النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (٨١)
سفيان وعن محمد بن المثنى عن يحيى وعن إسحاق بن إبراهيم به مختصراً. وأخرجه ابن
ماجه في السنة عن بندار عن غندر به. قوله: ((يفدي))، مضارع فدا، إذا قال له: جعلت فداك،
وكذا فداه بنفسه، وقال الجوهري: الفداء إذا كسر أوله يمد ويقصر وإذا فتح فهو مقصور
يقال: قم فدى لك أبي. قوله: ((بعد سعد)) أي: سعد بن أبي وقاص أحد العشرة المبشرة،
وقال الخطابي: التفدية من رسول الله، عَّمِ دعاء، وأدعيته خليق أن تكون مستجابة، وادعى
المهلب أن هذا مما خص به سعد، وليس كذلك، ففي (الصحيحين)، أنه فدى الزبير بذلك،
ولعل علياً، رضي الله تعالى عنه لم يسمعه، وقال النووي: وقد جمعهما لغيرهما، أيضاً،
والتفدية بذلك جائزة عند الجمهور، وكرهه عمر بن الخطاب والحسن البصري، وكرهه
بعضهم في التفدية بالمسلم من أبويه، والصحيح الجواز مطلقاً، لأنه ليس فيه حقيقة فداء،
وإنما هو بر ولطف وإعلام بمحبته له، وقد وردت الأحاديث الصحيحة بالتفدية مطلقاً.
فإن قلت: روى أبو سلمة عن ابن المبارك عن الحسن: دخل الزبير، رضي الله تعالى
عنه، على رسول الله، عَّه وهو شاك، فقال: كيف تجدك جعلني الله فداك؟ فقال عَّةٍ: ما
تركت أعرابيتك بعد، وقال الحسن: لا ينبغي أن يفدي أحد أحداً، ورواه المنكدر عن أبيه
محمد بن المنكدر، قال: دخل الزبير ... فذكره. قلت: هذا غير صحيح لأن الأول مرسل
والثاني ضعيف، وقال الطبري، هذه أخبار واهية، لأن مراسيل الحسن أكثرها صحف غير
سماع، وإذا وصل الأخبار فأكثر روايته عن مجاهيل لا يعرفون، والمنكدر بن محمد بن
المنكدر عند أهل النقل لا يعتمد على نقله، وعلى تقدير الصحة ليس فيه النهي عن ذلك،
والمعروف من قول القائل إذا قال: فلان لم ترك أعرابيته، أنه نسبه إلى الجفاء لا إلى فعل ما
لا يجوز، وأعلمه أن غيره من القول والتحية ألطف وأرق منه دعاء.
قوله: ((فداك أبي وأمي)) أي: مفدى لك أبي وأمي: فقوله: أبي، مبتدأ، وأمي عطف
عليه، و: فداك، خبره مقدماً، وقد يوهم هذا القول أن فيه إزراء بحق الوالدين، وإنما جاز ذلك
لأنهما ماتا كافرين، وسعد مسلم ينصر الدين ويقاتل الكفار، فتفديته بكل كافر غير محذور،
قاله الخطابي. قلت: القول بأنهما ماتا كافرين غير جيد، لما قيل: إن الله أحياهما لأجله،
عَّةٍ، بل الوجه في هذا أن هذا القول بالتفدية لأجل إظهار البر والمحبة، كما ذكرناه،
وللأبوة حرمة كيف كانت، وعن مالك: من آذى مسلماً في أبويه الكافرين عوقب وأدب
لحرمتهما عليه.
٨١ - بابُ الدَّرَقِ
أي: هذا باب في بيان مشروعية اتخاذ الدرق، وهو جمع: درقه، وهي الحجفة،
ويقال: هو الترس الذي يتخذ من الجلود.
٢٩٠٦/١٨ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قال حدَّثني ابنُ وَهْبٍ قال عَمْرٌو حذَّثني أبُو الأسْوَدِ
عنْ عُزوَةَ عنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها دَخَلَ عَلَيَّ رسولُ الله، عَِّ وعِنْدِي جارِيَتَانِ

٢٦٢
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (٨٢)
تُغْنِّيَانِ بِغِنَاءِ بُعاثَ فاضْطَجَعَ عَلى الفِرَاشِ وحَوَّلَ وجْهَهُ فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فانْتَهَرَنِي وقال مِزْمَارَةُ
الشَّيْطَانِ عِنْدَ رسولِ اللهِ، عَّلْ فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ رسولُ اللهِ، عَلَلِ فَقال دَعْهُمَا فَلَمَّا غَفَلَ غَمَرْتُهُمَا
فَخَرَجَتَا. [انظر الحديث ٩٤٩ وأطرافه].
٢٩٠٧ - قالَتْ وكانَ يَوْمَ عِيدٍ يَلْعَبُ السُّودَانُ بالدَّرَقِ والحِرَابِ فإمَّا سَأَلْتُ رَسولَ
الله عَ لَّهِ وإِمَّا قالَ تَشْتَهِينَ تَنْظُرِينَ فَقالَتْ نَعَمْ فَأَقَامَنِي ورَاءَهُ عَلَى خَدِّهِ ويَقُولُ دُونَكُمْ بَني
أَرْفِدَةَ حَتَّى مَلِلْتُ قال حَسْبُكِ قُلْتُ نعَمْ قال فاذْهَبِي. [انظر الحديث ٤٥٤ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((بالدرق)). وإسماعيل هو ابن أبي أويس، وابن وهب هو
عبد الله بن وهب المصري، وعمرو هو ابن الحارث المصري، وأبو الأسود محمد بن عبد
الرحمن بن نوفل المدني، يتيمُ عروة، وكان أبوه أوصى به إلى عروة بن الزبير، فقيل له: يتيم
عروة، لذلك. وهذا الحديث بعينه مضى في أبواب العيدين في: باب الحراب والدرق يوم
العيد، ومضى الكلام فيه هناك، و: الغناء، بالكسر والمد، و: بعاث، بضم الباء الموحدة
وتخفيف العين المهملة وبالثاء المثلثة غير منصرف: يوم حرب كان بين الأوس والخزرج
بالمدينة، وكان كل واحد من الفريقين ينشد الشعر ويذكر مفاخر نفسه، و: المزمار، بالهاء
والمشهور بدونه. قوله: ((فلما عمل)) أي: اشتغل بعمل قوله: تنظرين، ويروى: تنظري، وذلك
جائز. قوله: ((دونكم))" كلمة الإغراء. قوله: ((بني أرفدة)) أي: يا بني أرفدة، وأرفدة، بفتح
الفاء وكسرها لقب لجنس من الحبش يرقصون، وقيل: أرفدة اسم أبيهم الأقدم، وقال ابن
بطال: نسبة إلى جدهم وكان يسمى أرفدة.
قال أبُو عَبْدِ اللهِ قال أحْمَدُ عنِ ابنِ وهْبٍ فَلَمَّا غفَلَ
أبو عبد الله هو البخاري نفسه، وأحمد هو ابن أبي صالح المصري، يعني روى بلفظ
غفل من الغفلة.
٨٢ - بابُ الْحَمَائِلِ وتَعْلِيقِ السَّيْفِ بالْعُثُقِ
أي: هذا باب في بيان حمائل السيف، وهي جمع حمالة بالكسر، وهي علاقة مثل
السيف المحمل، هذا قول الخليل، وقال الأصمعي: حمائل من السيف لا واحد لها من
لفظها، وإنما واحدها: محمل، وقال بعضهم: الحمائل جمع حميلة، قلت: هذا ليس بصحيح،
والحميلة ما حمله السيل من الغثاء. وقوله: ((تعليق السيف))، أي: وفي جواز تعليق السيف
بالعنق.
١١٩ / ٢٩٠٨ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ قال حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ ثابتٍ عنْ أَنَسٍ
رضي الله تعالى عنه قال كانَ النَّبِيُّ عَُّلَّهِ أَحْسَنَ النَّاسِ وأَشْجَعَ النَّاسِ ولَقَدْ فَزِعَ أهْلُ المَدِينَةِ
لَيْلَةً فَخَرَجُوا نَحْوَ الصَّوْتِ فاسْتَقْبَلَهُمُ النَّبِيُّ عَ لَّهِ وَقَدِ اسْتَبْرَأْ الخَيْرَ وَهْوَ عَلَى فَرَسٍ لأَبِي
طَلْحَةَ عُزُيٍ وفي عُنُقِهِ السَّيْفُ وهُوَ يَقُولُ لَمْ تُرَاعُوا لَمْ تُرَاعُوا ثُمَّ قال وَجَدْنَاهُ بَحْرَاً أَوْ قال

