النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (١٠٣)
يضبطون الهمزة فيه، وقيده السيرافي في (شرح سيبويه) بالهمزة، وكان الذي لا يضبط
فيه الهمزة سهلها. قوله: ((ومن أحب)) أي: وفي بيان أمر من أحب الخروج للسفر يوم
الخميس، قال بعضهم: لعل الحكمة فيه ما روي من قوله عَّ ◌ُلّهِ: بورك لأمتي في
بكورها يوم الخميس، وهو حديث ضعيف أخرجه الطبراني من حديث نبيط، بضم
النون وفتح الباء الموحدة: ابن شريط، بفتح الشين المعجمة. قلت: طلب الحكمة في
ذلك بالحديث الضعيف لا وجه له، والحكمة فيه تعلم من حديث الباب فإنه صرح
فيه أنه كان يحب أن يخرج يوم الخميس، ومحبته عَّ ◌ُلّه إياه لا تخلو عن حكمة، فإن
قلت: روى أنه خرج في بعض أسفاره يوم السبت. قلت: هذا لا ينافي ترك محبته
الخروج يوم الخميس، فلعل خروجه يوم السبت كان لمانع من خروجه يوم الخميس،
ولئن سلمنا عدم المانع فنقول: لعله كان يحب أيضاً الخروج يوم السبت، على ما
روي: بارك الله في سبتها وخميسها، ولما لم يثبت عند البخاري إلاَّ يوم الخميس،
خصه بالذكر فافهم فإنه من الدقائق.
١٥٦/ ٢٩٤٧ - حدَّثنا يَحْيَى بِنُ بُكَيْرٍ قال حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ
قال أخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ كَعْبٍ بنِ مالِكِ أَنَّ عَبْدَ الله بنَ كَعْبٍ رضي الله
تعالى عنهُ وكانَ قائِدَ كَعْبٍ مِنْ بَنِيهِ قال سَمِعْتُ كَعْبَ بنَ مالِكِ حِينَ تَخَلَّفَ عنْ رَسُولٍ
الله عَّهِ وَلَمْ يَكُنْ رسولُ اللهِ، عَ لِ يُريدُ غَزْوَةَ إلاَّ ورَّى بِغَيْرِهَا. [انظر الحديث ٢٧٥٧
وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، وعبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك الأنصاري
السلمي المديني، سمع جده كعباً وأباه وعمه عبد الله في توبة كعب، وروى عنه الزهري في
مواضع، وعبد الله بن كعب بن مالك الأنصاري السلمي المديني سمع أباه عند الشيخين
وابن عباس عند البخاري وكعب بن مالك بن أبي كعب، واسمه: عمرو السلمي المدني
الشاعر صاحب النَّبِي عَّهِ، وهو أحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم، وأنزل فيهم: ﴿وعلى
الثلاثة الذين خلفوا﴾ [التوبة: ١١٨]. وذكر صاحب (التلويح) بعد ذكر هذا الحديث
والحديثين اللذين بعده: خرجه الستة، وخرجه البخاري مطولاً ومختصراً في عشرة مواضع.
قوله: ((وكان قائد كعب من بنيه))، أي: وكان عبد الله بن كعب قائد أبيه كعب بن
مالك حين عمي. قوله: ((من بنيه)) وهم عبد الله هذا وعبيد الله وعبد الرحمن، وذكر البخاري
في هذا الباب ثلاثة أحاديث كلها راجعة إلى كعب بن مالك كما تراه.
٢٩٤٨/١٥٧ _ وحدَّثني أحمَدُ بنُ مُحَمَّدٍ قال أخبرنا عَبْدُ الله أَخْبَرَنَا يُونُسُ عنِ
الزُّهْرِيِّ قال أخبرنِي عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ عَبْدِ الله بنِ كَعْبِ بنِ مالِكِ قال سَمِعْتُ كَعْبِ بنَ
مالِكِ رضي الله تعالى عنهُ يَقولُ كانَ رسولُ اللهِ، عَ لِ قَلَّمَا يُرِيدُ غَزْوَةً يَغْزُوهَا إِلاَّ ورَّى
بِغَيْرِهَا حتَّى كانَتْ غَزْوَةُ تَبُوكَ فَغَزَاهَا رسولُ اللهِ، عَلِ فِي حَرّ شَدِيدٍ واسْتَقْبَلَ سَفَرَاً بَعِيداً

٣٠٢
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (١٠٣)
ومَفازاً واسْتَقْبَلَ غَزْوَ عَدُوّ فَجَلَّى لِلْمُسْلِمِينَ أَمْرَهُمْ لِيَتَأمَّبُوا أُهْبَةَ عَدُوِّهِمْ وأخْبَرَهُمْ بِوَجْهِهِ الَّذِي
يُرِيدُ. [انظر الحديث ٢٧٥٧ وأطرافه].
هذا طريق آخر لحديث كعب أخرجه عن أحمد بن محمد بن موسى الذي يقال له:
ابن السمسار مردويه المروزي عن عبد الله بن المبارك عن يونس بن يزيد عن محمد بن
مسلم الزهري، وقال الدارقطني الرواية الأولى صواب، وحديث يونس مرسل، وقال الجياني:
كذا هذا الإسناد عن ابن مردويه عن ابن المبارك في (الجامع) و(التاريخ الكبير)، وكذا رواه
ابن السكن وأبو زيد ومشايخ أبي ذر الثلاثة، ولم يلتفت الدارقطني إلى قول عبد الرحمن بن
عبد الله: سمعت كعباً، لأنه عنده وهم، قال أبو علي: وقد رواه معمر عن الزهري على نحو
ما رواه ابن مردويه من الإرسال، قال: ومما يشهد لقول أبي الحسن ما ذكره الذهلي في
(العلل): سمع الزهري من عبد الرحمن بن كعب ومن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب،
وسمع من أبيه عبد الله بن كعب، ولا أظن سمع عبد الرحمن بن عبد الله من جده شيئاً، وإنما
روايته عن أبيه وعمه، قال الجياني: والغرض من هذا كله الاستدراك على البخاري حيث
خرجه على الاتصال، وهو مرسل، وقال الكرماني: لو كان بدل: ابن، كلمة: عن، لصح
الاتصال يعني: لو قال أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله عن كعب بن مالك لأن عبد الرحمن
سمع من أبيه عبد الله، وهو من كعب، قال: وكذا لو حذف عبد الله من البين. قلت: يحتمل
أن يكون ذكر: ابن، موضع: عن تصحيفاً من بعض الرواة.
قوله: ((حتى كانت غزوة تبوك)) وكانت في سنة تسع من الهجرة في رجب منها.
قوله: ((ومفازاً)، المفازة المهلكة، سميت بذلك تفاؤلاً بالفوز والسلامة، كما قالوا: للديغ:
سليم، وذكر ابن الأنباري عن ابن الأعرابي: أنها مأخوذة من قولهم قد فوز الرجل: إذا هلك،
وقيل: لأن من قطعها فاز ونجا. قوله: ((فجلى للمسلمين أمره))، بالجيم أي: أظهره ليتأهبوا
لذلك، وهو مخفف اللام، يقال: جليت الشيء إذا كشفته وبينته وأوضحته، وفي (التلويح):
ضبطه الدمياطي في حديث سعد في المغازي - بالتشديد - وهو خطأ.
... / ٢٩٤٩ _ وعَنْ يُونُسَ عنِ الزُّهْرِيِّ قالِ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ كَعْبِ بنِ مالِكِ
أنَّ كَعْبَ بِنَ مالِكِ رَضيَ الله عنْهُ كانَ يَقُولُ لَقَلَّمَا كانَ رسولُ الله، عَ لَّه يَخْرُجُ إِذَا خَرَج
في سَفَرٍ إلَّ يَوْمَ الخَمِيسِ. [انظر الحديث ٢٧٥٧ وأطرافه].
هذا موصول بالإسناد الأول عن عبد الله بن المبارك عن يونس ... إلى آخره. قوله:
((لقلما))، اللام فيه للتأكيد، وقل، فعل ماضٍ دخلت عليه كلمة: ما معناه: يكون خروجه عَ لّه.
في السفر قليلاً في الأيام إلاَّ يوم الخميس، فإن أكثر خروجه في السفر فيه، تقول: قل رجل
يفعل كذا إلاَّ زيد، معناه قليل من الناس يفعل هذا الفعل إلا زيد.
١٥٨/ ٢٩٥٠ _ حدَّثني عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قال حدَّثنا هِشَامٌ قال أخبرنا مَعْمَرٌ عنٍ
الزُّهْرِيِّ عنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بنِ كَعْبٍ بنِ مالِكِ عنْ أَبِيهِ رضي الله تعالى عنه أَنَّ النَّبِيَّ عَّهِ.

