النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
٥٥ _ كِتابُ الوَصَايا / باب (٣٤)
نعم: قال أنشدكم بالله والإسلام، هل تعلمون أن رسول الله، عَ لِ كان على ثبير مكة ومعه
أبو بكر وعمر، رضي الله تعالى عنهما، وأنا، فتحرك الجبل حتى تساقطت حجارته
بالحضيض، فركضه برجله، فقال: اسكن ثبير، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان؟ قالوا: اللهم
نعم. قال: الله أكبر شهدوا ورب الكعبة أني شهيد ثلاثة)).
هذا حديث حسن، ورواه النسائي أيضاً وزاد من رواية الأحنف عن عثمان، فقال:
((لأجعلها سقاية للمسلمين وأجرها لك))، وعن النسائي أيضاً من رواية الأحنف: ((أن عثمان
اشتراها بعشرين ألفاً أو بخمسة وعشرين ألفاً، وزاد في جيش العسرة، فجهزتهم حتى لم
يفقدوا عقالاً ولا خطاماً)). وللترمذي من حديث عبد الرحمن بن حباب السلمي: أنه جهزهم
بثلاثمائة بعير، وفي رواية أحمد من حديث عبد الرحمن بن سمرة: أنه جاء بألف دينار في
ثوبه، فصبها في حجر النبي عَّلِ حين جهز جيش العسرة، فقال: ((ما على عثمان ما عمل بعد
اليوم))، وروى الدارقطني من طريق ثمامة بن حزن عن عثمان، قال: ((هل تعلمون أن رسول
الله، عَّه زوجني إحدى ابنتيه واحدة بعد أخرى، رضي بي ورضي عني؟ قالوا: أللهم نعم)».
قوله: ((حيث حوصر))، وفي رواية الكشميهني: حين حوصر، وذلك حين حاصره
المصريون الذين أنكروا عليه تولية عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وقصته مشهورة. قوله:
((أنشدكم))، يقال نشدت فلاناً أنشده إذا قلت له: نشدتك الله، أي: سألتك بالله، كأنك
ذكرته إياه. قوله: ((من حفر رومة))، قد ذكرنا عن ابن بطال أنه قال ذكر الحفر وهم، والذي
يعلم في الأخبار والسّير أنه اشتراها، ولا يوجد: أن عثمان حفرها، إلاَّ في حديث شعبة،
وروى البغوي في (معجم الصحابة) من طريق بشر بن بشير الأسلمي عن أبيه، قال: لما قدم
المهاجرون المدينة استنكروا الماء، وكانت لرجل من بني غفار عين يقال لها: رومة، وكان
يبيع منها القربة بمد، فقال له النبي عَ له: ((تبيعنيها بعين في الجنة؟)) فقال: يا رسول الله! ليس
لي ولا لعيالي غيرها، فبلغ ذلك عثمان، رضي الله تعالى عنه، فاشتراها بخمسة وثلاثين ألف
درهم، ثم أتى النبي عَّهِ ((فقال: أتجعل لي ما جعلته له؟)) قال: نعم. قال: قد جعلتها
للمسلمين. انتهى. وإذا كانت عيناً فلا مانع أن يحفر فيها عثمان بئراً، ويحتمل أن العين
المذكورة كانت تجري إلى بئر فوسعها عثمان أو طواها، فنسب حفرها إليه. وقال الكرماني:
رومة، بضم الراء وسكون الواو: وكان ركية ليهودي يبيع المسلمين ماءها، فاشتراها منه
عثمان بعشرين ألف درهم، وذكر الكلبي: أنه كان يشتري منها قربة بدرهم قبل أن يشتريها
عثمان، رضي الله تعالى عنه. قوله: ((فصدقوه بما قال)) أي: بالذي قال عثمان، رضي الله
تعالى عنه، وفي رواية النسائي من طريق الأحنف بن قيس: أن الذين صدقوه بذلك هم: علي
ابن أبي طالب وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص، رضي الله تعالى عنهم.
وقال عُمَرُ في وقفهِ لا جُناحَ علَى مَنْ وَلِيَّهِ أَنْ يَأْكُلَ
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله في وقفه، وكان وقفه أرضاً، وقد مر عن قريب في:

١٠٢
٥٥ - كِتَابُ الوَصَايا / باب (٣٥)
باب الوقف للغني والفقير.
وقدْ يَلِيهِ الوَاقِفُ وغَيْرَهُ فَهْوَ واسِعٌ لِكُلّ
هذا من كلام البخاري، وأشار بهذا إلى أن قوله: ((على من وليه))، أعم من أن يكون
الواقف أو غيره، وقال الداودي: استدلال البخاري من قول عمر قوله: ((وقد يليه الواقف أو
غيره))، غلط، لأن عمر جعل الولاية إلى غيره، فكيف يليه الواقف؟
٣٥ - بابُ إذَا قال الوَاقِفُ لا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إلاَّ إلى الله فَهْوَ جائِزٌ
أي: هذا باب يذكر فيه إذا قال الواقف ... إلى آخره.
٢٧٧٩/٤٠ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قال حدَّثنا عبدُ الوَارِثِ عِنْ أَبِي النَّيَّاحِ عنْ أَنَسٍ رضي
الله تعالى عنهُ قال النبيُّ عَّهِ يَا بَنِي النَّجَّارِ ثامِنُونِي بِحائِطِكُمْ قَالُوا لَاَ نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إلاَّ إلى
الله. [انظر الحديث ٢٣٤ وأطرافه].
الترجمة من نفس الحديث، وقد مر هذا غير مرة، غير أنه ذكره بهذا الإسناد بعينه عن
قريب في: باب إذا أوقف جماعة أرضاً مشاعاً، وليس فيه زيادة فائدة غير تغيير الترجمة، قيل:
فائدته أنه يشير به إلى أن الوقف يصح بأي لفظ دل عليه، إما بمجرده أو بقرينة.
٣٦ - بابُ قَوْلِ الله تعالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنَكُمْ إِذَا حَضَرَ أحَدَكُمْ
المَوْتُ حينَ الوَصِيَّةِ اثْنَانٍ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في
الأرضِ فأصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ المَوْتِ تِخْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فِيُقْسِمَانِ بالله إنِ ارْتَبْتُمْ
لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنَاً ولوْ كانَ ذَا قُرْبَى وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ الله إنَّا إذَاً لَمِنَ الآثِمِينَ فإنْ عُثِرَ
عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقًّا إِثْماً فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مِقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيانِ
فيُقْسِمانِ بالله لَشَهادَتُنا أحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وِما اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذَاً لَمِنَ الظَّالِمِينْ ذَلِكَ
أَدْنَى أنْ يَأْتُوا بالشَّهَادَةِ علَى وَجْهِهَا أوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ ايمانٌ بِعْدَ آَمَانِهِمْ وَاتَّقُوا الله
واسْمَعُوا والله لاَ يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ [المائدة: ١٠٦، ١٠٧، ١٠٨].
أي: هذا باب في بيان سبب نزول قول الله عز وجل: ﴿يا أَيُّهَا الذين آمنوا﴾ إلى قوله:
﴿الفاسقين﴾ [المائدة: ١٠٦، ١٠٧، ١٠٨]. وإنما قلنا كذلك لأن في حديث الباب صرح
بقوله: وفيهم نزلت هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم﴾ [المائدة: ١٠٦ - ١٠٨].
على ما يجيء بيانه عن قريب، إن شاء الله تعالى، وسيقت هذه الآيات الثلاث في رواية
الأصيلي وكريمة، وفي رواية أبي ذر سيق من أول ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ [المائدة: ١٠٦ -
١٠٧]. إلى قوله: ﴿وآخران من غيركم﴾ [المائدة: ١٠٦ - ١٠٧]. ثم قال: إلى قوله:
﴿والله لا يهدي القوم الفاسقين﴾ [المائدة: ١٠٦ - ١٠٨]. قوله: ﴿شهادة بينكم﴾
[المائدة: ١٠٦ - ١٠٧]. كلام إضافي مبتدأ وخبره قوله: ﴿اثنان﴾ [المائدة: ١٠٦ -
١٠٨]. تقديره: شهادة بينكم شهادة، اثنين. وقال الزمخشري: أو على أن قوله: اثنان، فاعل

١٠٣
٥٥ - كِتَابُ الوَصَايا / باب (٣٦)
شهادة بينكم على معنى: فيما فرض عليكم أن يشهد اثنان، وقرأ الشعبي: ﴿شهادة بينكم﴾
وقرأ الحسن: ﴿شهادة﴾، بالنصب، والتنوين على: ليقم شهادة، إثنان. قوله: ﴿ذوا عدل
منكم﴾ وصف الاثنين بأن يكونا عدلين. قوله: ﴿إذا حضر﴾ ظرف للشهادة. قوله: ﴿حين
الوصية﴾، بدل منه، قال الزمخشري: وفي إبداله منه دليل على وجوب الوصية، وأنها من
الأمور اللازمة التي ما ينبغي أن يتهاون بها المسلم ويذهل عنها، وحضور الموت وظهور
أمارات بلوغ الأجل: مشارفته.
قوله: ((منكم) أي: من أقاربكم قاله الزمخشري، وفي تفسير ابن كثير: ﴿منكم﴾ أي:
من المسلمين، قاله الجمهور. وقال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس في قوله: ((ذوا عدل))
من المسلمين رواه ابن أبي حاتم، قال: وروى عن عبيدة وسعيد بن المسيب والحسن
ومجاهد ويحيى بن يعمر والسدي وقتادة ومقاتل بن حيان وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم
نحو ذلك، وقال ابن جرير: وقال آخرون: عنى بذلك ((ذوا عدل منكم)) من وحي الموصي،
وذلك قول: روي عن عكرمة وعبيدة وعدة غيرهما. قوله: ((أو آخران من غيركم))، قال
الزمخشري: من الأجانب. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي أخبرنا سعيد بن عون حدثنا عبد
الواحد بن زياد حدثنا حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير، قال: قال ابن عباس، في
قوله: ((أو آخران من غيركم)) قال: من غير المسلمين يعني: أهل الكتاب، ثم قال: وروى عن
عبيدة وشريح وسعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين ويحيى بن يعمر وعكرمة ومجاهد
وسعيد بن جبير والشعبي وإبراهيم النخعي وقتادة وأبي مجلز ومقاتل بن حيان وعبد الرحمن
ابن زيد بن أسلم نحو ذلك. قوله: ((إن أنتم ضربتم في الأرض)) قال الزمخشري: يعني: إن
وقع الموت في السفر ولم يكن معكم أحد من عشيرتكم فاستشهدوا أجنبيين على الوصية،
وجعل الأقارب أولى لأنهم أعلم بأحوال الميت، وبما هو أصلح، وهم له أنصح، وفي (تفسير
ابن كثير) قوله: ((إن أنتم ضربتم في الأرض)) أي: سافرتم فأصابتكم مصيبة الموت، وهذان
الشرطان لجواز استشهاد الذميين عند فقد المؤمنين أن يكون ذلك في سفر، وأن يكون في
وصية. كما صرح بذلك القاضي شريح. وقال ابن جرير: حدثنا عمرو بن علي حدثنا أبو
معاوية ووكيعٍ قال: حدثنا الأعمش عن إبراهيم عن شريح قال: لا تجوز شهادة اليهودي
والنصراني إلاّ في سفر، ولا تجوز في سفر إلاَّ في وصية. وقد روى مثله عن الإمام أحمد بن
حنبل، رحمه الله، وهذا من أفراده، وخالفه الثلاثة فقالوا: لا تجوز شهادة أهل الذمة على
المسلمين. وقال ابن جرير: حدثنا عمرو بن علي حدثنا أبو داود حدثنا صالح بن أبي الأخضر
عن الزهري، قال: مضت السنة أن لا تجوز شهادة كافر في حضر ولا في سفر إنما هي في
المسلمين، وذكر الطحاوي حديث أبي داود: أن رجلاً من المسلمين توفي بدقوقاً ولم يجد
أحداً من المسلمين يشهده على وصيته، فأشهد رجلين من أهل الكتاب نصرانيين، فقدما
الكوفة على أبي موسى، فقال أبو موسى: هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد النبي،
عَِّ، فأحلفهما بعد العصر: ما خانا ولا كذبا ولا بدلا، فأمضى شهادتهما.

