النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيَّرِ / باب (٣١) الزيات السمان. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الصلاة وفي المرضى عن أبي عاصم. وأخرجه الترمذي في الجنائز عن قتيبة وعن إسحاق بن موسى. وأخرجه النسائي في الطب عن قتيبة. قوله: ((المطعون))، هو: الذي مات في الطاعون، وقال الجوهري: هو الموت من الوباء. قوله: ((والمبطون))، أي: العليل بالبطن. قوله: ((والغرق))، بفتح الغين المعجمة وكسر الراء، وهو الذي يموت بالغرق، وقيل: هو الذي غلبه الماء ولم يغرق، فإذا غرق فهو غريق. قوله: ((وصاحب الهدم))، قال ابن الأثير: الهدم، بالتحريك: البناء المهدوم فعل بمعنى مفعول وبالسكون الفعل نفسه. قوله: ((والشهيد في سبيل الله))، وقال الطيبي: يلزم منه حمل الشيء على نفسه، لأن قوله: ((خمسة)) خبر للمبتدأ، أو المعدود بعده بيان له، وأجاب بأنه من باب قول الشاعر: أنا أبو النجم وشعري شعري فافهم ... ٤٦ / ٢٨٣٠ - حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُحَمَّدٍ قال أخبرنا عبْدُ الله قال أخبرنا عاصِمٌ عنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سيرِينَ عنْ أَنَسٍ بنِ مالِكِ رضي الله تعالى عنه عنِ النَّبِيِّ عَِّ قال الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِكُلٌ مُسلِمٍ. [الحديث ٢٨٣٠ - طرفه في: ٥٧٣٢]. مطابقته للترجمة من حيث إن أحد السبعة التي هي الترجمة، وأحد الخمسة التي في الحديث السابق. وبشر، بكسر الباء الموحدة: ابن محمد أبو محمد السختياني المروزي، وعبد الله هو ابن المبارك المروزي، وعاصم هو ابن سليمان الأحول، وحفصة بنت سيرين هي أخت محمد بن سیرین. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الطب عن موسى بن إسماعيل. وأخرجه مسلم في الجهاد عن حامد بن عمر. قوله: ((الطاعون))، هو المرض العام والوباء الذي يفسد له الهواء فتفسد به الأمزجة والأبدان، وقيل: الطاعون هو الذي أصابه الطعن، وهو الوجع الغالب الذي ينطفي به الروح، كالذبحة ونحوها، وروى أسامة عن رسول الله، عَ له أنه قال: ((والطاعون رجز أرسل على من كان قبلكم))، وإنما سمي طاعوناً لعموم مصابه وسرعة قتله، فيدخل فيه مثله مما يصلح اللفظ له. ٣١ - بابُ قَوْلِ الله تعالى ﴿لاَ يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أولي الضَّرَرِ والْمُجَاهِدُونَ في سَبِيلِ الله بأمْوَالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ فَضْل الله الْمُجَاهِدِينَ بِأُمْوَالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ عَلَى القاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاَّ وَعَدَ الله الحُسْنَى وفَضَّلَ الله المُجَاهِدِينَ عَلَى القاعِدِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿غَفُورَاً رَحِيماً﴾ [النساء: ٩٥]. أي: هذا باب في بيان سبب نزول قوله تعالى: ﴿لا يستوي القاعدون﴾ [النساء: ٩٥]. ١٨٢ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (٣١) الآية، والقاعدون جمع قاعد، وأراد بهم القاعدين عن الجهاد، وكلمة: من، للبيان والتبعيض، وأريد بالجهاد غزوة بدر، قاله ابن عباس. وقال مقاتل: غزوة تبوك، والضرر مثل العمى والعرج والمرض. قوله: ((والمجاهدون))، عطف على قوله: القاعدون. قوله: ((وفضل الله المجاهدين))، هذه الجملة موضحة للجملة الأولى التي فيها عدم استواء القاعدين والمجاهدين، كأنه قيل: ما بالهم لا يستوون؟ فأجيب بقوله: فضل الله المجاهدين، قوله: ((درجة))، نصب بنزع الخافض، وقيل: مصدر في معنى: تفضيلاً، وقيل: حال، أي ذوي درجة. قوله: ((وكلا))، أي: وكل فريق من القاعدين والمجاهدين. قوله: ((وعد الله الحسنى))، أي: المثوبة الحسنى، وهي الجنة. قوله: ((إلى قوله ﴿غفوراً رحيماً﴾ [النساء: ٩٥])). أراد به تمام الآية وهو قوله: ﴿على القاعدين أجراً عظيماً درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفوراً رحيماً﴾ [النساء: ٩٥]. قال الزمخشري: أجراً انتصب بفضل لأنه في معنى آجرهم أجراً. قوله ﴿درجات﴾ أي: في الجنة. قال الزمخشري: ويجوز أن ينتصب درجات، نصب درجة، كما نقول: ضربه أسواطاً بمعنى: ضربات، كأنه قيل: وفضلهم تفضيلاً. قوله: ﴿ومغفرة ورحمة﴾ بدل من أجراً ﴿وكان الله غفوراً رحيماً﴾ [النساء: ٩٥]. للفريقين. فإن قلت: ما الحكمة في أن الله تعالى ذكر في أول الكلام درجة، وفي آخره درجات؟ قلت: الأولى: لتفضيل المجاهدين على أولي الضرر. والثانية: للتفضيل على غيرهم. وقيل: الأولى درجة المدح والتعظيم، والثانية منازل الجنة. ٢٨٣١/٤٧ - حدَّثنا أبو الوَلِيدِ قال حدَّثنا شُعْبَةُ عن أبي إسْحَاقَ قال سَمِعْتُ البَرَاءَ رضي الله تعالى عنه يَقُولُ لَمَّا نَزَلَتْ ﴿لاَ يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٩٥]. دَعَا رسولُ الله عَ لَلِ زَيْداً فَجاءَ بِكَتِفٍ فَكْتَبَهَا وشَكًا ابنُ أُمّ مَكْثُومٍ ضَرَارَتَهُ فَنَزَلَتْ: ﴿لاَ يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥]. [الحديث ٢٨٣١ - طرفاه في: ٤٥٩٣، ٤٥٩٤، ٤٩٩٠]. مطابقته للترجمة من حيث إنه يبين سبب نزول قوله: ﴿لا يستوي القاعدون ... ﴾ [النساء: ٩٥]. إلى آخره، وأبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، وأبو إسحاق هو عمرو ابن عبد الله السبيعي الهمداني الكوفي. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في التفسير عن حفص بن عمر. وأخرجه مسلم في الجهاد عن أبي موسى وبندار. قوله: (((زيدا)، هو زيد بن ثابت الأنصاري النجاري. قوله: ((بكتف))، بفتح الكاف وكسر التاء: وهو عظم عريض يكون في أصل كتف الحيوان من الناس والدواب، كانوا يكتبون فيه لقلة القراطيس عندهم. قوله: ((ابن أم مكتوم))، هو عمرو بن قيس العامري، واسم أمه عاتكة المخزومية. قوله: ((ضرارته))، أي: ذهاب بصره. وفيه: اتخاذ الكاتب، وتقييد العلم. ١٨٣ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيرِ / باب (٣٢) ٤٨/ ٢٨٣٢ - حدّثنا عبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله قال حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدِ الزُّهْرِيُّ قال حدَّثني صالِحُ بنُ كَيْسَانَ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ سَهْلِ بنِ سَعْدِ السَّاعِدِيِّ أنَّهُ قال رأيتُ مَرْوَانَ ابنّ الحَكَمِ جالساً في الْمَسْجِدِ فأقْبَلْتُ حتَّى جَلَسْتُ إلى جَنْبِهِ فَأَخْبَرَنا أنَّ زَيْدَ بنَ ثابِتٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسولَ الله عَلَّلِ أَمْلى عَلَيْهِ ﴿لاَ يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿والمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله﴾ قال فَجاءَهُ ابنُ أُمّ مَكْثُومٍ وهَوَ مُمِلُهَا عَليَّ فقال يا رسولَ الله لَوْ أَسْتَطِيعُ الجِهَادَ لَجَاهَدْتُ وكانَ رَجُلاً أَعْمَى فَأَنْزَلَّ الله تبارَكَ وتَعالى على رسولِهِ عَّ ◌ُلَّهِ وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي فِتَقُلَتْ عَلَيَّ حَتَّى خِفْتُ أنْ تُرَضَّ فَخِذِي ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَأَنْزَلَ الله عزَّ وجلَّ ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥]. [الحديث - طرفه في: ٤٥٩٢]. مطابقته للترجمة ظاهرة، ورجاله قد ذكروا غير مرة، ومروان هو ابن الحكم، كان أمير المدينة زمن معاوية. والحديث من أفراده. ومن لطائف إسناده أن سهل بن سعد الصحابي يروي عن مروان وهو تابعي. قوله: ((يملها))، بضم الياء وكسر الميم وتشديد اللاَّم أي: يمليها، والظاهر أن ياءه منقلبة عن إحدى اللامين، قوله: لو أستطيع الجهاد، أصله: لو استطعت، عدل إلى المضارع إما لقصد الاستمرار، أو لغرض