٣٠٣
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيرِ / باب (١٠٤)
خَرَجَ يَوْمَ الخَمِيسِ في غَزْوَةٍ تَبُوكَ وكانَ يُحِبُّ أَنْ يَخْرُجَ يَوْمَ الخَمِيسِ. [انظر الحديث
٢٧٥٧ وأطرافه].
هذا طريق آخر عن عبد الله بن محمد المسندي عن هشام بن يوسف عن معمر بن
راشد عن محمد بن مسلم الزهري إلى آخره.
والحديث أخرجه أبو داود في الجهاد أيضاً عن سعيد بن منصور عن ابن المبارك عن
يونس بن يزيد عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن كعب بن مالك، قال: قلما
كان رسول الله، عَّ له يخرج في سفر إلاَّ يوم الخميس، وأخرجه النسائي في السير عن سليمان
بن داود عن ابن وهب عن يونس بن يزيد بإسناده. قال: قلما كان رسول الله، عَ لّه يخرج في
سفر جهاد وغيره إلاَّ يوم الخميس.
١٠٤ - بابُ الخُرُوجِ بِغْدَ الظُّهْرِ
أي: هذا باب في بيان الخروج في السفر بعد الظهر.
٩٥١/١٥٩ _ حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ قال حدَّثنا حَمَّادٌ عنْ أَيُّوبَ عنْ أَبِي قِلابةَ عَنْ
أنَسٍ رضي الله تعالى عنه أنَّ النَّبِيَّ عَّهِ صلَّى بِالمَدِينَةِ الظُّهْرَ أَرْبَعَاً والعَصْرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ
رَكْعَتَيْنِ وسَمِعْتُهُمْ يَصْرَخُونَ بِهِما جَميعاً. [انظر الحديث ١٠٨٩ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، وحماد هو ابن زيد، وأيوب هو السختياني، وأبو قلابة، بكسر
القاف: عبد الله بن زيد الجرمي. والحديث مضى في كتاب الحج في: باب رفع الصوت
بالإهلال، فإنه أخرجه هناك بهذا الإسناد بعينه، ومضى الكلام فيه هناك. قوله: ((يصرخون))،
بفتح الراء وضمها أي: يلبّون برفع الصوت. قوله: ((بهما)) أي: بالحج والعمرة.
١٠٥ - بابُ الخُرُوجِ آخِرِ الشَّهْرِ
أي: هذا باب في بيان جواز الخروج إلى السفر في آخر الشهر، وأراد بهذه الترجمة الرد
على من كره ذلك. وقال ابن بطال: إن أهل الجاهلية كانوا يتحرون أوائل الشهور للأعمال
ويكرهون التصرف في محاق القمر. قلت: المحاق من الشهر ثلاثة أيام من آخره.
وقالَ كُرَيْبٌ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما انْطَلَقِ النَّبِيُّ عَّلَلِ مِنَ المَدِينَةِ
لِخَمْسٍ بَقِينَ منْ ذِي القِعْدَةِ وقَدِمَ مَكَّةَ لِأَرْبَعِ لَيالٍ خَلَوْنَ منْ ذِي الحِجَّةِ
هذا التعليق قطعة من حديث وصلها البخاري في كتاب الحج في: باب ... (١) فإن قلت:
روى أصحاب السنن وابن حبان في (صحيحه) عن صخر الغامدي - بالغين المعجمة - عن
النبي عَّلِ أنه قال: ((بورك لأمتي في بكورها)). قلت: هذا لا يمنع جواز التصرف في غير
وقت البكور، وإنما خص البكور بالبركة لكونه وقت النشاط. وقال الكرماني: قصد البخاري
(١) هنا بياض في الأصل.

٣٠٤
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيرِ / باب (١٠٦)
بهذا الحديث الرد على من كره ذلك عملاً بقول المنجم، وقد استشكل هذا الحديث،
وحديث عائشة أيضاً الذي يأتي الآن، فقيل: إن كان سفره ذلك يوم السبت تبقى أربع من
ذي القعدة، لأن الخميس كان أول ذي الحجة، وإن كان يوم الخميس كان أول ذي
الحجة، وإن كان يوم الخميس فالباقي ست ولم يكن خروجه يوم الجمعة لقول أنس: صلى
الظهر بالمدينة أربعاً، والجواب أن الخروج يوم الجمعة. وقوله: ((لخمس بقين))، أي: في
أذهانهم حالة الخروج بتقدير تمامه، فاتفق إن كان الشهر ناقصاً فأخبر بما كان في الأذهان يوم
الخروج، لأن الأصل التمام.
١٦٠/ ٢٩٥٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مسْلَمَةَ عنْ مالِكٍ عنْ يَحْيِى بنِ سَعِيدٍ عنْ عَمْرَةَ
بِئْتِ عَبْدِ الرَّحْمنِ أنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنهَا تَقولُ خَرَجْنا مع رسولِ الله عَليه
لِخَمْسِ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ ذِي القَعْدَةِ ولا نُرَى إلا الحَجَّ فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنْ مَكَّةَ أَمَرَ رسولُ اللهِ عَّ ◌َّهِ
مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ إِذَا طافَ بالبَيْتِ وسَعى بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ أَنْ يَحِلَّ قالَتْ عَائِشَةُ
فَدُخِلَ عَلَيْنَا يَوْمَ النَّخْرِ بِلَحْمٍ بَقَرٍ فقلتُ ما هَذَا فقالَ نَحَرَ رسولُ اللهِ عَ لَّهِ عِنْ أَزْوَاجِهِ. [انظر
الحديث ٢٩٤ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قولها: ((خرجنا مع رسول الله، عَّةٍ لخمس ليال بقين من ذي
القعدة)) فإنها آخر الشهر، وهذا الحديث مضى في كتاب الحج في: باب ذبح الرجل البقر
عن نسائه، فإنه أخرجه هناك عن عبد الله بن يوسف عن مالك عن يحيى بن سعيد إلى آخره
نحوه. قوله: ((ولا نرى)» أي: ولا نظن. قوله: ((فدخل علينا»، بضم الدال على صيغة
المجهول. قوله: ((فقال نحر رسول الله، عَّ له))، ويروى: قالوا: وقد مضى الكلام فيه هناك.
قالَ يَحْيِى فَذَكَرْتُ هذَا الحَدِيثَ لِلْقَاسِمِ بنِ مُحَمَّدٍ
فقالَ أتَتْكَ والله بالحَدِيثِ على وجْهِهِ
يحيى هو ابن سعيد الأنصاري المذكور في سند الحديث، والقاسم بن محمد بن أبي
بكر الصديق، رضي الله تعالى عنه. قوله: ((أتتك)) أي: عمرة بنت عبد الرحمن، والله أعلم.
١٠٦ - بابُ الخُرُوجِ في رَمَضانَ
أي: هذا باب في بيان جواز الخروج في السفر في شهر رمضان، وفيه رد على من
يتوهم كراهة ذلك.
:
١٦١/ ٢٩٥٣ _ حدَّثنا علِيُّ بنُ عَبْدِ الله قال حدَّثنا سُفْيانُ قالَ حدَّثني الزُّهْرِيُّ عنْ
عُبَيْدِ الله عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهُما قال خَرَجَ النَّبِيُّ عََّلِ فِي رَمَضَانَ فَصامَ حتى
بلَغَ الكَدِيدَ أَقْطَرَ. [انظر الحديث ١٩٤٤ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، وعلي بن عبد الله الذي يقال له: ابن المديني، وسفيان هو
ابن عيينة، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي. والحديث مضى في كتاب

٣٠٥
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيَّرِ / باب (١٠٧)
الصوم في: باب من صام أياماً من رمضان ثم سافر فإنه أخرجه هناك: عن عبد الله بن يوسف عن
مالك عن ابن شهاب وهو الزهري ... إلى آخره نحوه، ومضى الكلام فيه هناك. و: ((الكديد))
بفتح الكاف وكسر الدال المهملة الأولى موضع قريب من مكة على نحو مرحلتين منها.
قالَ سُفْيانُ قالَ الزُّهْرِيُّ أخْبَرَنِي عُبَيْدُ الله عنِ ابنِ عَبَّاسٍ وساقَ الحَدِيثَ
أي: قال سفيان بن عيينة، قال محمد بن مسلم الزهري: أخبرني عبيد الله، وأشار بهذا
إلى أن سفيان قال في الحديث المذكور: حدثني الزهري عن عبيد الله فروى عن الزهري
بالتحديث وروى الزهري بالعنعنة عن عبيد الله، وهنا قال سفيان: قال الزهري، بلا تحديث
ولا عنعنة، وقال الزهري: أخبرني عبيد الله ... فروى عنه بصيغة الإخبار.
قالَ أَبُو عَبْدِ الله هَذَا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ وإِنَّا يُؤْخَذُ بالآخِرِ مِنْ فِعْلِ رَسولِ اللهِ عَ له
هذا هكذا وقع في بعض النسخ وأبو عبد الله هو البخاري نفسه، وأشار بهذا إلى أن
مذهب الزهري لعله أن طروء السفر في رمضان لا يبيح الإفطار لأنه شهد الشهر في أوله
كطروئه في أثناء اليوم، فقال البخاري: يؤخذ بالآخر من فعل رسول الله، عَّ لأنه ناسخ
للأول، وقد أفطر عند الكدید.
١٠٧ - بابُ التَّوْدِيعِ
أي: هذا باب في بيان مشروعية التوديع عند السفر، ولفظه يتناول توديع المسافر
للمقيم ويتناول أيضاً عكسه، وحديث الباب يشهد للأول ويؤخذ الثاني منه بطريق الأولى، بل
هو الغالب في الوقوع.
... / ٢٩٥٤ - وقالَ ابنُ وَهْبٍ أُخْبَرَنِي عَمْرٌو عنْ بُكَيْرٍ عنْ سُلَيْمَانَ بنِ يَسارٍ عنْ أبِي
هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه أنَّهُ قالَ بَعَثَنَا رسولُ الله عَّلَِّ فِي بَغْثٍ وقال لَنا إنْ لَقِيتُمْ فُلاناً
وفُلاناً لِرَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشِ سَمَّاهُما فَحَرَّقُوهُما بالنَّارِ قَال ثُمَّ أَتَيْنَاهُ نُوَدِّعُهُ حِينَ أرَدْنَا الخُرُوجَ
فقال إنِّي كُنتُ أمَرْتُكُمْ أن تُحَرَّقُوا فُلاناً وفُلاناً بَالنَّارِ وإِنَّ النَّارَ لا يُعَذِّبُ بِها إلا الله فإنْ
أخَذْتُوهُمَا فاقْتُلُوهُما. [الحديث ٢٩٥٤ - طرفه في: ٣٠١٦].
مطابقته للترجمة في قوله: ((ثم أتيناه نودعه)) وهو توديع المسافر للمقيم في ظاهر
الحديث، وقد مر الكلام فيه الآن، وابن وهب هو عبد الله بن وهب المصري، وعمرو، بفتح
العين: هو ابن الحارث المصري، وبكير، بضم الباء الموحدة: تصغير بكر بن عبد الله بن
الأشج، وسليمان بن يسار - ضد اليمين.
وهذا الحديث أخرجه هنا معلقاً، وأخرجه أيضاً في كتاب الجهاد بعد عدة أبواب
مسنداً، وترجم بقوله: باب لا يعذب بعذاب الله، ثم قال: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث
عن بكير عن سليمان عن أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه، إلى آخره نحوه، وأخرجه أبو داود
والنسائي أيضاً عن قتيبة وزاد أبو داود ويزيد بن خالد عن الليث. وأخرجه النسائي أيضاً عن
عمدة القاري/ ج١٤ ٢٠٢

