النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيرِ / باب (٣) إحدى خالات النبي عَّ ◌ُلّله من الرضاعة، قال أبو عمر: فأي ذلك كان فأم حرام محرم منه. وقال ابن بطال: قال غيره: إنما كانت خالة لأبيه أو لجده، وذكر ابن العربي عن بعض العلماء أن هذا مخصوص بسيدنا رسول الله، عَّهِ أو يحمل دخوله عليها: أنه كان قبل الحجاب، إلاَّ أن قوله: تغلي رأسه، يضعف هذا. وزعم ابن الجوزي أنه سمع بعض الحفاظ يقول: كانت أم سليم - أخت آمنة من الرضاعة وقال الحافظ الدمياطي: ليس في الحديث ما يدل على الخلوة بها، فلعل ذاك كان مع ولد أو خادم أو زوج أو تابع، والعادة تقتضي المخالطة بين المخدوم وأهل الخادم، سيما إذا كنَّ مسئَّات، مع ما ثبت له عليه عَّم من العصمة، ولعل هذا كان قبل الحجاب، لأنه كان في سنة خمس، وقتل أخيها حرام الذي كان رحمها لأجله كان سنة أربع. وقال أبو عمر: حرام بن ملحان قتل يوم بئر معونة، قتله عامر بن الطفيل. قوله: (تحت عبادة بن الصامت)) أي: كانت امرأته، والصامت بن قيس بن أصرم بن فهر بن ثعلبة بن غنم بن سالم بن عوف بن الخزرج الأنصاري السالمي، يكنى: أبا الوليد، قال الأوزاعي: أول من ولي قضاء فلسطين عبادة بن الصامت، مات عبادة سنة أربع وثلاثين بالرملة، وقيل: ببيت المقدس، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة. قوله: ((تفلي رأسه))، بفتح التاء وإسكان الفاء وكسر اللام، يعني: تفتش القمل من رأسه وتقتله، من: فلى يفلي من باب ضرب يضرب، فلياً مصدره، والفلى أخذ القمل من الرأس. قوله: ((وهو يضحك))، جملة وقعت حالاً، وكذا قوله: ((غزاة))، وهو جمع غازي، كقضاة جمع قاضي. قوله: ((ثبج هذا البحر))، بفتح الثاء المثلثة والباء الموحدة بعدها جيم، قال الخطابي: ثبج البحر: متنه ومعظمه، وثبج كل شيء وسطه، وقيل: ثبج البحر ظهره، يوضحه بعض ما جاء في الروايات: يركبون ظهر هذا البحر، وقيل: ثبج البحر: هوله، والثبج ما بين الكتفين. قوله: ((ملوكاً))، نصب بنزع الخافض أي: مثل ملوك على الأسرة، وهو جمع سرير، قال أبو عمر: أراد أنه رأى الغزاة في البحر على الأسرة في الجنة، ورؤيا الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، وحي يشهد له قوله تعالى: ﴿على الأرائك متكئون﴾ [يس: ٥٦]. وبه جزم ابن بطال حيث قال: إنما رآهم ملوكاً على الأسرة في الجنة في رؤياه، وقال القرطبي: يحتمل أن يكون خبراً عن حالهم في غزوهم أيضاً. قوله: ﴿شك إسحاق﴾، وهو إسحاق بن عبد الله الراوي عن أنس. قوله: ((ثم وضع رأسه ثم استيقظ))، قيل: رؤياه الثانية كانت في شهداء البر، فوصف حال البر والبحر بأنهم ملوك على الأسرة، حكاه ابن التين وغيره، وقيل: يحتمل أن يكون حالتهم في الدنيا كالملوك على الأسرة، ولا يبالون بأحد. قوله: ((أنت من الأولين))، خطاب لأم حرام، وأراد بالأولين: هم الذين عرضوا أولاً، وهم الذين يركبون ثبج البحر. قوله: ((في زمن معاوية بن أبي سفيان))، وكانت غزت مع زوجها في أول غزوة كانت إلى الروم في البحر مع معاوية زمن عثمان بن عفان سنة ثمان وعشرين، وقال ابن زيد: سنة سبع وعشرين، وقيل: بل كان ذلك في خلافة معاوية على ظاهره، والأول أشهر، وهو ما ذكره أهل السير، وفيه: هلكت، وقال الكرماني، رحمه الله تعالى، واختلفوا في أنه متى جرت ١٢٢ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (٣) الغزوة التي توفيت فيها أم حرام؟ فقال البخاري ومسلم: في زمن معاوية، وقال القاضي: أكثر أهل السير أن ذلك كان في خلافة عثمان، رضي الله تعالى عنه، فعلى هذا يكون معنى قولها: في زمن معاوية، زمان، غزوة معاوية في البحر، لا زمان خلافته، وقال ابن عبد البر: إن معاوية غزا تلك الغزوة بنفسه. انتهى. قلت: كان عمر، رضي الله تعالى عنه، قد منع المسلمين من الغزو في البحر شفقة عليهم، واستأذنه معاوية في ذلك فلم يأذن له، فلما ولي عثمان، رضي الله تعالى عنه، استأذنه فأذن له. وقال: لا تكره أحداً، من غزاه طائعاً فاحمله، فسار في جماعة من الصحابة منهم أبو ذر وعبادة بن الصامت ومعه زوجته أم حرام بنت ملحان وشداد بن أوس وأبو الدرداء في آخرين، وهو أول من غزا الجزائر في البحر، وصالحه أهل قبرس على مال، والأصح أنها فتحت عنوة، ولما أرادوا الخروج منها قدمت لأم حرام بغلة لتركبها فسقطت عنها، فماتت هنالك، فقبرها هنالك يعظمونه ويستسقون به، ويقولون: قبر المرأة الصالحة. قوله: ((حين خرجت من البحر))، أراد به حين خروجها من البحر إلى ناحية الجزيرة، لأنها دفنت هناك. ذكر ما يستفاد منه: فيه: جواز دخول الرجل على محرمه وملامسته إياها والخلوة بها، والنوم عندها. وفيه: إباحة ما قدمته المرأة إلى ضيفها من مال زوجها، لأن الأغلب أن ما في البيت من الطعام هو للرجل، قال ابن بطال: ومن المعلوم أن عبادة وكل المسلمين يسرهم وجود سيدنا رسول الله، عَِّ في بيته، وقال ابن التين: يحتمل أن يكون ذلك من مال زوجها لعلمه أنه كان يسر بذلك، ويحتمل أن يكون من مالها، واعترضه القرطبي فقال: حين دخوله معَّ لَّه على أم حرام لم تكن زوجاً لعبادة، كما يقتضيه ظاهر اللفظ، إنما تزوجته بعد ذلك بمدة، كما جاء في رواية عند مسلم: فتزوجها عبادة بعد. وفيه: جواز فلي الرأس وقتل القمل، ويقال قتل القمل وغيره من المؤذيات مستحب. وفيه: نوم القائلة، لأنه يعين البدن لقيام الليل. وفيه: جواز الضحك عند الفرح، لأنه عَّل ضحك فرحاً وسروراً بكون أمته تبقى بعده متظاهرين، وأمور الإسلام قائمة بالجهاد حتى في البحر. وفيه: دلالة على ركوب البحر للغزو، وقال سعيد بن المسيب: كان أصحاب النبي، عَّه يتجرون في البحر، منهم: طلحة وسعيد بن زيد، وهو قول جمهور العلماء إلاَّ عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز، رضي الله تعالى عنهما، فإنهما منعا من ركوبه مطلقاً. ومنهم من حمله على ركوبه لطلب الدنيا لا للآخرة، وكره مالك ركوبه للنساء مطلقاً، لما يخاف عليهن من أن يطلع منهن أم يطلعن على عورة، وخصه بعضهم بالسفن الصغار دون الكبار، والحديث يخدش فيه. فإن قلت: روى أبو داود من حديث ابن عمر، قال: قال رسول الله، عَّله: (لا يركب البحر إلاَّ حاجاً أو معتمراً أو غازياً، فإن تحت البحر ناراً، وتحت النار بحراً)). قلت: هذا حديث ضعيف، ولما رواه الخلال في (علله) من حديث ليث عن مجاهد عن عبد الله بن عمر يرفعه، قال: قال ابن معين: هذا عن النبي، عَّله، منكر. وفيه: إباحة الجهاد للنساء في البحر، وقد ترجم البخاري لذلك، على ما سيأتي. وفيه: أن الوكيل - أو المؤتمن - إذا علم أنه ١٢٣ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (٣) يسر صاحب المنزل فيما يفعله في ماله جاز له فعل ذلك، واختلف العلماء في عطية المرأة من مال زوجها بغير إذنه، وقد مر هذا في الوكالة. وفيه: أن الجهاد تحت راية كل إمام جائز ماضٍ إلى يوم القيامة. وفيه: تمني الغزو والشهادة حيث قالت أم حرام: أَدْمُ الله أن يجعلني منهم. وفيه: أنه من أعلام نبوته وذلك أنه أخبر فيه بضروب الغيب قبل وقوعها، منها: جهاد أمته في البحر، وضحكه دال على أن الله تعالى يفتح لهم ويغنمهم. ومنها الإخبار بصفة أحوالهم في جهادهم، وهو قوله: ((يركبون ثبج هذا البحر))، ومنها قوله لأم حرام: أنت من الأولين، فكان كذلك. ومنها: الإخبار ببقاء أمته من بعده، وأن يكون لهم شوكة، وأن أم حرام تبقى إلى ذلك الوقت، وكل ذلك لا يعلم إلاَّ بوحي علي أوحي به إليه في نومه. وفيه: أن رؤيا الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، حق. وفيه: الضحك المبشر إذا بشر بما يسر، كما فعل الشارع. قال المهلب: وفيه: فضل لمعاوية وأن الله قد بشر به نبيه عَّله في النوم، لأنه أول من غزا في البحر وجعل من غزا تحت رايته من الأولين. وفيه: أن الموت في سبيل الله شهادة، وقال ابن أبي (شيبة): حدثنا يزيد بن هارون حدثنا أنس بن عون عن ابن سيرين عن أبي العجفاء السلمي، قال: قال عمر، رضي الله تعالى عنه: قال محمد عَّ له من قتل في سبيل الله - أو مات - فهو في الجنة. وفيه: دلالة على أن من مات في طريق الجهاد من غير