النص المفهرس
صفحات 381-400
٣٨١ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (١٥٧) الأعرابي: الكسر أفصح وكان أبو حاتم يختار الكسر، وقال القزاز: الجمع كسور وأكاسرة وكياسرة والقياس أن يجمع كسرون، كما يجمع موسى موسون، وعن أبي إسحاق الزجاج أنه أنكر على أبي العباس قوله: كسرى، بكسر الكاف، قال: وإنما هو كسرى - بالفتح - وقال: ألا تراهم يقولون: كسروي، وقال ابن فارس: لا اعتبار بالنسبة، فقد يفتح في النسبة ما هو مكسور في الأصل أو مضموم فيقال في: ثعلبي بالفتح، ثعلبي بالكسر، وفي أموي بالضم، أموي بالفتح، ومع هذا فإنه معرب خسر، ومعناه واسع الملك. فكيف عربه المعرب، إذا لم يخرج عن بناء كلام العرب، فهو جائز، وفي (المجمل) قال أبو عمرو: ينسب إلى كسرى، بكسر الكاف: كسرى وكسروي، وذكر اللحياني أن معناه: شاهان شاه، وهو اسم لكل من ملك الفرس. قوله: ((وقيصر))، مبتدأ، وقوله: ((ليهلكن)) خبره، وهو غير منصرف للعلمية والعجمة، ويروى: قيصر، بعد النفي بالتنوين لزوال العلمية بالتنكير، وكذا الكلام في كسرى، وإنما قال في كسرى، هلك بلفظ الماضي وفي قيصر بلفظ المضارع لأن كسرى الذي كان في عهده بَّه كان هالكاً حينئذ، وأما قيصر فكان حياً إذ ذاك. فإن قلت: قد كان بعدهما غيرهما. قلت: ما قام لهم الناموس على الوجه الذي قبل ذلك. قلت: روى مسلم من رواية الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله، عَ له: ((قد مات كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله)). وروى الترمذي من حديث الزهري أيضاً عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله، عَ لّه: ((إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده .. )) الحديث، وبين اللفظين بون عظيم فلفظ مسلم يقتضي أن موت كسرى قد وقع فأخبر عنه النبي عَّةِ، وهو يؤيد رواية البخاري: هلك كسرى، ولفظ الترمذي يدل على أن هلاكه سيقع لأن إذا للمستقبل، ولفظ مسلم: قد مات كسرى، بلفظ الماضي المؤكد بكلمة: قد، ولا يصح أن يقال في: قد مات، إذا مات. قلت: الجواب من وجهين أحدهما: أن يقال أن أبا هريرة سمع الحديث مرتين، فسمع أولاً: إذا هلك كسرى، ثم سمع بعده: قد مات، في رواية مسلم، وهلك في رواية البخاري، ومعناهما واحد، وكان عّ لّ أخبر أولاً قبل موت كسرى بموته لأنه علم أنه يموت ثم لما مات، قال: قد مات كسرى، والآخر: أن يفرق بين الموت والهلاك، فموته قد وقع في حياته عَ ليه فأخبر بذلك، وأما هلاك ملكه فلم يقع إلاَّ بعد موته، عَّ ◌ُلّه، وموت أبي بكر، رضي الله تعالى عنه، وإنما هلك ملكه في خلافة عمر، رضي الله تعالى عنه، وتمامه وتلاشيه في أيام عثمان، رضي الله تعالى عنه. قوله: ((ولتقسمن))، على صيغة المجهول، وهكذا جرى، اقتسم المسلمون كنوزهما في سبيل الله، وهذه معجزة ظاهرة، والكنوز جمع: كنز، وهو المال المدفون والذي يجمع ويدخر. واعلم أن الهلاك في كسرى عام وفي قيصر خاص، لأن معنى الحديث: لا قيصر بعده في أرض الشام، وقد دعا النبي عَّه لقيصر لما قرأ كتابه أن يثبت الله ملكه، فلم يذهب ملك الروم أصلاً إلاَّ من الجهة التي خلا منها. وأما كسرى فإنه مزق كتابه عَِّ فدعا عليه أن يمزق ملكه كل ممزق فانقطع ٣٨٢ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادٍ والسيّرِ / باب (١٥٧) إلى اليوم وإلى يوم القيامة. قوله: ((وسمى)) أي: رسول الله، عَِّ ((الحرب خدعة)) وضبط الأصيلي: خدعة، بضم الخاء وسكون الدال، وعن يونس: ضم الخاء وفتح الدال، وعن عياض: فتحهما، وقال القزاز: فتح الخاء وسكون الدال لغة النبي عَّهم ولغته أفصح اللغات، وقالوا: الخدعة المرة الواحدة من الخداع، فمعناه: أن من خدع فيها مرة واحدة عطب وهلك ولا عودة له. وقال ابن سيده في (العويص): من قال خدعة أراد تخدع أهلها وفي (الواعي): أي: تمنيهم بالظفر والغلبة، ثم لا تفي لهم، وقال: ومن قال: خدعة، أراد هي أن تخدع، كما يقال: رجل لعنة يلعن كثيراً، وإذ خدع أحد الفريقين صاحبه في الحرب فكأنها خدعت هي، وقال قاسم بن ثابت في (كتابه الدلائل): كثر استعماله لهذه الكلمة حتى سموا الحرب خدعة، وحكى مكي ومحمد بن عبد الواحد: خدعة، بالكسر، وقال المطرزي: الأفصح بالفتح لأنه لغة قريش، وقال ابن درستويه: ليست بلغة قوم دون قوم، وإنما هي كلام الجميع لأنها المرة الواحدة من الخداع، فلذلك فتحت. وقال الأستاذ أبو بكر بن طلحة: أراد ثعلب أن سيدنا رسول الله، عَّه كان يختار هذه البنية ويستعملها كثيراً لأنها بلفظها الوجيز تعطي معنى البنيتين الأخريين ويعطي أيضاً معناها: استعمل الحيلة في الحرب ما أمكنك، فإذا أعيتك الحيل فقاتل، فكانت هذه اللغة على ما ذكرنا مختصرة اللفظ كثيرة المعنى، فلذلك كان سیدنا يختارها. قال اللحياني: خدعت الرجل أخدعه خدعاً وخدعاً وخديعة وخدعة. إذا أظهرت له خلاف ما تخفي، وأصله: كل شيء كتمته فقد خدعته، ورجل خداع وخدوع وخدع وخديعة وخدعة: إذا أظهرت له خلاف ما تخفي، وأصله: كل شيء كتمته فقد خدعته، ورجل خداع وخدوع خدع وخدعة: إذا كان خباً. وفي (المحكم): الخدع والخديعة المصدر، والخدع والخداع الإسم، ورجل خيدع: كثير الخداع، وقال ابن العربي: الخديعة في الحرب تكون بالتورية وتكون بالكمين وتكون بخلف الوعد، وذلك من المستثنى الجائز المخصوص من المحرم. والكذب حرام بالإجماع جائز في مواطن بالإجماع أصلها الحرب، أذن الله فيه وفي أمثاله رفقاً بالعباد لضعفهم، وليس للعقل في تحريمه ولا في تحليله أثر، إنما هو إلى الشرع، ولو كان تحريم الكذب كما يقول المبتدعون عقلاً، ويكون التحريم صفة نفسية كما يزعمون، ما انقلب حلالاً أبداً، والمسألة ليست معقولة فتستحق جواباً، وخفي هذا على علمائنا. وقال الطبري: إنما يجوز في المعاريض دون حقيقة الكذب، فإنه لا يحل. وقال النووي: الظاهر إباحة حقيقة الكذب لكن الاقتصار على التعريض أفضل، وقال بعض أهل السير: قال النبي عَّ ذلك يوم الأحزاب لنعيم بن مسعود، وعن المهلب: الخداع في الحرب جائز كيف ما يمكن إلاَّ بالأيمان والعهود والتصريح بالأيمان فلا يحل شيء من ذلك. ٣٨٣ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيرِ / باب (١٥٨) ٢٢٩ /٣٠٢٩ - حدّثنا أبو بَكْرِ بنُ أصْرَمَ قال أخبرنا عبدُ الله قالَ أُخبرَنَا مَعْمَرٌ عنْ هَنَّامٍ بِنِ مُنَبِّهِ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ قال سَمَّى النَّبِيُّ عَّهِ الحَرْبَ خُدْعَةٌ. [انظر الحديث ٣٠٢٨ وأطرافه]. هذا طريق آخر عن أبي هريرة أخرجه عن أبي بكر بن أصرم، واسمه: بور، بضم الباء الموحدة وسكون الواو، وفي آخره راء، وكنيته أبو بكر المروزي، قال البخاري: مات سنة ثلاث وعشرين ومائتين وهو من أفراده، وليس له إلا هذا الحديث، وعبد الله هو ابن المبارك المروزي. ٢٣٠ / ٣٠٣٠ - حدّثنا صَدَقَةُ بنُ الفَضْلِ قالَ أَخْبَرَنا ابنُ عُيَيْنَةَ عنْ عَمْرو سَمِعَ جابِرَ ابنَ عَبْدِ اللهِ رضي الله تعالى عنهُما قال قال النبي عَِّ الحَرْبُ خُدْعَة. مطابقته للترجمة ظاهرة وصدقة بن الفضل المروزي وهو من أفراده، وابن عيينة هو سفيان بن عيينة، وعمرو هو ابن دینار. والحديث أخرجه مسلم في المغازي عن علي بن حجر وعمرو الناقد وزهير بن حرب. وأخرجه أبو داود في الجهاد عن سعيد بن منصور. وأخرجه الترمذي فيه عن أحمد بن منيع ونصر بن علي، وأخرجه النسائي في السير عن محمد بن منصور المكي والحارث بن مسكين، وفي الباب عن علي، أخرجه النسائي كذلك، وعن زيد بن ثابت أخرجه الطبراني كذلك، وعن ابن عباس أخرجه ابن ماجه كذلك. وعن کعب بن مالك أخرجه أبو داود كذلك. وعن أنس أخرجه أحمد في (مسنده) كذلك وعن عائشة أخرجه ابن ماجه، قال ذلك: وعن ابن عمر أخرجه البزار في (مسنده) قال ذلك. وعن الحسن بن علي أخرجه أبو يعلى الموصلي في مسنده فقال ذلك، وعن الحسين بن علي أخرجه البزار في (مسنده) قال ذلك. وعن عبد الله ابن سلام أخرجه أبو يعلى والطبراني في (الكبير) قال ذلك، وعن النواس ابن سمعان أخرجه الطبراني في (الكبير) قال ذلك. وعن عوف بن مالك أخرجه الطبراني في (الكبير) قال ذلك. وعن نعيم بن مسعود أخرجه الطبراني قال ذلك. وعن نبيط بن شريط أخرجه الطبراني أيضاً في (الأوسط) قال ذلك. ١٥٨ - بابُ الكَذِبِ في الحزبِ أي: هذا باب في بيان الكذب في الحرب هل يجوز أم لا؟ وإذا جاز يجوز بالتصريح أو بالتلويح؟ ويجيء بيانه الآن. ٣٠٣١/٢٣١ _ حدَّثْنا قُتَيْبَةَ بنُ سَعِيدٍ قال حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ عَمْرِو بنِ دِينَار عنْ جابِرِ ابنِ عبْدِ الله رضي الله تعالى عنهما أنَّ النَّبِيَّ عَ لَّه قال مَنْ لِكَعْبِ بنِ الأشْرَفِ فإنَّهُ قَدْ آذَى الله ورسُولَه قال مُحَمَّدُ بنُ مسْلَمَةَ أَتُحِبُّ أنْ أَقْتُلَهُ يا رسولَ الله قالَ نَعَمْ قَالَ فأتَاهُ فَقال إنَّ هَذا يعني النَّبِيَّ عَلَّهِ قَدْ عَنَّانا وسألَنا الصَّدَقَةَ قال وأيضاً والله لَتَمَلَّنَّهُ قال فَأَنَّا قَدِ اتَّبَعْنَاهُ فَتَكْرَهُ أَنْ نَدَعَهُ حتَّى تَنْظُرَ إلَى ما يَصِيرُ أَمْرُهُ قالَ فَلَمْ يَزَلْ يُكَلِّمُهُ حتَّى اسْتَمْكَنَ مِنْهُ فَقَتَلَهُ. [انظر ٣٨٤ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيرِ / باب (١٥٨) الحديث ٢٥١٠ وأطرافه]. قيل: لا مطابقة بين الحديث والترجمة، لأن الذي وقع من محمد بن مسلمة في قتل كعب بن الأشرف يمكن أن يكون تعريضاً. وأجيب: بوجود المطابقة، فإن محمد بن مسلمة، قال: فأذن لي، فأقول؟ قال: قد فعلت فإنه يدخل فيه الإذن في الكذب تصريحاً وتلويحاً. فإن قلت: ليس في حديث الباب هذا. قلت: هذه الزيادة ثابتة في حديث الباب الذي يليه، والحديث واحد في الأصل عن جابر على أنه قد جاء من ذلك صريحاً فيما أخرجه الترمذي من حديث أسماء بنت يزيد مرفوعاً: لا يحل الكذب إلاَّ في ثلاث: يحدث الرجل امرأته ليرضيها، والكذب في الحرب، وفي الإصلاح بين الناس. وقال النووي: الظاهر إباحة حقيقة الكذب في الأمور الثلاثة، لكن التعريض أولى. والحديث قد مضى في كتاب الشركة في: باب رهن السلاح، فإنه أخرجه هناك: عن علي بن عبد الله عن سفيان عن عمرو عن جابر. قوله: ((من لكعب بن الأشرف؟)) أي: من لقتله؟ و: من، مبتدأ، و: لكعب، خبره، وكعب بن الأشرف - ضد الأخس - اليهودي القرظي، وكان يهجو رسول الله، عَّ ويؤذيه. وأذاه لرسول الله، عَِّ هو أذىّ الله، لأنه لا يرضى به. قوله: ((أتحب؟)) الهمزة فيه للاستفهام، وكلمة: أن، في: ((أن أقتله)) مصدرية، والتقدير: أتحب قتله؟ قوله: ((قد عنانا))، بفتح النون المشددة أي: أتعبنا، وهذا من التعريض الجائز بل من المستحسن، لأن معناه في الباطن أدبنا بآداب الشريعة التي فيها تعب، لكنه تعب في مرضاة الله تعالى، والذي فهم المخاطب هو العناء الذي ليس بمحبوب، قوله: ((وسألنا))، بفتح الهمزة وفتح اللام والضمير فيه يرجع إلى النبي عَّهِ والصدقة منصوب لأنه مفعول ثان. قوله: ((وأيضاً والله لتملنه)) أي والله بعد ذلك تزيد ملالتكم عنه وتتضجرون عنه أكثر وأزيد من ذلك. فإن قلت: هذا غدر فكيف جاز؟ قلت: حاشا، لأنه نقض العهد بإيذائه رسول الله، عٍَّ. وقال المازري: نقض عهد رسول الله، عَّهِ وهجاه وأعان المشركين على حربه. فإن قلت: أمنه محمد بن مسلمة؟ قلت: لم يصرح له بأمان في كلامه، وإنما كلمه في أمر البيع والشراء والشكاية إليه والاستيناس به حتى تمكن من قتله، وقيل: في قتل محمد بن مسلمة كعب بن الأشرف فيه دلالة أن الدعوة ساقطة ممن قرب من دار الإسلام، وكانت قضية محمد بن مسلمة في رمضان، وقيل: في ربيع الأول - الأول أشهر - في السنة الثالثة من الهجرة. وقال إبن إسحاق: أتى كعب المدينة فنزلها، ولما جرى ببدر ما جرى، قال: ويحكم أحق هذا؟ وأن محمداً قتل أشراف العرب وملوكها؟ والله إن كان هذا حقاً لبطن الأرض خير من ظهرها، ثم خرج حتى قدم مكة فنزل على المطلب بن أبي وداعة السهمي، فأكرمه المطلب فجعل ينوح ويبكي على قتلى بدر ويحرض الناس على رسول الله، عَّله، وينشد الأشعار في ذلك، وبلغ ذلك رسول الله، عَ له فقال: من لكعب بن الأشرف؟ فقال محمد بن مسلمة الأنصاري، أخو بني عبد الأشهل: أنا له يا رسول الله، وسرد في ذلك كلاماً كثيراً، ثم قال إنه اجتمع به وسأله أن يسلفه سلفاً ٣٨٥ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيِّرِ / باب (١٦٠) وجرى بينهما ما يتعلق بالرهن إلى أن قال: نرهنك اللأمة؟ يعني: السلاح. قال: نعم، فواعده أن يأتيه بالحارث بن أوس وأبي عبس جابر بن عتيك وعباد بن بشر، قال: فجاؤوه فدعوه ليلاً فنزل إليهم، فقالت له امرأته: إني لأسمع صوتاً كأنه صوت دم، فقال: إنما هو محمد بن مسلمة ورضيعي أبو نائلة، وإن الكريم لو دعي إلى طعنة لأجاب. وقال محمد: إني إذا جاء سأمد يدي، فإذا استمكنت منه فدونكم. قال: فنزل وهو متوشح فقال له: نجد منك ريح الطيب، قال: نعم، تحتي فلانة أعطر نساء العرب، فقال محمد: أتأذن لي أن أشم منه؟ قال: نعم، فشم. فتناول فشم، ثم عاد فشم، فلما استمكن منه، قال: دونكم! فقتلوه ثم أتوا رسول الله، عَّلِ فأخبروه. وحكى الطبري عن الواقدي قال: جاؤوا برأس كعب بن الأشرف إلى رسول الله، عَّه، وفي كتاب (شرف المصطفى): أن الذين قتلوا كعباً حملوا رأسه في المخلاة، فقيل: إنه أول رأس حمل في الإسلام. وقيل: بل رأس أبي غرة الجمحي الذي قال له النبي عَّهِ: ((لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين)) فقتله واحتمل رأسه إلى المدينة في رمح، وأما أول مسلم حمل رأسه في الإسلام فعمرو بن الحمق، وله صحبة. ١٥٩ - بابُ الْفَتْكِ بأهْلِ الحَربِ أي: هذا باب في بيان جواز الفتك بأهل الحرب، والفتك، بفتح الفاء وسكون التاء المثناة من فوق بعدها كاف: وهو أن يأتي الرجل صاحبه وهو غار غافل فيشتد عليه فيقتله. ٣٠٣٢/٢٣٢ _ حدَّثني عبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قال حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ عَمْرو عنْ جابِرٍ عَنِ النبيِّ عَ لَّهِ قالَ مَنْ لِكَعْبِ بنِ الأشْرَفِ فَقال مُحَمَّدُ بنُ مَسْلَمَةَ أَتُحِبُ أَنْ أَقْتُلَهُ قال نَعَمْ قال فأذَنْ لِي فَأَقُولَ قال قدْ فعلْتُ. [انظر الحديث ٢٥١٠ وأطرافه]. وجه المطابقة للترجمة يؤخذ من معناه، لأن محمد بن مسلمة غر كعباً فاستغفله، فشد عليه فقتله. وهو الفتك بعينه، وهذا طرف من حديث جابر الذي مضى قبله. قوله: ((فأقول؟)) أي: عني وعنك ما رأيته مصلحة من التعريض وغيره ما لم يحق باطلاً ولم يبطل حقاً؟ قوله: ((قال: قد فعلت) أي: قال النبي عَ لّ: قد أذنت، ولفظ الفعل أعم الأفعال يعبر به عن ألفاظ كثيرة، وقد مر الكلام فيه غير مرة. ١٦٠ - بابُ ما يَجُوزُ مِنَ الاخْتِيَالِ والحَذَرِ مَعَ مَنْ يَخْشَى مَعَرَّتَهُ أي: هذا باب في بيان ما يجوز إلى آخره. قوله: ((مع من يخشى))، على بناء المعلوم، ويجوز أن يكون على صيغة المجهول، فعلى الأول: معرفته، منصوب وعلى الثاني، مرفوع. والمعرة، بفتح الميم والعين المهملة وتشديد الراء: الشدة وما يكره من فساد. ٢٣٣ / ٣٠٣٣ - قالَ حدَّثنا اللَّيْثُ قال حدَّثَنِي عُقَيْلٌ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ سالِمٍ بنِ عَبْدِ الله عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهُما أنَّهُ قالَ انْطَلَقَ رسولُ اللهِ عَلَّهِ وَمَعَهُ أبَيُّ بنُ كَغْبٍ قِبَلَ ابنِ صَيَّادٍ فَخُدِّثَ بِهِ فِي نَخْلٍ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيهِ رسولُ اللهِعَ لَّهِ النَّخْلّ عمدة القاري/ ج١٤ م٢٥ ٣٨٦ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيَّرِ / باب (١٦١) طَفِقَ يَتَّقِي بِجُذُوعِ النَّخْلِ وابنُ صَيَّادٍ فِي قَطِيفَةٍ لَهُ فِيهَا رَمْرَمَةٌ فَرَأتْ أُمُّ ابْنِ صَيَّادٍ رسولَ الله عَّ الِ فَقَالَتْ يا صَافُ هَذَا مُحَمَّدٌ فَوَثَبَ ابْنُ صَيَّادٍ فَقالَ رسولُ اللهِ عَ لِّ لَوْ تَرَكَتْهُ بَيَّنَ. [انظر الحديث ١٣٥٥ وأطرافه]. مطابقته للترجمة يمكن أن تؤخذ من قوله: ((طفق يتقي بجذوع النخل)) لأن معناه: شرع يخفي نفسه بجذوع النخل حتى لا تراه أم ابن صياد، وهذا احتيال وحذر، لأن أم ابن صياد ممن يخشى معرته، ولم أر أحداً من الشراح ذكر هنا المطابقة بين الترجمة والحديث، وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء. والليث هو ابن سعد، وعقيل، بضم العين: ابن خالد، وهذا التعليق وصله الإسماعيلي من طريق يحيى بن بكير وأبي صالح، كلاهما عن الليث، وقد مضى قصة ابن صياد مطولة في كتاب الجنائز في: باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه؟. قوله: ((قِبَل ابن صياد))، بكسر القاف وفتح الباء الموحدة، أي: ناحيته وجهته، قوله: ((فحدث به))، على صيغة المجهول، والضمير في: به، يرجع إلى ابن صياد. قوله: ((في نخل))، حال من الضمير المجرور، والمعنى: أخبر النبي عَّ ◌ُلِّ بابن صياد، والحال أنه في نخل. قوله: ((طفق يتقي))، قد مر تفسيره الآن. قوله: ((في قطيفة))، وهي: الكساء المخمل. قوله: ((له فيها))، أي: لابن صياد في القطيفة ((رمرمة)) براءين، وهو الصوت، ويروى بالزايين. قوله: ((يا صاف))، صاف اسم ابن صياد، بضم الفاء وكسرها. قوله: ((لو تركته بين))، أي: لو تركته أمه بحيث لا تعرف قدوم رسول الله، عَّهِ، ولم يندهش منه، بيّ لكم باختلاف كلامه ما يهون عليكم أمره، وقد سبقت مباحثه مستقصاة في كتاب الجنائز في الباب المذكور. ١٦١ - بابُ الرَّجَزِ في الحَرْبِ وَرَفْعِ الصَّوْتِ في حَفْرِ الخَنْدَقِ أي: هذا باب في بيان ما جاء من إنشاء الرجز في الحرب، والرجز، بفتح الراء والجيم وفي آخره زاي: وهو بحر من بحور الشعر، وهو معروف، ونوع من أنواع الشعر يكون كل مصراع منه مفرداً، وتسمى قصائده أراجيز، واحدتها أرجوزة، فهو كهيئة السجع إلاَّ أنه في وزن الشعر، ويسمى قائله: راجزاً، كما يسمى قائل بحور الشعر: شاعراً، ولم يعده الخليل شعراً. وقال ابن الأثير: والرجز ليس بشعر عند أكثرهم. قوله: ((ورفع))، مجرور عطفاً على لفظ: الرجز، أي: وفي بيان ما جاء من رفع الصوت في حفر الخندق، وهو الذي حفره الصحابة من المهاجرين والأنصار يوم الأحزاب، وكانوا ينقلون التراب على ظهورهم وينشدون الأراجيز، على ما مر في كتاب الجهاد في: باب حفر الخندق، وكانت عادة العرب باستعمال الأراجيز في الحروب لأنها تزيد النشاط وتهيج الهمم. فيهِ سَهْلٌ وأنَسّ عنِ النَّبِيِّ عَلَّهِ أي: مما جاء في هذا الباب، روى سهل بن سعد الأنصاري الساعدي، رضي الله تعالى عنه، عن النبي عَّهِ ووصل البخاري حديثه في غزوة الخندق وفيه: ٣٨٧ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (١٦٢) اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة قوله: ((وأنس))، بالرفع عطف على سهل، وحديثه مضى في: باب حفر الخندق، ووصله عن أبي معمر عن عبد الوارث عن عبد العزيز عن أنس، رضي الله تعالى عنه. وفيه: اللهم لا خير إلاَّ خير الآخرة وقد مر الكلام فيه هناك. وفِيهِ يَزِيدُ عنْ سَلَمَةَ أي: وفي الباب أيضاً روى يزيد - من الزيادة - ابن أبي عبيد، مولى سلمة بن الأكوع عن مولاه سلمة بن الأكوع، رضي الله تعالى عنه، وسيأتي في غزوة خيبر، إن شاء الله تعالى. ٣٠٣٤/٢٣٤ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قال حدَّثنا أبُو الأخوَصِ قال حدَّثَنَا أَبُو إسْحَاقَ عنِ البَرَاءِ رضي الله تعالى عنهُ قال رأيْتُ النَّبِيَّ عَلَّهِ يَوْمَ الخَنْدَقَ وهُوَ يَنْقُلُ التُّرَابَ حتَّى وارَى التَّرَابَ شَعَرَ صَدْرِهِ وكانَ رَجُلاً كَثِيرَ الشَّعَرِ وهُوَ يَرْتَجِزُ بِرَجَزِ عَبْدِ الله بنِ رَوَاحَةً. ولاَ تَصَدَّقْنَا ولاَ صَلَّيْنَا اللَّهُمَّ لَوْلاً أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا وثَبِّتِ الأَقْدَامَ إنْ لاَقَيْنَا فأنْزِلَنْ سَكِينَةٌ عَلَيْنَا إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنا إِنَّ الأَعْدَاءَ قَدْ بَغَوْا علَيْنَا يرفَعُ بِهَا صَوْتَهُ. [انظر الحديث ٢٨٣٦ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((وهو يرتجز برجز عبد الله))، وفي قوله: ((يرفع بها صوته)) وأبو الأحوص سلام بن سليم الحنفي، وأبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي الكوفي. والحديث مضى في: باب حفر الخندق، فإنه أخرجه هناك: عن حفص بن عمر عن شعبة عن أبي إسحاق ... إلى آخره. وفيه: وقد وارى التراب بياض بطنه، وهنا زيادة، وهي قوله: وكان رجلاً كثير الشعر. وفيه أيضاً هنا: وهو يرتجز برجز عبد الله، وهو عبد الله بن رواحة الأنصاري الحارثي البدري، النقيب الشاعر وهنا: إن الأعداء، وهناك: إن الأولى، وقد مر الكلام فيه هناك. قوله: ((وهو ينقل))، الواو فيه للحال، وكذا الواو في قوله: ((وهو يرتجز)» قوله: ((بغوا))، من البغي، وهو الاستطالة والظلم. قوله: (أبينا))، من الإباء وهو الامتناع. قوله: ((يرفع بها صوته)) جملة وقعت حالاً من قوله: ((وهو يرتجز)). ١٦٢ - بابُ مَنْ لاَ يَثْبُتُ عَلَى الخَيْلِ أي: هذا باب في بيان ذكر ما جاء عن النبي عَّه من الدعاء في حق من لا يثبت على الخيل، وقال بعضهم: باب من لا يثبت على الخيل، أي: ينبغي لأهل الخير أن يدعو له بالثبات. قلت: ما أبعد هذا التفسير من معنى الترجمة على ما لا يخفى على المتأمل، بل ٣٨٨ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيرِ / باب (١٦٣) ينبغي أن يفسر مثل ما فسرنا، ثم يقال: وينبغي لأهل الخير أن يدعو له بالثبات تأسياً بالنبي حَ قٍ حيث دعا لجرير حين شكا إليه من عدم ثباته على الخيل. ٢٣٥/ ٣٠٣٥ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله بنِ ثُمَيْرٍ قال حدَّثنا ابنُ إذْرِيسَ عنْ إِسْمَاعِيلَ عِنْ قَيْسٍ عنْ جَرِيرٍ رضي الله تعالى عنهُ قال ما حَجَبَنِي النَّبِيُّ عَُّلِّ مُنْذُ أَسْلَمْتُ ولاَ رآنِي إِلاَّ تَبَسَّمَ في وَجْهِي. [الحديث ٣٠٣٥ - طرفاه في: ٣٨٢٢، ٦٠٩٠]. ٣٠٣٦ _ ولَقَدْ شَكَوْتُ إِلَيْهِ أَنِّي لا أثْبُتُ عَلَى الخَيْلِ فَضَرَب بِيَدِهِ فِي صَدْرِي وقال اللَّهُمَّ ثَنْهُ واجْعَلْهُ هادِياً مَهْدِيَّاً. [انظر الحديث ٣٠٢٠ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((ولا أثبت على الخيل)) وابن إدريس هو عبد الله بن إدريس بن يزيد، مات سنة ثنتين وتسعين ومائة، وإسماعيل هو ابن أبي خالد الأحمسي البجلي الكوفي، وقيس بن أبي حازم. والحديث أخرجه البخاري في الأدب أيضاً عن محمد بن عبد الله بن نمير أيضاً، وفي فضل جرير عن إسحاق الواسطي، وأخرجه مسلم في الفضائل عن عبد الحميد بن بيان ويحيى بن يحيى وعن أبي بكر بن أبي شيبة وعن ابن نمير، وأخرجه الترمذي في المناقب عن أحمد بن منيع، وأخرجه النسائي فيه عن قتيبة. وأخرجه ابن ماجه في السنة عن ابن نمير به. قوله: ((ما حجبني النبي عَّ منذ أسلمت))، أي: ما منعني مما التمست منه أو من دخول الدار، ولا يلزم منه النظر إلى أمهات المؤمنين. قوله: ((في وجهين))، هذا هكذا في رواية السرخسي والكشميهني، وفي رواية غيرهما: في وجهه، وفي التفات من التكلم إلى الغيبة. قوله: ((ولقد شكوت ... )) إلى آخره، مضى في: باب حرق الدور والنخيل عن قريب. وفيه: أن الرجل الوجيه في قومه له حرمة ومكانة على من هو دونه، لأن جريراً كان سيد قومه. وفيه: أن لقاء الناس بالتبسم وطلاقة الوجه من أخلاق النبوة، وهو مناف للتكبر وجالب للمودة. وفيه: فضل الفروسية وأحكام ركوب الخيل، فإن ذلك مما ينبغي أن يتعلمه الرجل الشريف والرئيس. وفيه: أنه لا بأس للإمام أو للعالم إذا أشار إليه إنسان في مخاطبة أو غيرها أن يضع عليه يده ويضرب بعض جسده، وذلك من التواضع واستماله النفوس. وفيه: بركة دعوته، عَّ له، لأنه