٣٠٦
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (١٠٧)
الحارث بن مسكين ويونس بن عبد الأعلى، كلاهما عن ابن وهب عن عمرو بن الحارث
وزاد النسائي وذكر آخر، كلاهما عن بكير.
قوله: ((عن بكير عن سليمان))، وفي رواية أحمد من حديث هاشم بن القاسم عن
الليث حدثني بكير بن عبد الله بن الأشج، وأوضح بنسبته وبالتحديث. قوله: ((عن أبي
هريرة)) كذا وقع في جميع الطرق عن الليث ليس بين سليمان بن يسار وأبي هريرة أحد،
وكذا وقع عند النسائي ورواه محمد بن إسحاق في السيرة وأدخل بين سليمان وأبي هريرة
رجلاً وهو أبو إسحاق الدوسي، وأخرجه الدارمي وابن السكن وابن حبان في (صحيحه) من
طريق ابن إسحاق، وقال الترمذي: وقد ذكر محمد بن إسحاق بين سليمان بن يسار وبين أبي
هريرة رجلاً في هذا الحديث، وروى غير واحد مثل رواية الليث وحديث الليث بن سعد
اشبه وأصح. انتهى.
وسليمان بن يسار صح سماعه من أبي هريرة، وهذا الرجل ذكره أبو أحمد الحاكم
في (الكنى) فيمن تكنى بأبي إسحاق ولم يقف له على إسم، ولم يذكر له راوياً غير سليمان
بن يسار، وقال: حديثه في أهل الحجاز، وذكره صاحب (الميزان) في الكنى، وقال: أبو
إسحاق الدوسي عن أبي هريرة مجهول، وسماه ابن أبي شيبة في (مصنفه) إبراهيم في روايته
هذا الحديث: عن عبد الرحمن بن سليمان عن أبي إسحاق بن يزيد بن حبيب عن بكير بن
عبد الله بن الأشج، فذكره. قوله: ((في بعث))، أي: في جيش، وكان أمير هذا البعث حمزة
بن عمرو الأسلمي، رواه أبو داود من رواية محمد بن حمزة بن عمرو الأسلمي عن أبيه أن
رسول الله، عَّه، أمره على سرية، قال: فخرجت فيها، وقال: إن وجدتم فلاناً فاحرقوه بالنار،
فوليت فناداني فرجعت إليه، فقال: إن وجدتم فلاناً فاقتلوه ولا تحرقوه، فإنه لا يعذب بالنار إلاّ
رب النار. وهذا كما رأيت ذكر فلاناً بالإفراد، وفي رواية البخاري وغيره: فلاناً وفلاناً وهما:
هبار بن الأسود والرجل الذي سبق منه إلى زينب بنت رسول الله، عَّه، ما سبق وكان
زوجها أبو العاص بن الربيع لما أسره الصحابة ثم أطلقه النبي عدّ له، من المدينة شرط عليه أن
يجهز إليه ابنته زينب فجهزها، فتبعها هبار بن الأسود ورفيقه فنخسا بعيرها فأسقطت ومرضت
في ذلك، وفي رواية سعيد بن منصور عن ابن عيينة عن ابن أبي نجيح: أن هبار بن الأسود
أصاب زينب بنت رسول الله، عَّم بشيء وهي في خدرها، فأسقطت، فبعث رسول الله،
عَّهِ سرية فقال: إن وجدتموها فاجعلوه بين حزمتي حطب ثم أشعلوا فيه النار. ثم قال: إني
لأستحيى من الله، لا ينبغي لأحد أن يعذب بعذاب الله، فكان إفراد هبار هنا بالذكر لكونه
كان الأصل في ذلك، والآخر كان تبعاً له، وسماه ابن السكن في روايته من طريق إبن
إسحاق:"نافع بن عبد قيس، وكذا نص عليه ابن هشام في سيرته، وحكى السهيلي عن
(مسند البزار) أنه: خالد بن عبد قيس، قيل: لعله تصحف عليه، وإنما هو نافع، كذلك هو في
النسخ المعتمدة من مسند البزار، وكذلك أورده ابن بشكوال من (مسند البزار) وأخرجه
محمد بن عثمان بن أبي شيبة في تاريخه من طريق ابن لهيعة كذلك، وأما هبار، فهو بفتح

٣٠٧
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيرِ / باب (١٠٨)
الهاء وتشديد الباء الموحدة وفي آخره راء: ابن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن
قصي القرشي الأسدي، قال أبن عمر: ثم أسلم هبار بعد الفتح وحسن إسلامه وصحب النبي
عٍَّ، ذكر الزبير أنه لما أسلم وقدم مهاجراً جعلوا يسبونه، فذكر ذلك لرسول الله، عَهـ
فقال: سب من سبك فانتهوا عنه.
قوله: ((وإن النار لا يعذِّب بها إلاَّ الله)) هو خبر بمعنى النهي، ووقع في رواية ابن لهيعة:
وإنه لا ينبغي، وفي رواية إبن إسحاق: ثم رأيت أنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلاَّ الله، وقال
المهلب: ليس نهيه عن التحريق بالنار على معنى التحريم، وإنما هو على سبيل التواضع لله
تعالى، والدليل على أنه ليس بحرام سمل أعين الرعاة بالنار في مصلى المدينة بحضرة
الصحابة، وتحريق الخوارج بالنار، وأكثر علماء المدينة يجيزون تحريق الحصون على أهلها
بالنار، وقول أكثرهم بتحريق المراكب، وروى ابن شاهين من حديث صالح بن حبان عن ابن
بريدة عن أبيه: أن النبي عَّه بعث رجلاً إلى رجل كذب عليه ... وفي امرأة واقعها فقال: إن
وجدته حياً فاقتله، وإن وجدته ميتاً فحرقه بالنار، فوجده لدغ فمات فحرقه. وفي الحديث أن
نبياً من الأنبياء، صلوات الله عليهم، قرصته نملة، فأمر بقرية النمل فأحرقت، فقال الله له: هلاً
نملة واحدة؟ قال الحكيم في (نوادر الأصول): وهو إذن في إحراقها، لأنه إذا جاز إحراق
واحدة جاز في غيرها، وقالوا: لا حجة فيما ذكر للجواز، لأن قصة العرنيين كانت قصاصاً أو
منسوخة، وتجويز الصحابي معارض بمنع صحابي آخر، وقصة الحصون والمراكب مقيدة
بالضرورة إلى ذلك إذا تعين طريقاً للظفر بالعدو، ومنهم من قيده بأن لا يكون معهم نساء ولا
صبيان، وقيل: حديث الباب يرد هذا كله، لأن ظاهر النهي فيه التحريم، وهو نسخ لأمره
المتقدم، سواء كان ذلك بوحي أو باجتهاد منه، عَّهِ. وقال ابن العربي في هذا نسخ الحكم
قبل العمل به. ومنع منه المبتدعة والقدرية، وقال الحازمي: ذهبت طائفة إلى منع الإحراق في
الحدود، قالوا: يقتل بالسيف، وإليه ذهب أهل الكوفة النخعي والثوري وأبو حنيفة وأصحابه، ومن
الحجازيين: عطاء، وذهبت طائفة في حق المرتد إلى مذهب علي، رضي الله تعالى عنه، وقالت
طائفة: من حرق يحرق، وبه قال مالك وأهل المدينة والشافعي وأصحابه وأحمد وإسحاق.
وفي الحديث: جواز الحكم اجتهاداً، ثم الرجوع عنه، واستحباب ذكر الدليل عند
الحكم لرفع الإلباس. وفيه: نسخ السنة بالسنة وهو بالاتفاق. وفيه: جواز نسخ الحكم قبل
العلم به، أو قبل التمكن من العمل به، وفي الأخير خلاف علم في موضعه. وفيه: مشروعية
توديع المسافر لأكابر أهل بلده وتوديع أصحابه له أيضاً.
١٠٨ - بابُ السَّمْعِ والطَّاعَةِ للإمَامِ
أي: هذا باب في بيان وجوب السمع والطاعة للإمام، زاد الكشميهني في روايته: ما
لم يأمر بمعصية، وهذا القيد مراد وإن لم يذكر، ونص الحديث يدل عليه.
١٦٢/ ٢٩٥٥ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قالَ حَدَّثَنَا يَخبى عنْ عُبَيْدِ الله قال حدَّثني نافِعٌ عنِ ابنِ

٣٠٨
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (١٠٩)
عُمَرَ رضي الله تعالى عنهُما عنِ النَّبِيِّ عَّهِ وحدَّثني مُحَمَّدُ بنُ صبَّاحِ قال حدَّثنا إِسْمَاعِيلُ
بنُ زَكَّرِيَّاءَ عِنْ عُبَيْدِ اللهِ عنْ نافِعِ عِنِ ابنِ عُمَرَ رِضِي الله تعالى عنهُمَا عنِ النَّبِيِّ عَّه قالَ
السَّمْعُ والطَّاعَةُ حَقٌّ ما لَمْ يُؤْمَرْ بِالْمَعْصِيَةِ فإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَّةٍ فَلاَ سَمْعَ ولا طَاعَةَ. [الحديث
٢٩٥٥ - طرفه في: ٧١٤٤].
مطابقته للترجمة ظاهرة.
وأخرجه من طريقين: الأول: عن مسدد عن يحيى بن سعيد القطان عن عبيد الله بن
عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب عن نافع عن عبد الله بن عمر، وأخرجه
البخاري أيضاً في الأحكام، وأخرجه مسلم في المغازي عن زهير بن حرب. وأخرجه أبو داود
في الجهاد عن مسدد به. الطريق الثاني: عن محمد بن صباح، بتشديد الباء الموحدة: عن
إسماعيل بن زكرياء الخلقاني عن عبيد الله ... إلى آخره.
قوله: ((السمع))، أي: إجابة قول الأمير، إذ طاعة أوامرهم واجبة ما لم يأمر بمعصية وإلاّ
فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ويأتي من حديث علي بلفظ: لا طاعة في معصية، إنما
الطاعة في المعروف.
وفي الباب عن عمران بن حصين أخرجه النسائي، والحكم بن عمر وأخرجه الطبراني
وابن مسعود وغيرهم، وذكر عياض: أجمع العلماء على وجوب طاعة الإمام في غير معصية
وتحريمها في المعصية، وقال ابن بطال: احتج بهذا الخوارج فرأوا الخروج على أئمة الجور
والقيام عليهم عند ظهور جورهم، والذي عليه الجمهور: أنه لا يجب القيام عليهم عند ظهور
جورهم ولا خلعهم إلاَّ بكفرهم بعد إيمانهم، أو تركهم إقامة الصلوات، وأما دون ذلك من
الجور فلا يجوز الخروج عليهم إذا استوطن أمرهم وأمر الناس معهم، لأن في ترك الخروج
عليهم تحصين الفروج والأموال وحقن الدماء، وفي القيام عليهم تفرق الكلمة، ولذلك لا
يجوز القتال معهم لمن خرج عليهم عن ظلم ظهر منهم، وقال ابن التين: فأما ما يأمر به
السلطان من العقوبات فهل يسع المأمور به أن يفعل ذلك من غير ثبت أو علم يكون عنده
بوجوبها؟ قال مالك: إذا كان الإمام عدلاً كعمر بن الخطاب أو عمر بن العزيز، رضي الله
تعالى عنهما، لم تسمع مخالفته وإن لم يكن كذلك وثبت عنده الفعل جاز، وقال أبو حنيفة
وصاحباه: ما أمر به الولاة من ذلك غيرهم يسعهم أن يفعلوه فيما كان ولايتهم إليه، وفي
رواية عن محمد: لا يسع المأمور أن يفعله حتى يكون الآمر عدلاً، وحتى يشهد لذلك عنده
عدل سواء إلاَّ في الزنا فلا بد من ثلاثة سواء، وروي نحو الأول عن الشعبي، رحمه الله.
١٠٩ - بابٌ يُقاتَلُ مِنْ وَراءِ الإمامِ ويُتَّقَى بِهِ
أي: هذا باب يذكر فيه أن الإمام جنة يقاتل من ورائه، ويقاتل على صيغة المجهول،
والمراد به المقاتلة للدفع عن الإمام سواء كان ذلك من خلفه أو قدامه، ولفظ: وراء، يطلق
على المعنيين. قوله: ((ويتقى به))، أيضاً على صيغة المجهول عطف على: يقاتل، أي: يتقي

٣٠٩
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (١٠٩)
بالإمام شر العدو وأهل الفساد والظلم، وكيف لا وإنه يمنع المسلمين من أيدي الأعداء
ويحمي بيضة الإسلام ويتقي منه الناس ويخافون سطوته.
٢٩٥٦/١٦٣ - حدَّثنا أَبُو اليَمَانِ قالَ أُخْبَرَنا شُعَيْبٌ قال حدَّثنا أبو الزِّنادِ أنَّ الأعرَجَ
حدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أبا هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه أَنَّهُ سَمِعَ رسولَ الله عَللِ يَقولُ نَحْنُ الآخِرُونَ
السَّابِقُون. [انظر الحديث ٢٣٨ وأطرافه].
... / ٢٩٥٧ - وبِهَذَا الإِسْنَادِ منْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللهِ ومَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصى الله
ومِنْ يُطِعِ الأميرَ فَقَدْ أَطَاعَنِي ومنْ يَعْصِ الأميرَ فَقَدْ عَصَانِي وإِنَّمَا الإِمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ
ويُتَّقَى بِهِ فإنْ أمَرَ بِتَقْوَى الله وعَدَلَ فإنَّ لَهُ بِذَلِكَ أجْرَاً وإِنْ قالَ بِغَيْرِهِ فإنَّ عَلَيْهِ مِنْهُ.
[الحديث ٢٩٥٧ - طرفه في: ٧١٣٧].
مطابقته للترجمة في قوله: ((وإنما الإمام جنة يقاتل من ورائه ويُتقى به)) وسند هذا
الحديث بهؤلاء الرجال قد مر غير مرة، وأبو اليمان الحكم بن نافع، وأبو الزناد عبد الله بن
ذكوان، والأعرج عبد الرحمن بن هرمز.
وأخرج النسائي بعض الحديث الإمام جنة في البيعة وفي السير.
قوله: ((نحن الآخرون)) أي: في الدنيا ((السابقون)) في الآخرة، وهذه القطعة مرت في
كتاب الوضوء في: باب البول في الماء الدائم، فإنه أخرجه هناك، وقال: حدثنا أبو اليمان،
قال: أخبرنا شعيب، قال: أخبرنا أبو الزناد أن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج حدثه أنه سمع أبا
هريرة أنه سمع رسول الله، عَّ له يقول: نحن الآخرون السابقون، ثم قال: وبإسناده قال: لا
يبولَنَّ ... الحديث. قوله: ((بهذا الإسناد)) أي: الإسناد المذكور، قال عَّ له: من أطاعني ... إلى
آخره، قال الخطابي: كانت قريش ومن يليهم من العرب لا يعرفون الإمارة ولا يطيعون غير
رؤساء قبائلهم، فلما ولي في الإسلام الأمراء أنكرته نفوسهم وامتنع بعضهم من الطاعة، وإنما
قال لهم عَِّ هذا القول ليعلمهم أن طاعة الأمراء الذين كان يوليهم وجبت عليهم لطاعة
رسول الله، عَّم وليس هذا الأمر خاصاً بمن باشره الشارع بتولية الإمام به كما نبه عليه
القرطبي، بل هو عام في كل أمير عدل للمسلمين ويلزم منه نقيض ذلك في المخالفة
والمعصية.
قوله: ((وإنما الإمام جنة))، بضم الجيم وتشديد النون: أي: سترة، لأنه يمنع العدو من
أذى المسلمين ويمنع الناس بعضهم من بعض، والجنة: الدرع، وسمي المجن مجناً، لأنه
يستر به عند القتال، والإمام كالساتر، وقال الهروي: معنى الإمام جنة أن يفي الإمام الزلل
والسهو كما يقي الترس صاحبه من وقع السلاح، وقال الخطابي: يحتمل أن يكون أراد به
جنة في القتال، وفيما يكون منه في أمره دون غيره. قوله: ((يقاتل من ورائه)) على صيغة
المجهول كما ذكرناه آنفاً، أي: يقاتل معه الكفار والبغاة وسائر أهل الفساد، فإن لم يقاتل من
ورائه وأتى عليه مرج أمر الناس وأكل القوي الضعيفَ وضيعت الحدود والفرائض، وتطاول

٣١٠
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيَّرِ / باب (١١٠)
أهل الحرب إلى المسلمين. قوله: ((ويتقى به))، مجهول أيضاً، وأصله: يوتقى به، التاء مبدلة
من الواو، وبعد الإبدال تدغم التاء في التاء، لأن أصله من الوقاية. وقال المهلب: معنى يتقى
به يرجع إليه في الرأي والعقل، وغير ذلك. قوله: ((وإن قال بغيره)) أي: وإن أمر بغير تقوى الله
وعدله، والتعبير عن الأمر بالقول شائع، وقيل: معناه، وإن فعل بغيره، وقال بعضهم: هذا ليس
بظاهر، فإنه قسيم قوله: فإن أمر، فيحمل على أن المراد: وإن أمر. قلت: العرب تجعل القول
عبارة عن جميع الأفعال وتطلقه على غير الكلام واللسان، فتقول: قال بيده، أي: أخذ، وقال
برجله، أي: مشى، وقال بالماء على يده، أي: قلب، وقال بثوبه أي: رفعه، فإذا كان كذلك
لا ينكر استعمال: قال، هنا بمعنى: فعل، وقال الخطابي: قال هنا بمعنى: حكم، يقال: قال
الرجل واقتال إذا حكم، ثم قيل: إنه هنا مشتق من القيل، بفتح القاف وسكون الياء آخر
الحروف، وهو الملك الذي ينفذ حكمه، وهذا في لغة حمير.
قوله: ((فإن عليه منه)) أي: فإن الوبال الحاصل عليه لا على المأمور، قال الكرماني:
ويحتمل أن يكون بعضه عليه. قلت: هذا على تقدير أن تكون من للتبعيض، والظاهر أن
المأمور أيضاً لا يخلو عن التبعة، على ما حكي أن الحسن البصري وعامر الشعبي حضرا
مجلس عمر بن هبيرة، فقال لهما: إن أمير المؤمنين يكتب إلي في أمور، فما تريان؟ فقال
الشعبي: أصلح الله الأمير، أنت مأمور والتبعة على آمرك، فقال الحسن: إذا خرجت من سعة
قصرك إلى ضيق قبرك فإن الله تعالى ينجيك من الأمير، ولا ينجيك الأمير من الله تعالى، والله
أعلم بحقيقة الحال.
١١٠ - بابُ البَيْعَةِ في الحَرْبِ أنْ لاَ يَفِرُّوا
أي: هذا باب في بيان البيعة في الحرب على أن لا يفروا، أو في بعض النسخ لفظة:
على موجودة وكلمة: أن، مصدرية، تقديره: بأن لا يفروا، أي: بعدم الفرار.
وقال بَعْضُهُم على المَوْتِ
أي: البيعة في الحرب على الموت، وقال بعضهم: كأنه أشار إلى أن لا تنافي بين
الروايتين لاحتمال أن يكون ذلك في مقامين. قلت: عدم التنافي بينهما ليس من هذا الوجه،
بل المراد بالمبايعة على الموت أن لا يفروا ولو ماتوا، وليس المراد أن يقع الموت ولا بد.
لِقَوْلِ الله تعَالى ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللّه علَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾
[الفتح: ١٨].
هذا تعليل لقوله، وقال بعضهم: على الموت، وجه الاستدلال به أن لفظ: يبايعونك،
مطلق يتناول البيعة على أن لا يفروا وعلى الموت، ولكن المراد البيعة على الموت بدليل أن
سلمة بن الأكوع، وهو ممن بايع تحت الشجرة، أخبر أنه بايع على الموت وأراد بالمؤمنين:
هم الذين ذكرهم الله في قوله: ﴿إِن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله .. ﴾ [الفتح: ١٠]. الآية،
وقيل: هذا عام في كل من بايع رسول الله، عَّةٍ، والشجرة كانت سمرة، وقيل: سدرة،