مباشرة ومشاهدة، له من الأجر مثل ما للمباشر، وكانت النساء إذا غزون يسقين الماء ويداوين الكلمى ويصنعن لهم طعامهم وما يصلحهم، فهذه مباشرة. وفيه: أن الموت في سبيل الله والقتل سواء، أو قريباً من السواء في الفضل، قاله أبو عمر، قال: وإنما قلت: أو قريباً من السواء، لاختلاف الناس في ذلك، فمن أهل العلم من جعل الميت في سبيل الله والمقتول سواء، واحتج بقوله تعالى: ﴿والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقاً حسناً﴾ [الحج: ٥٨]. وبقوله: ﴿ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله﴾ [النساء: ١٠٠]. وبقوله عَّل في حديث عبد الله بن عتيك: ((من خرج مجاهداً في سبيل الله فخرّ عن دابته أو لدغته حية أو مات حتف أنفه فقد وقع أجره على الله)) وفي مسلم عن أبي هريرة، يرفعه: ((من قتل في سبيل الله فهو شهيد))، وروى أبو داود من حديث بقية عن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان عن أبيه عن مكحول عن ابن غنم عن أبي مالك الأشعري عن النبي عَّ له: ((من وقصه فرسه أو بعيره أو لدغته هامة أو مات على فراشه، على أي حتف شاء الله، فهو شهيد))، وأخرجه الحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم، وذكر الحلواني في (كتاب المعرفة)، فقال: حدثنا أبو علي الحنفي حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر عن عبد الملك بن عمير، قال علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه: من حبسه السلطان، وهو ظالم له، ومات في محبسه ذلك فهو شهيد، ومن ضربه السلطان ظالماً فمات من ضربه ذلك فهو شهيد، وكل موت يموت به المسلم فهو شهيد، غير أن الشهادة تتفاضل. وروى الحاكم من حديث كعب بن عجرة، قال النبي عَّ له لعمر يوم بدر، ورأى قتيلاً: ١٢٤ : ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيَّرِ / باب (٤) يا عمر! إن للشهداء سادة وأشرافاً وملوكاً، وإن هذا منهم. واختلفوا في شهيد البحر: أهو أفضل أم شهيد البر؟ فقال قوم: شهيد البر، وقال قوم: شهيد البحر، قال أبو عمر: ولا خلاف بين أهل العلم أن البحر إذا ارتج لم يجز ركوبه لأحد بوجه من الوجوه في حين ارتجاجه، والذين رجحوا: شهيد البحر، احتجوا بما رواه ابن أبي عاصم في كتاب الجهاد عن الحسن ابن الصباح، حدثنا يحيى بن عباد حدثنا يحيى بن عبد العزيز عن عبد العزيز بن يحيى حدثنا سعيد بن صفوان عن عبد الله بن المغيرة بن عبد الله بن أبي بردة: سمعت عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله عَ لّهِ: ((الشهادة تكفر كل شيء إلاَّ الدين، والغزو في البحر يكفر ذلك كله)). ومن حديث عبد الله بن صالح عن يحيى بن أيوب عن يحيى بن سعيد عن عطاء بن يسار عن ابن عمرو مرفوعاً: ((غزوة في البحر خير من عشر غزوات في البر))، وروى أبو داود من حديث يعلى بن شداد عن أم حرام عن النبي عَّلِ أنه قال: ((المائد في البحر الذي يصيبه القيء له أجر شهيد، والغرق له أجر شهيدين)). وروى ابن ماجه من حديث أبي الدرداء أن رسول الله، عَِّ قال: ((غزوة في البحر مثل عشر غزوات في البر، والذي يسدر في البحر كالمتشحط في دمه في سبيل الله)). وروى ابن ماجه أيضاً من حديث سليم بن عامر، قال: سمعت أبا أمامة يقول: سمعت رسول الله، عَّه يقول: ((شهيد البحر مثل شهيدين في البر، والمائد في البحر كالمتشحط في دمه في البر، وما بين الموجتين كقاطع الدينا في طاعة الله تعالى، فإن الله وكل ملك الموت بقبض الأرواح إلاَّ شهيد البحر، فإنه يتولى قبض أرواحهم ويغفر لشهيد البر الذنوب كلها إلاَّ الدَّين، ولشهيد البحر الذنوب والدَّين)). قوله: المائد هو الذي يدار برأسه من ريح البحر واضطراب السفينة بالأمواج. قوله: ((الغرق))، بكسر الراء: الذي يموت بالغرق، وقيل: هو الذي غلبه الماء ولم يغرق: فإذا غرق فهو غريق. قوله: ((والذي يسدر))، من السدر، بالتحريك: كالدوار، وكثيراً ما يعرض لراكب البحر، يقال: سدر يسدر سدراً. قوله: ((كالمتشحط في دمه))، وهو الذي يتمرغ ويضطرب ويتخبط في دمه. ٤ - بابُ دَرَجَاتِ الْمُجَاهِدِينَ في سَبِيلِ الله أي: هذا باب في بيان درجات المجاهدين في سبيل الله، والمجاهد في سبيل الله هو الذي يجاهد لإعلاء كلمة الله ونصرة الدين من غير التفات إلى الدنيا. يُقالُ هَذِهِ سَبِيلِي وهُذَا سَبِيلِي غرضه من هذا أن السبيل يذكر ويؤنث، وبذلك جزم القراء في قوله تعالى: ﴿ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا﴾ [لقمان: ٦]. والضمير يعود إلى آيات القرآن، وإن شئت جعلته للسبيل لأنها قد تؤنث. قال الله تعالى: ﴿قل هذه سبيلي﴾ [يوسف: ١٠٨]. وفي قراءة أبي بن كعب، رضي الله تعالى عنه: ﴿وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوها سبيلاً﴾ [الأعراف: ١٤٦]. قال ابن سيده: السبيل الطريق وما وضح منه، وسبيل الله طريق الهدى ١٢٥ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (٤) الذي دعا إليه، ويجمع على: سبل. قال أبُو عَبْدِ الله غُزَّاً واحِدُها غازٍ، هُمْ دَرجاتٌ: لَهُمْ دَرَجَاتٌ هذا وقع في رواية المستملي، وأبو عبد الله هو البخاري. قوله: ((غزى))، بضم الغين وتشديد الزاي جمع غاز أصله غزي، كسبق جمع سابق، وجاء مثل: حاج وحجيج، وقاطن وقطين، وغزاء مثل فاسق وفساق. قوله: ((هم درجات: لهم درجات))، فسر قوله: هم درجات، بقوله: لهم درجات أي: لهم منازل، وقيل: تقديره ذووا درجات. ٢٧٩٠/٨ _ حدّثنا يَحْيِى بنُ صالِح قال حدَّثنا فُلَيْحٌ عنْ هِلاَلِ بنِ عَلَيّ عنْ عَطاءٍ ابنِ يَسارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه قال قال رسولُ الله عَلَِّ من آمَنَ بالله وبِرَسُولِهِ وأقامَ الصَّلاة وصامَ رمضَانَ كانَ حَقّاً عَلَى اللهِ أنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ جاهَدَ في سَبِيلِ الله أوْ جَلَسَ في أرْضِهِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا فقالُوا يا رسولَ اللهِ أَفَلاَ نُبَشِّرُ النَّاسَ قال إنَّ في الجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أُعَدَّهَا الله لِلْمُجَاهِدِينَ في سَبِيلِ الله ما بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ والأرْضِ فإِذَا سألْتُمُ الله فاسْألُوهُ الفِرْدَوْسَ فإنَّهُ أَوَسَط الجَنَّةِ وأعْلَى الْجَنَّةِ أُرَاهُ قَال وفَوْقَهُ عَزْشُ الرَّحْمنِ تفَجَّرُ أَنْهَارُ الجَنَّةِ. [الحديث ٢٧٩٠ - طرفه في: ٧٤٢٣]. مطابقته للترجمة في قوله: ((إن في الجنة مائة درجة)) إلى قوله: ((ما بين الدرجتين)). ويحيى بن صالح الوحاظي أبو زكرياء الشامي الدمشقي، ويقال: الحمصي، وهو من جملة الأئمة الحنفية أصحاب الإمام أبي حنيفة، رضي الله تعالى عنه، وفليح، بضم الفاء وفتح اللام وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره حاء مهملة: ابن سليمان، وكان اسمه عبد الملك ولقبه فليح فغلب عليه واشتهر به، وهلال بن علي هو هلال بن أبي ميمونة، ويقال: هلال بن أبي هلال الفهري المدني، وعطاء بن يسار - ضد اليمين -. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في التوحيد عن إبراهيم بن المنذر عن محمد بن فليح عن أبيه به. وأخرجه الترمذي فقال: حدثنا قتيبة وأحمد بن عبدة الضبي، قالا: حدثنا عبد العزيز بن محمد عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن معاذ بن جبل: أن رسول الله عَ ◌ّه قال: ((من صام رمضان وصلى الصلوات وحج البيت - لا أدري أذكر الزكاة أم لا - إلاّ كان حقاً على الله أن ينفر له إن هاجر في سبيل الله أو مكث بأرضه التي ولد بها، قال معاذ: ألا أخبر بها الناس؟ فقال رسول الله، عَّهِ: ذر الناس يعملون، فإن في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، والفردوس أعلى الجنة وأوسطها، وفوق ذلك عرش الرحمن، ومنها تفجر أنهار الجنة فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس)). قوله: ((عن عطاء بن يسار) كذا وقع في رواية الأكثرين، وقال أبو عامر العقدي: عن فليح عن هلال عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، بدل: عطاء بن يسار، أخرجه أحمد وإسحاق في (مسنديهما) عنه، وهو وهم من فليح في حال تحديثه لأبي عامر، وعند فليح بهذا الإسناد حديث غير هذا، وهو في الباب الذي يليه حيث قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر حدثنا محمد ١٢٦ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيَّرِ / باب (٤) ابن فليح، قال: حدثني أبي عن هلال بن علي عن عبد الرحمن ابن أبي عمرة عن أبي هريرة عن النبي عَّه، الحديث على ما يأتي، إن شاء الله تعالى. قوله: ((وأقام الصلاة وصام رمضان))، وقال ابن بطال: هذا الحديث كان قبل فرض الزكاة والحج، فلذلك لم يذكر فيه. وقال صاحب (التلويح): وفيه نظر من حيث إن الزكاة فرضت قبل خيبر، وهذا رواه أبو هريرة، ولم يأت للنبي عَ لّه، إلاَّ بخيبر. وقال الكرماني: لعل الزكاة والحج لم يكونا واجبين في ذلك الوقت، أو على التسامح. انتهى. قلت: هذا أيضاً تبع ابن بطال، وقد ثبت الحج في الترمذي في حديث معاذ بن جبل، وقال فيه: لا أدري أذكر الزكاة أم لا. قوله: أو على التسامح، يمكن أن يكون جواباً لعدم ذكر الزكاة والحج، لأن الزكاة لا تجب إلاّ على الغني بشرطه، والحج يجب في العمر مرة على التراخي. قوله: ((كان حقاً على الله)) قال الكرماني: أي كالحق. قلت: معناه حق بطريق الفضل والكرم لا بطريق الوجوب. قوله: ((أو جلس في أرضه))، وفي بعض النسخ: أو جلس في بيته، فيه تأنيس لمن حرم الجهاد في سبيل الله، فإن له من الإيمان بالله والتزام الفرائض ما يوصله إلى الجنة لأنها هي غاية الطالبين، ومن أجلها بذل النفوس في الجهاد خلافاً لما يقوله بعض جهلة المتصوفة. وفي (صحيح مسلم) من حديث أنس يرفعه: ((من طلب الشهادة صادقاً أعطيها ولو لم تصبه))، وعند الحاكم ((من سأل القتل صادقاً ثم مات أعطاه الله أجر شهيد))، وعند النسائي بسند جيد عن معاذ يرفعه: ((من سألّ الله من عند نفسه صادقاً ثم مات أو قتل فله أجر شهيد). قوله: ((قالوا: يا رسول الله)) قيل: الذي خاطبه بذلك معاذ بن جبل، كما في حديث الترمذي الذي مضى، أو أبو الدرداء، كما وقع عند الطبراني. قوله: ((إن في الجنة مائة درجة))، قال الكرماني: قيل: لما سوى رسول الله، عَّه بين الجهاد في سبيل الله وعدمه في دخول الجنة، ورأى استبشار السامع بذلك لسقوط مشاق الجهاد عنه استدرك. بقوله: ((إن في الجنة مائة درجة))، كذا وكذا، وأما الجواب فهو من الأسلوب الحكيم أي: بشرهم بدخول الجنة بالإِيمان، ولا تكتف بذلك، بل زد عليها بشارة أخرى، وهو الفوز بدرجات الشهداء، وبل بشرهم أيضاً بالفردوس. قلت: قوله: وأما الجواب ... إلى آخره، من كلام الطيبي، واعترض عليه بعضهم بقوله: لو لم يرد الحديث إلاَّ كما وقع هنا لكان ما قال متجهاً، لكن وردت في الحديث زيادة دلت على أن قوله: في الجنة مائة درجة، تعليل لترك البشارة المذكورة، فعند الترمذي من رواية معاذ المذكورة، ((قلت: يا رسول الله ألا أخبر الناس، قال: ذر الناس يعملون فإن في الجنة مائة درجة))، فظهر أن المراد: لا تبشر الناس بما ذكرته من دخول الجنة لمن آمن وعمل الأعمال المفروضة عليه، فيقفوا عند ذلك، ولا يتجاوزه إلى ما هو أفضل منه من الدرجات التي تحصل بالجهاد، وهذه هي النكتة في قوله: (أعدها للمجاهدین)). انتهى. قلت: كلام الطيبي متجه، والاعتراض عليه غير وارد أصلاً، لأن قوله: لكن وردت في الحديث زيادة ... إلى آخره، غير مسلم لأن الزيادة المذكورة في حديث معاذ بن جبل وكلام ١٢٧ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيرِ / باب (٤) الطيبي وغيره في حديث أبي هريرة، وكل واحد من الحديثين مستقل بذاته، والراوي مختلف فكيف يكون ما في حديث معاذ تعليلاً لما في حديث أبي هريرة، على أن حديث معاذ هذا لا يعادل حديث أبي هريرة ولا يدانيه، فإن عطاء بن يسار لم يدرك معاذاً، قال الترمذي: عطاء لم يدرك معاذ بن جبل، معاذ قديم الموت، مات في خلافة عمر، رضي الله تعالى عنه. قوله: ((كما بين السماء والأرض))، وفي رواية الترمذي من رواية شريك عن محمد بن جحادة عن عطاء عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله، عَ ليه ((في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين مائة عام)). وقال: هذا حديث حسن غريب، وفي رواية الطبراني من هذا الوجه: ((خمسمائة عام))، وروى الترمذي، قال: حدثنا قتيبة، قال: حدثنا ابن لهيعة عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد عن النبي عَّ له قال: ((إن في الجنة مائة درجة لو أن العالمين اجتمعوا في إحداهن لوسعتهم)). قال: هذا حديث غريب. قوله: ((الفردوس))، قيل: هو البستان الذي يجمع ما في البساتين كلها من شجر وزهر ونبات. وقيل: هو متنزه أهل الجنة. وفي الترمذي: هو ربوة الجنة. وقيل: الذي فيه العنب، يقال: كرم مفردس، أي: معرش، وقيل: هو البستان بالرومية، فنقل إلى العربية، وهو مذكر وإنما أنث في قوله تعالى: ﴿يرثون الفردوس هم فيها خالدون﴾ [المؤمنون: ١١]. قال الجواليقي عن أهل اللغة: وقال الزجاج: الفردوس الأودية التي تنبت ضروباً من النبات وهو لفظ سرياني، وقيل: أصله بالنبطية فرداساً وقيل: الفردوس يعد باباً من أبواب الجنة. قوله: ((أوسط الجنة))، أي: أفضلها كما في قوله تعالى: ﴿وكذلك جعلنا كم أمة وسطاً﴾ [البقرة: ١٤٣]. أي: خياراً. وقال ابن بطال: يحتمل أن يريد متوسط الجنة، والجنة قد حفت بها من كل جهة. قوله: ((وأعلى الجنة)) يعني: أرفعها، لأن الله مدح الجنان إذا كانت في علو، وقال: ﴿كمثل جنة بربوة﴾ [البقرة: ٢٦٥]. وقال ابن حبان: المراد بالأوسط السعة، وبالأعلى الفوقية، وقيل: الحكمة في الجمع بين الأعلى والأوسط أنه أراد بأحدهما الحسي وبالآخر المعنوي. وقال بعضهم: المراد بالأوسط هنا الأعدل، والأفضل كقوله تعالى: ﴿و كذلك جعلناكم أمة وسطاً﴾ [البقرة: ١٤٣]. فعلى هذا فعطف الأعلى عليه للتأكيد. انتهى. قلت: سبحان الله، هذا كلام عجيب، وليت شعري هل أراد بالتأكيد التأكيد اللفظي أو التأكيد المعنوي، ولا يصح أن يراد أحدهما على المتأمل. قوله: ((أراه))، بضم الهمزة أي: أظنه، وهذا من كلام يحيى بن صالح شيخ البخاري، فيه وقد رواه غيره: عن فليح بغير شك منهم: يونس بن محمد عند الإسماعيلي وغيره. قوله: ((ومنه)) أي: من الفردوس، وقد وهم من أعاد الضمير إلى العرش. قوله: ((تفجر)) أصله: تتفجر بتاءين فحذفت إحداهما، أي: تتشقق. قال مُحَمَّدُ بنُ فُلَيْحِ عنْ أَبِيهِ وفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحمنِ أشار بهذا التعليق إلى أن محمد بن فليح روى هذا الحديث عن أبيه فليح بإسناده هذا، فلم يشك كما شك يحيى بن صالح، بقوله: أراه فوقه عرش الرحمن، وهذا التعليق وصله البخاري في التوحيد عن إبراهيم بن المنذر عن محمد بن فليح عن أبيه، وقال الجياني ١٢٨ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادٍ والسيّرِ / باب (٥) في نسخة أبي الحسن القابسي: قال البخاري حدثنا محمد بن فليح وهو وهم لأن البخاري لم يدرك محمداً هذا إنما يروي عن أبي المنذر ومحمد بن بشار عنه، والصواب: قال محمد ابن فليح معلق كما روته الجماعة. ٢٧٩١/٩ - حدَّثنا مُوسى قال حدَّثنا جَرِيرٌ قال حدَّثنا أبو رجاءٍ عنْ سَمُرَةَ قال قال النبيُّ عَلَّهِ رَأيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي فَصَعِدَا بِي الشَّجَرَةَ فأذْخَلاني دَارَاَ هِيَ أحسَنُ وأُفْضَلُ لَمْ أَرَ قَطُ أَحْسَنَ مِنْهَاَ قالاَ أمَّا هَذِهِ الدَّارُ فَدَارُ الشُّهَدَاءِ. [انظر الحديث ٨٤٥ وأطرافه]. مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((هي أحسن وأفضل ... )) إلى آخره، وموسى هو ابن إسماعيل، وجرير، بفتح الجيم: هو ابن حازم، وأبو رجاء اسمه عمران بن ملحان العطاردي البصري أدرك زمان النبي عَ لّم وعمَّر أكثر من مائة وعشرين سنة، مات سنة خمس ومائة، وهذا الحديث قد مضى في كتاب الجنائز في: باب ما قيل في أولاد المشركين، مطولاً بعين هذا الإسناد، وقد مضى الكلام فيه هناك. ٥ - بابُ الغَدْوَةِ والرَّوْحَةِ في سَبِيلِ الله أي: هذا