النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١ ٥٥ _ كِتَابُ الوَصَايا / باب (٢٢) قوله: ((بإكمال الصداق)» بيان للإلحاق بسنتها. ٢٢ - بابُ قَوْلِ الله تعالى ﴿وابتلُوا اليَتَامَى حَتَّى إذا بلَغُوا النِّكَاحَ فإنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فاذفَعُوا إِلَيْهِمْ أُمْوَالَهُمْ ولا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وبِداراً أن يَكْبَرُوا ومنْ كانَ غَنِيَّاً فَلْيَسْتَعْفِفِ ومِنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بالمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وِكفى بالله حسيباً للرّجَالِ نَصِيبٌ مَمَّا تَرَكَ الوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وللنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الوَالِدَانِ والأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً﴾ [النساء: ٦ - ٧] حَسِيباً يَغْنِي كافِياً. في رواية الأصيلي وكريمة سبق من قوله: ﴿وابتلوا اليتامى﴾ إلى قوله: ﴿نصيباً مفروضاً﴾ [النساء: ٦ - ٧]. وفي رواية أبي ذر من قوله: ﴿فإن آنستم منهم رشداً .. ﴾ إلى آخرها، أعني: إلى قوله: ﴿نصيباً مفروضاً﴾ [النساء: ٦ - ٧]. قوله: ﴿وابتلوا اليتامى﴾ [النساء: ٦ - ٧]. أي: اختبروهم. قاله ابن عباس ومجاهد والحسن والسدي ومقاتل بن حيان. قوله: ﴿حتى إذا بلغوا النكاح﴾ [النساء: ١٣]. قال مجاهد، يعني: الحلم، وقال الجمهور من العلماء: البلوغ في الغلام تارة يكون بالحلم، وهو أن يرى في منامه ما ينزل به الماء الدافق الذي يكون منه الولد، وقد روى أبو داود في (سننه) عن علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه، قال: حفظت من رسول الله، عَّ ◌ُلِ لا يتم بعد احتلام ولا صمات يوم إلى الليل أو يستكمل خمس عشرة سنة، وأخذوا ذلك من حديث عبد الله بن عمر: عرضت على النبي، عَّهِ يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة، فلم يجزني، وعرضت عليه يوم الخندق، وأنا ابن خمس عشرة فأجازني. قوله: ((رشداً) أي: صلاحاً في دينهم وحفظاً لأموالهم، كذا روي عن ابن عباس ومجاهد والحسن البصري وغير واحد من الأئمة. قوله: ﴿ولا تأكلوها إسرافاً وبداراً﴾ [النساء: ٦ - ٧]. يعني: من غير حاجة ضرورية إسرافاً ومبادرة قبل بلوغهم، والخطاب للأولياء والأوصياء، فانتصاب: إسرافاً وبداراً، على الحال، أي: مسرفين ومبادرين. قوله: ﴿أن يكبروا﴾ [النساء: ١٢ - ١٣]. أي: حذراً من أن يكبروا، أي: يبلغوا ويلزموكم بالتسليم إليهم. قوله: ﴿فليستعفف﴾ [النساء: ١٢ - ١٣]. أي: بماله عن مال اليتيم، يقال: استعفف وعف: إذا امتنع، ويقال: معناه من كان في غنية عن مال اليتيم فليتعفف عنه، وقال الشعبي: هو عليه كالميتة والدم. قوله: ﴿ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف﴾ [النساء: ١٢ - ١٣]. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا محمد بن سعيد الأصبهاني حدثنا علي بن مسهر عن هشام عن عائشة، قالت: أنزلت هذه الآية في والي اليتيم: ﴿من كان غنياً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف﴾ [النساء: ١٢ - ١٣]. بقدر قيامه عليه، وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الوهاب حدثنا حسين عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رجلاً سأل رسول الله، عَّله، فقال: ليس لي مال ولي يتيم. ((فقال: كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبذر ولا متأثل مالاً، ومن غير أن تقي مالك، أو قال: تفدي مالك))، وفي كيفية الأكل بالمعروف أن يأكل بأطراف أصابعه ولا يسرف ولا يلبس من ذلك، قاله عمدة القاري/ ج١٤ م٦ ٨٢ ٥٥ - كِتَابُ الوَصَايا / باب (٢٢) السدي. وقال النخعي: لا يلبس الكتان ولا الحلل ولكن ما يستر العورة ويأكل ما يسد الجوعة. وقيل: هو أن يأكل من ثمر نخله ولبن مواشيه، ولا قضاء عليه، فأما الذهب والفضة فلا، فإن أخذ منه شيئاً فلا بد أن يرده عليه، قاله الحسن وجماعة. وقال القرطبي: إن كان غنياً فأجره على الله، وإن كان فقيراً فليأكل بالمعروف وينزل نفسه منزلة الأجير فيما لا بد له منه، وقال عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه: نزلت نفسى من مال الله تعالى بمنزلة مال اليتيم، فإن استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف، وإذا أيسرت قضيت. وقال الفقهاء: له أن يأكل أقل الأمرين أجرة مثله، أو قدر حاجته. واختلفوا: هل يرد إذا أيسر؟ على قولين، عند الشافعية: أحدهما: لا، لأنه أكل بأجرة عمله، وكان فقيراً، وهذا هو الصحيح عندهم، لأن الآية أباحت الأكل من غير بدل، وقال ابن وهب: حدثني نافع بن أبي نعيم القاري: قال: سألت يحيى بن سعيد الأنصاري وربيعة عن قول الله تعالى: ﴿ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف﴾ [النساء: ٦]. قالا: ذلك في اليتيم إن كان فقيراً أنفق عليه بقدر فقره، ولم يكن للولي منه شيء، وذكر ابن الجوزي أن هذه الآية محكمة، وقيل: منسوخة بقوله: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ [البقرة: ١٨٨]. ولا يصح ذلك، قلت: القائل بأنها منسوخة زيد بن أسلم. قوله: ﴿فأشهدوا عليهم﴾ [النساء: ٦]. يعني: بعد بلوغهم الحلم وإيناس الرشد،. والإشهاد من باب الندب خوف الإنكار منهم، وقيل: إن الإشهاد من باب الندب خوف الإنكار منهم، وقيل: إن الإشهاد منسوخ بقوله: ﴿وكفى بالله حسيباً﴾ [النساء: ٦]. أي: شهيداً أو كافياً من الشهود، وهذا قول أبي حنيفة: إن القول قول الوصي في الدفع، وقيل: معناه: عالماً، وقيل: محاسباً، وقيل: مجازياً والباء في: كفى بالله، صلة، و: حسيباً، منصوب على الحال. وقيل: على التمييز. قوله: ﴿للرجال نصيب﴾ [النساء: ٧]. قال سعيد بن جبير وقتادة: كان المشركون يجعلون المال للرجال الكبار ولا يورثون النساء ولا الأطفال شيئاً، فأنزل الله: ﴿للرجال نصيب﴾ [النساء: ٧]. وفي (خلاصة البيان): مات أوس بن ثابت الأنصاري وترك ثلاث بنات وامرأة، فقام رجلان من بني عمه، فأخذا ماله ولم يعطيا امرأته ولا بناته شيئاً، فجاءت امرأته إلى النبي، عَ ليهِ، فذكرت له ذلك، فنزلت هذه الآية، وكانوا يورثون الرجال ممن طاعن بالرمح وحاز الغنيمة، فأبطل الله ذلك، فأرسل النبي، عَّ له إليهما، ((وقال: لا تفرقا من مال أوس شيئا. فإن الله جعل لبناته نصيباً). ولم يبين كم هو: حتى أنظر ما ينزل فيهن، فأنزل الله تعالى: ﴿يوصيكم الله﴾ [النساء: ١١]. الآية، قال الذهبي: أم كجة زوجة أوس بن ثابت، فيها نزلت آية المواريث، وقال أيضاً: قتل أوس يوم أحد، رضي الله تعالى عنه، قوله: ﴿مما قل منه أو كثر﴾ [النساء: ٦]. أي: الجميع فيه سواء في حكم الله تعالى، يستوون في أصل الوراثة إن تفاوتوا بحسب ما فرض الله لكل واحد منهم بما يدلي به إلى الميت من قرابة أو زوجة أو ولاء، فإنه لحمة كلحمة النسب. قوله: ((مفروضاً)) أي: مقدراً، قوله: ((حسيباً) يعني: كافياً، كذا وقع في الأكثرين، وسقط لفظ: يعني، في رواية أبي ذر. 1 ٨٣ ٥٥ _ كِتَابُ الوَصَايا / باب (٢٣) ٢٣ - باب وما لِلْوَصِيِّ أنْ يَعْمَلَ في مال اليَّتِيمِ وما يَأْكُلُ مِنْهُ بِقَدْرٍ عُمَالَتِهِ في بعض النسخ باب ما للوصي ... إلى آخره، وفي رواية الأكثرين: وما للوصي، وفي رواية أبي ذر: وللوصي أن يعمل ... إلى آخره، بدون كلمة: ما، ورواية أبي ذر تدل على أن: ما، غير نافية، لأن الوصي له البيع والشراء في مال اليتيم بمال يتغابن الناس في مثله، ولا يجوز بما لا يتغابن الناس، لأن الولاية نظرية ولا نظر فيه، ولا يتجر في مال اليتيم، لأن المفوض إليه الحفظ دون التجارة. قوله: ((بقدر عمالته))، بضم العين المهملة وتخفيف الميم، وهي رزق العامل، أي: بقدر حق سعيه وأجر مثله. ٢٦/ ٢٧٦٤ - حدّثنا هارُونُ قال حدَّثنا أَبُو سَعِيدٍ مَوْلَى بَنِي هاشِم قال حدَّثنا صَخْرُ بنُ مُجُوَيْرِيَةَ عنْ نافِعِ عنِ ابنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهُما أنَّ عُمَرَ تَصَدَّقَ بِمالٍ لَهُ على عَهْدِ رسولِ الله، عَّه وَكَانَ يُقالُ لَهُ ثَمْغٌ وكانَ نَخْلاً فقالَ عُمَرُ يا رسولَ الله إنِّي اسْتَفَدْتُ مالاً وهْوَ عِنْدِي نَفِيسٌ فَأرَدْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ به فقال النبيُّ عَُّالَّ تَصَدَّقَ بأصْلِهِ لا يُباعُ ولا يُوهَبُ ولا يُورَثُ ولُكِنْ يُنْفَقُ ثَمْرُهُ فَتَصَدَّقَ بِهِ عُمَرُ فَصَدَقَتُهُ ذُلِكَ في سَبِيلِ الله وفِي الرِّقَابِ والمَسَاكِينِ والصِّيْفِ وابنِ السَّبِيلِ ولِذِي القُرْبى ولا جُنَاعَ على مَنْ وَلِيَهُ أنْ يأْكُلَ منْهُ بالمَعْرُوفِ أو يُوكِلَ صَدِيقَهُ غَيْرُ مُتَمَوَّل بِهِ. [انظر الحديث ٢٣١٣ وأطرافه]. قيل: وجه مطابقة الحديث للترجمة من حيث إن البخاري شبه الوصي بناظر الوقف، ووجه الشبه أن النظر للموقوف عليهم من الفقراء وغيرهم كالنظر لليتامى، ورد عليه بأن حديث ابن عمر هذا غير مطابق للترجمة، لأن عمر، رضي الله تعالى عنه، هو المالك لمنافع وقفه، ولا كذلك الوصي على أولاده، فإنهم إنما يملكون المال بقسمة الله عز وجل، وتمليكه، ولا حق لمالكه فيه بعد موته، فلذلك كان المختار أن وصي اليتيم ليس له الأكل من ماله إلاَّ أن يكون فقيراً فيأكل. واختلف في قضائه إذا أيسر. انتهى. وقال الكرماني: وجه مطابقة الحديث للترجمة من جهة أن المقصود جواز أخذ الأجر من مال اليتيم، لقول عمر: لا جناح على من وليه أن يأكل بالمعروف. انتهى. قلت: هذا أوجه من غيره، والحديث قد مضى عن قريب في باب الشروط في الوقف، وهنا ذكره بأتم من ذاك . . وهارون هو ابن الأشعث، بالشين المعجمة والعين المهملة والثاء المثلثة: أبو عمر الهمداني، بسكون الميم، أصله من الكوفة ثم سكن بخارى، ولم يخرج عنه البخاري في هذا . الكتاب سوى هذا الموضع، ووقع في رواية النسفي: حدثنا هارون، كذا بغير نسبة، ووقع عند أبي ذر وغيره: حدثنا هارون بن الأشعث، وزعم ابن عدي أنه: هارون بن يحيى المكي الزبيري، ولم يعرف من حاله بشيء، قيل: العمدة على رواية أبي ذر وغيره منسوباً، وأبو سعيد هو: عبد الرحمن بن عبد الله الحافظ، مات سنة سبع وسبعين ومائة، وصخر، بفتح الصاد المهملة وسكون الخاء المعجمة: ابن جويرية - مصغر جارية -، بالجيم، وهو من الأعلام المشتركة البصري. ٨٤ ٥٥ _ كِتَابُ الوَصَايا / باب (٢٤) قوله: ((ثمغ))، بفتح الثاء المثلثة وسكون الميم وبالغين المعجمة، وحكى المنذري فتح الميم. وقال أبو عبيد البكري: هي أرض تلقاء المدينة كانت لعمر، رضي الله تعالى عنه. قوله: ((فصدقته ذلك)) وفي رواية الكشميهني: فصدقته تلك، فوجه التأنيث ظاهر ووجه التذكير باعتبار المذكور. قوله: ((أو يوكل صديقه))، بضم الياء وكسر الكاف، وصديقه، منصوب به. قوله: ((غير متمول به))، حال، والضمير في: به، يرجع إلى المال الذي تصدق به عمر، ذكر المال وأراد به الأرض التي تسمى: ((ثمغ)). ٢٧٦٥/٢٧ - حدّثنا عُبَيْدُ بنُ إسْمَاعِيلَ قال حدَّثنا أَبُو أُسَامَةَ عنْ هِشامٍ عنْ أَبِيهِ عنْ عائِشَةَ رضي الله تعالى عنها ﴿ومنْ كانَ غَنِيَاً فلْيَسْتَغْفِفْ ومِنْ كانَ فَقِيراً فلْيَأْكُلْ بالمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] قالتْ أَنْزِلت في والِي اليَتِيمَ أَنْ يُصِيبَ مِنْ مالِهِ إذَا كانَ مُحْتَاجاً بِقَدْرِ مالِهِ بالمَعْرُوف. [انظر الحديث ٢٢١٢ وأطرافه]. مطابقته للترجمة ظاهرة، وعبيد - مصغر عبد - ابن إسماعيل، واسمه في الأصل: عبد الله، يكنى أبا محمد الهباري القرشي الكوفي، وهو من أفراد البخاري، وأبو أسامة حماد بن أسامة، وقد مر غير مرة يروي عن هشام بن عروة وهشام يروي عن أبيه عروة بن الزبير بن العوام عن عائشة أم المؤمنين، رضي الله تعالى عنها. والحديث أخرجه مسلم أيضاً في آخر الكتاب. قوله: ((في والي اليتيم))، وفي رواية المستملي: ((في والي مال اليتيم ... )) إلى آخره. قوله: ((بقدر ماله))، أي: إذا كان ولياً لليتامى يأخذ من كل واحد منهم بالقسط، وقال الكرماني: ويروى: ما له، بفتح اللام، أي: بقدر الذي له من العمالة. قوله: ((بالمعروف))، بیان له. ٢٤ - بابُ قَوْلِ الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ اليَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ ناراً وسَيَصْلَوْنَ سعَيراً﴾ [النساء: ١٠]. أي: هذا باب في بيان حال أكلة أموال اليتامى في قوله تعالى: ﴿إِن الَّذِينَ يأكلون﴾ [النساء: ١٠]. الآية، وهذا تهديد في أكل أموال اليتامى ظلماً، والمعنى: الذين يأكلون أموال اليتامى من حيث الظلم إنما يأكلون في بطونهم ناراً تتأجج فيها يوم القيامة، وتملأ بها بطونهم عياناً. قال الداودي: وهذه الآية أشد ما في القرآن على المؤمنين، لأنها خبراً لا أن يريد: مستحلين بها، قوله: ﴿وسيصلون سعيراً﴾ [النساء: ١٠]. مأخوذ من الصلا، والصلا والاصطلاء بالنار، وذلك التسخن بها، ثم استعمل في كل من باشر شدة أمر من الأمور من حرب أو قتال أو غير ذلك، وقراءة عامة أهل المدينة والعراق: سيصلون، على بناء المعلوم. وقرأ بعض الكوفيين وبعض المكيين على بناء المجهول، يعني: يحرقون من قولهم شاة مصلية يعني: مشوية، والسعير: شدة حر جهنم، وتقدير الكلام: وسيصلون ناراً مسعورة، أي: موقدة مشعلة شديداً حرها. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا عبدة أخبرنا أبو عبد الصمد ٨٥ ٥٥ ـ كِتابُ الوَصَايا / باب (٢٤) عبد العزيز بن عبد الصمد العمي، حدثنا أبو هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري، قال: قلنا: يا رسول الله! ما رأيت ليلة أسري بك؟ قال: ((انطلق بي إلى خلق من خلق الله كثير)) رجال، كل رجل له مشفران كمشفر البعير، وهو موكل بهم رجال يفكون لحي أحدهم ثم يجاء بصخرة من نار، فيقذف في في أحدهم حتى يخرج من أسفله، وله جؤار وصراخ. قلت: يا جبرائيل! من هؤلاء؟ قال: هؤلاء: ﴿الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً ... ﴾ [النساء: ١٠]. الآية. وقال السدي: يبعث آكل مال اليتيم يوم القيامة ولهب النار يخرج من فيه ومن مسامعه وأنفه وعينيه يعرفه من رآه يأكل مال اليتيم، وعن زيد بن أسلم عن أبيه، قال: هذه لأهل الشرك حين كانوا لا يورثونهم، ويأكلون أموالهم. ٢٧٦٦/٢٨ - حدَّثنا عبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله قال حدَّثني سُلَيْمَانُ بنُ بِلاَلٍ عنْ ثَوْرِ ابنِ زَيْدِ المَدَنِيّ عنْ أَبِي الغَيْثِ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ عنِ النَّبِيِّ عَ لّ قَال اجْتَبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ قالوا يا رسولَ الله وما هُنَّ قال الشِّرْكُ بالله والسَخْرُ وقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ الله إلاَّ بالحَقِّ وأكْلُ الرِّبا وأَكْلُ مالِ اليَتِيمِ والتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّخْفِ وقَذْفَ المُخْصَناتِ الْمُؤْمِنَاتِ الغَافِلاتِ. [الحديث ٢٧٦٦ - طرفاه في: ٥٧٦٤، ٦٨٥٧]. مطابقته للترجمة في قوله: ((وأكل مال اليتيم)). ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: عبد العزيز بن عبد الله بن يحيى أبو القاسم القرشي العامري الأوسي. الثاني: سليمان بن بلال أبو أيوب القرشي التيمي. الثالث: ثور، بلفظ الحيوان المشهور: ابن زيد الديلي. الرابع: أبو الغيث، مرادف المطر - واسمه: سالم مولى أبي مطيع القرشي. الخامس: أبو هريرة. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع وبصيغة الإفراد في موضع. وفيه: العنعنة في أربعة مواضع. وفيه: القول في موضع واحد. وفيه: أن شيخه من أفراده. وفيه: أن رجاله كلهم مدنيون. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الطب وفي المحاربين عن عبد العزيز المذكور. وأخرجه مسلم في الإيمان عن هارون بن سعيد الأيلي. وأخرجه أبو داود في الوصايا عن أحمد بن سعيد الهمداني. وأخرجه النسائي فيه وفي التفسير عن الربيع ابن سليمان. ذكر معناه: قوله: ((اجتنبوا))، أي: ابتعدوا، من الإجتناب من باب الافتعال من الجنب، وهو أبلغ من: أبعدوا واحذروا، ونحو ذلك. قوله تعالى: ﴿ولا تقربوا الزنا﴾ [الإسراء: ٣٢]. لأن نهي القربان أبلغ من نهي المباشرة. قوله: ((الموبقات)) أي: المهلكات، وهو جمع موبقة، من أوبق وثلاثيه: وبق يبق وبوقاً إذا هلك من، باب: ضرب يضرب، وجاء أيضاً: وبق يوبق وبقاً، من باب: علم يعلم، وجاء من باب: فعل يفعل بالكسر فيهما، قوله: ((الشرك بالله))، أي: أحدها: الشرك بالله، الشرك جعل أحد شريكاً لآخر، والمراد هنا: اتخاذ إلَّه غير ٨٦ ٥٥ _ كِتَابُ الوَصَايا / باب (٢٤) الله. قوله: ((والسحر)) أي: الثاني: السحر، وهو في اللغة: صرف الشيء عن وجهه، وقال الجوهري: السحر الأخذة، وكل ما لطف مأخذه ورق فهو سحر، وقد سحره سحراً، والساحر العالم، وسحره أيضاً بمعنى: خدعه، وذكر أبو عبد الله الرازي أنواع السحر ثمانية. الأول: سحر الكذابين والكشدانيين الذين كانوا يعبدون الكواكب السبعة المتحيرة، وهي السيارة، وكانوا يعتقدون أنها مدبرة للعالم، وأنها تأتي بالخير والشر، وهم الذين بعث الله إبراهيم الخليل عَِّ مبطلاً لمقالتهم، ورداً لمذاهبهم. الثاني: سحر أصحاب الأوهام والنفوس القوية. الثالث: الاستعانة بالأرواح الأرضية وهم الجن، خلافاً للفلاسفة والمعتزلة، وهم على قسمين: مؤمنون وكفار، وهم الشياطين، وهذا النوع يحصل بأعمال من الرقي والدخن، وهذا النوع المسمى بالعزائم وعمل تسخير. الرابع: التخيلات والأخذ بالعيون والشعبذة، وقد قال بعض المفسرين: إن سحر السحرة بين يدي فرعون إنما كان من باب الشعبذة. الخامس: الأعمال العجيبة التي تظهر من تركيب الآلات المركبة. السادس: الاستعانة بخواص الأدوية، يعني: في الأطعمة والدهانات. السابع: تعلق القلب، وهو أن يدعى الساحر أنه عرف الإسم الأعظم، وأن الجن يطيعونه وينقادون له في أكثر الأمور. الثامن: من السحر: السعي بالنميمة بالتصريف من وجوه خفية لطيفة، وذلك شائع في الناس، وإنما أدخل كثير من هذه الأنواع المذكورة في فن السحر للطاقة مداركها، لأن السحر في اللغة عبارة عما لطف وخفي سببه، ولهذا جاء في الحديث: ((إن من البيان لسحراً)). وسمى السحور لكونه يقع خفياً آخر الليل، والسحر الرية، وهي محل الغداء، وسميت بذلك لخفائها ولطف مجاريها إلى أجزاء البدن. وغصونه. قوله: ((وقتل النفس)) أي: الثالث: من السبع الموبقات: قتل النفس. قوله: ((وأكل الربا) أي: الرابع: أكل الربا، وهو فضل مال بلا عوض في معاوضة مال بمال، كما عرف في الفقه. قوله: ((وأكل مال اليتيم)، أي: الخامس: أكل مال اليتيم، وهو المنفرد في اللغة، وهو: من مات أبوه وهو ما دون البلوغ، وفي البهائم: ما ماتت أمه. قوله: ((والتولي يوم الزحف)) أي: السادس: الفرار عن القتال يوم ازدحام الطائفتين، ويقال: التولي الإعراض عن الحرب والفرار من الكفار إذا كان يإزاء كل مسلم كافران، وإن كان يإزاء كل مسلم أكثر من كافرين يجوز الفرار، والزحف الجماعة الذين يزحفون إلى العدو أي يمسون إليهم بمشقة، من زحف الصبي إذا دب على إسته. قوله: ((وقذف المحصنات))، أي: السابع: قذف المحصنات، القذف الرمي البعيد، استعير للشتم والعيب والبهتان كما استعير للرمي، والمحصنات جمع محصنة، بفتح الصاد، اسم مفعول أي: التي أحصنها الله تعالى وحفظها من الزنا، وبكسرها، اسم فاعل أي: التي حفظت فرجها من الزنا. قوله: ((المؤمنات))، احترز به عن قذف الكافرات فإن قذفهن ليس من الكبائر وإن كانت ذمية فقذفها من الصغائر لا يوجب الحد وفي قذفه الأمة المسلمة التعزير دون الحد. قوله: ((الغافلات))، كناية عن البريئات لأن البريء غافل عما بهت به من الزنا. ٨٧ ٥٥ _ كِتابُ الوَصَايا / باب (٢٤) ذكر ما يستفاد منه: فيه: ذكر السبع، ولا ينافي أن لا تكون كبيرة إلاَّ هذه، فقد ذكر في غير هذا الموضع: قول الزور، وزنا الرجل بحليلة جاره وعقوق الوالدين، واليمين الغموس، واستحلال بيت الله، ومسك امرأة محصنة لمن يزني بها، ومسك مسلم لمن يقتله، ودل الكفار على عورات المسلمين مع علمه أنهم يستأصلون بدلالته ويُسبون ويغنمون، والحكم بغير حق، والإصرار على الصغيرة. وقال الشافعي: وأكبرها بعد الإشراك: القتل، وادعى بعضهم أن الكبائر سبع، كأنه أخذ ذلك من هذا الحديث. وقال بعضهم: إحدى عشرة، وقال ابن عباس: إلى السبعين أقرب، وروي عنه إلى سبعمائة، والتحقيق هنا أن التنصيص على عدد لا ينافي أكثر من ذلك، وأما تعيين السبع هنا فلاحتمال أن يكون أعلم الشارع بها في ذلك الوقت، ثم أوحي إليه بعد ذلك غيرها، أو يكون السبع هي التي دعت إليها الحاجة في ذلك الوقت، وكذلك القول في كل حديث خص عدداً من الكبائر. وفيه: أن الموبقات التي هي الكبائر لا بد في مقابلتها الصغائر، فلا بد من الفرق بينهما، فقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: إذا أردت معرفة الفرق بين الصغيرة والكبيرة فاعرض مفسدة الذنب على مفاسد الكبائر المنصوص عليها، فإذا نقصت عن أقل مفاسد الكبائر فهي من الصغائر، وإن ساوت أدنى مفاسد الكبائر أو أربت عليه فهي من الكبائر، فمن شتم الرب، عز وجل، أو رسوله، عَّهِ، أو استهان بالرسل أو كذب واحداً منهم أو ضمخ الكعبة المشرفة بالعذرة أو ألقى المصحف في القاذورات فهي من أكبر الكبائر، ولم يصرح الشرع بذكرها، وقال بعضهم: كل ذنب قرن به وعيد أو حد أو لعن فهو كبيرة، وروي هذا عن الحسن أيضاً، وقيل: الكبيرة ما يشعر بتهاون مرتكبها في دينه. وعن ابن مسعود، رضي الله تعالى عنه: الكبائر جميع ما نهى الله عنه من أول سورة النساء إلى قوله: ﴿إِن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه﴾ [النساء: ٣١]. وعن ابن عباس: كل ما نهى الله عنه فهي كبيرة، وبه قال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني وغيره، وعن عياض: هذا مذهب المحققين، لأن كل مخالفة فهي بالنسبة إلى جلال الله تعالى كبيرة. قال القرطبي: وما أظنه صحيحاً عنه، أي: عن ابن عباس، يعني: عدم التفرقة بين الصغيرة والكبيرة، فإنه قد فرق بينهما في قوله: ﴿إِن تجتنبوا كبائر﴾ [النساء: ٣١]. ﴿والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلاّ اللمم﴾ [النجم: ٣٢]. فجعل من المنهيات كبائر وصغائر، وفرق بينهما في الحكم لما جعل تكفير السيئات في الآية، مشروطاً باجتناب الكبائر، واستثنى اللمم من الكبائر والفواحش، فكيف يخفي مثل هذا الفرق على خَبر القرآن؟ فالرواية عنه لا تصح، أو: هي ضعيفة، والمشهور انقسام المعاصي إلى صغائر وكبائر، وادعى بعضهم أنها كلها كبائر. وفيه: السحر، والكلام فيه على أنواع: الأول: إن السحر له حقيقة، وذكر الوزير أبو المظفر يحيى بن محمد بن هبيرة في كتابه (الأشراف على مذاهب الأشراف): أجمعوا على أن السحر له حقيقة إلاَّ أبا حنيفة. فإنه قال: لا حقيقة له. وقال القرطبي: وعندنا أن السحر حق، وله حقيقة يخلق الله تعالى عنده ما شاء، خلافاً للمعتزلة وأبي إسحاق الإسفرايني من الشافعية، حيث قالوا: إنه تمويه وتخيل. قال: ٨٨ ٥٥ - كِتَابُ الوَصَايا / باب (٢٤) ومن السحر ما يكون بخفة اليد كالشعوذة، والشعوذى البريد لخفة سيره، وقال ابن فارس: وليست هذه الكلمة من كلام أهل البادية. قال القرطبي: ومنه ما يكون كلاماً يحفظ، ورقى من أسماء الله تعالى، وقد يكون من عهود الشياطين، ويكون أدوية وأدخنة وغير ذلك. وقال الرازي في (تفسيره) عن المعتزلة: إنهم أنكروا وجود السحر. قال: وربما كفَّروا من اعتقد وجوده. قال: وأما أهل السنة فقد جوزوا أن يقدر الساحر أن يطير في الهواء، وأن يقلب الإنسان حماراً والحمار إنساناً، إلاَّ أنهم قالوا: إن الله يخلق الأشياء عندما يقول الساحر تلك الرقى والكلمات المعينة، فأما أن يكون المؤثر في ذلك هو الفلك والنجوم، فلا خلا للفلاسفة والمنجمين والصابئة. ثم استدل على وقوع السحر، وأنه بخلق الله بقوله تعالى: ﴿وما هم بضارين به من أحد إلاّ بإذن الله﴾ [البقرة: ١٠٢]. ومن الأخبار أن رسول الله، عَلَِّ سحر، وأن السحر عمل فيه. النوع الثاني: هل يجوز تعلم السحر أم لا؟ فقال الرازي: إن العلم بالسحر ليس بقبيح ولا محظور، اتفق المحققون على ذلك، فإن العلم لذاته شريف، ولأنه لو لم يعلم ما أمكن الفرق بينه وبين المعجزة، والعلم بكون المعجز معجزاً واجب، وما يتوقف عليه الواجب فهو واجب، فهذا يقتضي أن يكون تحصيل العلم بالسحر واجباً، كيف: يكون حراماً وقبيحاً، هذا لفظه بحروفه في هذه المسألة، وفيه نظر من وجوه. الأول: قوله: العلم بالسحر ليس بقبيح، إن عنى به ليس بقبيح عقلاً فمخالفوه من المعتزلة يمنعون ذلك، وإن عنى ليس بقبيح شرعاً ففي قوله تعالى: ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين ... ﴾ [البقرة: ١٠٢]. الآية تبشيع لتعلم السحر. وفي (الصحيح): ((من أتى عرافاً أو كاهناً فقد كفر بما أنزل على محمد عَّ له)). وفي السنن: (من عقد عقدة ونفث فيها فقد سحر)). الثاني: قوله: ولا محظوراً، اتفق المحققون على ذلك، وكيف لا يكون محظوراً مع ذكرنا من الآية والحديث، والمحققون هم علماء الشريعة، وأين نصوصهم على ذلك؟ الثالث: قوله: ولأنه لو يعلم ... إلى آخره، كلام فاسد، لأن أعظم معجزات رسولنا عَّله: القرآن العظيم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه: ﴿تنزيل من حكيم حميد﴾ [فصلت: ٤٢]. الرابع: قوله: والعلم بكونه معجزاً، وهذا العلم لا يتوقف على علم السحر أصلاً، ثم من المعلوم بالضرورة أن الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين وعامتهم كانوا يعلمون المعجز ويفرقون بينه وبين غيره، ولم يكونوا يعلمون السحر ولا تعلموه ولا علموه، والذي نص عليه العلماء والفقهاء أن تعلم السحر وتعليمه من الكبائر. وفي (التلويح): وقال بعض أصحاب الشافعي: تعلمه ليس بحرام، بل يجوز ليعرف ويرد على فاعله ويميز عن الكرامة للأولياء. قلت: الظاهر أن مراده من بعض أصحاب الشافعي الرازي، وقد ردينا عليه، ومنهم الغزالي. النوع الثالث: اختلفوا فيمن يتعلم السحر ويستعمله. فقال أبو حنيفة ومالك وأحمد: يكفر بذلك، وعن بعض الحنفية: إن تعلمه ليتقيه أو ليجتنبه فلا يكفر، ومن تعلمه معتقداً جوازه أو أن ينفعه، كفر وكذا من اعتقد أن الشياطين تفعل له ما يشاء فهو كافر. وقال ٨٩ ٥٥ _ كِتابُ الوَصَايا / باب (٢٤) الشافعي: إذا تعلم السحر، قلنا له: صف لنا سحرك، فإن وصف ما يوجب الكفر مثل ما اعتقده أهل بابل من التقرب إلى الكواكب السبعة، وأنها تفعل ما يلتمس منها، فهو كافر، وإن كان لا يوجب الكفر فإن اعتقد إباحته فهو كافر. النوع الرابع: في قتل الساحر. قال ابن هبيرة: هل يقتل بمجرد فعله واستعماله؟ فقال مالك وأحمد: نعم. وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا يقتل حتى يتكرر منه الفعل أو يقر بذلك في شخص معين، فإذا قتل فإنه يقتل حداً عندهم إلاَّ الشافعي، فإنه قال: والحالة هذه قصاصاً، وأما ساحر أهل الكتاب فإنه يقتل عند أبي حنيفة، كما يقتل الساحر المسلم. وقال الشافعي ومالك وأحمد: لا يقتل لقصة لبيد بن أعصم. واختلفوا في المسلمة الساحرة، فعند أبي حنيفة: أنها لا تقتل، ولكن تحبس. وقالت الثلاثة: حكمها حكم الرجل. وقال أبو بكر الخلال: أخبرنا أبو بكر المروزي، قال: قرىء على أبي عبد الله - يعني: أحمد بن حنبل - حدثنا عمر بن هارون حدثنا يونس عن الزهري، قال: يقتل ساحر المسلمين. ولا يقتل ساحر المشركين، لأن رسول الله، عَ لله سحرته امرأة من اليهود فلم يقتلها. وحكى ابن خويز منداد عن مالك روايتين في الذمي إذا سحر: أحدهما: يستتاب، فإن أسلم وإلا قتل، والثانية: أنه يقتل، وإن أسلم. النوع الخامس: هل تقبل توبة الساحر؟ فقال مالك وأبو حنيفة وأحمد في المشهور عنهما: لا تقبل. وقال الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى: تقبل. وعن مالك: إذا ظهر عليه لم تقبل توبته، كالزنديق، فإن تاب قبل أن يظهر عليه وجاء تائباً قبلناه، ولم نقتله فإن قتل بسحره قتل. وقال الشافعي: فإن قال: لم أتعمد القتل فهو مخطىء تجب عليه الدية. النوع السادس: هل يسأل الساحر حل سحره؟ فأجازه سعيد بن المسيب فيما نقله عنه البخاري، وقال عامر الشعبي: لا بأس بالنشرة، وكره ذلك الحسن البصري. وفي (الصحيح) عن عائشة، قالت: يا رسول الله! هلا تنشرت؟ فقال: الله فقد شفاني وخشيت أن أفتح على الناس شراً. وحكى القرطبي عن وهب، قال: يؤخذ سبع ورقات من سدر فتدق بين حجرين ثم يضرب بالماء، ويقرأ عليها آية الكرسي، ويشرب منها المسحور ثلاث حسوات، ثم يغتسل بباقيه، فإنه يذهب ما به، وهو جيد للرجل الذي يؤخذ عن امرأته. قلت: النشرة، بضم النون: ضرب من الرقية، والعلاج يعالج به من كان يظن أن به مساس الجن، سميت نشرة لأنه ينشر بها عنه ما خامره من الداء، أي: يكشف ويزال. وفيه: التولي يوم الزحف، وهو حجة على الحسن البصري في قوله: كان الفرار كبيرة يوم بدر، لقوله تعالى: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره﴾ [الأنفال: ١٦]. وفيه: قذف المحصنات، وقد ورد الإحصان في الشرع على خمسة أقسام: الإسلام والعفة والتزويج والحرية والنكاح. وقال أصحابنا: إحصان المقذوف بكونه مكلفاً أي عاقلاً بالغاً حراً مسلماً عفيفاً عن زنا، فهذه خمس شرائط يدخل تحت قوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات﴾ [النور: ٤]. فإذا فُقد واحد منها لا يكون محصناً. ٩٠ ٥٥ - كِتَابُ الوَصَايا / باب (٢٥) ٢٥ - بابُ قَوْلِ الله تعالى: ﴿وَيَسْألُونَكَ عنِ اليَتَامَى قُلْ إضْلاَحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وإِنْ تخالِطُوهُم فإِخْوَانِكُمْ والله يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شاءَ الله لأعْتَتَكُمْ إِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠]. أي: هذا باب في ذكر قول الله تعالى: ﴿ويسألونك﴾ [البقرة: ٢٢٠]. وقال ابن جرير: حدثنا سفيان بن وكيع حدثنا جرير عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: لما نزلت: ﴿لا تقربوا مال اليتيم إلاَّ بالتي هي أحسن وإن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً ... ﴾ [النساء: ١٠]. الآية، انطلق من كان عنده يتيم يعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه، فجعل يفضل له الشيء من طعامه فيحبس له حتى يأكله أو يفسد، فاشتد ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله عَ ليه، فأنزل الله: ﴿ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم﴾ [البقرة: ٢٢٠]. فخلطوا طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم، وهكذا رواه أبو داود والنسائي وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم في (مستدركه) من طرق عن عطاء بن السائب به، وكذا رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وكذا رواه السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود بمثله، وكذا رواه غير واحد في سبب نزول هذه الآية، كمجاهد وعطاء والشعبي وابن أبي ليلى وقتادة وغير واحد من السلف والخلف. قوله: ﴿قل إصلاح لهم خير﴾ [البقرة: ٢٢٠]. أي: على حدة: ﴿وإن تخالطوهم فإخوانكم﴾ [البقرة: ٢٢٠]. أي: وإن خلطتم طعامكم بطعامهم وشرابكم بشرابهم فلا بأس عليكم، لأنهم إخوانكم في الدين، ولهذا قال: ﴿والله يعلم المفسد من المصلح﴾ [البقرة: ٢٢٠]. أي: يعلم من قصده ونيته الإفساد أو الإصلاح. ويقال: وإن تخالطوهم أي: في الطعام والشراب والسكنى واستخدام العبيد فإخوانكم. وقالوا لرسول الله: بقيت الغنم لا راعي لها، والطعام ليس له صانع، فنزلت، ونسخ ذلك. قوله: ﴿ولو شاء الله لأعنتكم﴾ [البقرة: ٢٢٠]. أي: لو شاء لضيق عليكم وأحرجكم، ولكنه وسع عليكم وخفف عنكم وأباح لكم مخالطتهم بالتي هي أحسن، وفي (تفسير النسفي): وعلى هذا اجتماع الرفقة في السفر على خلط المال، ثم اتخاذ الأطعمة به، وتناول الكل منها مع وهم التفاوت، فرخص