِنْ شَيْءٍ فَهَلْ أَنْتُمْ صادِقَيَّ عَنْهُ فَقالوا نَعَمْ قالَ لَهُمُ النَّبِيُّ عَُّلِّ مَنْ أَبُوكُمْ قالوا فُلانٌ فَقال كذَبْتُمْ بَلْ أَبُوكُمْ فُلانٌ قالوا صَدَقْتَ قال فَهَلْ أَنْتُمْ صادِقِيَّ عنْ شَيءٍ إِنْ سأَلْتُ عَنْهُ فَقالُوا نَعَمْ يا أبا القَاسِم وإِنْ كَذَبْنَا عَرَفْتَ كَذِبَنَا كَمَا عَرَفْتَهُ في أَبِينَا فقال لَهُمْ منْ أَهْلُ النَّارِ قَالُوا نَكُونُ فِيهَا يَسيراً ثُمّ تَخْلُفُونَا فيها فقال النَّبِيُّ عَ لَِّ اخْسَأُوا فِيها والله لاَ نَخْلُفُكُمْ فِيها أبَدَاً ثُمَّ قَالَ هَلْ أَنْتُمْ صادِقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إِنْ سأَلْتُكُمْ عنْهُ فقالوا نَعَمْ يا أبا القَاسِم قال هَلْ جَعَلْتُمْ في هَذِهِ الشَّاةِ سُمَّاً قالُوا نَعَمْ قالَ ما حَمَلَكُمْ علىَ ذُلِكَ قالوا أرَدْنَا إِنْ كُنْتَّ كاذِباً نَسْتَرِيحُ وإِنْ كُنْتَ نَبِيَّاً لَمْ يَضُرَّكَ. [الحديث ٣١٦٩ - طرفاه في: ٤٢٤٩، ٥٧٧٧]. مطابقته للترجمة من حيث إن المشركين من أهل خيبر غدروا بالنبي عَِّ وأهدوا له على يد امرأة شاة مسمومة فعفا عنها أو قتلها، فيه خلاف على ما نذكره الآن. وسعيد هو المقبري. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في المغازي عن عبد الله بن يوسف أيضاً، وفي الطب عن قتيبة. وأخرجه النسائي أيضاً في التفسير عن قتيبة به. وأخرجه مسلم عن أنس: أن امرأة يهودية أتت رسول الله، عَّه بشاة مسمومة فأكل منها، فجيء بها إلى رسول الله، عَ له. فسألها عن ذلك، فقالت: أردت لأقتلك! فقال: ما كان الله ليسلطك على ذلك، قال، أو قال: علي. قال: قالوا: ألا نقتلها؟ قال: لا، قال: فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله، عَ ليه. ذكر معناه: قوله: ((أهديت للنبي عَّ شاة))، وكان الذي أتى بها امرأة يهودية، صرح بذلك في (صحيح مسلم) وقال النووي في (شرح مسلم): وهذه المرأة اليهودية الفاعلة للسم اسمها زينب بنت الحارث أخت مرحب اليهودي. قلت كذا رواه الواقدي عن الزهري، وأنه عَ لِ قال لها: ما حملك على هذا؟ قالت: قتلت أبي وعمي وزوجي وأخي، قال محمد: فسألت إبراهيم بن جعفر عن هذا فقال: أبوها الحارث، وعمها بشار وكان أجبن الناس وهو الذي أنزل من الرف، وأخوها زبير، وزوجها سلام بن مشكم. قوله: ((سم))، بفتح السين وضمها وكسرها، ثلاث لغات والفتح أفصح، وجمعه: سمام وسموم. قوله: ((صادقي)) بتشديد الياء لأن أصله: صادقون، فلما أضيف إلى ياء المتكلم وسقطت النون وقلبت الواو ياء أدغمت الياء في الياء. قوله: ((ثم تخلفونا فيها))، أي: في النار، وأصل تخلفونا: تخلفوننا، فإسقاط النون من غير جازم ولا ناصب لغة، وهو من خلف يخلف إذا قام مقام غيره، والخلف بتحريك اللاَّم وسكونها كل من يجيء بعده من مضى، إلاّ أنه بالتحريك في الخير، وبالسكون في الشر، يقال: خلف صدق، وخلف سوء. قوله: ((اخسأوا))، زجر لهم بالطرد والإبعاد أو دعاءٌ عليهم بذلك، ويقال لطرد الكلب: إخسأ. ١٢٦ ٥٨ - كِتَابُ الْجِزْيَةِ وَالْمُؤَادَعَةِ مَعَ أهْلِ الذِّمَّةِ والحَرْبِ / باب (٨) قال القاضي عياض: واختلفت الآثار والعلماء: هل قتلها النبي عَِّ أم لا؟ فوقع في (مسلم): أنهم قالوا: ألا نقتلها؟ قال: لا، ومثله عن أبي هريرة وجابر، وعن جابر من رواية أبي سلمة: أنه معَّم قتلها، وفي رواية ابن عباس: أنه عَُّلِّ دفعها إلى أولياء بشر بن البراء بن معرور، وكان أكل منها فمات بها فقتلوها، وقال ابن سحنون: أجمع أهل الحديث أن رسول الله، عَّله قتلها، وفي رواية أبي داود. فأمر بها فقتلت، وفي لفظ: قتلها وصلتها وفي (جامع معمر) عن الزهري: لما أسلمت تركها. قال معمر: كذا قال الزهري: أسلمت، والناس يقولون: قتلها، وأنها لم تسلم. وقال السهيلي: قيل: إنه صفح عنها. قال القاضي: وجه الجمع بين هذه الروايات والأقاويل أنه لم يقتلها إلاّ حين اطلع على سحرها، وقيل له: اقتلها، فقال: لا، فلما مات بشر بن البراء من ذلك سلمها لأوليائه فقتلوها قصاصاً، فصح قولهم: لم يقتلها أي: في الحال، ويصح قولهم: قتلها أي: بعد ذلك والله أعلم. وفيه: أن الإمام مالكاً احتج به على أن القتل بالسم كالقتل بالسلاح الذي يوجب القصاص، وقال الكوفيون: لا قصاص فيه. وفيه: الدية على العاقلة، قالوا: ولو دسه في طعام أو شراب لم يكن عليه شيء ولا على عاقلته، وقال الشافعي: إذا فعل ذلك وهو مكره ففيه قولان في وجوب القود أصحهما: لا. وفيه: معجزة ظاهرة له، عليه السلام، حيث لم يؤثر فيه السم، والذي أكل معه مات. وفيه: أن السم لا يؤثر بذاته بل بإذن الرب، جل جلاله، ومشيئته، أَلاَ تَرَى أن السم أثر في بشر ولم يؤثر في النبي عَّه؟ فلو كان يؤثر بذاته لأثر فيهما في الحال، والله أعلم. ٨ - باب الدُّعاءِ عَلَى مَنْ نَكَثَ عَهْدَاً أي: هذا باب في بيان جواز الدعاء على من نكث، أي: نقض عهداً، أي: ميثاقاً. ١١/ ٣١٧٠ - حدّثنا أبو النُّعْمَانِ قالَ حدَّثنا ثابتُ بنُ يَزِيدَ قال حدَّثنا عاصمٌ قال سألْتُ أَنَساً رضي الله تعالى عنهُ عنِ الْقُنُوتِ قال قَبْلَ الُكُوعِ فَقْتُ إِنَّ فُلانًاً يَرْعُمُ أَنَّكَ قُلْتَ بَعْدَ الؤُكُوعِ فقال كَذَبَ ثُمَّ حدَّثَنَا عَنِ النَّبِيِّ عَ ◌ّهِ أَنَّهُ قَنَتَ شَهْرَاً بَعْدَ الرُّكُوعِ يَدْعُو عَلَى أخْياءٍ مِنْ بَنِي سُلَيْم قال بَعَثَ أَرَبَعِينَ أَوْ سَبْعِينَ يَشُكُ فيهِ مِنَ القُوَّاءِ إلى أناسٍ مَنَ المُشْرِكِينَ فعرَضَ لَهُمْ هُؤُلاءِ فُقتَلُوهُمْ وكانَ بَيْنَهُم وبَيْنَ النَّبِيِّ عَّ ◌َلَّهِ عَهْدٌ فَمَا رَأيْتُهُ وَجَدَ عَلَى أَحَدٍ ما وَجَدَ عَلَيْهِمْ. [انظر الحديث ١٠٠١ وأطرافه]. مطابقته للترجمة ظاهرة. وأبو النعمان محمد بن الفضل السدوسي، وثابت بن يزيد - بالياء آخر الحروف، ووهم من قال فيه: زيد، بغير الياء، وعاصم هو ابن سليمان الأحول، وهؤلاء، كلهم بصريون. والحديث قد مر في كتاب الوتر في: باب القنوت قبل الركوع وبعده، فإنه أخرجه هناك: عن مسدد عن عبد الواحد عن عاصم عن أنس، رضي الله تعالى عنه. قوله: ((من القراء)) متعلق بقوله: بعث. قوله: ((وجد))، يقال: وجد مطلوبه يجده - من ١٢٧ ٥٨ - كِتَابُ الْجِزْيَةِ والْمُؤَادَعَةِ مَعَ أهْلِ الذِّمَّةِ والحَرْبِ / باب (٩) باب ضرب يضرب - وجوداً، ويجده بالضم لغة عامرية لا نظير لها في باب المثال، ووجد ضالته وجدانًا، ووجد عليه في الغضب موجدة ووجداناً أيضاً، حكاها بعضهم: ووجد في الحزن وجداً بالفتح، ووجد في المال وجداً