الاستمرار. قوله: ((وكان رجلاً أعمى))، أي: كان ابن أم مكتوم. قوله: ((وفخذه)) الواو فيه للحال. قوله: ((أن ترضَّ)) من الرضِّ، بتشديد الضاد المعجمة، وهو الدق الجرش. قوله: ((ثم سري عنه))، بالتخفيف والتشديد أي: كشف وأزيل، قيل: إن جبريل، عليه الصلاة والسلام، صعد وهبط في مقدار ألف سنة، قبل أن يجف القلم، أي: بسبب أولي الضرر، حكاه ابن التين، قال: وهذا يحتاج أن يكون جبريل، عليه الصلاة والسلام، يتناول ذلك من السماء، والأمر كذلك، لأن القرآن نزل جملة واحدة ليلة القدر إلى سماء الدنيا، ثم نزل بعد ذلك متفرقاً بحسب الحال. وفيه: أن من حبسه العذر وغيره عن الجهاد وغيره من أعمال البر مع نية فيه فله أجر المجاهد والعامل، لأن نص الآية على المفاضلة بين المجاهد والقاعد، ثم استثنى من المفضولين أولي الضرر، وإذا استثناهم منها فقد ألحقهم بالفاضلين، وقد بين الشارع هذا المعنى، فقال: إن بالمدينة أقواماً ما سلكنا وادياً أو شعباً إلاَّ وهم معنا، حبسهم العذر، وكذا جاء فيمن كان يعمل، وهو صحيح، وكذا من نام عن حزبه نوماً غالباً كتب له أجر حزبه، وكان نومه صدقة عليه، وكذا المسافر يكتب له ما كان يعمل فى الإقامة، وهذا معنى قوله عز وجل: ﴿إِلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون﴾ [النساء: ٩٥]. أي: غير مقطوع بزمانة، أو كبرٍ أو ضعفٍ إذ الإنسان يبلغ بنيته أجر العامل إذا كان لا يستطيع العمل الذي ينويه. ٣٢ _ بابُ الصَّبْرِ عِنْدَ القِتَالِ أي: هذا باب في بيان فضل الصبر عند القتال مع الكفار. ٤٩/ ٢٨٣٣ - حدّثني عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدٍ قال حدَّثنا مُعَاوِيَةُ بنُ عمرٍو قال حدَّثنا ١٨٤ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيَّرِ / باب (٣٣) أبو إسْحَاقَ عنْ مُوسى بنِ عُقْبَةَ عنْ سالِمٍ أبِي النَّصْرِ أنَّ عبدَ اللهِ بنَ أبِي أَوْفَى كَتَبَ فَقَرَأْتُهُ أنَّ رسولَ الله عَّ قال إذَا لَقِيتُمُوهُمْ فاضَبِرُوا. [انظر الحديث ٢٨١٨ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((فاصبروا)) يعني عند ملاقاة الكفار، وعبد الله بن محمد المعروف بالمسندي، ومعاوية بن عمرو بن المهلب الأزدي البغدادي، وأبو إسحاق هو الفزاري واسمه إبراهيم بن محمد، والحديث مضى بعين هذا الإسناد في: باب الجنة تحت بارقة السيوف، ومضى الكلام فيه هناك. قوله: ((فاصبروا))، يحتمل أن يراد به الصبر عند إرادة القتال. والشروع فيه، أو الصبر حال المقاتلة والثبات عليه. ٣٣ - بابُ التَّخْرِيضِ علَى القِتَالِ أي: هذا باب في بيان التحريض، أي: الحث على القتال. وقَوْلِهِ تَعالى ﴿حَرَّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى القِتَالِ﴾ [الأنفال: ٦٥]. وقوله، بالجر عطف على قوله: التحريض، وفي بعض النسخ: وقول الله تعالى، وأوله قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفاً من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون﴾ [الأنفال: ٦٥]. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عثمان بن حكيم حدثنا عبيد الله بن موسى أخبرنا سفيان عن ابن شوذب عن الشعبي عن قوله: ﴿يا أيها النبيّ حرض المؤمنين على القتال﴾ [الأنفال: ٦٥]. أي: حثهم عليه، ولهذا كان رسول الله، عٍَّ يحرض على القتال عند صفهم ومواجهة العدو، كما قال لأصحابه يوم بدر حين أقبل المشركون في عددهم وعددهم: ((قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض ... )) الحديث، وقال محمد بن إسحاق حدثني ابن أبي نجيح عن عطاء عن ابن عباس، قال: لما نزلت هذه الآية أعني قوله: ﴿يا أيها النبيِّ حرض المؤمنين﴾ [الأنفال: ٦٥]. الآية، ثقلت على المسلمين وأعظموا أن يقاتل عشرون مائتين، ومائة ألفاً، فخفف الله عنهم، فنسخها بالآية الأخرى فقال: ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً ... ﴾ [الأنفال: ٦٦]. الآية فكانوا إذا كانوا على الشرط من عدوهم لم ينبغي لهم أن يفروا من عدوهم، وإذا كانوا دون ذلك لم يجب عليهم، وجائز لهم أن يتحوزوا. وروي عن علي بن أبي طلحة العوفي عن ابن عباس، نحو ذلك، وقال ابن أبي حاتم: وروي عن مجاهد وعطاء وعكرمة والحسن وزيد بن أسلم وعطاء الخراساني والضحاك نحو ذلك. ٢٨٣٤/٥٠ - حدّثنا عبدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قال حدَّثنا مُعاوِيعةُ بنُ عَمْرِو قال حدَّثنا أبُو إِسْحَاقَ عنْ حُمَيْدٍ قال سَمِعْتُ أنَساً رضي الله تعالى عنهُ يَقُولُ خَرَجَ رسولُ اللهِ، عَ لَّهِ إِلى الخَنْدَقِ فإذَا المهاجِرُونَ والأنْصَارُ يَحْفِرُونَ فِي غَدَاةٍ بَارِدَةٍ فَلَمْ يَكْنْ لَهُمْ عَبِيدٌ يَعْمَلُونَ ذَلِكَ لَهُمْ فَلَمَّا رَأى ما بِهِمْ مِنَ النَّصَبِ والجوُّعِ قال: فاغْفِرْ لِلأَنْصَارِ والمهاجِرَة اللهُمَّ إِنَّ العَهْشَ عَيْشُ الآخِرَةَ ١٨٥ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيِّرِ / باب (٣٤) فقالُوا مُجِيبينَ لَهُ: علَى الجِهَادِ ما بَقِينا أبَدَاً نَحنُ الْذِينَ بايَعُوا مُحَمَّدَاً [الحديث ٢٨٣٤ - أطرافه فى: ٢٨٣٥، ٢٩٦١، ٣٧٩٥، ٣٧٩٦، ٤٠٩٩، ٤١٠٠، ٦٤١٣، ٧٢٠١]. مطابقته للترجمة من حيث إن في قوله عَ لَه: (اللهم إن العيش عيش الآخرة) تحريضهم على ما هم فيه لكونه من الجهاد، ورجاله قد ذكروا في إسناد الحديث السابق في الباب الذي قبله. قوله: ((خرج رسول الله، عٍَّ إلى الخندق))، وكان في شوال سنة خمس من الهجرة، نص على ذلك ابن إسحاق وعروة بن الزبير وقتادة. وقال موسى بن عقبة عن الزهري: أنه قال:"كانت الأحزاب في شوال سنة أربع، وكذلك قال مالك بن أنس، وكان سبب ذلك أنه، عَّله، لما بلغه اجتماع الأحزاب - وهي القبائل - واتفاقهم على محاربته عَّ الله، ضرب الخندق على المدينة. قال ابن هشام: يقال إن الذي أشار به سلمان، رضي الله تعالى عنه. وقال الطبري والسهيلي: أول من حفر الخنادق منوجهر بن أيرج، وكان في زمن موسى، عليه الصلاة والسلام. قوله: ((ما بهم))، أي: الأمر الملتبس بهم. قوله: ((من النصب))، أي: التعب. قوله: ((والجوع ... )). قوله: ((قال)) أي: النبي، عَّله: ((اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة .. )) إلى آخره، وقال الداودي: إنما قال ابن رواحة: لا هم، بلا ألف، ولا لام، فأتى به بعض الرواة على المعنى، وهذا موزون. وقال ابن التين: بالألف واللام ... إلى آخره، فليس بموزون، ولا هو رجز. وقال ابن بطال: ليس هو من قول رسول الله، عَّ له، بل هو من قول ابن رواحة، ولو كان من لفظه لم يكن بذلك شاعراً، ولا ممن ينبغي له الشعر، وإنما يسمي به من قصد صناعته وعلم السبب والوتد والشرط وجميع معانيه من الزحاف والخرم والقبض ونحو ذلك. قلت: فيه نظر، لأن شعراء العرب لم يكونوا يعلمون ما ذكره من ذلك. قوله: ((إن العيش))، أي: العيش المعتبر، أو العيش الباقي. قوله: ((فاغفر لأنصار)) ويروى (للأنصار))، ويخرج به عن الوزن. قوله: ((بايعوا))، ويروى: ((بايعنا)). وفيه من الفوائد: أن للحفر في سبيل الله وتحصين الديار وسد الثغور منها أجر، كأجر القتال، والنفقة فيه محسوبة في نفقات المجاهدين إلى سبعمائة ضعف. وفيه: استعمال الرجز والشعر إذا كانت فيه إقامة النفوس وإثارة الأنفة والمعرة. ٣٤ - بابُ حَفْرِ الخَنْدَقِ أي: هذا باب في ذكر حفر الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، الخندق حول المدينة. ٢٨٣٥/٥١ - حدَّثنا أبُو مَعْمَرٍ قال حدَّثنا عبدُ الوَارِثِ قال حدَّثنا عبدُ العَزِيزِ عنْ أَنَسٍ ١٨٦ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيَّرِ / باب (٣٤) رضي الله تعالى عنه قال جَعَلَ الْمُهَاجِرُونَ والأنْصَارُ يَحْفِرُونَ الخَنْدَقَ حَوْلَ الْمَدِينَةِ ويَنْقُلُونَ التُّرَابَ عَلَى مُتُونِهِمْ ويَقولونَ: نَحْنُ الَّذِينَ بايَعُوا مُحَمَّدَاً علَى الإسْلاَمِ ما بَقينَا أَبَدَاً والنبيُّ عَ لَّهِ يُجِيبُهُمْ وَيَقُولُ: أَللَّهُمَّ إِنَّهُ لاَ خَيْرَ إلاَّ خَيْرُ الآخِرَةِ فَبَارِكْ في الأنْصَارِ والمُهَاجِرَه [انظر الحديث ٢٨٣٤ وأطرافه]. مطابقته للترجمة ظاهرة. وأبو معمر، بفتح الميمين: عبد الله بن عمرو المقعد البصري، وعبد الوارث بن سعيد البصري، وعبد العزيز بن صهيب البصري، وهؤلاء كلهم بصريون. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في المغازي عن أبي معمر أيضاً. وأخرجه النسائي في المناقب بتمامه وفي الرقاق مختصراً عن عمران بن موسى. قوله: ((على متونهم))، المتون جمع متن، ومتنا الظهر مكتنفا الصلب عن يمين وشمال من عصب ولحم يذكر ويؤنث، والمتن من الأرض ما صلب وارتفع. قوله: ((على الإسلام)، ويروى: على الجهاد، وهو الموزون، والأول غير موزون. قوله: ((والنبي عَ لّه يجيبهم ... )) وفي الحديث الماضي في البيت السابق هم يجيبون له، لأنه كان تارة كذا وتارة كذا. ٢٨٣٦/٥٢ - حدَّثنا أبو الوَلِيدِ قال حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ أبي إسْحَاقَ قال سَمِعْتُ البَرَاءَ رضي الله تعالى عنه يَقُولُ كانَ النبي، عَّ ◌ُلِ يَنْقُلُ ويَقُولُ: لَوْلاَ أَنْتَ ما اهْتَدَيْنَا. [الحديث ٢٨٣٦ - أطرافه في: ٢٨٣٧، ٣٠٣٤، ٤١٠٤، ٤١٠٦، ٦٦٢٠، ٧٢٣٦]. هذا الإسناد بعينه قد مضى عن قريب في أول: باب قول الله تعالى: ﴿لا يستوي القاعدون﴾ [النساء: ٩٥]. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الجهاد عن حفص بن عمر وفي المغازي عن مسلم بن إبراهيم، وفي التمني عن عبدان عن أبيه، وأخرجه مسلم في المغازي عن أبي موسى وبندار عن غندر وعن أبي موسى عن ابن مهدي. وأخرجه النسائي في السير عن علي بن الحسين الدرهمي. قوله: ((لولا أنت ما اهتدينا))، كذا روي: وهو: بالله لولا أنت ما اهتدينا. ٥٣ /٢٨٣٧ - حدَّثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ قال حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ أبِي إِسْحَاقَ عنِ البَرَاءِ رضي الله تعالى عنه قال رأيْتُ رسولَ الله، عَّ لَّه يَوْمَ الأحْزَابِ يَنْقُلُ التُّرَابَ وَقَدْ وَارَى التُّرَابَ بَياضَ بَطْنِهِ وهْوَ يَقُولُ: : ولاَ تصَدَّقْنَا ولاَ صَلَّيْنَا لَوْلاً أَنْتَ ما اهْتَدَيْنَا وثَبَتِ الأَقْدَامَ إِنْ لاَقَيْنَا فأنْزِلِ السَّكِينَةَ عَلَيْنَا إذَا أرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا إِنَّ الأُلَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا ١٨٧ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيرِ / باب (٣٥) [انظر الحديث ٢٨٣٦ وأطرافه]. هذا طريق آخر عن البراء بأتم من الطريق السابق. قوله: ((يوم الأحزاب))، سمي به لاجتماع القبائل واتفاقهم على محاربة النبي، عَّه، وهو يوم الخندق. والأحزاب جمع حزب: بالكسر، وهم الطوائف من الناس. قوله: ((فأنزلن))، بالنون المخففة. قوله: ((سكينة)) أي: وقاراً، ويروى: فأنزل السكينة. قوله: ((إن لاقينا))، يعني: مع الكفار. قوله: ((إن الألى))، هو من ألفاظ الموصولات لا من أسماء الإشارات، وهو جمع للمذكر. قوله: ((قد بغوا)) أي: ظلموا، من البغي. قوله: ((أبينا)) من الإباء، وهو الامتناع. وقوله: ((أن الألى ... )) إلى آخره، ليس يتزن، وروي هكذا: إن الأولى هم قد بغوا علينا، وهو يتزن، لأنه وزنه: مستفعلن مستفعلن فعولن. وقال الداودي: وفي رواية إن الأعادي بغوا علينا. وهو أيضاً لا يتزن إلاَّ بزيادة: هم، أو: قد. ٣٥ - بابُ منْ حَبَسَهُ العُذْرُ عنِ الغَزْوِ أي: هذا باب في بيان حكم من حبسه العذر، وهو الوصف الطارىء على المكلف المناسب للتسهيل عليه، وجواب: من، محذوف تقديره: فله أجر الغازي. ٥٤/ ٢٨٣٨ - حدّثنا أحْمَدُ بنُ يُونُسَ قال حدَّثنا زُهَيْرٌ قال حدَّثنا حُمَيْدٌ أَنَّ أَنَساً حدَّثَهُمْ قال رَجَعْنَا مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ مَعَ النبيّ عَ لِّ ح. [الحديث ٢٨٣٨ - طرفاه في: ٢٨٣٩، ٤٤٢٣]. ٢٨٣٩ _ وحدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَزْبٍ قال حدَّثنا حَمَّادٌ هُوَ ابنُ زَيْدٍ عنْ محُمَيْدٍ عنْ أنَسٍ رضي الله تعالى عنهُ أنَّ النبيَّ عَ لَّهِ كانَ في غَزاةٍ فقال إنِّ أَقْوَامَاً بالمَدِينَةِ خَلْفَنا ما سَلَكِّنَا شِعْباً ولاَ وادِياً إلاَّ وهُمْ مَعَنَا فيه حبَسَهُمْ العُذْرُ. [انظر الحديث ٢٨٣٨ وطرفه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((وحبسهم العذر)). وأخرجه من طريقين: الأول: عن أحمد ابن يونس، هو أحمد بن عبد الله بن يونس التميمي اليربوعي الكوفي، عن زهير بن معاوية أبي خيثمة الجعفي عن حميد الطويل عن أنس. الثاني: سليمان بن حرب إلى آخره. وهذا كما رأيت قرن رواية زهير برواية حماد بن زيد، ففي رواية زهير، فائدتان: أولاهما: التصريح بغزوة تبوك. والأخرى: بتصريح أنس بالتحديث. قوله: ((خلفنا))، بسكون اللام، أي: وراءنا، ويروى بتشديد اللام وسكون الفاء: من التخليف. قوله: ((شعباً)، بكسر الشين المعجمة: الطريق في الجبل، ويسمى الحي العظيم أيضاً شعباً: بالكسر، والشعب، بالفتح ما تفرق من قبائل العرب والعجم، والشعب أيضاً القبيلة العظيمة. قوله: ((إلاَّ وهم معنا فيه)) أي: في ثوابه، أي: هم شركاء في الثواب، وفي رواية ١٨٨ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (٣٦) الإسماعيلي من طريق أخرى عن حماد بن زيد: إلاَّ وهم معكم فيه بالنية، وفي رواية ابن حبان وأبي عوانة، من حديث جابر: إلاَّ شركوكم في الأجر، بدل قوله إلاَّ كانوا معكم. قوله: ((العذر))، لمرض، وعدم القدرة على السفر. وروى مسلم من حديث جابر بلفظ: حبسهم المرض، وهذا محمول على الأغلب. وفيه: من حبسه العذر من أعمال البر مع نية فيها يكتب له أجر العامل بها، كما قال عَّمِ فيمن غلبه النوم عن صلاة الليل: إنه يكتب له أجر صلاته، وكان نومه صدقة عليه. وقالَ مُوسى حدَّثنا حَمَّدٌ عنْ حُمَيْدٍ عنْ مُوسى بنِ أَنَسٍ عِنْ أَبِيهِ قال النبيُّ عَ لَّه أي: قال موسى بن إسماعيل، هو شيخ البخاري، وحماد هو ابن سلمة يروي عن حميد عن موسى بن أنس عن أبيه أنس، وهذا التعليق وصله الإسماعيلي: أخبرنا أبو يعلى حدثنا أبو خيثمة حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة أخبرنا حميد عن موسى بن أنس عن أبيه أنس ... فذكره. قال أبُو عَبْدِ الله الأُوَّلُ أُصَحُ أبو عبد الله: هو البخاري. قوله: ((الأول))، السند الأول الذي فيه حميد عن أنس بدون ذكر موسى بن أنس عندي أصح من الذي فيه موسى بن أنس، ورد عليه الإسماعيلي في هذا. وقال: حماد عالم بحديث حميد مقدم فيه على غيره، وكأنه قال: هذا تصريح حميد بحديث أنس له، ولكن يمكن أن يكون حميد سمع هذا من موسى عن أبيه ثم لقي أنساً فحدثه به، أو سمع من أنس فثبته فيه ابنه موسى، والله أعلم. ٣٦ - بابُ فَضْلِ الصَّوْمِ في سَبِيلِ الله أي: هذا باب في بيان فضل الصوم في سبيل الله، أي: الجهاد، وقال القرطبي: سبيل الله: طاعة الله، والمراد به: الصوم مبتغياً وجه الله. ٥٥ /٢٨٤٠ - حدّثنا إشْحَاقُ بنُ نَصْر قال حدَّثنا عبْدُ الرَّزَّاقِ قال أخبرنا ابنُ مجرَیْج قال أخبرَنِي يَخْيَى بنُ سَعِيدٍ وسُهَيْلُ بنُ أبي صَالِحِ أَنَّهُما سَمِعَا النَّعْمَانَ بِنَ أَبِي عَيَّاشِ عنْ أبِي سَعِيدٍ الخُذْرِيِّ رضي الله تعالى عنهُ قالِ سَمِغْتُ النَّبِيَّ عَّهِ يَقُولُ مَنْ صَامَ يَوْمَاً في سَبِيلِ الله بَعَّدَ الله وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعينَ خَرِيفاً. مطابقته للترجمة ظاهرة، وإسحاق بن نصر هو إسحاق بن إبراهيم بن نصر السعدي النجاري، وكان ينزل بالمدينة بباب بني سعد، روي عنه