لهم استدلالاً بهذه الآية. لأعْنَتَكُمْ لأخرَجَكُمْ وضَيَقَ عَلَيْكُمْ. وعَنَتْ خَضَعَتْ هذا تفسير ابن عباس أخرجه ابن المنذر من طريق علي بن أبي طلحة عنه، وزاد بعد قوله: ضيق عليكم، ولكنه وسع ويسر. قوله: ((لأعنتكم)) من الإعنات، واشتقاقه من: العنت، بفتح العين المهملة والنون وفي آخره تاء مثناة من فوق والهمزة فيه للتعدية أي: لأوقعكم في العنت، وهو: المشقة، ويجيء بمعنى الفساد والهلاك والإثم والغلط والخطأ والزنا، كل ذلك قد جاء، ويستعمل كل واحد بحسب ما يقتضيه الكلام. قوله: ((وعت: خضعت))، ليس له دخل هنا، لأن التاء فيه للتأنيث، ومذكره عنا، إذا خضع، وكل من ذل وخضع واستكان فقد عنا يعنو، وهو عانٍ، والمرأة عانية، وجمعها: عوان، وكأنه ظن أن التاء في عنت أصلية، ٩١ ٥٥ - كِتابُ الوَصَايا / باب (٢٥) فلذلك ذكره هنا عقيب. قوله: ((لأعنتكم))، وليس كذلك، لأن التاء في: لأعنتكم، أصلية، وقيل: لعله ذكره استطراداً، ولا يخلو عن تعسف. ٢٧٦٧ - وقال لَنَا سُلَيْمَانُ حدَّثنا حَمَّادٌ عنْ أَيُّوبَ عنْ نافع قال مَا رَدَّ ابْنُ عُمَرَ على أحدٍ وصِيَّته. : سليمان هو ابن حرب أبو أيوب الواشجي قاضي مكة، وهو من شيوخ البخاري، قال الكرماني: وإنما قال بلفظ: قال، لأنه لم يذكره على سبيل النقل والتحميل، وقال بعضهم: هو موصول، وجرت عادته الإتيان بهذه الصيغة في الموقوفات غالباً، وفي المتابعات نادراً، ولم يصب من قال: إنه لا يأتي بها إلاَّ في المذاكرة، وأبعد من قال: إنها للإجازة. انتهى. قلت: كيف يقول: هو موصول وليس فيه لفظ من الألفاظ التي تدل على الاتصال؟ نحو: التحديث والإخبار والسماع والعنعنة؟ والذي قاله الكرماني هو الأظهر. قوله: ((ما ردَّ ابن عمر على أحد وصيته)) يعني: أنه كان يقبل وصية من يوصي إليه، وقال ابن التين: كأنه كان يبتغي الأجر بذلك، لحديث: (أنا وكافل اليتيم كهاتين ... )) الحديث. وكانَ ابنُ سِيرِينَ أحَبَّ الأشْياءِ إِلَيْهٍ في مالِ الْيَتِيمِ أنْ يَجْتَمِعَ إِلَيْهِ نُصَحَاؤُهُ وأَوْلِيَاؤُهُ فَيَنْظُرُوا الَّذِي هُوَ خَيْرَ لَهُ ابن سيرين هو محمد. قوله: ((أحب الأشياء»، بالرفع على أنه مبتدأ وخبره هو قوله: ((أن يجتمع)، و: كان، بمعنى: وجد، قوله: ((أن يجتمع إليه))، ويروى أن يخرج إليه. قوله: ((نصحاؤه))، بضم النون: جمع نصيح بمعنى ناصح. قوله: ((فينظروا))، ويروى: فينظرون، على الأصل. وكانَ طَاؤُسّ إِذَا سُئِلَ عنْ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ اليَتَامَى قَرَأْ ﴿والله يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُضْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠]. طاوس بن كيسان اليماني، وهذا وصله سفيان بن عيينة في (تفسيره) عن هشام بن حجير، بحاء مهملة ثم جيم مصغر، عن طاوس أنه كان، إذا سئل عن مال اليتيم يقرأ: ﴿ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير، والله يعلم المفسد من المصلح﴾ [البقرة: ٢٢٠]. وقال عَطاءٌ فَيَ يَتَامَى الصَّغِيرُ والْكَبِيرُ يُنْفِقُ الوَلِيُّ عَلَى كُلِّ إنْسَانٍ بِقَدْرِهِ مِنْ حِصَّتِهِ عطاء هو ابن أبي رباح، وهذا وصله ابن أبي شيبة من رواية عبد الملك بن سليمان، عنه أنه سئل عن الرجل يلي أموال أيتام وفيهم الصغير والكبير، وما لهم جميع لم يقسم. قال: ينفق على كل إنسان منهم من ماله على قدره، وهذا يفسر ما ذكره من قول عطاء. قوله: ((في يتامى))، وفي بعض النسخ: في اليتامى، قوله: ((الصغير والكبير)) أي: الوضيع والشريف منهم. قوله: ((بقدره))، أي: بقدر الإنسان، أي: اللائق بحاله، ويروى: بقدر حصته. ٩٢ ٥٥ - كِتَابُ الوَصَايا / باب (٢٦) ٢٦ - بابُ اسْتِخْدَامِ الْيَتِيمِ في السَّفَرِ والحَضَرِ إذَا كانَ صَلاَحَاً لَهُ ونَظَرِ الأمّ أوْ زَوْجِهَا لِلْیتیمِ أي: هذا باب في بيان حكم استخدام اليتيم. قوله: ((إذا كان صلاحاً له)) أي: إذا كان خيراً ونفعاً لليتيم في السفر، قيل: هذا قيد للسفر، لأن السفر مشقة وقطعة من العذاب، وربما يتضرر اليتيم فيه، والظاهر أن هذا قيد للحضر والسفر جميعاً، لأن اليتيم محل الرحمة، وفي خدمة الناس ما لا يصلح للكبير فضلاً عن اليتيم. قوله: ((ونظر الأم)) بالجر عطفاً على قوله: ((استخدام اليتيم) وقال ابن التين: أكثر أصحاب مالك على أن الأم وغيرها لهم التصرف في مصالح من هم في كفالتهم، ويعقدون له وعليه وإن لم يكونوا أوصياء، ويكون حكمهم حكم الأوصياء، وقيل: حتى يكون بينه وبين الطفل قرابة، وقال ابن القاسم: لا يفعل ذلك إلاَّ أن يكون وصياً، ووافقهم ابن القاسم في اللقيط. قوله: ((أو زوجها)) أي: أو نظر زوج الأم، يعني: له النظر في ربيبه إذا كان عنده. ٢٧٦٨/٢٩ - حدّثنا يَعْقُوبُ بنُ إِبْرَاهِيمَ بنِ كَثيرٍ قال حدَّثنا ابنُ عَلِيَّةَ قال حدَّثنا عبْدُ العَزِيزِ عنْ أَنْسٍ رضي الله تعالى عنه قال قَدِمَ رسول الله، عَّهِ المَدِينَةَ لَيْسَ لَهُ خَادِمٌ فأخذَ أَبُو طَلْحَةَ بِيَدِي فانْطَلَقَ بِي إِلَى رسولِ اللهِ عَ لَّه فقال يا رسولَ الله إنَّ أنَساً غُلاَمٌ كَيْسٌ فَلْيَخْدُمْكَ قال فَخَدَمْتُهُ في السَّفَرِ والحَضَرِ ما قال لي لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ لِمَ صَنَعْتَ هذَا هكَذَا ولاَ لِشَيْءٍ لَمْ أَصْنَعْهُ لِمَ لَمْ تَصْنَعْ هَذَا هَكَذَا. [الحديث ٢٧٦٨ - طرفاه في: ٦٠٣٨، ٦٩١١]. مطابقته لجميع أجزاء الترجمة ظاهرة. أما الجزء الأول: وهو قوله: ((في السفر والحضر)) ففي قوله: ((فخدمته في السفر والحضر)). وأما الجزء الثاني: وهو قوله: ونظر الأم. فلا شك أن أبا طلحة ما ودى أنساً إلى النبي، عَلَّهِ إلاَّ بمشاورة أمه. وأما الجزء الثالث: وهو قوله: أو زوجها، ففي قوله: ((فأخذ أبو طلحة بيدي)) إلى آخره، ويعقوب بن إبراهيم بن كثير - ضد القليل - الدورقي، مر في الإيمان، وابن علية هو إسماعيل بن إبراهيم، وأمه علية مولاة لبني أسد، وقد تكرر ذكره، وعبد العزيز هو ابن صهيب أبو حمزة. وقال بعضهم: والإسناد كله بصريون. قلت: شهرة شيخه بالدورقي، وهو شيخ الجماعة. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الديات عن عمرو بن زرارة. وأخرجه مسلم في فضائل النبي، عَّله عن أحمد بن حنبل وزهير بن حرب. قوله: ((أبو طلحة))، هو زوج أم سليم، والدة أنس، واسمه: زيد بن سهل الأنصاري. قوله: ((غلام))، قال أنس: فخدمته وأنا ابن عشرة، وتوفي وأنا ابن عشرين، ومات أنس سنة ثلاث وتسعين أو اثنتين، وقد زاد على المائة وهو آخر من مات بالبصرة من الصحابة، وكان في كبره ضعف عن الصوم، وكان يفطر ويطعم. قوله: ((كيس))، بفتح الكاف وتشديد الياء آخر الحروف المكسورة وفي آخره سين مهملة، وهو - ضد الأحمق - وقال ابن الأثير: ٩٣ ٥٥ - كِتابُ الوَصَايا / باب (٢٧) الكيس العاقل، وقد كاس يكيس كيساً، والكَيْس: العقل. وفيه: السفر باليتيم إذا كان ذلك من الصلاح. وفيه: الثناء على المرء بحضرته إذا أمن عليه الفتنة. وفيه: جواز استخدام الحر الصغير الذي لا يجوز أمره. وفيه: أن خدمة الإمام والعالم واجبة على المسلمين. وأن ذلك شرف لمن خدمهم لما يرجى من بركة ذلك. ٢٧ - بابٌ إِذَا وقَفَ أرضاً ولَمْ يُبَيِِّ الحُدُودَ فَهْوَ جَائِزٌ وكَذَلِكَ الصَّدَقَةُ أي: هذا باب يذكر فيه إذا وقف شخص أرضاً، والحال أنه لم يبين حدود تلك الأرض فهو جائز، وهذا غير مطلق بل المراد منه أن الأرض إذا كانت مشهورة لا يحتاج إلى ذكر حدودها، وإلاّ فلا بد من التحديد لئلا يلتبس بحدود الغير فيحصل الضرر. قوله: ((وكذلك الصدقة))، أي: وكذلك الوقف بلفظ الصدقة بأن جعل أرضها صدقة لله تعالى، وتعظم كما جعل أبو طلحة حائطه صدقة لله تعالى، ولم يذكر شيئاً غير ذلك. ٢٧٦٩/٣٠ - حدّثنا عبْدُ اللهِ بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكِ عنْ إِسْحَاقَ بنِ عَبْدِ الله بنِ أبي طَلْحَةَ أنَّهُ سَمِعَ أنَسَ بنَ مالِكِ رضي الله تعالى عنهُ يَقُولُ كانَ أبو طَلْحَةَ أكْثَرَ أَنْصَارِيّ بالمَدِينَةِ مالاً مِنْ نَخْلٍ وكانَ أحَبُّ مالِهِ إِلَيْهِ بِيرُحَاءَ مُسْتَقْبِلَةَ المَسْجِدِ وكانَ النبيُّ عَ ل. يَدْخُلُها ويَشْرَبُ مِنْ ماءٍ فيها طيِّبٍ قال أَنَسْ فَلَمَّا نَزَلَتْ ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] قامَ أبو طَلْحَةَ فقال يا رسولَ الله أنَّ الله يَقُولُ ﴿لَنْ تَالُوا الْبِرَّ حتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] وإنَّ أحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيرُحَاءَ وإنَّها صَدَقَةٌ لله أرجو بِرَّهَا وذُخْرَها عِنْدَ الله فَضَغْها حَيْثُ أَاكَ الله فقَال بَخْ ذَلِكَ مالٌّ رابِحٌ أوْ رايحٌ شَكَّ ابنُ مسْلَمَةَ وقَدْ سَمِعْتُ ما قُلْتَ وإِنِّي أَرَى أنْ تَجْعَلَها في الأَقْرَبِينَ قال أَبُو طَلْحَةَ أَفْعَلُ ذَلِكَ يا رسولَ الله فقَسَمَها أَبُو طَلْحَةَ في أَقَارِبِهِ وفي بَنِي عَمِّهِ. [انظر الحديث ٤١٦١ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: وكذلك الصدقة ظاهرة، مطابقته للجزء الأول من الترجمة من حيث إن لفظ الوقف ولفظ الصدقة في المعنى متقاربان، حكمهما واحد. والحديث مضى في كتاب الزكاة في: باب الزكاة على الأقارب، ومضى الكلام فيه. قوله: ((أكثر أنصاري))، رواية الكشميهني، وقال الكرماني: إذا أريد التفضيل أضيف إلى المفرد النكرة، أي: أكثر كل واحد واحد من الأنصار، وفي رواية غيره أكثر الأنصار. قوله: ((مالا))، نصب على التمييز، وكلمة: من، في قوله: من نخل، للبيان، وتقدم الكلام في تفسير: بيرحاء، بوجوه. قوله: ((وكان النبي عَّ يدخلها)) وزاد في رواية عبد العزيز: ويستظل فيها. قوله: ((شك ابن مسلمة))، هو القعنبي شيخ البخاري، وراوي الحديث عن مالك، والشك فيه بين الباء الموحدة والياء آخر الحروف. قوله: ((أفعل))، على صيغة المتكلم من المضارع، والضمير فيه يرجع إلى أبي طلحة. قوله: ((في أقاربه))، وهم أبي بن كعب وحسان بن ثابت وأخوه وابن أخيه شداد بن أوس ونبيط بن جابر، فتقاوموه، فباع حسان حصته من معاوية بن أبي سفيان بمائة ألف درهم، وقد مر فيما مضى. ٩٤ ٥٥ - كِتَابُ الوَصَايا / باب (٢٨) وقال إسْمَاعِيلُ وعَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ ويَخْتِی بن یخیی عنْ مالِك رایخٌ هؤلاء الرواة عن مالك، وإسماعيل هو ابن أبي أويس، وعبد الله بن يوسف التنيسي أصله من دمشق، ويحيى بن يحيى بن بكير أبو زكرياء التميمي الحنظلي، روى عنه البخاري في عمرة الحديبية يعني: روى هؤلاء الحديث المذكور بالإسناد المذكور عن مالك، بلفظ: رايح، بالياء آخر الحروف. ٢٧٧٠/٣١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ قال أخبرَنا رَوْحُ بنُ عُبَادَةَ قَال زَكَرِيَّاءُ بنُ إِسْحَاقَ قال حدَّثني عَمْرُو بنُ دِينارٍ عِنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهُما أَنَّ رجلاً قالٍ لِرَسُولِ اللهِ عَ لَّهِ إِنَّ أُمَّهُ تُؤُفِّيَتْ أَيَنْفَعُهَا إِنْ تَصَدَّقْتُ عنْها قال نَعَمْ قال فإنَّ لِي مِخْرَافاً وأُشْهِدُكَ أَنِّي قَدْ تَصَدَّقْتُ عَنْها. [انظر الحديث ٢٧٥٦ وطرفه]. مطابقته للترجمة مثل مطابقة الحديث السابق، ومحمد بن عبد الرحيم أبو يحيى الذي يقال له: صاعقة، وهو من مشايخ البخاري. وأفراده، وروح بفتح الراء، وعبادة، بضم العين. والحديث قد مر في: باب إذا قال أرضي - أو بستاني - صدقة، وفي: باب الإشهاد في الوقف. ٢٨ - بابٌ إِذَا أوْقَفَ جَماعَةٌ أرضاً مُشاعاً فَهْوَ جَائِزٌ أي: هذا باب يذكر فيه إذا وقف جماعة أرضاً مشتركة مشاعاً فهو جائز. قيل: احترز بقوله: جماعة، عما إذا وقف واحد مشاعاً فإن مالكاً لا يجيزه لئلا يدخل الضرر على شريكه، ورد عليه بأنه أراد أن وقف المشاع جائز مطلقاً، وقد سبق بيان الخلاف فيه في: باب إذا تصدق، أو وقف، بعض ماله فهو جائز. ٢٧٧١/٣٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قال حدَّثنا عبْدُ الوارِثِ عنْ أبي النَّيَّاحِ عنْ أَنَسٍ رضي الله تعالى عنه قال أمَرَّ النبيُّ عَّهِ بِيِنَاءِ المَسْجِدِ فقال يا بَنِي النَّجَّارِ ثامِنُونِي بِحَائِطِكُم هَذَا قالوا لاَ والله لاَ نَطْلُبُ ثَمَتَهُ إلاَّ إلى الله. [انظر الحديث ٢٣٤ وأطرافه]. مطابقته للترجمة من حيث إن ظاهره أنهم تصدقوا بحائطهم لله عز وجل، فقبلها النبي عَّله منهم، وهذا وقف المشاع من جماعة. فإن قلت: ذكر الواقدي أن أبا بكر، رضي الله تعالى عنه دفع ثمن الأرض لمالكها منهم، وقدره عشرة دنانير، فصار ملكاً لأبي بكر وتصدق به أبو بكر، فلا يكون وقف مشاع. قلت: قال بعضهم: فإن ثبت ذلك كانت الحجة للترجمة من جهة تقرير النبي، عَّم على ذلك، ولم ينكر قولهم ذلك، فلو كان وقف المشاع لا يجوز لأنكر عليهم، وفيه نظر لأن معنى قوله عَّلّ («ثامنوني بحائطكم))، قرّروا ثمنه معي وبيعونيه بالثمن، فهذا يكون بيعاً عند دفع الثمن، وقد دفعه أبو بكر، فصار بينه وبينهم بيع الثمن الذي دفعه إليهم ثم إن الظاهر أن أبا بكر هو الذي تصدق به إلى الله تعالى، وليس فيه صورة وقف مشاع، وعبد الوارث هو ابن سعيد وأبو التياح، بفتح التاء المثناة من فوق وتشديد الياء آخر الحروف، وفي آخره حاء مهملة واسمه يزيد بن حميد الضبيعي، ورجال الحديث كلهم ٩٥ ٥٥ _ کِتابُ الوَصَايا / باب (٢٩) بصريون، وقد مضى بهذا الإسناد مطولاً في أوائل كتاب الصلاة في: باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية؟ قوله: ((لا نطلب ثمنه إلاَّ إلى الله)) أي: لا نطلب ثمنه من أحد، لكنه مصروف إلى الله، فالاستثناء منقطع أو معناه: لا نطلب ثمنه مصروفاً، إلاَّ إلى الله، فالاستثناء متصل. ٢٩ - بابُ الوَقْفِ کَیْفَ يُكْتَبُ أي: هذا باب يذكر فيه الوقف كيف يكتب، فعلى هذا التقدير الوقف مرفوع بالابتداء مقطوع عما قبله، وخبره قوله: كيف يكتب، ويجوز بإضافة لفظ الباب إليه، فحينئذ يكون لفظ الوقف مجروراً بالإضافة. ٢٧٧٢/٣٣ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قال حدَّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعِ قال حدَّثنا ابنُ عَوْنٍ عنُ نافِعِ عنِ ابنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما قال أصابَ عُمَرُ بِخَيْبَرَ أَرْضاً فأتى النّبِيَّ عَّلِ فقالَ أصَبْتُ أرضاً لَمْ أُصِبْ مالاً قَطُّ أَنْفَسَ مِنْهُ فَكَيْفَ تأمُرُنِي بِهِ قال إنْ شِئْتَ حبَّسْتَ أَصْلَهَا وتَصَدَّقْتَ بِهَا فَتَصَدَّقَ عُمَرُ أَنَّهُ لاَ يُباعُ أَصْلُها ولاَ يُوهَبُ ولاَ يُورَثُ في الفُقَرَاءِ والْقُرْبَى والرّقَابِ وفِي سَبِيلِ الله والضَّيْفِ وابنِ السَّبِيلِ لاَ جُنَاحَ على منْ ولِيهَا أنْ يأْكُلَ مِنْها بالمَعْرُوفِ أوْ يُطْعِمَ صَدِيقاً غَيْرَ مُتَمَوَّلٍ فيهِ. [انظر الحديث ٢٣١٣ وأطرافه]. مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((إن شئت حبست أصلها ... )) إلى آخر الحديث، ويؤخذ من هذه الألفاظ شروط، وهي تكتب كلها في كتاب الوقف، وقد كتب عمر، رضي الله تعالى عنه، كتاب وقفه، كتبه معيقيب، وكان كاتبه، وشهد عبد الله بن الأرقم، وكان هذا في زمن خلافته، لأن معيقيباً كان يكتب له في خلافته، وقد وصفه بأمير المؤمنين، وكان وقفه في أيام النبي عَ لِّ على ما يشهد له حديث الباب، وقد روى أبو داود: حدثنا سليمان ابن داود المهري قال: أخبرنا ابن وهب قال: أخبرني الليث عن يحيى بن سعيد عن صدقة عمر بن الخطاب، رضى الله تعالى عنه، قال: نسخها لى عبد الحميد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب: ((بسم الله الرحمن الرحيم)) هذا ما كتب عبد الله بن عمر في ثمغ، فقص من خبره نحو حديث نافع قال: غير متأثل مالاً، فما عفى عنه من ثمره فهو للسائل والمحروم، وساق القصة، قال: فإن شاء: ولي ثمغ اشتري من ثمره رقيقاً يعمله، وكتب معيقيب: وشهد عبد الله ابن الأرقم. وابن عون في السند هو عبد الله بن عون، وقد تقدم في آخر