النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيَّرِ / باب (٧٠) يوسف أيضاً. وأخرجه ابن ماجه في الزهد عن يعقوب بن حميد بن كاسب. ذكر معناه: قوله: ((تعس))، بفتح التاء المثناة من فوق وكسر العين المهملة بعدها سين مهملة، قال ابن التين: التعس الكب، أي: عثر فسقط لوجهه، وذكره بعض أهل اللغة بفتح العين، وقال ابن الأنباري: التعس الشر، قال الله عز وجل: ﴿فتعساً لهم﴾ [محمد: ٨]. وذكر ابن التياني عن قطرب: تعس وتعس شقي، وعن علي بن حمزة بالكسر والفتح هلك، وفي (البارع): تمسه الله وأتعسه بمعنى نكسه، وفي (التهذيب): قال شمر: لا أعرف تعسه الله ولكن يقال: تعس بنفسه وأتعسه الله، وقيل: تعس إذا أخطأ حجته إن خاصم وبُغيته إن طلب، وقيل: التعس أن يخر على وجهه والنكس أن يخر على رأسه، وقال الليث: التعس أن لا ينتعش من عثرته، وأن ينكس في سفال، وذكر الزجاج: أن التعس في اللغة الانحطاط، وفي (المحكم): هو السقوط على أي وجه كان، وقيل: هو البعد. قوله: ((عبد الدينار))، مجاز عن حرصه عليه، وتحمل الذلة لأجله، أي: طلب ذلك قد استعبده وصار عمله كله في طلبهما، كالعبادة لهما. قوله: ((والقطيفة))، بفتح القاف وكسر الطاء: دثار مخمل، والجمع قطائف وقُطف. قوله: ((والخميصة))، بفتح الخاء المعجمة وكسر الميم: كساء أسود مربع له علمان. قوله: ((إن أعطي)) على صيغة المجهول، قال ابن بطال: أي إن أعطى ماله عمل ورضي عن خالقه، وإن لم يعط لم يرض ويتسخط بما قدر له، فصح بهذا أنه عبد في طلب هذين فوجب الدعاء عليه بالتعس لأنه أوقف عمله على متاع الدنيا الفاني وترك النعيم الباقي. قوله: ((لم يرفعه إسرائيل))، أي: لم يرفع الحديث إسرائيل بن يونس عن أبي حصين، بل وقفه عليه، وكذا محمد بن جحادة. قوله: ((وزادنا عمرو))، وهو عمرو بن مرزوق أحد مشايخ البخاري، ويروى: وزاد لنا، والذي زاد له هو قوله: وانتكس ... إلى آخره، وروى أبو نعيم الأصبهاني حديث عمرو هذا عن حبيب بن الحسن عن يوسف القاضي، حدثنا عمرو بن مرزوق أنبأنا عبد الرحمن بن عبد الله ... فذكره. قوله: ((وانتكس)) بالسين المهملة، أي: عاوده المرض كما بدأ به، وقال الطيبي: أي انقلب على رأسه، وهو دعاء عليه بالخيبة، لأن من انتكس فقد خاب وخسر. وقال صاحب (المطالع): ذكره بالشين المعجمة وفسره بالرجوع وجعله دعاء له لا عليه، والأول أوجه. قوله: ((وإذا شيك))، بكسر الشين المعجمة وسكون الياء آخر الحروف بعدها كاف، أي إذا أصابته شوكة لا قدر على إخراجها بالمنقاش، وهو معنى قوله: ((انتقش)) بالقاف والشين المعجمة، يقال: نقشت الشوكة إذا أخرجتها بالمنقاش، ويقال: انتقش الرجل إذا سل الشوكة من قدمه، وذكر ابن قتيبة أن بعضهم رواه بالعين المهملة بدل القاف، ومعناه صحيح، لكن مع ذكر الشوكة تقوى رواية القاف، ووقع في رواية الأصيلي عن أبي زيد المروزي: وإذا شئت، بتاء مثناة من فوق بدل الكاف، وهو خطأ فاحش، وإنما خص إنقاش الشوك بالذكر، لأن الإنقاش أسهل مما يتصور في المعاونة لمن أصابه مكروه، فإذا نفى ذلك الأهون فيكون ما فوق ذلك منفياً بالطريق الأولى. قوله: ((طوبى لعبد))، طوبى على وزن: فعلى، من الطيب، فلما ضمت الطاء انقلبت عمدة القاري/ ج ١٤ م١٦ ٢٤٢ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (٧١) الياء واواً، وطوبى: اسم الجنة، وقيل: هي شجرة فيها، ويقال: طوبى لك، وطوباك، بالإضافة. قوله: ((آخذ)) اسم فاعل من الأخذ مجرور، لأنه صفة عبد، و: العنان، بكسر العين لجام الفرس. قوله: ((أشعث)) صفة لعبد بفتح الثاء، لأن جره بالفتحة لأنه غير منصرف. وقوله: ((رأسه))، مرفوع لأنه فاعل ويجوز في أشعث الرفع، قاله الكرماني ولم يبين وجهه، وقال بعضهم: ويجوز في أشعث الرفع على أنه صفة الرأس، أي: رأسه أشعث. قلت: هذا الذي ذكره لا يصح عند المعربين، والرأس فاعل أشعث، وكيف يكون وصفته والموصوف لا يتقدم على الصفة والتقدير الذي قدره يؤدي إلى إلغاء قوله رأسه بعد قوله: أشعث، وقال الطيبي: أشعث رأسه مغبرة قدماه حالان من قوله: لعبد، لأنه موصوف. قوله: ((إن كان في الحراسة)) أي: في حراسة العدو، خوفاً من أن يهجم العدو عليهم وذلك يكون في مقدمة الجيش والساقة مؤخرة الجيش، والمعنى إيتماره لما أمر وإقامته حيث أقيم لا يفقد من مكانه بحال، وإنما ذكر الحراسة والساقة لأنهما أشد مشقة وأكثر آفة، الأول عند دخولهم دار الحرب، والآخر عند خروجهم منها. فإن قلت: ما وجه اتحاد الشرط والجزاء؟ قلت: وجه ذلك أنه يدل على فخامة الجزاء وكماله نحو من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، أي: من كان في الساقة فهو في أمر عظيم، أو المراد منه لازمه، نحو: فعليه أن يأتي بلوازمه ويكون مشتغلاً بخويصة عمله، أو قلة ثوابه. قوله: ((إذا استأذن لم يؤذن له))، إشارة إلى عدم التفاته إلى الدنيا وأربابها بحيث يفنى بكليته في نفسه لا يبتغي مالاً ولا جاهاً عند الناس، بل يكون عند الله وجيهاً، ولم يقبل الناس شفاعته، وعند الله يكون شفيعاً مشفعاً. قوله: ((يشفع))، بفتح الفاء المشددة، أي: لم تقبل شفاعته. قال أبو عَبْدِ الله لَمْ يَرْفَعْهُ إسْرَائِيلُ وَمُحَمَّدُ بنُ جُحَادَةَ عنْ أَبِي حَصِينٍ أبو عبد الله هو البخاري نفسه، أي: لم يرفع الحديث المذكور إسرائيل بن يونس ومحمد بن جحادة عن أبي حصين عثمان بن عاصم بل، وقفاه عليه، وقد ذكرناه. وقال تَعْساً كأنَّهُ يَقُولُ فَأَنْعَسَهُمُ الله هكذا وقع في رواية المستملي، وجرت عادة البخاري في شرح اللفظ التي توافق ما في القرآن بتفسيرها، وهكذا فسر أهل التفسير قوله تعالى: ﴿فتعساً لهم﴾ [محمد: ٨]. كأنه يقول: فأتعسهم الله، وقد مر الكلام فيه مستوفىّ. طُوبَى فُعْلَى مِنْ كُلِّ شَيْءٍ طَيِّبٍ وهيَ ياءٌ حُوَّلَتْ إلى الوَاوِ وَهْيَ مِنْ يَطِيبُ هذا أيضاً من كلام البخاري، فسر: طوبى، بهذا وقد ذكرنا الكلام فيه. ٧١ - بابُ فَضْلِ الخِدْمَةِ في الغَزْوِ أي: هذا باب في بيان فضل الخدمة للغازي في الغزاة، سواء كانت من صغير الكبير، أو من كبير لصغير، أو لمن يساويه، وفي هذا الباب ثلاثة أحاديث كلها عن أنس: ففي ٢٤٣ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (٧١) الأول: خدمة الكبير للصغير، وفي الثاني: خدمة الصغير للكبير، وفي الثالث: توجد الخدمة لمن يساويه، على ما نذكره. ٢٨٨٨/١٠١ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَرْعَرَةَ قال حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ يُونُسَ بنِ عُبَيْدٍ عنْ ثابتِ البُنانِيِّ عنْ أَنَسٍ بنِ مالِكِ رضي الله تعالى عنه قال صَحِبْتُ جَرِيرَ بنَ عَبْدِ الله فَكانَ يَخْدُمُنِي وهْوَ أَكْبَرُ مِنْ أَنَسٍ قال جَرِيرٌ إِنِّي رأيْتُ الأنْصَارَ يَصْنَعُونَ شَيْئاً لاَ أجِدُ أحَدَاً مِنْهُمْ إِلاَّ أكْرَمْتُهُ. قيل: هذا الحديث ليس في محله، وإنما محله المناقب، وحاصله نفي المطابقة. قلت: هذا الحديث رواه مسلم من حديث محمد بن عرعرة: حدثنا شعبة عن يونس ابن عبيد عن ثابت البناني عن أنس بن مالك، قال: خرجت مع جرير بن عبد الله في سفر وكان يخدمني، فقلت له: لا تفعل، إني رأيت الأنصار تصنع برسول الله عَ لَّه شيئاً آليت أن لا أصحب أحداً منهم إلاَّ خدمته، وفي آخره: وكان جرير أكبر من أنس. وقال ابن بشار: أسن من أنس، انتهى. فهذا يدل على أن معنى قوله: ((صحبت جرير بن عبد الله))، يعني: في السفر. وهو أعم من أن يكون سفر الغزو أو غيره، فبهذا يقع الحديث في بابه، فتوجد المطابقة. قوله: (وهو أكبر من أنس)) فيه التفات أو تجريد، وكان مقتضى الظاهر أن يقول: وهو أكبر مني. قوله: ((يصنعون شيئاً)، أي: من خدمة رسول الله، عَّ كما ينبغي ومن تعظيمهم إياه غاية ما يكون. قوله: ((منهم))، أي: من الأنصار. وقوله في رواية مسلم: آليت، أي: حلفت. وفيه: فضل الأنصار وفضل جرير وتواضعه ومحبته للرسول عَ له. ٢٨٨٩/١٠٢ - حدّثنا عبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله قال حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ عنْ عَمْرِو ابنِ أَبِي عَمْرٍو مَوْلى المطَّلِبِ بنِ حَنْطَبٍ أَنَّهُ سَمِعَ أنَسَ بنَ مالِكِ رضي الله تعالى عنهُ يَقُولُ خَرَجْتُ مَعَ رَسولِ اللهِ عَّهِ إِلى خَيْبَرَ أَخْدُمُهُ فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ عَ لَّهِ رَاجِعَاً وبدَا لَهُ أُحُدٌّ قال لهُذَا جَبَلٌ يُحِبْنَا وِنُحِبُّهُ ثُمَّ أشارَ بِيَدِهِ إِلَى المَدِينَةِ قال ألَّلهُمَّ إِنِّي أُحَرِّمُ ما بَيْنَ لاَبَتَيْهَا كَتَخْرِيمِ إِبْرَاهِيمَ مَكّةَ اللَّهُمَّ بارِكْ لَنَا في صاعِنا وَمُدِّنَا. [انظر الحديث ٣٧١ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((خرجت مع رسول الله، عٍَّ إلى خيبر أُخدمه)). وعبد العزيز بن عبد الله بن يحيى أبو القاسم القرشي العامري الأويسي المديني، وهو من أفراده، ومحمد بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري المديني وعمرو بن أبي عمرو مولى المطلب بن حنطب، بفتح الحاء المهملة وسكون النون وفتح الطاء المهملة، وقد مر في: باب الحرص على كتابة الحديث. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في أحاديث الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، عن ٢٤٤ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (٧١) القعنبي، وفي المغازي عن عبد الله بن يوسف، وفي الاعتصام عن إسماعيل بن أبي أويس. وأخرجه مسلم في المناسك عن قتيبة ويحيى بن أيوب وعلي بن حجر وعن قتيبة بن سعيد وسعيد بن منصور كلاهما عن يعقوب بن عبد الرحمن، وأخرجه الترمذي في المناقب عن الأنصاري وهو إسحاق بن موسى عن معن بن عيسى وعن قتيبة، كلاهما عن مالك ببعضه طلع له أحد. قوله: ((إلى خيبر))، أي: إلى غزوة خيبر وكانت سنة ست، وقيل: سنة سبع. قوله: ((أخدمه))، جملة وقعت حالاً. قوله: ((راجعاً))، حال من النبي عَّهِ. قوله: ((وبدا له))، أي ظهر له جبل أحد. قوله: ((يحبنا))، يمكن حمله على الحقيقة بأن يخلق الله فيه المحبة، والله على كل شيء قدير. وقال الخطابي: الحب والبغض لا يجوزان على الجبل نفسه، وإنما هو كناية عن أهل الجبل وهم سكان المدينة، يريد به الثناء على الأنصار، والإخبار عن حبهم لرسول الله، عٍَّ وحبه إياهم وهو نحو: ﴿واسأل القرية﴾ [يوسف: ٨٢]. قوله: ((لابتيها))، أي: لابتي المدينة وهي تثنية لابة بالباء الموحدة الخفيفة، وهي الحرة والمدينة بين الحرتين، والحرة، بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء، وهي الأرض ذات الحجارة السود، ويجمع على حر وحرار وحرات وحرين وأحرين وهو من الجموع النادرة، واللاَّبة تجمع على لوب ولابات ما بين الثلاث إلى العشر فإذا كثرت جمعت على اللَّب واللوب، وقد مر الكلام فيه في كتاب الحج في: باب لابتي المدينة. قوله: ((كتحريم إبراهيم، عليه الصلاة والسلام)) التشبيه في نفس الحرمة وفي وجوب الجزاء ونحوه. قوله: ((اللهم بارك لنا في صاعنا ومدنا)) أي: بارك لنا في الطعام الذي يكال بالصيعان والأمداد ودعا لهم رسول الله، عَليه بالبركة في أقواتهم، ومر الكلام فيه أيضاً في باب مجرد عن الترجمة في آخر كتاب الحج. وفيه: جواز خدمة الصغير للكبير لشرف في نفسه أو في قومه أو لعلمه أو لصلاحه، ونحو ذلك. ٢٨٩٠/١٠٣ - حدّثنا سُلَيْمَانُ بنُ دَاوُدَ أبو الرَّبِيع عنْ إسْمَاعِيلَ بنَ زَكَرِيَّاءَ قال حدثنا عاصِمُ عنْ مُورِّقِ العِجْلِيّ عنْ أَنَسٍ رضي الله تعالى عنهً قال كُنَّ مَعَ النَّبِيِّ صَلِ أَكْثَوْنَا ظِلاً الَّذِي يَسْتَظِلُ بِكِسَائِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ صامُوا فَلَمْ يَعْمَلُوا شَيْئاً وَأَمَّا الَّذِينَ أَقْطَرُوا فَبَعَثُوا الرَّكَابَ وامْتَهَنُوهَا وعالَجُوا فقال النِبِيُّ عَِّ ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ الْيَوْم بالأجْرِ. قيل: هذا الحديث من الأحاديث التي أوردها في غير مظانها لكونه لم يذكره في الصيام، واقتصر على إيراده هنا. قلت: يمكن أن يقال: إن له بعض مظنة هنا، وهو أن قوله: ((فبعثوا الركاب وامتهنوا وعالجوا)) عبارة عن الخدمة لأن معنى قوله: ((بعثوا الركاب)) أي: إلى الماء للسقي، والركاب، بالكسر الإبل التي يسار عليها، ومعنى قوله: ((وامتهنوا)) أي: خدموا، لأن الامتهان: الخدمة والابتذال، ومعنى قوله: ((وعالجوا)) أي: تناولوا الطبخ والسقي، وكل هذا عبارة عن الخدمة وهي أعم من أن يخدموا أنفسهم أو يخدموا غيرهم، أو يخدموا ٢٤٥ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (٧٢) أنفسهم وغيرهم، بل هم خدموا الصائمين لأنهم سقطوا على ما يجيء من رواية مسلم، وكان ذلك في السفر، لأن في رواية مسلم عن مورق عن أنس، قال: كنا مع النبي ◌َّهِ. في السفر ... الحديث، فحينئذ يطابق الحديث الترجمة من هذا الوجه، وسليمان بن داود أبو الربيع العتكي الزهراني البصري وإسماعيل بن زكرياء أبو زياد الخلقاني الكوفي وعاصم هو ابن سليمان الأحول، ومورق بكسر الراء المشددة وبالقاف: العجلي وهما تابعيان في نسق، وقال بعضهم: والإسناد كله بصريون. قلت: ليس كذلك، وإسماعيل ومورق كوفیان. والحديث أخرجه مسلم في الصوم عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعن أبي كريب، وأخرجه النسائي فيه عن إسحاق بن إبراهيم. قوله: ((أكثرنا ظلاً من يستظل بكسائه)) يريد: لم يكن لهم أخبية، وذلك لما كانوا عليه من القلة، وفي رواية مسلم: فنزلنا منزلاً في يوم حار أكثرنا ظلاً صاحب الكساء، فمنا من يتقي الشمس بيده، وأما الذين صاموا فلم يعملوا شيئاً، يعني: لعجزهم، وفي رواية مسلم: فسقط الصوامون. قوله: ((وأما الذين أفطروا)) إلى قوله: ((وعالجوا)) قد ذكرناه الآن، وفي رواية مسلم: وقام المفطرون فضربوا الأبنية وسقوا الركاب. قوله: ((ذهب المفطرون)) بالأجر، أي: بالأجر الأكمل الوافر، لأن نفع صوم الصائمين قاصر على أنفسهم وليس المراد نقص أجرهم، بل المراد أن المفطرين حصل لهم أجر عملهم ومثل أجر الصوام لتعاطيهم أشغالهم وأشغال الصوام. قيل: فيه: أن أجر الخدمة في الغزو أعظم من أجر الصيام. وفيه: أن التعاون في الجهاد وفي خدمة المجاهدين في حل وارتحال واجب على جميع المجاهدين. وفيه: جواز خدمة الرجل لمن يساويه، لأن الخدمة أعم كما ذكرنا. ٧٢ - بابُ فَضْلٍ مَنْ حَمَلَ مَتاعٍ صاحِبِهِ في السَّفَرِ أي: هذا باب في بيان فضل ... إلى آخره، والمتاع في اللغة كل ما انتفع به. ٢٨٩١/١٠٤ - حدّثني إسْحَاقُ بنُ نَصْرٍ قال حدَّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عنْ مَعْمَرٍ عِنْ هَمَّامٍ عِنْ أبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ عنِ النَّبِيِّ عَِّ قال كُلُّ سُلامَى عَلَيْهِ صَدَقَّةٌ كُلَّ يَوْمٌ يُعِينُ الرَّجُلَ في دَابَّتِهِ يحامِلُهُ عِلَيْهَا أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ وَالكَلِمَةُ الطَّيَِّةُ وكُلُّ خَطْوَةً ◌َمْشِيهَا إلى الصَّلاَةِ صَدَقَةٌ ودلُّ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ. [انظر الحديث ٢٧٠٧ وطرفه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((يعين الرجل في دابته)) إلى قوله: ((والكلمة الطيبة)). فإن قلت: ليس فيه ذكر السفر. قلت: إطلاق هذا الكلام يتناول حالة السفر بالطريق الأولى. وإسحاق بن نصر هو إسحاق بن إبراهيم بن نصر السعدي النجاري، كان ينزل بالمدينة بباب بني سعد، فالبخاري تارة يقول: إسحاق بن إبراهيم بن نصر، وتارة يقول: إسحاق بن نصر، فينسبه إلى جده، وعبد الرزاق بن همام بن نافع الصنعاني اليماني، ومعمر بفتح الميمين: ابن راشد، وهمام هو ابن منبه الأنباري الصنعاني، وقد مر في الصلح في: باب ٢٤٦ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (٧٣) فضل الإصلاح بين الناس، بهذا الإسناد بعض هذا الحديث عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله، عَّ: ((كل سلامى من الناس عليه صدقة))، وفيه زيادة على حديث الباب. وهي قوله: ((كل