ووجداً ووجدا وجدة، أي: استغنى، وكان، عَّةٍ، لا يدعو بالشر على أحد من الكفار ما دام يرجو لهم الرجوع والإقلاع عما هم عليه، ألاَ ترى أنه، عَّلِ، سئل أن يدعو على دوس فدعا لها بالهدى، وإنما دعا على بني سليم حين نكثوا العهد وغدروا لأنه أيس من رجوعهم عن ضلالتهم، فأجاب الله بذلك دعوته وأظهر صدقه وبرهانه، وهذه القصة أصل في جواز الدعاء في الصلاة والخطبة على عدو المسلمين ومن خالفهم، ومن نكث عهداً وشبهه، والله أعلم. ٩ - بابُ أمانِ النِّسَاءِ وجِوارِهنَّ أي: هذا باب في بيان حكم أمان النساء وجوارهن، بكسر الجيم وضمها أي: إجارتهن، قال الجوهري: الجار الذي يجاورك، تقول: جاورته مجاورة وجواراً، بكسر الجيم وضمها، والجار الذي أجرته من أن يظلمه ظالم، وأجرته بدون المد من الإجارة، ويقال: أجرت فلاناً على فلان إذا أعنته منه ومنعته. ٣١٧١/١٢ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قال أخْبَرَنا مالِكٌ عنْ أَبِي النَّصْرِ مَوْلى عُمَرَ ابنِ عُبَيْدِ الله أنَّ أبا مُرَّةَ مَوْلَى أُمّ هانِىءٍ ابْنَةٍ أبي طالبٍ أخبَرَهُ أنَّهُ سَمِعَ أَمَّ هانِىءِ ابْنَةَ أبي طالِبٍ تَقُولُ ذَهَبْتُ إلى رسُولِ الله ◌ِعَّهِ عامَ الفَتْحِ فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ وفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ تَسْتُرُهُ فسَلَّمْتُ عَيْهِ فَقَالَ مَنْ لهذِهِ فَقَلْتُ أنا أُمُّ هَانىءٍ بِنْثُ أبِي طالِبٍ فَقال مَرْحَباً بِأُمّ هانٍِ فلَمَّا فِرغَ مِنْ غُسْلِهِ قامَ فَصَلَّى ثَمانَ رَكْعَاتٍ مُلْتَحِفاً في ثَوْبٍ واحدٍ فَقَلْتُ يا رسُولَ الله زعَمَ ابنُ أَمِّي عليّ أنَّهُ قاتَلَ رجلاً قَدْ أَجَرْتُهُ فَلانُ ابْنُ هُبَيْرَةَ فَقال رسولُ الله عَلَّهِ قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يا أَمَّ هانىءٍ وذلِكَ ضُحَىّ. [انظر الحديث ٢٨٠ وطرفيه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((قد أجرنا من أجرتٍ)) وأبو النضر، بالنون والضاد المعجمة، واسمه سالم بن أبي أمية مولى عمر بن عبيد الله بن معمر القرشي التيمي المدني، وأبو مرة، بضم الميم وتشديد الراء: واسمه يزيد بن مرة مولى عقيل بن أبي طالب، ويقال: مولى أم هانىء، وقال الداودي: كان عبداً لهما فأعتقاه فينسب مرة لهذا ومرة لهذا. والحديث مضى في أوائل كتاب الصلاة في: باب الصلاة في الثوب الواحد ملتحفاً به، فإنه أخرجه هناك: عن إسماعيل بن أبي أويس عن مالك إلى آخره، ومر الكلام فيه هناك. وفيه من الفقه: جواز أمان المرأة وأن من أمنته حرم قتله، وقد أجارت زينب بنت رسول الله، عَ للّه أبا العاص ابن الربيع، وعلى هذا جماعة الفقهاء بالحجاز والعراق منهم مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد وأبو ثور وإسحاق، وهو قول الثوري والأوزاعي، وشذ عبد الملك ابن الماجشون وسحنون عن الجماعة، فقالا: أمان المرأة موقوف على إجازة الإمام، فإن أجازه جاز، وإن رده رد. ١٢٨ ٥٨ - كِتَابُ الْجِزْيَةِ والْمُؤَادَعَةِ مَعَ أهْلِ الذِّمَّةِ والحَرْبِ / باب (١٠) ١٠ - بابٌ ذِمَّةُ المُسْلِمِينَ وجِوارُهُمْ واحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أُذْنَاهُمْ أي: هذا باب يذكر فيه ذمة المسلمين وجوارهم واحدة، فقوله: ذمة المسلمين، مرفوع بالابتداء، وجوارهم، عطف عليه وخبره قوله: واحدة، ومعناه: أن من انعقدت عليه ذمة من طائفة من المسلمين فإنها واحدة في الحكم لا تختلف باختلاف العاقدين، وحاصل المعنى: أن كل من عقد ذمة يعني أماناً لأحد من أهل الحرب جاز أمانه على جميع المسلمين دنيّاً كان أو شريفاً، عبداً كان أو حراً، رجلاً كان أو امرأة، وليس لهم بعد ذلك أن يخفروه، واتفق مالك والثوري والأوزاعي والليث والشافعي وأبو ثور على جواز أمان العبد قاتل أو لم يقاتل، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا يجوز أمانه إلاَّ أن يقاتل، وأجاز مالك أمان الصبي إذا عقل الإسلام، ومنع ذلك أبو حنيفة والشافعي وجمهور الفقهاء، وقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم أن أمان الصبي غير جائز، والمجنون كذلك لا يصح أمانه بلا خلاف كالكافر، وقال الأوزاعي: إن غزا الذمي مع المسلمين فأمن أحداً فإن شاء الإمام أمضاه وإلاَّ فيرده إلى مأمنه. قوله: ((وجوارهم)) أي: وجوار المسلمين، وقد مر تفسيره عن قريب، وليس في بعض النسخ لفظ: جوارهم. قوله: ((يسعى بها))، أي: بذمة المسلمين، أي: بأمانهم ((أدناهم)) أي: أقلهم عدداً فيدخل فيه الواحد وتدخل فيه المرأة أيضاً، ولا يدخل فيه العبد عند أبي حنيفة لأنه ليس من أهل الجهاد، فإذا قاتل يكون منهم، ولفظ: ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم، رواه أحمد في (مسنده) وقال الترمذي: وروي عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن عمرو عن النبي عَ لّه مثل رواية أحمد، ثم قال: معنى هذا عند أهل العلم أن من أعطى الأمان من المسلمين فهو جائز على كلهم. وروى ابن ماجه من حديث ابن عباس عن النبي عَ لَّهِ. المسلمون تتكافأ دماؤهم وهم يدٌ على من سواهم، يسعى بذمتهم أدناهم ... الحديث. ٣١٧٢/١٣ - حدّثني مُحَمَّدٌ قال أخبرَنَا وَكِيعُ عنِ الأعْمَشِ عنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عنْ أبِيهِ قال خَطَبْنَا علي فقال ما عنْدَنا كِتَابٌ نَقْرَؤُهُ إلاَّ كِتابُ الله وما في هَذِهِ الصَّحِيفَةِ فَقال فِيهَا الجِرَاحَاتُ وأسْنَانُ الإيِلِ والمَدِينَةُ حَرَمٌ ما بَيْنَ عَيْر إلى كذَا فَمِنْ أَحدَثَ فيها حَدَثا أوْ آوى فيها مُخدِثاً فعلَيْهِ لَعْنَةُ الله والمَلاَئِكَة والنَّاسِ أَجْمَعِينَ لا يُقْبَلُ مِنْهُ صَوْفٌ ولاَ عَدْلٌ ومَنْ تَوَلَّى غيْرَ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ مِثْلُ ذلِكَ وذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِماً فعلَيْهِ مِثْلُ ذَلِكَ. [انظر الحديث ١١١ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((وذمة المسلمين واحدة)) وأما قوله: يسعى بها أدناهم، ففي رواية أحمد، وقد ذكرناه الآن، ومحمد شيخ البخاري هو محمد بن سلام، كذا نسبه ابن السكن، وقال الكلاباذي: روى محمد بن مقاتل ومحمد بن سلام ومحمد بن نمير في (الجامع) عن وكيع بن الجراح، وإبراهيم التيمي يروي عن أبيه يزيد بن شريك التيمي تيم الرباب، مات إبراهيم في حبس الحجاج سنة أربع وتسعين. والحديث مضى في: باب حرم المدينة فإنه رواه