جاء في الحديث أنه ما سقط بعد ذلك من الخيل. ١٦٣ - بابُ دَوَاءِ الجَزْحِ بإِخْرَاقِ الْحَصِيرِ وغَسْلِ المَرْأةِ عنْ أَبِيها الدَّمَ عنْ وَجْهِهِ وَحَمْلِ المَاءِ في التُّرْسِ أي: هذا باب في بيان ما جاء من دواء الجرح إلى آخره. قوله: ((وحمل الماء))، معطوف على قوله: ((دواء الجرح)) أي وفي بيان ما جاء من حمل الرجل الماء في الترس لأجل غسل الدم، وهذه الترجمة مأخوذة من معنى حديث الباب، لأن المراد من المرأة هي فاطمة بنت رسول الله، عَِّ لأنها هي التي داوت جرح النبي عَّه، بالحصير المحرق بالنار ٣٨٩ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيرِ / باب (١٦٤) بعد غسلها الدم عن وجه النبي عَّهِ، وذلك لازدياد الدم بالغسل بالماء وعدم انقطاعه. وأما حمل الماء فكان من علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه، على ما يجيء بيانه إن شاء الله تعالى. ٢٣٦ / ٣٠٣٧ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قال حدَّثنا سُفْيَانُ قال حدَّثنا أَبُو حَازِمٍ قال سألُوا سَهْلَ بْنَ سَعْدِ السَّاعِدِيَّ رضي الله تعالى عنهُ بِأَيِّ شَيءٍ دُوِيَ جُرْحُ النَّبِيِّ عَ لِّ فقال ما يَقِيَ مِنَ النَّاسِ أحَدٌ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي كانَ عَلِيٌّ يَجِيءُ بالْمَاءِ في تُرْسِهِ وكانَتْ يَعْنِي فَاطِمَةً تَغْسِلُ الدَّمَ عنْ وَجْهِهِ وَأُخِذَ حَصِيرٌ فَأُخْرِقَ ثُمَّ حُشِيَ بِهِ مُجُرْخُ رسولِ اللهِ عَلَّهِ. [انظر الحديث ٢٤٣ وأطرافه]. مطابقته للترجمة ظاهرة، وعلي بن عبد الله هو ابن المديني، وسفيان هو: ابن عيينة، وأبو حازم سلمة بن دينار الأعرج. والحديث بعينه مضى في كتاب الطهارة في: غسل المرأة أباها الدم عن وجهه، غير أنه هناك أخرجه عن محمد عن سفيان ... إلى آخره، ومضى الكلام فيه هناك. قوله: ((جرح النبي عَّه)) أي: الذي وقع يوم أحد من شج رأسه المبارك. قوله: ((ما بقي))، لأنه آخر من مات من الصحابة بالمدينة. ١٦٤ - بابُ ما يُكْرَهُ مِنَ التََّازُعِ والاخْتِلافُ في الحَربِ وعقُوبَةٍ منْ عَصَى إِمَامَهُ أي: هذ باب في بيان ما يكره إلى آخره. قوله: ((في الحرب))، أي: من المقاتلة في أحوال الحرب. قوله: ((وعقوبة))، أي: وفي بيان عقوبة من عصى إمامه، يعني: بالهزيمة وحرمان الغنيمة، وفي (التوضيح): التنازع هو الاختلاف. قلت: ليس كذلك، لأنه يلزم عطف الشيء على نفسه في الترجمة، ولا يقال: إنه عطف بيان لأن التنازع معلوم فلا يحتاج إلى البيان، والتنازع هو التخاصم والتجادل، والاختلاف أن يذهب كل واحد منهم إلى رأي، والاختلاف سبب الهلاك في الدنيا والآخرة، لأن الله عز وجل قد عبر في كتابه بالخلاف الذي قضى به على عباده عن الهلاك في قوله: ﴿ولو شاء الله ما اختلفوا﴾ [الأنفال: ٤٦]. ثم قال: ولذلك خلقهم، يعني: ليكونوا فريقين: فريق في الجنة وفريق في السعير، من أجل اختلافهم. وقال الله تَعَالى ﴿وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبُ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦]. أول الآية: ﴿وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا﴾ [الأنفال: ٤٦]. وقبلها، خاطب المؤمنين بقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون﴾ [الأنفال: ٤٥]. فأمروا بالثبات عند ملاقاتهم الأعداء، والصبر على مبارزتهم، ثم أمرهم بذكره في تلك الحال ولا ينسونه بل يستعينون به ويتوكلون عليه ويسألونه النصر عليهم، ثم أمرهم بإطاعة الله ورسوله في حالهم ذلك، فما أمرهم به ايتمروا وما نهاهم عنه انزجروا، ولا يتنازعون فيما ٣٩٠ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيَّرِ / باب (١٦٤) بينهم فيفشلون، من الفشل: وهو الفزع والجبن والضعف. قوله: ﴿وتذهب ريحكم﴾ [الأنفال: ٤٦]. أي: قوتكم ووحدتكم وما كنتم فيه من الإقبال ﴿واصبروا إن الله مع الصابرين﴾ [الأنفال: ٤٦]. قوله: ((يعني الحرب))، هكذا وقع في رواية الكشميهني وحده. وقَالَ قَتَادَةُ الرِّيحُ الحَرْبُ هذا هو الذي وقع في هذا الموضع في رواية الأصيلي، قال قتادة: الريح الحرب، وهذا وصله عبد الرزاق في تفسيره عن معمر عن قتادة به، وقال مجاهد: الريح النصر، وقيل: الدولة، شبهت في نفوذ أمرها وتمشيه بالريح وهبوبها، فقيل: هبت رياح فلان: إذا دالت له. ٢٣٧/ ٣٠٣٨ - حدَّثنا يَحْتَى قال حدَّثنا وَكِيعُ عنْ شُعْبَةَ عنْ سَعِيدِ بنِ أبِي بُرْدَةَ عنْ أَبِيهِ عنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ عَ لَّهِ بعَثَ مُعاذَاً وأبا مُوسَى إلى اليَمَنِ قال يَسِّرَا ولاَ تُعَسِّرَا وبَشِّرًا ولاَ تُنَفِّرَا وتَطَاوَعَا ولاَ تَخْتَلِفَا. [انظر الحديث ٢٢٦١ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((ولا تختلفا)). ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: يحيى، قيل: هو يحيى بن جعفر بن أعين أبو زكرياء البخاري البيكندي، وقيل: يحيى بن موسى بن عبد ربه أبو زكرياء السختياني البلخي، يقال له: خت، بفتح الخاء المعجمة وبالتاء المثناة من فوق، وكل منهما سمع وكيعاً. وقال الكرماني في يحيى بن جعفر البلخي: وليس إلاّ البخاري، وقال في يحيى بن موسى الختي بالنسبة إلى خت، وليس كذلك، فإن خت لقبه وما هو بمنسوب إليه. الثاني: وكيع، وقد تكرر ذكره. الثالث: شعبة، كذلك. الرابع: سعيد بن أبي بردة، بضم الباء الموحدة: واسمه عامر. الخامس: أبو عامر. السادس: جده أبو موسى الأشعري، واسمه عبد الله بن قيس، والضمير في: جده، راجع إلى سعيد لا إلى الأب، يعني: روى سعيد عن عامر عن عبد الله. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الأدب عن إسحاق، وفي الأحكام عن محمد بن بشار، وفي المغازي عن مسلم بن إبراهيم وعن إسحاق بن شاهين أيضاً. وأخرجه مسلم في الأشربة عن قتيبة وإسحاق وعن محمد بن عباد وعن إسحاق ابن إبراهيم ومحمد بن أحمد وعن زيد بن أبي أنيسة وفي المغازي عن أبي بكر بن أبي شيبة وعن محمد بن عباد وعن إسحق بن إبراهيم وابن أبي خلف. وأخرجه أبو داود في الحدود في قصة اليهودي الذي أسلم. ثم ارتد. وأخرجه النسائي في الأشربة وفي الوليمة عن أحمد ابن عبد الله وعبد الله بن الهيثم. وأخرجه ابن ماجه في الأشربة عن محمد بن بشار. ذكر معناه: قوله: ((يسرا))، بالياء آخر الحروف والسين المهملة معناه: خذا بما فيه التيسير. قوله: ((ولا تعسرا))، من التعسير وهو التشديد والتعصيب. قوله: ((وبشرا))، بالباء الموحدة والشين المعجمة: من التبشير، وهو إدخال السرور من بشرت الرجل أبشره بشراً وبشوراً من البشرى. قوله: ((ولا تنفرا))، من التنفير، يعني: لا تذكرا شيئاً يهربون منه، ولا تقصدا إلى ما فيه الشدة. قوله: ((وتطاوعا)) أي: تحابا. قوله: ((ولا تختلفا))، فإن الاختلاف ٣٩١ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (١٦٤) يورث الاختلال. ٣٠٣٩/٢٣٨ - حدَّثنا عَمْرُو بنُ خالِدٍ قال حدَّثنا زُهَيْرٌ حَدَّثنا أبو إسْحاقَ قال سَمِعْتُ البَرَاءَ بنَ عازِبٍ رضي الله تعالى عنهما يُحَدَّثُ قال جَعَلَ النَّبِيُّ عَ لَّهِ عَلَى الرَّجَالَةِ يَوْمَ أُحُدٍ وكانُوا خَمْسِينَ رَجُلاً عَبْدَ الله بنَ جُبَيْرٍ فَقَالَ إِنْ رَأَيْتُمُونَا تخْطَفُنا الطَّيْرُ فَلا تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ هَذا حتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ وَإِنْ رَأيْتُمُونَا هَزَمْنَا الْقَوْمَ وَأَوْطَأْنَاهُمْ فَلاَ تَبْرَحُوا حتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ فَهَزَمُوهُمْ قالَ فأنَا والله رأيتُ النِّسَاءَ يَشْتَدِدْنَ قدْ بدَتْ خَلاخِلُهُنَّ وأسُوُقُهُنَّ رَافِعَاتٍ ثِيَابَهُنَّ فَقالَ أَصْحَابُ عَبْدِ الله بنِ جُبَيْرِ الغَنِيمَةَ أَيْ قَوْمُ الغَنِيمَةَ ظَهَرَ أصْحَابُكُمْ فَما تَنْتَظِرُونَ فَقال عبْدُ الله بنُ جُبَيْرٍ أَنَسِيتُمْ مَا قالَ لَكُمْ رسولُ الله عَلَّهِ قَالُوا وَالله لَنَأْتِيَنَّ النَّاسَ فَلَنُصِيبَنَّ مِنَ الغَنِيمَةِ فَلَمَّا أَتَوْهُمْ صُرفَتْ وُمُجُوهُهُمْ فَأَقْبَلُوا مُنْهَزِمِينَ فَذَاكَ إِذْ يَدْعُوهُمْ الرَّسُولُ فِي أُخْرَاهُمْ فَلَمْ يَبْقَ مَعَ النَّبِيِّ عَلِ غَيْرُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلاً فأصَابُوا مِنَّا سَبْعِينَ وكَانَ النَّبِيُّ عَ لَّه وَأَصْحَابُه أصابَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ أَرْبَعِينَ ومائَةً سَبْعِينَ أُسِيراً وسَبْعِينَ قَتِيلاً فَقال أَبُو سُفْيانَ أفي الْقَوْمِ مُحَمَّدٌ ثَلاثَ مَرَّاتٍ فَتَهَاهُمْ النَّبِيُّ عَّهِ أنْ يُجِيبُوهُ ثُمَّ قَالَ أفي القَوْمِ ابنُ أبِي قُحَافَةً ثَلاثَ مَرَّاتَ ثُمَّ قالَ أفي القَوْمِ ابنُ الخَطَّابِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ رَعَ إلى أَصْحَابِهِ فقال أمّا هَؤُلاَءٍ فَقَدْ قُتِلُوا فَمَا مَلَكَ عُمَرَ نَفْسَهُ فقال كَذَبْتَ والله يا عَدُوَّ الله إِنَّ الَّذِينَ عَدَدْتَ لأحياءٌ كُلُّهُمْ وَقَدْ بَقِيَ لَكَ ما يَسُوءُكَ قال يَوْمٌ بِيَوْمٍ بَدْرٍ والحَرْبُ سِجَالٌ إِنَّكُمْ سَتَجِدُونَ في القَوْمِ مُثْلَةٌ لَمْ آمُرْ بِهَا وَلَمْ تَسُؤْنِي ثُمَّ أَخَذَ يَرْتَجِزُ أُعْلُ هُبَلْ أُعْلُ هُبَلْ قالَ النَّبِيُّ عَ لَّهِ أَلاَ تُجِيبُوا لَهَ قالوا يا رسولَ اللهِ ما نَقُولُ قالَ قُولُوا الله أعْلَى وأجَلُّ قال إنَّ لَنا العُزَّى ولاَ عُزَّى لَكُمْ فَقَالَ النَّبِيُّ عَ لَّهِ أَلاَ تُجِيبُوا قال قالوا يا رسولَ الله ما نَقولُ قال قُولُوا الله مَؤْلانَا ولاَ مَوْلَى لَّكُمْ .. [الحديث ٣٠٣٩ - أطرافه في: ٣٩٨٦، ٤٠٤٣، ٤٠٦٧، ٤٥٦١]. مطابقته للترجمة في قوله: ((أصحاب عبد الله بن جبير)) فإن الهزيمة وقعت بسبب مخالفتهم. وعمرو بن خالد بن فروخ الحراني الجزري وهو من أفراده، وزهير بن معاوية، وأبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في المغازي وفي التفسير عن عمرو بن خالد أيضاً. وأخرجه أبو داود في الجهاد عن عبد الله بن محمد النفيلي. وأخرجه النسائي في السير عن زياد بن يحيى وعمرو بن يزيد وفي التفسير عن هلال بن العلاء. ذكر معناه: قوله: ((يحدث))، جملة في محل النصب على الحال من البراء، لأن الصحيح أن: سمعت، لا يتعدى إلاَّ إلى مفعول واحد. قوله: ((على الرجالة))، بفتح الراء وتشديد الجيم: جمع راجل، على خلاف القياس. قوله: ((يوم أحد»، نصب على الظرف، وكان يوم أحد يوم السبت في منتصف شوال من سنة ثلاث من الهجرة، وكان السبب في غزوة أحد ما قاله ابن إسحاق: لما أصيب يوم بدر من كفار قريش أصحاب القليب ورجع ٣٩٢ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيِّ / باب (١٦٤) فلهم إلى مكة، مشى عبد الله بن أبي ربيعة وعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية في رجال من قريش ممن أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم يوم بدر وكلموا أبا سفيان بن حرب أن يخرج بهم لعلهم يدركوا آثارهم، فاجتمعت قريش لحرب رسول الله، عَّهِ بأحابيشها ومن أطاعها من قبائل كنانة وأهل تهامة، فخرجوا وأبو سفيان قائدهم ومعه زوجته هند بنت عتبة ابن ربيعة، ومنهم ظعائن التماس الحفيظة، وهم ثلاثة آلاف ومعهم مائتا فارس قد جنبوها، فعلى الميمنة خالد بن الوليد، وعلى الميسرة عكرمة بن أبي جهل بن هشام، وعلى الخيل صفوان بن أمية، وقيل: عمرو بن العاص، وعلى الرماة عبد الله بن ربيعة، وكانوا مائة وفيهم سبعمائة دارع، والظعن خمسة عشر، وخرج رسول الله، عَّه، في ألف من أصحابه ونزل على أحد ورجع عنه عبد الله بن أبي بن سلول في ثلاثمائة، فبقي رسول الله، عَّه، في سبعمائة. وقال الواقدي: وكان أصحاب رسول الله، عَّ له، مائة دارع، ولم يكن معهم من الخيل سوى فرسين: فرس لرسول الله، عَّه، وفرس لأبي بردة، وأمَّر رسول الله، عٍَّ، على الرماة يومئذ عبد الله بن جبير، وهو قول البراء: جعل النبي معَّه، على الرجالة يوم أحد، - وكانوا خمسين رجلاً - عبد الله بن جبير، وهو منصوب بقوله: جعل، وعبد الله بن جبير، بضم الجيم وفتح الباء الموحدة: ابن النعمان بن أمية بن أمرىء القيس، واسمه: البرك بن ثعلبة بن عمرو بن عوف الأنصاري، شهد العقبة ثم شهد بدراً، وقتل يوم أحد شهيداً، وقال أبو عمر: لا أعلم له رواية عن النبي عَّ. قوله: ((تخطفنا الطير)) من خطف يخطف من باب نصر ينصر، ويقال من باب ضرب يضرب، وهو قليل، ومصدره خطف وهو: استلاب الشيء وأخذه سرعة. وقال الخطابي: هذا مثل يريد به الهزيمة يقول عَ له: ((إن رأيتمونا قد زلنا عن مكاننا وولينا منهزمين فلا تبرحوا أنتم وهذا كقولهم: فلان ساكن الطير، إذا كان هادياً وقوراً وليس هناك طير، وأيضاً فالطير لا يقع إلا على الشيء الساكن، ويقال للرجل إذا أسرع وخف: قد طار طيره، وقال الداودي: معناه إن قتلنا وأكلت الطير لحومنا فلا تبرجوا مكانكم. قوله: ((وأوطأناهم)) قال ابن التين: يريد مشينا عليهم وهم قتلى على الأرض، وقال الكرماني: الهمزة في (أوطأناهم)) للتعريض أي: جعلناهم في معرض الدوس بالقدم. قوله: ((قال: فإنا والله)) أي: قال البراء. قوله: ((يشتددن)) أي: على الكفار، يقال: شد عليه في الحرب أي: حمل عليه، ويقال: معناه يعدون، والاشتداد العدو، ويروى: يسندن، قال ابن التين: هي رواية أبي الحسن، ومعناه: يمشين في سند الجبل يردن أن يرقين الجبل. قوله: ((قد بدت))، جملة حالية أي: قد ظهرت. قوله: ((وأسوقهن))، جمع ساق. قوله: ((رافعات))، حال من الضمير الذي في: يشتددن. وقوله: ((ثيابهن))، منصوب به. قوله: ((الغنيمة)، نصب على الإغراء. قوله: ((أي قوم))، يعني: يا قوم، وهو منادى. قوله: ((ظهر))، أي: غلب. قوله: ((أنسيتم؟)) الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الإنكار. قوله: ((صرفت وجوههم))، يعني: قلبت وحولت إلى موضع جاؤوا منه، وذلك عقوبة لعصيانهم قول رسول الله، عَ ليهِ. قوله: (منهزمين))، حال من الضمير الذي في: أقبلوا. قوله: ((فذاك إذ يدعوهم)) أي: حين يقول لهم ٣٩٣ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (١٦٤) رسول الله، عَّهِ: ((إلي يا عباد الله إلي يا عباد الله أنا رسول الله من يكر فله الجنة)). قوله: ((في أخراهم) أي: في جماعتهم المتأخرة. قوله: ((فلم يبق مع النبي عَ لّه غير اثني عشر))، وكذا قال مقاتل، وقال ابن سعد: وثبت رسول الله، عَّله وما زال يرمي عن قوسه حتى صارت شظايا، وثبت معه عصابة من أصحابه أربعة عشر رجلاً: سبعة من المهاجرين فيهم أبو بكر الصديق، رضي الله تعالى عنه، وسبعة من الأنصار، حتى تحاجزوا. وقال الواقدي وابن إسحاق وموسى بن عقبة وغيرهم: لما انهزم المسلمون بقي رسول الله، عَّهِ، في نفر يسير. وقال هشام: كانوا تسعة: سبعة من الأنصار ورجلين من المهاجرين. وقال البلاذري: ثبت معه من المهاجرين: أبو بكر وعمر وعلي وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وأبو عبيدة بن الجراح، رضي الله تعالى عنهم، ومن الأنصار: الحباب بن المنذر وأبو دجانة وعاصم بن ثابت بن أبي الأفلح والحارث بن الصمة وأسيد بن حضير وسعد بن معاذ. وقيل: وسهل بن حنيف. قوله: ((فأصابوا منا سبعين))، وذكر ابن إسحاق: أنهم خمسة وستون، واستدرك علية ابن هشام خمسة أخرى فصاروا على قوله: سبعين، وهو رواية البخاري أيضاً. قال ابن إسحاق: استشهد من المسلمين يوم أحد مع رسول الله، عَّله من المهاجرين أربعة نفر وهم: حمزة بن عبد المطلب، قتله وحشي غلام جبير بن مطعم. وعبد الله بن جحش. ومصعب بن عمير، قتله ابن قمئة. وشماس بن عثمان ومن الأنصار: عمرو بن معاذ. والحارث بن أنس. وعمارة بن زياد. وسلمة بن ثابت بن وقش. وعمر بن ثابت بن وقش. وثابت أبوهما. ورفاعة بن وقش. وحسيل بن جابر أبو