١٠٤
٥٥ - كِتَابُ الوَصَايا / باب (٣٦)
قال الطحاوي: فهذا يدل على أن الآية محكمة عند أبي موسى وابن عباس، ولا أعلم
لهما مخالفاً من الصحابة في ذلك، وعلى ذلك أكثر التابعين، وذكر النحاس: أن القائلين بأن
الآية الكريمة منسوخة وأنه لا تجوز شهادة كافر بحال، كما لا تجوز شهادة فاسق، زيد بن
أسلم والشافعي ومالك والنعمان، غير أنه أجاز شهادة الكفار بعضهم على بعض، وأما الزهري
والحسن فزعما أن الآية كلها في المسلمين، وذهب غيرهما إلى أن الشهادة هنا بمعنى
الحضور، وقال آخرون: الشهادة بمعنى اليمين، وتكلموا في معنى استحلاف الشاهدين هنا،
فمنهم من قال: لأنهما ادعيا وصية من الموت، وهذا قول يحيى بن يعمر، قال النحاس: وهذا
لا يعرف في حكم الإسلام أن يدعي رجل وصية فيحلف ويأخذها. ومنهم من قال: يحلفان
إذا شهدا أن الميت أوصى بما لا يجوز أو بماله كله، وهذا أيضاً لا يعرف في الأحكام. ومنهم
من قال: يحلفان إذا اتهما، ثم ينقل اليمين عنهما إذا اطلع على الخيانة، وزعم ابن زيد أن
ذلك كان في أول الإسلام، كان الناس يتوارثون بالوصية، ثم نسخت الوصية وفرضت
الفرائض.
وقال الخطابي: ذهبت عائشة، رضي الله تعالى عنها، إلى أن هذه الآية ثابتة غير
منسوخة، وروي ذلك عن الحسن والنخعي، وهو قول الأوزاعي، قال: وكان تميم وعدي
وصيين لا شاهدين، والشهود لا يحلفون، وإنما عبر بالشهادة عن الأمانة التي تحملاها في
قبول الوصية. قوله: ﴿من بعد الصلاة﴾ اختلف فيها، فقال النخعي والشعبي وابن جبير وقتادة
من بعد صلاة العصر، قال النحاس: ويروى عن ابن عباس: من بعد صلاة أهل دينهما، قال:
فدعا النبي عَِّ تميماً وعدياً بعد العصر فاستحلفهما عند المنبر، وقال الزهري: يعني: صلاة
المسلمين، والمقصود أن يقام هذان الشاهدان بعد صلاة اجتمع فيها بحضرتهم ﴿فيقسمان
بالله﴾ أي: فيحلفان بالله ﴿إِن ارتبتم﴾ أي: ظهرت لكم ريبة منهما أنهما خانا أو غلاً،
فيحلفان حينئذ بالله: لا نشتري به، أي: بالقسم، ثمناً، أي: لا نعتاض عنه بعوض قليل من
الدنيا الفانية الزائلة. قوله: ﴿ولو كان ذا قربى﴾ أي: ولو كان المشهود عليه قريباً إلينا لا
نحابيه ولا نكتم شهادة الله، أضافها إلى الله تشريفاً لها وتعظيماً لأمرها. وقرأ بعضهم: ولا
نكتم بشهادة الله، مجروراً على القسم، رواها ابن جرير عن الشعبي. قوله: ﴿إنا إذاً لمن
الآثمين﴾ أي: إن فعلنا شيئاً من ذلك من تحريف الشهادة أو تبديلها أو تغييرها أو كتمها
بالكلية. قوله: ﴿فإن عثر﴾ أي: فإن اطلع، وظهر، واشتهر وتحقق من الشاهدين الوصيين
أنهما خانا أو غلاًّ شيئاً من المال الموصى به إليهما، أو ظهر عليهما بذلك ﴿فآخران يقومان
مقامهما﴾ أي: فشاهدان آخران من الذين استحق عليهم الإثم، ومعناه: من الذين جنى
عليهم، وهم أهل الميت وعشيرته.
قوله: ((الأوليان)) الأحقان بالشهادة لقرابتهما ومعرفتهما وارتفاعهما على أنه خبر مبتدأ
محذوف تقديره: هما الأوليان، كأنه قيل: ومن هما؟ فقيل: هما الأوليان. وقيل: هو بدل من
الضمير في: يقومان، أو من: آخران. قال الزمخشري: ويجوز أن يرتفعا: باستحق، أو: من

١٠٥
٥٥ _ كِتَابُ الوَصَايا / باب (٣٦)
الذين استحق عليهم انتداب الأوليين منهم للشهادة لاطلاعهم على حقيقة المال. وقرىء
الأولين، على أنه وصف للذين استحق عليهم مجرورا ومنصوب على المدح، ومعنى الأولية:
التقدم على الأجانب في الشهادة لكونهم أحق بها، وقرىء: الأوليين، بالتثنية، وانتصابه على
المدح، وقرأ الحسن: الأولان، ويحتج به من يرى رد اليمين على المدعي، وأبو حنيفة
وأصحابه لا يرون بذلك، فوجهه عندهم: أن الورثة قد ادعوا على النصرانيين أنهما خانا
فحلفا، فلما ظهر كذبهما ادعيا الشراء فيما كتما، فأنكر الورثة، وكانت اليمين على الورثة
لإنكارهم الشراء. قوله: ﴿وما اعتدينا﴾ أي: فيما قلنا فيهما من الخيانة. ﴿إنا إذاً لَمِنَّ
الظَّالمين﴾ أي: إن كنا قد كذبنا عليهما، فنحن حينئذ من الظالمين. قوله: ﴿ذلك﴾ أي:
الذي تقدم من بيان الحكم ﴿أدنى﴾ أي: أقرب أن يأتي الشهداء على نحو تلك الحادثة
﴿بالشهادة على وجهها أو يخافوا إن ترد أيمان﴾ أي: تكرر أيمان بشهود آخرين بعد أيمانهم،
فيفتضحوا بظهور كذبهم، واتقوا الله أن تحلفوا كاذبين أو تخونوا أمانة، وسامعوا الموعظة.
قوله: ﴿والله لا يهدي القوم الفاسقين﴾ وعيد لهم بحرمان الهداية.
٢٧٨٠/٤١ _ وقال لي عَلِيُّ بنُ عبْدِ الله حدَّثنا يَحْيَى بنُ آدَمَ قال حدَّثنا ابنُ أبي
زائِدَةَ عنْ مُحَمَّدٍ بنِ أبي القَاسِمِ عنْ عِبْدِ المَلِكِ بنِ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنْ أَبِيهِ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ
رضي الله تعالى عنهُما قال خرَجَ رجُلٌ منْ بَنِي سَهْمٍ مَعَ تَمِيمِ الدَّارِيِّ وعَدِيَّ بنِ بِدَّاءٍ فَماتَ
السَّهْمِيُّ بِأَرْضٍ لَيْسَ بِها مُسْلِمٌ فَلَمَّا قدِمَا بِتَرِكَتِهِ فَقَدُوا جَمَاً مِنْ فِضَّةٍ مُخوَّصاً مِنْ ذَهَبٍ
فأخْلَفَهُمَا رسولُ اللهِ عَُّلِّ ثُمَّ وجِدَ الجَامُ بِمَكّةَ فقالوا ابْتَعْنَاهُ منْ تَمِيمِ وعَدِيّ فَقَامَ رَجلانِ مِنْ
أُوْلِيَائِهِ فَحَلَفَا لَشَهَادَتنا أحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وإنَّ الجَامَ لِصَاحِبِهِمْ قَالٌ وفِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةٌ بَيْنَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦].
مطابقته للآيات المذكورة ظاهرة، لأنه بيين أنها نزلت فيمن ذكروا فيه.
ذكر رجاله: وهم سبعة: الأول: علي بن عبد الله المعروف بابن المديني. الثاني:
يحيى بن آدم بن سليمان المخزومي. الثالث: يحيى بن زكرياء بن أبي زائدة، واسمه: ميمون
أبو سعيد الهمداني القاضي. الرابع: محمد بن أبي القاسم الذي يقال له الطويل، ولا يعرف
اسم أبيه. الخامس: عبد الملك بن سعيد بن جبير. السادس: أبوه سعيد بن جبير. السابع:
عبد الله بن عباس.
ذكر لطائف إسناده: فيه: القول في أول الإسناد وفي آخره، أنه ذكر الحديث عن ابن
المديني، كذا بغير سماع، فإما أن يكون أخذه مذاكرة أو عرضاً، أو يكون محمد بن أبي
القاسم ليس بمرضي عنده، وكأنه أشبه لأن محمد بن بحر ذكر عنه أنه قال ابن أبي القاسم:
لا أعرفه كما أشتهي، قيل له: فرواه غيره؟ قال: لا، قال: وكان ابن المديني يستحسن هذا
الحديث، حديث محمد بن أبي القاسم؟ قال: وقد رواه عنه أبو أسامة إلاّ أنه غير مشهور.
وقيل: عادته أنه إذا كان في إسناد الحديث نظر أو كان موقوفاً يعبر بقوله: قال لي: وفيه: أن