٢٦٣
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيِّرِ / باب (٨٣)
إِنَّهُ لَبَحْرٌ. [انظر الحديث ٢٦٢٧ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((وفي عنقه السيف)) فإن قلت: ليس فيه ذكر الحمائل.
قلت: الحمائل من جملة السيف، وذكر السيف يدل عليه. والحديث مر عن قريب في: باب
ركوب الفرس العري، وفي: باب الشجاعة في الحرب، وفي غيرهما ومر الكلام فيه.
قوله: ((وقد استبرأ)) أي: حقق الخبر قوله: لم تراعوا، وقع في رواية الحموي
والكشميهني مرتين، ومعناه: لا تخافوا والعرب تتكلم بهذه الكلمة واضعة كلمة: لم، موضع
كلمة: لا. قوله: ((وجدناه بحراً) أي: وجدنا هذا الفرس واسع الجري كماء البحر كأنه يسبح
في جريه كما يسبح ماء البحر إذا ركب بعض أمواجه بعضاً. قوله: ((أو قال))، شك من الراوي
أي: أو قال النبي عَّله: إنه لبحر، وهذا أبلغ من الأول في وصفه بالجري القوي.
٨٣ _ بابُ ما جاءَ في حِلْيَةِ السُّيُوفِ
أي: هذا باب في بيان ما جاء في حلية السيوف من الجواز وعدمه والحلية والحلي
اسم لكل ما يتزين به من مصاغ الذهب والفضة، وجمع الحلية: حلى مثل لحية ولُحى
وجمع الحلى: محلي، بالضم والكسر، وتطلق الحلية على الصفة أيضاً.
٢٩٠٩/١٢٠ - حدّثنا أحمَدُ بنُ مُحَمَّدٍ قال أخْبَرَنَا عبْدُ اللهِ قال أخبرَنا الأوْزَاعِيُّ قال
سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بنَ حَبِيبٍ قال سَمِعْتُ أبا أمَامَةَ يَقُولُ لَقَدْ فَتَحَ الفُتُوحَ قَوْمٌ ما كانَتْ حِلْيَةٌ
سُوفِهِمْ الذَّهَبِ ولاَ الفِضَّةَ إِنَّمَا كانَتْ حِلْيتُهُم العَلَبِيَّ والآنُكَ والحَدِيدَ.
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: أحمد بن محمد بن موسى أبو العباس، يقال له
مردويه المروزي. الثاني: عبد الله بن المبارك المروزي. الثالث: عبد الرحمن بن عمرو
الأوزاعي. الرابع: سليمان بن حبيب المحاربي، قاضي دمشق في زمن عمر بن عبد العزيز،
رضي الله تعالى عنه. الخامس: أبو أسامة، صديّ، بضم المهملة الأولى وفتح الثانية وتشديد
الياء آخر الحروف: ابن عجلان الباهلي الصحابي.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد. وفيه: الإخبار
كذلك في موضعين. وفيه: السماع في موضعين. وفيه: القول في موضعين. وفيه: أن سليمان
المذكور ليس له في البخاري إلّ هذا الحديث الواحد.
والحديث أخرجه ابن ماجه في الجهاد عن عبد الرحمن بن إبراهيم بن دحيم.
ذكر معناه: قوله: ((العلابي))، بفتح العين المهملة وتخفيف اللام وكسر الباء الموحدة،
قال الأوزاعي: العلابي الجلود التي ليست بمدبوغة، وقيل: هو العصب يؤخذ رطبه فيشد به
جفوف السيوف يلوى عليها فيجف، وكذلك يلوى رطبه على ما يتصدع من الرماح، وقال
الخطابي: هي عصب العنق، وهو أمتن ما يكون من عصب البعير. ويقال: هو جمع علباء.

٢٦٤
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (٨٤)
وفي (المنتهى) لأبي المعاني: العلباء العصبة الصفراء في عنق البعير، وهما علباوان بينهما
منبت العرق، وإن شئت قلت: علباءان لأنها همزة ملحقة، وإن شئت شبهتها بالتأنيث الذي
في حمراء وبالأصلية في كساء، والجمع: العلابي، وقال بعضهم: وزعم الداودي أن العلابي
ضرب من الرصاص فأخطأ، وكأنه لما رآه قرن بالأنك ظنه ضرباً منه. انتهى.
قلت: ما أخطأ إلاَّ من خطأه، وقد ذكر في (المنتهى): أن العلابي أيضاً جنس من
الرصاص، وقال الجوهري: هو الرصاص أو جنس منه، وغاية ما في الباب أن القزاز لما ذكر
قول من قال: العلابي ضرب من الرصاص، قال: هذا ليس بمعروف، وكونه غير معروف عنده
لا يستلزم خطأ من قال: إنه ضرب من الرصاص. قوله: ((والأنك))، بالمد وضم النون بعدها
كاف: وهو الرصاص، وهو واحد لا جمع له، وقيل: هو من شاذ كلام العرب أن يكون واحد
زنته أفعل. وقال في (الواعي): هو الأسرب: يعني القصدير، وفي (المغيث): جعله بعضهم
الخالص منه، وقيل: الآنك اسم جنس، والقطعة منه: آنكة، وقيل: يحتمل أن يكون الآنك
فاعلاً، وليس بأفعل، ويكون أيضاً شاذاً. وذكر كراع أنه الرصاص القلعي، وهو بفتح الَّلام
منسوب إلى القلعة، اسم موضع بالبادية ينسب ذلك إليه، وينسب إليه السيوف أيضاً، فيقال:
سيوف قلعية، وكأنه معدن يوجد فيه الحديد والرصاص. وقال المهلب: إن الحلية المباحة
من الذهب والفضة في السيوف إنما كانت ليرهب بها على العدو فاستغنى الصحابة بشدتهم
على العدو، وبقلتهم وقوتهم في إيمانهم في الإيقاع بهم والنكاية لهم.
٨٤ - بابُ مَنْ عَلَّقَ سَيْفَهُ بِالشَّجَرِ في السَّفَرِ عِنْدَ القَائِلَةِ
أي: هذا باب في ذكر ما علق سيفه ... إلى آخره، والقائلة: الظهيرة، وقد يكون بمعنى
النوم في الظهيرة.
١٢١/ ٢٩١٠ - حدَّثنا أبو اليَمَانِ قال أخبرَنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قال حدَّثنِي سِنانُ بنُ
أبِي سِنانِ الدُّؤَلِيُّ وأبو سَلَمَةَ بنُ عبدِ الرَّحْمنِ أنَّ جابِرَ بنَ عَبْدِ اللهِ رضي الله تعالى عنهُما
قال أخبرَ أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ الله عَلِ قِبَلَ نَجْدٍ فَلَمَّا قَفَلَ رسولُ اللهِ، عَّ ◌ُلِّ قَفَلَ معَهُ
فأدرَكَتْهُمْ القَائِلَةُ في وادٍ كَثِيرِ الغضَاهِ فَتَزَلَ رَسولُ اللهِ عَ لِ وتَفَرَّقَ النَّاسُ يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ
فَزَّلَ رسولُ الله عَ لَّلِ تَحْتَ سَمُرَةٍ وَعَلَّقَ بِهَا سَيْفَهُ ونِمْنَا نَوْمَةً فإِذَا رسولُ الله عَلِّ يَدْعُونَا وإذَا
عِنْدَهُ أَعْرَابِيٌّ فقال إنَّ هَذَا اخْتَرَطَ عَلَيَّ سَيْفِي وأنَّا نَائِمٌ فَاسْتَيْقَظْتُ وَهْوَ فِي يَدِهِ صَلْتاً فقال
مِنْ يَمْتَعُكَ مِنِّي فَقُلْتُ الله ثلاثاً ولَمْ يُعَاقِئْهُ وجَلَسَ. [الحديث ٢٩١٠ - أطرافه في: ٢٩١٣،
٤١٣٤، ٤١٣٥، ٤١٣٦].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فنزل تحت سمرة وعلق بها سيفه)) وفائدة هذه الترجمة
بيان شجاعة النبي عَ ◌ٍّ وحسن توكله بالله وصدق يقينه وإظهار معجزته وبيان عفوه وصفحه
عمن يقصده بسوء.
وأبو اليمان: هو الحكم بن نافع، وشعيب ابن أبي حمزة، والزهري هو محمد بن

٢٦٥
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (٨٤)
مسلم، وسنان: بكسر السين المهملة وتخفيف النون: ابن سنان، واسمه: يزيد بن أبي أمية
الدؤلي، بضم الدال وفتح الهمزة: نسبة إلى الدئل من كنانة، ويقال: الدؤلي، بضم الدال
وسكون الواو، وهو في قبائل في ربيعة وفي الأزد وفي الرباب، وقال الأخفش، فيما حكاه أبو
حاتم السختياني: جاء حرف واحد شاذ على وزن: فعل، وهو: الدئل، بضم الدال وكسر
الهمزة، وهو دويبة صغيرة تشبه ابن عرس، وقال سيبويه: ليس في كلام العرب في الأسماء
ولا في الصفات بنية على وزن: فعل، وإنما ذلك من بنية الفعل.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في المغازي عن أبي
اليمان أيضاً، وعن موسى بن إسماعيل وعن إسماعيل بن أبي أويس. وأخرجه مسلم في
فضائل النبي عَ لِّ عن محمد بن جعفر الوركاني وعن أبي بكر محمد بن إسحاق وعبد الله
ابن عبد الرحمن الدارمي. وأخرجه النسائي في السير عن محمد بن إسماعيل وعن عمرو بن
منصور عن أبي اليمان، هذا في ترجمة سنان.
وفي ترجمة أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أخرجه البخاري أيضاً في الجهاد
وفي المغازي عن محمود عن عبد الرزاق. وأخرجه مسلم أيضاً في فضائل النبي عَ له، عن
عبد بن حميد وعن أبي بكر بن أبي شيبة.
ذكر معناه: قوله: ((غزا مع رسول الله، عَ لّ قبل نجد))، بكسر القاف وفتح الباء
الموحدة أي: ناحية نجد، وهي ما بين الحجاز إلى الشام إلى العذيب، فالطائف من نجد
والمدينة من نجد وأرض اليمامة والبحرين إلى عمان العروض. وقال ابن دريد: نجد بلد
للعرب، وعند الإسماعيلي: قبل أحد، وذكر ابن إسحاق أن ذلك كان في غزوته إلى غطفان
لثنتي عشرة مضت من صفر، وقيل: في ربيع الأول سنة اثنتين، وهي غزوة ذي أمر، بفتح
الهمزة والميم، وهو موضع من ديار غطفان، وسماها الواقدي: غزوة أنمار، ويقال: كان ذلك
في غزوة ذات الرقاع. قوله: ((فلما قفل))، أي: رجع. قوله: ((القائلة))، مر تفسيرها عن قريب.
قوله: ((العضاه))، بكسر العين على وزن: شياه، قال ابن الأثير: العضاه شجر أم غيلان، وكل
شجر عظيم له شوك، الواحدة عضة بالتاء وأصلها: عضهة، وقيل: واحدتها عضاهة. قوله:
((تحت سمرة))، السمرة، بفتح السين المهملة وضم الميم: واحدة السمر، وهو من شجر
الطلح، وروى ابن أبي شيبة من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة، قال: كنا إذا نزلنا طلبنا
النبي عَّلِ أعظم الشجر، قال: فنزلنا تحت سمرة، فجاء رجل وأخذ سيفه، وقال: يا محمد
من يعصمك مني؟ فأنزل الله عز وجل ﴿والله يعصمك من الناس﴾ [المائدة: ٦٧]. قوله:
((وإذا عنده أعرابي)) واسمه: غورث، بفتح الغين المعجمة وسكون الواو وفتح الراء وبالثاء
المثلثة: ابن الحارث، وسماه الخطيب: غورك، بالكاف موضع الثاء، وقال الخطابي: غويرث
بالتصغير، وذكر عياض أنه مضبوط عند بعض رواة البخاري بعين مهملة، قال: وصوابه
المعجمة، قال الجيلاني: هو فوعل من الغوث وهو الجوع، وقال ابن إسحاق: لما نزل رسول
الله، عَّلِ تحت شجرة نزع ثوبيه ونشرهما على الشجرة ليجفا من مطر أصابه، واضطجع