البخاري في غير موضع من كتابه، مرة يقول: إسحاق بن نصر، فينسبه إلى جده، ومرة يقول: إسحاق بن إبراهيم بن نصر، فينسبه إلى أبيه، وعبد الرزاق بن همام، وابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وسهيل بن أبي صالح لم يخرج له البخاري موصولاً إلاَّ هذا، ولم يحتج به، ولهذا قرنه بيحيى بن سعيد، وقد اختلف في إسناده على سهيل، فرواه ١٨٩ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (٣٦) الأكثرون عنه هكذا، وخالفهم شعبة فرواه: عنه عن صفوان بن يزيد عن أبي سعيد. أخرجه النسائي والنعمان بن أبي عياش، بفتح العين المهملة وتشديد الياء آخر الحروف وبالشين المعجمة: واسمه زيد بن الصلت، وقيل: زيد بن النعمان الزرقي الأنصاري، وعن يحيى: ثقة. وقال ابن حبان، كذلك، وأبو سعيد الخدري اسمه سعد بن مالك الأنصاري. وأخرجه مسلم في الصوم عن إسحاق بن منصور وعبد الرحمن بن بشير وعن قتيبة وعن محمد بن رمح. وأخرجه الترمذي في الجهاد عن سعيد بن عبد الرحمن وعن محمود ابن غيلان. وأخرجه النسائي في الصوم عن مؤمل بن شهاب وعن الحسن بن قزعة وعن محمد بن عبد الله وعن عبد الله بن منير وعن أحمد بن حرب وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وأخرجه ابن ماجه فيه عن محمد بن رمح. قوله: ((بعد الله وجهه))، وأول النووي وغيره المباعدة من النار على المعافاة منها، دون أن يكون المراد البعد بهذه المسافة المذكورة في الحديث. قلت: لا مانع من الحقيقة على ما لا يخفى، ثم هذا يقتضي إبعاد النار عن وجه الصائم، وفي أكثر الطرق إبعاد الصائم نفسه، فإذا كان المراد من الوجه الذات، كما في قوله تعالى: ﴿كل شيء هالك إلاَّ وجهه﴾ [القصص: ٨٨]. يكون معناهما واحداً، وإن كان المراد حقيقة الوجه يكون الإبعاد من الوجه فقط، وليس فيه أن يبقى الجسد أن يناله النار، إلا أن الوجه كان أبعد من النار من سائر جسده، وذلك لأن الصيام يحصل منه الظمأ ومحله الفم، لأن الري يحصل بالشرب في الفم. قوله: ((سبعين خريفاً)) أي: سنة، لأن السنة تستلزم الخريف فهو من باب الكناية. واختلفت الروايات في مقدار المباعدة من النار، ففي حديث عقبة بن عامر عن النبي، عٍَّ أخرجه النسائي: ((من صام يوماً في سبيل الله باعد الله منه جهنم مائة عام)). وفي حديث عمرو بن عنبسة عن النبي عَّ ل، أخرجه الطبراني في (الكبير) كذلك مائة عام، وكذا في حديث عبد الله بن سفيان أخرجه الطبراني أيضاً. وفي حديث أنس عن النبي عَ لَّه، أخرجه ابن عدي في (الكامل): ((من صام يوماً في سبيل الله تباعدت عنه جهنم مسيرة خمسمائة عام)). وفي حديث أبي أمامة، أخرجه الترمذي وتفرد به عن النبي عَ ل قال: ((من صام يوماً في سبيل الله جعل الله بينه وبين النار خندقاً كما بين السماء والأرض))، وكذا رواه الطبراني في (الصغير) عن أبي الدرداء، وكذا رواه عن جابر، وفي رواية ابن عساكر: أبعده الله من النار مسيرة مائة سنة حضر الجواد. وفي حديث عتبة بن النذر أخرجه الطبراني أيضاً قال: قال رسول الله، عَّله: ((من صام يوماً في سبيل الله فريضة باعد الله منه جهنم كما بين السموات والأرضين السبع، ومن صام يوماً تطوعاً باعد الله منه جهنم ما بين السماء والأرض» وفي حديث سلامة بن قيصر، أخرجه الطبراني أيضاً في (الكبير) قال: سمعت رسول الله، عَّ اللّه يقول: ((من صام يوماً ابتغاء وجه الله عده الله من جهنم بعد غراب طار، وهو فرخ حتى مات هرماً). وفي حديث أبي هريرة أخرجه الترمذي أنه قال: ((من صام يوماً في سبيل الله زحزحه الله عن النار سبعين خريفاً»، والآخر يقول: أربعين. وقال الترمذي: هذا حديث غريب. ١٩٠ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيرِ / باب (٣٧) وفي حديث سهل بن معاذ عن أبيه، أخرجه أبو يعلى الموصلي: ((من صام يوماً في سبيل الله متطوعاً في غير رمضان بعد من النار مائة عام سير المضمر المجيد)). وفي حديث ابن عساكر عن ابن عمر: ((من صام يوماً في سبيل الله متطوعاً فهو بسبعمائة يوم)). فإن قلت: ما التوفيق بين هذه الروايات؟ قلت: الأصل أن يرجح ما طريقته صحيحة، وأصحها رواية: سبعين خريفاً، فإنها متفق عليها من حديث أبي سعيد. وجواب آخر: أن الله أعلم نبيه عَّ لّ أولاً بأقل المسافات في الأبعاد، ثم أعلمه بعد ذلك بالزيادة على التدريج في مراتب الزيادة، ويحتمل أن يكون ذلك بحسب اختلاف أحوال الصائمين في كمال الصوم ونقصانه، والله أعلم. ٣٧ - بابُ فَضْلِ النَّفَقَةِ في سَبِيل الله أي: هذا باب في بيان فضل الإنفاق في سبيل الله، المراد من سبيل الله: الجهاد، ولكن اللفظ أعم من هذا يتناول الجهاد وغيره. ٢٨٤١/٥٦ - حدَّثني سَعْدُ بنُ حَفُصٍ قال حدَّثنا شَيْبَانُ عنْ يَخلى عنْ أبِي سلَمَةَ أنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ عَنِ النَّبِيِّ عَِّ قَالِ مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ في سَبِيلِ الله دَعَاهُ خَزَنَةُ الجَنَّةِ كلُّ خَزَنَةِ بابٍ أَيْ فُلْ هَلُمَّ قَال أَبُو بَكْرٍ يا رسولَ الله ذاك الَّذي لا تَوَى عَلَيْهِ فَقالَ النَّبِيُّ عَّالَّهِ إِنِّيْ لِأَزْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ. [انظر الحديث ١٨٩٧ وأطرافه]. مطابقته للترجمة ظاهرة، وسعد بن حفص أبو محمد الطلحي الكوفي، يقال له: الضخم وهو من أفراده، وشيبان، بفتح الشين المعجمة وسكون الياء آخر الحروف وبالباء الموحدة: ابن عبد الرحمن النحوي، ويحيى هو ابن كثير، وأبو سلمة هو ابن عبد الرحمن بن عوف. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في بدء الخلق عن آدم. وأخرجه مسلم في الزكاة عن محمد بن رافع وعن محمد بن حاتم. قوله: ((من أنفق زوجين))، أي: شيئين من أي نوع كان، مما ينفق. وقال الكرماني: والزوج خلاف الفرد، وكل واحد منهما يسمى أيضاً زوجاً. قلت: ينبغي أن يطلق هنا على الواحد قطعاً. وقال الخطابي: يريد بالزوجين أن يشفع إلى كل شيء ما يشفعه من شيء مثله، إن كان دراهم فبدرهمين، وإن كان دنانير فبدينارين، وإن كان سلاحاً وغيره كذلك. وقال الداودي: يقع الزوج على الواحد والإثنين، وهنا على الواحد. واحتج بقوله: خلق الزوجين، واعترضه ابن التين، فقال: ليس قوله ببيِّ. قلت: هذا بيّن فلا وجه لاعتراضه. قوله: ((خزنة الجنة))، الخزنة جمع: خازن، وهو الذي يخزن تحت يده الأشياء. قوله: ((كل خزنة باب))، قال بعضهم: كأنه من المقلوب. قلت: لا حاجة إلى قوله: كأنه، بل هو من المقلوب، إذ أصله: خزنة كل باب. قوله: ((أي فل)) كلمة: أي، حرف نداء. وقوله: ((فل))، روي بضم اللام وفتحها، وأصله: فلان، فحذف منه الألف والنون بغير ترخيم، ولفظ: فلان، كناية عن اسم ١٩١ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيَّرِ / باب (٣٧) سمي به المحدث عنه. ويقال في النداء: يا فل، وإنما قلنا: بغير ترخيم، إذ لو كان ترخيماً لقيل: يا فلا. قوله: ((هلم))، معناه: تعال، يستوي فيه الواحد والجمع في اللغة الحجازية، وأهل نجد يقولون: هلم هلما هلموا. قوله: ((لا توى عليه)) أي: لا ضياع عليه. وقيل: لا هلال، من قولك: توى المال يتوي يوّى. وقال ابن فارس: التوى يمد ويقصر، وأكثرهم على أنه مقصور. وقال المهلب في هذا الحديث: إن الجهاد أفضل الأعمال، لأن المجاهد يُغْطَى أجر المصلي والصائم والمتصدق، وإن لم يفعل ذلك، ولأن باب الريان للصائمين، وقد ذكر في هذا الحديث أن المجاهد يدعى من تلك الأبواب كلها بإنفاق قليل من المال في سبيل الله. انتهى. قلت: هذا الذي ذكره إنما يتمشى على القول بأن المراد بقوله: في سبيل الله: الجهاد، والأكثرون على أن المراد به ما هو أعم من الجهاد وغيره من الأعمال الصالحة، ويؤيد هذا ما جاء في الحديث من زيادة أخرجها أحمد، وهي قوله، فيه: لكل أهل عمل باب يدعون بذلك العمل، والله