الشروط: عن ابن عون أنبأني نافع، والإنباء بمعنى الإخبار عند المتقدمين، جزماً، ووقع عند الطحاوي من وجه آخر: عن ابن عون أخبرني نافع. قوله: ((عن ابن عمر قال: أصاب عمر))، كذا لأكثر الرواة عن نافع، ثم عن ابن عون جعلوه من مسند ابن عمر. لكن أخرجه مسلم والنسائي من رواية سفيان الثوري والنسائي من رواية أبي إسحاق الفزاري، كلاهما عن نافع عن ابن عمر عن عمر، جعلوه من مسند عمر، رضي الله تعالى عنه، والمشهور الأول. ١ : ٩٦ ٥٥ _ كِتَابُ الوَصَايا / باب (٣٠) والحديث مضى في: باب الشروط في الوقف في آخر كتاب الشروط، ومضى أيضاً في: باب قول الله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى﴾ [النساء: ٦]. ومضى قطعة منه في: باب إذا وقف شيئاً فلم يدفعه إلى غيره، ومضى الكلام فيه مستوفى. قوله: ((أصاب عمر بخيبر أرضاً)) هي التي تدعى ((ثمغ))، وقد مر بيانه. قوله: ((وتصدق بها عمر)) أي: تصدق بغلَّتها، وفي رواية الدارقطني بعد قوله: ولا يورث، من طريق عبيد الله ابن عمر عن نافع: ((حبيس ما دامت السموات والأرض))، وهذا يدل على أن التأبيد شرط. قوله: ((أو يطعم))، وقد مر في الرواية الماضية: أن يوكل بضم الياء. ومما يستفاد منه: ما رواه الطحاوي من طريق مالك عن ابن شهاب، قال: قال عمر، رضي الله تعالى عنه: ((لولا أني ذكرت، صدقتي لرسول الله، عَّهِ، لرددتها)). واستدل به لأبي حنيفة وزفر في أن إيقاف الأرض لا يمنع من الرجوع فيها، وأن الذي منع عمر من الرجوع كونه ذكره للنبي، عَّ له، فكره أن يفارقه على أمر ثم يخالفه إلى غيره. وقال بعضهم: لا حجة فيما ذكره من وجهين. أحدهما: أنه منقطع لأن ابن شهاب لم يدرك عمر، رضي الله تعالى عنه. ثانيهما: أنه يحتمل أن يكون عمر كان يرى بصحة الوقف ولزومه، إلاّ أن شرط الواقف الرجوع فله أن يرجع، انتهى. قلت: الجواب عن الأول: أن المنقطع في مثل رواية الزهري لا يضر، لأن الانقطاع إنما يمنع لنقصان في الراوي بفوات شرط من شرائطه المذكورة في موضعها، والزهري إمام جليل القدر لا يتهم في روايته، وقد روى عنه مثل الإمام مالك، في هذه، ولولا اعتماده عليه لما رواه عنه. وعن الثاني: بأن الاحتمال الناشىء عن غير دليل لا يُعمل به، ولا يلتفت إليه. ٣٠ - بابُ الوَقْفِ لِلْغَنِيِّ والْفَقِيرِ والصَّيْفِ أي: هذا باب في بيان جواز الوقف للغني والفقير والضيف. ٢٧٧٣/٣٤ - حدّثنا أبُو عاصِم قال حدَّثنا ابنُ عونٍ عنْ نافِعِ عنِ ابنِ عُمَرَ أنَّ عُمَرَ رضي الله تعالى عنه وجدَ مالاً بِخَيْبَرَ فَأَتَى النبيَّ عَ لَّهِ فأخْبَرَهُ قال إنْ شِئْتَ تَصَدَّقْتَ بِهَا فتَصَدَّقَ بِهَا في الفُقَرَاءِ والمَسَاكِينِ وذِي الْقُرْبى والضَّيْفِ. [انظر الحديث ٢٣١٣ وأطرافه]. مطابقته للترجمة ظاهرة، ففي قوله: ((للفقراء والمساكين)) صريح، وكذا في قوله: ((والضيف))، وأما المطابقة في الغني فتؤخذ من قوله: ((وذوي القربى)) لأنهم أعم من أن يكونوا أغنياء أو فقراء، أو بعضهم أغنياء وبعضهم فقراء، والحديث مضى عن قريب. وأبو عاصم الضحاك بن مخلد المعروف بالنبيل. ٣١ - بابُ وَقْفِ الأرضِ لِلْمَسْجِدِ أي: هذا باب في بيان جواز وقف الأرض لأجل أن يبنى عليه مسجد. ٢٧٧٤/٣٥ - حدَّثنا إِسْحَاقُ قال حدَّثنا عَبْدُ الصَّمدِ قال سَمِعْتُ أبي قال حدَّثنا أبو ٩٧ ٥٥ _ كِتابُ الوَصَايا / باب (٣٢) التَّيَّاحِ قال حدَّثني أنَسُ بنُ مالِكِ رضي الله تعالى عنه لَمَّا قَدِمَ رسولُ اللهِ عَِّ المَدِينَةَ أُمَرَ بالمَسْجِدِ وقال يا بَنِي النَّجَّارِ ثامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ هَذَا قالوا لا والله لا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إلَّ إلى الله. [انظر الحديث ٢٣٤ وأطرافه]. مطابقته للترجمة ظاهرة، والحديث قد مر عن قريب. وإسحاق، هكذا وقع غير منسوب في رواية الأكثرين إلاَّ في رواية الأصيلي. وقع منسوباً، فقال: حدثنا إسحاق بن منصور، وقال الكرماني: قال الكلاباذي: إسحاق إما الحنظلي وإما الكوسج. قلت: الحنظلي هو إسحاق بن راهويه، والكوسج هو: إسحاق بن منصور بن بهرام الكوسج، وعبد الصمد هو ابن عبد الوارث، وقد مر غير مرة. قوله: ((أمر بالمسجد))، ويروى أمر ببناء المسجد قيل: هو رواية الكشميهني. ٣٢ - بابُ وَقْفِ الدَّوَابٌ والكرَاعِ والعُرُوضِ والصَّامِتِ أي: هذا باب في بيان وقف الدواب إلى آخره، وأشار بهذه الترجمة إلى جواز وقف المنقولات، والكراع بضم الكاف وتخفيف الراء اسم للخيل، وعطفه على الدواب من عطف الخاص على العام، والعروض، بضم العين: جمع عرض، بسكون الراء وهو المتاع لا نقد فيه، والصامت ضد الناطق، وأريد به النقد من المال. قال الزُّهْرِيُّ فِيمَنْ جَعَلَ أَلْفَ دِينارٍ في سَبِيلَ الله ودفَعَهَا إلى غُلامِ لَهُ تاجِرٍ يَتْجُرُ بِها وجعَلَ رِبْحَهُ صَدَقَّةً لِلْمَسَاكِينِ وَالأَقْرَبِينَ هَلْ لِلرَّجُلِ أنْ يَأْكُلَ مِنْ رِبَحَ ذَلِكَ الأَلْفِ شَيْئاً وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جِعَلَ رِئْحَهَا صَدَقَةً في المَسَاكِينَ قالَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْها مطابقة هذا في الترجمة، لقوله: ((والصامت))، وهذا التعليق عن الزهري أخرجه ابن وهب في (موطئه) عن يونس عن الزهري. قوله: ((ذلك الألف))، ويروى: ((تلك الألف))، وجه التأنيث ظاهر، ووجه التذكير باعتبار اللفظ. قوله: ((وإن لم يكن)) شرط على سبيل المبالغة أي: هل له أن يأكل، وإن لم يجعل ربحها صدقة! فقال الزهري: ليس له وإن لم يجعل، ويقال: إنما لا يأكل منها إذا كان في غنى عنها، وأما إن احتاج، وافتقر فمباح له الأكل منها ويكون كأحد المساكين. وقال ابن حبيب: وهذا مذهب مالك وجميع أصحابنا يقولون: إنه ينفق على ولد الرجل وولد ولده من حبسه إذا احتاجوا، وإن لم يكن لهم في ذلك أسماء فإذا استغنوا فلا حق لهم، واستحسن مالك أن لا يوعبوها، إذا احتاجوا، وأن يكون سهم منهم جارياً على الفقراء لئلا يدرس، قاله ربيعة ويحيى بن سعيد. ٣٦/ ٢٧٧٥ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قال حدَّثنا يحيى قال حدَّثنا عُبَيْدُ الله قال حدَّثني نافِعٌ عنِ ابنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما أنَّ عُمَرَ حَمَلَ علَى فَرَسٍ لَهُ في سَبِيلِ الله أعْطَاهَا رسولَ الله عَّلِ لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا رَجُلاً فَأَخْبَرَ عُمَرَ أنَّهُ قَدْ وقفَهَا يَبِيعُها فَسألَ رسولَ الله عَ لِّ أَنْ يَاعَهَا فقال لا تَبْتَغْهَا ولاَ تَرْجِعَنَّ في صَدَقَتِكَ. [انظر الحديث ١٤٨٩ وطرفيه]. عمدة القاري/ ج١٤ م٧ ٩٨ ٥٥ - كِتَابُ الوَصَايا / باب (٣٣) مطابقته للترجمة في قوله: ((حمل على فرس له في سبيل الله)) ويحيى هو ابن سعيد القطان، وعبيد الله هو ابن عمر العمري، وقد مر الحديث في كتاب الهبة في: باب لا يحل لأحد أن يرجع في هبته. قوله: ((فأخبر عمر))، على صيغة المجهول. قوله: ((أن يبتاعها))، أي: يشتريها. قوله: ((ولا ترجعن))، بنون التأكيد الثقيلة. ٣٣ - بابُ نَفَقَةِ الْقَيِّمِ لِلْوَقْفِ أي: هذا باب في بيان نفقة القيم، أي: العامل على الوقف، ويدخل فيه الأجير والناظر والوكيل. ٢٧٧٦/٣٧ - حدَّثنا عبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عنْ أبِي الزِّنادِ عنِ الأَعْرَجِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ أنَّ رسولَ الله، عَلَّهِ قال لاَ يَقْتَسِمْ ورَقَّتِي دِيناراً ما تَرَكِّتُ بَعْدُ نَفَقَةِ نِسَائِي ومَؤُونَةٍ عاملي فَهْوَ صَدَقَّةٌ. [الحديث ٢٧٧٦ - طرفاه في: ٣٠٩٦، ٦٧٢٩]. مطابقته للترجمة فى قوله: ((ومؤونة عاملي))، والعامل هو القيم، وقال ابن بطال: أراد البخاري بتبويبه أن يبين أن المراد بقوله ((مؤونة عاملي)» أنه عامل أرضه التي أفاءها الله عليه من بني النضير، وفدك وسهمه من خيبر، وفي (التلويح): وفي حواشي (السنن) قيل: أراد حافر قبره، واستبعد لأنهم لم يكونوا يحفرون بأجرة، فكيف له، عَّهِ؟ وقيل: أراد الخليفة بعده، قال الكرماني: عاملي، أي: خليفتي، وأبو الزناد بالزاي والنون عبد الله بن ذكوان، والأعرج عبد الرحمن بن هرمز. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الفرائض عن إسماعيل. وأخرجه مسلم في المغازي عن يحيى بن يحيى. وأخرجه أبو داود في الخراج عن القعنبي كلهم عن مالك. ذكر معناه: قوله: ((ولا تقتسم))، قال ابن عبد البر: لا تقتسم، برفع الميم على الخبر، أي: ليس تقتسم. وقال الطبري في (التهذيب): لا تقتسم ورثتي، بمعنى النهي، لأنه لم يترك ديناراً ولا درهماً، فلا يجوز النهي عما لا سبيل إلى فعله، ومعنى الخبر: ليس تقتسم ورثتي. وقيل: يجوز بإسكان الميم على النهي. قلت: الضم أشهر، وبه يستقيم المعنى حتى لا يعارض ما روي عن عائشة وغيرها: أنه لم يترك، عَّلَّه، مالاً يورث عنه. فإن قلت: ما وجه النهي؟ قلت: هو أنه لم يقطع بأنه لا يخلف شيئاً، بل كان ذلك محتملاً، فنهاهم عن قسمة ما يخلف إن اتفق أنه خلف. قوله: ((ورثتي))، سماهم ورثة باعتبار أنهم كذلك بالقوة، ولكن منعهم من الميراث الدليل الشرعي، وهو قوله: ((ولا نورث ما تركناه صدقة)) قوله: ((ديناراً))، وفي رواية يحيى بن يحيى الأندلسي ((دنانير))، وتابعه ابن كنانة، وسائر الرواة يقولون: ديناراً؟ قال أبو عمر: هو الصواب، لأن الواحد هنا أعم عند أهل اللغة. قوله: ((بعد نفقة نسائي))، قال الخطابي: بلغني عن ابن عيينة أنه كان يقول: أزواج سيدنا رسول الله، عَّمه في معنى المعتدات لأنهن لا يجوز لهن أن ينكحن أبداً، فجرت لهن النفقة تركت حجرهن لهن يسكنَّها. ٩٩ ٥٥ - كِتابُ الوَصَايا / باب (٣٤) ٢٧٧٧/٣٨ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قال حدَّثنا حَمَّادٌ عنْ أَيُّوبَ عنْ نافِعٍ عنْ ابنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما أنَّ عُمَرَ اشْتَرَطَ في وقْفِهِ أَنْ يأْكُلَ مَنْ ولِيهُ ويُوكِلَ صَدِيقَهُ غَيْرَ مُتَمَوَّلٍ مالاً. [انظر الحديث ٢٣١٣ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((اشترط ... )) إلى آخره، والحديث مر عن قريب بأتم منه، وقد اعترض الإسماعيلي عليه بأن المحفوظ عن حماد بن زيد عن أيوب عن نافع: أن عمر، رضي الله تعالى عنه، وليس فيه: ابن عمر، ثم أورده كذلك من طريق سليمان بن حرب وغير واحد عن حماد عن أيوب عن نافع: وروي أيضاً عن أبي يعلى عن أبي الربيع عن حماد عن أيوب: أن عمر، لم يذكر نافعاً، ولا ابن عمر، ثم قال: وصله يزيد بن زريع وابن علية: حدثنا ابن صاعد حدثنا الحسين بن الحسن المروزي حدثنا ابن زريع حدثنا أيوب عن نافع عن ابن عمر، قال: أصاب عمر أرضاً ... الحديث وقول الحميدي: لم أقف على طريق قتيبة في (صحيح البخاري) ذهول شديد منه، فإنه ثابت في جميع النسخ، والله أعلم. ٣٤ - باب إذَا وَقَفَ أرْضَاً أوْ بِئراً واشْتَرَطَ لِنَفْسِهِ مِثْلَ دِلاءِ المُسْلِمِينَ أي: هذا باب يذكر فيه إذا وقف شخص أرضاً أو بئراً، قال الكرماني: وكلمة: أو، للإشعار بأن كل واحد منهما يصلح للترجمة، وإن كان بالواو فمعناه: إذا وقف بئراً واشترط، ومقصوده من هذه الترجمة الإشارة إلى جواز شرط الواقف لنفسه منفعة من وقفه. وقال ابن بطال: لا خلاف بين العلماء أن من شرط لنفسه ولورثته نصيباً في وقفه أن ذلك جائز، وقد مضى هذا المعنى في: باب هل ينتفع الواقف بوقفه؟ وأوْقَفَ أنَسّ داراً فَكَانَ إذَا قَدِمَها نَزَلَهَا أنس هو ابن مالك. قوله: ((داراً)، أي: بالمدينة. قوله: ((إذا قدِمَها)) أي: المدينة نزلها، وهذا التعليق وصله البيهقي عن أبي عبد الرحمن السلمي: أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمود المروزي حدثنا أبو عبد الله محمد بن علي الحافظ حدثنا محمد بن المثنى حدثنا الأنصاري حدثني أبي عن ثمامة عن أنس، أنه وقف داراً بالمدينة، فكان إذا حج مر بالمدينة فنزل داره. وتَصَدَّقَ الزُّبَيْرُ بِدوْرِهِ وقال لِلْمَرْدُودَةِ مِنْ بَناتِهِ أُنْ تَسْكُنَ غَيرَ مُضِرَّةٍ ولاَ مُضَرّ بِهَا فإنْ اسْتَغْتَتْ بَزَوْجٍ فَلَيْسَ لَهَا حَقٌّ الزبير هو ابن العوام، رضي الله تعالى عنه. قوله: ((للمردودة)) أي: المطلقة من بناته، ووقع في بعض النسخ: ((من نسائه))، قيل: صوَّبه بعض المتأخرين فوهم، فإن الواقع خلافها. قلت: من أين علم أن الواقع خلافها؟ فلم لا يجوز أن يكون الواقع خلاف البنات؟ وهذا التعليق وصله الدارمي في (مسنده) من طريق هشام بن عروة عن أبيه: أن الزبير جعل دوره صدقة على بنيه لا تباع ولا توهب وللمردودة من بناته، فذكر نحوه، ووصله البيهقي أيضاً. قوله: ((أن تسكن)) بفتح الهمزة، والتقدير: لأن تسكن. قوله: ((غير مضرة))، بضم الميم وكسر ١٠٠ ٥٥ _ كِتَابُ الوَصَايا / باب (٣٤) الضاد: اسم فاعل للمؤنث من الضرر. قوله: ((ولا مضر بها))، بضم الميم وفتح الضاد على صيغة اسم المفعول بالصلة. وجعَلَ ابنُ عُمَرَ نَصِيبَهُ مِنْ دَارِ عُمَرَ سُكْنَى لِذَوِي الحَاجَةِ مِنْ آلِ عَبْدِ الله أي: جعل عبد الله بن عمر الذي خصه من دار عمر، رضي الله تعالی عنه، سكنی لذوي الحاجة من آل عبد الله بن عمر، يعني: من كان محتاجاً إلى السكنى من أهله يسكن فيما خصه من دار عمر التي تصدق بها وقال: لا تباع، ولا توهب، كذا ذكره ابن سعد. ٢٧٧٨/٣٩ _ وقال عبْدَانُ أخْبَرَنِي أَبِي عنْ شُغْبَةَ عنْ أَبِي إِسْحَاقَ عنْ أَبِي عَبْدٍ الرَّحْمنِ أَنَّ عُثْمَانَ رضي الله تعالى عنهُ حَيْثُ محُوصِرَ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ وقال أَنْشُدُكُم ولا أَنْشُدُ إِلاَّ أَصْحَابَ النبيِّ عَُّلِّ أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رسولَ اللهِ، عَ لَّلِ قال مَنْ حَفَرَ رُومَةَ فَلَهُ الجَنَّةُ فَحَفَرْتُهَا أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ قال مِنْ جَهَّزَ جَيْشَ العُسْرَةِ فَلَهُ الجَنَّةُ فَجَهَّرْتُهُمْ قال فَصَدَّقُوهُ بِما قالَ. مطابقته للترجمة في قوله: ((فحفرتها) أي: حفرت رومة، قال ابن بطال: ذكر الحفر وهم من بعض الرواة، والمعروف أن عثمان اشتراها لا أنه حفرها. قلت: حفرها أو اشتراها، وهي صدقة عنه، فتطابق قوله: أو بثراً، وتمام دلالته على الترجمة من جهة تمام القصة، وهو أنه قال: دلوي فيها كدلاء المسلمين. قوله: ((عبدان))، هو عبد الله بن عثمان بن جبلة المروزي، وعبدان لقبه، يروي عن أبيه عثمان بن جبلة بن أبي رواد، واسمه: ميمون، وأبو إسحاق هو عمرو بن عبد الله السبيعي، وأبو عبد الرحمن اسمه: عبد الله بن حبيب السلمي الكوفي القاري، له ولابيه صحبة. وهذا التعليق وصله الدارقطني والإسماعيلي وغيرهما من طريق القاسم بن محمد المروزي عن عبدان بتمامه، وروى الترمذي: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن وعباس بن محمد الدوري وغير واحد، المعنى واحد، قالوا: حدثنا سعيد بن عامر، قال عبد الله: أخبرنا سعيد بن عامر عن يحيى بن أبي الحجاج المنقري عن أبي مسعود الجريري عن ثمامة بن حزن القشيري، قال: شهدت الدار حين أشرف عليهم عثمان. فقال: ائتوني بصاحبيكم اللذين ألباكم عليّ، قال: فجيء بهما كأنهما جملان - أو كأنهما حماران - قال: فأشرف عليهم عثمان، فقال: أنشدكم بالله والإسلام، هل تعلمون أن رسول الله، عَ لٍ قدم المدينة وليس بها ماء يستعذب غير بئر رومة؟ فقال: ((من يشتري بئر رومة يجعل دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة، فاشتريتها من صلب مالي، فأنتم اليوم تمنعوني أن أشرب منها حتى أشرب من ماء البحر؟ فقالوا: أللهم نعم، فقال: أنشدكم بالله والإسلام هل تعلمون أن المسجد ضاق بأهله، فقال رسول الله، عَِّ: ((من يشتري بقعة آل فلان فيزيدها في المسجد بخير له منها في الجنة، فاشتريتها من صلب مالي، فأنتم اليوم تمنعوني أن أصلي فيها ركعتين؟)) قالوا أللهم نعم، قال: أنشد كم بالله والإسلام، هل تعلمون أني جهزت جيش العسرة من مالي؟ قالوا أللهم