النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
٥٥ - كِتَابُ الوَصَايا / باب (١)
إلاَّ أن تكون وصيته مكتوبة عنده، فيستحب تعجيلها، وأن يكتبها في صحته ويُشْهِد على ما
فيها ويكتب فيها ما يحتاج إليه، فإن تجدد أمر يحتاج إلى الوصية به ألحقه بها. وقال
النووي: قالوا: لا يكلّف أن يكتب كل يوم محقرات المعاملات وجريان الأمور المتكررة، ولا
يقتصر على الكتابة بل لا يعمل بها ولا ينتفع إلاّ إذا كان أشهد عليه بها، هذا مذهبنا،
ومذهب الجمهور. فإن قلت: من أين اشتراط الإشهاد وإضمار الإشهاد فيه بعد؟ قلت: استدل
على اشتراط الإشهاد بأمر خارج لقوله تعالى: ﴿شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين
الوصية﴾ [المائدة: ١٠٦]. فإنه يدل على اشتراط الإشهاد في الوصية. وقال القرطبي: الكتابة
مبالغة في زيادة التوثيق، وإلاّ فالوصية المشهود بها متفق عليها، ولو لم تكن مكتوبة. وفيه:
الندب إلى التأهب للموت والاحتراز قبل الفوت لأن الإنسان لا يدري متى يفجأه الموت.
وفيه: يستدل بقوله: له شيء. أو: له مال، على صحة الوصية بالمنافع، وهو قول الجمهور،
ومنعه ابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وداود الظاهري وأتباعه، واختاره ابن عبد البر، والله أعلم.
تابَعَهُ مُحَمَّدُ بنُ مُسْلِمٍ عِنْ عَمْرٍو عنِ ابنِ عُمَرَ عنِ النَّبِيِّ عَ لَه
أي: تابع مالكاً في أصل الحديث: محمد بن مسلم الطائفي عن عمرو بن دينار عن
عبد الله بن عمر، رضي الله تعالى عنهما، وروى هذه المتابعة الدارقطني في (الأفراد) من
طريقه. وقال: تفرد بن عمران بن أبان الواسطي عن محمد بن مسلم، وعمران أخرج له
النسائي وضعفه، وقال ابن عدي: له غرائب عن محمد بن مسلم، ولا أعلم به بأساً، ولفظه
عند الدارقطني: ((لا يحل لمسلم أن يبيت ليلتين إلاَّ ووصيته مكتوبة عنده)). ومحمد بن
مسلم بن سوسن، ويقال ابن سوسن، ويقال: ابن سس، ويقال: ابن سنين، ويقال: ابن شونيز
الطائفي يعد في المكيين، وعن أحمد: ما أضعف حديثه، وعن يحيى: ثقة، وعنه: لا بأس به،
وذكره ابن حبان في الثقات. استشهد به البخاري في (الصحيح) وروى له في الأدب، وروى
له الباقون، مات سنة سبع وسبعين ومائة بمكة.
٢٧٣٩/٢ - حدّثنا إبراهِيمُ بنُ الحَارِثِ قال حدَّثنا يَحيى بنُ أبِي بُكَثِرٍ قال حدَّثنا
زُهَيْرُ بنُ مُعَاوِيَةَ الجُعْفِيُّ قال حدَّثنا أبو إسحاقَ عنْ عَمْرِو بنِ الحَارِثِ خَتَنِ رسولِ الله، عَ لِّ
أَخُو بجوَيْرِيَةَ بِئْتِ الحَارِثِ قال ما تَرَكَ رسولُ الله، عَ لَّلِ عِنْدَ مَوْتِهِ دِرْهَمَاً ولا دِينارَاً ولا عَبْداً
ولا أمَّةً ولا شَيْئاً إلا بَغْلَتَهُ البَيْضَاءَ وسِلاَحَهُ وَأَرْضَاً جعَلَهَا صَدَقَةً. [الحديث ٢٧٣٩ - أطرافه
في: ٢٨٧٣، ٢٩١٢، ٣٠٩٨، ٤٤٦١].
مطابقته للترجمة لا تتأتى من حيث الوصية، لأنه لا ذكر لها فيه، ولكن من حيث إن
فيه: التصدق بمنفعة الأرض وحكمها حكم الوقف، وهو في معنى الوصية لبقائها بعد الموت،
وقال الكرماني: فإن قلت: ما وجه تعلقه بباب الوصية؟ قلت: حيث لا مال لا وصية به.
انتهى. قلت: إذا لم تكن وصيته لعدم المال فكيف يطابق الترجمة؟ والوجه ما ذكرناه.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: إبراهيم بن الحارث البغدادي سكن نيسابور ومات

٤٢
٥٥ _ كِتَابُ الوَصَايا / باب (١)
سنة خمس وستين ومائتين. الثاني: يحيى بن أبي بكير، بضم الباء الموحدة وفتح الكاف
وسكون الياء آخر الحروف: العبدي الكوفي قاضي كرمان، بفتح الكاف وكسرها وسكون
الراء، مات سنة ثمان ومائتين. الثالث: زهير - مصغر الزهر - ابن معاوية، وقد مر في الوضوء.
الرابع: أبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي الكوفي. الخامس: عمرو بن الحارث بن أبي
ضرار بن عائذ بن مالك بن خزيمة، وهو المصطلق بن سعد بن كعب بن عمرو وهو خزاعة
المصطلقي الخزاعي أخو جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار زوج النبي معَّله.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في أربعة مواضع. وفيه: أن شيخه
من أفراده. وقال بعضهم: ليس له في البخاري غير هذا الحديث، وذكر في (رجال
الصحيحين) المشتمل على كتابي أبي نصر الكلاباذي وأبي بكر الأصبهاني: أن البخاري
روى عن إبراهيم هذا حديثين في تفسير سورة الحج حديثاً، وفي الوصايا حديثاً. وفيه: أبو
إسحاق روى عن عمرو بن الحارث بالعنعنة، ووقع التصريح بسماعه منه في الخمس من هذا
الكتاب، وفيه: يحيى بن أبي بكير، ربما يلتبس بيحيى بن بكير فيرتفع الالتباس بأن يحيى بن
بكير مصري صاحب الليث، وأبوه بكير غير مكنى، ويحيى بن أبي بكير أبوه مكنى، وهو
کرمانی کما ذکرنا.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الخمس عن مسدد،
وفي الجهاد عن عمرو بن علي وفيه عن عمرو بن العباس وفي المغازي عن قتيبة. وأخرجه
الترمذي في الشمائل عن أحمد بن منيع. وأخرجه النسائي في الأجناس عن قتيبة به وعن
عمرو بن علي.
ذكر معناه: قوله: ((ختن رسول الله، عَ لَه))، هذا أي: كونه ختن رسول الله، عَّ له على
قول ابن الأعرابي، وابن فارس والأصمعي لأن الختن عندهم من قبل المرأة مثل الأخ، والأب
وكل من كان من قبلها. وأما عند العامة فختن الرجل زوج ابنته والصهر من قبل الزوج، وقيل:
الختن الزوج ومن كان ذوي رحمه، والصهر من قبل المرأة. وقال ابن الأثير: الأختان من قبل
المرأة. والأحماء من قبل الرجل، والصهر يجمعهما. قوله: ((أخو جويرية)) ويروى: أخي جويرية،
وجه الأول أنه مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هو أخو جويرية، ووجه الثاني أنه
عطف بيان، لأن لفظ: ختن، مجرور على أنه وصف عمرو بن الحارث، أو عطف بيان، أو
بدل. قوله: ((ولا عبداً ولا أمة))، أي: في الرقية، لأنه كان له عبيد وإماء، وقد ذكرنا في
(تاريخنا الكبير): أنه كان له عبيد ما ينيف على ستين، وكانت له عشرون أمة، فهذا يدل
على أن منهم من مات في حياة النبي عَّله، ومنهم من أعتقهم ولم يبق بعده عبد ولا أمة،
وهو في الرقية. قوله: ((ولا شيئاً)) من عطف العام على الخاص، هذا هكذا في رواية
الأكثرين، وفي رواية الكشميهني: ولا شاة، وهي رواية الإسماعيلي أيضاً، وفي رواية مسلم
وأبي داود والنسائي وآخرين من رواية مسروق عن عائشة، قالت: ((ما ترك رسول الله، عَ لَه،
درهماً ولا ديناراً ولا شاةً ولا بعيراً ولا أوصى بشيء)).