١٠٦
٥٥ - كِتَابُ الوَصَايا / باب (٣٦)
شيخه بصري والبقية كوفيون. وفيه: محمد بن أبي القاسم، وقد أخرج له البخاري هنا مع أنه
توقف فيه، ووثقه يحيى وأبو حاتم وليس له في البخاري ولا لشيخه عبد الملك بن سعيد غير
هذا الحديث الواحد. وفيه: رواية الابن عن الأب.
ذكر من أخرجه غيره: أخرجه أبو داود في القضايا عن الحسن بن علي. وأخرجه
الترمذي في التفسير عن سفيان بن وكيع، كلاهما عن يحيى بن آدم به. وقال الترمذي:
حديث غريب.
ذكر معناه: قوله: ((خرج رجل من بني سهم))، وهو: بزيل، بضم الباء الموحدة وفتح
الزاي وسكون الياء آخر الحروف وآخره لام، كذا ضبطه ابن ماكولا، ووقع عند الترمذي
والطبري: بديل، بدال مهملة عوض الزاي، وفي رواية ابن منده من طريق السدي عن الكلبي:
بديل بن أبي مارية، وليس هذا بديل بن ورقاء، فإنه خزاعي، وهذا سهمي، ووهم من ضبطه
بالذال المعجمة، ووقع في رواية ابن جريج أنه كان مسلماً. قوله: ((مع تميم الداري))، وهو
الصحابي المشهور، ونسبته إلى الدار، وهُم بطن من لخم، ويقال: الداري: للعطار، ولرب
الغنم، وكان نصرانياً، وكانت قضيته قبل أن يسلم، وأسلم سنة تسع وسكن المدينة، وبعد
قضية عثمان انتقل إلى الشام وكان يختم القرآن في ركعة، وروى الشعبي عن فاطمة بنت
قيس أنها سمعت النبي، عَّ له في خطبة خطبها، وقد قال: حدثني تميم، فذكر خبر الجساسة
في قصة الدجال. فإن قلت: إذا كانت قضية تميم قبل إسلامه يكون الحديث من مرسل
الصحابي، لان ابن عباس لم يحضر هذه القضية.
قلت: نعم، ولكن جاء في بعض الطرق: قد رواه عن تميم الداري. أخرجه الترمذي:
حدثنا الحسن بن أحمد بن أبي شعيب الحراني، قال: حدثنا محمد بن سلمة الحراني، قال:
حدثنا محمد بن إسحاق عن أبي النضر عن باذان، مولى أم هانىء عن ابن عباس عن تميم
الداري في هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت﴾ [المائدة:
١٠٦]. قال برىء الناس من هذه الآية غيري وغير عدي بن بداء، وكانا نصرانيين يختلفان
إلى الشام قبل الإسلام، فأتيا الشام في تجارتهما، وقدم عليهما مولى لبني سهم ... الحديث،
فإذا كان كذلك تكون القصة قبل الإسلام، والتحاكم بعد إسلام الكل، فيحتمل أنه كان بمكة
سنة الفتح. قوله: ((وعدي))، بفتح العين وكسر الدال المهملتين وتشديد الياء: ابن بداء، بفتح
الباء الموحدة وتشديد الدال المهملة مع المد، قال الذهبي: عدي بن بداء، مذكور في
تفسير: ﴿شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت﴾ [المائدة: ١٠٦]. وفي رواية الترمذي:
والصحيح أن عدياً نصراني لم يبلغنا إسلامه، وفي كتاب القضاء للكرابيسي: سماه البداء بن
عاصم. وأخرجه عن معلى بن منصور عن يحيى بن أبي زائدة، ووقع عند الواقدي: أن عدي
ابن بداء كان أخا تميم الداري، فإن ثبت فلعله أخوه لأمه، أو من الرضاعة. وفي تفسير مقاتل:
خرج بديل بن أبي مارية، مولى العاص بن وائل، مسافراً في البحر إلى النجاشي، فمات بديل
في السفينة، وكان كتب وصيته وجعلها في متاعه، ثم دفعه إلى تميم وصاحبه عدي، فأخذا

١٠٧
٥٥ - كِتَابُ الوَصَايا / باب (٣٧)
منه ما أعجبهما، وكان فيما أخذا إناءً مِن فضة فيه ثلاثمائة مثقال منقوش مموه بالذهب، فلما
ردا بقية المتاع إلى ورثته ونظروا في الوصية فقدوا بعض متاعه، فكلموا تميماً وعدياً، فقالا: ما
لنا به علم، وفيه: فقام عمرو بن العاص والمطلب بن أبي وداعة السهمياني فحلفا، فاعترف
تميم بالخيانة، فقال له النبي عَّةِ: ((يا تميم أسلم يتجاوز الله عنك ما كان في شركك)).
فأسلم وحسن إسلامه، ومات عدي بن بداء نصرانياً.
وفي (تفسير الثعلبي): كان بديل بن أبي مارية - وقيل: ابن أبي مريم - ومولى عمرو
ابن العاص، وكان بديل مسلماً ومات بالشام. قوله: ((جاما)) بالجيم، قال بعضهم: قوله:
((جاماً) بالجيم، والتخفيف: إناء. قلت: هذا تفسير الخاص بالعام، وهذا لا يجوز لأن الإناء
أعم من الجام، والجام هو الكأس. قوله: ((مخوصاً))، بضم الميم وفتح الخاء المعجمة والواو
المشددة وفي آخره صاد مهملة، قال ابن الجوزي: صيغت فيه صفائح مثل الخوص من
الذهب، معناه: منقوشاً فيه خطوط دقاق طوال كالخوص، وهو ورق النخل، ووقع في بعض
نسخ أبي داود: ((مخوضاً)، بالضاد المعجمة أي: مموهاً، ووقع في رواية ابن جريج عن
عكرمة: ((إناء من فضة منقوش بذهب)).
قوله: ((فقام رجلان من أوليائه))، أي: من أولياء السهمي المذكور الذي مات،
والرجلان: عمرو بن العاص ورجل آخر منهم، كذا في رواية الكلبي وسمى الآخر مقاتل في
تفسيره بأنه: المطلب بن أبي وداعة. قوله: ((وفيهم نزلت هذه الآية)) وقال ابن زيد: نزلت
هذه الآية في رجل توفي وليس عنده أحد من أهل الإسلام، وذلك في أول الإسلام، والأرض
حرب والناس كفار، وكانوا يتوارثون بالوصية، ثم نسخت الوصية وفرضت الفرائض، وعمل
المسلمون بها، رواه ابن جرير. وقال ابن التين: انتزع ابن شريح من هذه الآية الكريمة الشاهد
واليمين، قال: قوله: ﴿فإن عُثرَ﴾ [المائدة: ١٠٦]. لا يخلو من أربعة أوجه، إما أن يقرأ، أو
يشهد عليهما شاهدان أو شاهد وامرأتان، أو شاهد واحد، قال: وأجمعنا أن الإقرار بعد الإنكار
لا يوجب يميناً على الطالب، وكذلك مع الشاهدين، والشاهد والمرأتين، فلم يبق إلاَّ شاهد
واحد، فلذلك استحق الطالبان بيمينهما مع الشاهد الواحد. انتهى. ورد عليه بأنه ليس في
شيء من طرق الحديث أنه كان هناك شاهد أصلاً، بل في رواية الكلبي: ((وسألهم البينة فلم
يجدوا، فأمرهم أن يستحلفوا عدياً بما يعظم على أهل دينه)). والله أعلم.
٣٧ - بابُ قَضاءِ الوَصِيِّ دَيْنَ المَيِّتِ بِغَيْرِ مَخْضَرٍ مِنَ الوَرَثَةِ
أي: هذا باب في بيان جواز قضاء الوصي دين الميت، وفي بعض النسخ: ديون
الميت بغير حضور الورثة، ولا خلاف بين العلماء في جواز ذلك.
٤٢ /٢٧٨١ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ سابِقٍ أوِ الْفَضْلُ بنُ يَعْقُوبَ عنهُ قالَ حدَّثنا شَيْبَانُ أَبُو
مُعاوِيَةَ عنْ فِرَاسٍ قال قال الشَّعْبِيُّ حدَّثني جابِرُ بنُ عبدِ اللهِ الأنْصَارِي رضي الله تعالى عنهُما
أنَّ أَبَاهُ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ وَتَرَكَ سِتَّ بَناتٍ وتَرَكَ عَلَيْهِ دَيْناً فَلَمَّا حَضَرَ جَدَادُ النَّخْلِ أَتَيْتُ

١٠٨
٥٥ _ كِتَابُ الوَصَايا / باب (٣٧)
رسولَ الله، عَ لِ فَقُلْتُ يا رسولَ اللهِ قَدْ عَلِمْتُ أنَّ والِدِي اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ وتَرَكَ عليْهِ دَيْناً
كَثِيراً وإِنِّي أُحِبُّ أنْ يَرَاكَ الغُرَماءُ قال اذْهَبْ فَبَيْدِزْ كُلَّ ثَمْرٍ عَلَى ناحِيَتِهِ فَفَعَلْتُ ثُمَّ دَعَوْتُ
فَلَمَّا نَظَرُوا إِلَيْهِ أُغْرُوا بِي تِلْكَ السَّاعَةَ فَلَمَّا رَأى ما يَصْنَعُونَ أَطَافَ حَوْلَ أَعْظَمِهَا بَيْدَرَأْ ثَلاَثَ
مَرَّاتٍ ثُمَّ جَلَسَ عَلَيْهِ ثُمَّ قالَ ادْعُ أَصْحَابَكَ فَمَا زَالَ يَكِيلُ لَهُمْ حَتَّى أدَّى الله أمانَةَ والِدِي وأنَا
واللهِ رَاضٍ أنْ يُؤدِّيَ الله أمانَةَ والِدِي ولاَ أرْجِعُ إلى أخواتي تمرةً فَسَلِمَ واللهِ البَيادِرُ كُلُّهَا
أخوَاتِي بِتَمْرَةِ حتَّى أَنِّي أَنْظُرُ إلى البَيْدَرِ الَّذِي عَلَيْهِ رسولُ الله عَلَِّ كأنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ ثَمْرَةً
واحِدَةً. [انظر الحديث ٢١٢٧ وأطرافه].
مطابقته للترجمة من حيث أن جابر بن عبد الله أوفى دين والده بغير حضور أخواته
اللاتي هن من الورثة، ومحمد بن سابق أبو جعفر التميمي مولاهم البغدادي البزار، وأصله
فارسي، كان بالكوفة، روى عنه البخاري هنا فقط بلا واسطة، مات سنة ثلاث وعشرين
ومائتين، وروى عنه بواسطة في الجهاد وفي المغازي والنكاح والأشربة، ومع هذا تردد
البخاري هنا حيث قال: محمد بن سابق أو الفضل بن يعقوب الرخامي البغدادي، روى عنه
البخاري في البيوع والتوحيد والجزية وعمرة الحديبية، وهو من أفراده، وشيبان هو ابن عبد
الرحمن النحوي أبو معاوية، سكن الكوفة، أصله بصري، وفراس، بكسر الفاء وتخفيف الراء
وبالسين المهملة: ابن يحيى الهمداني أبو يحيى الحارثي الكوفي المكتب، والشعبي هو عامر
ابن شراحيل من شعب همدان الكوفي.
والحديث مضى في مواضع في الاستقراض والصلح والهبة وغيرها، وسيأتي أيضاً، وقد
مضى الكلام فيه غير مرة.
قوله: ((حضر جداد النخل)) بفتح الجيم وكسرها، وهو: صرام النخل، وهو قطع
ثمرتها يقال: جد الثمرة يجدها جداً. قوله: ((فبيدر))، بفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر
الحروف وكسر الدال المهملة، أمر من: بَيْدَرَ أي: اجعل كل صنف في بيدر، أي: جرين
يخصه، والبيدر المكان الذي يداس فيه الطعام وهنا المكان الذي يجعل فيه التمر المجدود.
قوله: ((أغروا بي))، مشتق من الإغراء، وهو فعل ما لم يسم فاعله، أي: لهجوا، يقال: أغرى
بكذا، إذا لهج به وأولع به، وقال ابن الأثير: وفي حديث جابر: ((فلما رأوه أغروا بي تلك
الساعة)). أي: لجوا في مطالبتي، وألحوا. قوله: ((ولا أرجع إلى أخواتي بتمرة؟)) كذا هو في
رواية الكشميهني، وفي رواية غيره: ((تمرة))، بنزع الخافض.
قال أبُو عَبْدِ الله أغْرُوا بي يَعْنِي هِيجُوا بي فأغْرَيْنا بَيْنَهُمْ العدَاوَةَ والبغْضَاءَ
أبو عبد الله هو البخاري نفسه، فسر معنى ((أغروا بي) بقوله: يعني: هيجوا بي،
والمعنى أن الإغراء هو التهييج، وقال أبو عبيدة في (المجاز) في قوله: ﴿فأغرينا بينهم
العداوة والبغضاء﴾ [المائدة: ١٤]. الإغراء: التهييج والإفساد.

بسمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
٥٦ _ كِتَابُ الجِهَادِ والسيِّ
أي: هذا كتاب في بيان أحكام الجهاد، ولم يقع لفظ: كتاب، لأكثر الرواة، وإنما هو
في رواية ابن شبويه والنسفي، ولم تقع البسملة إلاّ في رواية النسفي مقدمة. والجهاد، بكسر
الجيم، أصله في اللغة الجهد وهو المشقة، وفي الشرع بذل الجهد في قتال الكفار لإعلاء
كلمة الله تعالى، والجهاد في الله بذل الجهد في أعمال النفس وتذليلها في سبيل الشرع،
والحمل عليها مخالفة النفس من الركون إلى الدعة واللذات واتباع الشهوات، وهذا الكتاب
مذكور هنا في جميع النسخ والشروح خلا ابن بطال فإنه ذكره عقيب الحج والصوم قبل
البيوع، ولما وصل إلى هنا وصل بكتاب الأحكام.
١ - بابُ فَضْلِ الچِهَادِ والسِّيِّ
أي: هذا باب في بيان فضل الجهاد وفي بيان السير، وهو بكسر السين المهملة وفتح
الياء آخر الحروف: جمع سيرة، وهي الطريقة ومنه: سيرة القمرين، أي: طريقتهما، وذكر السير
هنا لأنه يجمع سير النبي، عَّه وطرقه في مغازيه وسير أصحابه وما نقل عنهم في ذلك.
وقَوْلُ الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّه اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وأمْوَالَهُمْ بأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ
يُقَاتِلُونَ في سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وغداً عَلَيْهِ حَقّاً في التَّوْرَاةِ والإِنْجِيلِ
والْقُرآنِ ومَنْ أَوْفَىَ بِعَهْدِهِ مِنَ الله فاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ﴾ [التوبة:
١١١]. إلَى قَوْلِهِ ﴿وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١١٢].
وقول الله، مجرور عطفاً على فضل الجهاد، وهاتان آيتان من سورة براءة أولاهما هو
قوله: ﴿إِن الله اشترى﴾ إلى قوله: ﴿الفوز العظيم﴾ [التوبة: ١١١]. والثانية هو قوله:
﴿التائبون العابدون﴾ إلى قوله: ﴿وبشر المؤمنين﴾ [التوبة: ١١٢]. والمذكور هنا هكذا
في رواية النسفي وابن شبويه وفي رواية الأصيلي وكريمة الآيتان جميعاً مذكورتان بتمامهما،
وفي رواية أبي ذر المذكور إلى قوله: ﴿وعداً عليه حقا﴾ [التوبة: ١١١]. من الآية الأولى
ثم قال إلى قوله: ﴿والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين﴾ [التوبة: ١١٢]. قوله: ﴿إن
الله اشترى .. ﴾ [التوبة: ١١١]. إلى آخره، قال محمد بن كعب القرظي وغيره: قال عبد الله
ابن رواحة، رضي الله تعالى عنه، لرسول الله عَ ليه، يعني: ليلة العقبة: اشترط لربك ولنفسك ما
شئت، فقال: أشترط لربي أن تصدقوه ولا تشركوا به شيئاً، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما
تمنعون منه أنفسكم وأموالكم. قالوا: فما لنا إذا فعلنا ذلك؟ قال: الجنة. قالوا: ربح البيع، لا
نقيل ولا نستقيل، فنزلت: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم﴾ [التوبة: ١١١].
الآية، والمراد: أن الله أمرهم بالجهاد بأموالهم وأنفسهم ليجازيهم بالجنة، فعبر عنه بالشراء لما
تضمن من عوض ومعوض، ولما جوزوا بالجنة على ذلك عبر عنه بلفظ الشراء تجوزاً، والباء
في: بأن، للمقابلة والتقدير باستحقاقهم الجنة. قوله: ﴿يقاتلون في سبيل الله﴾ [التوبة:
١٠٩

١١٠
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيرِ / باب (١)
١١١]. قال الزمخشري: فيه معنى الأمر. كقوله: ﴿تجاهدون في سبيل الله بأموالكم
وأنفسكم﴾ [الصف: ١١]. قوله: ﴿فيقتلون ويقتلون﴾ [التوبة: ١١١]. أي: سواء قَتَلُوا أَوْ قُتِلوا
أو اجتمع لهم هذا وهذا، فقد وجبت لهم الجنة. قوله: ﴿وعداً عليه حقاً﴾ [التوبة: ١١١].
وعداً: مصدر مؤكد أخبر بأن هذا الوعد الذي وعده للمجاهدين في سبيل الله وعد ثابت،
وقد أثبته في التوراة والإنجيل كما أثبته في القرآن. قوله: ﴿ومن أوفى بعهده من الله﴾
[التوبة: ١١٢]. أي: لا أحد أعظم وفاء بما عاهد عليه من الله، فإنه لا يخلف الميعاد. قوله:
﴿فاستبشروا﴾ [التوبة: ١١١]. أي: افرحوا بهذا البيع، أي: فليبشر من قام بمقتضى هذا
العقد، ووفى هذا العهد بالفوز العظيم والنعيم المقيم. قوله: ﴿التائبون﴾ [التوبة: ١١٢]. رفع
على المدح أي: هم التائبون، وهذا نعت للمؤمنين المذكورين، يعني: التائبون من الذنوب
كلها، التاركون للفواحش، ﴿العابدون﴾ [التوبة: ١١٢]. أي: القائمون بعبادة ربهم، وقيل:
بطول الصلاة، وقيل: بطاعة الله. قوله: ﴿الحامدون﴾ [التوبة: ١١٢]. أي: على دين
الإسلام. وقيل: على السراء والضراء. قوله: ﴿السائحون﴾ [التوبة: ١١٢]. أي: الصائمون،
كذا قال سفيان الثوري عن عاصم عن ذر عن عبد الله بن مسعود، وكذا قال الضحاك، وقال
ابن جرير: حدثنا أحمد بن إسحاق حدثنا أبو أحمد حدثنا إبراهيم بن يزيد عن الوليد بن عبد
الله عن عائشة، رضي الله تعالى عنها، ((قالت: سياحة هذه الأمة الصيام)). وهكذا قال مجاهد
وسعيد بن جبير وعطاء والضحاك وسفيان بن عيينة وآخرون، ((وقال الحسن البصري:
السائحون الصائمون شهر رمضان)). وقال أبو عمرو العبدي: السائحون الذين يديمون الصيام
من المؤمنين، وقد ورد في حديث مرفوع نحو هذا، فقال ابن جرير: حدثني محمد بن عبد
الله بن بزيغ حدثنا حكيم بن حزام حدثنا سليمان عن أبي صالح عن أبي هريرة، قال: قال
رسول الله، عٍَّ: السائحون: هم الصائمون، وروى أبو داود في (سننه) من حديث أبي أمامة
أن رجلاً قال: يا رسول الله! ائذن لي في السياحة. فقال النبي، عَّه: «سياحة أمتي الجهاد
في سبيل الله)). وعن عكرمة أنه قال: ((هم طلبة العلم))، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم:
هم المهاجرون رواهما ابن أبي حاتم، وليس المراد من السياحة ما قد يفهمه من تعبد بمجرد
السياحة في الأرض والتفرد في شواهق الجبال والكهوف والبراري، فإن هذا ليس بمشروع إلاّ
في أيام الفتن والزلازل في الدين.
قوله: ﴿الآمرون بالمعروف﴾ [التوبة: ١١٢]. وهو طاعة الله ﴿والناهون عن المنكر﴾
[التوبة: ١١٢]. وهو معصية الله، وإنما دخلت الواو فيها لأنها الصفة الثامنة، والعرب تعطف
الواو على السبعة، ذكره جماعة من المفسرين. وقيل: إن الواو إنما دخلت على الناهين لأن
الأمر بالشيء نهي عن ضده تبعاً وضمناً، لا قصداً، فلو قال الناهون بغير: واو، لأشبه أن يريد
النهيي الذي هو تبع، فلما ذكر الواو بين أن المراد: الآمرون قصداً والناهون عن المنكر
قصداً، ولذلك دخلت الواو أيضاً. في ﴿والحافظون لحدود الله﴾ [التوبة: ١١٢]. إذ لو لم
يذكر: الواو، لأوهم أن المعنى: يحفظون حدود الله من الأشياء التي تقدم ذكرها، فإن في