حذيفة. وصيفي بن قيظي. وخباب بن قيظي. وعباد بن سهل. والحارث بن أوس بن معاذ. وإياس بن أوس. وعبيد ابن التيهان. وحبيب بن زيد، ويزيد بن حاطب. وأبو سفيان بن الحارث. وحنظلة بن أبي عامر. وأنيس بن قتادة. وأبو حية ابن عمرو بن ثابت. وعبد الله بن جبير، أمير الرماة. وخيثمة أبو سعد. وعبد الله بن مسلمة. وسبيع بن حاطب. وعمرو بن قيس. وأبوه قيس بن عمرو. وثابت بن عمرو. وعامر بن مخلد. وأبو هبيرة بن الحارث. وعمرو بن مطرف. وأوس بن ثابت أخو حسان بن ثابت. وأنس بن النضر. وقيس بن مخلد. وكيسان، عبد بني مازن. وسليم بن الحارث. ونعمان بن عبد عمرو. وخارجة بن زيد. وسعد بن الربيع. وأوس بن الأرقم. ومالك بن سنان، أبو أبي سعيد الخدري. وسعيد بن سويد. وعتبة ابن ربيع. وثعلبة بن سعد. وثقف بن فروة. وعبد الله بن عمرو بن وهب. وضمرة، حليف بني طريف. ونوفل بن عبد الله وعباس بن عبادة. ونعمان بن مالك. والمجدر بن زياد. وعبادة بن الحسحاس. ورفاعة بن عمرو. وعبد الله بن عمرو بن حرام وعمرو بن الجموح بن زيد بن حرام. وخلاد بن عمرو بن الجموح. وأبو أيمن، مولى عمرو بن الجموح. وسليم بن عمرو. ومولاه عنترة. وسهل بن قيس. وذكوان ابن قيس. وعبيد بن المعلى. فهؤلاء الذين ذكرهم ابن إسحاق. وأما الذين استدرك عليهم ابن هشام فهم: مالك بن نميلة. والحارث بن عدي ومالك ٣٩٤ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادٍ والسيّرِ / باب (١٦٥) ابن إياس. وإياس بن عدي. وعمرو بن إياس. قوله: ((أفي القوم محمد؟)) الهمزة للاستفهام على سبيل الاستخبار. قوله: ((فنهاهم النبي عَّه أن يجيبوه) أي: بأن يجيبوا أبا سفيان، ونهيه عَُّلّ عن إجابة أبي سفيان تصاوناً عن الخوض فيما لا فائدة فيه. قوله: ((ابن أبي قحافة)) هو: أبو بكر الصديق، وأبو قحافة اسمه: عثمان. قوله: ((فما ملك عمر، رضي الله تعالى عنه، نفسه فقال: كذبت يا عدو الله)) وكانت إجابته بعد النهي حماية للظن برسول الله، عَّم أنه قتل، وأن بأصحابه الوهن. وقال ابن بطال: وليس فيه عصيان لسيدنا رسول الله، عَّ في الحقيقة، وإن كان عصياناً في الظاهر، فهو مما يؤجر به. قوله: ((وقد بقي لك ما يسوؤك)) يعني: يوم الفتح. قوله: ((قال: يوم بيوم بدر)) أي: قال أبو سفيان: هذا يوم في مقابلة يوم بدر، لأن المسلمين قتلوا يوم بدر سبعين رجلاً والأسارى كذلك، قاله ابن عباس وسعيد بن المسيب. قوله: ((والحرب سجال))، أي: دول مرة لهؤلاء ومرة لهؤلاء، وأصله أن المستقين بالسجل - وهو الدلو - يكون لكل واحد منهم بسجال. قوله: ((مثلة))، بضم الميم وسكون الثاء المثلثة: اسم من مثل به، ومثله أي: خدعه. قوله: ((لم آمر بها)) أي: بالمثلة، قال الداودي: معناه أنه لا يأمر بالأفعال الخبيثة التي ترد على فاعلها نقصاً. قوله: ((ولم تسؤني))، يريد لأنكم عدوي، وقد كانوا قتلوا ابنه يوم بدر وخرجوا لينالوا العيرة التي كانوا بها، فوقعوا في كفار قريش وسلمت العير. قوله: ((أعلُ هُبل))، وفي رواية: إرق، مكان: أعلُ. و: هبل، بضم الهاء وفتح الباء الموحدة: اسم صنم كان في الكعبة، ومعنى: إرق مكان أعل، يعني: إرق في الجبل على حزبك، أي: علوت حتى صرت كالجبل العالي، وقال الداودي: يحتمل أن يريد بذلك تعيير المسلمين حين انجازوا إلى الجبل. قوله: ((قال: ألا تجيبوا له؟)) أي: قال عَّله: ألا تجيبوا لأبي سفيان؟ وقوله: ألا تجيبوا، بحذف النون بغير الناصب والجازم، وهي لغة فصيحة، ويروى: ألا تجيبونه؟ قوله: ((العزى))، تأنيث الأعز، إسم صنم كان لقريش، قاله الضحاك وأبو عبيد. وفي (التلويح): العزى شجرة لغطفان كانوا يعبدونها، وروى أبو صالح عن ابن عباس، قال: بعث رسول الله، عَِّ خالد بن الوليد إلى العزى ليقطعها. قوله: ((الله مولانا ولا مولى لكم))، يعني: الله ناصرنا، والمولى يأتي لمعان كثيرة، والمولى في قوله تعالى: ﴿ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق﴾ [الأنعام: ٦٢]. يعني: المالك. وقال ابن الجوزي: المولى هنا بمعنى الولي، والله، عز وجل، يتولى المؤمنين بالنصر والإعانة ويخذل الكافرين. ١٦٥ - بابٌ إِذَا فَزِعُوا بِاللَّيْلِ أي: هذا باب يذكر فيه إذا فزع العسكر بالليل أو أهل بلدة، والفزع هو الخوف في الأصل، لكنه وضع موضع الإغاثة والنصر، وجواب: إذا، محذوف تقديره: ينبغي لإمامهم أن يكشف الخبر بنفسه أو بمن يندبه لذلك. ٢٣٩/ ٣٠٤٠ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيد قال حدَّثنا حَمَّادٌ عنْ ثابتٍ عنْ أَنَسٍ رضي الله ٣٩٥ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (١٦٦) تعالى عنهُ قال كانَ رسولُ الله عَّ لِ أَحْسَنَ النَّاسِ وَأَجْوَدَ النَّاسِ وأَشْجَعَ النَّاسِ قال وقَدْ فَرِعَ أهْلُ المَدِينَةِ لَيْلَةٌ سَمِعُوا صَوْتَاً قال فَتَلَقَّهُمُ النَّبِيُّ عَّهِ عَلَى فَرَسٍ لأَبِي طَلْحَةَ عُرْيٍ وهْوَ مُتَقَلِّدٌ سَيْفَهُ فقال لَمْ تُرَاعُوا لَمْ تُرَاعُوا ثُمَّ قالَ رسولُ اللهِ عَّهِ وَجَدْتُهُ بَحْرَاً يَعْنِي الْفَرَسَ. [انظر الحديث ٢٦٢٧ وأطرافه]. مطابقته للترجمة ظاهرة، ومضى هذا الحديث في كتاب الجهاد مراراً، وفي آخر كتاب الهبة، ومضى الكلام فيه. قوله: ((عري))، بضم العين وسكون الراء، أي: مجرد من السرج، واسم الفرس: مندوب، ومعنى: ((لم تراعوا)): لا تراعوا أي: لا تخافوا. ١٦٦ _ بابٌ مَنْ رَأَى العَدُوَّ فَتَادَى بِأعْلَى صَوْتِهِ يا صَباحَاهُ حتَّى يُسْمِعَ النَّاسَ أي: هذا باب في بيان أمر من رأى العدو قد أقبل فنادى بأعلى صوته: يا صباحاه، يعني: أغير عليكم في الصباح، أو قد أصبحتم فخذوا حذركم، وقال القرطبي: معناه الإعلام بهذا الأمر المهم الذي دهمهم في الصباح، قيل: لأنهم كانوا يغيرون وقت الصباح، وكأنه قيل: جاءت وقت الصباح فتأهبوا للقاء، فإن الأعداء يتراجعون عن القتال في الليل، فإذا جاء النهار عاودوه، والهاء فيه للندبة تسقط في الوصل، والرواية إثباتها، فتقف على الهاء، وهو منادى مستغاث، والألف فيه للاستغاثة، وقيل: الهاء فيه للسكت، كأنه نادى الناس استغاثة بهم في وقت الصباح، أي: وقت الغارة، والحاصل أنها كلمة يقولها المستغيث. قوله: حتى يسمع، أي: حتى إن يسمع، بضم الياء من الإسماع و: الناس، بالنصب مفعوله. ٣٠٤١/٢٤٠ - حدّثنا المَكِّيُّ بِنُ إبْرَاهِيمَ قال أخْبَرنا يَزِيدُ بنُ أبِي ◌ُبَيْدٍ عنْ سَلَمَةَ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ قال خَرَجْتُ مِنَ المَدِينَةِ ذَاهِبَاً نَحْوَ الغَابَةِ حتَّى إذَا كُنْتُ بِثَنِيَّةِ الغَابَةِ لَقِيَتِي غُلامٌ لِعَبْدٍ الرَّحْمنِ ابنِ عَوْفٍ قُلْتُ ونِحَكَ مَا بِكَ قال أُخِذَتْ لِقَائحُ النَّبِيِّ عَ لَِّ قُلْتُ مَنْ أَخَذَهَا قال غَطَفَانُ وفَزَارَةُ فصَرَخْتُ ثَلاثَ صَرَخَاتٍ أَسْمِعْتُ مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا يا صبَاحاهُ يا صَباحاه ثُمَّ انْدَفَعتُ حتَّى الْقَاهُمْ وقَدْ أَخَذُوها فجَعَلْتُ أَرْمِيهِمْ وأَقُولُ أنا ابنُ الأكْوَعِ. واليَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ فاسْتَنْقَذْتُها مِنْهُمْ قَبْلَ أنْ يَشْرَبُوا فَأَقْبَلْتُ بِهَا أَسُوقُها فَلَقِيَنِي النَّبِيُّ عَّ الِ فَقُلْتُ يا رسولَ اللهِ إِنَّ القَوْمَ عِطاش وإِنِّي أعْجَلْتُهُمْ أَنْ يَشْرَبُوا سِقْتَهُمْ فَابْعَثْ في إِثْرِهِمْ فقال يا ابْنَ الأْوَعِ ملَكْتَ فأسْجِغْ إِنَّ القَوْمَ يُقُرَوْنَ في قَوْمِهِم. [الحديث ٣٠٤١ - طرفه في: ٤١٩٤]. مطابقته للترجمة ظاهرة. والمكي، بتشديد الكاف والياء: ابن إبراهيم بن بشير بن فرقد البرجمي التميمي الحنظلي البلخي، ويزيد بن أبي عبيد مولى سلمة بن الأكوع. وهذا الحديث من ثلاثيات البخاري الثاني عشر. وأخرجه أيضاً في المغازي عن قتيبة. وأخرجه مسلم في المغازي والنسائي في اليوم والليلة جميعاً عن قتيبة به. وهذا الحديث بأتم من هذا يأتي