٤٣
٥٥ - كِتَابُ الوَصَايا / باب (١)
قوله: ((إلاَّ بغلته البيضاء))، اعلم أنه كانت له، عَّه، ست بغال: بغلة شهباء: يقال لها
الدلدل، أهداها له المقوقس. وبغلة يقال لها فضة، أهداها له فروة بن عمرو الجذامي، فوهبها
لأبي بكر، رضي الله تعالى عنه. وبغلة بعثها صاحب دومة الجندلة. وبغلة أهداها له ابن
العلماء ملك أيلة، ويقال لها: إيلية، وقال مسلم: كانت بيضاء. وبغلة أهداها له النجاشي.
وبغلة أهداها له كسرى، ولا يثبت ذلك، ولم يكن فيها بيضاء، إلاَّ الأيلية، ولم يذكر أهل
السير بغلة بقيت بعده، عليه الصلاة والسلام، إلاَّ الدلدل. قالوا: إنها عمرت بعده عَ لَّه حتى
كانت عند علي بن أبي طالب، وتأخرت أيامها حتى كانت بعد علي، رضي الله تعالى عنه،
عند عبد الله بن جعفر، وكان يحش لها الشعير لتأكله لضعفها، وفي (المرآة) وبقيت إلى أيام
معاوية، فماتت بينبع، والظاهر أن التي في الحديث هي إياها، لأن الشهبة غلبة البياض على
السواد، ومنه تسمى: الشهباء بيضاء. قوله: ((وسلاحه)) وقال ابن الأثير: السلاح ما أعددته
للحرب من آلة الحديد. مما يقاتل به، والسيف وحده يسمى سلاحاً. قلت: فعلى هذا، المراد
من قوله: وسلاحه، هو سيوفه وأرماحه، وكانت له عشرة أسياف، والمشهور منها: ذو الفقار،
الذي تنفله يوم بدر، وهو الذي تأخر بعده، وفي (المرآة): لم يزل ذو الفقار عنده، عَ لّه، حتى
وهبه لعلي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه، قبل موته، ثم انتقل إلى محمد بن الحنفية،
ثم إلى محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسين، رضي الله تعالى عنهم، وكانت له خمسة
من الأرماح. قوله: ((وأرضاً جعلها صدقة))، وفي المغازي من رواية أبي إسحاق: ((وأرضاً
جعلها لابن السبيل صدقة))، وقال ابن التين: وهي فدك، والتي بخيبر، إنما تصدق بها في
صحته، وأخبر بالحكم بعد وفاته، وإليه أشارت عائشة، رضي الله تعالى عنها، في حديثها
الذي رواه مسلم وغيره، ولا أوصى بشيء.
٢٧٤٠/٣ - حدّثنا خَلاَّدُ بنُ يَخيى قال حدَّثنا مالِكٌ قال حدَّثنا طَلْحَةُ بنُ مُصَرّفٍ
قال سألْتُ عَبْدَ الله بنَ أبِي أوْفَى رضي الله تعالى عنهُما هَلْ كانَ النبيُّ عَ لِ أوْضى فقال لا
فقُلْتُ كَيْفَ كُتِبَ عَلَى النَّاسِ الوَصِيَّةُ أَوْ أُمِرُوا بالوَصِيَّةِ قال أوْصَى بِكِتَابِ الله. [الحديث
٢٧٤٠ - طرفاه في: ٤٤٦٠، ٥٠٢٢].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((كيف كتب على الناس ... )) إلى آخره، وخلاد،
بفتح الخاء المعجمة وتشديد اللام: ابن يحيى بن صفوان أبو محمد السلمي الكوفي، وهو
من أفراد البخاري، ومالك هو ابن مغول، بكسر الميم وسكون الغين المعجمة وفتح الواو
وباللام: البجلي الكوفي، مات سنة تسع وخمسين ومائة، وفي بعض النسخ: حدثنا مالك هو
ابن مغول، فالظاهر على هذه النسخة أن شيخ البخاري لم ينسبه، فلذلك قال: هو ابن مغول،
وهذا من جملة احتياط البخاري، ومغول: هو ابن عاصم البجلي الكوفي مات سنة تسع
وخمسين ومائة، في أولها، وطلحة بن مصرف، بلفظ اسم الفاعل من التصريف: ابن عمرو بن
كعب اليامي، من بني يام من همدان مات سنة ثنتي عشرة ومائة، وعبد الله بن أبي أوفى
واسمه علقمة بن خالد الأسلمي، له ولأبيه صحبة.