باب في بيان فضل الغدوة، وهي من طلوع الشمس إلى الزوال، وهي بالفتح: المرة الواحدة من الغد، وهو الخروج في أي وقت كان من أول النهار إلى انتصافه، والروحة من الزوال إلى الليل، وهو بالفتح: المرة الواحدة من الرواح، وهو الخروج في أي وقت كان من زوال الشمس إلى غروبها. قوله: ((في سبيل الله))، وهو الجهاد. وقابُ قَوْسِ أحَدِكُمْ مِنَ الجَنَّةِ وقاب، بالجر عطفاً على الغدوة المجرور بالإضافة تقديره: وفي بيان فضل قدر قوس أحدكم في الجنة. قال صاحب (العين): قاب القوس قدر طولها، وقال الخطابي: هو ما بين السيّة والمقبض، وعن مجاهد: قدر ذراع، والقوس الذراع: بلغة أزدشنوءة، وقيل: القوس ذراع يقاس به. وقال الداودي: قاب القوس، ما بين الوتر والقوس، وفي (المخصص): القوس أنثى وتصغر بغير هاء، والجمع: أقواس، وقياس وقسي وقسى، ويقال: لكل قوس قابان، ويقال: الأشهر أن القاب قدر، وكذلك: القيب والقاد، والقيد، وعين القاب: واو. ٢٧٩٢/١٠ - حدَّثنا مُعَلَّى بنُ أَسَدٍ قالَ حدَّثنا وُهَيْبٌ قال حدَّثنا حُمَيْدٌ عنْ أنَسِ بنِ مالِكِ رضي الله تعالى عنهُ عنِ النَّبِيِّ عَّهِ قَالَ لَغَدْوَةٌ في سَبِيلِ الله أَوْ رَوْحَة خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وما فِيها. [الحديث ٢٧٩٢ - طرفاه في: ٢٧٩٦، ٦٥٦٨]. مطابقته للترجمة ظاهرة، ورجاله قد ذكروا غير مرة، ووهيب - تصغير وهب - هو ابن خالد البصري، وحميد، بضم الحاء: هو الطويل. والحديث من أفراد البخاري من هذا الوجه. وأخرجه ابن ماجه عن نصر بن علي ١٢٩ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (٥) ومحمد بن المثنى، كلاهما عن عبد الوهاب الثقفي عن حميد. وأخرجه مسلم عن القعنبي عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس. وأخرجه الترمذي من رواية مقسم عن ابن عباس عن النبي، عَّهِ، قال: ((غدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها)). وقال: هذا حديث حسن غريب. قلت: انفرد بإخراجه الترمذي. وأخرج مسلم والنسائي من رواية أبي عبد الرحمن الحبلي، واسمه: عبد الله بن يزيد، قال: سمعت أبا أيوب، رضي الله تعالى عنه، يقول: قال رسول الله، عَّ: ((غدوة في سبيل الله، أو روحة خير مما طلعت عليه الشمس وغربت)). وأخرج البزار وإبو يعلى الموصلي في (مسنديهما) من رواية عمرو بن صفوان عن عروة بن الزبير عن أبيه قال قال رسول الله، عَ له: («لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها)). وقال الذهبي: صفوان بن عمرو لا يعرف، وأخرج البزار في (مسنده) من رواية الحسن عن عمران بن حصين أن رسول الله، عَّ ◌ُلّه قال ... فذكره، وفي إسناده يوسف ابن خالد السمتي وهو ضعيف. وأخرجه أحمد في (مسنده) والطبراني في (الكبير) من حديث أبي أمامة، رضي الله تعالى عنه، مطولاً، وفيه: والذي نفسي بيده لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها، ولمقام أحدكم في الصف خير من صلاته ستين سنة. وإسناده ضعيف. قوله: ((لغدوة)) مبتدأ تخصص بالصفة وهو قوله: ((في سبيل الله))، والتقدير: لغدوة كائنة في سبيل الله. قوله: ((أو روحة))، عطف عليه، وكلمة: أو، للتقسيم لا للشك. قوله: ((خير))، خبر المبتدأ واللام في: لغدوة، لام التأكيد. وقال بعضهم: للقسم، وفيه نظر. وقال المهلب: معنى قوله: ((خير من الدنيا)) أن ثواب هذا الزمن القليل في الجنة خير من الدنيا كلها، وكذا قوله: لقاب قوس أحدكم، أي: موضع سوط في الجنة، يريد ما صغر في الجنة من المواضع كلها من بساتينها وأرضها، فأخبر أن قصير الزمان وصغير المكان في الآخرة خير من طويل الزمان وكبير المكان في الدنيا تزهيداً وتصغيراً لها وترغيباً في الجهاد بهذا القليل يعطيه الله في الآخرة أفضل من الدنيا وما فيها، فما ظنك بمن أتعب فيه نفسه وأنفق ماله. وقال غيره: معنى ((خير من الدنيا ... )) ثواب ذلك في الجنة خير من الدنيا، وقيل: خير من أن يتصدق بما في الدنيا إذا ملكها، وقيل: إذا ملك ما في الدنيا وأنفقها في وجوه البر والطاعة غير الجهاد، وقال القرطبي: أي الثواب الحاصل على مشية واحدة في الجهاد خير لصاحبه من الدنيا وما فيها لو جمعت له بحذافيرها، والظاهر أنه لا يختص ذلك بالغدو والرواح من بلدته، بل يحصل هذا حتى بكل غدوة أو روحة في طريقه إلى الغد، وقال النووي: وكذا غدوه ورواحه في موضع القتال، لأن الجميع يسمى غدوة وروحة في سبيل الله. ١١/ ٢٧٩٣ _ حدّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ الْمُنْذِرِ قال حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ فُلَيْحِ قال حدَّثني أبي عنْ هِلاَلِ بنِ عَلِيّ عنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بنِ أبي عَمْرَةَ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ عنٍ النّبِيِّ عَِّ قال لَقَابُ قَوْس في الجَنَّةِ خَيْرٌ مِمَّا تَطْلُغُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وتَغْرُبُ. وقال لغدْوَةٌ أَوْ رَوْحةُ في سبيلِ الله خَيْرٌ مَمَّا تَطْلُغُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وتَغْرُبُ. [الحديث ٢٧٩٣ - طرفه في: عمدة القاري/ ج ١٤ م٩ ١٣٠ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيرِ / باب (٦) ٣٢٥٣]. مطابقته للجزء الأول من الترجمة في قوله: ((لغدوة أو روحة في سبيل الله)) وللجزء الثاني في قوله: ((لقاب قوس في الجنة خير مما تطلع عليه الشمس وتغرب))، ومضى الكلام في محمد بن فليح وأبيه هلال بن علي عن قريب في الباب السابق، وعبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري النجاري قاضي أهل المدينة، واسم أبي عمرة: عمرو بن محصن، ورجال هذا الإسناد كلهم مدنيون. قوله: ((لقاب قوس))، مبتدأ. قوله: ((في الجنة)) صفة قوس. وقوله: ((خير)) خبر المبتدأ، واللام في: لقاب، للتأكيد، وكذلك في: لغدوة. قوله: ((خير مما تطلع عليه الشمس وتغرب)، هو معنى قوله: خير من الدنيا وما فيها، وهذا منه، عَ لّه، إنما هو على ما استقر في النفوس من تعظيم ملك الدنيا، وأما التحقيق: فلا تدخل الجنة مع الدنيا تحت أفعل إلاَّ كما يقال: العسل أحلى من الخل. ٢٧٩٤/١٢ - حدَّثنا قَبِيصةُ قال حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ أَبِي حازِمٍ عنْ سهْلِ بنِ سَعْدٍ رضي الله تعالى عنهُ عنِ النَّبِيِّ عَّه قال الرَّوْحَةُ والغَدْوَةُ في سَبيلِ اللهَ أَفْضَلُ مِنَ الدُّنْيَا وما فِيها. [الحديث ٢٧٩٤ - أطرافه في: ٢٨٢٩، ٣٢٥٠، ٦٤١٥]. مطابقته للترجمة ظاهرة، وقبيصة، بفتح القاف وكسر الباء الموحدة: ابن عقبة، وقد تكرر ذكره، وسفيان هو الثوري، وأبو حازم، بالحاء المهملة وبالزاي واسمه: سلمة بن دينار المدني، وأبو حازم الذي روى عن أبي هريرة: سلمان الكوفي. والحديث أخرجه مسلم في الجهاد أيضاً عن أبي بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب. وأخرجه النسائي عن عبدة بن عبد الله وأخرجه ابن ماجة من رواية زكرياء بن منصور عن أبي حازم. قوله: ((الروحة والغدوة))، وفي رواية مسلم: غدوة أو روحة، وفي رواية الطبراني من طريق أبي غسان عن أبي حازم: لروحة، بلام التأكيد قيل: الأفضل هو الأكثر ثواباً، فما معناه ههنا إذ لا ثواب في الدنيا؟ وأجيب: أي: أفضل من صرف ما في الدنيا كلها لو ملكها إنسان، لأنه زائل ونعيم الآخرة باقٍ. ٦ - بابُ الحُورِ العِينِ وصِفَتِهِنَّ يَحَارُ فِيهَا الطَّرْفُ شَدِيدَةُ سَوادِ العَيْنِ شَدِيدَةُ بَيَاضِ العَيْنِ وَزَوَّجْنَاهُمْ أَنْكَحْنَاهُمْ أي: هذا باب في بيان الحور العين وبيان صفتهن، ووقع في رواية أبي ذر: الحور العين، بغير لفظ: باب، فعلى هذا يكون الحور مرفوع بأنه مبتدأ خبره محذوف، تقديره: الحور العين وصفتهن ما نذكره، والعين: مرفوع أيضاً على الوصفية. وقوله: ((وصفتهن)) أيضاً مرفوع عطف على الحور، والحور بضم الحاء جمع الحوراء، وقال ابن سيده: الحور: أن يشتد بياض بياض العين وسواد سوادها. وتستدير حدقتها وترق جفونها ويبيض ما حولها ١٣١ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيِرِ / باب (٦) وقيل: الحور شدة سواد المقلة في شدة بياضها في شدة بياض الجسد، وقيل: الحور أن تسود العين كلها مثل الظباء والبقر، وليس في بني آدم حور، وإنما قيل للنساء: حور العيون لأنهن يشبهن بالظباء والبقر، وقال كراع: الحور أن يكون البياض محدقاً بالسواد كله، وإنما يكون هذا في البقر والظباء ثم يستعار للناس. وقال الأصمعي: لا أدري ما الحور في العين، وقد حور حوراً واحور، وهو أحور، وامرأة حوراء، وعين حوراء، والجمع حور، والأعراب تسمي نساء الأمصار: حواريات، لبياضهن وتباعدهن عن قشف الأعرابيات بنظافتهن. قوله: ((العين))، بكسر العين وسكون الياء: جمع عيناء، وهي: الواسعة العين، والرجل أعين، وأصل الجمع بضم العين فكسرت لأجل الياء. قوله: ((وصفتهن))، يأتي بيان بعض صفتهن في آخر حديث الباب. فإن قلت: ما وجه إدخال هذا الباب بين هذه الأبواب المذكورة هنا؟ قلت: لما ذكر درجات المجاهدين وذكر أن في الجنة مائة درجة، وذكر أيضاً أن فيها امرأة لو اطلعت ... إلى آخره، وهي من الحور العين، ترجم لها باباً بطريق الاستطراد. قوله: ((يحار فيها الطرف))، كلام مستأنف، كأن قائلاً يقول: ما من صفتهن؟ فقال: يحار فيها الطرف، أي: يتحير فيهن البصر لحسنها، وفي (المغرب): الطرف تحريك الجفن بالنظر، وقال الزمخشري: الطرف لا يثنى ولا يجمع لأنه في الأصل مصدر، وقيل: ظن البخاري أن اشتقاق الحور من الحيرة، حيث قال: وقال الزمخشري: الطرف لا يثنى ولا يجمع لأنه في الأصل مصدر، وقيل: ظن البخاري أن اشتقاق الحور من الحيرة حيث قال: يحار فيها الطرف، لأن أصله: يحير، نقلت حركة الياء إلى ما قبلها، ثم قلبت ألفاً ومادته يائية، والحور من الحور ومادته واوية، وقال بعضهم: لعل البخاري لم يرد الاشتقاق الأصغر. قلت: لم يقل أحد الاشتقاق الأصغر، وإنما قالوا: الاشتقاق على ثلاثة أنواع: اشتقاق صغير، واشتقاق كبير، واشتقاق أكبر، ولا يصح أن يكون الحور مشتقاً من الحيرة على نوع من الأنواع الثلاثة، ولا يخفى ذلك على من له بعض يد من علم الصرف. قوله: ((شديدة سواد العين))، تفسير العين بالكسر في قوله: بالكسر في قوله: الحور العين، وكذلك قوله: ((شديدة بياض العين)) والعين فيهما بالفتح. قوله: ((وزوجناهم: أنكحناهم)) أشار بهذا إلى قوله تعالى في سورة الدخان: ﴿كذلك وزوجناهم بحور عين﴾ [الدخان: ٥٤]. وتفسيره بقوله: ((أنكحناهم))، قول أبي عبيدة، وفي لفظ له: ((زوجناهم: جعلناهم أزواجاً) أي: اثنين اثنين، كما تقول: زوجت النعل بالنعل. ٢٧٩٥/١٣ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قال حدَّثنا مُعاوِيَةُ بنُ عَمْرٍو قال حدَّثنا أبو إِسْحَاقَ عنْ حُمَيْدٍ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بنَ مالِكِ رضي الله تعالى عنه عن النبيِّ عَ لِّ قال ما مِنْ عَبْدٍ يَمُوتُ لَهُ عنْدَ اللهِ خَيْرٌ يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الدُّنْيَا وأنَّ لَهُ الدُّنْيَا وما فِيهَا إِلاَّ الشَّهِيدَ لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ فإِنَّهُ يَسُرُّهُ أنْ يَرْجِعَ إلى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ مَرَّةٌ أُخْرَى. [الحديث ٢٧٩٥ - طرفه في: ٢٨١٧]. ١٣٢ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (٦) ... /٢٧٩٦ - قال وسَمِعْتُ أَنَسَ بنَ مَالِكِ عنِ النَّبِيِّ عَّهِ لَرَوْحَةٌ فِي سَبِيلِ الله أوْ غَدْوةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وما فِيهَا ولقابُ قَوْسٍ أُحَدِكُمْ مِنَ الجَنَّةِ أوْ مَوْضِعُ قِيْدٍ يَعْنِي سَوْطَهُ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وما فِيهَا ولَوْ أنَّ امْرَأَةً مِنْ أهْلِ الجَنَّةِ اطَّلَعَتْ إلَى أَهْلِ الأرْضِ لأضَاءَتْ ما بَيْنَهُمَا ولَمَلأَّتْهُ رِيحاً وَلَتَصِيفُهَا على رأسِها خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وما فِيها. [انظر الحديث ٢٧٩٢ وطرفه]. مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((ولو أن امرأة ... )) إلى آخر الحديث، لأنه قال في الترجمة: الحور العين وصفتهن، والمذكور فيه صفتان عظيمتان من صفات الحور العين إحداهما. قوله: ((ولو أن امرأة من أهل الجنة اطلعت إلى أهل الدنيا لأضاءت)) والأخرى قوله: ((ولنصيفها ... )) إلى آخره. ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: عبد الله بن محمد بن عبد الله أبو جعفر الجعفي البخاري المعروف بالمسندي. الثاني: معاوية بن عمرو الأزدي البغدادي، وقد مر في الجمعة. الثالث: أبو إسحاق: اسمه: إبراهيم بن محمد الفزاري، سكن المصيصة من الشام. الرابع: حميد الطويل. الخامس: أنس بن مالك. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: السماع. وفيه: القول في موضع واحد. وفيه: أن معاوية بن عمرو من شيوخ البخاري يروي عنه تارة بواسطة كما هنا وتارة بلا واسطة، فإنه روى عنه في كتاب الجمعة بلا واسطة، ومن اللطائف فيه أنه مشتمل على أربعة أحاديث الأول: قوله: ما من عبد يموت ... إلى قوله: مرة أخرى. الثاني: قوله: وسمعت أنس بن مالك ... إلى قوله: وما فيها. الثالث: قوله: ولقاب قوس أحدكم. الرابع: قوله: ولو أن امرأة إلى آخره. ذكر معناه: قوله: ((يموت))، جملة وقعت صفة لعبد، وكذلك قوله: ((له عند الله خير)) صفة أخرى. قوله: خير، أي: ثواب. قوله: ((يسره)) جملة وقعت صفة لقوله: خير، قوله: ((أن يرجع)) كلمة: أن، مصدرية، و: يرجع، لازم. قوله: ((وأن له الدنيا))، بفتح الهمزة عطف على: أن يرجع، ويجوز الكسر على أن يكون جملة حالية. قوله: ((إلاّ الشهيد))، مستثنىّ من قوله: ((يسره أن يرجع)) قوله: ((لما يرى)) بكسر اللام التعليلية. قوله: ((فيقتل))، على صيغة المجهول بالنصب عطفاً على: أن يرجع. قوله: ((قال: وسمعت))، أي: قال حميد الراوي: سمعت. قوله: ((لروحة)). وقوله: ((ولقاب قوس)) قد مر تفسيرهما عن قريب. قوله: ((أو موضع قيد)) قال الكرماني: قال بعضهم: وقع في النسخ: قيد، بزيادة الياء، وإنما هو بكسر القاف وتشديد الدال لا غير، وهو السوط المتخذ من الجلد الذي لم يدبغ، ومن رواه: قيد، بزيادة الياء أي: مقداره فقد صحف. قلت: لا تصحيف، إذ معنى الكلام صحيح لا ضرورة إليه سلمنا أن المراد: القد، غاية ما في الباب أن يقال: قلبت إحدى الدالين ياء، وذلك كثير، وفي بعضها: قيد، بدون الإضافة إلى الضمير مع التنوين الذي هو عوض من ١٣٣ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (٦) المضاف إليه. انتهى كلامه. وقال بعضهم: قوله: يعني سوطه، تفسير للقيد غير معروف، ولهذا جزم بعضهم أنه تصحيف، وأن الصواب: قد، بكسر القاف وتشديد الدال وهو السوط المتخذ من الجلد. ثم قال: قلت: ودعوى الوهم في التفسير أسهل من دعوى التصحيف في الأصل، ولا سيما والقيد بمعنى القاب. انتهى. قلت: قول من قال: إن من رواه: قيد، بزيادة الياء أي: مقداره، فقد صحف هو الظاهر، ونفى الكرماني التصحيف بقوله: غاية ما في الباب أن يقال: قلبت إحدى الدالين ياءً، وذلك كثير، نفيه غير صحيح، لأن تعليله لدعواه تعليل من ليس له وقوف على علم الصرف، وذلك أن قلب أحد الحرفين المتماثلين ياء إنما يجوز إذا أمن اللبس، ولا لبس أشد من الذي يدعي أن فيه قلباً، فالقيد بالياء بعد القاف هو المقدار، والقد بالكسر والتشديد هو السوط المتخذ من الجلد، وبينهما بَون عظيم، وأما قول بعضهم: دعوى الوهم في التفسير ... إلى آخره، فغير متجه، لأن الأمر بالعكس، أعني: دعوى التصحيف في الأصل أسهل من دعوى الوهم في التفسير، لأن التفسير مبني على صحة الأصل فافهم، فإن فيه دقة. قوله: ((ولو أن امرأة من أهل الجنة))، ذكر العلماء أن الحور على أصناف مصنفة: صغار وكبار، وعلى ما اشتهت نفس أهل الجنة. وذكر ابن وهب عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: والذي لا إله إلا هو، لو أن امرأة من الحور أطلعت سواراً لها لأطفأ نور سوارها نور الشمس والقمر، فكيف المسور؟ وإن خلق الله شيئاً يلبسه إلاَّ عليه مثل ما عليها من ثياب وحلي. وقال أبو هريرة: ((إن في الجنة حوراء يقال لها: العيناء، إذا مشت مشى حولها سبعون ألف وصيفة عن يمينها وعن يسارها، كذلك، وهي تقول: أين الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر؟ وقال ابن عباس: ((في الجنة حوراء يقال لها العيناء، لو بزقت في البحر لعذب ماؤه)). وقال عَ له: ((رأيت ليلة الإسراء حوراء جبينها كالهلال، في رأسها مائة ضفيرة، ما بين الضفيرة والضفيرة سبعون ألف ذؤابة، والذوائب أضوأ من البدر وخلخالها مكلل بالدر، وصنوف الجواهر وعلى جبينها سطران مكتوبان بالدر والجوهر، في الأول: بسم الله الرحمن الرحيم، وفي الثاني: من أراد مثلي فليعمل بطاعة ربي. فقال لي جبريل: هذه وأمثالها لأمتك)). وقال ابن مسعود: ((إن الحوراء ليرى مخ ساقها من وراء اللحم والعظم، ومن تحت سبعين حلة، كما يرى الشراب في الزجاج الأبيض)). وروي أن سيدنا رسول الله، عَ ◌ّ سئل عن الحور: من أي شيء خلقن؟ فقال: ((من ثلاثة أشياء: أسفلهن من المسك، وأوسطهن من العنبر، وأعلاهن من الكافور، وحواجبهن سواد خط في نور)). وفي لفظ: سألت جبريل، عليه الصلاة والسلام، عن كيفية خلقهن، فقال: يخلقهن رب العالمين من قضبان العنبر والزعفران مضروبات عليهن الخيام، أول ما يخلق منهن نهد من مسك إذفر أبيض عليه يلتام البدن. وقال ابن عباس: خلقت الحوراء من أصابع رجليها إلى ركبتيها من الزعفران، ومن ركبتيها إلى ثدييها من المسك الإذفر، ومن ثدييها إلى عنقها من العنبر الأشهب، وعنقها من الكافور الأبيض، تلبس سبعون ألف حلة مثل شقائق ١٣٤ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيِّ / باب (٧) النعمان، إذا أقبلت يتلألأ وجهها ساطعاً كما تتلألأ الشمس لأهل الدنيا، وإذا أقبلت ترى كبدها من رقة ثيابها وجلدها، في رأسها سبعون ألف ذؤابة من المسك، لكل ذؤابة منها وصيفة ترفع ذيلها ... وهذه الأحاديث كلها نقلتها من (التلويح) وما وقفت على أصلها فيه. قوله: ((ريحا)) أي: عطراً. قوله: ((ولنصيفها))، بفتح اللام التي هي للتأكيد، وفتح النون وكسر الصاد المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره فاء: وهو الخمار، بكسر الخاء المعجمة وتخفيف الميم. ٧ - بابُ ثَنِّي الشَّهَادَةِ أي: هذا باب في بيان جواز تمني الشهادة. ١٤/ ٢٧٩٧ - حدَّثنا أبوُ اليَمَانِ أُخبرَنا شُعَيْبٌ عن الزُّهْرِيِّ قال أخبرَنِي سَعيدُ بنُ المُسَيِّبِ أَنَّ أبا هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ قال سَمِعْتُ النبيَّ عَِّ يَقولُ والَّذيِ نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلا أَنَّ رِجالاً مِنَ المُؤْمِنِينَ لا تَطِيبُ أنْفُسُهُمْ أَنْ يَتَخَلَّقُوا عَنِّيٍ ولاَ أجِدُ ما أَحْمِلُهُم عَلَيْهِ ما تَخَلَّفَتُ عنُّ سريّةٍ تَغْزو في سَبِيلِ الله والَّذيِ نَفْسي بِيَدِهِ لوَدَدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ في سَبِيلٍ الله ثُمَّ أَخْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أَحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أَحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ. [انظر الحديث ٣٦ وأطرافه]. مطابقته للترجمة تؤخذ من معنى الحديث، فإن فيه تمني الشهادة، وهذا السند بعينه قد مضى غير مرة، وأبو اليمان الحكم بن نافع. وهذا الحديث روي عن أبي هريرة من وجه ومضى في كتاب الإيمان في: باب الجهاد من الإيمان. قوله: ((والذي نفسي بيده لولا أن رجالاً من المؤمنين لا تطيب أنفسهم))، وفي رواية أبي زرعة وأبي صالح: ((لولا أن أشق على أمتي))، ورواية الباب تفسر المراد بالمشقة المذكورة، وهي أن نفوسهم لا تطيب بالتخلف، ولا يقدرون على التأهب لعجزهم عن آلة السفر من مركوب وغيره، وتعذر وجوده عند النبي عَ لّه، وصرح بذلك في رواية همام، ولفظه: ((ولكن لا أجد سعة فأحملهم، ولا يجدون سعة فيتبعوني، ولا تطيب أنفسهم أن يقعدوا بعدي)). قوله: ((عن سرية))، أي: قطعة من الجيش يبلغ أقصاها أربعمائة تبعث إلى العدو، وجمعه: السرايا، سموا بذلك لأنهم يكونون خلاصة العسكر وخيارهم، من الشيء السري: النفيس. قوله: ((والذي نفسي بيده لوددت)) ووقع في رواية أبي زرعة بلفظ: ((ولوددت أني أقتل))، بحذف القسم. قوله: ((أني أقتل في سبيل الله))، استشكل بعضهم صدور هذا اليمين من النبي، عَّم، مع علمه بأنه لا يقتل، وأجاب ابن التين بأن ذلك لعله كان قبل نزول قوله تعالى: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ [المائدة: ٦٧]. واعترض عليه بأن نزول هذه الآية كان في أوائل ما قدم المدينة، وقد صرح أبو هريرة بسماعه من النبي، عَ لّه، وكان قدومه في أوائل سنة سبع من الهجرة. وأجاب بعضهم بأن تمني الفضل والخير لا يستلزم الوقوع. قلت: أو هو ورد على المبالغة في فضل الجهاد والقتل فيه، وسيجيء عن أنس في الشهيد: ((أنه يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة))، ١٣٥ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (٧) وروى الحاكم بسند صحيح عن جابر: كان النبي، عٍَّ إذا ذكر أصحاب أحد، قال: ((والله لوددت أني غودرت مع أصحابي بفحص الجبل))، وفحص الجبل ما بسط منه وكشف من نواحيه. ذكر ما يستفاد منه: فيه: أنه معَّلِ كان يتمنى من أفعال الخير ما يعلم أنه لا يعطاه، حرصاً منه على الوصول إلى أعلى درجات الشاكرين، وبذلاً لنفسه في مرضاة ربه، وإعلاء كلمة دينه، ورغبته في الازدياد من ثواب ربه، ولتتأسى به أمته في ذلك، وقد يثاب المرء على نيته، وسيأتي في كتاب التمني ما يتمناه الصالحون مما لا سبيل إلى كونه. وفيه: إباحة القسم بالله على كل ما يعتقده المرء بما يحتاج فيه إلى يمين وما لا يحتاج، وكذا ما كان يقول في كلامه: ((لا ومقلب القلوب))، لأن في اليمين بالله توحيداً وتعظيماً له تعالى، وإنما يكره تعمد الحنث. وفيه: أن الجهاد ليس بفرض معين على كل أحد، ولو كان معيناً ما تخلف الشارع ولا أباح لغيره التخلف عنه، ولو شق على أمته إذا كانوا يطيقونه، هذا إذا كان العدو لم يفجأ المسلمين في دارهم ولا ظهر عليهم وإلاّ فهو فرض عين على كل من له قوة. وفيه: أن الإمام والعالم يجوز لهما ترك فعل الطاعة إذا لم يطق أصحابه ونصحاؤه على الإتيان بمثل ما يقدر عليه، هو منها إلى وقت قدرة الجميع عليها، وذلك من كرم الصحبة وآداب الأخلاق. وفيه: عظم فضل الشهادة. ٢٧٩٨/١٥ - حدّثنا يُوسُفُ بنُ يَعْقُوبَ الصَّفَارُ قال حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ عَلَيَّةَ عنْ أَيُّوبَ عنْ حُمِيدِ بنِ هِلاَلٍ عنْ أنَسِ بنِ مالِكِ رضي الله تعالى عنهُ قال خطَبَ النبيُّ عَلَّه فقال أخذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأَصِيبَ ثُمَّ أَخَذَهَا جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ ثُمَّ أَخَذَهَا عَبْدُ الله بنُ رَوَاحَةَ فأصِيبَ ثُمَّ أَخَذَهَا خالِدُ بنُ الوَلِيدِ عنْ غَيْرِ إِمْرَةٍ فَفُتِحَ لَهُ وقالَ ما يَسُرُّنَا أنَّهُمْ عنْدَنا قال أَيُّوبُ أوْ قالَ ما يَسُرُّهُمْ أَنَّهُمْ عِنْدَنا وعَيْنَاهُ تَذْرِفَانَ. [انظر الحديث ١٢٤٦ وأطرافه]. مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((ما يسرهم أنهم عندنا)) وذلك أنهم لما رأوا من الكرامة بالشهادة فلا يعجبهم أن يعودوا إلى الدنيا، كما كانوا من غير أن يستشهدوا مرة أخرى، ويوسف بن يعقوب الصفار، بفتح الصاد المهملة وتشديد الفاء وبالراء: الكوفي، مات في سنة إحدى وثلاثين ومائتين ولم يخرج له البخاري سوى هذا الحديث، وأيوب هو السختياني، وحميد بن بلال بن هبيرة العدوي البصري. وهذا الحديث قد مر في كتاب الجنائز في: باب الرجل ينعى إلى أهل الميت، ومضى الكلام فيه هناك. قوله: ((زيد))، هو زيد بن حارثة، وجعفر هو ابن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة، بفتح الراء وتخفيف الواو وبالحاء المهملة. قوله: ((عن غير إمرة)) بكسر الهمزة، أي: بغير أن يجعله أحد أميراً لهم. قوله: ((قال أيوب)) هو الراوي المذكور. قوله: ((أو قال))، شك من أيوب. قوله: ((تذرفان))، أي: تسيلان دمعاً، والجملة حالية. ١٣٦ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيَّرِ / باب (٨) ٨ - بابُ فَضْلٍ مَنْ يُصْرَعُ في سَبِيلِ اللهِ فَمَاتَ فَهْوَ مِنْهُمْ أي: هذا باب في بيان فضل من يصرع، وكلمة: من، موصولة تضمنت معنى الشرط فلذلك دخلت الفاء في جوابها، وهو قوله: فهو منهم، أي: من المجاهدين. قوله: ((فمات))، عطف على قوله: يصرع، وعطف الماضي على المضارع قليل. وقوله: ((فمات))، سقط من رواية النسفي. وقَوْلِ اللهِ تعَالَى ﴿وَمِنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرَاً إلَى الله ورسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلَى الله﴾ [النساء: ١٠٠].