في غزوة ذي قرد، بفتح القاف والراء وبالدال المهملة، ويقال: بضمتين. وقال السهيلي: كذا لقيته مقيداً عن أبي علي، والقرد في اللغة الصوف الرديء، وهو على نحو يوم من المدينة. ٣٩٦ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (١٦٦) قوله: ((ذاهباً)) حال. قوله: ((نحو الغابة))، بالغين المعجمة وبعد الألف باء موحدة، وهي على بريد من المدينة في طريق الشام، وهي في الأصل: الأجمة والثنية في الجبل كالعقبة فيه. قوله: ((أخذت لقاح النبي عَّ له))، اللقاح: بكسر اللام: الإبل والواحدة: لقوح، وهي: الحلوب. وقال ابن سعد: كانت لقاح سيدنا رسول الله، عَّلم عشرين لقحة ترعى بالغابة، وكان أبو ذر فيها. قوله: ((غطفان وفزارة))، بفتح الفاء: وهما قبيلتان من العرب وكان رأس القوم الذين أغاروا عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري، وكان في خيل من غطفان. قوله: ((ما بين لابتيها)) أي: لابتي المدينة، واللابة: الحرة، وقد مر غير مرة. قوله: (ثم اندفعت))، أي: أسرعت في السير. قوله: ((أنا ابن الأكوع)): الأكوع لقب، واسمه: سنان - ابن عبد الله. قوله: ((يوم الرضع))، بضم الراء وتشديد الضاد المعجمة بعدها عين مهملة، قال ابن الأنباري: هو الذي رضع اللؤم من ثدي أمه، أي: غذي به، وقيل: هو الذي يرضع ما بين أسنانه مستكثراً من الجشع بذلك، والجشع أشد الحرص. وقالت امرأة من العرب تذم رجلاً: إنه لأكلة يكله يأكل من جشعه خلله. أي: ما يتخلل بين أسنانه. وقال أبو عمر: وهو الذي يرضع الشاة أو الناقة قبل أن يحلبها من شدة الشره، وقال قوم: الراضع الراعي لا يمسك معه محلباً، فإذا جاءه إنسان فسأله أن يسقيه احتج أنه لا محلب معه، وإذا أراد هو أن يشرب رضع الناقة أو الشاة. وقيل: هو رجل كان يرضع الغنم ولا يحلبها لئلا يسمع صوت الحلب فيطلب منه. وفي (الموعب): رضع الرجل رضاعة مثال كرم وهو رضيع وراضع: لئيم، وجمعه: راضعون. وقال ابن دريد: أصل الحديث أن رجلاً من العمالقة طرقه ضيف ليلاً فمص ضرع شاة لئلا يسمع الضيف صوت الشخب، فكثر حتى صار كل لئيم راضعاً، فعل ذلك أو لم يفعل. وقيل: هو الذي يرضع طرف الخلال التي يخلل بها أسنانه ويمص ما يتعلق به، وقال السهيلي: اليوم يوم الرضع، برفعهما، وبنصب الأول ورفع الثاني: قلت: وجه رفعهما على كونهما مبتدأ وخبر، أو وجه النصب على الظرفية، ويكون: يوم الرضع، مبتدأ وخبره الظرف فيما يتعلق قبله، تقديره: وفي هذا اليوم يوم الرضع، يعني: يوم هلاك اللئام. قوله: ((فاستنقذتها)) أي: استخلصتها منهم. قوله: ((قبل أن يشربوا)) أي: الماء، بدليل قوله: إن القوم عطاش. قوله: ((فأقبلت بها)) أي: باللقاح. قوله: ((أسوقها)) أي: حال كوني أسوق اللقاح التي أخذها غطفان وفزارة. قوله: ((فلقيني النبي عَّلّه) وكان ذلك عشاء. ومع النبي عَّه ناس، وتوضيح ذلك: أن عيينة بن حصن الفزاري لما أغار على لقاح النبي صَ لّه في خيل من غطفان أربعين فارساً، وكان ذلك ليلة أربعاء، جاء الصريخ فنودي: يا خيل الله اركبي، وكان أول ما نودي بها، فركب رسول الله، عَّه وخرج غداة الأربعاء في الحديد مقنعاً، فوقف فكان أول من أقبل إليه المقداد بن عمرو، وعليه الدرع والمغفر شاهراً سيفه، فعقد له رسول الله، عَّله، لواء في رمحه، وقال: إمض حتى تلحقك الخيول وأنا على إثرك، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، وخلف سعد بن عبادة في ثلاثمائة من قومه يحرسون المدينة، قال المقداد: فأدركت أخريات العدو ٣٩٧ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (١٦٦) وقد قتل أبو قتادة مسعدة، وقتل عكاشة أبان بن عمرو، وقتل المقداد حبيب بن عيينة وفرقد بن مالك بن حذيفة بن بدر، وأدرك سلمة بن الأكوع القوم وهو على رجليه، فجعل يراميهم بالنبل، ويقول: خذها وأنا بن أكوع اليوم يوم الرضع، حتى انتهى بهم إلى ذي قرد، قال سلمة: فلحقنا رسول الله، عَّله، والناس عشاء وهذا معنى قوله: ((فلقيني النبي عَ لّه، فقلت: يا رسول الله إن القوم عطاش)» وهو جمع عطشان. قوله: «وإني أعجلتهم قبل أن يشربوا سقيهم))، بكسر السين وسكون القاف، وهو: الحظ من الشرب، و: أن يشربوا، مفعول له أي: كراهة شربهم. قوله: ((فابعث في إثرهم)) أي: قال سلمة: يا رسول الله! إبعث في إثرهم، وفي رواية ابن سعد قال سلمة: فلو بعثتني في مائة رجل استنقذت ما بأيديهم من السرح وأخذت بأعناق القوم. فقال رسول الله، عَّه: ((يا ابن الأكوع ملكت)) من المملكة وهي أن يغلب عليهم ويستعبدهم، وهم في الأصل أحرار. قوله: ((فاسجح))، بفتح الهمزة وسكون السين المهملة وكسر الجيم وفي آخره حاء مهملة: من الإسجاح، وهو حسن العفو، أي: إرفق ولا تأخذ بالشدة، وهذا مثل من أمثال العرب. قوله: ((إن القوم يقرون)) أي: يضافون، يعني: أنهم وصلوا إلى غطفان وهم يضيفونهم ويساعدونهم فلا فائدة في الحال في البعث لأنهم لحقوا بأصحابهم، ويقرون هنا من القري وهو الضيافة، فراعى النبي ◌ٍَّ ذلك لهم رجاء توبتهم وإنابتهم. وقال ابن الجوزي: يقرون، بضم الياء والراء، وفسره بأنهم: يجمعون بين الماء واللبن، وقيل: يغزون، بغين معجمة وزاي، وهو تصحيف وفي كتاب (الدلائل) للبيهقي: إنهم ليغبقون الآن في غطفان، فجاء رجل من غطفان فقال: مرُّوا على فلان الغطفاني فنحر لهم جزوراً، فلما أخذوا يكشطون جلدها رأوا غيرة فتركوها وخرجوا هراباً. انتهى. وتمام القصة: أن النبي ◌َّهِ لما لقي سلمة لم تزل الخيل تأتي والرجال على أقدامهم حتى انتهوا إلى رسول الله، عَّ بذي قرد، فاستنقذوا عشر لقائح، وأفلت القوم بما بقي وهي عشر، وصلى رسول الله، عَّه بذي قرد صلاة الخوف، وأقام بها يوماً وليلة. وفي (الإكليل) للحاكم: باب غزوة ذي قرد، قال أبو عبد الله: هذه الغزوة هي الثالثة لذي قرد، فإن الأولى: سرية زيد بن حارثة في جمادي الآخرة على رأس ثمانية وعشرين شهراً من الهجرة. والثانية: خرج فيها سيدنا رسول الله، عَّهِ بنفسه إلى فزارة، وهي على رأس تسعة وأربعين شهراً من الهجرة. وهذه الثالثة: التي أغار فيها عبد الرحمن بن عيينة على إبل رسول الله، عَّ لهم فخرج أبو قتادة وابن الأكوع في طلبها، وذلك في سنة ست من الهجرة، وقال ابن إسحاق في غزوة ذي قرد: إنه كان أول ما بدر بهم سلمة بن عمرو بن الأكوع الأسلمي غداً يريد الغابة متوشحاً قوسه ونبله ومعه غلام لطلحة بن عبيد الله معه فرس له، وكان يقوده، حتى إذا علا ثنية الوداع نظر إلى بعض خيولهم فأشرف في ناحية سلع ثم صرخ: واصباحاه، ثم خرج يشد في آثار القوم، وكان مثل السبع حتى لحق بالقوم، فجعل يرميهم بالنبل، ويقول إذا رماها: خذها وأنا ابن الأكوع اليوم يوم الرضع. قال ابن إسحاق: وبلغ رسول الله، عَ لَّه صياح ابن ٣٩٨ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (١٦٧) الأكوع، فصرخ بالمدينة: الفزع الفزع، فترامت الخيول إلى رسول الله، عَّ فكان أول من انتهى إليه من الفرسان المقداد بن الأسود وجماعة آخرون، ذكرهم ابن إسحاق قال: وسار رسول الله، عَّمِ حتى نزل بالجبل من ذي قرد، وتلاحق به الناس فأقام عليه يوماً وليلة. وقال له سلمة بن الأكوع: يا رسول الله! لو سرحتني في مائة رجل لاستنقذت بقية السرح وأخذت بأعناق القوم، فقال رسول الله، عَّهِ: الآن ليغبقون في غطفان، وقسم رسول الله، عَّه في كل مائة رجل جزوراً، وأقاموا عليها ثم رجع قافلاً حتى قدم المدينة. انتهى. وقيل: كانت غيبة رسول الله، عَّ خمس ليال انتهى. وفي الحديث: جواز الأخذ بالشدة، ولقاء الواحد أكثر من المثلين، لأن سلمة كان وحده وألقى، رضي الله تعالى عنه، بنفسه إلى التهلكة. وفيه: تعريف الإنسان بنفسه في الحرب بشجاعته وتقدمه. وفيه: فضل الرمي، على ما لا يخفى. ١٦٧ - بابُ مَنْ قالَ: خُذْهَا وأنا ابنُ فُلانٍ أي: هذا باب في بيان ذكر من قال عند ملاقاته العدو وهو يرمي: خذها، أي: الرمية، وتنوه باسمه، بقوله: وأنا ابن فلان، وقال ابن التين: وهي