هناك: عن بشار عن عبد الرحمن عن ١٢٩ ٥٨ - كِتَابُ الْجِزْيَةِ وَالْمُؤَادَعَةِ مَعَ أهْلِ الذِّمَّةِ والحَرْبِ / باب (١١) سفيان عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه ... إلى آخره، وفيه: وهذه الصحيفة عن النبي عَِّ، وليس فيه: فقال فيها: الجراحات وأسنان الإبل ... وتقدم الكلام فيه هناك. قوله: ((حدثاً)، بفتح الدال، وهو الأمر المنكر الذي ليس بمعتاد ولا معروف في السنة، والمحدث، بكسر الدال، وهو الذي ينصر جانياً أو أواه وأجاره من خصمه وحال بينه وبين من يقتص منه، ويروى بفتح الدال، وهو الأمر المبتدع نفسه. قوله: ((صرف))، بفتح الصاد المهملة: وهو التوبة، وقيل: النافلة، والعدل: الفدية، وقيل: الفريضة. قوله: ((فمن أخفر))، بالخاء المعجمة أي: فمن نقض عهد مسلم فعليه مثل ما كان على من أحدث فيها. ١١ - بابٌ إِذَا قالوا صَبَأْنَا ولَمْ يُحسِنُوا أُسْلَمْنَا أي: هذا باب في بيان قول المشركين حين يقاتلون إذا قالوا: صبأنا، وأرادوا به الإخبار بأنهم أسلموا ولم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، وجواب: إذا، محذوف تقديره: هل يكون ذلك كافياً في رفع القتال عنهم أم لا؟ قيل: إن المقصود من الترجمة أن المقاصد تعتبر بأدلتها كيف ما كانت الأدلة، لفظية أو غير لفظية، تأتي بأي لغة كانت، وصبأنا من صبأ فلان إذا خرج من دينه إلى دين غيره، من قولهم صبأ ناب البعير إذا طلع، وصبأت النجوم إذا خرجت من مطالعها، وكانت العرب تسمي النبي عَّ لّهِ: الصابىء، لأنه خرج من دين قريش إلى دين الإسلام. وقال ابنُ عُمَرَ فَجَعَلَ خَالِدٌ يَقْتُلُ فقال النِيُّ عَ لِّ أَبْرَأُ إِلَيْكَ مَمَّا صنَعَ خالِدٌ أي: قال عبد الله بن عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنهما .. وهذا طرف من حديث طويل أخرجه البخاري في كتاب المغازي في غزوة الفتح. وأصل القصة أن خالد بن الوليد بعثه النبي عَّه إلى بني جذيمة فدعاهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا، صبأنا، فجعل خالد يقتل منهم بناء على ظاهر اللفظ، فبلغ النبي عَ ◌ّه. ذلك فأنكره، فدل على أنه يكتفي من كل قوم بما يعرف من لغتهم، وقد عذر النبي عَ﴾. خالداً في اجتهاده، ولذلك لم يقدْ منه. وقال ابن بطل: لا خلاف أن القاضي إذا قضى بجور أو بخلاف قول أهل العلم فهو مردود، فإن كان على وجه الاجتهاد والتأويل كما صنع خالد، رضي الله تعالى عنه، فإن الإثم ساقط والضمان لازم عند عامة أهل العلم، إلاّ أنهم اختلفوا في ضمان ذلك، فإن كان في قتل أو جراح ففي بيت المال، وهذا قول الثوري وأبي حنيفة وأحمد وإسحاق. وقالت طائفة: على عاقلة الإمام أو الحاكم، وهذا قول الأوزاعي وأبي يوسف ومحمد والشافعي، وقال ابن الماجشون: ليس على الحاكم شيء من الدية في ماله ولا على عاقلته ولا في بيت المال. فإن قلت: ليس فيه ولا في الحديث الذي يأتي لفظ: صبأنا، فأين المطابقة؟ قلت: جرت عادته أنه يترجم ببعض ما ورد في الحديث الذي يذكره فيه. وقال عُمَرُ إِذَا قال مَتْرَسْ فقدْ آمَنَهُ إِنَّ اللّه يَعْلَمُ الأَلْسِنَةَ كُلُّها وقال تَكَلَّمْ لا بأسَ عمدة القاري/ ج١٥ م٩ ١٣٠ ٥٨ - كِتَابُ الْجِزْيَةِ وَالْمُؤَادَعَةِ مَعَ أَهْلِ الذِّمَّةِ والحَرْبِ / باب (١٢) أي: قال عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، وهذا التعليق وصله عبد الرزاق من طريق أبي وائل، قال: جاءنا كتاب عمر ونحن نحاصر قصر فارس، فقال: إذا حاصرتم قصراً فلا تقولوا: إنزلوا على حكم الله، فإنهم لا يدرون ما حكم الله، ولكن أنزلوهم على حكمكم ثم اقضوا فيهم، وإذا لقي الرجلُ الرجلَ فقال: لا تخف، فقد أمنه، وإذا قال: مترس، فقد أمنه، إن الله يعلم الألسنة كلها ولفظة: مترس، كلمة فارسية ومعناها: لا تخف، لأن لفظ: م، كلمة النفي عندهم. ولفظ: ترس، بمعنى الخوف عندهم، فإذا أرادوا أن يقولوا لواحد: لا تخف، يقولون بلسانهم: مترس، واختلفوا في ضبطها، فضبطه الأصيلي: بفتح الميم والتاء وسكون الراء، وضبطه أبو ذر: بكسر الميم وسكون التاء، وضبطه بعضهم: بإسكان التاء وفتح الراء، وأهل خراسان كانوا يقولون ليحيى بن يحيى في (الموطأ): مطرس، قلت: الأصح ضبط الأصيلي لا غير. قوله: ((قال: تكلم لا بأس)) أي: قال عمر بن الخطاب للهرمزان حين أتوا به إليه، وقد تقدم في الجزية والموادعة، وأخرجه ابن أبي شيبة عن مروان بن معاوية عن حميد عن أنس، قال: حاصرنا تستر فنزل الهرمزان على حكم عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، فلما قدم عليه استعجم، فقال له عمر: تكلم لا بأس عليك، فكان ذلك عهداً وتأميناً من عمر، رضي الله تعالى عنه. ١٢ - بابُ المُؤَادَعَةِ والْمُصَالَحَةِ مَعَ المُشْرِكِينَ بالمالِ وَغَيْرِهِ وإِثْمٍ مَن لَمْ يَفِ بالْعَهْدِ أي: هذا باب في بيان جواز الموادعة، وهي المسالمة على ترك الحرب والأذى، وحقيقة الموادعة المتاركة، أي: أن يدع كل واحد من الفريقين ما هو فيه. قوله: ((وغيره))، أي: وغير المال نحو الأسرى. قوله: ((من لم يفٍ)) ويروى: من لم يوفٍ. وقَوْلِهِ: ﴿وإنْ جَنَحُوا لِلسِّلْمِ فَاجْتَجْ لَهَا﴾ [الأنفال: ٦١]. الآيةَ وقوله، بالجر عطف على قوله: الموادعة، أي: وفي بيان قوله تعالى: ﴿وإن جنحوا﴾ [الأنفال: ٦١]. الآية في مشروعية الصلح، ومعنى: جنحوا، أي: مالوا، ويقال: أي طلبوا، و: السلم، بكسر السين الصلح. قوله: فاجنح، أمر من جنح يجنح أي: مِلْ لَها أي: إليها، أي: إلى المسالمة. واقبل منهم ذلك، قال مجاهد: نزلت في بني قريظة، وفيه نظر، لأن السياق كله في وقعة بدر، وذكرها مكشف لهذا كله، وقول ابن عباس ومجاهد وزيد بن أسلم وعطاء الخراساني وعكرمة والحسن وقتادة: إن هذه الآية منسوخة بآية السيف في براءة: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾ [التوبة: ٢٩]. وقال ابن كثير في (تفسيره): فيه نظر أيضاً، لأن آية براءة الأمر بقتالهم إذا أمكن ذلك، فأما إذا كان العدو كثيفاً فإنه تجوز مهادنتهم، كما دلت عليه هذه الآية الكريمة، وكما فعل النبي عَّ له يوم الحديبية، فلا منافاة ولا نسخ ولا تخصيص. ١٤/ ٣١٧٣ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قال حدَّثنا بِشْرٌ هُوَ ابنُ المُفَضَّلِ قال حدَّثَنَا يَحْيَى عنْ ١٣١ ٥٨ - كِتَابُ الْجِزْيَةِ والْمُؤَادَعَةِ مَعَ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَالحَرْبِ / باب (١٢) بُشَيْرِ بنِ يَسارٍ عنْ سَهْلِ بنِ أبِي حَثْمَةً قال انْطَلَقَ عَبْدُ الله بنُ سَهْلٍ ومُحَيِّصَةُ بنُ مَسْعُودٍ بنٍ زَيْدٍ إِلى خَيْبرَ وهْيَ يَوْمَئِذٍ صُلْحٌ فَتَفَرَّقَا فَأتَى محَيِّصَةُ إلى عَبْدِ الله وَهْوَ يَتَشَخَّطُ في دَمٍ قَنِيلاً فَدَقَنَهُ ثُمَّ قَدِمَ المَدِينَةَ فَانْطَلَقَ عبدُ الرَّحْمنِ بنُ سَهْلٍ ومُحَيِّصَةُ وحُوَيِّصَةُ ابْنَا مَسْعُود إلى النَّبِيِّ عَِّ فَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمِنِ يَتَكَلَّمُ فقال كَبِّرْ كَبِّرْ وَهْوَ أَحْدَثُ القَوْمِ فسَكَتَ فتَكَلَّمَا فقال أَتَخْلِفُونَ وتَسْتَحِقُونَ قَاتِلَكُمْ أَوْ صَاحِبَكُمْ قَالُوا وَكَيْفَ نَحْلِف ولَمْ نَشَهَدْ ولَمْ نَرَ قال فَتُثِيكُمُ يَهُودُ بِخَمْسِينَ فقالوا كَيْفَ نأْخُذُ أَيْمَانَ قَوْم كُفَّارٍ فَعَقَلَهُ النَّبِيُّ عَ لّهِ مِنْ عِنْدِهِ. [انظر الحديث ٢٧٠٢ وأطرافه]. مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((وهي يومئذ صلح)) وتمام المطابقة تؤخذ من قوله: ((فعقله النبي، عَّ من عنده))، لأنه مصالحة مع المشركين بالمال. ذكر رجاله: وهم تسعة: الأول: مسدد. الثاني: بشر، بكسر الباء الموحدة: ابن المفضل، على صيغة اسم المفعول من التفضيل بالضاد المعجمة: ابن لاحق أبو إسماعيل البصري. الثالث: يحيى بن سعيد الأنصاري. الرابع: بشير - بضم الباء الموحدة مصغر بشر ابن يسار - ضد اليمين - المدني، مولى الأنصار. الخامس: سهل بن أبي حثمة، بفتح الحاء المهملة وسكون الثاء المثلثة: واسمه عبد الله أبو محمد الأنصاري المدني، فهؤلاء الخمسة رواة. السادس: عبد الله بن سهل بن زيد بن كعب الحارثي قتيل اليهود بخيبر، وهو أخو عبد الرحمن بن سهل، وابن أخي حويصة ومحيصة. السابع: محيصة، بضم الميم وفتح الحاء المهملة: ابن مسعود بن كعب بن عامر الأنصاري الخزرجي أبو سعيد المدني، له صحبة، وهو أخو حويصة بن مسعود، ويقال فيهما جميعاً بتشديد الياء وتخفيفها، أسلم قبل أخيه حويصة، وكان حويصة أسن منه. الثامن: عبد الرحمن بن سهل بن زيد الأنصاري، أخو عبد الله بن سهل المذكور. التاسع: حويصة بن مسعود الأنصاري أبو سعد أخو محيصة لأبيه وأمه. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في (الصلح) عن مسدد وفي الأدب عن سليمان بن حرب وفي الديات عن أبي نعيم وفي الأحكام عن عبد الله بن يوسف وإسماعيل بن أبي أويس، وأخرجه مسلم في الحدود عن عبيد الله بن عمر عن حماد وعن عبيد الله أيضاً عن بشر بن المفضل وعن عمرو الناقد وعن محمد بن المثنى وعن قتيبة وعن يحيى بن يحيى وعن القعنبي عن سليمان بن بلال وعن محمد بن عبد الله بن نمير وعن إسحاق بن منصور. وأخرجه أبو داود في الديات عن القواريري ومحمد بن عبيد وعن أبي الطاهر بن السرح وعن الحسن بن محمد. وأخرجه الترمذي في الديات أيضاً عن قتيبة به وعن الحسن بن علي الخلال. وأخرجه النسائي في القضاء وفي القسامة عن قتيبة به وعن أبي الطاهر بن السرح به وعن أحمد بن عبدة وعن محمد بن منصور وعن محمد بن بشار . وعن إسماعيل بن مسعود وعن عمرو بن علي وعن أحمد بن سليمان فيهما وعن محمد بن إسماعيل في القضاء وحده وفيهما عن محمد بن سلمة والحارث بن مسكين وأخرجه ابن ١٣٢ ٥٨ - كِتَابُ الْجِزْيَةِ والْمُؤَادَعَةِ مَعَ أهْلِ الذِّمَّةِ والخَرْبِ / باب (١٢) ماجه في الدیات عن يحيى بن حكيم. ذكر معناه: قوله: ((انطلق عبد الله بن سهل ومحيصة به مسعود إلى خيبر)) وكانا خرجا في أناس من أصحاب لهما يمتارون تمراً، فؤُجدَ عبد الله بن سهل في عين قد كسرت عنقه ثم طرح فيها فدفنوه، وقدموا على رسول الله، عَّ لِّ فذكروا له شأنه، فحكم فيه بالقسامة، وبسببه كانت القسامة. قوله: ((وهي يومئذ صلح))، أي: والحال أن خيبر يوم وقوع هذه القضية صلح يعني كانوا في مصالحة مع النبي معَّهِ قوله: ((وهو يتشحط في دم))، أي عبد الله يضطرب في الدم قاله الخطابي وقال الداودي: المتشحط المختضب، ومادته: شين معجمة وحاء مهملة وطاء مهملة، قال ابن الأثير: معناه يتخبط في دمه ويضطرب ويتمرغ. قوله: ((قتيلاً)) نصب على الحال. قوله: ((كبر كبر)) أي: قدم الأسن يتكلم، وهو أمر من التكبير كرره للمبالغة. قوله: ((أتحلفون؟)) الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الاستخبار. قوله: ((أو صاحبكم))، شك من الراوي. قوله: ((تبرئكم))، من الإبراء، أي: تبرأ إليكم من دعواكم بخمسين يميناً. قوله: ((خمسين)) هكذا وقع بغير مميزه، وتقديره: بخمسين يميناً. قوله: ((فعقله النبي عَّ له)) أي: أدى ديته. قوله: ((من عنده))، يحتمل وجهين: هو أن يكون من مال نفسه، والآخر: أن يكون من مال بيت المال المعد لمصالح المسلمين، وإنما عقله رسول الله، عَ لّه، قطعاً للنزاع وإصلاحاً وجبراً لخواطرهم، وإلا فاستحقاقهم لم يثبت. ذكر ما يستفاد منه فيه: أدب وإرشاد إلى أن الأكبر أولى بالتقدمة في الكلام. واعلم أن حقيقة الدعوى إنما هي لأخيه عبد الرحمن لا حق فيها لابني عمه، وأنه عَّه، أمر أن يتكلم الأكبر لأنه لم يكن المراد بكلامه حقيقة الدعوى، بل سماع صورة القصة وكيفيتها، فإذا أراد حقيقتها تكلم صاحبها، ويحتمل أن عبد الرحمن وكل الأكبر أو أمره بتوكيله فيها. وفيه: أن القوم إذا كان فيهم صغير ينبغي أن يتأدب الصغير ولا يتقدم عليهم بالكلام ونحوه، أشار إليه بقوله: وهو أحدث القوم، أي: عبد الرحمن أصغر القوم. وفيه: صحة الوكالة، أشار إليه بقوله: فتكلما، أي: فتكلم محيصة وحويصة وذلك لأن الحق لم يكن لهما، وإنما تكلما بطريق الوكالة. وفيه: أن حكم القسامة مخالفة لسائر الدعاوى من جهة أن اليمين على المدعي. وفيه: أن القسامة خمسون يميناً. فإن قلت: كيف عرضت اليمين على الثلاثة وإنما هي للوارث خاصة وهو أخوه؟ قلت: كان معلوماً عندهم أن اليمين تختص بالوارث، فأطلق الخطاب لهم، والمراد من يختص به. وفيه: إثبات حكم القسامة خلافاً لجماعة رُوي عنهم إبطال القسامة، وأنه لا حكم فيها ولا عمل بها، قال الكرماني: وفيه: من استدل على أن القسامة توجب القصاص بقوله: ((تستحقون دم قاتلكم)) منهم: مالك، وقال النووي: معناه ثبت حقكم على من حلفتم عليه، وذلك الحق أعم من أن يكون قصاصاً أو ديةً. وفيه: كما ذكرنا: أن النبي عَّهِ وداه من عنده قطعاً للنزاع واستئلافاً لليهود وطمعاً منه في دخولهم الإسلام، وليكف بذلك شرهم عن نفسه وعن المسلمين مع إشكال القضية بإباء أولياء القتيل من اليمين، وإبائهم أيضاً من قبول أيمان اليهود، فكاد الحكم أن يكون مطولاً، ولكن أراد ١٣٣ ٥٨ - كِتَابُ الْجِزْيَةِ وَالْمُؤَادَعَةِ مَعَ أهْلِ الذِّمَّةِ والخَرْبِ / باب (١٣) و (١٤) النبي عَ ◌ّهِ أن يوادع اليهود بالغرم عنهم لأن الدليل كان متوجهاً إلى اليهود في القتل لعبد الله، وأراد أن يذهب ما بنفوس أوليائه من العداوة لليهود بأن غرم لهم الدية، إذ كان العرف جارياً أن من أخذ دية قتيله فقد انتصف. وقال الوليد بن مسلم: سألت الأوزاعي عن موادعة إمام المسلمين أهل الحرب على فدية أو هدية يؤديها المسلمون إليهم، فقال: لا يصح ذلك إلاَّ بضرورة وشغل من المسلمين عن حربهم من قتال عدوهم أو فتنة شملت المسلمين، فإذا كان ذلك فلا بأس به. قال الوليد: وذكرت ذلك لسعيد بن عبد العزيز فقال: قد صالحهم معاوية أيام صفين، وصالحهم عبد الملك بن مروان لشغله بقتال ابن الزبير، يؤدي عبد الملك إلى طاغية ملك الروم في كل يوم ألف دينار، وإلى تراجمة الروم وأنباط الشام في كل جمعة ألف دينار. وقال الشافعي: لا يعطيهم المسلمون شيئاً بحال إلاَّ أن يخافوا أن يصطلحوا لكثرة العدد، لأنه من معاني الضرورات، أو يرسل مسلم فلا يخلى إلاَّ بفدية فلا بأس به لأنه عَ لَّه فدى رجلاً برجلين، وقال ابن بطال: ولم أجد لمالك وأصحابه ولا الكوفيين نصاً في هذه المسألة. قلت: مذهب أصحابنا أن للإمام أن يصالحهم بمال يأخذه منهم أو يدفعه إليهم إذا كان الصلح خيراً في حق المسلمين، لقوله تعالى: ﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها﴾ [الأنفال: ٦١]. والمال الذي يؤخذ منهم بالصلح يصرف مصارف الجزية. ١٣ - بابُ فَضْلِ الوَفاءِ بِالْعَهْدِ أي: هذا باب في بيان فضل الوفاء بالعهد أي: الميثاق. : ٣١٧٤/١٥ - حدّثنا يَحْيِى بِنُ بُكَيْرٍ قال حدَّثنا اللَّيْثُ عنُ يُونُسَ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنُ عُبَيْدِ الله بنَ عَبْدِ الله بنٍ عُتْبَةً أُخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ الله بنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أنَّ أَبَا سُفْيَانَ بنَ حَرْبٍ أخبَرَهُ أنَّ هِرَقْلَ أرْسَلَ إِلَيْهِ في رِكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ كانُوا تِجاراً بالشَّامِ في المُدَّةِ الَّتِي مادَّ فِيها رسولُ اللهِ عَّهِ أبا سُفْيَانَ في كُفَّارِ قُرَيْشٍ. [انظر الحديث ٧ وأطرافه]. مطابقته للترجمة من حيث إن الغدر عند كل أمة قبيح مذموم، وليس هو من صفات الرسل، وأن هرقل أراد أن يمتحن بذلك، أعني بإرساله إلى أبي سفيان صدق رسول الله، عَ له لأن من غدر ولم يفٍ بعهده لا يجوز أن يكون نبياً، والرسل أخبرت عن الله تعالى فضل من وفى بعهده. والحديث قطعة من حديث أبي سفيان قد مر في أوائل الكتاب. قوله: ((ماد)) أي: المدة التي هادن رسول الله، عَ لّه، وعينها للصلح بينهما، ويقال: ماد الغريمان: إذا اتفقا على أجل الدين. ١٤ - بابٌ هَلْ يُعْفَى عنِ الذِّمِّيّ إذَا سَحَرَ أي: هذا باب يذكر فيه: هل يعفى ... إلى آخره، وجواب الاستفهام يوضحه حديث الباب. ١٣٤ ٥٨ - كِتَابُ الْجِزْيَةِ وَالْمُوَادَعَةِ مَعَ أَهْلِ الذِّمَّةِ والحَرْبِ / باب (١٤) وقال ابنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ عنِ ابنِ شِهابٍ سُئِلَ أعَلَى مَنْ سَحَرَ مِنْ أَهْلِ العَهْدِ قَتْلٌ قال بلَغَنا أَنَّ رسولَ الله عَ لّهِ قَدْ صُنِعَ لَهُ ذَلِكَ فَلَمْ يَقْتُلْ مَنْ صَنَعَهُ وكَانَ مِنْ أَهْلٍ الكِتَابِ مطابقته للترجمة ظاهرة، وقال الكرماني: فإن قلت: الترجمة بلفظ الذمي، والسؤال بأهل العهد، والجواب بأهل الكتاب؟ قلت: المراد بأهل الكتاب: الذين لهم عهد، وإلاَّ فهو حربي واجب القتل، والعهد والذمة بمعنى. انتهى. قلت: هذا تطويل بلا فائدة، وكان قوله: والعهد والذمة بمعنى، فيه كفاية، وفيه إيضاح لجواب الترجمة. وابن وهب هو عبد الله بن وهب، ويونس هو ابن يزيد الأيلي. وهذا التعليق موصول في جامع ابن وهب. قوله: ((سئل))، على صيغة المجهول. قوله: ((أعلى؟)) الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الاستخبار. قوله: ((ذلك))، أي: السحر، وحكم هذا الباب أنه لا يقتل ساحر أهل الكتاب عند مالك كقول ابن شهاب، ولكن يعاقب إلى أن يقر بسحره فيقتل أو يحدث حدثاً فيؤخذ منه بقدر ذلك، وهو قول أبي حنيفة والشافعي، وروى ابن وهب وابن القاسم عن مالك أيضاً: أنه لا يقتل بسحره ضرراً على مسلم إن لم يعاهدوا عليه، فإذا فعلوا ذلك فقد نقضوا العهد فحل بذلك قتلهم، وعلى هذا القول، لا حجة لابن شهاب في أنه عَّه لم يقتل اليهودي الذي سحره لوجوه الأول: أنه قد ثبت عنه أنه لا ينتقم لنفسه ولو عاقبه لكان حاكماً لنفسه. الثاني: أن ذلك السحر لم يضره لأنه لم يتغير عليه شيء من الوحي ولا دخلت عليه داخلة في الشريعة، وإنما اعتراه شيء من التخيل والوهم، ثم لم يتركه الله على ذلك، بل تداركه بعصمته وأعلمه موضع السحر وأعلمه استخراجه وحله عنه، كما دفع الله عنه السم بكلام الذراع. الثالث: أن هذا السحر إنما تسلط على ظاهره لا على قلبه وعقله واعتقاده، والسحر مرض من الأمراض وعارض من العلل يجوز عليه كأنواع الأمراض، فلا يقدح في نبوته ويجوز طروه عليه في أمر دنياه، وهو فيها عرضة للآفات كسائر البشر. ١٦/ ٣١٧٥ - حدثني مُحَمَّدُ بنُ الْمُثَنَّى قال حدَّثنا يَحْيَى قال حدَّثنا هِشامٌ قال حدَّثني أبي عن عائِشَةَ أنَّ النَّبِيَّ عَّ ◌ُلِّ سُحِرَ حَتَّى كَانَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أنَّهُ صنَعَ شَيْئاً وَلَمْ يَصْنَعْهُ. [الحديث ٣١٧٥ - أطرافه في: ٢٢٦٨، ٥٧٦٣، ٥٧٦٥، ٥٧٦٦، ٦٠٦٣، ٦٣٩١]. مطابقته للترجمة من حيث إنه عَّ لِ سحره يهودي وعفا عنه، كما ذكرنا عن قريب. فإن قلت: ليس في الترجمة ما ذكرته؟ قلت: تتمة القصة تدل عليه. ويحيى هو ابن سعيد القطان، وهشام هو ابن عروة بن الزبير يروي عن أبيه عن عائشة، رضي الله تعالى عنها. قوله: ((سحر)) على صيغة المجهول، واسم اليهودي الذي سحره لبيد بن أعصم، ذكر في (تفسير النسفي) عن ابن عباس وعائشة، رضي الله تعالى عنهم، كان غلام من اليهود يخدم رسول الله، عَّم فدنت إليه اليهود فلم يزالوا به حتى أخذ مشاطة رأس النبي عد له وعدة أسنان من مشطه فأعطاها اليهود فسحروه فيها، وكان الذي تولى ذلك رجل منهم، ١٣٥ ٥٨ - كِتَابُ الْجِزْيَةِ وَالْمُؤَادَعَةِ مَعَ أهْلِ الذِّمَّةِ والحَرْبِ / باب (١٥) يقال له: لبيد بن أعصم، ثم دسها في بئر لبني زريق يقال لها: ذروان، ويقال: أروان، فمرض رسول الله، عَّ له وانتشر شعر رأسه ولبث ستة أشهر يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن، وجعل يذوب ولا يدري ما عراه ويخيل إليه أنه يفعل الشيء ولا يفعله، فبينا هو نائم إذ أتاه ملكان فقعد أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه، فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه: ما بال الرجل؟ قال: طب، قال: وما طب؟ قال: سحر. قال: ومن سحره؟ قال: لبيد بن الأعصم اليهودي، قال: وبم طبه؟ قال: بمشط وبمشاطة، قال: وأين هو؟ قال: في جف طلعة تحت راعوفة في بئر ذروان. والجف: قشر الطلع، والراعوفة: صخرة تترك في أسفل البئر إذا حفرت، فإذا أرادوا تنقية البئر جلس المنقي عليها، فانتبه رسول الله، عَ ◌ّهِ مذعوراً، فقال: يا عائشة! أما شعرتِ أن الله تعالى أخبرني بدائي؟ ثم بعث رسول الله، عٍَّ علياً والزبير وعمار بن ياسر، رضي الله تعالى عنهم، فنزحوا ماء تلك البئر، وكأنه نقاعة الحناء، ثم رفعوا الصخرة وأخرجوا الجف، فإذا فيه مشاطة رأسه وأسنان من مشطه، وإذا وتر معقد فيه إحدى عشرة عقدة مغرزة بالإبر، فأنزل الله تعالى المعوذتين، فجعل كلما قرأ آية انحلت عقدة، ووجد رسول الله، عَ ليه خفة حين انحلت العقدة الأخيرة، فقام رسول الله، عَّ له كأنما نشط من عقال، وجعل جبريل، عليه الصلاة والسلام، يقول: بسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك من عين وحاسد والله يشفيك. فقالوا: يا رسول الله! أفلا نأخذ الخبيث فنقتله؟ فقال عَ له: أما أنا فقد شفاني الله وأكره أن أثير على الناس شراً، قالت عائشة: ما غضب رسول الله، عَّله غضباً ينتقم من أحد لنفسه قط إلاَّ أن يكون شيئاً هو لله، فيغضب الله وينتقم، وسيأتي هذا في كتاب الطب عن عائشة، رضي الله تعالى عنها. قوله: ((يخيل إليه))، على صيغة المجهول. وقد اعترض بعض الملحدين على حديث عائشة، وقالوا: كيف يجوز السحر على رسول الله، عَّه، والسحر كفر وعمل من أعمال الشياطين، فكيف يصل ضرره إلى النبي عَّه. مع حياطة الله له وتسديده إياه بملائكته، وصون الوحي عن الشياطين؟ وأجيب: بأن هذا اعتراض فاسد وعناد للقرآن، لأن الله تعالى قال لرسوله: ﴿قل أعوذ برب الفلق﴾ [الفلق: ١]. إلى قوله: ﴿في العقد﴾ [الفلق: ٤]، والنفاثات: السواحر في العقد، كما ينفث الراقي في الرقية حين سحر، وليس في جواز ذلك عليه ما يدل على أن ذلك يلزمه أبداً أو يدخل عليه داخلة في شيء من ذاته أو شريعته، وإنما كان له من ضرر السحر ما ينال المريض من ضرر الحمى والبرسام من ضعف الكلام وسوء التخيل، ثم زال ذلك عنه وأبطل الله كيد السحر، وقد قام الإجماع على عصمته في الرسالة، والله الموفق. ١٥ - بابُ ما يُخْذَرُ مِنَ الغَدْرِ أي: هذا باب في بيان ما يحذر من سوء الغدر، وهو ضد الوفاء، ونقض العهد يحذر، على صيغة المجهول من: حذر ويحذر حذراً، ويروى: يحذر، بالتشديد من: التحذير. وقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿وإنْ يُرِيدُوا أن يَخْدَعُوكَ فإنَّ حَسْبَكَ اللهِ﴾ [الأنفال: ٦٢]. الآيةَ ١٣٦ ٥٨ - كِتَابُ الْجِزْيَةِ والْمُؤَادَعَةِ مَعَ أَهْلِ الذِّمَّةِ والحَرْبِ / باب (١٥) وقوله، بالجر عطفاً على ما يحذر، لأنه مجرور بالإضافة، تقديره: وفي بيان قوله تعالى: ﴿وإن يريدوا﴾ [الأنفال: ٦٢]. أي: وإن يرد الكفار بالصلح خديعة ليتقووا ويستعدوا ﴿فإن حسبك الله﴾ [الأنفال: ٦٢]. أي: كافيك وحده، وهذه الآية بعد قوله: ﴿وإن جنحوا للسلم﴾ [الأنفال: ٦١]. وبعدها ذكر نعمة الله عليه بقوله: ﴿هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم﴾ [الأنفال: ٦٣]. أي: جمعها على الإيمان بك وعلى طاعتك ومناصرتك. فإنك: ﴿ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم﴾ [الأنفال: ٦٣] .. ٣١٧٦/١٧ - حدَّثنا الحُمَيْدِيُّ قال حدَّثنا الوَلِيدُ بنُ مُسْلِمٍ قال حدَّثنا عبْدُ الله بنُ الْعَلاءِ بنِ زَبْرٍ قال سَمِعْتُ بُشْرَ بنَ عُبَيْدِ الله أنَّهُ سَمِعَ أبا إذْرِيسَ قالَ سَمِعْتُ عَوْفَ بنَ مَالِكٍ قال أَتَيْتُ النَّبِيَّ عَِّ فِي غَزْوَةِ تَّبُوكَ وَهْوَ فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَم فقالَ اعْدُدْ سِتَّاً بَيْنَ يَدَي السَّاعَةِ مَوْتِي ثُمَّ فَتْحُ بَيْتِ المَقْدِسِ ثُمَّ مُؤْتَانٌ يَأْخُذُ فِيكُمْ كْفُعَاصِ الغَتَمِ ثُمَّ اسْتِفَاضَةُ المَالِ حتَّى يُعْطَى الرَّجُلُ مائَةَ دِينارٍ فَيَظَلُّ ساخِطَاً ثُمَّ فِتْنَةٌ لاَ يَثْقَى بَيْتٌ مِنَ العَرَبِ إِلاَّ دَخَلْتُهُ ثُمَّ هُذْنَةٌ تَكُونُ بَيْتَكُمْ وَبَيْنَ بَنِي الأصْفَرِ فَيَغْدِرُونَ فَيَأْتُونَكُمْ تَحْتَ ثَمانِينَ غايَةً تَحْتَ كلِّ غَايَةٍ إِثْنَا عَشَرَ أَلْفَاً. مطابقته للترجمة في قوله: ((فيغدرون)). ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: الحميدي، وهو عبد الله بن الزبير بن عيسى ونسبته إلى أحد أجداده. الثاني: الوليد بن مسلم القرشي أبو العباس. الثالث: عبد الله بن العلاء بن زبر، بفتح الزاي وسكون الباء الموحدة والراء: الربعي، بفتح الراء والباء الموحدة وبالعين المهملة. الرابع: بسر، بضم الباء الموحدة وسكون السين المهملة وفي آخره راء: ابن عبيد الله الحضرمي. الخامس: أبو إدريس عائذ الله بالعين المهملة والهمزة، بعد الألف وبالذال المعجمة، وقال ابن الأثير: بكسر الياء آخر الحروف بعد الألف: الخولاني، بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو وبالنون. السادس: عوف بن مالك الأشجعي، مات بالشام سنة ثلاث وسبعین. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: السماع في ثلاثة مواضع. وفيه: القول في ثلاثة مواضع. وفيه: أن هؤلاء كلهم شاميون إلاَّ شيخ البخاري، فإنه مكي. وفيه: عبد الله بن العلاء، سمعت بسر بن عبيد الله، ووقع في رواية الطبراني من طريق دحيم عن الوليد عن عبد الله بن العلاء عن زيد بن واقد: عن بسر بن عبيد الله: ولا يضر هذا رواية البخاري، فإن عبد الله بن العلاء صرح بالسماع عن بسر، وكذا في رواية أبي داود وابن ماجه وغيرهما مثل رواية البخاري ليس فيها زبد بن واقد. وأبو داود أخرجه في الأدب عن مؤمل بن الفضل وعن صفوان بن صالح. وأخرجه ابن ماجه في الفتن عن دحيم عن الوليد بن مسلم. ١٣٧ ٥٨ - كِتَابُ الْجِزْيَةِ والْمُؤَادَعَةِ مَعَ أهْلِ الذِّمَّةِ والحَرْبِ / باب (١٥) ذكر معناه: قوله: ((في غزوة تبوك))، كانت في سنة ... (١) قوله: ((وهو في قبة من أدم))، القبة: بضم القاف وتشديد الباء الموحدة: الخرقاهة، وكل بناء