٢٦٦
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيَّرِ / باب (٨٥)
تحتها، فقال الكفار لدعثور، وكان سيدهم وكان شجاعاً: قد انفرد محمد فعليك به، فأقبل
ومعه صارم حتى قام على رأسه فقال: من يمنعك مني؟ فقال عَّلهم: فدفع جبريل، عليه الصلاة
صَّى الله وقال: من يمنعك أنت مني اليوم؟
والسلام، في صدره فوقع السيف من يده، فأخذه النبى .
قال: لا أحد، فقال: قم فاذهب لشأنك، فلما ولى قال: أنت خير مني، فقال عَّله: أنا أحق
بذلك منك، ثم أسلم بعد. وفي لفظ، قال: وأنا أشهد أن لا إله إلاَّ الله وأنك رسول الله، ثم
أتى قومه فدعاهم إلى الإسلام.
وفي رواية البيهقي: فسقط السيف من يد الأعرابي، فأخذه رسول الله، عَّهِ وقال: من
يمنعك مني؟ قال: كن خير آخذ. قال: فتسلم؟ قال: لا، ولكن أعاهدك على أن لا أقاتلك ولا
أكون مع قوم يقاتلونك، فخلَّى سبيله، فأتى أصحابه فقال: جئتكم من عند خير الناس. قوله:
((اخترط))، أي: سل، وأصله من خرطت العود أخرطه وأخرطه خرطاً، قوله: ((صلتا)) روي
بالنصب وبالرفع. فوجه النصب أن يكون على الحال، أي: مصلتاً ووجه الرفع على أنه خبر
المبتدأ، وهو قوله: سيف، وفي يده، متعلق به، وفي (التوضيح): المشهور فتح لام: صلت،
وذكر القعنبي أنها تكسر في لغة، وقال ابن عديس: ضربه بالسيف صلتاً وصلتا بالفتح والضم،
أي مجرداً، يقال: سيف صلت ومنصلت وأصلت: متجرد ماضٍ، قوله: ((فقال: من يمنعك
مني؟) استفهام يتضمن النفي، كأنه قال: لا مانع لك مني. قوله: ((الله)، أي: يمنعك الله، قاله
ثلاث مرات، فلم يبالٍ، عَّه، بقوله ولا عرج عليه ثقة بالله وتوكلاً عليه، فلما شاهد هذا
الرجل تلك القوة التي فارق بها عادة الناس في مثل تلك الحالة، تحقق صدقه، وعلم أنه لا
يصل إليه بضرر، وهذا من أعظم الخوارق للعادة، فإنه عدو متمكن بيده سيف مشهور وموت
حاضر، ولا تغير له، عَِّ، بحال ولا حصل له روع ولا جزع، وهذا من أعظم الكرامات،
ومع اقتران التحدي يكون من أوضح المعجزات. قوله: ((ولم يعاقبه)) أي: ولم يعاقب النبيُّ
◌َّلِ الرجلَ المذكور. قوله: ((وجلس))، حال من المفعول.
وفي الحديث تفرق الناس عن الإمام في القائلة وطلبهم الظل والراحة، ولكن ليس
ذلك في غير رسول الله، عَّله إلاّ بعد أن يبقى معه من يحرسه من أصحابه، لأن الله تعالى قد
كان ضمن لنبيه عَ لّه بالعصمة. وفيه: أن حراسة الإمام في القائلة وفي الليل من الواجب على
الناس، وأن تضييعه من المنكر والخطأ. وفيه: جواز نوم المسافر إذا أمن، وأن المجاهد أيضاً
إذا أمن نام ووضع سلاحه، وإن خاف استوفز. وفيه: دعاء الإمام لأتباعه إذا أنكر شخصاً.
وفيه: ترك الإمام معاقبة من جفا عليه وتوعده، إن شاء، وإن أحب العفو عفا. وفيه: صبر سيدنا
رسول الله، علّم وصفحه عن الجهال.
٨٥ - بابُ لُبْس البيْضَةِ
أي: هذا باب في بيان مشروعية لبس البيضة، قال بعضهم: البيضة ما يلبس في الرأس
من آلات السلاح، قلت: من آلات السلاح: السيف والرمح وما يلبس في الرأس، والبيضة،

٢٦٧
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيرِ / باب (٨٦)
بفتح الباء الموحدة: هي الخودة، وهي معروفة.
١٢٢/ ٢٩١١ - حدّثنا عبْدُ اللهِ بنُ مَسْلَمَةَ قال حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ أبي حازِمٍ عنْ أَبِيهِ
عنْ سَهْلٍ رضي الله تعالى عنه أَنَّهُ سُئِلَ عنْ بجرح النَّبِيِّ عَّلِ يَوْمَ أَحَدٍ فَقال مجرِعَ وَجْهُ النَّبِيِّ
عَّهِ وكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ وهُشِمَتِ البَيْضَةُ عَلَى رَأَسِهِ فَكَانَتْ فاطِمَةُ عَلَيْهَا السَّلاَمُ تَغْسِلُ الدَّمَ
وعَلِيٌّ يُمْسِكُ فَلَمَّا رَأْتْ أنَّ الدَّمَ لاَ يَزِيدُ إلاَّ كَثْرَةً أَخَذَتْ حَصِيراً فأخْرَقَتْهُ حتَّى صارَ رَمادَاً ثُمَّ
أَلْزَقَتْهُ فَاسْتَمْسَكَ الدَّمُ. [انظر الحديث ٢٤٣ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((وهشمت البيضة على رأسه)) وأبو حازم سلمة بن دينار،
وسهل بن سعد، وقد مر الحديث عن قريب في: باب المجن، ومن يتترس بترس صاحبه،
وقد مر الكلام فيه هناك.
قوله: ((وهشمت))، من الهشم، وهو كسر الشيء اليابس، وقد أمر الله تعالى باتخاذ
آلات الحرب في قوله: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ... ﴾ [الأنفال: ٦٠]. الآية، فأخبر
أن السلاح هنا إرهاب للعدو.
وفيه: أيضاً تقوية لقلوب المؤمنين من أجل أن الله تعالى جبل القلوب على الضعف،
وإن كان السلاح لا يمنع المنية لكن فيه تقوية للقلوب، وأنس لمتخذيه، وأما لبس النبي عَ له
السلاح، وإن كان محفوظاً من عند الله، فلإرشاد أمته لتتقوى قلوبهم عند الحرب وغير ذلك.
٨٦ - بابُ منْ لَمْ يَرَ كَشْرَ السّلاَحِ عِنْدَ الْمَوْتِ
أي: هذا باب في ذكر من لم ير كسر السلاح عند موته، وأشار بهذه الترجمة إلى رد
ما كان عليه أهل الجاهلية من كسر السلاح وعقر الدواب إذا مات ملكهم أو رئيس من
أكابرهم، وربما يوصي أحدهم بذلك، فخالف الشارع فعلهم وترك سلاحه وبغلته وأرضاً جعلها
صدقة، قال الكرماني: فإن قلت: كسر السلاح إذا مات تضييع للمال، فما الحاجة إلى ذكره
لأن حرمته ظاهرة؟ قلت: ليس المراد من وضع الترجمة هذا الذي ذكره، وإنما المراد ما
ذكرناه الآن، وقوله: وحرمته ظاهرة، أي: عند المسلمين، وأهل الجاهلية ما كانوا يرون ذلك،
بل كانوا يوصون به، فوقعت هذه الترجمة رداً عليهم. وأما الجهال من المسلمين، وإن فعلوا
ذلك، فليسوا بمعتقدین حله. فافهم.
٢٩١٢/١٢٣ - حدّثنا عَمْرُو بنُ عَبَّاسٍ قال حدَّثنا عبْدُ الرَّحْمنِ عنْ سُفْيانَ عنْ أَبِي
إِسْحَاقَ عنْ عَمْرُو بِنِ الحَارِثِ قَال ما تَرَكَ النَّبِيُّ عَ لَّهِ إلَّ سِلاَحَهُ وبَغْلَةٌ بَيْضَاءَ وأَرْضاً جعَلَهَا
صَدَقةٌ. [انظر الحديث ٢٧٣٩ وأطرافه].
مطابقته للترجمة تؤخذ من الحديث، وهو أنه عَِّ خالف ما فعله أهل الجاهلية من
كسر سلاحهم وعقر دوابهم وترك ما ذكر في الحديث غير معهود فيه بشيء إلاَّ التصدق
بالأرض، وعمرو بن عباس أبو عثمان البصري من أفراد البخاري، وعبد الرحمن هو ابن مهدي