١١١
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيرِ / باب (١)
كل شيء حداً لله، عز وجل، فقال: والحافظون، ليكون إخباراً لحفظهم الحدود في هذه
الأشياء وغيرها.
قال ابنُ عَبَّاسِ الحُدُودُ الطَّاعَةُ
هذا التعليق وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عنه، في قوله: ﴿تلك
حدود الله﴾ [البقرة: ١٨٧، ٢٢٩، ٢٣٠، النساء: ٢١٣، الطلاق: ١]. يعني: طاعة الله،
وكأنه تفسير باللازم، لأن من أطاع الله وقف عند امتثال أمره واجتناب نهيه.
٢٧٨٢/١ - حدَّثنا الحَسَنُ بنُ صَبَّاحِ قال حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ سابِقٍ قال حدَّثنا مالِكُ
ابنُ مِغوَلٍ قال سَمِعْتُ الوَلِيدَ بنَ العَيْزَارِ ذَكَرَ عنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ قال قال عبدُ الله بنُّ
مَشْعُودٍ رضي الله تعالى عنه سألْتُ رسولَ الله عَ لَّهِ قُلْتُ يا رسولَ الله أيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ قال
الصَّلاةُ عَلى مِيقَاتِهَا قُلْتُ ثُمَّ أَيُّ قال ثُمَّ بِرُّ الوَالِدَيْنِ قُلْتُ ثُمَّ أي قال الجِهَادُ في سَبِيلِ الله
فسَكَتُ عنْ رَسُولِ اللهِ عَِّ ولَوِ اسْتَرَدْتُهُ لَزَادَنِي. [انظر الحديث ٥٢٧ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((الجهاد في سبيل الله)). والحديث مضى في أوائل:
مواقيت الصلاة، فإنه أخرجه هناك عن أبي الوليد عن شعبة عن الوليد بن العيزار. أخبرني،
قال: سمعت أبا عمرو الشيباني ... إلى آخره، واسم أبي عمرو الشيباني سعد بن إياس وقد مر
الكلام فيه هناك واختلاف الأحاديث في أفضل الأعمال لاختلاف السائلين واختلاف
مقاصدهم، أو باختلاف الوقت أو بالنسبة إلى بعض الأشياء. وقال الطبري: إنما خص، عَّ له،
هذه الثلاثة بالذكر لأنها عنوان على ما سواها من الطاعات، فإن من ضيع الصلاة المفروضة
حتى خرج وقتها من غير عذر مع خفة مؤونتها وعظيم فضلها فهو لما سواها أضيع، ومن لم
يبر والديه مع وفور حقهما عليه كان لغيرهما أقل براً، ومن ترك جهاد الكفار مع شدة
عداوتهم للدين كان لجهاد غيرهم من الفساق أترك.
٢/ ٢٧٨٣ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عبْدِ الله قال حدَّثنا يَحيى بنُ سَعِيدٍ قال حدَّثنا سفْيَانُ
قال حدَّثني مَنْصُورٌ عنْ مُجَاهِدٍ عنْ طاؤُسٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهُما قال قال
رسولُ اللهِ عَ لَّلِ لاَ هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ ولَكِنْ جِهَادٌ ونِيَّةٌ وإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فانْفِرُوا. [انظر الحديث
١٣٤٩ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((ولكن جهاد ونية ... )) إلى آخره، وعلي بن عبد الله
المعروف بابن المديني، ويحيى بن سعيد هو القطان وسفيان هو الثوري.
والحديث مضى في كتاب الحج في: باب لا يحل القتال بمكة، فإنه أخرجه هناك بأم
منه: عن عثمان بن أبي شيبة عن جرير عن منصور ... إلى آخره، ومضى الكلام فيه هناك،
ولنتكلم أيضاً بعض شيء.
فقوله: ((لا هجرة))، يعني: من مكة، وأما الهجرة عن المواضع التي لا يتأتى فيها أمر

١١٢
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (١)
الدين فهي واجبة اتفاقاً، وقال الخطابي: كانت الهجرة على معنيين: أحدهما: أنَّهُم إذا
أسلموا وأقاموا بين قومهم أوذوا، فأمروا بالهجرة إلى دار الإسلام ليسلم لهم دينهم ويزول
الأذى عنهم، والآخر: الهجرة من مكة، لأن أهل الدين بالمدينة كانوا قليلاً ضعيفين، وكان
الواجب على من أسلم أن يهاجروا إلى رسول الله، عَّةٍ، لكن إن حدث حادث استعان بهم
في ذلك، فلما فتحت مكة استغنى عن ذلك، إذ كان معظم الخوف من أهلها، فأمر
المسلمون أن يقيموا في أوطانهم ويكونوا على نية الجهاد، مستعدين، لأن ينفروا إذا
استنفروا. وقال الطيبي: كلمة: لكن، تقتضي مخالفة ما بعدها لما قبلها، أي: أن المفارقة عن
الأوطان المسماة بالهجرة المطلقة انقطعت، لكن المفارقة بسبب الجهاد باقية مدى الدهر،
وكذا المفارقة بسبب نية خالصة لله، عز وجل. كطلب العلم والفرار لدينه. انتهى. وذكر غير
واحد من العلماء أن أنواع الهجرة خمسة أقسام: الأول: الهجرة إلى أرض الحبشة. الثاني:
الهجرة من مكة إلى المدينة. الثالث: هجرة القبائل إلى رسول الله، عَّهِ. الرابع: هجرة من
أسلم من أهل مكة. الخامس: هجرة ما نهى الله عنه، وبقي من الهجرة ثلاثة أنواع أخر،
وهي: الهجرة الثانية إلى أرض الحبشة، وهجرة من كان مقيماً ببلاد الكفر ولا يقدر على
إظهار الدين، فتجب عليه الهجرة، والهجرة إلى الشام في آخر الزمان عند ظهور الفتن، على
ما رواه أحمد في (مسنده) من رواية شهر قال: سمعت عبد الله بن عمر، سمعت رسول الله،
عَِّ، يقول: ((لتكونن هجرة بعد هجرة إلى مهاجر أبيكم إبراهيم، عليه الصلاة
والسلام ... )) الحديث.
ولما روى الترمذي حديث ابن عباس هذا قال: وفي الباب عن أبي سعيد، وعبد الله
ابن عمرو، وعبد الله بن حبشي. أما حديث أبي سعيد فأخرجه أحمد في (مسنده) من رواية
أبي البختري الطائي عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله، عَّ أنه قال: لما نزلت هذه
الآية: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ [الفتح: ١]. قرأها رسول الله، عَّم حتى ختمها. ((وقال:
الناس حيز، وأنا وأصحابي حيز. وقال: لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية)). قلت: الحيز،
بفتح الحاء المهملة وتشديد الياء آخر الحروف المكسورة، وفي آخره زاي، والمعنى: الناس
في ناحية وأنا وأصحابي في ناحية. وأما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه البخاري على ما
سيأتي إن شاء الله تعالى. وأخرجه أبو داود والنسائي. وأما حديث عبد الله بن حبشي فأخرجه
أبو داود والنسائي من رواية عبيد بن عمير عن عبد الله بن حبشي الخثعمي: أن النبي، عَّهِ
سئل: أي الأعمال أفضل؟ قال: ((طول القنوت))، قيل: فأي صدقة أفضل؟ قال: ((جهد المقل))
قيل: ((فأي الهجرة أفضل؟)) قال: ((من هجر ما حرم الله عليه ... )) الحديث.
قلت: وفي الباب عن جماعة آخرين، وهم: عبد الرحمن بن عوف، ومعاوية بن أبي
سفيان، وفضالة بن عبيد، وزيد بن ثابت، ورافع بن خديج، ومجاشع بن مسعود، وغزية بنت
الحارث - وقيل: الحارث بن غزية - وعبد الله بن وقدان السعدي، وجنادة بن أبي أمية، وعبد
الله بن عمر، وجابر بن عبد الله، وثوبان، ومحمد بن حبيب النصري، وفديك، وواثلة بن

١١٣
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيرِ / باب (١)
الأسقع، وصفوان بن أمية، ويعلى بن مرة، وعمر بن الخطاب، وأبو هريرة، وابن مسعود، وأبو
مالك الأشعري، وعائشة، وأبو فاطمة رضي الله تعالى عنهم.
أما حديث عبد الرحمن بن عوف فأخرجه أحمد والطبراني من رواية مالك بن يخامر
عن ابن السعدي: أن النبي، عَ ◌ّه، قال: ((لا تنقطع الهجرة ما دام العدو يقاتل))، فقال معاوية
وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عمرو: إن النبي، عَ له قال: ((الهجرة خصلتان: إحداهما
تهجر السيئات، والأخرى تهاجر إلى الله ورسوله، ولا تنقطع الهجرة ما تقبلت التوبة»،
ورواه البزار مقتصراً على حديث عبد الرحمن بن عوف، ومعاوية وحده، رواه أبو داود
والنسائي بلفظ: ((لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من
مغربها)). وأما حديث فضالة بن عبيد فأخرجه ابن ماجه من رواية عمرو بن مالك عن فضالة
ابن عبيد عن النبي، عَِّ: ((المهاجر من هجر الخطايا والذنوب)). وأما حديث زيد بن ثابت
ورافع بن خديج فأخرجه أحمد في (مسنده) من رواية أبي البختري عن أبي سعيد عن النبي،
عَ للِ بحديث فيه: ((لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية)). فقال له مروان: كذبت، وعنده
رافع بن خديج وزيد بن ثابت، وهما قاعدان معه على السرير، فقال أبو سعيد: لو شاء هذان
لحدثاك، فرفع عليه مروان الدرة ليضربه، فلما رأيا ذلك قالا: صدق. وأما حديث مجاشع بن
مسعود فأخرجه أحمد في (مسنده) من رواية يحيى بن إسحاق عن مجاشع بن مسعود: أنه
أتى النبي عَّ له بابن أخ له ليبايعه على الهجرة، ((فقال النبي، عَّ ◌ُله: لا بل على الإسلام، فإنه
لا هجرة بعد الفتح)). وأما حديث غزية بن الحارث فأخرجه الطبراني في (الكبير) من رواية
عبد الله ابن رافع عن غزية بن الحارث أنه سمع النبي، عَ لّه، يقول: ((لا هجرة بعد الفتح،
إنما هي ثلاث: الجهاد والنية والحشر)). وأما حديث عبد الله بن وقدان السعدي فأخرجه
النسائي من رواية بشر بن عبيد الله عن عبد الله بن وقدان السعدي، قال: وفدت على رسول
الله، عَّله، كلنا نطلب حاجة، وكنت آخرهم دخولاً على رسول الله، عَّ له، فقلت: يا رسول
الله، إني تركت مَن خلفي وهم يقولون: إن الهجرة قد انقطعت. قال: ((لن تنقطع الهجرة ما
قوتل الكفار)).
وأما حديث جنادة بن أمية فأخرجه أحمد من رواية أبي الخيران جنادة بن أبي أمية،
حدثه: أن رجلاً من أصحاب النبي، عَّلِّ قال: قال بعضهم: إن الهجرة قد انقطعت، فاختلفوا
في ذلك قال: فانطلقت إلى رسول الله، عَّلَّهِ فقلت: يا رسول الله! إن ناساً يقولون: إن
الهجرة قد انقطعت! فقال رسول الله، عَّم: ((إن الهجرة لا تنقطع ما كان الجهاد)). وأما
حديث عبد الله بن عمر فأخرجه أحمد في (مسنده) في رواية شهر، قال: سمعت عبد الله بن
عمر سمعت رسول الله، عَّهِ يقول: ((لتكونن هجرة بعد هجرة إلى مهاجر أبيكم إبراهيم،
عليه الصلاة والسلام)). وأما حديث ثوبان فأخرجه البزار في (مسنده) من رواية أبي الأشعث
الصنعاني عن ابن عثمان عن ثوبان، قال: قال رسول الله، عَ له: ((لا تنقطع الهجرة ما قوتل
الكفار، وأما حديث محمد بن حبيب النصري فأخرجه البزار أيضاً من رواية أبي إدريس
عمدة القاري/ ج١٤ م٨