مدور فهو قبة، والجمع قباب وقبية، والأدم، بفتحتين اسم لجمع أديم، وهو الجلد المدبوغ المصلح بالدباغ. قوله: ((ستاً) أي: ست علامات لقيام القيامة. قوله: ((ثم موتان)) بضم الميم وسكون الواو، قال القزاز: هو الموت، وقال غيره: الموت الكثير الوقوع، ويقال بالضم لغة تميم وغيرهم يفتحونها، ويقال: للبليد موتان القلب، بفتح الميم والسكون، وقال ابن الجوزي، رحمه الله تعالى: يغلط بعض المحدثين فيقول: بضم الميم والواو، وإنما ذاك اسم الأرض التي لم تحز بالزرع والإصلاح، ووقع في رواية ابن السكن: ثم موتتان، بلفظ التثنية ولا وجه له هنا. قوله: ((كفعاص الغنم))، بضم القاف وتخفيف العين المهملة وبعد الألف صاد مهملة، وهو داء يأخذ الغنم فيسيل من أنوفها شيء فتموت فجاءة، وكذلك غيرها من الدواب. وقال ابن فارس: القعاص داء يأخذ في الصدر كأنه يكسر العنق، وقيل: هو الهلاك المعجل، وبعضهم ضبطه بتقديم العين على القاف، ولم أر ذلك في شرح من شروح البخاري، وما ذكره ابن الأثير وابن قرقول وغيرهما إلاَّ بتقديم القاف على العين. قوله: ((ثم استفاضة المال))، والاستفاضة من: فاض الماء والدمع وغيرهما: إذا كثر. قوله: ((فيظل ساخطاً) أي: يبقى ساخطاً استقلالاً للمبلغ وتحقيراً له. قوله: ((ثم هدنة))، الهدنة بضم الهاء: الصلح، وأصل الهدنة السكون، يقال: هدن يهدن فسمى الصلح على ترك القتال هدنة ومهادنة، لأنه سكون عن القتال بعد التحرك فيه. قوله: ((بني الأصفر)) هم الروم. قوله: ((غاية))، بالغين المعجمة وبالياء آخر الحروف: الراية، وقال ابن الجوزي: رواه بعضهم بالباء الموحدة وهي الأجمة، وشبه كثرة الرماح للعسكر بها، فاستعيرت له، يعني: يأتون قريباً من ألف ألف رجل، قاله الكرماني، وقال غيره: الجملة في الحساب تسعمائة ألف وستون ألفاً، وقال الخطابي: الغاية الغيضة، فاستعيرت للرايات ترفع لرؤساء الجيش. وقال الجواليقي: "غاية وراية واحد لأنها غاية المتبع، إذا وقفت وقف وإذا مشت تبعها، وهذه الست المذكورة ظهرت منها الخمس: موت النبي عَِّ، وفتح بيت المقدس، والموتان كان في طاعون عمواس زمن عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه مات فيه سبعون ألفاً في ثلاثة أيام، واستفاضة المال كانت في خلافة عثمان، رضي الله تعالى عنه، عند تلك الفتوح العظيمة والفتنة استمرت بعده، والسادسة لم تجىء بعد. وروى ابن دحية من حديث حذيفة مرفوعاً: أن الله تعالى يرسل ملك الروم، وهو الخامس من أولاد هرقل، يقال له: صمارة، فيرغب إلى المهدي في الصلح، وذلك لظهور المسلمين على المشركين، فيصالحه إلى سبعة أعوام، فيضع ﴿عليهم الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ [التوبة: ٢٩]. ولا يبقى لرومي حرمة، ويكسر لهم الصليب، ثم يرجع المسلمون إلى دمشق فإذا هم كذلك إذا رجل من الروم قد التفت فرأى أبناء الروم وبناتهم في القيود، فرفع الصليب ورفع صوته، وقال: ألاَ من كان يعبد الصليب فلينصره، فيقوم إليه رجل من (١) بياض في بعض النسخ، وفي بعضها سنة تسع من الهجرة. ١٣٨ ٥٨ - كِتَابُ الْجِزْيَةِ والْمُؤَادَعَةِ مَعَ أهْلِ الذِّمَّةِ والحَرْبِ / باب (١٦) المسلمين فيكسر الصليب، ويقول: الله أغلب وأعز، فحينئذ يغدرون وهم أولى بالغدر، فيجتمع عند ذلك ملوك الروم خفية فيأتون إلى بلاد المسلمين، وهم على غفلة مقيمين على الصلح، فيأتون إلى أنطاكية في اثني عشر ألف راية، تحت كل راية اثني عشر ألفاً، فعند ذلك يبعث المهدي إلى أهل الشام والحجاز والكوفة والبصرة والعراق يستنصر بهم، فيبعث إليه أهل الشرق: أنه قد جاءنا عدو من أهل خراسان شغلنا عنك، فيأتي إليه بعض أهل الكوفة والبصرة، فيخرج بهم إلى دمشق وقد مكث الروم فيها أربعين يوماً يفسدون ويقتلون، فينزل الله صبره على المسلمين، فيخرجون إليهم فيشتد الحرب بينهم ويستشهد من المسلمين خلق كثير، فيا لها من وقعة ومقتلة ما أعظمها وأعظم هولها، ويرتد من العرب يومئذ أربع قبائل: سليم وفهد وغسان وطي، فيلحقون بالروم، ثم إن الله ينزل الصبر والنصر والظفر على المؤمنين، ويغضب على الكافرين، فعصابة المسلمين يومئذ خير خلق الله تعالى والمخلصين من عباده، وليس فيهم مارد ولا مارق ولا شارد ولا مرتاب ولا منافق، ثم إن المسلمين يدخلون إلى بلاد الروم ويكبرون على المدائن والحصون،. فتقع أسوارها بقدرة الله تعالى، فيدخلون المدائن والحصون ويغنمون الأموال ويسبون النساء والأطفال، وتكون أيام المهدي أربعين سنة: عشر منها بالمغرب، واثني عشر سنة بالمدينة، واثني عشر سنة بالكوفة، وستة بمكة، وتكون منيته فجاءة. ١٦ - بابٌ كَيْفَ يُنْبَذُ إلى أهْلِ العَهْدِ أي: هذا باب يبين فيه كيف ينبذ، وهو على صيغة المجهول من النبد بالنون والباء الموحدة والذال المعجمة، وهو: الطرح، والمراد هنا نقض العهد. وقَوْلُهُ تعَالى ﴿وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمِ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءِ﴾ [الأنفال: ٥٨]. الآية وقوله، بالرفع على الابتداء وخبره محذوف تقديره: وقوله تعالى هو: ﴿وأما تخافن﴾ [الأنفال: ٥٨]. الآية، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها. قوله: ((وأما تخافن)) خطاب للنبي عَّ له، أي: من قوم من المشركين. قال الأزهري: معناه إذا هادنت قوماً فعلمت منهم النقض فلا تسرع إلى النقض حتى تلقى إليهم أنك نقضت العهد فيكونون في علم النقض مستوين، ثم أوقع بهم. وقال الكسائي: السواء العدل، وقال ابن عباس: المثل، وقيل: أعلمهم أنك قد جازيتهم حتى يصيروا مثلك في العلم. ١٨/ ٣١٧٧ - حدَّثنا أَبُو اليَمَانِ قال أخبرَنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قال أخبرَنا حُمَيْدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ أنَّ أبا هُرَيْرَةَ قال بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ رضي الله تعالى عنه فِيمَنْ يُؤَذِّنُ يَوْمَ النَّحْرِ يِمِنَّى لا يَحُجُّ بَعْدَ العامِ مُشْرِكٌ ولاَ يَطُوفُ بالْبَيْتِ عُرْيَانٌ وِيَوْمُ الحَجِّ الأَكْبَرِ يَوْمُ النَّخْرِ وإََّا قِيلَ الأَكْبَرُ مِنْ أجْلِ قَوْلِ النَّاسِ الحَجُّ الأَصْغَرُ فتَبَذَ أَبُو بَكْرٍ إِلى النَّاسِ في ذَلِكَ العام فَلَمْ يَحُمَّ عامَ حَبَّةِ الْوَدَاعِ الَّذِي حَجَّ فِيهِ النَّبِيُّ عَّهِ مُشْرِكٌ. [انظر الحديث ٣٦٩ وأطرافه]. ١٣٩ ٥٨ - كِتَابُ الْجِزْيَةِ والْمُؤَادَعَةِ مَعَ أهْلِ الذِّمَّةِ والحَرْبِ / باب (١٧) مطابقته للترجمة في