٢٦٨
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيرِ / باب (٨٧)
ابن حسان العنبري البصري، وسفيان هو الثوري، وأبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي
الكوفي، وعمرو بن الحارث بن المصطلق الخزاعي ختن رسول الله، عَ ل أخو جويرية بنت
الحارث. زوج النبي عَّه، وقد مر الحديث في كتاب الوصايا في: باب الوصايا، في أول
الكتاب، وقد مر الكلام فيه هناك.
٨٧ - بابُ تَفَرُّقِ النَّاسِ عنِ الإمَامِ عِنْدَ القَائِلَةِ والاسْتِظْلَاَلِ بِالشَّجَرِ
أي: هذا باب فى ذكر تفرق الناس عن الإمام.
١٢٤ / ٢٩١٣ - حدّثنا أبو اليَمانِ قال أخبرنا شُعيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قال حدَّثنا سِنانُ بنُ
أبِي سِنان وأبو سَلَمَةَ أنَّ جابِراً أخبرَهُ. ح وحدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قال حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ
سَعْدٍ قال أخبرنا ابنُ شِهابٍ عنُّ ◌ِنان بنِ أبِي سِنان الدُّؤَلِيّ أنَّ جَابِرَ بنَ عَبْدِ الله رضي الله
تعالى عنهُما أُخْبَرَهُ أَنَّهُ غَا مَعَ النَّبِيِّ عَِّ فَأدرَ كَتْهُمُ القَائِلَةُ في وادٍ كَثِيرِ العِضَاهِ يَسْتَظِلُّونَ
بالشّجَرِ فَنَزَلَ النَّبِيُّ عَّلِ تَحْتَ شَجَرَةٍ فَعَلَّقَ بِهَا سَيْفَهُ ثُمَّ نامَ فَاسْتَيْقَظَ وعِنْدَهُ رجل وهْوَ لاَ
يَشْعُرُ بِهِ فقال النِبِيُّ عَّ ◌َلَّهِ إِنَّ هذَا اخْتَرَطَ سَيْفِي فقال منْ يَمْنَعِكَ قُلْتُ اللّه فَشَامَ السَّيْفَ فَهَا
هُوَذَا جَالِسٌ ثُمَّ لَمْ يُعَاقِئُهُ. [انظر الحديث ٢٩١٠ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، والحديث مضى قبل هذا الباب ببابين، فإنه أخرجه هناك: عن
أبي اليمان الحكم بن نافع ... إلى آخره، وأخرجه هنا من طريقين الأول: عن أبي اليمان،
والثاني: عن موسى بن إسماعيل المنقري التبوذكي ... إلى آخره. قوله: ((فشام))، بالشين
المعجمة أي: غمد، ويجيء بمعنى: سل، فهو من الأضداد.
٨٨ - بابُ ما قِيلَ في الرِّمَاحِ
أي: هذا باب في بيان ما قيل في الرماح من فضله، وهو جمع: رمح.
ويُذْكَرُ عنِ ابْنِ عُمَرَ عنِ النَّبِيِّ عَ لَّ قال جُعِلَ رِزْقِي تَخْتَ ظِلِّ رُمْحِي وُجُعِلَ الذِّلَّةُ
والصَّغَارُ عَلَى مَنْ خالَفَ أمْرِي
هذا التعليق ذكره الإشبيلي في (الجمع بين الصحيحين) من أن الوليد بن مسلم رواه
عن الأوزاعي عن حسان بن عطية عن أبي منيب الجرشي عن ابن عمر. ومنيب، بضم الميم
وكسر النون وسكون الياء آخر الحروف ثم باء موحدة: الجرشي، بضم الجيم وفتح الراء
وبالشين المعجمة، ولا يعرف اسم لأبي منيب. وأخرجه أحمد في (مسنده) بأتم منه. قوله:
((جعل رزقي)) أي: من الغنيمة. قوله: ((والصغار)) بفتح الصاد والغين المعجمة: هو بذل
الجزية.
وفيه: فضل الرمح والإشارة إلى حل الغنائم لهذه الأمة، وإلى أن رزق النبي عَ لّه جعل
فيها لا في غيرها من المكاسب.
١٣٥/ ٢٩١٤ _ حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قال أخبرَنَا مالِكٌ عنْ أبِي النضْرِ مَوْلَى عُمَرَ

٢٦٩
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (٨٩)
ابنِ مُبَيْدِ الله عن نافِعِ مَوْلى أَبِي قَتَادَةَ الأنْصَارِيِّ عِنْ أَبِي قَتَادَةَ رضي الله تعالى عنه أَنَّهُ كانَ
مَعَ رسولِ الله عَّهِ حَتَّى إِذَا كانَ بِبَعْضِ طَرِيقِ مَكَّةَ تَخَلَّفَ مَعَ أصْحَابٍ لَهُ مُحْرِمِينَ وَهْوَ
غَيْرُ مُخرِمٍ فَرَأَى حِمَارَاً وخشِيَاً فاسْتَوَى على فَرَسِهِ فسألَ أَصْحَابَهُ أنْ يُنَاوِلُوهُ سَوْطَهُ فَأَبَوْا
فسَأَلَهُمْ رُمْحَهُ فَأَبُوا فأخَذَهُ ثُمَّ شَدَّ عَلَى الحِمَارِ فَقَتَلَهُ فَأُكَلَ مِنْهُ بَعْضُ أصْحَابِ النَّبِيِّ عَّهِ
وأَتَى بَعْضٌ فَلَمَّا أَدْرَكُوا رسولَ الله عَ لِّ سألُوهُ عنْ ذَلِكَ قَال ◌ََّا هِيَ مُعْمَةٌ أَطْعَمَكُمُوها الله.
[انظر الحديث ١٨٢١ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فسألهم رمحه)) وأبو النضر بالنون والضاد المعجمة، وأبو
قتادة الحارث بن ربعي، والحديث مضى في كتاب الحج في: باب لا يعين المحرم الحلال،
وعقيبه: باب لا يشير المحرم إلى الصيد، وقد مر الكلام فيه هناك مستوفىّ. قوله:
((محرمين))، صفة لقوله: أصحاب. قوله: ((وهو غير محرم)) جملة حالية.
وعنْ زَيْدِ بنِ أسْلَمَ عنْ عَطَاءِ بنِ يَسارٍ عِنْ أَبِي قَتَادَةَ في الجِمَارِ الوَخْشِيِّ مِثْل
حَدِيثِ أبِي النَّضْرِ قالَ هِلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ
أخرج البخاري هذا موصولاً في كتاب الذبائح في: باب ما جاء في الصيد، وقال:
حدثنا إسماعيل، قال: حدثني مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي قتادة مثله،
إلاَّ أنه قال: هل معكم منه شيء، وفي رواية: هل معكم من لحمه شيء.
٨٩ - بابُ ما قِيلَ في دِرْعِ النَّبِيِّ عَّهِ والْقَميصِ فِي الحَرْبِ
أي: هذا باب في بيان ما قيل في درع النبي عَّلّهِ من أي شيء كانت؟ وقال ابن
الأثير: الدرع الزردية، ويجمع على أدراع قوله: والقميص، أي: وفي بيان حكم القميص في
الحرب.
وقالَ النبيُّ عَُّلَّهِ أَمَّا خالِدٌ فَقَدِ اخْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ في سَبِيلِ الله
هذا قطعة من حديث أخرجه البخاري في كتاب الزكاة في: باب قول الله تعالى
﴿وفي الرقاب﴾ [البقرة: ١٧٧، والتوبة: ٦٠]. عن الأعرج عن عن أبي هريرة ومضى الكلام
فيه هناك.
١٢٦/ ٢٩١٥ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ الْمُثَنَى قال حدَّثنا عَبْدُ الوَهَّابِ قال حدَّثنا خالِدٌ عنْ
◌ِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما قال قال النَّبِيُّ عَّهِ وهْوَ فِي قُبَّةٍ أَللَّهُمَّ أَنْشُدُ
عَهْدَكَ ووَعْدَكَ اللَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ لَمْ تُعْبَدْ بَعْدَ اليَوْمِ فَأَخَذَ أَبُو بَكْرٍ بِيَدِهِ فقال حَسْبُكَ يا رسولَ
الله فقد ألْحَحْتَ عَلَى رَبِّكَ وهْوَ في الدِّرّعِ فَخَرَجَ وَهُوَ يَقُولُ ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ وَيُؤَلُّونَ الدُّبُرَ بَلٍ
السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ والسَّاعَةُ أَذْهَى وَأَمَرُ﴾ [القمر: ٤٥].
مطابقته للترجمة في قوله: ((وهو في الدرع)) وعبد الوهاب هو ابن عبد المجيد
الثقفي، وخالد هو الحذاء.

٢٧٠
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (٨٩)
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في المغازي وفي التفسير عن محمد بن عبد الله بن
حوشب وفي التفسير أيضاً عن إسحاق عن خالد وعن محمد بن عفان. وأخرجه النسائي في
التفسير عن بندار عن الثقفي به.
قوله: ((وهو في قبة))، جملة حالية، وفي (المغرب): القبة الخركاهة، وكذا كل بناء
مدور، والجمع: قباب، وقبة. وقال ابن الأثير: القبة من الخيام بيت صغير، وهو من بيوت
العرب. قوله: ((أنشدك))، أي: أطلبك، يقال: نشدتك الله، أي: سألتك بالله، كأنك ذكرته.
قوله: ((عهدك))، نحو قوله تعالى: ﴿ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين أنهم لهم
المنصورون وأن جندنا لهم الغالبون﴾ [الصافات: ١٧٣]. قوله: ((ووعدك))، نحو قوله تعالى:
﴿وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم﴾ [الأنفال: ٧]. ويروى: أن رسول الله، عَّهِ، نظر
إلى المشركين وهم ألف، وإلى أصحابه وهم ثلاثمائة، فاستقبل القبلة ومد يديه، وقال: ((أللهم
أنجز لي ما وعدتني، أللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض))، فما زال كذلك
حتى سقط رداؤه. فأخذه أبو بكر فألقاه على منكبيه والتزمه من ورائه، وقال: يا نبي الله!
كفاك مناشدة ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك. قوله: ((حسبك))، أي: يكفيك ما قلت.
قوله: ((ألححت))، أي: داومت الدعاء، يقال: ألح السحاب بالمطر: دام، ويقال: معناه
بالغت في الدعاء وأطلت فيه. وقال الخطابي: قد يشكل معنى هذا الحديث على كثير من
الناس، وذلك إذا رأوا نبي الله عَ ليه، يناشد ربه في استنجاز الوعد، وأبو بكر، رضي الله تعالى
عنه، يسكن منه فيتوهمون أن حال أبي بكر بالثقة بربه والطمأنينة إلى وعده أرفع من حاله،
وهذا لا يجوز قطعاً، فالمعنى في مناشدته عَ لَّه وإلحاحه في الدعاء الشفقة على قلوب
أصحابه وتقويتهم، إذ كان ذلك أول مشهد شهدوه في لقاء العدو، وكانوا في قلة من العَدد
والعُدد، فابتهل في الدعاء وألح ليسكن ذلك ما في نفوسهم إذا كانوا يعلمون أن وسيلته
مقبولة ودعوته مستجابة، فلما قال له أبو بكر مقالته، كف عن الدعاء إذا علم أنه استجيب له
بما وجده أبو بكر في نفسه من القوة والطمأنينة حتى قال له هذا القول، ويدل على صحة ما
تأولناه تمثله على أثر ذلك بقوله: ﴿سيهزم الجمع ويولون الدبر﴾ [القمر: ٤٥]. وفيه: تأنيس
من استبطأ كريم ما وعده الله به من النصر والبشرى لهم بهزم حزب الشيطان، وتذكيرهم بما
نبههم به من كتابه عز وجل، والمراد من: الجمع، جمع كفار مكة يوم بدر، فأخبر الله تعالى
أنهم سيهزمون ويولون الدبر أي: الأدبَار، فوحد والمراد الجمع. قوله: ﴿بل الساعة
موعدهم﴾ [القمر: ٤٦]، أي: موعد عذابهم. قوله: ﴿والساعة﴾ [القمر: ٤٦] أي: عذاب
يوم القيامة ﴿أدهى﴾ [القمر: ٤٦] أشد وأفظع، والداهية الأمر المنكر الذي لا يهتدى له قوله:
﴿وأمر﴾ [القمر: ٤٦]، أي: أعظم بلية وأشد مرارة من الهزيمة والقتل يوم بدر.
وقال وُهَيْبٌ حدَّثنا خالِدٌ يَوْمَ بَدْرٍ
وهيب هو ابن خالد بن عجلان أبو بكر البصري، وخالد هو الحذاء يعني: قال وهيب:

٢٧١
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (٨٩)
حدثنا خالد عن عكرمة عن ابن عباس أن الذي قاله كان يوم بدر، وهذا التعليق وصله
البخاري في تفسير سورة القمر، فقال: حدثني محمد حدثنا عفان ابن مسلم عن وهيب
حدثنا خالد عن عكرمة عن ابن عباس: أن رسول الله، عَّهِ قال، وهو في قبة يوم بدر ...
الحديث. فإن قلت: من المعلوم أن ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما، ولم يكن شهد هذا
ولا کان في حین من یدر که؟
قلت: رواه عمن شهد هذا، وأسقط الواسطة على عادته في أكثر رواياته، وقد رواه
مسلم من حديث سماك بن الوليد عن ابن عباس عن عمر، رضي الله تعالى عنهم، بزيادة
قوله: ﴿إِذ تستغيثون ربكم﴾ [الأنفال: ٩]. الآية، وروى البخاري أيضاً في سورة القمر،
وقال: حدثني إسحاق أخبرنا خالد عن عكرمة عن ابن عباس: أن النبي عَّ له، قال وهو في قبة
يوم بدر ... الحديث، فهذا البخاري روى الحديث المذكور. أولاً: عن محمد عن عفان.
وثانياً: عن إسحاق عن خالد، أما محمد فقد قال الجياني: كذا في روايتنا عن أبي محمد
الأصيلي، غير منسوب، وكذا في رواية أبي ذر وأبي نصر، قال: وسقط ذكره جملة من
نسخة أبي السكن، قال: ولعله الذهلي؟ قلت: هو محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن
فارس الذهلي أبو عبد الله النيسابوري الإمام، روى عنه البخاري في مواضع يدلسه، فتارة
يقول: حدثنا محمد ولم يزد عليه، وتارة ينسبه إلى جده، فيقول: حدثنا محمد بن عبد الله،
وأما إسحاق فهو: ابن شاهين، نص عليه غير واحد، وإن كان إسحاق روى أيضاً عن خالد
الطحان، لكن البخاري ما روى عنه في (صحيحه) وفي رواية البخاري: حدثنا خالد عن
خالد، فخالد الأول: هو الطحان، والثاني: هو الحذاء.
٢٩١٦/١٢٧ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قال أخبرنا سُفْيَانُ عنِ الأعْمَشِ عنْ إبْرَاهِيمَ
عنِ الأسْوَدِ عنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنهَا قَالَتْ تُؤُفِّيَ رسولُ اللهِ عَ لَّهِ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ
يَهُودِيّ بِثَلاثِينَ صاعاً مِنْ شَعِيرٍ. [انظر الحديث ٢٠٦٨ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((ودرعه)) وسفيان هو ابن عيينة، والأعمش هو سليمان،
وإبراهيم هو النخعي، والأسود هو ابن يزيد خال إبراهيم. والحديث قد مر في كتاب الرهن
في: باب من رهن درعه.
وقال يَعْلَی: حدّثنا الأغمشُ دِزعٌ مِنْ حَدِيدٍ
يعلى - على وزن يرضى - ابن عبيد بن أبي عبيد أبو يوسف الطنافسي الحنفي
الأيادي الكوفي، توفي بالكوفة يوم الأحد لخمس من شوال سنة تسع ومائتين، روى الحديث
المذكور عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة، وقد مر هذا التعليق موصولاً في:
باب الرهن في السلم.
وقال مُعَلَّى حدَّثنا عبدُ الوَاحِدِ قال حدَّثنا الأعمشُ وقال رَهَنَهُ دِرْعَاً مِنْ حَدِيدٍ
هذا تعليق آخر وصله البخاري في الاستقراض في أول الباب وقال: حدثنا معلى بن

٢٧٢
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادٍ والسيّرِ / باب (٩٠)
أسد حدثنا عبد الواحد ... الحديث إلى آخره.
١٢٨ / ٢٩١٧ _ حدَّثنا مُؤُسى بنُ إسْمَاعِيلَ قال حدَّثنا وُهَيْبٌ قال حدَّثنا ابنُ طاؤُسٍ
عنْ أَبِيهِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ عنِ النَّبِيِّ عَّهِ قال مَثَلُ البَخِيلِ والْمُتَصَدِّقِ مَثَلُ
رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا ◌ُبَُّانٍ مِنْ حَدِيدٍ قَدِ اضْطَرِّتْ أَيْدِيهُمَا إلى تَرَاقِيهِما فَكَلَّمَا هَمَّ الْمُتَصَدِّقُ
بِصَدَقَتِهِ اتَّسَعَتْ عَلَيْهِ حَتَّى تُعَفِّيَ أَثَرَهُ وَكُلَّمَا هَمَّ الْتَخِيلُ بالصَّدَقَّةِ انْقَبَضَتْ كلُّ حَلَقَةٍ إلى
صَاحِبَتِهَا وتَقَلَّصَتْ عَلَيْهِ وانْضَمَّتْ يَدَاهُ إلى تَرَاقِيهِ فَسَمِعَ النَّبِيَّ عَّهِ يَقُولُ فَيَجْتَهِدُ أنْ
يُوَسِّعَهَا فَلا تَتَسِعُ. [انظر الحديث ١٤٤٣ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((عليهما جبتان)) فإن كان جبتان بالباء الموحدة تثنية: جبة،
فهي تناسب القميص في الترجمة، وإن كان بالنون تثنية: جنة، فهي تناسب الدرع، وموسى
ابن إسماعيل المنقري، ووهيب ـ بالتصغير - ابن خالد، وابن طاوس عبد الله يروي عن أبيه.
والحديث مر في كتاب الزكاة في: باب مثل المتصدق والبخيل، رواه البخاري من
طريقين. الأول: عن موسى بن إسماعيل مختصراً. والثاني: عن أبي اليمان، بأتم منه، ومر
الكلام فيه هناك.
قوله: ((قد اضطرت إيديهما إلى تراقيهما))، أي: ألجئت أيديهما إلى تراقيهما، وهو
جمع: ترقوة، وهي العظم الكبير الذي بين ثغرة النحر والعاتق، وهما ترقوتان من الجانبين،
ووزنها: فعلوة، بالفتح وإنما ذكر التراقي لأنها عند الصدر وهو مسلك القلب، وهو يأمر المرء
وينهاه. قوله: ((تعفي))، أي: تمحو، وعفت الريح المنزل أي: درسته. قوله: ((وتقلصت))، أي:
انزوت وانضمت. قوله: ((فسمع النبي عَّ يقول))، أي: فسمع أبو هريرة النبي عَّه، قيل:
مجموع الحديث سمعه أبو هريرة من رسول الله، عَّله، فما وجه اختصاصه بالكلمة الأخيرة؟
وأجيب: بأن لفظ، يقول، يدل على الاستمرار والتكرار، فلعله، عَّه، كررها دون أخواتها.
٩٠ - بابُ الجُبَّةِ في السَّفَرِ والحزبِ
أي: هذا باب في بيان لبس الجبة في السفر والحرب، يعني في الغزاة، وهو من
عطف الخاص على العام. وفي (المطالع): الجبة ما قطع من الثياب مشمراً.
٢٩١٨/١٣٩ _ حدَّثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ قال حدَّثَنَا عبْدُ الوَاحِدِ قال حدَّثَنا الأعْمَشُ
عنْ أبِي الضُّحَى مُسْلِمٍ هُوَ ابنُ صُبَيْحِ قال حدَّثَنِي عنْ مَسْرُوق المُغِيرَةُ بنُ شُعْبَةً قال انْطَلَقَ
رسولُ اللهِ عَّلِ لِحَاجَتِهِ ثُمَّ أَقْبَلَ فَلَقِيتُهُ بِمَاءٍ وعَلَيْهِ بُبَّةٌ شَأْمِيَّةٌ فَمَضْمَضَ واسْتَنْشَقَ وَغَسَلَ وجْهَهُ
فَذَهَبَ يُخْرِجُ يَدَيْهِ مِنْ كُمَّيْهِ فَكَانا ضَيْقَيْنِ فَأُخْرَجَهُمَا مِنْ تَحْتِ فَغَسَلَهُمَا ومسَحَ بِرَأْسِهِ وعَلَى
خُفَّيْهِ. [انظر الحديث ١٨٢ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((وعليه جبة شامية)) وكان في السفر وكان في غزاة.
والحديث مضى في كتاب الصلاة في: باب الصلاة في الجبة الشامية، فإنه أخرجه