يوم تطلع فيه الشمس يعدل بين اثنين صدقة)). قوله: ((كل سلامى))، بضم السين المهملة وتخفيف اللام وفتح الميم وبالألف: عظام الأصابع، وقد مر الكلام فيه في الباب المذكور. قوله: ((كل يوم)) نصب على الظرفية. قوله: ((ويعين)) مبتدأ على تقدير المصدر نحو: تسمع بالمعيدي. يعني: وأن تعين، و: أن، مصدرية تقديره: وإعانتك الرجل. وقوله: ((صدقة)) خبره. قوله: ((يحامله عليها)) أي: يساعده في الركوب وفي الحمل على الدابة. قوله: ((وكل خطوة)» الخطوة، بفتح الخاء: المرة الواحدة، وبالضم: ما بين القدمين، وقال ابن التين: وضبط في البخاري بالضم. قوله: ((ودل الطريق)) بفتح الدال وتشديد اللام: بمعنى الدلالة لمن يحتاج إليه. ٧٣ - بابُ فَضْلِ رِبَاطَ يَوْمٍ في سَبِيلِ اللهِ أي: هذا باب في بيان فضل رباط يوم، الرباط بكسر الراء وبالباء الموحدة الخفيفة: ملازمة المكان الذي بين المسلمين والكفار لحراسة المسلمين منهم. قلت: الرباط هي المرابطة، وهي ملازمة . ثغر العدو، وقال ابن قتيبة: أصل الرباط والمرابطة: أن يربط هؤلاء خيولهم وهؤلاء خيولهم في الثغر كل يعد لصاحبه، وقال ابن التين: بشرط أن يكون غير الوطن، قاله ابن حبيب عن مالك وفيه نظر لأنه قد يكون وطنه ينوي بالإقامة فيه دفع العدو، ويقال: الرباط المرابطة في نحر العدو وحفظ ثغور الإسلام وصيانتها عن دخول الأعداء إلى حوزة بلاد المسلمين. وقَوْلِ الله تعالى ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا﴾ [آل عمران: ٢٠]. إلى آخِرِ الآية وقوله، مجرور عطفاً على قوله: فضل رباط، وتمام الآية: ﴿وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون﴾ [آل عمران: ٢٠]. قال زيد بن أسلم: اصبروا على الجهاد وصابروا العدو ورابطوا الخيل على العدو، وعن الحسن وقتادة: اصبروا على طاعة الله وصابروا أعداء الله ورابطوا في سبيل الله، وعن الحسن أيضاً: اصبروا على المصائب وصابروا على الصلوات الخمس، وقال محمد بن كعب: إصبروا على دينكم وصابروا لوعدي الذي وعدتكم عليه ورابطوا عدوي وعدوكم حتى يترك دينه لدينكم واتقوني فيما بيني وبينكم لعلكم تفلحون غداً إذا لقيتموني. وفي (تفسير ابن كثير): قال الحسن البصري: أمروا أن يصبروا على دينهم الذي ارتضاه الله لهم، وهو الإسلام، ولا يدعوه لسراء ولا لضراء ولا لشدة ولا لرخاء حتى يموتوا مسلمين، وأن يصابروا الأعداء الذين يملون دينهم. وقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد أخبرنا موسى بن إسحاق أخبرنا أبو جحيفة علي بن يزيد الكوفي أخبرنا ابن أبي كريمة عن محمد بن يزيد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال: أقبل أبو هريرة يوماً فقال: يا ابن أخي! أتدري فيما أنزلت هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا﴾ [آل عمران: ٢٠]. ٢٤٧ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (٧٤) الآية؟ قلت: لا. قال: أما أنه لم يكن في زمان النبي عَّ غزو يرابطون فيه، ولكنها نزلت في قوم يعمرون المساجد ويصلون الصلاة في مواقيتها ثم يذكرون الله فيها فعليهم أنزلت: ﴿اصبروا﴾ [آل عمران: ٢٠]. أي على الصلوات الخمس ﴿وصابروا﴾ [آل عمران: ٢٠]. أنفسكم وهواكم ﴿ورابطوا﴾ [آل عمران: ٢٠]. في مساجدكم ﴿واتقوا الله﴾ فيما علمكم ﴿لعلكم تفلحون﴾ [آل عمران: ٢٠]. وهكذا روى الحاكم أيضاً في (مستدركه). ١٠٥/ ٢٨٩٢ - حدّثنا عبْدُ الله بنُ مُنير قال سَمِعَ أبَا النَّصْرِ قال حدَّثنا عبْدُ الرَّحْمنِ بنُّ عَبْدِ الله بنِ دِينارٍ عنْ أَبِي حازِمٍ عنْ سَهْلِ بنِ سَعْدِ السَّاعِدِيِّ رضي الله تعالى عنهُ أنَّ رسولَ الله عَ لَّه قال رِباطُ يَوْم فيَ سَبِيلِ الله خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وما عَلَيْهَا ومَوْضِعُ سَوْطٍ أحَدِكُمْ مِنَ الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وما عَلَيْهَا والرَّوْحَةُ يَرُوحُهَا العَبْدُ في سَبِيلِ الله أو الغَدْوَةُ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وما عَلَيْهَا. [انظر الحديث ٢٧٩٤ وطرفيه]. مطابقته للترجمة ظاهرة، وعبد الله بن منير، بضم الميم وكسر النون أبو عبد الرحمن المروزي، وهو من أفراده، وأبو النضر، بفتح النون وسكون الضاد المعجمة واسمه هاشم بن القاسم التميمي، ويقال: الليثي الكناني، خراساني سكن بغداد ومات بها يوم الأربعاء غرة ذي القعدة سنة سبع ومائتين، وأبو حازم الأعرج سلمة بن دينار، وسهل بن سعد بن مالك الساعدي الأنصاري. والحديث أخرجه الترمذي فيه عن أبي بكر بن أبي النضر. قوله: ((سمع أبا النضر))، التقدير أنه سمع أبا النضر. قوله: ((رباط يوم))، قد مر تفسير الرباط عن قريب. قوله: ((وما عليها))، أي: على الدنيا وفائدة العدول عن قوله: وما فيها، هو أن معنى الاستعلاء أعم من الظرفية وأقوى فقصده زيادة المبالغة. قوله: ((وموضع سَوط أحدكم)). إلى قوله: ((عليها))، لأن الدنيا فانية وكل شيء في الجنة باقٍ، وإن صغر في التمثيل لنا، وليس فيه صغير، فهو أدوم وأبقى من الدنيا الفانية المنقطعة فكان الدائم الباقي خيراً من المنقطع. قوله: ((والروحة) إلى آخره، وتفسير الغدوة والروحة مر في أوائل كتاب الجهاد في: باب الغدوة والروحة، لأنه أخرج هناك عن سهل بن سعد عن النبي عَ لّم قال: ((الروحة والغدوة في سبيل الله أفضل من الدنيا وما فيها)). فإن قلت: روى أحمد والترمذي وابن ماجه من حديث عثمان، رضي الله تعالى عنه، ((رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل)). قلت: لا تعارض، لأنه باختلاف العاملين أو باختلاف العمل بالنسبة إلى الكثرة والقلة. ٧٤ - بابُ مَنْ غَزَا بِصَبِيّ لِلْخِدْمَةِ أي: هذا باب في بيان مشروعية خروج من غزا بصبي لأجل الخدمة بطريق التبعية، وإن كان لا يخاطب بالجهاد. ١٠٦/ ٢٨٩٣ - حدّثنا قُتَيْبَةُ قال حدَّثنا يَعْقُوبُ عنْ عَرِو عنْ أَنَسٍ بنِ مالِكٍ رضي ٢٤٨ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيَّرِ / باب (٧٤) الله تعالى عنهُ أنَّ النَّبِيَّ عَِّ قال لأِبِي طَلْحَةَ التَمِسْ لِي غُلامَاً مِنْ غِلْمَانِكُمْ يَخْدُمُنِي حتَّى أَخْرُجَ إِلَى خَيْبَرَ فَخَرَجَ بي أبو طَلْحَةَ مُزْدِفِي وأنَا غَلاَمٌ رَاهَقْتُ الحُلُمَ فَكُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللهِ عَّهِ إِذَا نَزَّلَ فَكُنْتُ أَسْمَعُهُ كَثِيرَاً يَقُولُ أَللَّهُمَّ إِنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ والحَزَنِ والعَجْزِ والكَسَلِ والبُخْلِ والجُبْنِ وضلَعِ الدَّيْنِ وغَلَبَةِ الرِّجَالِ ثُمَّ قَدِمْنَا خَيْبَرَ فَلَمَّا فَتَحَ الله عَلَيْهِ الْحِصْنَ ذُكِرَ لَهُ جَمالُ صَفِيَّةَ بِئْتِ حُيَيٍّ بنِ أُخْطَبَ وقَدْ قُتِلَ زَوْمُهَا وكانَتْ عَرُوساً فاضْطَفَاهَا رسولُ اللهِ عَلَّلِ لِنَفْسِهِ فخَرَجَ بِهَا حَتَّى بَلَغَنَا سَدَّ الصَّهْبَاءِ حَلَّتْ فَبَنَى بِهَا ثُمَّ صَنَعَ حَيْساً في نِطْعٍ صَغِيرٍ ثُمَّ قال رسولُ اللهِ عَ لِّ آذِنْ مَنْ حَوْلَكَ فَكَانَتْ تِلْكَ ولِيمَةَ رسولِ الله عَّه علىَّ صَفِئَةَ ثُمَّ خَرَجْنَا إِلى المَدِينَةِ قال فرَأيْتُ رسولَ الله عََّلِ يَحوِّي لَهَا وَرَاءَهُ بِعَبَاءَةٍ ثُمَّ يَجْلِسُ عِنْدَ بَعِيرِهِ فِيَضَعُ رُكْبَتَهُ فَتَضَعُ صَفِيَّةُ رِجْلَهَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ حتَّى تَوْكَبَ فَسِرْنَا حَتَّى إِذَا أَشْرَفْنَا عَلَى المَدِينَةِ نَظرَ إلى أُحُدٍ فقال لهُذَا جَبَلٌ يُحِبُنَا وِنُجِئُهُ ثُمَّ نَظَرَ إِلى المَدِينَةِ فقال اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّمُ ما بَيْنَ لاَبَتَيْهَا بِثْلِ ما حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكّةَ أَلَّهُمَّ بارِكْ لَهُمْ في مُدِّهِمْ وصاعِهِمْ. [انظر الحديث ٣٧١ وأطرافه]. مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((التمس لي غلاماً)) إلى قوله: ((فكنت أخدم رسول