٣١١
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيَّرِ / باب (١١٠)
وروي أنها عميت عليهم من قابل فلم يدروا أين ذهبت، وكان هذا في غزوة الحديبية سنة
ست في ذي القعدة بلا خلاف، وسميت هذه البيعة بيعة الرضوان.
١٦٤/ ٢٩٥٨ - حدّثنا مُوسى بنُ إِسْمَاعِيلَ قال حدَّثنا جُوَيْرِيَةُ عنْ نافِعِ قال قال ابنُ
عُمَرَ رضي الله تعالى عنهُما رجَعْنَا مِنَ العَامِ المُقْبِلِ فَما اجْتَمع مِنَّا اثْنَانِ عَلَى الشَّجَرَةِ التي
بايَعْنَا تَحْتَها كانَتْ رَحْمَةً مِنَ الله فسَألْتُ نافِعاً عَلَى أَيِّ شَيْءٍ بَايَعَهُمْ عَلَى المَوْتِ قال لاَ بَلْ
بايَعَهُمْ على الصَّبْرِ.
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((بل بايعهم على الصبر)) فإن المبايعة على الصبر هو
عدم الفرار في الحرب، وموسى بن إسماعيل المنقري التبوذكي، وجويرية - تصغير جارية -
ابن أسماء الضبعي البصري. وهذا الحديث من أفراده.
قوله: ((من العام المقبل)) أي: الذي بعد صلح الحديبية. قوله: ((فما اجتمع منا إثنان
على الشجرة التي بايعنا تحتها)) أي: ما وافق منا رجلان على هذه الشجرة أنها هي التي
بايعنا تحتها، بل خفي مكانها، وقيل: أشبهت عليهم. قوله: ((كانت رحمة))، أي: كانت هذه
الشجرة موضع رحمة الله ومحل رضوانه، قال تعالى: ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ
يبايعونك تحت الشجرة﴾. [الفتح: ١٨]. وقال النووي: سبب خفائها أن لا يفتتن الناس بها
لما جرى تحتها من الخير، ونزول الرضوان والسكينة وغير ذلك، فلو بقيت ظاهرة معلومة
لخيف تعظيم الأعراب والجهال إياها وعبادتهم إياها، وكان خفاؤها رحمة من الله تعالى.
قوله: ((فسألت نافعاً) السائل هو جويرية الراوي. قوله: ((على الموت))، أي: أعلى الموت؟
وهمزة الاستفهام مقدرة فيه. قوله: ((قال: لا)) أي: قال نافع: لم يكن مبايعتهم على الموت،
بل كانت على الصبر، واعترض الإسماعيلي بأن هذا من قول نافع وليس بمسند، وقال
بعضهم: وأجيب: بأن الظاهر أن نافعاً إنما جزم بما أجاب به لما فهمه من مولاه ابن عمر،
فيكون مسنداً بهذه الطريقة، وفيه نظر لا يخفى.
٢٩٥٩/١٦٥ - حدّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قال حدَّثنا وُهَيْبٌ قال حدَّثنا عَمْرُو بنُ
يَحْيِى عَنْ عَبَّادِ بنِ تَمِيمٍ عنْ عَبْدِ الله بن زَيْدٍ رضي الله تعالى عنه قالَ لَمَّا كانَ زَمنُ الحَرَّةِ
أتاهُ آتٍ فَقالَ لَهُ إِنَّ ابنٌّ حَنْظَلَةَ يُبايعُ النَّاسَ عَلَى المَوْتِ فقالَ لا أَبَايِعُ على هَذَا أَحَدَاً بَعْدَ
رسولِ الله عَّهِ. [الحديث ٢٩٥٩ - طرفه في: ٤١٦٧].
مطابقته للترجمة يمكن أن تكون لقوله: وقال بعضهم: على الموت لأنه من الترجمة،
والمفهوم من كلام عبد الله بن زيد أنه بايع على الموت، ووهيب - بالتصغير - هو ابن خالد،
وعمرو بن يحيى بن عمارة المازني الأنصاري المدني، وعباد - بتشديد الباء الموحدة - ابن
تميم بن زيد بن عاصم الأنصاري، يروي عن عبد الله بن زيد بن عاصم بن كعب الأنصاري
المازني المدني.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في المغازي عن إساعيل عن أخيه أبي بكر. وأخرجه

٣١٢
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيَّرِ / باب (١١٠)
مسلم في المغازي عن إسحاق بن إبراهيم.
قوله: ((ولما كان زمن الحرة»، وهي الواقعة التي كانت بالمدينة في زمن يزيد بن
معاوية سنة ثلاث وستين، ووقعة الحرة حرة زهرة، قاله السهيلي. وقال الواقدي وأبو عبيد
وآخرون: هي حرة وأقم، أطم شرقي المدينة، و: الحرة، بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء
وهي في الأصل كل أرض كانت ذات حجارة سود محرقة والحرار في بلاد العرب كثيرة
وأشهرها ثلاثة وعشرون حرة، قاله ياقوت. وسبب وقعة الحرة أن عبد الله بن حنظلة وغيره من
أهل المدينة وفدوا إلى يزيد فرأوا منه ما لا يصلح، فرجعوا إلى المدينة فخلعوه وبايعوا عبد
الله بن الزبير، رضي الله تعالى عنهما، وأرسل إليهم يزيدُ مسلم بن عقبة الذي قيل فيه:
مسرف بن عقبة، فأوقع بأهل المدينة وقعة عظيمة، قتل من وجوه الناس ألفاً وسبعمائة، ومن
أخلاط الناس عشرة آلاف سوى النساء والصبيان. قوله: ((إن ابن حنظلة)) وهو عبد الله بن
حنظلة بن أبي عامر الذي يعرف أبوه بغسيل الملائكة، وذلك أن حنظلة قتل شهيداً يوم أحد،
قتله أبو سفيان بن حرب، وقال: حنظلة بحنظلة، يعني بأبيه حنظلة المقتول ببدر، وأخبر
رسول الله، عَّله بأن الملائكة غسلته، وكان النبي عَّه قال لامرأة حنظلة: ما كان شأنه؟
قالت: كان جنباً وغسلت إحدى شقي رأسه، فلما سمع لهيعة خرج. فقتل. فقال رسول الله،
عَ الى: رأيت الملائكة تغسله، وعلقت امرأته تلك الليلة بابنة عبد الله بن حنظلة، ومات النبي
ګ وله سبع سنین، وقد حفظ عنه.
وقال الكرماني: ابن حنظلة هو الذي كان يأخذ ليزيد واسمه عبد الله، أو المراد به
نفس يزيد، لأن جده أبا سفيان كان يكنى أيضاً بأبي حنظلة، لكن على هذا التقدير يكون
لفظ الأب محذوفاً بين الأب وحنظلة تخفيفاً، كما أنه محذوف معنىٍ، لأنه نسبة إلى الجد
أو جعله منسوباً إلى العم استخفافاً واستهجاناً واستبشاعاً لهذه الكلمة المرة. انتهى. قلت:
الكرماني خبط ههنا خبط عشواء وتعسف في هذا الكلام من غير أصل، والصواب ما ذكرناه.
قوله: ((لا أبايع على هذا أحداً بعد رسول الله، عَ لَ﴾) فيه إشارة إلى أنه بايع رسول الله، عَليه
على الموت، ولكنه ليس بصريح، فلذلك ذكر البخاري عقيبه حديث سلمة بن الأكوع
لتصريحه فيه بأنه بايعه على الموت.
١٦٦/ ٢٩٦٠ - حدّثنا المَكْيُ بنُ إِبْرَاهِيمَ قال حدَّثنا يَزِيدُ بنُ أبِي عُبَيْدٍ عنْ سَلَمَةً
رضي الله تعالى عنهُ قال بايَعْتُ النَّبِيَّ عَّلَّهِ ثُمَّ عَدَلْتُ إلى ظِلِّ الشَّجرةِ فلَمَّا خَفَّ النَّاسُ قال
يا ابنَ الأْوَعِ ألاَ تُبَايِعُ قال قُلْتُ قدْ بايَعْتُ يا رسُولَ الله قال وأيْضَاً فبَايَعْتُهُ الثَّانِيَةَ فَقُلْتُ لَهُ یا
أَبًا مُسْلِمٍ على أيِّ شَيءٍ كُنْتُم تُبَايِعُونَ يَوْمَئِذٍ قال على المَوْتِ. [الحديث ٢٩٦٠ - أطرافه
في: ٤١٦٩، ٧٢٠٦، ٧٢٠٨].
مطابقته للترجمة في قوله: وقال بعضهم: على الموت، المكي، بتشديد الياء آخر
الحروف هو اسمه وليس بنسبة، ويزيد - من الزيادة - ابن أبي عبيد مولى سلمة بن الأكوع،

٣١٣
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (١١٠)
والأكوَع اسمه سنان بن عبد الله.
وهذا الحديث من ثلاثيات البخاري الحادي عشر. وأخرجه أيضاً في المغازي عن
قتيبة وفي الأحكام عن القعنبي. وأخرجه مسلم في المغازي عن قتيبة به وعن إسحاق بن
إبراهيم. وأخرجه الترمذي والنسائي في السير جميعاً عن قتيبة.
قولهٍ: ((قال يا ابن الأكوع)) أي: قال النبي عَّلَّه يا ابن الأكوع! ألاَ تبايع؟ إنما قال ذلك
مع أنه بايع مع الناس، لأنه أراد به تأكيد بيعته لشجاعته وشهرته بالثبات، فلذلك أمره بتكرير
المبايعة. وقال أيضاً: أي بايع أيضاً، فبايعه مرة أخرى، وهو معنى قوله: فبايعته الثانية، أي:
المرة الثانية. قوله: ((فقلت له: يا با مسلم))، القائل هو يزيد بن أبي عبيد الراوي عنه، وأبو
مسلم كنية سلمة بن الأكوع. قوله: ((على الموت))، قد ذكرنا أن المراد بالمبايعة على
الموت أن لا يفروا ولو ماتوا، وليس المراد أن يقع الموت البتة، والدليل عليه ما رواه الترمذي
عن جابر بن عبد الله في قوله تعالى: ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت
الشجرة﴾ [الفتح: ١٨]. قال جابر: ((بايعنا رسول الله، عٍَّ، على أن لا نفر ولم نبايعه على
الموت))، وسيأتي عن عبادة، رضي الله تعالى عنه، بايعنا رسول الله، عَ لّم على السمع
والطاعة، وروي من حديث معقل بن يسار، قال: لقد رأيتني يوم الشجرة والنبي عَ ◌ّه ((يبايع
الناس وأنا رافع غصناً من أغصانها عن رأسه ونحن أربع عشرة ومائة)). وقال: لم نبايعه على
الموت.
١٦٧/ ٢٩٦١ - حدَّثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ قال حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ حُمَيْدٍ قال سَمِعْتُ أنَساً
رضي الله تعالى عنه يَقُولُ كانَتِ الأَنْصَارُ يَوْمَ الخَنْدَقِ تَقُولُ:
نَحْنُ الَّذِينَ بايَعُوا مُحَمَّداً على الجِهَادِ ما حَبِينَا أبدًا
فأجابَهُمْ النَّبيُّ عَ لَّهِ فَقَالَ:
فأكْرِمِ الأنْصَارَ والْمُهَاجِرَةْ
اللَّهُمَّ لاَ عَيْشَ إلاَّ عَيْشُ الآخِرَةْ
[انظر الحديث ٢٨٣٤ وأطرافه].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قولهم:
على الجهاد ما حيينا أبداً
فإن معناه يؤول إلى أنهم لا يفرون منه في الحرب أصلاً، وقد مضى هذا موصولاً في
أوائل الجهاد في: باب التحريض على القتال، وفي الباب الذي يليه: باب حفر الخندق.
١٦٨/ ٢٩٦٢ _ ٢٩٦٣ - حدّثنا إِسْحَاقُ بنُ إبْرَاهِيمَ سَمِعَ مُحَمَّدَ بنَ فُضَيْلٍ عنْ
عاصِمِ عنْ أبِي عُثْمانَ عنْ مُجَاشِعٍ رضي الله تعالى عنه قال أتَيْتُ النَّبِيَّ عَلَّهِ أَنَا وَأَخِي
فَقُلْتُ بايعْنَا على الهِجْرَةِ فَقالَ مَضَتِ الهِجْرَةُ لِأَهْلِهَا فَقُلْتُ عَلَامَ تبَايِعُنا قال علَى الإِسْلامِ
والجِهَادِ. [الحديث ٢٩٦٢ - أطرافه في: ٣٠٧٨، ٤٣٠٥، ٤٣٠٧]. [الحديث ٢٩٦٣ -