١١٤
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (١)
الخولاني عن ابن السعدي عن محمد بن حبيب النصري، قال: قال رسول الله، عَ لّه، فذكره
بلفظ الذي قبله. وأما حديث فديك فأخرجه الطبراني في (الكبير) من رواية الزهري عن
صالح بن بشير بن فديك: أن جده فديكاً أتى النبي، عَ لَّه فقال له النبي، عَ لّ: ((أقم الصلاة
وآت الزكاة واهجر السوء واسكن من أرض قومك حيث شئت)» وهذا مرسل، فإن صالح
ابن بشير لم يسنده إلى جده، وإنما روى القصة من عنده مرسلة. وأما حديث واثلة بن الأسقع
فأخرجه الطبراني أيضاً من رواية عمرو بن عبد الله الحضرمي عن واثلة بن الأسقع، قال:
خرجت مهاجراً إلى رسول الله، عَّله ... الحديث، وفيه أن النبي، عَ لِّ قال له: ما حاجتك؟
قلت: الإسلام. فقال: هو خير لك. قال: وتهاجر؟ قلت: نعم. قال: هجرة البادية أو هجرة
الباتة؟ قلت: أيهما أفضل؟ قال: هجرة الباتة، وهجرة الباتة أن تثبت مع النبي، عَ لّه، وهجرة
البادية أن ترجع إلى باديتك ... الحديث.
وأما حديث صفوان بن أمية فأخرجه النسائي من رواية عبد الله بن طاوس عن أبيه عن
صفوان بن أمية، قال: قلت: يا رسول الله! إنهم يقولون: إن الجنة لا يدخلها إلاَّ من هاجر.
قال: ((لا هجرة بعد فتح مكة، لكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا)). وأما حديث يعلى بن
أمية فأخرجه النسائي أيضاً من رواية عبد الرحمن بن أمية عن يعلى بن أمية. قال: جئت رسول
الله، عَّله بأبي أمية، فقلت: يا رسول الله! بايع أبي على الهجرة. فقال رسول الله، عَ لَّه:
((أبايعه على الجهاد، وقد انقطعت الهجرة)). وأما حديث عمر، رضي الله تعالى عنه،
فأخرجه الأئمة الستة، وهو حديث: الأعمال بالنيات ... الحديث. وأما حديث أبي هريرة
فأخرجه ... وأما حديث ابن مسعود فأخرجه الطبراني بإسناد رجاله ثقات. وأما حديث أبي
مالك الأشعري فأخرجه الطبراني أيضاً من رواية عطاء الخراساني عن أبي مالك الأشعري: أن
رسول الله، عَّ له قال: إن الله أمرني أن آمركم بخمس كلمات: عليكم بالجهاد والسمع
والطاعة والهجرة ... الحديث. وأما حديث عائشة، رضي الله تعالى عنها، فأخرجه مسلم من
رواية عطاء عنها، قالت: سئل رسول الله، عٍَّ عن الهجرة. فقال: ((لا هجرة بعد الفتح)). وأما
حديث أبي فاطمة، فأخرجه النسائي من رواية كثير بن مرة أن أبا فاطمة حدثه أنه قال: يا
رسول الله! حدثني بعمل أستقيم عليه وأعمله)). قال له رسول الله، عَّه: ((عليك بالهجرة
فإنه لا مثل لها)).
٢٧٨٤/٣ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قال حدَّثنا خالِدٌ قال حدَّثنا حَبيبُ بنُ أبِي عُمْرَةَ عنْ
عائِشَةَ بِئْتِ طَلْحَةَ عنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها أنَّهَا قالتْ يا رسولَ الله ترَى الجِهَادَ
أَفْضَلَ العَمَلِ أَفَلاَ نُجَاهِدُ قال لَكُنَّ أَفْضلَ الجِهَادِ حَجٌ مَبْرُورٌ. [انظر الحديث ١٥٢٠
وأطرافه].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((ترى الجهاد أفضل العمل)) من حيث أنه، عَِّ، لم
يرد عليها أفضلية الجهاد من حيث هو جهاد، ولكنه جعل الحج المبرور من أفضل الجهاد،
ومع هذا كون الحج أفضل الجهاد في حقهن ((لقوله عَّ له: جهاد كن الحج))، وخالد هو ابن
:

:
١١٥
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيَرِ / باب (١)
عبد الله الطحان، وحبيب - ضد العدو - ابن أبي عمرة الأسدي القصاب. والحديث قد
مضى في كتاب الحج في: باب فضل الحج المبرور، فإنه أخرجه هناك: عن عبد الرحمن بن
المبارك عن خالد ... إلى آخره، والحج المبرور الذي لا إثم فيه، وقد مر الكلام فيه هناك.
٤ /٢٧٨٥ - حدّثنا إسْحَاقُ بنُ مَنْصُورٍ قال أخبرنَا عَفَّنُ قال حدَّثنَا هَمَّامٌ قال حدَّثنا
مُحَمَّدُ بنُ جُحَادَةَ قال أخْبَرِنِي أبو حَصين أنَّ ذَكْوَانَ قال حدَّثَهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى
عنه حدَّثَهُ قال جاءَ رجلٌ إلى رسولِ اللهِ، عَ لَّه فقال دُلَّنِي عَلى عمَلٍ يَعْدِلُ الجِهَادَ قال لا
أجِدُهُ قال هَلْ تَسْتَطِيعُ إِذَا خَرَجَ المُجَاهِدُ أنْ تَدْخُلَ مَسْجِدَكَ فَتَقُوَمَ ولاَ تَفْتُرَ وتَصُومَ ولا
تَفْطِرَ قال ومَنْ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ. قال أَبُو هُرَيْرَةَ إِنَّ فَرَسَ الْمُجَاهِدِ لَيَسْتَنُّ في ◌ِوَلِهِ فَيُكْتَبُ لَهُ
حَسَنَاتٍ. [الحديث مر سابقاً].
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ذكر رجاله: وهم سبعة: الأول: إسحاق بن منصور، وكذا وقع منسوباً إلى أبيه في
رواية الأصيلي وابن عساكر، وفي رواية الأكثرين غير منسوب، وقال أبو علي الجياني: لم أره
منسوباً لأحد، وهو إما إسحاق بن راهويه، وإما إسحاق بن منصور. الثاني: عفان، بتشديد
الفاء: ابن مسلم الصفار الأنصاري. الثالث: همام، بالتشديد: ابن يحيى بن دينار العوذي
الأزدي الشيباني. الرابع: محمد بن جحادة، بضم الجيم وتخفيف الحاء المهملة الأيامي،
ويقال: الأزدي. الخامس: أبو حصين، بفتح الحاء المهملة وكسر الصاد المهملة: واسمه
عثمان بن عاصم الأسدي. السادس: ذكوان، بفتح الذال المعجمة: أبو صالح السمان
الزيات. السابع: أبو هريرة.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، وبصيغة الإفراد
في موضعين. وفيه: الإخبار بصيغة الجمع في موضع وبصيغة الإفراد في موضع. وفيه: القول
في موضعين. وفيه: أن شيخه إن كان ابن راهويه فهو مروزي، وإن كان إسحاق ابن منصور
فهو مروزي أيضاً، وأن عفان وهمام بصريان. وأن عثمان ومحمد بن جحادة كوفيان، وأن
ذكوان مدني.
والحديث أخرجه النسائي في الجهاد أيضاً عن أبي قدامة السرخسي عن عفان.
ذكر معناه: قوله: ((يعدل الجهاد)) أي: يساويه ويماثله. قوله: ((قال: لا أجده)) كلام
النبي، عَ لِّ، أي: قال: لا أجد عملاً يعدل الجهاد. قوله: ((قال: هل تستطيع))، كلام مستأنف
من النبي، عَّهِ، وقال مسلم: حدثنا سعيد بن منصور حدثنا خالد بن عبد الله الواسطي عن
سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال: للنبي عَّ ◌ُله: ما يعدل الجهاد في سبيل الله؟
قال: لا تستطيعوه، قال: فأعادوا عليه مرتين أو ثلاثاً، كل ذلك يقول: لا تستطيعوه، قال في
الثالثة: ((مثل المجاهد في سبيل الله كمثل القائل بآيات الله لا يفتر من صيام ولا صلاة حتى
يرجع المجاهد في سبيل الله)). وحذف النون في: لا تستطيعونه، بغير جازم ولا ناصب لغة.