وَقَعَ وجبَ وقول الله، مجرور عطفاً على قوله: فضل من يصرع، وقال أبو عمر: روى هشيم عن أبي بشر عن سعيد بن جبير، في قوله: ﴿ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله﴾ [النساء: ١٠٠]. قال: كان رجل من خزاعة يقال له ضمرة بن العيص بن ضمرة بن زنباع الخزاعي، لما أمروا بالهجرة، وكان مريضاً، فأمر أهله أن يفرشوا له على سرير ويحملوه إلى رسول الله، عَّ الله، قال: ففعلوا، فأتاه الموت وهو بالتنعيم، فنزلت هذه الآية. وقد قيل في ضمرة هذا: أبو ضمرة بن العيص، قال أبو عمر: والصحيح أنه ضمرة لا أبو ضمرة، روينا عن زيد بن حكيم عن الحكم بن أبان قال: سمعت عكرمة يقول: اسم الذي خرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ضمرة بن العيص، قال عكرمة: طلبت اسمه أربع عشرة سنة حتى وقفت عليه. فإن قلت: ما المناسبة بين الترجمة والآية؟ قلت: يدركه الموت، أعم من أن يكون بقتل، أو وقوع من دابته أو غير ذلك. قوله: ((وقع وجب))، لم يثبت هذا في رواية المستملي وثبت لغيره، وقد فسره أبو عبيدة هكذا في قوله تعالى: ﴿فقد وقع أجره على الله﴾ [النساء: ١٠٠]. أي: وجب ثوابه. ٢٧٩٩/١٦ - ٢٨٠٠ _ حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يوسُفَ قال حدَّثني اللَّيْثُ قال حدَّثنا يَحْيِى عنْ مُحَمَّدٍ بِنِ يَحْيَى بِنِ حَبَّنَ عنْ أَنَسِ بنِ مالِكِ عن خالَتِهِ أمّ حِرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ قَالَتْ نامَ النبيُّ عَِّ يَوْماً قَرِيباً مِنِّي ثُمَّ اسْتَيْقَظَ يَتَبَسَّمُ فَقُلْتُ ما أضْحَكَكَ قال أُنَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ يَرْكَبُونَ هَذَا الْبَحْرَ الأَخْضَرَ كالمُلُوكِ علَى الأَسِرَّةِ قالَتْ فَادْعُ اللهِ أنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ فَدَعَا لَهَا ثُمَّ نامَ الْثَّانِيَةَ فَفَعَلَ مِثْلَهَا فَقَالَتْ مِثْلَ قَوْلِهَا فأجابَهَا مِثْلَها فقالَتِ ادْعُ اللَّه أَنْ يَجْعَلنِي مِنْهُمْ فقال أنْتِ منَ الأوَّلِينَ فخَرَجَتْ معَ زَوْجِها عُبَادةَ بنِ الصَّامِتِ غازِياً أوَّلَ ما رَكِبَ المسْلِمُونَ البَحْرَ معَ مُعَاوِيَةَ فَلَمَّا انْصَرَفُوا مِنْ غَزْوِهِمْ قافِلِينَ فَتَزَلُوا الشَّامَ فَقُرَّبَتْ إِلَيْهَا دَابَةٌ لِتَرْكَبَهَا فصَرَعَتْهَا فَماتَتْ. [انظر الحديثين ٢٧٨٨ و٢٧٨٩ وأطرافهما]. مطابقته للترجمة في قوله: ((فصرعتها فماتت))، لأنها صرعت في سبيل الله تعالى. ويحيى هو ابن سعيد الأنصاري، ومحمد بن يحيى ابن حبان، بفتح الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة، مر في الوضوء، وفي الإسناد تابعيان: يحيى ومحمد، وصحابيان: أنس وخالته، وقد مر الحديث عن قريب في: باب الدعاء بالجهاد، وروى ابن وهب من حديث عقبة بن ١٣٧ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (٩) عامر مرفوعاً: ((من صرع عن دابته في سبيل الله فمات فهو شهيد))، ولما لم يكن هذا الحديث على شرطه أشار إليه في الترجمة ولم يخرجه. فإن قيل: قال في: باب الدعاء بالجهاد: فصرعت عن دابتها، أي: بعد الركوب، وهنا: فقربت دابة لتركبها فصرعتها، أي: قبل الركوب. أجيب: بأن الفاء فصيحة، أي: فركبتها فصرعتها. قوله: ((فلما انصرفوا من غزوهم قافلين)) أي: راجعين من غزوهم. قوله: ((فنزلوا الشام)) أي: متوجهين إلى ناحية الشام. ٩ - بابُ منْ يُنْكَبُ في سَبِيلِ اللهِ أي: هذا باب في بيان فضل من ينكب، وهو على المجهول من المضارع من النكبة، وهو أن يصيب العضو شيء فيدميه، كذا قال بعضهم. قلت: هذا التفسير غير صحيح، بل النكبة أعم من ذلك، قال ابن الأثير: النكبة ما يصيب الإنسان من الحوادث، وقال الجوهري: النكبة واحدة نكبات الدهر،، تقول: أصابته نكبة، وفي بعض النسخ: باب من تنكب، على وزن: تفعل من باب التفعل، وفي بعضها أيضاً: أو يطعن، بعد قوله: في سبيل الله. ٢٨٠١/١٧ - حدّثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ الحَوْضِيُّ قال حدَّثنَا هَمَّامُ عنْ إِسْحَاقَ عنْ أَنَسٍ رضي الله تعالى عنه قال بعَثَ النبيُّ عَ لّهِ أقواماً مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ إلى بَنِي عامِرٍ فِي سَبْعِينَ رَجُلاً فَلَمَّا قَدِمُوا قال لَهُمْ خالي أَتَقَدَّمُكُمْ فَإِنْ أمَّنُونِي حَتَّى أَبْلُغُهُمْ عنْ رسولِ اللهِ عَلَّهِ وإلاّ كُنْتُمْ مِنِّي قَرِيباً فتَقَدَّمَ فأمّنُوهُ فبَيْنَمَا يُحَدِّثُهُمْ عنِ النبيِّ عَّهِ إِذْ أَوْمأُوا إلى رَجُلٍ مِنْهُمْ فَطَعَنَهُ فَأَنْفَذَهُ فقال الله أكبرُ قُرْتُ ورَبِّ الكغْبَةِ ثُمَّ مالُو عَلَى بَقِيَّةٍ أَصْحَابِهِ فَقَتَلُوهُمْ إِلاَّ رَجُلٌ أُغْرَجُ صَعِدَ الجَبَلَ قال هَمَّامٌ فَأَرَاهُ آخَرَ مَعَهُ فأخْبَرَ جِبْرِيلُ عليْهِ السَّلامُ النبيَّ عَّهِ أَنَّهُمْ قَدْ لَّقُوا رَبَّهُمْ فَرَضِيَ عَنْهُمْ وَأَرْضَاهُمْ فَكْثَّا نَقْرَأُ أنْ بَلِّغُوا قَوْمَنَا أَنْ قَدْ لَقَينا رَبَّا فَرَضِيَ عنَّا وأَرْضَانَا ثُمَّ نُسِخَ بَعْدُ فَدَعا عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ صباحاً عَلَى رِعْلٍ وذَكْوَانَ وَنِي لِحْيَانَ وبَني ◌ُصَيَّةَ الَّذِينَ عَصَوا الله ورسُولَهُ عَلْهِ. [انظر الحديث ١٠٠١ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في كون هذا البعث المذكور قد نكبوا في سبيل الله بالقتل. وحفص بن عمر بن الحارث أبو عمر الحوضي، والحوضي: نسبة إلى حوض داود، وهي محلة ببغداد، وحفص من أفراد البخاري، وهمام، بالتشديد: ابن يحيى البصري، وإسحاق هو ابن عبد الله بن أبي طلحة. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في المغازي عن موسى بن إسماعيل. قوله: ((من بني سليم))، قال الدمياطي: هو وهم، فإن بني سليم مبعوث إليهم، والمبعوث هم القراء، وهم من الأنصار. وقال الكرماني: بنو سليم، بضم المهملة وفتح اللام وسكون الياء آخر الحروف، قيل: إنه وهم من المؤلف، إذ المبعوث إليهم هم من بني سليم لأن رعلاً هو ابن مالك بن عوف بن امرىء القيس بن بهئة، بضم الباء الموحدة وسكون الهاء وبالمثلثة: ابن سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة، بالخاء المعجمة ثم الصاد المهملة والفاء المفتوحات. وذكوان هو ابن ثعلبة بن بهثة. وعصية هو ابن خفاف، بضم المعجمة ١٣٨ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيرِ / باب (٩) وخفة الفاء الأولى: ابن امرىء القيس بن بهثة. وقال الجوهري: رعل وذكوان قبيلتان من بني سليم، وعصية بطن من بني سليم. وقال بعضهم: الوهم من حفص بن عمر شيخ البخاري، فقد أخرجه هو في المغازي: عن موسى بن إسماعيل عن همام، فقال: بعث أخاً لأم سليم في سبعين راكباً، وكان رئيس المشركين عامر بن الطفيل، وقال الكرماني: الطفيل هو ابن مالك بن خصفة، فهو إذن هو أبو سليم، وأما بنو عامر فهم أولاد عامر بن صعصعة، بالمهملات، ثم قال: اعلم أنه لا وهم في كلام البخاري، إذ يجوز أن يقال: إن أقواماً، هو منصوب بإسقاط الخافض، أي: إلى أقوام من بني سليم منضمين إلى بني عامر. فإن قلت: أين مفعول بعث؟ قلت: اكتفى بصيغة المفعول عن المفعول أي بعث بعثاً أو طائفة، في جملة سبعين أو كلمة: في، تكون زائدة، وسبعين هو المفعول، ومثله قوله: وفي الرحمن للضعفاء كـافٍ أي: الرحمن كافٍ وقال تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ [الأحزاب: ٢١]. وأهل المعاني يسمونها: بفي، التجريدية. وقد يجاب أيضاً: بأن: من ليس بياناً بل ابتدائية، أي: بعث من جهتهم، أو بعث بعثاً يساويهم بنو سليم. انتهى. قلت: هذا كله تعسف، أما النصب بنزع الخافض فهو خلاف الأصل، وإن كان موجوداً في الكلام، وأما حذف المفعول فشائع ذائع، لكن لا بد من نكتة فيه، وأما القول بزيادة كلمة: في، فغير صحيح، والذي أجازه خصه بالضرورة ولا ضرورة ههنا، وأما تمثيله بقول الشاعر: وفي الرحمن للضعفاء كافٍ فلا يتم، لأنه من باب الضرورة، على أنه يمكن أن يقال: إن كافٍ بمعنى: كفاية، لأن وزن كافٍ في الأصل: فاعل، ويأتي بمعنى المصدر، كما في قوله تعالى: ﴿ليس لوقعتها كاذبة﴾ [الواقعة: ٢]. أي: تكذب، فإن كاذبة على وزن فاعلة، وهو بمعنى المصدر. قوله: ((في سبعين رجلاً)، قال التوربشتي: كانوا من أوراع الناس ينزلون الصفة يتعلمون القرآن، وكانوا ردأ للمسلمين إذا نزلت بهم نازلة، بعثهم رسول الله، عَ ◌ّه إلى أهل نجد ليدعوهم إلى الإسلام، فلما نزلوا بئر معونة، بفتح الميم وبالنون، قصدهم عامر بن الطفيل في أحياء من بني سليم، وهم: رعل وذكوان وعصية، فقتلوهم. قلت: كانت سرية بئر معونة في صفر من سنة أربع من الهجرة، وأغرب محكول حيث قال: إنها كانت بعد الخندق. وقال ابن إسحاق: فأقام رسول الله، عَّ له بعد أحد بقية شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ثم بعث أصحاب بئر معونة في صفر على رأس أربعة أشهر من أحد، قال موسى بن عقبة. وكان أمير القوم المنذر بن عمرو، ويقال: مرثد بن أبي مرثد. قوله: ((خالي))، هو حرام ضد حلال ابن ملحان. قوله: ((وإلاَّ) أي: وإن لم يؤمنوا. قوله: ((فبينما يحدثهم)) أي: يحدث بني سليم. قوله: ((إذ))، جواب: بينما. قوله: ((أومأوا)) أي: أشاروا. قوله: ((فأنفذه))، بالفاء والذال المعجمة، من: نفذ السهم من الرمية. قوله: ((إلا رجل أعرج))، ويروى: رجلاً، بالنصب. وقال الكرماني وفي بعض الروايات: كتب، ١٣٩ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (٩) بدون الألف على اللغة الربيعية. قوله: ((قال همام))، وهو من رواة الحديث المذكور في سنده. قوله: ((فأراه))، أي: أظنه و: يرى بالواو وأراه. قوله: ((فكنا نقرأ: أن بلغوا ... )) إلى آخره، أنزل الله تعالى على النبي، عٍَّ في حقهم هذا ثم نسخ بعد ذلك. قوله: ((فدعا)) أي: النبي، عَّته، عليهم أربعين صباحاً في القنوت. قوله: ((على رعل))، بدل من: عليهم، بإعادة العامل، كقوله تعالى: ﴿للذين استضعفوا لمن آمن منهم﴾ [الأعراف: ٧٥]. ورعل، بكسر الراء وسكون العين المهملة، وذكوان، بفتح الذال المعجمة وإسكان الكاف، وعصية، بضم العين المهملة وفتح الصاد المهملة وتشديد الياء آخر الحروف. ومما يستفاد منه: جواز الدعاء على أهل الغدر وانتهاك المحارم، والإعلان بإسمهم والتصريح بذكرهم. وجاء من حديث أنس في باب قوله تعالى: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً﴾ [آل عمران: ١٦٩]. أنه دعا عليهم ثلاثين صباحاً، وهنا: فدعا عليهم أربعين صباحاً، وفي (المستدرك): قنت رسول الله، عَّم عشرين يوماً. ٢٨٠٢/١٨ - حدّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قال حدَّثنا أَبُو عَوَانَةَ عنِ الأَسْوَدِ بنِ فَيْسٍٍ عنْ جُنْدَبِ بنِ سُفْيَانَ أَنَّ رسولَ الله عَّ ◌ُلَّهِ كانَ في بَعْضِ المَشَاهِدِ وَقَدْ دَمِيَتْ إِصْبَعُهُ فقال: ((هلْ أنْتِ إلَّ إِصْبَعْ دَميتٍ وفِي سَبِيلِ اللهِ ما لَقِيتٍ)) [الحديث ٢٨٠٢ - طرفه في: ٦١٤٦]. مطابقته للترجمة في قوله: ((وقد دميت إصبعه))، لأنه نكب في إصبعه، وأبو عوانة، بفتح العين: الوضاح اليشكري، والأسود بن قيس أخو علي بن قيس البجلي الكوفي، وجندب، بضم الجيم وسكون النون وفتح الدال وضمها: ابن عبد الله بن سفيان البجلي. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الأدب عن أبي نعيم عن الثوري. وأخرجه مسلم في المغازي عن يحيى بن يحيى وقتيبة، كلاهما عن أبي عوانة وعن أبي بكر وإسحاق كلاهما عن ابن عيينة. وأخرجه الترمذي في التفسير وفي الشمائل عن ابن أبي عمر عن ابن عيينة وفي الشمائل عن محمد بن المثنى. وأخرجه النسائي في اليوم والليلة عن قتيبة به وعن عمرو بن منصور. قوله: ((المشاهد))، أي: المغازي، وسميت بها لأنها مكان الشهادة. قوله: ((وقد دمیت أصبعه))، يقال: دمي الشيء يدمى دماً، ودمياً، فهو دم، مثل: فرق يفرق فرقاً فهوٍ فرق، والمعنى: أن إصبعه جرحت فظهر منها الدم. قوله: ((هل أنت؟)) معناه: ما أنت إلاّ إصبع دمِيتٍ. قال النووي: الرواية المعروفة كسر التاء، وسكنها بعضهم، والإصبع فيها عشر لغات: تثليث الهمزة، مع تثليث الباء، والعاشرة: أصبوع. قوله: ((دميت))، بفتح الدال: صفة للإصبغ، والمستثنى فيه أعم عام الصفة أي: ما أنت يا إصبع موصوفة بشيء إلاّ بأن دميت، كأنها لما توجعت خاطبها على سبيل الاستعارة أو الحقيقة معجزة تسلياً لها، أي: تثبتي فإنك ما ابتليت بشيء من الهلاك والقطع سوى أنك دميت، ولم يكن ذلك أيضاً هدراً بل كان في سبيل الله ١٤٠ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (٩) ورضاه. قيل: كان ذلك في غزوة أحد. وفي (صحيح مسلم): كان النبي، عَّهِ في غار فنكبت أصبعه، وقال القاضي عياض: قال أبو الوليد: لعله غازياً فتصحف، كما قال في الرواية الأخرى: في بعض المشاهد، وكما جاء في رواية البخاري: يمشي إذ أصابه حجر، فقال القاضي: قد يراد بالغار الجمع والحيش لا الكهف، ومنه قول علي، رضي الله تعالى عنه: ما ظنك بامرىء جمع بين هذين الغارين؟ بأنه رجز، والرجز ليس بشعر، كما هو مذهب الأخفش، وإنما يقال لصانعه: فلان الراجز، ولا يقال: الشاعر، إذ الشعر لا يكون إلاَّ بيتاً تاماً مقفّى على أحد أنواع العروض المشهورة. وبأن الشعر لا بد فيه من قصد ذلك، فما لم يكن مصدره عن نية له وروية فيه، وإنما هو على اتفاق كلام يقع موزوناً بلا قصد إليه ليس منه كقوله: ﴿وجفان كالجواب وقدور راسيات﴾ [سبأ: ١٣]. وكما يحكى عن السؤال: اختموا صلاتكم بالدعاء والصدقة، وعن بعض المرضى وهو يعالج الكي ويتضور: إذهبوا بي إلى الطبيب، وقولوا: قد اكتوى. وبأن البيت الواحد لا يسمى شعراً، وقال بعضهم: ﴿وما علمناه الشعر﴾ [يس: ٦٩]. هو رد على الكفار المشركين في قولهم: بل هو شاعر، وما يقع على سبيل الندرة لا يلزمه هذا الإسم، إنما الشاعر هو الذي ينشد الشعر ويشبب، ويمدح ويذم ويتصرف في الأفانين وقد برأ الله تعالى رسوله عَّللٍ عن ذلك، وصان قدره عنه، فالحاصل أن المنفي هو صنعة الشاعرية لا غير، وفي (التوضيح): هل أنتِ إلَّ إصبع ... إلى آخره، رجز موزون، وقد يقع على لسانه عَ لّه مقدار البيت من الشعر أو البيتين من الرجز كقوله: أنا ابنُ عبد المطلب)) ((أنا النبي لا كذب فلو كان هذا شعراً لكان خلاف قوله تعالى: ﴿وما علمناه الشعر وما ينبغي له﴾ [يس: ٦٩]. والله يتعالى أن يقع شيء من خبره أن يوجد على خلاف ما أخبر به، ووقوع الكلام الموزون في النادر من غير قصد ليس بشعر، لأن ذلك غير ممتنع على أحد من العامة، والباعة، أن يقع له كلام موزون، فلا يكون بذلك شاعراً مثل قولهم: إسقني في الكوز ماءً يا فلان واسرجِ البغل وجعني بالطعام فهذا القدر ليس بشعر، والرجز ليس بشعر، قاله القاضي أبو بكر بن الطيب وغيره، وقال ابن التين: هذا الشعر لابن رواحة، وفيه نظر، وقيل: لما دعا النبي عَّهِ للوليد بن الوليد، باع ماله بالطائف وهاجر على رجليه إلى المدينة، فقدمها وقد تقطعت رجلاه وأصابعه، فقال: وفي سبيل الله ما لقيت هل أنت إلاَّ إصبع دميت يا نفس إن لا تقتلي تموتي ومات في زمن النبي عَ لّه، قلت: الوليد هذا أخو خالد بن الوليد، سيف الله، وقال أبو عمر: قال مصعب: شهد مع رسول الله، عَّمِ عمرة القضية، وكتب إلى أخيه خالد، وكان خالد خرج من مكة فاراً لئلا يرى رسول الله عَّ لله وأصحابه بمكة، كراهية للإسلام وأهله، فسأل رسول الله، عَ لِّ الوليد، وقال: لو أتانا خالد لأكرمناه، وما مثله سقط عليه الإسلام في