٣١٤
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيرِ / باب (١١١)
أطرافه في: ٣٠٧٩، ٤٣٠٦، ٤٣٠٨].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((والجهاد)) لأن مبايعتهم على الجهاد لم تكن إلاَّ
على أن لا يفروا، وإسحاق بن إبراهيم هو ابن راهويه، ومحمد بن فضيل، بضم الفاء - مصغر
فضل - ابن غزوان أبو عبد الرحمن الضبي مولاهم الكوفي، وعاصم هو ابن سليمان الأحول،
وأبو عثمان هو عبد الرحمن بن مل النهدي، بالنون البصري، وقد مر غير مرة ومجاشع، بضم
الميم وتخفيف الجيم وكسر الشين المعجمة وفي آخره عين مهملة: ابن مسعود السلمي،
بضم السين، وفي بعض النسخ أبوه مسعود مذكور، ومجاشع هذا قتل يوم الجمل، وكان له
فرس يسابق عليها، وقد أخذ في غاية واحدة خمسين ألف دينار.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في المغازي عن عمرو بن خالد وعن محمد بن أبي
بكر وفي الجهاد أيضاً عن إبراهيم بن موسى. وأخرجه مسلم في المغازي عن محمد بن
الصباح وعن سويد بن سعيد وعن أبي بكر بن أبي شيبة.
قوله: ((وأخي))، أخوه اسمه: مجالد بضم، الميم وتخفيف الجيم: ابن مسعود السلمي،
قال أبو عمر: له صحبة ولا أعلم له رواية، كان إسلامه بعد إسلام أخيه، بعد الفتح، ذكر ابن
أبي حاتم عن أبيه: أن مجالد بن مسعود قتل يوم الجمل، ولا تبعد رواية أبي عثمان عنهما،
كذا قال في (الاستيعاب). قوله: ((بايعنا))، بكسر الياء: أمر من بايع، يخاطب به مجاشع النبي
عَ لَّهِ، فأجابه النبي عَّ ◌ُلّ بقوله: ((مضت الهجرة لأهلها))، وهم الذين هاجروا قبل الفتح،
وحديث مجاشع كان بعد الفتح، وكان النبي عَ لِّ قد قال: ((لا هجرة بعد الفتح إنما هو
جهاد ونية))، فكان من بايع قبل الفتح لزمه الجهاد أبداً ما عاش إلاَّ لعذر يجوز له التخلف،
وأما من أسلم بعد الفتح فله أن يجاهد وله أن يتخلف بنية صالحة. كما قال: ((جهاد ونية))،
إلاَّ أن ينزل عدو أو ضرورة، فيلزم الجهاد كل أحد. قوله: ((فقلت علامَ تبايعنا؟)) أي: على أي
شيء تبايعنا؟ وأصله: على ما، لأن: ما، الاستفهامية جرت فيجب حذف الألف عنها وإبقاء
الفتحة دليلاً عليها، نحو: فيم، وإلامَ، وعلامَ، وعلة حذف الألف الفرق بين الاستفهام
والخبر، وأما قراءة عكرمة وعيسى ﴿عما يتساءلون﴾ [النبأ: ١]. فنادر. وقال ابن التين: كان
من هاجر إلى رسول الله عَ لغيره قبل الفتح من غير أهل مكة وبايعه على المقام بالمدينة كان
عليه المقام بها حياته، عَّه، ومن لم يشترط المقام من غير أهل مكة بايع ورجع إلى
موضعه، كفعل عمر بن حريب ووفد عبد القيس وغيرهم، وكانت الهجرة فرضاً على أهل
مكة إلى الفتح، ثم زالت الهجرة التي توجب المقام مع رسول الله، عَ لّه إلى وفاته ثم يرجع
المهاجر كما فعل صفوان. قوله: ((قال: على الإسلام)) أي: قال النبي عَد ◌ُله: أبايعكم على
الإسلام والجهاد إذا احتيج إليه، والله أعلم.
١١١ - بابُ عَزْمِ الإمامِ عَلَى النَّاسِ فِيما يُطِيقُون
أي: هذا باب في بيان أن عزم الإمام على الناس إنما يكون فيما يطيقونه، يعني:

٣١٥
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (١١١)
وجوب طاعة الإمام إنما يكون عند الطاقة والعزم هو الأمر الجازم الذي لا تردد فيه.
٢٩٦٤/١٦٩ _ حدّثنا عُثْمَانُ بنُ أَبِي شَيْبَةَ قال حدَّثنا جَرِيرٌ عنْ مَنْصُورٍ عنْ أَبِي وَائِلٍ
قال قال عَبْدُ الله رضي الله تعالى عنه لَقَدْ أَتَانِي اليَوْمَ رَجُلٌ فَسَألَنِي عنْ أَمْرٍ ما دَرَيْتُ ما أرُدُّ
عَلَيْهِ فَقالَ أرَأَيْتَ رَجُلاً مُؤدِياً نَشِيطاً يَخْرُجُ مَعَ أَمَرَّائِنَا فِي المَغَازِي فَيَعْزِمُ عَلَيْنَا فِي أَشْيَاءَ لا
نُخْصِيهَا فَقُلْتُ لَهُ والله ما أدْرِي ما أَقُولُ لَكَ إِلاَّ أَنَّا كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ عَُّلَِّ فَعَسَى أَنْ لا يَعْزِمَ
عَلَيْنَا في أمْرٍ إِلَّ مَرَّةً حتَّى نَفْعَلَهُ وإِنَّ أَحَدَكُمْ لَنْ تَزَالَ بِخَيْرٍ ما اتَّقَىِ الله وإِذَا شَكَّ فِي نَفْسِهِ
شَيْءٍ سألَ رَجلاً فَشنَاهُ مِنْهُ وأَوْشَكَ أنْ لا تَجِدُوهُ والَّذِي لَاَ إلَهَ إلاَّ هُوَ ما أَذْكُرُ ما غَبَرَ مِنَ
الدُّنْيَا إِلاَّ كالثَّغْبِ شُرِبَ صَفْوُهُ وبَقِيَ كَدَرُهُ.
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((في أشياء لا نحصيها)) أي: لا نطيقها من قوله
تعالى: ﴿علم أن لن تحصوه﴾ [المزمل: ٢٠]. وقال الداودي: ويحتمل أن يريد: لا ندري
هل هو طاعة أم معصية؟ قلت: المعنى الأول هو الأوجه، لأن المطابقة للترجمة لا تحصل إلاّ
به، ورجاله قد ذكروا غير مرة، وأبو وائل شقيق بن سلمة، وعبد الله هو ابن مسعود، رضي الله
تعالى عنه، ورجال هذا الإسناد كلهم كوفیون.
قوله: ((رجل)) فاعل: أتاني، ولم يدر اسمه. قوله: ((ما أرد عليه))، جملة في محل
نصب على أنها مفعول قوله: ما دريت. قوله: ((أرأيت)) أي: أخبرني. قوله: ((مؤديا)) بضم
الميم وسكون الهمزة وكسر الدال، يعني: ذا أداة للحرب كاملة، ولا يجوز حذف الهمزة منه
حتى لا يتوهم أنه من: أودى، إذا هلك، وقال الكرماني: معناه: قوياً متمكناً، وكذا فسره
الداودي، والأول أظهر. قوله: ((نشيطاً)) بفتح النون وكسر الشين المعجمة من: النشاط، وهو
الأمر الذي تنشط له وتخف إليه وتؤثر فعله. قوله: ((لا نحصيها))، قد مر تفسيره. قوله:
((يخرج))، قال بعضهم: كذا في الرواية بالنون. قلت: مجرد الدعوى أن الرواية بالنون لا
يسمع، بل يحتاج ذلك إلى البرهان، بل الظاهر أنه بالياء آخر الحروف، والضمير الذي فيه
يعود إلى قوله: رجل، وأيضاً فإن رواية النون قلقاً في التركيب على ما لا يخفى. فإن قلت:
إذا كان يخرج الياء، كان مقتضى الكلام أن يقول: مع أمرائه، بلفظ الغائب ليوافق: رجلاً.
قلت: هذا من باب الالتفات، وهو نوع من أنواع البديع، وقال الكرماني: معنى رجلاً أن أحدنا
يخرج مع أمرائنا، والذي قلت: هو الأوجه، فلا حاجة إلى هذا التعسف. قوله: ((فيعزم
علينا))، أي: الأمير يشدد علينا في أشياء لا نطيقها. وقال الكرماني: فيعزم إن كان بلفظ
المجهول فهو ظاهر، يعني: لا يحتاج إلى تقدير الفاعل ظاهراً هذا إن كان جاءت به رواية.
قوله: ((حتى نفعله))، غاية لقوله: لا يعزم، أو للعزم الذي يتعلق به المستثنى، وهو مرة،
وحاصل السؤال أن قوله: أرأيت، بمعنى: أخبرني، كما ذكرنا، وفيه نوعان من التصرف:
إطلاق الرؤية وإرادة الإخبار، وإطلاق الاستفهام وإرادة الأمر، فكأنه قال: أخبرني عن حكم
هذا الرجل: يجب عليه مطاوعة الأمير أم لا؟ فجوابه: وجوب المطاوعة، ويعلم ذلك من