١١٦
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيرِ / باب (٢)
قوله: ((فتقوم))، بالنصب عطف على: أن تدخل، قوله: ((ولا تفتر، وتصوم ولا تفطر))، كلها
منصوبة. قوله: ((قال: ومن يستطيع؟)) كلام الرجل المذكور. قوله: ((ليستن))، أي: ليمرح
بنشاط، وأصله من الاستنان، وهو العدو. قال الجوهري: الاستنان أن يرفع رجليه ويطرحهما
معاً، ويقال: أن يلح في عدوه مقبلاً أو مدبراً، ومن جملة الأمثال: استنت الفصال حتى
القرعى، يضرب لمن يتشبه بمن هو فوقه. قوله: ((في طوله))، بكسر الطاء المهملة وفتح الواو،
وهو: الحبل الذي تشد به الدابة. ويمسك طرفه ويرسل في المرعى. قوله: ((فيكتب له
حسنات)) أي: يكتب له الاستنان حسنات، وحسنات منصوب على أنه مفعول ثان، وهذا
القدر ذكره أبو حصين عن أبي صالح، موقوفاً، وسيأتي في: باب الخيل ثلاثة من طريق زيد
ابن أسلم مرفوعاً.
٢ - بابٌ أَفْضَلُ النَّاسِ مُؤْمِنٌ يُجَاهِدُ بنَفْسِهِ ومالِهِ في سَبِيلِ اللهِ
أي: هذا باب يذكر فيه أفضل الناس إلى آخره قوله: ((مجاهد)» صفة لقوله مؤمن وفي
رواية الكشميهني يجاهد بلفظ المضارع.
وقَوْلُهُ تعَالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ علَى تِجَارَةٍ تَنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أليم
تُؤْمِنُونَ بالله ورسوله وِتُجَاهِدُونَ في سَبِيلِ الله بأمْوَالِكُمْ وأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِنَّ
كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرُ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلَكُمَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَخْتِهَا الأَنْهَارُ ومَسَاكِنَ
طَيِبَةً في جَنَّاتٍ عَدْنٍ ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [الصف: ١٠ - ١٢].
وقوله، بالرفع عطف على قوله: أفضل الناس، لأنه مرفوع بالابتداء وخبره قوله: مؤمن،
هاتان آيتان من سورة الصف فيهما إرشاد للمؤمنين إلى طريق المغفرة. قالوا: النداء بقوله: ﴿يا
أيها الذين آمنوا﴾ [الصف: ١٠]. للمخلصين، وقيل: عام. قوله: ﴿هل أدلكم﴾ [الصف:
١٠]. استفهام في اللفظ إيجاب في المعنى. قوله: ﴿تنجيكم﴾ [الصف: ١٠]. أي:
تخلصكم وتبعدكم ﴿من عذاب إليم﴾ [الصف: ١٠]. قرأ ابن عامر بالتشديد من: التنجية،
والباقون بالتخفيف من الإنجاء. قوله: ﴿تؤمنون﴾ [الصف: ١١]. استئناف كأنهم قالوا:
كيف نعمل؟ فبين ما هي؟ فقال: تؤمنون، وهو خبر في معنى الأمر، ولهذا أجيب بقوله:
﴿يغفر لكم﴾ [الصف: ١٢]. قوله: ﴿وتجاهدون﴾ [الصف: ١١]. عطف على: تؤمنون،
وإنما جيء على لفظ الخبر للإيذان بوجوب الامتثال، كأنها وجدت وحصلت. قوله:
﴿ذلكم﴾ [الصف: ١١]. أي: ما ذكر من الإيمان والجهاد ﴿خير لكم﴾ [الصف: ١١] من
أموالكم وأنفسكم ﴿إن كنتم تعلمون﴾ [الصف: ١١]. أنه خير لكم. قوله: ﴿يغفر لكم﴾
[الصف: ١٢] قيل: إنه جواب لقوله: ﴿هل أدلكم﴾ [الصف: ١٠]. ووجهه أن متعلق الدلالة
هو التجارة، وهي مفسرة بالإيمان والجهاد، فكأنه قيل: هل تتجرون بالإيمان والجهاد يغفر
لكم؟ وعن ابن عباس: أنهم قالوا: لو نعلم أحب الأعمال إلى الله تعالى لعملناها، فنزلت هذه
الآية، فمكثوا ما شاء الله يقولون: ليتنا نعلم ما هي؟ فدلهم الله بقوله: تؤمنون، وهذا يدل على

١١٧
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (٢)
أن: تؤمنون، كلام مستأنف. قوله: ﴿ويدخلكم﴾ [الصف: ١٢]. عطف على ﴿يغفر لكم﴾
[الصف: ١٢].
٢٧٨٦/٥ - حدّثنا أبو اليَمَانِ قال أخبرنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قال حدَّثني عَطاءُ بنُ
تَزِيدَ اللَّيْنِيُّ أنَّ أَبَا سَعِيدٍ الخُذْرِيَّ رضي الله تعالى عنه حدَّثَهُ قال قِيلَ يا رسولَ الله أيُّ النَّاسِ
أَفْضلُ فقالَ رسولُ اللهِ عَلَِّ مُؤْمِنٌ يُجَاهِدُ في سَبِيلِ الله بِنَفْسِهِ ومالِهِ قالُوا ثُمَّ مَنْ قالَ مُؤْمِنٌ
في شغبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَتَّقِي الله ويدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ. [الحديث ٢٧٨٦ - طرفه في:
٦٤٩٤].
مطابقته للترجمة في قوله: ((مؤمن مجاهد في سبيل الله بنفسه وماله)).
ورجاله قد تكرر ذكرهم وأبو اليمان الحكم بن نافع الحمصي، وشعيب هو ابن أبي
حمزة الحمصي.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الرقاق. وأخرجه مسلم في الجهاد عن عبد الله بن
عبد الرحمن وعن منصور بن أبي مزاحم وعن عبد بن حميد. وأخرجه أبو داود فيه عن أبي
الوليد الطيالسي. وأخرجه الترمذي فيه عن أبي عمار الحسين بن حريث، وأخرجه النسائي فيه
عن كثير بن عبيد. وأخرجه ابن ماجه في الفتن عن هشام بن عمار.
قوله: ((مؤمن مجاهد)) أي: أفضل الناس مؤمن مجاهد، قالوا: هذا عام مخصوص
تقديره: هذا من أفضل الناس، وإلاَّ فالعلماء أفضل، وكذا الصديقون، كما جاءت به
الأحاديث، ويدل على ذلك أن في بعض طرق النسائي كحديث أبي سعيد: أن من خير
الناس رجلاً عمل في سبيل الله على ظهر فرسه. قوله: ((في شعب))، بكسر الشين المعجمة
وسكون العين المهملة، وفي آخره باء موحدة هو ما انفرج بين الجبلين، وهو خارج على
سبيل المثال لا للقيد بنفس الشعب، وإنما المراد العزل والانفراد عن الناس، ولما كان
الشعاب الغالب عليها خلوها عن الناس ذكرت مثلاً، وهذا كقوله في الحديث الآخر:
وليسعك بيتك.
وفيه: فضل العزلة والانفراد عند خوف الفتن على المخالطة، وأما عند عدم الفتن فقال
النووي مذهب الشافعي وأكثر العلماء: أن الاختلاط أفضل بشرط رجاء السلامة من الفتن،
ومذهب طوائف: أن الاعتزال أفضل. قلت: يدل لقول الجمهور («قوله عَُّلّ: المؤمن الذي
يخالط الناس ويصبر على أذاهم أعظم أجراً من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على
أذاهم))، رواه الترمذي في أبواب الزهد، وابن ماجه.
٦/ ٢٧٨٧ - حدّثنا أبُو اليَمَانِ قال أُخْبَرَنا شُعَيْبٌ عِنِ الزُّهْرِيِّ قال أخْبرني سَعيدُ بنُ
المُسَيَّبِ أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قال سَمِعْتُ رسولَ الله عَ لَه يَقُولُ مَثَلُ المُجَاهِدِ في سَبِيلِ الله والله
أَعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ في سَبِيلِهِ كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ وتَوَكَّلَ الله لِلْمُجَاهِدِ في سَبِيلِهِ بِأنْ
يَتَوَفَّاهُ أَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ أوْ يَرْجِعَهُ سَالِماً مَعَ أَجْرٍ أَوَ غَنِيمَةٍ. [انظر الحديث ٣٦ وأطرافه].

١١٨
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيَّرِ / باب (٢)
مطابقته للترجمة ظاهرة.
والحديث أخرجه النسائي في الجهاد عن عمرو بن عثمان بن سعيد عن أبيه عن
شعيب به:
قوله: ((والله أعلم بمن يجاهد في سبيله)) وقع جملة معترضة يعني: الله أعلم بعقد نيته
إن كانت خالصة لإعلاء كلمته، فذلك المجاهد في سبيل الله، وإن كان في نيته حب
المال والدنيا واكتساب الذكر بها، فقد أشرك مع سبيل الله سبيل الدنيا، وفي (المستدرك)
على شرطهما، أي: المؤمن أكمل إيماناً. قال: الذي يجاهد في سبيل الله بماله ونفسه. قوله:
((كمثل الصائم القائم)) زاد النسائي من هذا الوجه: الخاشع الراكع الساجد، وفي (الموطأ)
وابن حبان: كمثل الصائم القائم الدائم الذي لا يفتر من صيام ولا صلاة حتى يرجع، وفي
رواية أحمد والبزار من حديث النعمان بن بشير مرفوعاً: مثل المجاهد في سبيل الله كمثل
الصائم نهاره القائم ليله، مثله بالصائم لأنه ممسك لنفسه عن الأكل والشرب واللذات،
وكذلك المجاهد ممسك لنفسه على محاربة العدو وحابس نفسه على من يقاتله.
قوله: ((وتوكل الله))، أي: ضمن الله بملابسة التوفي الجنة وبملابسة عدم التوفي الرجع
بالأجر أو الغنيمة. قال الكرماني: يعني: لا يخلو من الشهادة أو السلامة، فعلى الأول: يدخل
الجنة بعد الشهادة في إليحال، وعلى الثاني: لا ينفك من أجر أو غنيمة مع جواز الاجتماع
بينهما فهي قضية مانعة الخلو لا مانعة الجمع، ووقع في رواية مسلم: ((تضمن الله لمن خرج
في سبيله لا يخرجه إلا إيمان بي .. )) وفي رواية لمسلم من طريق الأعرج، عنه بلفظ: تكفل
الله لمن جاهد في سبيله لا يخرجه من بيته إلاّ جهاد في سبيله وتصديق كلمته، وكذلك
أخرجه مالك في (الموطأ) عن أبي الزناد. وفي رواية الدارمي من وجه آخر عن أبي الزناد،
بلفظ: لا يخرجه إلاّ الجهاد في سبيل الله وتصديق كلماته، ولفظ: الضمان والتكفل والتوكل
والانتداب الذي وقع في الأحاديث كلها بمعنى: تحقيق الوعد على وجه الفضل منه، وعبَّر،
عَّ له، عن الله سبحانه وتعالى بتفضيله بالثواب بلفظ الضمان ونحوه بما جرت به العادة بين
الناس بما تطمئن به النفوس، وتركن إليه القلوب. قوله: ((بأن يتوفاه أن يدخله الجنة))، أي:
بأن يدخله الجنة، و: أن، في الموضعين مصدرية، تقديره: ضمن الله بتوفيه بدخول الجنة،
وفي رواية أبي زرعة الدمشقي عن أبي اليمان: إن توفاه، بالشرط والفعل الماضي أخرجه
الطبراني. قوله: ((أن يدخله الجنة)) أي: بغير حساب ولا عذاب، أو، المراد: يدخله الجنة
ساعة موته وقال ابن التين: إدخاله الجنة يحتمل أن يدخلها إثر وفاته تخصيصاً للشهيد، أو
بعد البعث، ويكون فائدة تخصيصه أن ذلك كفارة لجميع خطاياً المجاهد، ولا توزن مع
حسناته.
قوله: ((أو يرجعه))، بفتح الياء تقديره: أو أن يرجعه، بالنصب عطفاً على أن يتوفاه.
قوله: ((سالماً) حال من الضمير المنصوب في يرجعه. قوله: ((مع أجر أو غنيمة))، إنما أدخل،
وههنا قيل: لأنه قد يرجع مرة بغنيمة دون أجر، وليس كذلك على ما يجيء الآن، بل أبداً