قوله: ((فنبذ أبو بكر إلى الناس)) وأبو اليمان الحكم بن نافع، وهذا الإسناد قد تكرر ذكره. والحديث مضى في كتاب الحج في: باب لا يطوف بالبيت عريان ولا مشرك فإنه أخرجه هناك: عن يحيى بن بكير عن الليث عن يونس عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن: أن أبا هريرة أخبره أبا بكر الصديق بعثه في الحجة التي أمره عليها رسول الله عَّ له، قبل حجة الوداع في رهط يؤذن في الناس: ألا لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان. قوله: ((بعثني أبو بكر))، كان بعثه إياه في الحجة التي أمره النبي عَّهِ قبل حجة الوداع، والأحاديث يفسر بعضها بعضاً. قوله: ((ويوم الحج الأكبر يوم النحر))، هذا قول مالك وجماعة من الفقهاء، وقيل: عرفة، وإنما قيل له: الأكبر، لأجل قول الناس: الحج الأصغر. قال الداودي: يعني العمرة، وقيل: إنما قيل له: الأكبر، لأن الناس كانوا في الجاهلية يقفون بعرفة وتقف قريش بالمزدلفة، لأنهم كانوا يقولون: لا نخرج من الحرم، فإذا كان صلاة الفجر يوم النحر وليلة النحر اجتمعوا كلهم بالمزدلفة، فقيل له: يوم الحج الأكبر، لأنه يوم الاجتماع الأكبر فيه. ١٧ - بابُ إِثْمٍ منْ عاهَدَ ثُمَّ غَدَرَ أي: هذا باب في بيان إثم من عاهد ثم غدر، أي: نقض العهد. وقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ في كلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ﴾ [الأنفال: ٥٦]. وقوله، بالجر عطفاً على قوله: إثم، أي: وفي بيان ما جاء في تحريم نقض العهد من قوله تعالى: ﴿الذين عاهدت﴾ [الأنفال: ٥٦]. الآية، والغدر حرام باتفاق، سواء كان في حق المسلم أو الذمي ... (١). ١٩/ ٣١٧٨ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قال حدَّثنا جَرِيرٌ عنِ الأعْمَشِ عِنْ عَبْدِ الله بنِ مُؤَّةَ عنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو رضي الله تعالى عنهُما قال قال رسُولُ اللهِ عَّ ◌ُلِ أَرْبَعُ خِلالٍ مَنْ كُنَّ فِيهِ كانَ مُنَافِقاً خالِّصاً مَنْ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وإِذَا عاهَدَ غَدَرَ وإِذَا خاصَمَ فَجَرَ ومَنْ كانَتْ فِيهِ خَضْلَةٌ مِنْهُنَّ كانَتْ فِيهِ خَضْلَةٌ مِنَ النَّفَاقِ حتَّى يَدَعَهَا. [انظر الحديث ٣٤ وطرفه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((وإذا عاهد غدر))، ورجاله كلهم قد مروا غير مرة. والحديث أيضاً مر في كتاب الإيمان في: باب علامة المنافق، ومضى الكلام فيه هناك. قوله: (أربع خلال))، أي: أربع خصال، وهو جمع: خلة، وهي: الخصلة. ٣١٧٩/٢٠ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ قال أخبرنا سُفْيَانُ عنِ الأعْمَشِ عنْ إبْرَاهِيمَ (١) هنا بياض في جميع الأصول. ١٤٠ ٥٨ - كِتَابُ الْجِزْيَةِ والْمُؤَادَعَةِ مَعَ أَهْلِ الذِّمَّةِ والحَرْبِ / باب (١٧) التَّيْمِيِّ عنُ أبِيهِ عنْ عَلِيّ رضي الله تعالى عنهُ قال ما كَتَبْنَا عَنِ النَّبِيِّ عَُّلِّ إلَّ القُرْآنَ وما في هَذِهِ الصَّحِيفَةِ قال النَّبِيُّ عَّ ◌ِلِّ المَدِينَةُ حَرَامٌ ما بَيْنَ عائِرٍ إلى كَذَا فَمَنْ أحْدَثَ حَدَثاً أَوْ آوَى مُحْدِثَاً فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ الله والمَلائِكَةِ والنَّاسِ أَجْمَعِينَ لا يُقْبَلُ مِنْهُ عَدْلٌ ولاَ صَرْفٌ وذِمَّةُ المُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَذْنَاهُمْ فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِماً فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ والمَلائِكَةِ والنَّاسِ أَجْمَعِينَ لا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ ولاَ عَدْلٌ ومَنْ والَى قَوْمَاً بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ فعليه لَعْنَةُ الله والمَلاَئِكَةِ والنَّاسِ أَجْمَعِينَ لاَ يَقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ ولاَ عَدْلٌ. [انظر الحديث ١١١ وأطرافه]. مطابقته للترجمة يمكن أن تؤخذ من قوله: ((فمن أحدث فيها حدثاً)) إلى آخره، لأن في إحداث الحدث وإيواء المحدث والموالاة بغير إذن مواليه معنى الغدر، فلهذا استحق هؤلاء اللعنة المذكورة، وسفيان هو ابن عيينة، وإبراهيم التيمي يروي عن أبيه يزيد بن شريك التيمي. والحديث قد مر غير مرة عن قريب في: باب ذمة المسلمين وجوارهم وفي الحج أيضاً. ٢١/ ٣١٨٠ - قال أبُو مُوسَى حدَّثنا هاشِمُ بنُ القَاسِم قال حدَّثنا إسْحَاقُ بنُ سَعِيدٍ عنْ أَبِيهِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه قال كَيْفَ أَنْتُمْ إذَا لَمْ تَجْتَئِبُوا دِيناراً ولاَ دِرْهَمَاً فَقِيلَ لَهُ وكَيْفَ تَرَى ذَلِكَ كائِناً يا أبا هُرَيْرَةَ قال إيْ والَّذِي نَفسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ عنْ قَوْلِ الصَّادِقِ المَصْدُوقِ قَالُوا عَمَّ ذَاكَ قال تُنْتَهَكُ ذِمَّةُ الله وذِمَّةُ رَسُولِهِ عَلَِّ فِيَشُدُّ الله عَزَّ وجَلَّ قُلُوبَ أهْلٍ الذِّمَّةِ فِيَمْنَعُونَ ما في أيْدِيهِمْ. أبو موسى هو محمد بن المثنى شيخ البخاري هاشم بن القاسم أبو النضر التميمي، ويقال: الليثي الكناني، خراساني سكن بغداد، وإسحاق بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص أخو خالد بن سعيد الأموي القرشي، يروي عن أبيه سعيد بن عمرو. وهذا التعليق كذا وقع في أكثر نسخ الصحيح، وقاله أيضاً أصحاب (الأطراف) والإسماعيلي والحميدي في جمعه وأبو نعيم، وفي بعض النسخ: حدثنا أبو موسى، والأول هو الصحيح، ثم هذه الصيغة تحمل على السماع، فيه خلاف، وقال الخطيب: لا تحمل على السماع إلاَّ ممن جرت عادته أن يستعملها فيه، ووصل أبو نعيم هذا في (مستخرجه) من طریق موسی بن عباس عن أبي موسى مثله. قوله: ((إذا لم تجتبوا))، من الجباية، بالجيم والباء الموحدة وبعد الألف ياء آخر الحروف، يعني: إذا لم تأخذوا من الجزية والخراج. قوله: ((عن قول الصادق المصدوق))، معنى الصادق ظاهر، والمصدوق هو الذي لم يقل له إلاَّ الصدق، يعني: أن جبريل، عليه الصلاة والسلام، مثلاً لم يخبره إلاَّ بالصدق. قال الكرماني: أو المصدق، بلفظ المفعول. قوله: (تنتهك))، بضم أوله من الانتهاك، وانتهاك الحرمة تناولها بما لا يحل من الجور والظلم. قوله: ((فيمنعون ما في أيديهم))، أي: من الجزية، وقال الحميدي: أخرج مسلم معنى هذا الحديث من وجه آخر عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة، رفعه: منعت العراق درهمها