٣١٦
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (١١٢)
الاستثناء، إذ لولا صحته لما أوجبه الرسول عليهم، ويحتمل عزمه عَُّلّهِ تلك المرة على
ضرورة كانت باعثة له عليه. قوله: ((وإذا شك في نفسه شيء)) هو من باب القلب، وأصله:
شك نفسه في شيء، أو شك بمعنى لصق. وقوله: شيء، أي: مما تردد فيه أنه جائز أو غير
جائز. قوله: ((فشفاه منه))، أي: أزال مرض التردد فيه، وأجاب له بالحق. قوله: ((وأوشك))،
أي: كاد أن لا يجدوا في الدنيا أحداً، يفتي بالحق ويشفي القلوب عن الشبه والشكوك.
قوله: ((ما غبر))، بالغين المعجمة أي: ما بقي، والغبور من الأضداد: البقاء والمضي، وقال قوم:
الماضي غابر والباقي غبر، وهو هنا يحتمل الأمرين، وقال ابن الجوزي: هو بالماضي هنا أشبه
لقوله: ما أذكر.
قوله: ((إلاَّ كالثغب))، بفتح الثاء المثلثة وسكون الغين المعجمة، ويجوز فتحها، وهو
الماء المستنقع في الموضع المطمئن، والجمع ثغاب شبه بقاء الدنيا بباقي غدير ذهب
صفوه، وبقي كدره، وإذا كان هذا في زمن ابن مسعود، وقد مات هو قبل مقتل عثمان،
رضي الله تعالى عنه، ووجود تلك الفتن العظيمة فماذا يكون اعتقاده فيما جاء بعد ذلك، ثم
بعد ذلك وهلم جراً؟ قال القزاز: ثغب وثغب والفتح أكثر من الإسكان، وفي (المنتهى):
بالتحريك أفصح، وهو موضع الماء. وقيل: الغدير الذي يكون في غلظ من الأرض أو في
ظل جبل لا يصيبه حر الشمس فيبرد ماؤه يريد عبد الله ما ذهب من خير الدنيا وبقي من شر
أهلها، والجمع ثغبان وثغيان مثل حمل وحملان، ومن سكن قال: ثغاب. وفي (المحكم):
الثغب بقية الماء العذب في الأرض، وقيل: هو أخدود يحتفره المائل من عل فإذا انحطت
حفرت أمثال القبور، والديار فيمضي السيل عنها ويغادر الماء فيها فتصفقه الريح، فليس شيء
أصفى منه ولا أبرد، فسمي الماء بذلك المكان، وقيل: كل غدير ثغب، والجمع أثغاب، وقال
المهلب: هذا الحديث يدل على شدة لزوم الناس طاعة الإمام ومن يستعمله.
١١٢ - بابٌ كانَ النَّبِيُّ عَ لَّهِ إِذَا لَمْ يُقَاتِلْ أَوَّلَّ النَّهَارِ
أَخَّرَ القِتَال حتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ
أي: هذا باب يذكر فيه: كان النبي عَّ له ... إلى آخره، والحكمة فيه أن الشمس إذا
زالت تهب رياح النصر ويتمكن من القتال بوقت الإبراد وهبوب الرياح، لأن الحرب كلما
استحرت وحمي المقاتلون بحركتهم فيها وما حملوه من سلاحهم هبت أرواح العشي فبردت
من حرهم ونشطتهم، وخففت أجسامهم بخلاف اشتداد الحر. وقد روى الترمذي من حديث
النعمان بن مقرن قال: غزوت مع النبي عَّهِ فكان إذا طلع الفجر أمسك حتى تطلع الشمس،
فإذا طلعت قاتل، فإذا انتصف النهار أمسك حتى تزول الشمس، فإذا زالت الشمس قاتل حتى
العصر، ثم يمسك حتى يصلي العصر، ثم يقاتل. وكان يقال: عند ذلك تهيج رياح النصر
ويدعو المؤمنون لجيوشهم في صلاتهم، وروى أحمد في (مسنده) من حديث عبد الله بن
أبي أوفى، قال: كان النبي عَّلم يحب أن ينهض إلى عدوه عند زوال الشمس. وروى

٣١٧
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيرِ / باب (١١٣)
الطبراني من حديث عتبة بن غزوان السلمي، قال: كنا نشهد مع رسول الله، عَّهِ، القتال فإذا
زالت الشمس قال لنا: إحملوا فحملنا. وروي أيضاً من حديث ابن عباس: أن رسول الله،
عَ لِ كان إذا لم يلق العدو أول النهار أخر حتى تهب الرياح، ويكون عند مواقيت الصلاة.
١٧٠/ ٢٩٦٥ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قال حدَّثنا مُعَاوِيَةُ بنُ عَمْرٍو قال حدَّثنا أبو
إِسْحَاقَ عنْ مُوسَى بنِ عُقْبَةَ عنْ سَالِمٍ أيِي النضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بنِ عُبَيْدِ الله وكانَ كاتِبَاً لَهُ قَالَ
كَتَبَ إلَيْهِ عبْدُ الله بنُ أبي أوْفَى رضي الله تعالى عنهما فقَرَأْتُهُ أَنَّ رسول الله، عَ لِ فِي بَعْضٍ
أيَّامِه الَّتِي لَقِيَ فِيهَا انْتَظَرَ حتَّى مَالَتِ الشَّمْسِ. [انظر الحديث ٢٩٣٣ وأطرافه].
... /٢٩٦٦ - ثُمَّ قالَ في النَّاسِ قال أيُّهَا النَّاسُ لاَ تَتَمَنَّوْا لِقاءَ الَعدُوِّ وسَلُوا الله
العَافِيَةَ فإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فاصْبِرُوا وأعْلَمُوا أَنَّ الجَنَّةَ تَخْتَ ظِلاَلِ السُّيُوفِ ثُمَّ قال اللَّهُمَّ
مُنْزِلَ الكِتَابِ ومُجْرِيَ السَّحابِ وهازِمَ الأخْزَابِ ◌ِهْزِمْهُمْ وانْصُزْنَا عَلَيْهِمْ. [انظر الحديث
٢٨١٨ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((انتظر حتى مالت الشمس)) أي: حتى زالت. وعبد الله بن
محمد المسندي، ومعاوية بن عمرو بن المهلب الأزدي البغدادي، وأبو إسحاق إبراهيم بن
محمد الفزاري وموسى بن عقبة إلى آخره. وهذا السند بعين هؤلاء الرجال قد مر في الجهاد
في: باب الصبر عند القتال، مع بعض الحديث، ومضى أيضاً كذلك في: باب الجنة تحت
بارقة السيوف، واقتصر فيه على قوله: واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف، وقد مر الكلام
فيه هناك.
قوله: (منزل الكتاب)) أي: يا منزل القرآن، وقد وقع السجع اتفاقاً من غير قصد.
١١٣ - بابُ اسْتِئْذَانِ الرَّجَلِ الإمَامَ
أي: هذا باب في بيان حكم استيذان الرجل من الرعية، أي: طلبه الإذن من الإمام في
الرجوع أو التخلف عن الخروج أو نحو ذلك.
لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿أََّا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بالله ورسُولِهِ وإِذَا كانُوا معَهُ علَى أَمْرٍ
جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأذِنُونَكَ﴾ [النور: ٦٢]. إلى آخر الآية
هذه الآية الكريمة في سورة النور، وتمامها: ﴿أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا
استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم﴾ [النور:
٦٢]. والاحتجاج بها في قوله: ﴿فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم﴾
[النور: ٦٢]. ووجه ذلك أن الله تعالى جعل ترك ذهابهم عن مجلس رسول الله، عَ له حتى
يستأذنوه ثالث الإيمان بالله، والإيمان برسوله وجعلهما كالتسبب له والبساط لذكره، وذلك مع
تصدير الجملة بإنما، وإيقاع المؤمنين مبتدأ مخبراً عنه بموصول أحاطت صلته بذكر الإيمانين،
ثم عقبه بما يزيده توكيداً وتشديداً حيث أعاده على أسلوب آخر وهو قوله: ﴿إن الذين