١١٩
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيرِ / باب (٣)
يرجع بالأجر كانت غنيمة أو لم تكن، قاله ابن بطال. وقال ابن التين والقرطبي: إن، أو، هنا
بمعنى الواو الجامعة على مذهب الكوفيين، وقد سقطت في أبي داود وفي بعض روايات
مسلم، وبه جزم ابن عبد البر، ورجحه التوربشتي شارح (المصابيح) والتقدير: أو يرجعه بأجر
وغنيمة، وكذا وقع عند النسائي من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة،
بالواو أيضاً، وذهب بعضهم إلى أن: أو، على بابها وليست بمعنى: الواو، أي: أجر لمن لم
يغنم أو غنيمة ولا أجر، وهذا ليس بصحيح لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعاً: ((ما
من غازية تغزو في سبيل الله فيصيبون الغنيمة إلاَّ تعجلوا ثلثي أجرهم من الأجرة، ويبقى لهم
الثلث، فإن لم يصيبوا غنيمة تم لهم أجرهم)). فبهذا يدل على أنه لا يرجع أصلاً بدون الأجر،
ولكنه ينقص عند الغنيمة. فإن قلت: ضعف هذا الحديث لأن فيه حميد بن هانىء وهو غير
مشهور. قلت: هذا كلام لا يلتفت إليه لأنه ثقة محتج به عند مسلم، وقد وثقه النسائي وابن
یونس وغيرهما، ولا یعرف فيه تجریح لأحد.
٣ - بابُ الدُّعَاءِ بالجِهَادِ والشَّهَادَةِ لِلرِّجَالِ والنِّساءِ
أي: هذا باب في بيان الدعاء بالجهاد بأن يقول: اللهم ارزقني الجهاد، أو أللهم
اجعلني من المجاهدين. قوله: ((والشهادة))، أي: الدعاء بالشهادة، بأن يقول: اللهم ارزقني
الشهادة في سبيلك. قوله: ((للرجال والنساء))، متعلق بالدعاء، وأشار به إلى أن هذا غير
مخصوص بالرجال، وإنما هم والنساء في ذلك سواء.
وقال غُمَرُ ارْزُقْنِي شَهَادَةً فِي بَلَدِ رسولِكَ
هذا التعليق مطابق للدعاء بالشهادة في الترجمة، وقد مضى هذا موصولاً في آخر
الحج بأتم منه، رواه عن يحيى بن بكير عن الليث عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال
عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر، رضي الله تعالى عنه، اللهم ارزقني شهادة في سبيلك
واجعل موني في بلد رسولك. وأخرجه ابن سعد في (الطبقات الكبير) عن حفصة، رضي الله
تعالى عنها، زوج النبي عَّ أنها سمعت أباها يقول: اللهم ارزقني قتلاً في سبيلك، ووفاةً في
بلدة نبيك، قالت: قلت: وأنَّى ذاك؟ قال: إن الله يأتي بأمره أنَّى شاء.
٧ / ٢٧٨٨ - ٢٧٨٩ - حدّثنا عبْدُ الله بنُ يُوسُفَ عنْ مالِكِ عنْ إِسْحَاقَ بنِ عَبْدِ
اللهِ بنِ أبي طَلْحَةَ عِنْ أَنَسٍ بنِ مالِكِ رضي الله تعالى عنه أنَّهُ سَمِعَهُ يَقولُ كانَ رسولُ الله
عَّلِ يَدْخُلُ عَلى أُمْ حَرَامٍ بِنْتَ مِلْحانَ فَتُطْعِمُهُ وكانَتْ أُمُّ حَرامٍ تَحْتَ عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ
فَدَخَلَ عَلَيْهَا رسولُ اللهِ عَلِ فَأطْعَمَتْهُ وجَعَلَتْ تَفْلِي رَأْسَهُ فَنَامَ رَسُولُ اللهِعَ لَّهِ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ
وهُوَ يَضْحَكُ قالَتْ فَقُلْتُ وما يُضْحِكُكَ يا رسولَ الله قال ناسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً
فِي سَبِيلِ الله يَزْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا البَخرِ مُلُوكاً عَلَى الأسِرَّةِ أو مِثْلَ الْمُلُوكِ عَلى الأسِرَّةِ شَكَّ
إِسْحَاقُ قَالَتْ فَقُلْتُ يا رسولَ الله ادْعُ الله أنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ فَدَعَا لَهَا رسولُ اللهِعَ لَّه وضَعَ
رأسَهُ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وهْوَ يَضْحَكُ فَقُلْتُ وما يُضْحِكُكَ يا رسولَ الله قال ناسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا

١٢٠
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسِيَّرِ / باب (٣)
عليَّ غُزاةً في سَبِيلِ الله كَمَا قال في الأوَّلِ قَالَتْ فَقُلْتُ يا رسولَ اللهِ ادْعُ اللَّه أَنْ يَجْعَلَنِي
مِنْهُمْ قال أَنْتِ مِنَ الأَوَّلِينَ فِرَكِبَتِ البَحْرَ في زَمانِ مُعَاوِيَةَ بنِ أَبِي سُفْيَانَ فَصُرِعَتْ عِنْ دَابَّتِهَا
حِينَ خَرَجَتْ مِنَ البَخْرِ فَهَلَكَتْ. [الحديث ٢٧٨٨ - أطرافه في: ٢٧٩٩، ٢٨٧٧، ٢٨٩٤،
٦٢٨٢، ٧٠٠٢]. [الحديث ٢٧٨٩ - أطرافه في: ٢٨٠٠، ٢٨٧٨، ٢٨٩٥، ٢٩٢٤،
٦٢٨٣، ٧٠٠٢].
قيل: لا مطابقة بين الحديث والترجمة، لأن الحديث ليس فيه تمني الشهادة، وإنما فيه
تمني الغزو. وأجيب: بأن الثمرة العظمى من الغزو هي الشهادة، وقيل: حاصل الدعاء بالشهادة
أن يدعو الله أن يمكن منه كافراً يعصي الله فيقتله، واعترض بأن تمني معصية الله لا تجوز لا
له ولا لغيره، ووجَّه بعضهم بأن القصد من الدعاء نيل الدرجة المرفوعة المعدة للشهداء، وأما
قتل الكافر فليس مقصود الداعي، وإنما هو من ضروريات الوجود، لأن الله تعالى أجرى حكمه
أن لا ينال تلك الدرجة إلاَّ شهيد.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الرؤيا عن عبد الله بن
يوسف أيضاً وفي الاستئذان عن إسماعيل. وأخرجه مسلم أيضاً في الجهاد عن يحيى بن
يحيى. وأخرجه أبو داود فيه عن القعنبي، وأخرجه الترمذي فيه عن إسحاق بن موسى عن
معن، وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن سلمة والحارث بن مسكين، كلاهما عن عبد
الرحمن بن القاسم ستتهم عن مالك به، وقال الترمذي: حسن صحيح. وأخرج الترمذي أيضاً
هذا الحديث من مسند أم حرام من رواية عبد الله بن عبد الرحمن أبي طوالة عن أنس عن أم
حرام، وقد اختلف فيه على أنس فقيل: عنه عن النبي، عَّةٍ وقيل: عن أنس عن أم حرام،
واختلف فيه أيضاً على أبي طوالة، فقال زائدة بن قدامة: عن أبي طوالة عن أنس عن أم حرام
عن النبي، عَّهِ، وقال إسماعيل بن جعفر: عن أبي طوالة عن أنس عن النبي، عَِّ، ورواه أبو
داود من رواية عطاء بن يسار عن أخت أم سليم الرميصاء قالت: نام رسول الله عَ ليه ... ثم
ذكر معناه، والحاصل أن الأئمة الستة، ما خلا الترمذي، أخرجوا هذا الحديث عن أم حرام
من رواية محمد بن يحيى بن حبان عن أنس بن مالك عن أم حرام، وهي خالة أنس، قالت:
أتانا النبي، عَّهِ يوماً ... الحديث.
ذكر معناه: قوله: ((كان رسول الله عَّه يدخل على أم حرام))، حرام - ضد حلال -
بنت ملحان، بكسر الميم وسكون اللام وبالحاء المهملة وفي آخره نون: ابن خالد بن زيد بن
حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار، زوج عبادة بن الصامت وأخت أم
سليم، وخالة أنس بن مالك، وقال أبو عمر: ولا أقف لها على اسم صحيح، وأظنها أرضعت
النبي، عَّله وأم سليم أرضعته أيضاً، إذ لا يشك مسلم أنها كانت منه بمحرم، وقد أنبأنا غير
واحد من شيوخنا عن أبي محمد بن فطيس عن يحيى بن إبراهيم بن مزبن قال: إنما استجاز
رسول الله عَّ لله أن تغلي أم حرام رأسه لأنها كانت منه ذات محرم من قبل خالاته، لأن أم
عبد المطلب كانت من بني النجار، وقال يونس بن عبد الأعلى: قال لنا وهب: أم حرام