٢٧٣
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (٩١)
هناك: عن يحيى عن أبي معاوية عن الأعمش إلى آخره.
وفيه: جواز إخراج اليدين من تحت الثوب. وفيه: خدمة العالم في السفر.
٩١ - بابُ الحَرِيرِ في الحَرَبِ
أي: هذا باب في بيان جواز استعمال الحرير في الحرب، بالحاء المهملة، وزعم
بعضهم أنه بالجيم وفتح الراء، وليس لذلك وجه لأنه لا يبقى له مناسبة في أبواب الجهاد.
٢٩١٩/١٣٠ - حدّثنا أحْمَدُ بنُ المِقْدَامِ قال حدَّثنا خالِدٌ قال حدَّثنا سَعِيدٌ عنْ قَتَادَةَ
أَنَّ أَنَساً حدَّثَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ عَّهِ رَخَّصَ لِعَبْدِ الرَّحْمنِ بنِ عَوْفٍ والزُّبَيْرِ فِي قَمِيصٍ مِنْ حَرِيرٍ مِنْ
حِكّْةٍ كانَتْ بِهِمَا. [الحديث ٢٩١٩ - أطرافه في: ٢٩٢٠، ٢٩٢١، ٢٩٢٢، ٥٨٣٩].
قيل: ليس في الحديث لفظ الجرب، فلا مطابقة إلاَّ إذا كان قوله: في الجرب،
بالجيم، كما زعمه بعضهم. وأجيب: بأن ترخيصه عَّ لِ لعبد الرحمن والزبير في قميص من
حرير كان من حكة، وكان في الغزاة، ويشهد له بذلك حديث أنس الذي يأتي عقيب
الحديث المذكور، وصرح فيه بقوله: ورأيته عليهما في غزاة، ولهذا ترجم الترمذي أيضاً:
باب ما جاء في لبس الحرير في الحرب، ثم روى عن أنس أن عبد الرحمن بن عوف والزبير
ابن العوام شكيا القمل في غزاة لهما فرخص لهما في قميص الحرير، قال: ورأيته عليهما. قال
شيخنا زين الدين: كان الترمذي رأى تقييد ذلك بالحرب، وفهم ذلك من قوله: في غزاة
لهما. ومنهم من لا يرى الترخيص بوجود الحكة أو القمل إلا بقيد ذلك في السفر، كما في
رواية مسلم في السفر على ما يجيء، وقيل: التعليل ظاهر في ذكر الحكة والقمل، وأما كونه
في سفر أو في غزاة فليس فيه ما يقتضي ترجيح كون ذلك سبباً، وإنما ذكر فيه المكان الذي
رخص لهما فيه، ولا يلزم منه كون ذلك سبباً. قلت: بل هو سبب أيضاً، لأن فيه إرهاب
العدو كما أبيح الخيلاء فيه، فيجوز أن يكون كل واحد من السفر والغزو والحكة سبباً
مستقلاً. وقال ابن العربي: قد روى أن النبي عَِّ أرخص في كل واحد منها مفرداً، فإفرادها
في رواية اقتضى أن يكون كل وجه له حكم، وجمعها يوجب أن يكون ثلاث علل اجتمعت
فأثرت في الحكم على الاجتماع كما تقتضيه على الانفراد.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: أحمد بن المقدام أبو الأشعث العجلي البصري.
الثاني: خالد بن الحارث بن سليم الهجيمي، بضم الهاء وفتح الجيم، وقد مر في استقبال
القبلة. الثالث: سعيد بن أبي عروبة، وفي بعض النسخ: شعبة، موضع: سعيد. الرابع: قتادة.
الخامس: أنس بن مالك، رضي الله تعالى عنه.
وأخرجه مسلم في اللباس: حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء حدثنا أبو أسامة عن
سعيد بن أبي عروبة حدثنا قتادة أن أنس بن مالك أنبأهم: أن رسول الله، عَّهِ، رخص لعبد
الرحمن بن عوف والزبير بن العوام في قمص الحرير في السفر من حكة كانت بهما، أو وجع
كان بهما، وفي رواية له: فرخص لهما في قمص الحرير في غزاة لهما. وأخرجه أبو داود في
عمدة القاري/ ج١٤ م١٨

٢٧٤
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيِرِ / باب (٩١)
اللباس أيضاً عن النفيلي ولفظه: رخص رسول الله، عَّ لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن
العوام في قمص الحرير من حكة كانت بهما. وأخرجه النسائي في الزينة عن إسحاق بن
إبراهيم. وأخرجه ابن ماجه في اللباس عن أبي بكر بن أبي شيبة.
ذكر ما يستفاد منه: قال النووي: هذا الحديث صريح الدلالة لمذهب الشافعي
وموافقيه أنه يجوز لبس الحرير للرجل إذا كانت به حكة لما فيه من البرودة، وكذلك القمل،
وما في معناهما. وقال مالك: لا يجوز، وكذا يجوز لبسه عند الضرورة كمن فاجأته الحرب،
ولم يجد غيره وكمن خاف من حر أو برد، وقال الصحيح: عند أصحابنا أنه يجوز لبسه
للحكة ونحوها في السفر والحضر جميعاً، وقال بعض أصحابنا، يختص بالسفر، وهو ضعيف
حكاه الرافعي واستنكره، وقال القرطبي: يدل الحديث على جواز لبسه للضرورة، وبه قال
بعض أصحاب مالك، وأما مالك فمنعه من الوجهين. والحديث واضح الحجة عليه إلاَّ أن
يدعي الخصوصية لهما ولا يصح، ولعل الحديث لم يبلغه.
وقال ابن العربي: اختلف العلماء في لباسه على عشرة أقوال: الأول: محرم بكل حال.
الثاني: يحرم إلاَّ في الحرب. الثالث: يحرم إلاَّ في السفر. الرابع: يحرم إلاَّ في المرض.
الخامس: يحرم إلاّ في الغزو. السادس: يحرم إلاّ في العلم. السابع: يحرم على الرجال
والنساء. الثامن: يحرم لبسه من فوق دون لبسه من أسفل وهو الفرش، قاله أبو حنيفة وابن
الماجشون. التاسع: يباح بكل حال. العاشر: محرم، وإن خلط مع غيره كالخز.
وقال ابن بطال: اختلف الناس في لباسه فأجازته طائفة وكرهته أخرى: فممن كرهه:
عمر بن الخطاب وابن سيرين وعكرمة وابن محيريز، وقالوا: الكراهة في الحرب أشد لما
يرجون من الشهادة، وهو قول مالك وأبي حنيفة. وممن أجازه في الحرب أنس، روى معمر
عن ثابت قال: رأيت أنس بن مالك لبس الديباج في فزعة فزعها الناس، وقال أبو فرقد: رأيت
على تجافيف أبي موسى الديباح والحرير، وقال عطاء: الديباج في الحرب سلاح، وأجازه
محمد بن الحنفية وعروة والحسن البصري، وهو قول أبي يوسف ومحمد والشافعي وذكر
ابن حبيب عن ابن الماجشون: أنه استحب الحرير في الجهاد والصلاة به حينئذ للترهيب
على العدو والمباهاة.
٢٩٢٠/١٣١ - حدَّثنا أَبُو الْوَلِيدِ قال حدَّثنا هَمَّامٌ عنْ قَتَادَةَ عنْ أَنَسِ ح وحدَّثنا مُحَمَّدُ
بنُ سِنَانٍ قال حدَّثنا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ عنْ أنسٍ رضي الله تعالى عنهُ أنَّ عَبْدَ الرَّحْمُنِ بنَ عَوْفٍ
والزُّبَيْرَ شَكَوَا إلى النَّبِيِّ عَ لّهِ يَعْنِي القَمْلَ فَأرْخَصَ لَهُمَا في الحَرِيرِ فرأَيْتُهُ عَلَيْهِمَا فِي غَزَاةِ.
[انظر الحديث ٢٩١٩ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((في غزاة)) وهي للحرب، وهذان طريقان آخران في
حديث أنس. الأول: عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي عن همام بن يحيى عن
قتادة. والثاني: عن محمد بن سنان أبي بكر العوفي الباهلي الأعمى، وهو من أفراده.

٢٧٥
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (٩٢)
قوله: ((شكوا))، كذا هو بالواو وهو لغة يقال: شكوت وشكيت بالواو والياء: وادعى
ابن التين أنه وقع شكياً، ثم قال: وصوابه شكوا، لأن لام الفعل منه: واو، فهو مثل: ﴿دعوا الله
ربهما﴾ [الأعراف: ١٨٩]. قلت: ذكر الجوهري: شكيا، أيضاً، قوله: ((يعني القمل)) يعني:
كانت شكواهما من القمل. فإن قلت: كان السبب في الحديث الماضي الحكة، حيث قال:
من حكة كانت بهما، وهنا السبب: القمل؟ قلت: رجح ابن التين رواية الحكة، وقال: لعل
أحد الرواة تأوله فأخطأ، ووفق الداودي بين الروايتين باحتمال أن يكون إحدى العلتين بأحد
الرجلين، وقال الكرماني: لا منافاة بينهما ولا منع لجمعهما، وقال بعضهم: يمكن الجمع بأن
الحكة حصلت من القمل فنسبت العلة تارة إلى السبب، وتارة إلى سبب السبب. قلت: علة
كل منهما سبب مستقل فلا تعلق لأحديهما بالآخر، والحكم يثبت بسببين وأكثر، فالأحسن
ما قاله الكرماني. قوله: ((فرأيته))، الرائي هو أنس.
٢٩٢١/١٣٢ - حدّثنا مسَدَّدٌ قال حدَّثنا يَحْيَى عنْ شُعْبَةً قال أخبرَنِي قَتَادَةُ أَنَّ أَنّساً
حدَّثَهُمْ قال رَخَّصَ النَّبِيُّ عَلِ لِعَبْدِ الرَّحْمنِ بنِ عَوْفٍ والزُّبَيْرِ بنِ العَوَّامِ في حَرِيرٍ. [انظر
الحديث ٢٩١٩ وأطرافه].
هذا طريق آخر عن مسدد عن يحيى القطان عن شعبة ... إلى آخره. قوله: ((في حرير))
أي: في لبس حرير، ولم يذكر فيه العلة والسبب وهي محمولة على الرواية التي بين فيها
السبب المقتضي للترخيص.
٢٩٢٢/١٣٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُّ بَشَّارٍ قال حدَّثنا غُنْدَر قال حدَّثنا شُعْبَةُ قال سَمِعْتُ
قَتَادَةَ عنْ أَنَسٍ قال رَخَصَّ أَوْ رُخِّصَ لِحَكَّةٍ بِهِمَا. [انظر الحديث ٢٩١٩ وأطرافه].
هذا طريق آخر خامس في حديث أنس عن محمد بن بشار بالباء الموحدة عن غندر،
بضم الغين وسكون النون، وهو محمد بن جعفر البصري عن شعبة بن الحجاج. قوله:
((رخص)) على صيغة المعلوم أي: رخص رسول الله، عَّهِ. قوله: ((أو رخص))، على صيغة
المجهول شك من الراوي. قوله: ((لحكه))، أي: لأجل حكة. قوله: ((بهما)) أي: بعبد الرحمن
ابن عوف، والزبير بن العوام.
٠ ٩٢ _ بابُ ما يُذْكَرُ في السّكِّينِ
أي: هذا باب في بيان ما يذكر في أمر السكين من جواز استعماله.
١٣٤/ ٢٩٢٣ - حدّثنا عبْدُ العَزِيزِ بنُ عبدِ الله قال حدَّثني إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عنِ ابنِ
شِهابٍ عنْ جَعْفَرِ بنِ عَمْرِو بْنِ أَمَيَّةَ عِنْ أَبِيهِ قال رأيْتُ النَّبِيَّ عَّهِ يَأْكُلُ مِنْ كَتِفٍ يَحْتَزُّ مِنْهَا
ثُمَّ دُعِيَ إِلَى الصَّلاَةِ فَصَلَّى وَلَّمْ يَتَوَضَّأُ. [انظر الحديث ٢٠٨ وأطرافه].
مطابقته للترجمة تؤخذ من معنى الحديث لأن احتزازه مَ لّم من كتف الشاة كان
بالسكين، ويشهد له الطريق الآخر الذي يأتي، وفيه فألقى السكين ووجه إدخال هذا الباب بين