٣١٨
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيرِ / باب (١١٣)
يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله﴾ [النور: ٦٢]. والمراد بالأمر الجامع: الطاعة
يجتمعون عليه نحو: الجمعة والنحر والفطر والجهاد وأشباه ذلك. قوله: ﴿لم يذهبوا حتى
يستأذنوا﴾ [النور: ٦٢]. قال المفسرون: كان النبي عَّ إذا صعد المنبر يوم الجمعة وأراد
الرجل أن يخرج من المسجد لحاجة أو عذر لم يخرج حتى يستأذن، أي: يقوم فيراه عَ لَّه
فيعرف أن له حاجة، فيأذن له، قال مجاهد: وإذن الإمام يوم الجمعة أن يشير بيده، ولم يأمره
الله تعالى بالإذن لكلهم، بل قال: ﴿فأُذن لمن شئت﴾ [النور: ٦٢]. قال مقاتل: نزلت في
عمر رضي الله تعالى عنه، استأذن في الرجوع إلى أهله في غزوة تبوك، فأذن له. وقال: انطلق
ما أنت بمنافق، يريد بذلك تسميع المنافقين. وقال المهلب: هذه الآية أصل أن لا يبرح أحد
من السلطان إذا جمع الناس لأمر من أمور المسلمين يحتاج فيه إلى اجتماعهم إلاَّ بإذنه، فإن
رأی أن یأذن له أذن وإلاَّ لم يأذن له.
٢٩٦٧/١٧١ - حدَّثنا إِسْحَاقُ بنُ إبْرَاهِيمَ قال أخبرنَا جَرِيرٌ عنِ المُغِيرَةِ عنِ الشَّغْبِيِّ
عنْ جابِرِ بنِ عَبْدِ الله رضي الله تعالى عنهُما قال غَزَوْتُ معَ رسولِ الله عَ لَّه قال فتَلاحَقَ بِيَ
النبيُّ عَّ ◌َلَّهِ وأنا علَى ناضِحِ لَنَا قَدْ أُعْيَا فَلاَ يَكادُ يَسِيرُ فقال لي ما لِيَعِيرِكَ قال قُلْتُ عَيِيَ قال
فَتَخَلَّفَ رسولُ اللهِ عَ لَّهِ فْرَجَرَهُ ودعا لَهُ فَمَا زَالَ بَيْنَ يَدَيِ الإِبِلِ قَدَّامُها يَسِيرُ فقال لي كَيْفَ
تَرَى بَعِيرَكَ قال قُلْتُ بِخَيْرٍ قَدْ أَصَابَتْهُ بِرَكَتُكَ قال أَفَتَبِيعُنِيهِ قال فاسْتَحْيَيْتُ ولَمْ يَكُنْ لَنا
ناضِحٌ غَيْرَهُ قال فَقُلْتُ نَعَمْ قال فَبِعْنِيهِ فِعْتُهُ إِيَّهُ عَلَى أنَّ لِي فِقارَ ظَهْرِهِ حتَّى أبْلُغَ المَدِينَةِ
قالَ فَقُلْتُ يا رسولَ الله إنِّي عَرُوسٌ فاسْتأذَنْتُهُ فأذِنَ لِي فَتَقَدَّمْتُ النَّاسَ إلَى المَدِينَةِ حَتَّى
أَتَيْتُ المَدِينَةَ فَلَقِيَنِي خَالِي فَسَأَلَنِي عنِ البَعِيرِ فأخْبَوْتُهُ بِمَا صَنَعْتُ فِيهِ فَلاَمَنِي قال وقَدْ كانَ
رسولُ اللهِ عَ لَّلِ قال لي حِينَ اسْتَأْذَنْتُهُ هَلْ تَزَوَّجْتَ بِكْراً أَمْ ثَيَِّاً فقُلْتُ تَزَوَّمْتُ ثَيِّباً فَقال هَلَأَّ
تَزَوَّجْتَ بِكْرَاً تُلاعِثُهَا وتُلاِبُكَ قُلْتُ يا رسولَ الله تُؤُفِّيَ والِدِي أوِ اسْتُشْهِدَ ولِي أَخَوَاتٌ
صِغَارٌ فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَزَوَّجَ مِثْلَهُنَّ فِلاَ تُؤَدِّبُهُنَّ ولاَ تَقُومُ عَلَيْهِنَّ فَتَزَوَّجْتُ ثَيِّباً لِتَقُومَ عَلَيْهِنَّ
وتُؤَدِّبُهُنَّ قال فَلَمَّا قَدِمَ رسولُ اللهِ عَ ◌ّلَّهِ المَدِينَةَ غَدَوْتُ عَلَيْهِ بِالبَعِيرِ فَأعْطَانِي ثَمَنَهُ ورَدَّهُ عَلَيَّ.
[انظر الحديث ٤٤٣ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((إني عروس فاستأذنته فأذن لي))، وإسحاق بن إبراهيم
المعروف بابن راهويه، وجرير هو ابن عبد الحميد، والمغيرة هو مقسم الضبي أحد فقهاء
الكوفة، والشعبي هو عامر.
والحديث قد مر مطولاً ومختصراً في الاستقراض وفي الشروط، ومضى الكلام فيه
مستقصىّ.
قوله: ((ناضح)) أي: بعير يستقى عليه الماء. قوله: ((أعيى))، أي: تعب وعجز، وكذلك:
عيى، كلاهما بمعنى. قوله: ((فقار ظهره))، بكسر الفاء، وهي خرزات عظام الظهر، أي: على
أن لي الركوب عليه إلى المدينة. قوله: ((عروس))، يستوي فيه الرجل والمرأة. قوله: ((لامني))

٣١٩
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (١١٤)
أي: على بيع الناضح، إذ لم يكن له غيره. قوله: ((ورده)) أي: الجمل، فحصل له الثمن
والمثمن كلاهما.
قال المُغِيرَةُ هذَا في قَضائِنا حَسَنٌ لاَ نَرَى بِهِ بأساً
المغيرة هو المذكور في إسناد الحديث، وظاهره تعليق. قال بعضهم: هو موصول
بالإسناد المذكور إلى المغيرة، وفيه نظر لا يخفى. قوله: هذا، أي: البيع بمثل هذا الشرط
حسن في حكمنا به لا بأس بمثله، لأنه أمر معلوم لا خداع فيه ولا موجب للنزاع. وقال
الداودي: مراده جواز زيادة الغريم على حقه تأسياً برسول الله، عَّله، ورد عليه ابن التين: بأنه
لم يذكر فيه أنه عَ لِّ قضاه وزاده.
١١٤ - بابُ مَنْ غَزَا وَهُوَ حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسِهِ
أي: هذا باب في ذكر من غزا، والحال أنه حديث عهد بعرسه، بكسر العين أي:
بزوجته، ويجوز ضم العين أي: بزمان عرسه، وفي رواية الكشميهني: بعرس، بلا ضمير.
فِيهِ جَابِرٌ عَنِ النَّبِيِّ عَلّ.
أي: في هذا الباب حديث جابر، وأراد به الحديث المذكور فيما قبله، واكتفى بذكر
هذا المقدار لتكرر هذا الحديث.
١١٥ - بابُ مَنِ اخْتَارَ الغَزْوَ بَعْدَ الْبِنَاءِ
أي: هذا باب في بيان أمر من اختار الغزو بعد بنائه بزوجته، أي: بعد دخوله عليها،
كيف يكون حكمه؟ هل يمنع؟ كما دل عليه حديث أبي هريرة، أو لا يمنع؟ والحديث يدل
على الأولوية، ويأتي حديث أبي هريرة الآن، واعترض الداودي على هذه الترجمة فقال: لو
قال: باب من اختار البناء قبل الغزو، وكان أبين فإنما الحديث فيه، أي: في حديث أبي هريرة
أنه اختار البناء قبل الغزو، ورد عليه أن الترجمة متضمنة معنى الاستفهام كما ذكرناه، وفيه
يظهر الرد عليه أنه اختار البناء قبل الغزو، وسنذكر في النكاح: باب من أحب البناء بعد الغزو.
فِيهِ أَبُو هُرَيْرَةَ عنِ النَّبِيِّ عَ لَّه
أي: في هذا الباب المترجم حديث أبي هريرة، وهو الذي أورده في الخمس من
طريق همام عنه، قال: غزا نبي من الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، فقال: لا يتبعني رجل
ملك بضع امرأة، وهو يريد أن يبني بها، وقال الكرماني: إنما لم يذكر الحديث واكتفى
بالإشارة إليه لأنه لعله لم يكن بشرطه، فأراد التنبيه عليه، ورد عليه بأنه لم يستحضر أنه أورده
موصولاً في مكان آخر، على ما سيأتي، إن شاء الله تعالى، قريباً.
١١٦ - بابُ مُبَادَرَةِ الإِمَامِ عِنْدَ الفَزَعِ
أي: هذا باب في بيان ما جاء من مبادرة الإمام، أي: مسارعته بالركوب عند وقوع

٣٢٠
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (١١٧)
الفزع، والفزع في الأصل الخوف، فوضع موضع الإغاثة والنصر، لأن من شأنه الإغاثة والدفع
عن الحريم مراقب حذر، قال ابن الأثير: ومنه حديث: لقد فزع أهل المدينة ليلاً فركب فرساً
لأبي طلحة، إن استغاثوا يقال: فزعت إليه فأفزعني، أي: استغثت إليه فأغاثني، وأفزعته إذا
أغثته، وإذا خوفته.
٢٩٦٨/١٧٢ _ حدَّثنا مُسَدَّدٌ قال حدَّثنا يَحْتِى عَنْ شُعْبَةَ قال حدَّثني قَتَادَةُ عنْ أَنَسٍ
ابنِ مالِكِ رضي الله تعالى عنه قال كانَ بالمَدِينَةِ فَزَعْ فَرَكِبَ رسولُ الله عَلَّه فِرَساً لأبي
طَلْحَةَ فقال ما رأيْنَا مِنْ شَيءٍ وإنْ وَجَدْناهُ لَبَحْرَاً. [انظر الحديث ٢٦٢٧ وأطرافه].
مطابقته للترجمة تؤخذ من معنى الحديث. ويحيى هو ابن سعيد القطان، وقد مضى
هذا الحديث مراراً في الهبة وفي الجهاد فيما مضى في موضعين، وسيأتي في الأدب عن
مسدد عن يحيى أيضاً. قوله: ((فرساً لأبي طلحة))، اسم الفرس، مندوب، واسم أبي طلحة:
زيد بن سهل الأنصاري، زوج أم أنس بن مالك، رضي الله تعالى عنهما. قوله: ((من شيء)،
أي: مما يوجب الفزع. قوله: ((وإن وجدناه))، أي: الفرس وكلمة: إن، مخففة من المثقلة،
واللام في: لبحراً، للتأكید.
١١٧ - بابُ السُّرْعَةِ والرّكْضِ في الفَزَعِ
أي: هذا باب في بيان ما جاء من سرعة الإمام والمبادرة إلى الركوب عند وقوع
الفزع.
١٧٣/ ٢٩٦٩ _ حدَّثنا الفَضْلُ بنُ سَهْلٍ قال حدَّثنا محُسَيْنُ بنُ مُحَمَّدٍ قال حدَّثنَا جَرِيرُ
ابنُّ حازِمٍ عنْ مُحَمَّدٍ عنْ أَنَسٍ بنِ مالِكِ رضي الله تعالى عنهُ قال فَزِعَ النَّاسُ فرَكِبَ رسولُ
الله عَلَلِّ فَرَساً لأبِي طَلْحَةَ بَطِيئًاً ثُمَّ خَرَجَ يَرْكُضُ وخدَهُ فَرَكِبَ النَّاسُ يَرْكُضُونَ خَلْفَهُ فقال
لَمْ تُرَاعُوا إِنَّهُ لَبَخْرٌ فَما سُبِقَ بَعْدَ ذَلِكَ اليَوْمِ. [انظر الحديث ٢٦٢٧ وأطرافه].
هذا وجه آخر في حديث أنس المذكور، أخرجه عن الفضل بن سهل الأعرج البغدادي
عن حسين بن محمد بن بهرام التميمي المعلم عن جرير، بفتح الجيم: ابن حازم، بالحاء
المهملة ابن زيد بن النضر الأزدي البصري عن محمد بن سيرين عن أنس، رضي الله تعالى
عنه. قوله: ((ثم خرج))، أي: من المدينة. قوله: ((يركض))، حال. قوله: ((وحده))، أي: بدون
رفيق. قوله: ((لم تراعوا))، أي: لا تراعوا، و: لم، بمعنى: لا. قوله: ((إنه))، أي: إن الفرس
المذكور: لبحر، شبهه بالبحر في سرعة الجري. قوله: قال: أي: قال أنس، فما سبق هذا
الفرس، وهو على صيغة المجهول.
١١٨ - بابُ الخُرُوجِ في الفَزَعِ وخدَهُ
أي: هذا باب فيما جاء من خروج الإمام في وقوع الفزع وحده منفرداً، ثبتت هذه
الترجمة بغير حديث، قال الكرماني: فإن قلت: ما فائدة هذه الترجمة حيث لم يأت فيها