كلمة يقولها الرامي عندما يصيب فرحاً، وكان ابن عمر إذا رمى فأصاب يقول: خذها وأنا أبو عبد الرحمن. ورمى بين الهدفين. وقال: أنا بها، وكان رامياً يرمي الطير على سنام البعير فلا يخشى أن يصيب السنام، وروي أن النبي عَّهِ، قال: أنا ابن العواتك. وقالَ سلَمَةُ خُذْها وأنا ابنُ الأَكْوَعِ هذا مطابق للترجمة، وبيان لها وقطعة من الحديث المذكور قبله من حيث المعنى، وقيل: موقع هذا من الأحكام أنه خارج عن الافتخار المنهي عنه، لأن الحال يقتضي ذلك، وقال ابن بطال: معنى خذها وأنا ابن الأكوع، أنا ابن الأكوع المشهور في الرمي بالإصابة عن القوس، وهذا على سبيل الفخر، لأن العرب تقول: أنا ابن نجدتها، أي: القائم بالأمر، وأنا ابن جلا، يريد: المنكشف الأمر الواضح الجلي، ولا يقول مثل هذا إلّ الشجاع البطل، والعادة عند العرب أن يعلم الشجاع نفسه بعلامة في الحرب يتميز بها من غيره ليقصده من يدعي الشجاعة. ٢٤١/ ٣٠٤٢ - حدَّثنا عُبَيْدُ الله عنْ إسْرَائيلَ عنْ أَبِي إِسْحَاقَ قال سألَ رَجُلٌ البرَاءَ رضي الله تعالى عنهُ فقالَ يا أبا عُمَارَةَ أَوَلَّيْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ قال البَرَاءُ وَأَنَا أَسْمَعُ أَمَّا رسولُ الله عَِّ لَمْ يُوَلِّ يَوْمَئِذٍ كَانَ أَبُو سُفْيَانَ بِنُ الحَارِثِ آخِذَاً بِعِنَانِ بَغْلَتِهِ فَلَمَّا غَشِيَهُ الْمُشْرِكُونَ نَزَلَ فجَعَلَ يَقُولُ: أنا النَّبِيُّ لا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ قالَ فَمَا رُئِيَ مِنَ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ أَشَدُّ مِنْهُ. [انظر الحديث ٢٨٦٤ وأطرافه]. ٣٩٩ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (١٦٨) مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((أنا النبي لا كذب)) لأن فيه تنويهاً بشجاعته وثباته في الحرب، وهذا أقوى من قول القائل: خذها وأنا ابن فلان. وعبيد الله هو ابن موسى بن باذام أبو محمد العبسي الكوفي، وإسرائيل هو ابن يونس ابن أبي إسحاق السبيعي، وأبو إسحاق هو عمرو بن عبد الله السبيعي جد إسرائيل المذكور. والحديث مر في الجهاد في: باب من قاد دابة غيره في الحرب، ومر الكلام فيه هناك. قوله: ((يابا عمارة))، هو كنية البراء. قوله: ((وأنا أسمع)) من كلام أبي إسحاق والواو فيه للحال. قوله: ((لم يول))، ويروى: فلم يول، على الأصل بالفاء، وقال ابن مالك: حذف الفاء جائز نظماً ونثراً، يعني: لا يختص بالضرورة. قوله: ((فلما غشيه المشركون))، أي: أحاطوا به ((نزل)) عن بغلته. قوله: ((فما رئي))، بضم الراء وكسر الهمزة وفتح الياء. قوله: ((منه)) الـ أي: من الرسول علبية. وقال الطبري: اختلف السلف: هل يعلم الرجل الشجاع نفسه عند لقاء العدو؟ فقال بعضهم: ذلك جائز على ما دل عليه هذا الحديث، وقد أعلم حمزة بن عبد المطلب، رضي الله تعالى عنه، نفسه يوم بدر بريشة نعامة في صدره، وأعلم نفسه أبو دجانة بعصابة بمحضر رسول الله، عَّيٍ، وكان الزبير، رضي الله تعالى عنه، يوم بدر معمماً بعمامة صفراء، فنزلت الملائكة معتمين بعمائم صفر. وقال ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما، في قوله تعالى: ﴿بخمسة آلاف من الملائكة مسومين﴾ [آل عمران: ١٢٥]. انهم أتوا محمداً، عَّ الله، مسومين بالصوف، فسوم محمد وأصحابه أنفسهم وخيلهم على سيماهم بالصوف. وكره آخرون التسويم والأعلام في الحرب، وقالوا: فعلُ ذلك من الشهرة، ولا ينبغي للمسلم أن يشهر نفسه في الخير ولا في الشر، قالوا: وإنما ينبغي للمؤمن إذا فعل شيئاً لله تعالى أن يخفيه عن الناس: ﴿إن الله لا يخفى عليه شيء﴾ [آل عمران: ١٢٥]. روي هذا عن بريدة الأسلمي. والصواب مع الفريق الأول: أنه لا بأس بالتسويم والأعلام في الحرب إذا فعله من هو من أهل البأس والشدة والنجدة، وهو قاصد بذلك حث الناس على الثبات والصبر للعدو في الملاقاة، وفيه ترهيب العدو إذا عرفوا مكانه، وأما إذا لم يقصد ذلك بل قصد به الافتخار فهو مكروه، لأنه ليس ممن يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، وإنما يقاتل للذكر. ١٦٨ _ بابٌ إِذَا نَزَلَ العَدُوُّ علَى محكْمٍ رَجُلٍ أي: هذا باب في بيان ما إذا نزل العدو من المشركين على حكم رجل من المسلمين، وجواب: إذا، محذوف، تقديره: ينفذ إذا أجازه الإمام. ٢٤٢ / ٣٠٤٣ - حدّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَزبٍ قال حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ سَعْدِ بنِ إِبْرَاهِيمَ عنْ ٤٠٠ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادٍ والسيّرِ / باب (١٦٨) أبِي أمَامَةَ هوَ ابنُ سَهْلٍ بنِ حُنَيْفٍ عنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُذْرِيِّ رضي الله تعالى عنهُ قال لَهَا نَزَلَتْ بَنو قُرَيْظَةَ عَلَى حُكْم سَعْدِ هوَ ابنُ معاذٍ بَعَثَ رسول الله، عَ لِ وكانَ قَرِيباً مِنْهُ فَجاءَ علَى حِمَارٍ فَلَمَّا دَنا قال رَسولُ اللهِ عَِّ قُومُوا إلى سَيِّدِكُمْ فَجَاءَ فَجَلَسَ إلى رسولِ الله عَِّ فقال لَهُ إِنَّ هَؤُلاءِ نَزَلُوا عَلَى مُحُكْمِكَ قال فإِنِّي أحْكُمُ أنْ تُقْتَلَ الْمُقَاتِلَةُ وأنْ تُسْبَى الذُّرِّيَّةُ قال لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ المَلِكِ. [الحديث ٣٠٤٣ - أطرافه في: ٣٨٠٤، ٤١٢١، ٦٢٦٢]. مطابقته للترجمة تفهم من معنى الحديث. وسعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري القرشي المدني، وأبو أمامة، بضم الهمزة وبالميمين: اسمه أسعد بن سهل بن حنيف، يروي عن أبي سعيد الخدري واسمه: سعد بن مالك بن سنان الأنصاري. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في فضل سعد عن محمد بن عرعرة وفي الاستئذان عن أبي الوليد وفي المغازي عن بندار عن غندر. وأخرجه مسلم في المغازي عن أبي بكر ابن أبي شيبة وأبي موسى وبندار وعن زهير بن حرب. وأخرجه أبو داود في الأدب عن بندار به وعن حفص بن عمر. وأخرجه النسائي في المناقب عن عمرو بن علي عن غندر به وفي السير وفي الفضائل عن إسماعيل بن مسعود. ذكر معناه: قوله: ((بنو قريظة))، بضم القاف وفتح الراء وسكون الياء آخر الحروف وبالظاء المعجمة، وهم قبيلة من اليهود كانوا في قلعة فنزلوا على حكم سعد بن معاذ. قوله: ((بعث))، جواب: لما، أي: بعث رسول الله، عَّةٍ يطلبه. قوله: ((أن تقتل المقاتلة))، أي: الطائفة المقاتلة منهم، أي: البالغون ((والذرية)): النساء والصبيان. قوله: ((بحكم الملك))، بكسر اللام وهو: الله تعالى، وفي بعض الروايات: بحكم الله تعالى، وقال القاضي عياض، ضبط بعضهم في (صحيح البخاري) كسرها وفتحها، فإن صح الفتح فالمراد به جبريل، عليه الصلاة والسلام، وتقديره: بالحكم الذي جاء به الملك عن الله تعالى، ورد هذا عن ابن الجوزي من وجهين: أحدهما: ما نقل أن مالكاً نزل من السماء في شأنهم بشيء، ولو نزل بشيء أتبع وترك اجتهاد سعد. والثاني: في بضع ألفاظ الصحيح، كما سيأتي في موضعه: قضيت بحكم الله، وقال ابن التين: المعنى كله واحد على الكسر والفتح، وقيل: في الوجه الأول نظر، لأن في غير رواية البخاري: قال في حكم سعد بذلك: طرقني الملك سحراً. ذكر ما يستفاد منه فيه: لزوم حكم المحكم برضى الخصمين، سواء كان في أمور الحرب أو غيرها، وهو رد على الخوارج الذين أنكروا التحكيم على علي، رضي الله تعالى عنه. وفيه: أن النزول على حكم الإمام أو غيره جائز، ولهم الرجوع عنه ما لم يحكم، فإذا حكم فلا رجوع، ولهم أن ينقلوا من حكم رجل إلى غيره. وفيه: أن التحاكم إلى رجل معلوم الصلاح والخير لازم للمتحاكمين، فكيف بيننا وبين عدونا في الدين والمال أخف مؤونة من النفس والأهل؟ وفيه: أمر السلطان والحاكم بإكرام السيد من المسلمين وإكرام أهل الفضل في مجلس السلطان الأكبر والقيام فيه لغيره من أصحابه وسادة أتباعه، وإلزام الناس كافة