٢٧٦
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (٩٣)
أبواب الجهاد من حيث إن السكين أيضاً من أنواع السلاح.
وعبد العزيز بن عبد الله بن يحيى أبو القاسم القرشي الأويسي المدني، وإبراهيم بن
سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أبو إسحاق الزهري المدني كان على قضاء بغداد،
وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري، وجعفر بن عمرو بن أمية الضمري المدني يروي
عن أبيه عمرو بن أمية بن خويلد الضمري الصحابي، وهذا الإسناد كله مدنيون.
قوله: ((من كتف))، من كتف شاة. قوله: ((يحتز))، بالحاء المهملة وتشديد الزاي: من
الحز، وهو القطع. والحديث مضى في كتاب الوضوء في: باب من لم يتوضأ من لحم
الشاة، ومضى الكلام فيه هناك.
حدَّثنا أبو اليَمانِ قال أخبرَنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ وزَادَ فَألْقَى السّكِّينَ
هذا طريق آخر في حديث عمرو بن أمية عن أبي اليمان الحكم بن نافع ... إلى آخره.
قوله: ((وزاد)) يجوز أن يكون الفاعل فيه هو الزهري، ويجوز أن يكون جعفر بن عمرو، ويجوز
أن يكون شيخ البخاري.
وفيه: استعمال السكين، وجواز قطع اللحم المطبوخ بالسكين وغير المطبوخ أيضاً. فإن
قلت: روى أبو داود النهي عن قطعه بها. قلت: هو منكر قال النسائي، وقيل: إنما يكره قطع
الخبز بالسكين.
٩٣ - بابُ ما قِيلَ في قِتالِ الرُّومِ
أي: هذا باب في بيان ما قيل في قتال الروم من الفضل، والروم هم من ولد الروم بن
عيصو، قاله الجوهري، وقال الرشاطي: الروم ابن لنطا بن يونان بن يافث بن نوح، عليه
السلام، وهؤلاء الروم من اليونانيين، ويقال: إن الروم الثانية غلبت على هؤلاء، وهم منسوبون
إلى جدهم، رومي بن لنطا من ولد عيصون بن إسحاق بن يعقوب بن إبراهيم، عليهم السلام،
ويقال له: روماس، وهو باني مدينة رومية ..
٢٩٢٤/١٣٥ - حدَّثني إسْحَاقُ بنُ يَزِيدَ الدِّمَشْقِيُّ قالَ حدَّثنا يَحْيَى بنُ حَمْزَةَ قال
حدَّثني ثَوْرُ بنُ يَزِيدَ عنْ خالِدِ بنِ مَعْدَانَ أَنَّ عُمَيْرَ بنَ الأسْوَدِ العَنْسِيِّ: حدَّثَهُ أَنَّهُ أَتَى عُبَادَةَ
بنَ الصَّامِتِ وهْوَ نازِلٌ في ساحِلِ حِمْصَ وهْوَ فِي بِناءٍ لَهُ ومَعَهُ أُمُ حَرَامٍ قال عُمَيْرٌ فحَدَّثَتْنَا أُمّ
حَرَامٍ أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ عَّهِ يَقُولُ أوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ البَخْرَ قَدْ أَوْجَبُوا قَالَتْ أُمّ
حَرَّامٍ قُلْتُ يا رسولَ اللهِ أَنَا فِيهِمْ قال أنْتِ فِيهِمْ ثُمَّ قالَ النَّبِيُّ عَ لَهِّ أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي
يَغْزُونَ مَدِينَةَ قَيْصَر مَغْفُورٌ لَهُمْ فَقُلْتُ أَنَا فِيهِمْ يا رسولَ اللهِ قال لاَ. [انظر الحديث
٢٧٨٩ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((يغزون البحر)) لأن المراد من غزو البحر هو قتال الروم
الساكنين من وراء البحر الملح. وفي قوله: ((يغزون مدينة قيصر)) لأن المراد بها

٢٧٧
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (٩٣)
القسطنطينية، والمشهور عندهم أنها تسمى: اصطنبول.
ذكر رجاله: وهم سبعة: الأول: إسحاق بن يزيد - من الزيادة - وقد مر في أول
الزكاة. الثاني: يحيى بن حمزة، بالحاء المهملة والزاي، الحضرمي أبو عبد الرحمن قاضي
دمشق إلى أن مات بها سنة ثلاث وثمانين ومائة. الثالث: ثور - بلفظ الحيوان المشهور - ابن
يزيد - من الزيادة - الحمصي. الرابع: خالد بن معدان، بفتح الميم وسكون العين المهملة،
مر في البيع، كان يسبح في اليوم أربعين ألف تسبيحة. الخامس: عمير - بالتصغير - ابن
الأسود العنسي، بفتح العين المهملة وسكون النون، وقيل: بفتحها أيضاً وبالسين المهملة نسبة
إلى عنس، وهو زيد بن مذحج بن أدد والعنسي الناقة الصلبة، وقال ابن بطال: بنو عنس،
بالنون بالشام، وبنو عبس بالباء الموحدة بالكوفة، وبنو عيش بالياء آخر الحروف، وبالشين
المعجمة بالبصرة. السادس: عبادة بن الصامت. السابع: أم حرام بنت ملحان، زوج عبادة بن
الصامت، وأخت أم سليم وخالة أنس بن مالك، قال أبو عمر: ولا أقف لها. على اسم
صحیح.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الإفراد في أربعة مواضع وبصيغة الجمع
في موضع واحد. وفيه: السماع. وفيه: العنعنة في موضع واحد. وفيه: القول في موضعين.
وفيه: أن شيخه من أفراده ونسبته إلى جده، لأنه إسحاق بن إبراهيم بن يزيد أبو النضر. وفيه:
أن الإسناد كله شامیون. وفيه: أن عمير بن الأسود ليس له في البخاري إلاَّ هذا الحديث عند
من يفرق بينه وبين أبي عياض عمرو بن الأسود والراجح التفرقة. وهذا الحديث رواه أنس عن
أم حرام بأتم من هذا في أوائل الجهاد في: باب الدعاء بالجهاد، وهذا الحديث من مسند أم
حرام.
ذكر معناه: قوله: ((أول جيش من أمتي يغزون البحر)) أراد به جيش معاوية، وقال
المهلب: معاوية أول من غزا البحر، وقال ابن جرير: قال بعضهم: كان ذلك في سنة سبع
وعشرين، وهي غزوة قبرص في زمن عثمان بن عفان، رضي الله تعالى عنه، وقال الواقدي:
كان ذلك في سنة ثمان وعشرين، وقال أبو معشر: غزاها في سنة ثلاث وثلاثين، وكانت أم
حرام معهم، وقال ابن الجوزي في (جامع المسانيد): أنها غزت مع عبادة بن الصامت
فوقصتها بغلة لها شهباء، فوقعت فماتت، وقال هشام بن عمار: رأيت قبرها ووقفت عليه
بالساحل بفاقيس. قوله: ((قد أوجبوا))، قال بعضهم: أي: وجبت لهم الجنة. قلت: هذا الكلام
لا يقتضي هذا المعنى، وإنما معناه: أوجبوا استحقاق الجنة، وقال الكرماني: قوله: أوجبوا أي:
محبة لأنفسهم. قوله: ((أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر))، أراد بها القسطنطينية كما
ذكرناه، وذكر أن يزيد بن معاوية غزا بلاد الروم حتى بلغ قسنطينية، ومعه جماعة من سادات
الصحابة منهم: ابن عمر، وابن عباس وابن الزبير وأبو أيوب الأنصاري، وكانت وفاة أبي أيوب
الأنصاري هناك قريباً من سور القسطنطينية وقبره هناك تستسقي به الروم إذا قحطوا. وقال
صاحب (المرآة): والأصح أن يزيد بن معاوية غزا القسنطينية في سنة اثنتين وخمسين، وقيل:
:

٢٧٨
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (٩٤)
سير معاوية جيشاً كثيفاً مع سفيان بن عوف إلى القسطنطينية فأوغلوا في بلاد الروم، وكان
في ذلك الجيش ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وأبو أيوب الأنصاري وتوفي أبو أيوب في
مدة الحصار. قلت: الأظهر أن هؤلاء السادات من الصحابة كانوا مع سفيان هذا ولم يكونوا
مع يزيد بن معاوية، لأنه لم يكن أهلاً أن يكون هؤلاء السادات في خدمته. وقال المهلب:
في هذا الحديث منقبة لمعاوية لأنه أول من غزا البحر، ومنقبة لولده يزيد، لأنه أول من غزا
مدينة قيصر. انتهى.
قلت: أي منقبة كانت ليزيد وحاله مشهور؟ فإن قلت: قال، عَّةِ، في حق هذا
الجيش: مغفور لهم. قلت: لا يلزم، من دخوله في ذلك العموم أن لا يخرج بدليل خاص، إذ
لا يختلف أهل العلم أن قوله، عَ لّه: مغفور لهم، مشروط بأن يكونوا من أهل المغفرة حتى لو
ارتد واحد ممن غزاها بعد ذلك لم يدخل في ذلك العموم، فدل على أن المراد مغفور لمن
وجد شرط المغفرة فيه منهم، وقيصر لقب هرقل ملك الروم، كما أن كسرى لقب من ملك
الفرس، وخاقان من ملك الترك، والنجاشي من ملك الحبشة.
٩٤ _ بابُ قِتالِ اليَهُودِ
أي: هذا باب في بيان إخبار النبي عَّه عن قتال اليهود في مستقبل الزمان، وهو أيضاً
من معجزاته، عَّ ◌ُلِّ، واليهود ... (١)
١٣٦/ ٢٩٢٥ - حدَّثنا إسْحَاقُ بنُ مُحَمَّدِ الفَرْوِيِّ قال حدَّثنا مالِكٌ عنْ نافِعِ عنْ عَبْدِ اللهِ بنِ
عُمَرَ رضي الله تعالى عنهُما أنَّ رسولَ الله، عَّ له قال تُقَاتِلُونَ اليَهُودَ حتَّى يَخْتَبِيْءَ أحَدُهُمْ ورَاءَ
الحَجَرِ فَيَقُولُ يا عَبْدَ الله هذَا يَهُودِيٍّ ورَائِي فاقْتُلُهُ. [الحديث ٢٩٢٥ - طرفه في: ٣٥٩٣].
مطابقته للترجمة في قوله: ((تقاتلون اليهود)) وإسحاق بن محمد بن إسماعيل بن أبي
فروة أبو يعقوب الفروي، بفتح الفاء وسكون الراء، فنسبته إلى جده المذكور، مات سنة ست
وعشرين ومائتين.
قوله: ((تقاتلون))، خطاب للحاضرين، والمراد غيرهم من أمته فإن هذا إنما يكون إذا نزل
عيسى ابن مريم، عليهما السلام، فإن المسلمين يكونون معه واليهود مع الدجال ..
وفيه: إشارة إلى بقاء شريعة نبينا محمد عَّله، فإن عيسى، عليه السلام، يكون على
شريعة نبينا عَّله. وفيه: معجزة للنبي عَّللم حيث أخبر بما سيقع عند نزول عيسى، عليه
السلام، من تكلم الجماد والإخبار والأمر بقتل اليهود وإظهاره إياهم في مواضع اختفائهم.
قوله: ((فيقول يا عبد الله)) أي: يقول الحجر: يا عبد الله، بأن ينطقه الله بذلك، وهو على كل
شيء قدير، وقيل: يحتمل أن يكون مجازاً، لأنه لا يبقى منهم أحد في ذلك الوقت، والأول أولى.
٢٩٢٦/١٣٧ - حدّثنا إِسْحَاقُ بنُ إِبْرَاهِيمَ قال أخبرَنا جَرِيرٌ عنْ عُمَارَةَ بنِ القَعْقاع عنْ
(١) هنا بياض في الأصل.

٢٧٩
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (٩٥)
أَبِي زُرْعَةَ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه عنْ رَسُولِ اللهِ عَّ ◌ُلِ قال لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى
تُقَاتِلُوا اليَّهُودَ حتَّى يَقُولَ الحَجَرُ وَرَاءَهُ اليَهُودِيُّ يا مُسْلِمُ هَذا يَهُودِيٌّ ورَائِي فاقْتُلُهُ.
مطابقته للترجمة ظاهرة. وإسحاق بن إبراهيم الذي يعرف بابن راهويه، وجرير بن عبد
الحميد، وعمارة، بضم العين المهملة وتخفيف الميم: ابن القعقاع، وقد مر في: باب الجهاد
من الإيمان، وأبو زرعة، بضم الزاي وسكون الراء وفتح العين المهملة: ابن عمرو بن جرير بن
عبد الله البجلي، وفي اسمه أقوال، وقد مر أيضاً في: باب الجهاد من الإيمان.
٩٥ - بابُ قِتالِ التُّكِ
أي: هذا باب في بيان قتال المسلمين مع الترك الذي هو من أشراط الساعة. واختلفوا
في أصل الترك، فقال الخطابي: الترك هم بنو قنطوراء، وهي اسم جارية كانت لإبراهيم، عليه
السلام، ولدت أولاداً جاءت من نسلهم الترك. وقال كراع: الترك هم الذين يقال لهم: الديلم،
وقال ابن عبد البر: الترك هم ولد يافث، وهم أجناس كثيرة أصحاب مدن وحصون، ومنهم
في رؤوس الجبال والبراري ليس لهم عمل سوى الصيد، ومن لم يصد ودج دابته وصيره في
مصران يأكله، ويأكلون الرخم والغربان وليس لهم دين، ومنهم من يتدين بدين المجوسية،
وهم الأكثرون، ومنهم من يتهود وملكهم يلبس الحرير وتاج الذهب ويحتجب كثيراً وفيهم
سحرة. وقال وهب بن منبه: الترك بنو عم يأجوج ومأجوج، وقيل: أصل الترك أو بعضهم من
حمير، وقيل: إنهم بقايا قوم تبع، ومن هناك يسمون أولادهم بأسماء العرب العاربة، فهؤلاء من
كان مثلهم يزعمون أنهم من العرب وألسنتهم عجمية وبلدانهم غير عربية، دخلوا إلى بلاد
العجم واستعجموا. وقيل: الترك من ولد أفريدون بن سام بن نوح، عليه السلام، وسموا تركاً
لأن عبد شمس بن يشجب لما وطىء أرض بابل أتى بقوم من أحامرة ولد يافث، فاستنكر
خلقهم ولم يحب أن يدخلهم في سبي بابل، فقال: اتركوهم، فسموا: الترك.
وقال صاعد في (كتاب الطبقات): أما الترك فأمة كثيرة العدد فخمة المملكة،
ومساكنهم ما بين مشارق خراسان من مملكة الإسلام وبين مغارب الصين وشمال الهند إلى
أقصى المعمور في الشمال، وفضيلتهم التي برعوا فيها وأحرزوا خصالها الحروف ومعالجة
آلاتها. قلت: الترك والصين والصقالبة ويأجوج ومأجوج من ولد يافث بن نوح، عليه الصلاة
والسلام، باتفاق النسابين، وكان ليافث سبعة أولاد منهم ابن يسمى: كور، فالترك كلهم من
بني كومر، ويقال: الترك هو ابن يافث لصلبه وهم أجناس كثيرة ذكرناهم في (تاريخنا
الكبير). وقال المسعودي في (مروج الذهب): في الترك استرخاء في المفاصل واعوجاج في
سيقانهم ولين في عظامهم، حتى إن أحدهم ليرمي بالنشاب من خلفه كرميه من قدامه،
فيصير قفاه كوجهه ووجهه كقفاه.
١٣٨/ ٢٩٢٧ - حدّثنا أَبُو النُّعْمَانِ قال حدَّثنا جَرِيرُ بنُ حَازِمِ قالَ سَمِعْتُ الحَسَنَ
يَقُولُ حدَّثنا عَمْرُو بِنُ تَغْلِبَ قال قال النَّبِيُّ عَّهِ إِنَّ مِنْ أُشْرَاطِ الشَّاعَةِ أَنْ تُقَاتِلُوا قَوْماً
:

٢٨٠
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيَّرِ / باب (٩٥)
يَنْتَعِلُونَ نِعَالَ الشَّعْرِ وإِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أن تُقَاتِلُوا قَوْماً عَرَاضَ الوُجُوهِ كأنَّ وَجُوهَهمُ
المَجانُّ المُطْرَقَةُ. [الحديث ٢٩٢٧ - طرفه في: ٣٥٩٢].
مطابقته للترجمة تؤخذ من معنى الحديث، لأن قوله: ((عراض الوجوه ... )) إلى آخره
صفة الترك.
وأبو النعمان محمد بن الفضل السدوسي، وجرير بن حازم، بالحاء المهملة والزاي،
والحسن هو البصري، وعمرو، بالفتح: ابن تغلب، بفتح التاء المثناة من فوق وسكون الغين
المعجمة وكسر اللام وبالباء الموحدة: العبدي، من عبد القيس، يقال: أنه من النمر بن قاسط
يعد في أهل البصرة.
ورجال الإسناد كلهم بصريون.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في علامات النبوة عن سليمان بن حرب. وأخرجه ابن
ماجه في الفتن عن أبي بكر بن أبي شيبة.
ذكر معناه: قوله: ((إن من أشراط الساعة))، أي: من علامات يوم القيامة، والأشراط
جمع شرط، بفتح الراء. وقال أبو عبيد: وبه سميت شرط اللسان، لأنهم جعلوا لأنفسهم
علامات يعرفون بها. قوله: ((ينتعلون بنعال الشعر))، معناه: أنهم يصنعون من الشعر حبلاً
ويصنعون منها نعالاً، ويقال: معناه أن شعورهم كثيفة طويلة فهي إذا أسدلوها كاللباس تصل
إلى أرجلهم كالنعال، وإنما كانت نعالهم من الشعر، أو من جلود مشعرة لما في بلادهم من
الثلج العظيم الذي لا يكون في غيرها، ويكون من جلد الذئب وغيره، وذكر البكري في
(أخبار الترك): كان أعينهم حدق الجراد يتخذون الدرق يربطون خيولهم بالحبل، وفي لفظ:
حتى يقاتل المسلمون الترك يلبسون الشعر. انتهى.
وهذه إشارة إلى الشرابيش التي تدار عليها بالقندس، والقندس كلب الماء، وهو من
ذوات الشعر، والنعال جمع نعل، والشعر بفتح العين وكسرها، وقال بعضهم: هذا الحديث
والذي بعده ظاهر في أن الذين ينتعلون نعال الشعر غير الترك، وقد وقع في رواية الإسماعيلي
من طريق محمد بن عباد، قال: بلغني أن أصحاب بابك كانت نعالهم الشعر. قلت: هذا
الذي قاله غير صحيح، ولا احتجاج بهذه الرواية، لأن كون نعال أصحاب بابك من الشعر لا
ينافي كونها للترك أيضاً، ولا يفهم من ذلك الخصوصية بذلك لأصحاب بابك، على أنه
يجوز أن يكون أصحاب بابك أيضاً من الترك، لأن الترك أجناس كثيرة، وخبر البكري يصرح
بالرد على هذا القائل، وأصرح من هذا ما رواه أبو داود من حديث بريدة: يقاتلكم قوم صغار
الأعين، يعني الترك ... الحديث، ومع هذا على ما ذكره لا تبقى مطابقة بين الترجمة
والحديث أصلاً، لأن الترجمة بلفظ الترك، وإذا كان الذين ينتعلون نعال الشعر غير الترك يكون
بين الترجمة والحديث بون عظيم، على أن الأوصاف المذكورة فيه وفي الحديث الذي بعده
كلها أوصاف الترك، فإذا كان الترك أجناساً كثيرة لا يلزم أن ينتعل كلهم نعال الشعر، وأما