الله، عٍَّ)). ويعقوب هو ابن عبد الرحمن بن محمد القاري، بالتشديد، من القارة، حليف بني زهرة، أصله مدني سكن الإسكندرية، وعمرو بن أبي عمرو مولى المطلب. والحديث يشتمل على عدة أحاديث. الأول: حديث التمس لي غلاماً. الثاني: حديث الاستعاذة، أخرجه في الدعوات أيضاً عن قتيبة. الثالث: حديث صفية أخرجه أبو داود في البيوع وفي المغازي عن عبد الغفار بن داود وفي المغازي أيضاً عن أحمد. وأخرجه أبو داود في الخراج عن سعيد بن منصور عن يعقوب بن عبد الرحمن ببعضه. الرابع: حديث أحد وحديث لابتي المدينة، أخرجه أيضاً في الجهاد عن عبد العزيز بن عبد الله، وفي أحاديث الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، عن القعنبي وفي المغازي عن عبد الله بن يوسف وفي الاعتصام عن إسماعيل بن أبي أويس. وأخرجه مسلم في المناسك عن قتيبة ويحيى بن أيوب وعلي بن حجر وعن قتيبة وسعيد بن منصور، كلاهما عن يعقوب. وأخرجه الترمذي في المناقب عن الأنصاري وهو إسحاق بن موسى. ذكر معناه: قوله: ((لأبي طلحة)، زوج أم أنس، واسمه: زيد بن سهل الأنصاري، وقد مر غير مرة. قوله: ((يخدمني)) بالجزم لأنه جواب الأمر، ويجوز الرفع على تقدير: هو يخدمني. قوله: ((مردفي))، من الإرداف، والواو في قوله: ((وأنا غلام)) للحال. قوله: ((راهقت الحلم))، أي: قاربت البلوغ. قوله: ((من الهم والحزن))، قال الخطابي: أكثر الناس لا يفرقون بين الهم والحزن وهما على اختلافهما في الاسم يتقاربان في المعنى، إلاَّ أن الحزن إنما يكون على أمر قد وقع، والهم إنما هو فيما يتوقع، ولم يكن بعد. وقال القزاز: الهم هو الغم والحزن تقول: أهمني هذا الأمر وأحزنني، ويحتمل أن يكون من همَّه المرض إذا أذابه ٢٤٩ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (٧٥) وأنحله، مأخوذ من: هم الشحم إذا أذابه، والشيء مهموم أي: مذاب. قوله: ((وضلع الدين))، بفتح الضاد المعجمة واللام أي: ثقل الدين، وأمر مضلع أي: مثقل. قوله: ((وغلبة الرجال))، قال الكرماني: عبارة عن الهرج والمرج، ويقال: غلبة الرجال عبارة عن توحد الرجل في أمره وتغلب الرجال عليه. قوله: ((صفية بنت حيي))، بضم الحاء المهملة وفتح الياء آخر الحروف المخففة وتشديد الياء الأخيرة، ((وأخطب))، بسكون الخاء المعجمة وفتح الطاء المهملة وشذ بالمهملتين، وحديث صفية قد مر في كتاب البيوع في: باب هل يسافر الرجل بالجارية قبل أن يستبرئها؟ فإنه أخرجه هناك: عن عبد الغفار بن داود عن يعقوب بن عبد الرحمن عن عمرو ابن أبي عمرو عن أنس بن مالك، قال: قدم النبي عَّله خيبر ... الحديث إلى قوله: حتى تركب، وقد مر الكلام فيه هناك مستوفىّ. قوله: ((عروساً))، نعت يستوي فيه المذكر والمؤنث ما دام في تعريسهما أياماً، والأحسن أن يقال للرجل معرس لأنه قد أعرس، أي: اتخذ عرساً. قوله: ((سد الصهباء)) اسم موضع. قوله: ((حيساً)، بفتح الحاء المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره سين مهملة: وهو طعام يتخذ من التمر والأقط والسمن، وقد يجعل عوض الأقط الدقيق أو الفتيت. قوله: ((في نطع))، بفتح النون وكسرها وسكون الطاء وفتحها أربع لغات. قوله: ((يحوي))، أي: يجعل العباءة لها حوية يجعلها حول سنام البعير، وفي (العين): الحوية مركب يهيأ للمرأة، ويقال: الحوية كساء محشو. قوله: ((هذا جبل يحبنا))، قد مر عن قريب في: باب فضل الخدمة في الغزو، وكذلك حديث لابتي المدينة، قيل: في صدر هذا الحديث إشكال، قاله الداودي وغيره، وهو أن الظاهر أن ابتداء خدمة أنس للنبي عَّ كان من أول ما قدم المدينة، وأنه صح عنه أنه قال: خدمت النبي عَّم تسع سنين، وفي رواية: عشر سنين، وخيبر كانت سنة سبع، فيلزم أن يكون إنما خدم أربع سنين. وأجيب: بأن معنى قوله لأبي طلحة: إلتمس لي غلاماً من غلمانكم، تعيين من خرج معه في تلك السفرة، فعين له أبو طلحة أنساً، فينحط الالتماس على الاستئذان في المسافرة به لا في أصل الخدمة، فإنها كانت متقدمة فيزول الإشكال بهذا الوجه فافهم. وفي الحديث: جواز استخدام اليتيم بغير أجرة، لأن أنساً كان يخدمه من غير اشتراط أجرة ولا نفقة، فجائز على اليتيم أن تسلمه أمه أو وصيه وشبههما في الصناعة والمهنة، وهو لازم له ومنعقد عليه. وفي (التوضيح): وفيه: جواز استخدام اليتامى بشبعهم وكسوتهم، وجواز الاستخدام لهم بغير نفقة ولا كسوة إذا كان في خدمة عالم أو إمام في الدين، لأنه لم يذكر في حديث أنس أن له أجر الخدمة، وإن كان قد يجوز أن تكون نفقته من عند رسول الله، عَّةِ. وفيه: جواز حمل الصبيان في الغزو كما بوب له، والله أعلم. ٢٥٠ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيَّرِ / باب (٧٦) ٧٥ ۔۔ بابُ رکوب البحرِ أي: هذا باب في بيان ركوب البحر، ولكنه أطلق وذكره في أبواب الجهاد، يشير إلى تخصيصه بالغزو للرجال والنساء، فإذا جاز ركوبه للجهاد فللحج أجوز، وهو قول أبي حنيفة والشافعي في الأظهر، وكره مالك للمرأة الحج في البحر لأنها لا تكاد تستتر من الرجال، ومنهم من منع ركوب البحر مطلقاً، لأن عمر، رضي الله تعالى عنه، كان يمنع الناس من ركوب البحر فلم يركبه أحد طول حياته، ولا حجة في ذلك، لأن السنة أباحته للرجال والنساء في الجهاد، وهو حديث الباب، وغيره. وأخرج أبو عبيدة في (غريب الحديث) من حديث عمران الجوني: عنٍ زهير بن عبد الله يرفعه: من ركب البحر إذا ارتج فقد برئت منه الذمة، وفي رواية: فلا يلومن إلاّ نفسه، وزهير مختلف في صحبته. وقد أخرج البخاري حديثه في (تاريخه) فقال في روايته: عن زهير عن رجل من الصحابة، وإسناده حسن، وفيه تقييد المنع بالارتجاج، ومفهومه الجواز عند عدمه وهو المشهور من أقوال العلماء، فإذا غلبت السلامة فالبر والبحر سواء، قال الله تعالى: ﴿وهو الذي يسيركم في البر والبحر﴾ [يونس: ٢٢]. وقال أبو عبيدة: وأكبر ظني أنه قال: التج، باللاَّمِ، فدل على أن ركوبه مباح في غير هذا الوقت في كل شيء، في التجارة وغيرها. ١٠٧/ ٢٨٩٤ _ ٢٨٩٥ - حدَّثنا أَبُو النُّعْمَانِ قال حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ يَحْيِّى عنْ مُحَمَّدِ بنِ يَحْيَى بن حبَّنَ عنْ أَنَسِ بنِ مالِكِ رضي الله تعالى عنهُ قال حدَّثَتْنِي أُمُ حَرَامٍ أنَّ النَّبِيَّ عَ ◌ّه قال يَوْمَاً فِي بَيتِهَا فَاسْتَثْقَظَّ وَهْوَ يَضْحَكُ قالَتْ يا رسولَ الله ما يُضْحِكُكَ قال عَجِبْتُ مِنْ قَوْمٍ مِنّ أُمَّتِي يَرْكَبُونَ البَحْرَ كالمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ فَقُلْتُ يا رسولَ اللهِ ادْعُ الله أنٌ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ فقال أنتِ مَعَهُمْ ثُمَّ نامَ فاسْتَبْقَظَ وهو يَضْحَكُ فقال مِثْلَ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثاً قُلْتُ يا رسولَ الله ادْعُ الله أنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ فَيقولُ أنْتِ مِنَ الأوَّلِينَ فتزَوَّجَ بِهَا عُبَادَةُ بنُ الصَّامِتِ فخَرَجَ بِهَا إلى الغَزْوِ فَلَمَّا رَجَعَتْ قُرَّبَتْ دَابَّةٌ لَتَرْكَبَهَا فَوَقَعَتْ فَانْدَقَّتْ عُنْقُها. [انظر الحديثين ٢٧٨٨ و٢٧٨٩ وطرافهما]. مطابقته للترجمة ظاهرة، وأبو النعمان محمد بن الفضل السدوسي، ويحيى هو ابن سعيد الأنصاري القطان، ومحمد بن يحيى بن حبان، بفتح الحاء المهملة، وتشديد الباء الموحدة: ابن منقذ الأنصاري المدني. والحديث قد مضى عن قريب في: باب غزو المرأة في البحر، ومضى أيضاً في: باب من يصرع في سبيل الله، وفي: باب الدعاء في الجهاد. قوله: ((قال يوماً)) من القيلولة، وقد مر الكلام في هذه الأبواب مستقصىّ. ٧٦ - بابُ مَنِ اسْتَعَانَ بالضُّعَفَاءِ والصَّالِحِينَ في الحَرْبِ أي: هذا باب في بيان من استعان ... إلى آخره، يعني: ببركتهم ودعائهم. وقالَ ابنُ عَّاسٍ أُخبرَنِي أَبُو سُفْيَانَ قال قال لِي قَيْصَرُ سألْتُكَ أشْرَافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ فَزَعَمْتَ أَنَّ ضُعَفَاءَهُمْ اتَّبِعُوهُ وَهُمْ أتْبَاعُ الرُّسُلِ وجه ذكره عقيب الترجمة هو قوله: ((فزعمت أن ضعفاءهم اتبعوه وهم أتباع الرسل)) ٢٥١ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيَّرِ / باب (٧٦) وهو طرف من الحديث الطويل الذي في بدء الوحي في أول الكتاب، واسم أبي سفيان صخر ابن حرب - ضد الصلح - ابن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي القرشي الأموي المكي، أسلم ليلة الفتح، نزل المدينة ومات بها سنة إحدى وثلاثين، وصلى عليه عثمان بن عفان، وهو والد معاوية. وقيصر لقب هرقل مَلَكَ إحدى وثلاثين سنة، ففي ملكه مات النبي عَّهِ. ٢٨٩٦/١٠٨ - حدّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ قال حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ طَلْحَةَ عنْ طَلْحَةَ عنْ مُضْعَبِ بنِ سَعْدٍ قال رأى سَعْدٌ رضي الله تعالى عنه أنَّ لَهُ فَضْلاً عَلَى مَنْ دُونَهُ فقال النَّبِيُّ عَِّ هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُزْزَقُونَ إِلاَّ بِضُعَفَائِكُمْ. مطابقته للترجمة من حيث إنه عَ لَّ أخبر بأنهم لا ينصرون إلاَّ بالضعفاء والصالحين في كل شيء، عملاً بإطلاق الكلام، ولكن أهم ذلك وأقواه أن يكون في الحرب يستعينون بدعائهم ويتبركون بهم. ومحمد بن طلحة بن مصرف ابن عمرو اليامي. يروي عن أبيه طلحة بن مصرف، وهو يروي عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص. قوله: ((رأى سعد)) هو ابن أبي وقاص، وهو والد مصعب الراوي عنه، وصورة هذا مرسل لأن مصعباً لم يدرك زمان هذا القول. لكنه محمول على أنه سمع ذلك عن أبيه، وقد وقع التصريح بذلك في رواية النسائي مسعر: عن طلحة بن مصرف عن مصعب عن أبيه قوله: رأى، أي: ظن، وهي رواية النسائي. قوله: ((أن له فضلاً على من دونه)) أي: من أصحاب رسول الله عَّله، أي: بسبب شجاعته ونحو ذلك من جهة الغنى وكثرة المال. قوله: ((فقال النبي عَّلُ هل تنصرون ... ؟)) إلى آخره. وقال المهلب: إنما أراد عَِّ بهذا القول لسعدٍ الحض على التواضع، ونفي الكبر والزهو على قلوب المؤمنين، وأخبر، عَِّ، أن بدعائهم ينصرون ويرزقون، لأن عبادتهم ودعاءهم أشد إخلاصاً وأكثر خشوعاً لخلو قلوبهم من التعلق بزخرف الدنيا وزينتها، وصفاء ضمائرهم عما يقطعهم عن الله تعالى: جعلوا همهم واحداً. فزكت أعمالهم، وأجيب دعاؤهم. وفي رواية الإسماعيلي: إنما ينصر الله هذه الأمة بضعفائهم بدعواتهم وصلاتهم وإخلاصهم، وروى عبد الرزاق عن مكحول: أن سعداً قال: يا رسول الله! أرأيت رجلاً يكون حامية القوم ويدفع عن أصحابه، أيكون نصيبه كنصيب غيره؟ فقال عد له: (ثكلتك أمك يا ابن سعد، وهل ترزقون وتنصرون إلاَّ بضعفائكم)). ١٠٩ / ٢٨٩٧ - حدّثنا عبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قال حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ عَمْرٍو أنَّهُ سَمِعَ جابِراً عن أبي سَعيدٍ الْخُذْرِي رضي الله تعالى عنهم عنِ النَّبِيِّ عَ لِّه قال يأْتِي زَمانٌ يَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ فَيُقالُ فِيكُمْ مَنْ صَحِبَ النَّبِيَّ عَلَّهِ فَيُقالُ نَعَمْ فَيُفْتَحُ عَلَيْهِ ثُمَّ يأْتِي زَمانٌ فيُقالُ فِيكُمْ منْ صَحِبَ أصْحَابَ النِبِيِّ عَِّ فَيقالُ نَعَمْ فَيُفْتَحُ ثُمَّ يَأْتِي زَمانٌ فَيُقالُ فِيكُمْ مَنْ صَحِبَ صاحِبَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ عَلَّهِ فَيقال نَعَمْ فَيُفْتَحُ. [الحديث ٢٨٩٧ - طرفاه في: ٣٥٩٤، ٣٦٤٩]. ٢٥٢ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيِّ / باب (٧٧) مطابقته للترجمة من حيث إن من صحب النبي عَّلُ ومن صحب أصحاب النبي عَ ل له، ومن صحب صاحب أصحاب النبي عَ لّ هم ثلاثة: الصحابة والتابعون وأتباع التابعين، حصلت بهم النصرة لكونهم ضعفاء فيما يتعلق بأمر الدنيا، أقوياء فيما يتعلق بأمر الآخرة. وسفيان بن عيينة، وعمرو بن دينار، وجابر بن عبد الله الأنصاري الصحابي، وأبو سعيد الخدري اسمه: سعد بن مالك الأنصاري. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في علامات النبوة عن قتيبة، وفي فضائل الصحابة عن علي بن عبد الله. وأخرجه مسلم في الفضائل عن زهير بن حرب وأحمد بن عبدة، كلاهما عن سفيان به، وعن سعيد بن يحيى الأموي عن أبيه. قوله: ((فئام))، بكسر الفاء وفتح الهمزة، ويقال: فيام، بياء آخر الحروف مخففة، وفيه لغة أخرى وهي: فتح الفاء، ذكره ابن عديس. وفي (التهذيب): العامة تقول: فيام، وهي الجماعة من الناس، قال صاحب (العين): ولا واحد له من لفظه، قوله: ((فيكم من صحب رسول الله، عَّله)) وفي لفظ: هل فيكم من رأى رسول الله عَّه، بدل: من صحب، وهو رد لقول جماعة من المتصوفة القائلين: إن سيدنا رسول الله، عَّم لم يره أحد في صورته، ذكره السمعاني، وقال ابن بطال: يشهد لهذا الحديث قوله عَّ له: ((خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذین یلونهم)). وفيه: معجزة لسيدنا رسول الله، عَ لَّه وفضيلة لأصحابه وتابعيهم. ٧٧ - بابٌ لا يَقُولُ فلانٌ شَهيدٌ أي: هذا باب يذكر فيه: لا يقال فلان شهيد، يعني: على سبيل القطع، إلاَّ فيما ورد به الوحي. وقال أبُو هُرَيْرَةَ عنِ النَّبِيِّ عَلَّهِ: الله أَعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ في سَبِيلِهِ، الله أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ هذا التعليق طرف من حديث مضى في أوائل الجهاد في: باب أفضل الناس مؤمن مجاهد بنفسه وماله، من حديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة. قوله: ((بمن يكلم))، على صيغة المجهول أي: بمن يجرح. ١١٠/ ٢٨٩٨ - حدّثنا قُتَيْبَةُ قال حدَّثنا يَعْقُوبُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ عنْ أبِي حازمٍ عنْ سَهْلٍ بنِ سَعْدِ السَّاعِدِيِّ رضي الله تعالى عنهُ أنَّ رسولَ الله عَلَّهِ الْتَقَى هُوَ والمشْرِكُونَ فَاقْتَتَلُوا فَلَمَّا مال رسولُ اللهِ، عَّلِ إلى عَشْكَرِهِ ومالِ الآخَرُونَ إلى عَشْكَرِهِمْ وفي أضْحَابٍ رسول الله، عَّلِ رمجِلٌ لاَ يَدَعُ لَهُمْ شاذَّةً ولاَ فَاذَّةً إلاَّ اتَّبَعَهَا يَضْرِبُهَا بِسَيْفِهِ فقال ما أَجْزَأُ مِنَّا اليَوْمَ أحَدٌ كَما أَجْزَأَ فُلانٌ فقال رسولُ الله عَلَّلِ أَمَا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فقال رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ أنا صاحِبُهُ فخَرَجَ مَعَهُ كُلَّمَا وَقَفَ وقفَ مَعَهُ وإِذَا أُسْرَعَ أَسْرَعَ مَعَهُ قَال فَيُجُرِحَ الرَّجُلُ جُرْحَاً شَدِيداً ٢٥٣ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيَّرِ / باب (٧٧) فاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالأَرْضِ وذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ ثُمَّ تَحَامَلَ علَى سَيْفِهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَخَرَجَ الرَّجُلُ إلى رسولِ اللهِ عَ لِّ فقال أَشْهَدُ أَنَّكَ رسولُ الله قال وما ذاكَ قال الرَّجُلُ الَّذِي ذَكَرْتَ آنِفَاً أَنَّهُ مِنْ أهْلِ النَّارِ فأعْظَمَ النَّاسُ ذَلِكَ فَقُلْتُ أَنا لَكُمْ بِهِ فَخَرَجْتُ فِي طَلَبِهِ ثُم بجرِعَ بجرحَاً شَدِيداً فاسْتَعْجلَ المَوْت فوَضعَ نَصْلَ سَيْفِهِ في الأرْضِ وِذبابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيْهِ فَقَتَلَ نفْسَهُ فقال رسولُ اللهِ، عَ لّ ◌ِنْدَ ذَلِكَ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أهْلِ الجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ وإِنَّ الرَّجلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وهُوَ مِنْ أَهْلٍ الجَنَّةِ. ا[لحديث ٢٨٩٨ - أطرافه في: ٤٢٠٢، ٤٢٠٧، ٦٤٩٣، ٦٦٠٧]. مطابقته للترجمة من حيث إن الصحابة لما شهدوا برجحان هذا الرجل في أمر الجهاد كانوا يقولون: إنه شهيد لو قتل، ثم لما ظهر منه أنه لم يقاتل الله وأنه قتل نفسه، علم أنه لا يطلق على كل مقتول في الجهاد أنه شهيد قطعاً، لاحتمال أن يكون مثل هذا، وإن كان يعطى له حكم الشهداء في الأحكام الظاهرة. ويعقوب بن عبد الرحمن بن محمد، وقد مضى عن قريب، وأبو حازم، بالحاء المهملة والزاي: سلمة بن دينار الأعرج. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في المغازي. وأخرجه مسلم في الإيمان وفي القدر جميعاً عن قتيبة. قوله: ((التقى هو والمشركون))، وكان ذلك في غزوة خيبر، وقد أعاد هذا الحديث بعين هؤلاء الرجال وعين هذا المتن في: باب غزوة خيبر، وقال ابن الجوزي: كان في يوم أحد قوله: ((وفي أصحاب رسول الله، عَّلِ رجل))، واسمه قزمان وهو معدود في المنافقين، وكان تخلف يوم أحد فعيره النساء وقلن له: ما أنت إلا امرأة، فخرج فكان أول من رمى بسهم ثم كسر جف سيفه. ونادى: يا آل الأوس قاتلوا على الأحساب، فلما خرج مر به قتادة ابن النعمان فقال له: هنيئاً لك الشهادة، فقال: إني والله ما قاتلت على دين، ما قاتلت إلاّ على الحفاظ، ثم قتل نفسه، فقال رسول الله، عَّ له: إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر. قوله: ((لأ يدع لهم شاذة))، بشين وذال معجمتين، والفاذة، بالفاء وتشديد الذال المعجمة، قال الخطابي: الشاذة هي التي كانت في القوم ثم شذت منهم، والفاذة من لم يختلط معهم أصلاً، فوصفه بأنه لا يبقي شيئاً إلا أتى عليه، وقال الداودي: الشاذة والفاذة ما صغر وكبر ويركب كل صعب وذلول، ويقال: أنث الكلمتين على وجه المبالغة، كما قالوا: علامة ونسابة، وقيل: أنث الشاذة لأنها بمعنى النسمة. قوله: ((ما أجرأ))، بجيم وزاي وهمزة، يعني: ما أغنى ولا كفى. وقال القرطبي: كذا صحت فيه روايتان رباعياً. وفي (الصحاح) أجزأني الشيء: كفاني، وجزا عني هذا الأمر، أي: قضى. قوله: ((وذبابه)) ذباب السيف طرفه الذي يضرب به، وقال ابن فارس: ذباب السيف حده. قوله: ((بين ثدييه))، قال ابن فارس: الثدي للمرأة والجمع الثدي يذكر ويؤنث، وتندوة الرجل كثدي المرأة، وهو مهموز إذا ضم أوله، فإذا فتح لم يهمز، ويقال: هو طرف الثدي. قوله: ((ثم تحامل))، أي: مال، يقال: تحاملت ٢٥٤ - ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (٧٨) على الشيء إذا تكلفت الشيء على مشقته. قوله: ((فيما يبدو)) أي: فيما يظهر. قال الكرماني: فإن قلت: القتل هو معصية والعبد لا يكفر بالمعصية فهو من أهل الجنة لأنه مؤمن؟ قلت: لعل رسول الله، عَّهِ، علم بالوحي أنه ليس مؤمناً، أو أنه سيرتد حيث يستحل قتل نفسه، أو المراد من كونه من أهل النار: أنه من العصاة الذين يدخلون النار ثم يخرجون منها. انتهى. قلت: لو اطلع الكرماني على أنه كان معدوداً في المنافقين، أو على قوله: ما قاتلت على دين، لما تكلف بهذه الترديدات. وفيه: صدق الخبر عما يكون وخروجه على ما أخبر به الشارع، وهو من علامات النبوة. وفيه: زيادة تطمين في قلوب المؤمنين، ألا ترى أن الرجل حين رأى أنه قتل نفسه، قال: حين أخبر به الرسول، عَّ اللّهِ: أشهد أنك لرسول الله. وفيه: أن الاعتبار بالخواتيم وبالنيات. وفيه: أن الله يؤيد دينه بالرجل الفاجر. ٧٨ - بابُ التَخرِيضِ علَى الرَّفي أي: هذا باب في بيان التحريض أي: الحث على الرمي بالسهام. وقَوْلِ الله تعالى ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ ما اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الخَيْلِ تُزْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ الله وعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]. ((وقول الله))، بالجر عطفاً على قوله: التحريض المجرور بالإضافة، وقد مر الكلام في هذه الآية في كتاب الجهاد في: باب من احتبس فرساً في سبيل الله، والمراد بالقوة الرمي. وقال القرطبي: إنما فسر القوة بالرمي وإن كانت القوة تظهر بإعداد غيره من آلات الحرب، لكون الرمي أشد نكاية في العدو وأسهل مؤونة، لأنه قد يرمي رأس الكتيبة فيصاب فينهزم من خلفه. ٢٨٩٩/١١١ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ قال حدَّثنا حاتمُ بنُ إِسْمَاعِيلَ عنْ يَزِيدَ بنِ أبِي عُبَيْدٍ قال سَمِعْتُ سلَمَةَ بنَ الأْوَعِ رضي الله تعالى عنهُ قَال مرَّ النَّبِيُّ عَلَّهِ عَلَى نَفَرٍ مِنْ أَسْلَمَّ يَنْتَضِلُونَ فقال النَّبِيُّ عَّهِ ازْمُوَا بَنِي إِسْمَاعِيلَ فإنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِياً ارْمُوا وأنا مَعَ بَنِي فُلانٍ قال فأمْسَكَ أحَدُ الفَرِيقَيْنِ بأيْدِيهِمْ فقال رسولُ اللهِ عَِّ ما لَكُمْ لاَ تَرْمُونَ قالوا كَيْفَ نَرْمِي وأَنْتَ مَعَهُمْ قال النَّبِيُّ عَ لَّهِ ازْمُوا فأنَا مَعَكُمْ كُلُّكُمْ. [الحديث ٢٨٩٩ - طرفاه في: ٣٣٧٣، ٣٥٠٧]. مطابقته للترجمة في قوله: ((إرموا بني إسماعيل)) وفي قوله: ((إرموا)) في موضعين أيضاً. وفيه تحريض على الرمي أيضاً. وحاتم بن إسماعيل أو إسماعيل الكوفي؛ سكن المدينة، ويزيد - من الزيادة - ابن أبي عبيد - مصغر عبد - مولى سلمة بن الأكوع، والأكوع اسمه: سنان بن عبد الله الأسلمي. ٢٥٥ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيِّرِ / باب (٧٨) والحديث أخرجه البخاري أيضاً في أحاديث الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، عن قتيبة وفي مناقب قريش عن مسدد. قوله: ((من أسلم) أي: من بني أسلم، القبيلة المشهورة، وهي بلفظ: أفعل التفضيل من السلامة. قوله: ((ينتضلون)) بالضاد المعجمة أي يترامون، يقال: انتضل القوم إذا رموا للسبق والنضال. قوله: ((ارموا بني إسماعيل)) أي: يا بني إسماعيل، وحرف النداء محذوف، وفي كتاب ابن مطير من حديث أبي العالية عن ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما: أن النبي عَّه مر بنفر يرمون، فقال: ((رمياً بني إسماعيل فإن أباكم كان رامياً)). وفي (صحيح ابن حبان): عن أبي هريرة: خرج النبي ◌َّه وأسلم يرمون، فقال: إرموا بني إسماعيل فإن أباكم كان رامياً، إرموا وأنا مع ابن الأدرع، فأمسك القوم قسيهم، قالوا: من كنت معه غلب، قال: إرموا وأنا معكم كلكم. انتهى. واسم ابن الأدرع: محجن، قاله ابن عبد البر، وحكى ابن منده: أن اسمه سلمة، قال: والأدرع لقب، واسمه ذكوان، والله أعلم. قوله: ((فإن أباكم كان رامياً))، وذكر ابن سعد من طريق ابن لهيعة عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم: أخبرني بكر بن سوادة سمع علي بن رباح، يقول: قال رسول الله، عَّهِ: كل العرب من ولد إسماعيل بن إبراهيم، عليهما الصلاة والسلام، وفي كتاب الزبير: حدثني إبراهيم الحزامي حدثني عبد العزيز بن عمران عن معاوية بن صالح الحميري عن ثور عن مكحول قال عَ له: ((العرب كلها بنو إسماعيل إلا أربع قبائل: السلف والأوزاع وحضرموت وثقيف))، ورواه صاعد في كتاب (الفصوص) تأليفه، من حديث عبد العزيز بن عمران عن معاوية: أخبرني مكحول عن مالك ابن يخامر وله صحبة، فذكره. قوله: ((وأنا مع بني فلان)) قد مر في حديث أبي هريرة: وأنا مع ابن الأدرع، ووقع في رواية الطبراني: وأنا مع محجن بن الأدرع. قوله: ((قالوا: كيف نرمي وأنت معهم؟)) من القائلين هذا نضلة الأسلمي، ذكره ابن إسحاق في المغازي عن سفيان بن فروة الأسلمي عن أشياخ من قومه من الصحابة، قال: بينا محجن بن الأدرع يناضل رجلاً من أسلم يقال له: نضلة ... فذكر الحديث. وفيه، فقال نضلة، وألقى قوسه من يده: والله لا أرمي معه وأنت معه. قوله: ((وأنا معكم كلكم)) بكسر اللام، وسئل: كيف كان رسول الله، عَ له مع الفريقين وأحدهما غالب والآخر مغلوب؟ وأجيب بأن المراد منه معية القصد إلى الخير وإصلاح النية والتدرب فيه للقتال . . وفي الحديث دلالة على رجحان قول من قال من أهل النسب: إن اليمن من ولد إسماعيل وأسلم من قحطان. وفيه: إطلاق الأب على الجد وإن علا. وفيه: أن السلطان يأمر رجاله بتعلم الفروسية ويحض عليها خصوصاً الرمي بالسهام. وقد وردت فيه أحاديث تدل على فضله والتحريض عليه. فمنها ما رواه الترمذي عن أبي نجيح، يعني عمرو بن عنبسة يرفعه: من رمى بسهم في سبيل الله فهو له عدل محرر، وقال: حسن صحيح. ومنها: ما رواه النسائي عن كعب بن مرة: من رمى بسهم في سبيل الله ٢٥٦ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (٧٨) فبلغ العدو، أو لم يبلغ، كان له كعتق رقبة. ومنها: ما رواه ابن حبان عن كعب بن مرة: هذا، قال: سمعت رسول الله، عَّهِ، يقول: من بلغ العدو بسهم رفع الله له درجة، فقال له عبد الرحمن بن النحام، وما الدرجة يا رسول الله؟ قال: أما إنها ليست بعتبة أمك، ما بين الدرجتين مائة عام. ومنها: ما ذكره في (الخلعيات) من حديث الربيع بن صبيح عن الحسن عن أنس: يدخل الله بالسهم الجنة ثلاثة: الرامي به وصانعه والمحتسب به. وفي لفظ: من اتخذ قوساً عربية وجغيره - يعني: كنانته - نفى الله عنه الفقر، وفي لفظ: أربعين سنة. قلت: ذكر الخطيب أن الحسن هذا هو ابن أبي الحسناء. ومنها: ما رواه أبو داود من حديث أبي راشد الحبراني عن علي، رضي الله تعالى عنه، رأى رسول الله، عَّه رجلاً يرمي بقوس فارسية، فقال: إرم بها، ثم نظر إلى قوس عربية، فقال: عليكم بهذه وأمثالها فإن بهذه يمكن الله لكم في البلاد ويزيدكم في النصر، وذكر البيهقي عن أبي عبد الرحمن بن عائشة، أنها قالت: قال أهل العلم، إنما نهى عن القوس الفارسية لأنها إذا انقطع وترها لم ينتفع بها صاحبها، والعربية إذا انقطع وترها كانت له عصا ينتفع بها. ١١٢ /٢٩٠٠ - حدّثنا أَبُو نُعَيْمِ قال حدَّثنا عبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الغَسِيلِ عنْ حَمْزَةَ بنِ أبِي أُسَيْدٍ عنْ أَبِيهِ قال قال النَّبِيُّ عَّهِ يَوْمَ بَدْرِ حِينَ صَفَّفْنا لِقُرَيْشٍ وصَفُّوا لَنا إِذَا أَكْفَبُوكُمْ فَعَلَيْكُمْ بِالنَّبْلِ. [الحديث ٢٩٠٠ - طرفاه في: ٣٩٨٤، ٣٩٨٥]. مطابقته للترجمة في قوله: ((فعليكم بالنبل))، فإنه تحريض على الرمي بالسهام، وأبو نعيم، بضم النون: الفضل بن دكين، وعبد الرحمن بن الغسيل هو عبد الرحمن بن سليمان بن عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر الراهب، وحنظلة هو غسيل الملائكة، مر في الجمعة في: باب من قال أما بعد، وحمزة، بالحاء المهملة وبالزاي: ابن أبي أسيد، بضم الهمزة وفتح السين وإسكان الياء آخر الحروف، وأبو أسيد اسمه مالك الساعدي الخزرجي مر في: باب من شكا إمامه. قوله: ((حين صففنا لقريش)) قال الخطابي: وفي بعض النسخ: حين أسففنا، مكان: صففنا، فإن كان محفوظاً فمعناه القرب منهم والتدلي عليهم. كأن مكانهم الذي كانوا فيه أهبط من مصاف هؤلاء، ومنه قولهم: أسف الطائر في طيرانه إذا انحط إلى أن يقارب وجه الأرض، ثم يطير صاعداً. قوله: ((إذا كثبوا))، بالثاء المثلثة والباء الموحدة، يقال: أكثبك الصيد إذا أمكنك أو قرب منك، والمعنى هنا: إذا دنوا منكم وقاربوكم، وفي (الغريبين): إذا كثبوكم من الكثب بفتحتين وهو القرب، وقد استشكل بأن الذي يليق بالدنو المطاعنة بالرمح والمضاربة بالسيف، وأما الذي يليق برمي النبل فالبعد، والجواب أنه لا إشكال فيه، والمعنى هو الذي مر ذكره، لأنهم إذا لم يقربوا ورموهم على بعد قد لا تصل إليهم وتذهب نبالهم ضياعاً، ويؤيد هذا ما رواه أبو داود من حديث حمزة بن أبي أسيد عن أبيه قال: قال رسول الله عَّ له، حين اصطففنا يوم بدر: إذا غشوكم فارموهم بالنبل واستبقوا نبلكم، وفي رواية له: إذا أكثبوكم فارموهم ولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم. وقال الداودي: معنى أكثبوكم: 1 ٢٥٧ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيرِ / باب (٧٩) كاثروكم، ورد عليه هذا التفسير بأنه لا يعرف. قوله: ((فعليكم بالنبل))، أي: لازموها، والنبل جمع نبلة ويجمع على نبال أيضاً، وهي: السهام العربية اللطاف. ٧٩ - بابُ اللَّهْوِ بالحِرَابِ ونَخوها أي: هذا باب في بيان مشروعية اللهو بالحراب، بكسر الحاء: جمع الحربة. قوله: ونحوها، أي: نحو الحراب من آلات الحرب كالسيف والقوس والنبل. ١١٣/ ٢٩٠١ _ حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى قال أخبرنا هِشامٌ عنْ مَعْمَرٍ عنِ الزُّهْرِيِّ عنِ ابنِ المُسَيَّبِ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه قال بَيْنَا الحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ عِنْدَ النَّبِيِّ عَِّ بِحِرَابِهِمْ دَخَلَ عُمَرُ فَأَهْوَى إلى الحَصَى فَحَصَبَهُمْ بِها فقال دَعْهُمْ يا عُمَرُ. وَزَادَ عَلَيٌّ قال حدَّثنا عبدُ الرَّزَّاقِ قال أُخْبَرَنَا مَعْمَرٌ في المَسْجِدِ. مطابقته للترجمة ظاهرة. فإن قلت: ليس في الحديث ذكر الحراب؟ قلت: ورد ذكره في بعض طرقه في حديث عائشة، وقد مر في كتاب الصلاة في: باب أصحاب الحراب في المسجد. وإبراهيم بن موسى بن يزيد الفراء أبو إسحاق الرازي، يعرف بالصغير، وهشام بن يوسف، ومعمر بن راشد، والزهري محمد بن مسلم، وابن المسيب سعيد. والحديث أخرجه مسلم في العيد عن محمد بن رافع وعبد بن حميد. قوله: ((فأهوى))، أي: قصد، والحصى: جمع حصاة. قوله: ((فحصبهم بها)) أي: رماهم بالحصى. قوله: ((دعهم أي: اتركهم. قوله: ((وزاد علي))، أي: ابن المديني، والزيادة هي لفظة: في المسجد، وفي رواية الكشميهني: وزادنا علي، وفي (التوضيح): واللعب بالحراب سنة ليكون ذلك عدة للقاء العدو، وليتدرب الناس فيه. ولم يعلم عمر، رضي الله تعالى عنه، معنى ذلك حين حصبهم حتى قال له معَّ ◌ُله: دعهم. وفيه: أن من تأول فأخطأ لا لوم عليه، لأنه عٍَّ لم يوبخ عمر إذ كان متأولاً، وقال ابن التين: حصبُ عمر الحبشة يحتمل أن يكون ظن أنه لم ير رسول الله، عَّه ولم يعلم أنه رآهم أو يكون ظن أنه استحيى منهم، وهذا أولى لقوله: يلعبون عند رسول الله، عَ لّهِ. وفيه: جواز مثل هذا اللعب في المسجد إذا كان فيما يشمل الناس لعبه. ٨٠ - بابُ المِجَنِّ ومنْ يَرَّسُ بِتَرْسِ صاحِبِهِ أي: هذا باب في ذكر المجن، وهو بكسر الميم وفتح الجيم وتشديد النون، وهو الدرقة. وقال ابن الأثير: هو الترس لأنه يواري حامله أي يستره، والميم زائدة. قوله: ((ومن يترس)) أي: وفي ذكر من يتترس أي: يستتر بترس صاحبه. ٢٩٠٢/١١٤ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ مُحَمَّدٍ قال أخبرنا عبدُ الله قال أخبرنا الأوْزَاعِيُّ عنْ إِسْحَاقَ بنِ عَبْدِ الله بنٍ أَبِي طَلْحَةَ عنْ أنَسٍ بنِ مالِكِ رضي الله تعالى عنه قال كانَ أَبُو عمدة القاري/ ج ١٤ م١٧ ٢٥٨ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيَّرِ / باب (٨٠) طَلْحَةَ يَتَتُوَّسُ مَعَ النَّبِيِّ عَ لِ بِتْسٍ واحِدٍ وكَانَ أَبُو طَلْحَةَ حَسَنَ الرَّمْي فَكَانَ إذَا رَمَى تَشَرَّفَ الَّبِيُّ عَ لِ فَيَنْظُرُ إلى مَوْضِعَ نَبْلِهِ. [انظر الحديث ٢٨٨٠ وطرفيه]. مطابقته للترجمة ظاهرة في المجن والتستر بترس صاحبه. وأحمد بن محمد أبو حسن الخزاعي المروزي، وعبد الله هو ابن المبارك المروزي، والأوزاعي: هو عبد الرحمن وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة واسمه: زيد بن سهل الأنصاري ابن أخي أنس بن مالك، وسيأتي بأثم من هذا في غزوة أحد. قوله: ((يتترس مع النبي عَّ له بترس واحد)) لأن الرامي لا يمسك الترس لأنه يرمي بيديه جميعاً فيستره رسول الله، عَّه لئلا يرمي، وكان حسن الرمي، وانكسر في يده قوسان أو ثلاثة، وفي رواية أنه كان يقول لرسول الله، عَّ له: لا تنصرف فيصيبك العدو ونجري دون نحرك. وفي حديث سهل: لما أصيب سيدنا رسول الله، عَّ له يوم أحد بما ذكر من كسر البيضة والرباعية، - وهي السن التي بين الثنية والناب ـ وأدمى وجهه عتبة بن أبي وقاص أخو سعد، ورماه ابن قميئة، وقال: خذها وأنا ابن قميئة، فقال له رسول الله، عَّاله: ((أقماك الله في النار)). فدخل بعد ذلك في صبرة غنم فنطحه تيس منها وراءه فلم يوجد له مكان، وأراد أبيُّ ابن خلف أن يرميه فأراد أبو طلحة أن يحول بينه وبينه فقال له النبي عَ له: كما أنت، ورمى رسول الله، عَّ الله، فأصابه تحت سابغة الدرع في نحره فمات من يومه. قوله: ((تشرف))، يقال تشرف الرجل إذا تطلع على شيء من فوق، ويروى ((يشرف))، بضم الياء من الإشراف. ٢٩٠٣/١١٥ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ عُفَيْرٍ قال حدَّثنا يَعْقُوبُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ عن أبِي حازِمٍ عنْ سَهْلٍ قال لما كُسِرَتْ بَيْضَةُ النَّبِيِّ عَِّ علَى رأسِهِ وَأُدْمِيَ وجْهُهُ وكُسِرَتْ رَباعِيَتُهُ وكانَّ عَلِيٌّ يَخْتَلِفُ بِالمَاءِ في المِجَنِّ وكَانَتْ فاطِمَةُ تَغْسِلُهُ فَلَمَّا رأْتِ الدَّمَ يَزِيدُ عَلَى المَاءِ كَثْرَةً عَمَدَتْ إلى حَصِيرٍ فأخْرَقَتْها وألْصَقَتْهَا على بُرْحِهِ فَرَقَأَ الدَّم. [انظر الحديث ٢٤٣ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((في المجن)). ويعقوب وأبو حازم سلمة، وسهل بن سعد قد مضوا عن قريب. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الطب عن قتيبة. وأخرجه مسلم في المغازي عن قتيبة، وقد مضى الكلام الآن في قوله: ((لما كسرت بيضة النبي عَّ ◌ُّ) إلى قوله: ((وكان علي)) والبيضة، بفتح الباء: الخودة. قوله: ((وكان علي)) رضي الله تعالى عنه ((يختلف بالماء)) مرة بعد أخرى. قوله: ((كثرة))، نصب على التمييز. قوله: ((عمدت))، أي: قصدت. قوله: ((فرقأ الدم))، بفتح الراء وبالهمز، أي: فسكن عن الجري. وقال صاحب (الأفعال): يقال: رقأ الدم والدمع إذا سكن بعد جریه. وفيه: امتحان الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، وإبلاؤهم ليعظم بذلك أجرهم ويكون ٢٥٩ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (٨٠) أسوة بمن ناله جرح وألم من أصحابه فلا يجدون في أنفسهم مما نالهم غضاضة، ولا يجد الشيطان السبل إليهم بأن يقول لهم: تقتلون أنفسكم وتحملون الآلام في صون هذا، وإذا أصابه ما أصابهم فقدت هذه المكيدة من اللعين وتأسى الناس به وجدوا في مساواتهم له في جميع أحوالهم. وفيه: خدمة الإمام وبذل السلاح. وفيه: دليل على أن ترسهم كان مقعراً ولم يكن منبسطاً، فلذلك كان يمكن حمل الماء فيه. وفيه: أن النساء ألطف بمعالجة الرجال والجرحى. ٢٩٠٤/١١٦ _ حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قال حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ عَمْرٍو عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ مالِكِ بنِ أوْسِ بنِ الحَدَثَانِ عنْ عُمَرَ رضي الله تعالى عنه قال كانَتْ أَمْوالُ بَنِي النَّضِيرِ مِنَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِه عَ لَّ مِمَّا لَمْ يُوجِفِ الْمُسْلِمُونِ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ ولا رِكاب فَكانَتْ لِرَسُولٍ الله عَلَّمِ خاصةً وكانَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نفَقَةَ سنَتِهِ ثُمَّ يَجْعَلُ ما بَقِيَ في السّلاحِ والكُرَاعِ عُدَّةٌ في سَبِيلِ الله. [الحديث ٢٩٠٤ - أطرافه في: ٣٠٩٤، ٤٠٣٣، ٤٨٨٥، ٥٣٥٧، ٥٣٥٨، ٦٧٢٨، ٧٣٠٥]. مطابقته للترجمة في قوله: ((ثم يجعل ما بقي ... )) إلى آخره، لأن المجن من جملة آلات السلاح، وعلي بن عبد الله هو المسندي، وسفيان هو ابن عيينة، وعمرو هو ابن دينار، والزهري محمد بن مسلم، ومالك بن أوس بن الحدثان، بالحاء والدال المهملتين وبالثاء المثلثة كلها بالفتح، مر في الزكاة. قيل: إن له صحبة. والحديث أخرجه مسلم في المغازي عن قتيبة ومحمد بن عباد وإسحاق بن إبراهيم وأبي بكر بن أبي شيبة. وأخرجه أبو داود في الجراح عن عثمان بن أبي شيبة وأحمد بن عبدة الضبي. وأخرجه الترمذي في الجهاد عن ابن أبي عمر. وأخرجه النسائي في عشرة النساء عن سعيد بن عبد الرحمن وعن زياد بن أيوب، وفيه، وفيه قسم الفيء عن عبيد الله بن سعيد وفي التفسير عن عبيد الله بن سعيد أيضاً ويحيى بن موسى وهارون بن عبد الله. قوله: ((بني النضير))، بفتح النون وكسر الضاد المعجمة: بنو النضير وبنو قريظة بطنان من اليهود من بني إسرائيل. قوله: ((مما أفاء الله)) من الفيء، وهو ما حصل للمسلمين من أموال الكفار من غير حرب ولا جهاد. قوله: ((مما لم يوجف)) من الإيجاف، وهو الإسراع في السير، ويقال: وجف البعير يجف وجفاً ووجيفاً، وهو ضرب من سيره، وأوجه صاحبه إذا سار به ذلك السير، وقال ابن عباس: أوجف أعنق في السير، والمعنى: لم يعملوا فيه سعياً لا بالخيل ولا بالركاب وهي الإبل، وكانت غزوة بني النضير في سنة أربع، وقال الزهري في سنة ثلاث. قوله: ((فكان لرسول الله، عَّ اللّه خاصة))، أي: فكانت أموال بني النضير لرسول الله، عَّله على الخصوص لا يشاركه فيها أحد، وعن مالك بن أوس بن الحدثان، قال: أرسل إلي عمر بن الخطاب فدخلت عليه فقال: إنه قد حضر أهل أبيات من قومك، وإنا قد أمرنا لهم برضخ فاقسمه بينهم. فقلت: يا أمير المؤمنين: مر بذلك غيري، قال إقبضه أيها المرء، ٢٦٠ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (٨٠) فبينا أنا كذلك، إذ جاء برقاء مولاه فقال: عبد الرحمن بن عوف والزبير وعثمان وسعد يستأذنون، فقال: إيذن لهم، ثم مكث ساعة ثم جاء فقال: هذا علي والعباس يستأذنان، فقال: إيذن لهما، فلما دخل العباس، قال: إقضٍ بيني وبين هذا الغادر الفاجر الخائن، وهما حينئذ يختصمان فيما أفاء الله على رسوله من أموال بني النضير، فقال القوم: إقسم بينهما يا أمير المؤمين، فأرح كل واحد منهما من صاحبه فقد طالت خصومتهما، فقال: أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السموات والأرض، أتعلمون أن رسول الله، عَ لّه قال: لا نورث ما تركناه صدقة؟ قالوا: قد قال ذلك، ثم قال لهما: أتعلمان أن رسول الله، عَّ له قال: لا نورث ما تركناه صدقة؟ قالا: نعم، قال: فسأخبركم بهذا الفيء: إن الله تعالى خص نبيه بشيء لم يعطه غيره فقال: و ﴿وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب﴾ [الحشر: ٦]. وكانت هذه لرسول الله، عَّلِ خاصة، فوالله ما اختارها دونكم ولا استأثرها دونكم ولقد قسمها عليكم حتى بقي منها هذا المال، وكان رسول الله، عَّله ينفق على أهله منه نفقة سنتهم ثم يجعل ما بقي في مال الله، قوله: ((والكراع))، وهو اسم للخيل. قوله: ((عدة))، وهي الاستعداد، وما أعددته لحوادث الدهر من السلاح ونحوه. ١١٧/ ٢٩٠٥ - حدّثنا قَبِيصَةُ قال حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ سَعْدِ بنِ إِبْرَاهِيمُ قال حدَّثني عبْدُ الله بنُ شَدَّادٍ قال سَمِعْتُ عَلِيَّاً رضي الله تعالى عنهُ يَقُولُ ما رَأَيْتُ النّبِيَّ عَّ ◌َلِ يُفَدِّي رَجُلاً بَعْدَ سَعْدٍ قال سَمِعْتُهُ يَقُولُ ازْمٍ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي. [الحديث ٢٩٠٥ - أطرافه في: ٤٠٥٨، ٤٠٥٩، ٦١٨٤]. قيل: دخول هذا الحديث هنا لا وجه له، لأنه لا يطابق واحداً من جزئي الترجمة. وأجيب: بأنه أثبت أن شبويه قبل هذا الحديث لفظ: باب بغير ترجمة فَعلى هذا يكون له وجه من حيث أن الرامي لا يستغني عن شيء يقي به نفسه من سهام من يقصده. قلت: هذا لا يخلو عن تعسف، والأوجه أن يقال: وجه المناسبة أن فيه ذكر الرمي، وكذلك الحديث المذكور في أول الباب فيه ذكر الرمي، فهذا القدر كاف في ذلك. وقبيصة بفتح القاف هو ابن عقبة، قد تكرر ذكره، وزعم أبو نعيم في (مستخرجه) أن لفظ قبيصة هنا تصحيف من الكاتب، وأن الصواب: حدثنا قتيبة، وسفيان هو ابن عيينة. قلت: كأنه علل بأن المراد من سفيان هنا هو الثوري، وأن قتيبة لم يسمع من الثوري، ولكن لا مانع أن يكون لكل واحد من السفيانين هذا الحديث. وقد أخرج البخاري في الأدب هذا الحديث من طريق يحيى القطان عن سفيان الثوري، وأخرجه في المغازي أيضاً عن أبي نعيم وعن بسرة بن صفوان، وأخرجه مسلم في الفضائل عن منصور بن أبي مزاحم وعن أبي بكر بن أبي شيبة وعن أبي كريب وإسحاق بن إبراهيم وعن ابن أبي عمر عن سفيان بن عيينة وعن ابن المثنى وابن بشار، وأخرجه الترمذي في المناقب عن محمود بن غيلان. وأخرجه النسائي في اليوم والليلة عن بندار عن يحيى عن