أعلم. ٢٨٤٢/٥٧ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ سِنَانٍ قال حدَّثنا فُلَيْح قال حدَّثنا هِلاَلٌ عنْ عَطَاءِ ابنِ بَسارٍ عنْ أبِي سَعِيدِ الخُذْرِيِّ رضي الله تعالى عنه أنَّ رسولَ الله عَ لّهِ قامَ عَلى المِنْبَرِ فَقَال إِنَّمَا أَخفى عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي ما يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ بَرَكاتِ الأرْضِ ثُمَّ ذَكَرَ زَهْرَةَ الدُّنْيَا فَبَدَأ بإحْدَاهُمَا وَثَنَّى بالأخْرِى فَقام رَجُلٌ فَقالَ يا رسولَ الله أَوَ يَأْتِي الخَيْرُ بِالشَّرِّ فسَكَتَ عَنْهُ النبيُّ عَّهِ قُلْنَا يُوحَى إِلَيْهِ وسَكَتَ النَّاسُ كأنَّ علَى رُؤُوسِهِمِ الطَّيْرَ ثُمَّ إِنَّهَ مَسَحَ عِنْ وَجْهِهِ الرّحَضَاءَ فَقال أيْنَ السَّائِلُ آنِفَاً أُوَ خَيْرٌ هُوَ ثَلاثَاً إن الخَرَ لا يأتي إلاَّ بالْخَيْرِ وإِنَّهُ كلَّمَا يُنْبِتُ الرَّبِيعَ ما يَقْتُلُ حَبَطاً أَوْ يُلِمُّ إلاَّ آكِلَةَ الخُضَرِ كلَّمَا أكلَتْ حَتَّى إِذَا امْتَلأَتْ خَاصِرَتاها اسْتَقْبَلَتِ الشَّمْسُ فَلَطَتْ وبالَتْ ثُمَّ رَتعَثْ وَإِنَّ هذَا المالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ ونِعْمَ صاحِبُ الْمُسْلِمِ لِمَنْ أَخَذَهُ بِحَقِّهِ يَجعَلَهُ في سَبِيلِ الله وِاليَتَامى والمَساكِينِ وابنِ السَّبِيلِ ومَنْ لَمْ يأخُذْهُ بِحَقِّهِ فَهْوَ كالآكِلِ الَّذِي لا يَشْبَعُ ويَكُونُ عَلَيْهِ شَهِيداً بَوْمَ القِيَامَةِ. [انظر الحديث ٩٢١ وطرفيه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((فجعله في سبيل الله))، ومحمد بن سنان بكسر السين المهملة وتخفيف النون: أبو بكر العوفي الباهلي الأعمى، وهو من أفراده. وفليح بن سليمان، وهلال بن أبي ميمونة، ويقال: هلال بن أبي هلال، وهو هلال بن علي الفهري المديني والحديث قد مضى في كتاب الزكاة في باب الصدقة على اليتامى ومضى الكلام فيه هناك فلنذكر بعض شيء لبعد المسافة. قوله: ((فبدأ بإحداهما)) أي: بالبركات. قوله: ((وثنى بالأخرى)) أي: بزهرة الدنيا. قوله: ((أُوَ يأتي الخير بالشر؟)) أي: تصير النعمة عقوبة. قوله: ((كأن على رؤوسهم الطير)) قال الداودي: يعني: أن كل واحد صار كمن على رأسه طائر يريد صيده فلا يتحرك كيلا يطير. ١٩٢ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (٣٨) قوله: ((الرحضاء))، بضم الراء وفتح الحاء المهملة وبالمد: العرق الذي أدره عند نزول الوحي عليه، يقال: رحض الرجل إذا أصابه ذلك فهو مرحوض ورحيض. قوله: ((أَوَ خيرٌ هو؟)) أي: المال هو خير؟ على سبيل الإنكار. قوله: ((إن الخير لا يأتي إلاَّ بالخر)) أي: الخير الحقيقي لا يأتي إلاَّ بالخير، لكن هذا ليس خيراً حقيقياً لما فيه من الفتنة والإشغال عن كمال الإقبال إلى الآخرة. قوله: ((ينبت))، بضم الياء، من: الإنبات. قوله: ((حبطاً)) وقعت هذه اللفظة في الأصول، وذكر ابن التين أنه محذوف، وهو بفتح الحاء المهملة والباء الموحدة والطاء المهملة، وهو انتفاخ البطن من داء يصيب الآكل من أكله، وانتصابه على التمييز. وقال ابن قرقول: حبطت الدابة إذا أكلت المرعى حتى ينتفخ جوفها فتموت. قوله: ((أو يلم))، بضم الياء، من: الإلمام أي: يقرب أن يقتل: قوله: ((إلا آكلة الخضر))، أي: إلاَّ الدابة التي تأكل الخضر فقط. قوله: ((فثلطت))، أي: الناقة إذا ألقت بعرها رقيقاً. قوله: ((خضرة)) تأنيثه إما باعتبار أنواعه، أو التاء للمبالغة: كالعلامة، أو معناه: إن كان المال كالبقلة الخضرة. قوله: ((نعم صاحب المسلم)) المخصوص بالمدح المال. قوله: ((ويكون عليه شهيداً)، وذلك بأن يأتيه في صورة من يشهد عليه بالخيانة، كما يأتي على صورة شجاع أقرع. ٣٨ _ بابُ فَضْلٍ منْ جَهَّزَ غازِياً أوْ خَلَفَهُ بِخَيْرٍ أي: هذا باب في بيان فضل من جهز غازياً بأن هيأ له أسباب سفره. قوله: ((أو خلفه))، بفتح الخاء المعجمة وتخفيف اللام، يقال: خلف فلان فلاناً إذا كان خليفته. ويقال: خلفه في قومه خلافة. ٢٨٤٣/٥٨ _ حدَّثنا أبو مَعْمَرٍ قال حدَّثنا عبدُ الوَارِثِ قال حدَّثنا الحُسَيْنُ قال حدَّثني يَحْيَى قال حدَّثني أبو سلَمَةَ قال حدَّثني بُشْرُ بنُ سعيدٍ قال حدَّثني زَيْدُ بنُ خالِدٍ رضي الله تعالى عنه أنَّ رسولَ الله عَّلِ قال منْ جَهَّزَ غازِياً في سَبيلِ الله فَقَدْ غَزَا ومَنْ خَلَفَ غَازِياً في سَبِيلِ الله بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزا. مطابقته للترجمة ظاهرة. فقوله: ((من جهز غازياً))، يطابق الجزء الأول للترجمة. وقوله: ((ومن خلف غازياً))، يطابق الجزء الثاني لها، وأبو معمر عبد الله بن عمرو المقعد، وقد مر عن قريب، وعبد الوارث بن سعيد، وقد مر معه، والحسين هو ابن ذكوان المعلم، وهؤلاء كلهم بصريون، ويحيى هو ابن أبي كثير اليمامي الطائي، وأبو سلمة ابن عبد الرحمن بن عوف، ويسر، بضم الباء الموحدة وسكون السين المهملة: ابن سعيد مولى الخضرمي من أهل المدينة، مات سنة مائة، وزيد بن خالد أبو عبد الرحمن الجهني. وفيه: ثلاثة من التابعين على الولاء، وهم: يحيى وأبو سلمة وبسرة وأبو سلمة روى هنا عن زيد بن خالد بواسطة، وروى عنه بلا واسطة أيضاً عند أبي داود والترمذي. والحديث أخرجه مسلم في الجهاد أيضاً عن أبي الربيع الزهراني، وعن سعيد بن منصور وأبي الطاهر بن السرح. وأخرجه أبو داود فيه عن أبي معمر به، وأخرجه الترمذي فيه ١٩٣ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادٍ والسيّرِ / باب (٣٨) عن أبي زكرياء بن درست. وأخرجه النسائي فيه عن سليمان بن داود والحارث بن مسكين وعن محمد بن المثنی. وروي في الباب عن عمر، رضي الله تعالى عنه: أخرجه ابن ماجه من رواية الوليد عن عثمان بن عبد الله بن سراقة عن عمر بن الخطاب، قال: سمعت رسول الله، عَ لّه يقول: ((من جهز غازياً حتى يستقل كان له مثل أجره حتى يموت أو يرجع)). وعن معاذ، رضي الله تعالى عنه، أخرجه الطبراني من رواية رجل لم يسم عن معاذ بن جبل، قال: قال رسول الله، عٍَّ: ((من جهز غازياً أو خلفه في أهله بخير فإنه معنا)). وعن أبي هريرة أخرجه الطبراني في (الأوسط) من رواية داود بن الجراح عن الأوزاعي عن يحيى بن كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله، عَّه: ((من جهز غازياً في سبيل الله فله مثل أجره، ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا)). وداود مختلف في الاحتجاج به. وعن زيد بن ثابت، أخرجه الطبراني أيضاً في (الأوسط) من حديث بسر بن سعيد عن زيد بن ثابت عن النبي عَ لَّةٍ، قال: ((من جهز غازياً في سبيل الله فله مثل أجره، ومن خلف غازياً في أهله بخير أو أنفق على أهله فله مثل أجره)). وعن أبي سعيد الخدري أخرجه الطبراني أيضاً فيه من حديث سعيد المقبري عن أبيه عن أبي سعيد قال، عام بني لحيان: ((ليخرج من كل إثنين منكم رجل، وليخلف الغازي في أهله وماله وله مثل نصف أجره)). وفيه ابن لهيعة وتفرد به. وعن سهل بن حنيف: أخرجه أحمد في (مسنده) والطبراني في (الكبير) من رواية عبد الله بن محمد بن عقيل عن عبد الله بن سهل بن حنيف عن أبيه: أن رسول الله، عَ لَّهِ قال: ((من أعان مجاهداً في سبيل الله، أو غازياً في عسرته، أو مكاتباً في رقبته، أظله الله في ظله يوم لا ظل إلاَّ ظله)). وعن جبلة بن حارثة أخرجه الطبراني في (الكبير) و(الأوسط) من رواية شريك عن أبي إسحاق عن جبلة بن حارثة، قال: كان النبي عَِّ، ((إذا لم يغز أعطى سلاحه علياً أو أسامة، رضي الله تعالى عنهما))، وعن أبي أمامة أخرجه أبو داود وابن ماجه من رواية الحارث عن القاسم أبي عبد الرحمن عن أبي أمامة عن النبي عّ لّ قال: ((من لم يغز أو يجهز غازياً في أهله بخير أصابه الله بقارعة))، زاد في رواية: ((قبل يوم القيامة)). وعن واثلة بن الأسقع أخرجه الطبراني في (الأوسط) من رواية مكحول عن واثلة، قال: قال رسول الله، عَّهِ: ((ما من أهل بيت لا يغزو منهم غازياً أو يجهز غازياً بسلك أو بإبرة أو ما يعدلها من الورق أو يخلفه في أهله بخير إلاَّ أصابهم الله بقارعة قبل يوم القيامة))، وإسناده ضعيف. ذكر معناه: قوله: ((من جهز))، بتشديد الهاء: من التجهيز، وقد ذكرنا أن معناه: من هيأ أسباب سفره من شيء قليل أو كثير، ألا يُرى في حديث واثلة المذكور آنفاً قال: بسلك أو بأبرة؟ فإن قلت: ذكر في حديث ابن ماجه المذكور: ((حتى يستقل))، والاستقلال لا يكون إلاَّ بتمام التجهيز. قلت: حديث واثلة ضعيف، كما ذكرنا، ولئن سلمنا صحته فإنه وعيد في ترك التجهيز أصلاً، ولا يعارض غيره. قوله: ((فقد غزا))، قال ابن حبان: معناه أنه مثله في الأجر، وإن لم يغز حقيقة. ثم أخرجه من وجه آخر عن بسر بن سعيد بلفظ: ((كتب له مثل أجره غير عمدة القاري/ ج ١٤ م١٣ ١٩٤ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيرِ / باب (٣٨) أنه لا ينقص من أجره شيء)). وقال الطبري فيه: إن من أعان مؤمناً على عمل بر فللمعين عليه مثل أجر العامل، ومثله المعونة على معاصي الله، عز وجل، للمعين عليها من الوزر والإثم مثل ما على عاملها، ولذلك نهى عن بيع السيوف في الفتنة، ولعن عاصر الخمر. وقال القرطبي: ذهب بعض الأئمة إلى أن المثل المذكور في الحديث وشبهه إنما هو بغير تضعيف، قال: لأنه يجتمع في تلك الأشياء أفعال أخر وأعمال من البر كثيرة لا يفعلها الدال الذي ليس عنده إلاّ مجرد النية الحسنة. وقد قال عَّه: ((أيكم خلف الخارج في أهله وماله بخير فله مثل نصف أجر الخارج)). وقال: ((لينبعث من كل رجلين أحدهما والأجر بينهما)). قلت: هذا الحديث أخرجه مسلم من حديث أبي سعيد الخدري، قال القرطبي: لا حجة في هذا الحديث لوجهين. أحدهما: أنا نقول بموجبه، وذلك أنه لم يتناول محل النزاع، فإن المطلوب إنما هو أن الناوي للخير المعوق عنه، هل له مثل أجر الفاعل من غير تضعيف؟ وهذا الحديث إنما اقتضى مشاركة ومشاطرة في المضاعف فانفصلا. وثانيهما: أن القائم على مال الغازي وعلى أهله نائب عن الغازي في عمل لا يتأتى للغازي غزوة، إلاَّ بأن يكفي ذلك العمل، فصار كأنه مباشر معه الغزو، فليس مقتصراً على النية فقط، بل هو عامل في الغزو، ولما كان كذلك كان له مثل أجر الغازي كاملاً وافراً مضاعفاً، بحيث إذا أضيف ونسب إلى أجر الغازي كان نصفاً له، وبهذا يجتمع معنى قوله: ((من خلف غازياً في أهله بخير فقد غزا))، وبين معنى قوله في اللفظ الأول: ((فله مثل نصف أجر الغازي))، ويبقى للغازي النصف، فإن الغازي لم يطرأ عليه ما يوجب تنقيصاً لثوابه وإنما هذا كما قال: ((من فطر صائماً كان له مثل أجر الصائم لا ينقصه من أجره شيء))، والله أعلم. وعلى هذا، فقد صارت كلمة: نصف، مقحمة هنا بين: مثل، و: أجر، وكأنها زيادة ممن يسامح في إيراد اللفظ بدليل. قوله: ((والأجر بينهما)). ويشهد له ما ذكرناه، وأما من تحقق عجزه وصدقت نيته فلا ينبغي أن يختلف أن أجره يضاعف، كأجر العامل المباشر. ٢٨٤٤/٥٩ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ قال حدَّثنا هَمَّامُ عنْ إسْحَاقَ بنِ عَبْدِ الله عنْ أَنَسٍ رضي الله تعالى عنه أنَّ النبيَّ عَُّلِّ لَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ بَيْنَاً بالعَدِينَةِ غَيْرَ بَيْتِ امّ سُلَيْمٍ إلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِ فَقِيلَ لَهُ فقال إنِّي أَرْحَمُها قُتَلَ أخُوها مَعِي. قيل: لا مطابقة لجزء الترجمة، وهو قوله: ((أو خلفه بخير))، لأن ذلك أعم من أن يكون في حياته أو بعد موته، ففيه أنه عَِّ خلفه في أهله بخير بعد وفاة أخي أم سليم، وذلك من حسن عهده عَّ اللهِ. قلت: لا يخلو عن بعض التكلف، ولكن له وجه أقرب من هذا. وهو: أن تجهيز الغازي ونظره في أهله من غاية الإكرام للغازي، وقد حث النبي عَ لّم على ذلك حتى إنه أكرمه بعد موته حيث كان يدخل بيت أم سليم لأجل قتل أخيها وهو غازٍ، فكأنه ينبه بهذا على أن إكرام أهل الغازي الميت مرغوب فيه مع الأجر، فإذا كان في إكرام أهل الغازي الميت هكذا، ففي إكرام الغازي الحي بطريق الأولى. وموسى هو ابن إسماعيل، وهمام، بالتشديد: ابن يحيى الشيباني، وإسحاق هو ابن عبد : ١٩٥ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (٣٩) الله بن أبي طلحة. والحديث أخرجه مسلم في الفضائل عن حسن الحلواني عن عمرو بن عاصم. ذكر معناه: قوله: ((عن إسحاق بن عبد الله))، وفي رواية مسلم: عن همام أخبرنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة. وعند الإسماعيلي من طريق حسان بن هلال: عن همام حدثنا إسحاق. قوله: ((لم يكن يدخل بيتنا بالمدينة غير بيت أم سليم)) قال الحميدي: لعله أراد على الدوام، وإلاّ فقد تقدم أنه كان يدخل على أم حرام. وقال ابن التين: يريد أنه كان يكثر الدخول على أم سليم، وإلاَّ فقد دخل على أختها أم حرام، ولعل أم سليم كانت شقيقة المقتول، أو وجدت عليه أكثر من أم حرام، وأم سليم هي أم أنس، وقد ذكرنا أن في اسمها اختلافاً، فقيل: سهلة، وقيل: رميلة، وقيل: رميثة، وقيل: مليكة، ويقال: الغميصاء، والرميصاء، وأما أم حرام، فقد قال أبو عمر: لا أقف لها على اسم، صحيح. قوله: ((إني أرحمها ... )) إلى آخره. قال الكرماني: كيف صار قتل الأخ سبباً للدخول على الأجنبية. قلت: لم تكن أجنبية، كانت خالة لرسول الله، عَّم من الرضاع، وقيل: من النسب، فالمحرمية كانت سبباً لجواز الدخول. وقال بعضهم: العلة المذكورة في الحديث أولى من غيره، وأشار به إلى ما قاله الكرماني قلت: لم يبين في وجه الأولوية ما هو. قوله: (قتل أخوها معي))، أخوها هو حرام بن ملحان، قتل يوم بئر معونة، والمراد بقوله معي، أي: مع عسكري، أو معي نصرة للدين، لأن رسول الله، عَّ لم يكن في غزوة بئر معونة، وستأتي قصتها في كتاب المغازي، إن شاء الله تعالى. ٣٩ - بابُ التَّحَتُطِ عِنْدَ القِتَالِ أي: هذا باب في بيان استعمال الحنوط عند القتال، وقد مر تفسير الحنوط في باب الجنائز، وهو عطر مركب من أنواع الطيب، يطيب به الميت. ٦٠ / ٢٨٤٥ _ حدَّثنا عبدُ الله بنُ عبدِ الوَهَّابِ قال حدَّثنا خالِدُ بنُ الحَارِثِ قَالَ حدَّثنا ابنُ عَوْنٍ عنْ مُوسَى بنِ أَنَسٍ قال وذَكَرَ يَوْمَ اليَمَامَةِ قال أتَى أَنَسْ ثابتَ بنَ قَيْسٍ وقد حَسَرَ عنْ فَخِذَيْهِ وهُوَ يَتَحَنَّطُ فقال يا عَمِّ ما يَخْبِسُكَ أنْ لاَ تَجِيءَ قال الآنَ يا ابنَ أَخِي وجَعَلَ يَتَحَنَّطَ يَغْنِي مِنَ الحُنُوطِ ثُمَّ جاءَ فَجَلَسَ فَذَكَرَ في الحَدِيثِ انْكِشَافَاً مِنَ النَّاسِ فقال هَكَذَا عنْ وُجُوهِنَا حَتَّى نضَارِبَ القَوْمَ ما هَكَذَا كُنَّا نَفْعَلُ مَعَ رَسُولِ الله عَلَّهِ بِئْسَ مَا عَوَّدْتُمْ أَقْرَانَكُمْ. مطابقته للترجمة في قوله: ((وهو يتحنط))، و((جعل يتحنط يعني: من الحنوط)). ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: عبد الله بن عبد الوهاب أبو محمد الحجبي البصري. الثاني: خالد بن الحارث الهجيمي، بضم الهاء وفتح الجيم، مر في استقبال القبلة. الثالث: ابن عون، بفتح العين: وهو عبد الله بن عون، مر في العلم. الرابع: موسى بن أنس بن مالك. الخامس: أنس بن مالك. السادس: ثابت بن قيس بن شماس، بفتح الشين المعجمة وتشديد الميم وفي آخره سين مهملة: الخزرجي خطيب الأنصار، قتل يوم اليمامة شهيداً في خلافة ١٩٦ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيرِ / باب (٣٩) أبي بكر الصديق، رضي الله تعالى عنه. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في موضع واحد. وفيه: القول في أربعة مواضع. وفيه: أن شيخه من أفراده. وفيه: أن رجاله كلهم بصريون ما خلا ثابتاً. وفيه: رواية التابعي عن التابعي، وهما ابن عون وموسى، وابن عون رأى أنس بن مالك ولم يثبت له سماع منه. وفيه: إثنان من الصحابة وهما: أنس وثابت. وفيه: أتى أنس ثابت بن قيس، وفي رواية البرقاني من وجه آخر، فقال: عن موسى بن أنس عن أبيه، قال: أتيت ثابت بن قيس، وفي رواية ابن سعد في (الطبقات): حدثنا الأنصاري حدثنا ابن عون أخبرنا موسى بن أنس عن أنس بن مالك، قال: لما كان يوم اليمامة جئت إلى ثابت ابن قيس بن شماس ... فذكره، وهذا الحديث من أفراده. ذکر معناه: قوله: ((وذکر یوم اليمامة))، الواو فيه للحال، وفي رواية الحموي بلا واو، و: اليمامة، بفتح الياء آخر الحروف وتخفيف الميم: وهي مدينة من اليمن على مرحلتين من الطائف، سميت باسم جارية زرقاء كانت تبصر الراكب من مسيرة ثلاثة أيام. وقال الجوهري: اليمامة بلاد، وكان اسمها: الجو، فسميت باسم هذه المرأ لكثرة ما إضيف إليها. وذكر الجاحظ أن اليمامة كانت من بنات لقمان بن عاد، وأن اسمها عنز، وكانت زرقاء، وقال المسعودي: هي يمامة بنت رباح بن مرة، ويوم اليمامة هو اليوم الذي كانت فيه الوقعة بين المسلمين وبين بني حنيفة أصحاب مسيلمة الكذاب، وكانت في ربيع الأول من سنة اثنتي عشرة من الهجرة في خلافة أبي بكر الصديق، رضي الله تعالى عنه. وقيل: كانت في أواخر سنة إحدى عشرة، والجمع بين القولين: أن ابتداءها كان في السنة الحادية عشرة وانتهاءها في السنة الثانية عشرة، وقتل فيها جماعة من المسلمين وهم أربعمائة وخمسون من حملة القرآن ومن الصحابة، منهم: ثابت بن قيس بن شماس، وكانت راية الأنصار مع ثابت هذا، وكان رأس العسكر خالد بن الوليد، رضي الله تعالى عنه، وكان بنو حنيفة نحواً من أربعين ألفاً والمسلمون نحواً من ... (١) ... وقتل من بني حنيفة نحو من إحدى وعشرين ألفاً، وفيهم مسيلمة الكذاب، قتله وحشي بن حرب قاتل حمزة، رضي الله تعالى عنه، رماه بحربة فأصابته وخرجت من الجانب الآخر، وسارع إليه أبو دجانة سماك بن حرثة فضربه بالسيف فسقط. قوله: ((أتى أنس ثابت بن قيس))، وارتفاع: أنس، بالفاعلية وانتصاب: ثابت، بالمفعولية. قوله: ((وقد حسر)»، الواو فيه للحال، وكذلك في قوله: ((وهو يتحنظ» وحسر، بمهملتين مفتوحتين معناه: كشف. قوله: ((يا عم))، إنما دعاه بذلك لأنه كان أسن منه، ولأنه من قبيلة الخزرج. قوله: ((ما يحبسك؟)) أي: ما يؤخرك. قوله: ((أن لا تجيء؟))، بالنصب. قال الكرماني: لا، زائدة، وبالرفع وتخفيف اللام، وفي رواية الأنصاري: ((فقلت: يا عم! ألا ترى ما يلقى الناس؟)) وعند الإسماعيلي: ألا تجيء؟ وكذا في رواية خليفة في (تاريخه). وقال في (١) هنا بياض في جميع الأصول. ١٩٧ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادٍ والسيّرِ / باب (٣٩) جوابه: بلى يا ابن أخي الآن. قوله: ((وجعل يتحنط))، أي: جعل يستعمل الحنوط. قوله: (عني من الحنوط))، إنما فسر بهذا حتى لا يتصحف بما يشتق من الخياطة، أو من شيء آخر. وقال بعضهم: وكأن قائلها أراد دفع من يتوهم أنها من الحنطة. قلت: هذا الوهم بعيد ولا معنى يفيد أن يتحنط من الحنطة، وهذه اللفظة لم تقع في رواية الأنصاري، ولكنها موجودة في الأصل. وروى الطبراني عن علي بن عبد العزيز وأبي مسلم الكبشي، قالا: حدثنا حجاج بن منهال (ح) وحدثنا محمد بن العباس المؤدب حدثنا عفان أخبرنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن ثابت بن قيس بن شماس جاء يوم اليمامة وقد تحنظ ونشر أكفانه، وقال: أللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، وأعتذر مما صنع هؤلاء، فقيل: وكانت له درع فسرقت، فرآه رجل فيما يرى النائم، فقال: إن درعي في قدر تحت كانون في مكان كذا وكذا، وأوصاه بوصايا، فطلبوا الدرع فوجدوها وأنفذوا الوصايا. وعند الترمذي: قال أنس: لما انكشف الناس يوم اليمامة، قلت لثابت ... فذكر الحديث. وفيه: وكان عليه درع نفيسة، فمر به رجل من المسلمين فأخذها. وفيه: لما رأى في المنام ودل على الدرع، قال: لا تقل هذا منام، فإذا جئت أبا بكر فأعلمه أن عليَّ من الدين كذا وكذا، وفلان من رقيقي عتيق، وفلان ... فأنفذ أبو بكر وصيته، ولا يعلم أحد أجيزت وصيته بعد موته سواه. وفي كتاب (الردة) للواقدي بإسناده عن بلال أنه رأى سالم مولى أبي حذيفة، وهو قافل إلى المدينة من غزوة اليمامة: أن درعي مع الرفقة الذين معهم الفرس الأبلق تحت قدرهم، فإذا أصبحت فخذها وأدّها إلى أهلي، وإن علي شيئاً من الدين فمرهم أن يقضوه عني، فأخبرت أبا بكر بذلك، فقال: نصدق قولك ونقضي عنه دينه الذي ذكرته. وفيه: أن عبدي سعدا وسالما حران. وقال الكرماني: قال أنس: لما انكشف الناس يومئذ: ألا ترى يا عم؟ فقال: ما هكذا نقاتل مع رسول الله، عَ ليه، بئسما عودتم أقرانكم. ثم قاتل حتى قتل، وكان عليه درع نفيسة، فمر به رجل من المسلمين فأخذها، فرآه بعض الصحابة في المنام، فقال: إني أوصيك بوصية فلا تضيعها، إني لما قتلت أخذ رجل درعي، ومنزله في أقصى الناس، وعند خبائه فرس، وقد كفا على الدرع برمة وفوق البرمة رحل، فأتِ خالداً، - وكان أمير العسكر - وقل له يأخذ درعي منه، فإذا قدمت المدينة فقل لخليفة رسول الله، عَّ لهم، يعني: أبا بكر، رضي الله تعالى عنه: إن علي من الدين كذا وكذا، وفلان من رقيقي عتيق. فأتى الرجل خالداً، رضي الله تعالى عنه، فأخبره، فبعث إلى الدرع فأتى بها، وحدث أبا بكر فأجاز وصيته، ولا نعلم أحداً أجيزت وصيته بعد موته غير ثابت، وهو من الغرائب. قوله: ((فذكر في الحديث انكشافاً) أي: فذكر أنس في حديثه نوعاً من الانهزام، أي: أشار إلى الفرج بين وجوه المسلمين والكافرين بحيث لا يبقى بيننا وبينهم أحد، وقدرنا على أن نضاربهم بلا حائل بيننا وبينهم، فقال ثابت: ما كنا نفعل كذا مع رسول الله عَ ليه، بل كان الصف الأول لا ينحرف عن موضعه، وكان الصف الثاني مساعداً لهم، وفي رواية ١٩٨ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيَّرِ / باب (٤٠) ابن أبي زائدة: فجاء حتى جلس في الصف والناس منكشفون، أي: منهزمون. قوله: «بئس ما عودتم أقرانكم))، هكذا في رواية الأكثرين، ووقع في رواية المستملي: عودكم أقرانكم. قلت: فعلى الأول: أقرانكم، بالنصب، لأنه مفعول: عودتم، وعلى الثاني: بالرفع، لأنه فاعل: عودكم. والأقران: النظراء، وهو جمع قرن، بكسر القاف، وهو الذي يعادل الآخر في الشدة، والقرن، بفتح القاف: من يعادل في السن، وأراد ثابت، رضي الله تعالى عنه، بهذا الكلام توبيخ المنهزمين، أي: عودتم نظراء كم في القوة من عدوكم الفرار منهم حتى طمعوا فيكم؟ وفي رواية الأنصاري وابن أبي زائدة، ومعاذ بن معاذ: فتقدم فقاتل حتى قتل، رضي الله تعالى عنه. ذكر ما يستفاد منه: فيه: دلالة على الأخذ بالشدة في استهلاك النفس وغيرها في ذات الله، عز وجل، وترك الأخذ بالرخصة لمن قدر عليها. وفيه: أن التطيب للموت سنة من أجل مباشرة الملائكة للميت. وفيه: التداعي للقتال، لأن أنساً قال لعمه: ما يحبسك أن لا تجيء؟ وفيه: قوة ثابت بن قيس وصحة قينه ونيته. وفيه: التوبيخ لمن نفر من الحرب. وفيه: الإشارة إلى ما كانت عليه الصحابة في عهد النبي عَّه من الشجاعة والثبات في الحرب. رَوَاهُ حَمَّاذٌ عنْ ثَابِتَ عنْ أَنَسٍ أي: روى الحديث حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أنس بن مالك، وهذا التعليق وصله البرقاني عن أبي العباس ابن حمدان بالإسناد عن قبيصة بن عقبة عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس بلفظ: انكشفنا يوم اليمامة فجاء ثابت بن قيس بن شماس، فقال: بئس ما عودتم أقرانكم منذ اليوم، وإني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء القوم، وأعوذ بك مما صنع هؤلاء، وخلوا بيننا وبين أقراننا ساعة، وقد كان تكفن وتحنيط، فقاتل حتى قتل. قال: وقتل يومئذ سبعون من الأنصار فكان أنس يقول: يا رب سبعين من الأنصار يوم أحد، سبعين يوم مؤتة، سبعين يوم بئر معونة، سبعين يوم اليمامة ... وبالله المستعان. ٤٠ - بابُ فَضْلِ الطَّلِيعَةِ أي: هذا باب في بيان فضل الطليعة، بفتح الطاء وكسر اللام، وطليعة الجيش من بعث ليعلم العدو ويطلع على أحوالهم، ويجمع على طلائع، وقال ابن الأثير: الطلائع هو القوم الذين يبعثون ليطلعوا، طلع العدو كالجواسيس. والطليعة تطلق على الواحد وعلى الجماعة، قلت: طلع العدو، بكسر الطاء وسكون اللام: اسم من اطلع على الشيء إذا علمه. ٦١ /٢٨٤٦ _ حدَّثنا أَبُو نُعَيْم قال حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ مُحَمَّدِ بنِ المُنْكَدِرِ عنْ جابِرٍ رضي الله تعالى عنهُ قال قال النبيُّ عَّهِ مَنْ يَأْتِينِي بِخَبَرِ القَوْمِ يَوْمَ الأُخْزَابِ قال الزُّبَيْرُ أنا ثُمَّ قال مَنْ يأتِينِي بِخَبَرِ القَوْمُ قال الزُّبَيْرُ أَنَا فقال النبيُّ عَلَّهِ إِنَّ لِكُلِّ نَبِيّ حَوَارِيَّاً وحَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ. [الحديث ٢٨٤٦ - أطرافه في: ٢٨٤٧، ٢٩٩٧، ٣٧١٩، ٤١١٣، ٧٢٦١]. مطابقته للترجمة ظاهرة، لأن قوله، عَ لّه: ((من يأتيني بخبر القوم؟)) انتداب لأحد يأتيه بخبر العدو، فانتدب له الزبير، فاستحق الفضل بذلك. ١٩٩ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيَّرِ / باب (٤٠) وأبو نعيم الفضل بن دكين، وسفيان هو الثوري. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في المغازي عن محمد بن كثير. وأخرجه مسلم في الفضائل عن أبي كريب وإسحاق بن إبراهيم، كلاهما عن وكيع. وأخرجه الترمذي في المناقب عن محمود بن غيلان. وأخرجه النسائي فيه وفي السير عن قاسم بن زكريا. وأخرجه ابن ماجه في السنة عن علي بن محمد عن وكيع. ذكر معناه: قوله: ((من يأتيني بخبر القوم؟)). أراد بهم بني قريظة من اليهود، وعند النسائي قال وهب بن كيسان: أشهد لسمعت جابراً يقول: لما اشتد الأمر يوم بني قريظة من اليهود، قال رسول الله، عَّله: ((من يأتينا بخبرهم؟)) فلم يذهب أحد، فذهب الزبير فجاء بخبرهم، ثم اشتد الأمر أيضاً فقال النبي عٍَّ من يأتينا بخبرهم؟ فلم يذهب أحد فذهب الزبير، فجاء بخبرهم، ثم اشتد الأمر أيضاً، فقال النبي عَّ: ((إن لكل نبي حواري. وإن الزبير حواري)). وعند ابن أبي عاصم، من حديث وهب بن كيسان عن جابر: لما كان يوم الخندق واشتد الأمر، قال النبي عَ لّه: ((ألا رجل يأتي بني قريظة فيأتينا بخبرهم؟)) فانطلق الزبير فجاء بخبرهم، ثم اشتد الأمر فقال ((ألاً رجل ينطلق إلى بني قريظة؟» الحديث، وفي لفظ: ثلاث مرات، فلما رجع جمع له أبويه. قوله: ((يوم الأحزاب))، هو يوم الخندق، والأحزاب كانوا من قريش وغيرهم، وكان بنو قريظة نقضوا العهد الذي كان بينهم وبين المسلمين ووافقوا قريشاً على حرب المسلمين. قوله: ((حوارياً) أي: خلصاؤه وأنصاره، وأصله من التحوير وهو التبييض. وقيل: ((إنهم كانوا قصارين يحورون الثياب، أي: يبيضونها)). ومنه الخبز الحواري الذي نخل مرة بعد مرة. وقال الأزهري: الحواريون خلصاء الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، وقال عبد الرزاق: عن معمر عن قتادة: الحواري الوزري إذا أضيف الحواري إلى: يا، من المتكلم: بحذف الياء وحينئذ ضبطه جماعة بفتح الياء وأكثرهم بكسرها. قالوا: والقياس الكسر، لكنهم حين استثقلوا الكسرة وثلاث يآآت حذفوا ياء المتكلم وأبدلوا من الكسرة فتحة، وقد قرىء في الشواذ: إن ولي الله، بالفتح وفي (التوضيح): اعلم أنه وقع هنا ما ذكرناه، أراد به: من أن الذي توجه إلى كشف بني قريظة الزبير بن العوام، رضي الله تعالى عنه، والمشهور كما قاله شيخنا فتح الدين اليعمري: أن الذي توجه ليأتي بخبر القوم حذيفة ابن اليمان، كما روينا عنه من طريق ابن إسحاق وغيره، قال: يعني: رسول الله، عَلّهِ: ((من رجل يقول فينظر لنا ما فعل القوم: ثم يرجع)) فشرط له رسول الله، عَّ له الرجعة، أسأل الله أن يجعله رفيقي في الجنة؟ فما قام رجل من شدة الخوف والجزع والبرد، فلما لم يقم أحد دعاني، فقال: يا حذيفة إذهب وأدخل في القوم ... وذكر الحديث، وذكر ابن عيينة وغيره خروج حذيفة إلى المشركين ومشقة ذلك عليه إلى أن قال، عليه الصلاة والسلام: ((قم يحفظك الله من أمامك ومن خلفك وعن يمينك وعن شمالك حتى ترجع إلينا))، فقام حذيفة مستبشراً بدعاء رسول الله، عَّ له، كأنه احتمل احتمالاً، فما شق عليه شيء مما كان فيه، والله أعلم بحقيقة الحال. ٢٠٠ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيرِ / باب (٤١) ٤١ - بابٌ هَلْ يَتْعَثُ الطَّلِيعَةَ وَحْدَهُ أي: هذا باب يذكر فيه: هل يبعث الطليعة إلى كشف العدو منفرداً وحده؟ وجواب: هل، الاستفهامية محذوف، والتقدير: يبعث أو يجوز بعثه وحده؟ ٦٢ / ٢٨٤٧ - حدَّثنا صَدَقَةُ قال أخبرنا ابنُ عُيَيْنَةَ قال حدثنا ابنُ الْمُنْكَدِرِ أنَّهُ سَمِعَ جابِرَ بنَ عَبْدِ الله رضي الله تعالى عنهما قال ندَبَ النّبِيُّ عَّ ◌َلَّه النَّاس قال صَدَقَةُ أَظُنُهُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ ثُمَّ نَدَبَ فانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ ثُمَّ نَذَبَ النَّاسَ فَانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ فقال النبي ◌ِعَّهِ إِنَّ لِكُلِّ فَبِيّ حَوَارِياً وإنَّ حَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ بنُ العَوَّامِ. [انظر الحديث ٢٨٤٧ وأطرافه]. هذا هو الحديث الذي مضى في الباب السابق، غير أنه رواه هناك: عن أبي نعيم عن سفيان الثوري، وهنا رواه: عن صدقة بن الفضل عن سفيان بن عيينة، وأيضاً هنا ترجم عليه في جواز إرسال الطليعة وحده. قوله: ((ندب الناس)، يقال: ندبه لأمر فانتدب له أي: دعاه له فأجابه. قوله: ((أظنه))، أي: قال صدقة، شيخ البخاري: أظن أن الندب يوم الخندق، ورواه الحميدي عن ابن عيينة فقال فيه يوم الخندق من غير شك. وفيه: شجاعة الزبير، وتقدمته وفضله. وقال الداودي: ولا ألم رجلاً جمع له النبي عَّةٍ، أبويه إلاَّ الزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص، كان يقول له: ((إرم فداك أبي وأمي)). وإنما كان يقول لغيرهما: ((إرم فداك أبي، أو فدتك أمي))، وهي كلمة تقال للتبجيل ليس على الدعاء ولا على الخبر، وقال ابن بطال: زعم بعض المعتزلة أن بعث النبي عَِّ الزبير وحده معارض لقوله، عَّ له: ((الراكب شيطان))، ونهى أيضاً عن أن يسافر الرجل وحده، قال المهلب: وليس بينهما تعارض لاختلاف المعنى في الحديثين، وهو أن الذي يسافر وحده لا يأنس بأحد ولا يقطع طريقه بمحدث يهون عليه مؤونة السفر، كالشيطان الذي لا يأنس بأحد ويطلب الوحدة ليغويه. وأما سفر الزبير فليس كذلك، لأنه كان كالجاسوس يتجسس على قريش ما يريدون من حرب النبي عَّهِ، ولا يناسبه إلاَّ الوحدة، على أنه خرج في مثل هذا الأمر الخطير لحماية الدين وإظهار طاعة النبي معَّهِ، ولم يزل، كان عليه حفظ من الله تعالى ببركة دعاء النبي عَّه فأين هذا من ذلك؟ ألا يرى أن عمر، رضي الله تعالى عنه، لما بلغه أن سعداً بنى قصراً أرسل شخصاً وحده ليهدمه؟ وذكر ابن أبي عاصم أن النبي عَِّ أرسل عبد الله بن أنس سرية وحده؟ وبعث عمرو بن أمية وحده عيناً؟ وذكر ابن سعد: أنه عٍَّ أرسل سالم بن عمير سرية وحده، وحمل الطبري الحديث على جواز السفر للرجل الواحد إذا كان لا يهوله هول، وإلاّ فممنوع من السفر وحده خشية على عقله أو يموت فلا يدري خبره أحد، كما قال عمر، رضي الله تعالى عنه: أرأيتم إذا سافر وحده فمات، من أسأل عنه؟ قال: ويحتمل أن يكون النهي عن السفر وحده نهي تأديب وإرشاد إلى ما هو الأولى. وقال ابن التين: وحمله الشيخ أبو محمد على السفر الذي يقصر فيه الصلاة.