٤٤
٥٥ _ كِتَابُ الوَصَايا / باب (١)
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في المغازي عن أبي نعيم، وفي فضائل القرآن عن
محمد بن يوسف، وأخرجه مسلم في الوصايا عن يحيى بن يحيى وعن أبي بكر بن أبي شيبة
وعن محمد بن عبد الله بن نمير عن أبيه. وأخرجه الترمذي فيه عن أحمد بن منيع، وأخرجه
النسائي فيه عن إسماعيل بن مسعود. وأخرجه ابن ماجه فيه عن علي بن محمد.
قوله: ((فقال: لا))،أي: ما أوصى، أراد به ما أوصى بالمال، لأنه لم يترك مالاً، ثم إن
ابن أبي أوفى لما فهم أن النفي عام بحسب الظاهر عاد وسأل، فقال: ((كيف كتب على
الناس الوصية؟ فقال رسول الله، عَّمه في جوابه: بكتاب الله))، أي: أوصى بكتاب الله، أي:
بالعمل به، ويقال أراد بالنفي أولاً الوصية التي زعم بعض الشيعة أنه أوصى بالأمر إلى علي،
رضي الله تعالى عنه، وقد تبرأ علي، رضي الله تعالى عنه، من ذلك حين قيل: ((أعهد إليك
رسول الله، عَّمِ بشيء لم يعهده إلى الناس؟ فقال: لا، والذي فلق الحلبة وبرأ النسمة ما
عندنا إلاَّ كتاب الله وما في هذه الصحيفة)) وهو يرد لما أكثره الشيعة من الكذب على أنه
أوصى له بالخلافة، وأما أرضه وسلاحه وبغلته فلم يوصٍ فيها على جهة ما يوصي الناس في
أموالهم، لأنه قال: ((لا نورث ما تركنا صدقة))، فكان جميع ما خلفه صدقة، فلم يبق بعد
ذلك ما يوصي به من الجهة المالية. قوله: ((أوَ أُمِروا بالوصية؟) شك من الراوي: وهو على
صيغة المجهول، وروى ابن حبان هذا الحديث بلفظ يوضح ما في رواية البخاري من المنافاة
الظاهرة، أخرجه من طريق ابن عيينة عن مالك بن مغول بلفظ: ((سئل ابن أبي أوفى: هل
أوصى رسول الله، عَ لَه؟ قال: ما ترك شيئاً يوصي فيه، فقيل: فكيف أمر الناس بالوصية ولم
یوص؟ قال: أوصى بكتاب الله)).
٢٧٤١/٤ _ حدَّثنا عَمْرُو بِنُ زُرَارَةَ قال أخبرَنا إِسْمَاعِيلُ عنِ ابنِ عونٍ عنْ إبْرَاهِيمَ عنِ
الأَسْوَدِ قال ذَكَرُوا عِنْدَ عائِشَةَ أنَّ عِلِيّاً رضي الله تعالى عنهما كانَ وصِيّاً فقالَتْ مَتَى أَوْطى
إِلَيْهِ وَقَدْ كُنْتُ مُسْنِدَتَهُ إِلَى صَدْرِي أوْ قالَتْ حَجْرِي فَدَعَا بالطَّسْتِ فَلَقَدِ انْخَنَثَ في حَجْرِي
فَمَا شَعَرْتُ أَنَّهُ قَدْ ماتَ فَمَثَى أَوْضِى إِلَيْهِ. [الحديث ٢٧٤١ - طرفه في: ٤٤٥٩].
مطابقته للترجمة من حيث إن فيه أمر الوصية وإنكار عائشة إياها، وعمرو، بفتح العين:
ابن زرارة، بضم الزاي وتخفيف الراء الأولى: ابن واقد الكلابي النيسابوري، روى عنه مسلم
أيضاً وإسماعيل هو المعروف بابن علية، وقد مر غير مرة، وابن عون هو عبد الله بن عون،
وقد مر عن قريب، وإبراهيم هو النخعي، والأسود هو ابن يزيد خال إبراهيم.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في المغازي عن عبد الله بن محمد. وأخرجه مسلم
في الوصايا عن يحيى بن يحيى وعن أبي بكر بن أبي شيبة كلاهما عن إسماعيل وأخرجه
الترمذي في الشمائل عن حميد بن مسعدة. وأخرجه النسائي في الطهارة وفي الوصايا عن
عمرو بن علي وفي الوصايا أيضاً عن أحمد بن سليمان. وأخرجه ابن ماجه في الجنائز عن
أبي بكر بن أبي شيبة.

٤٥
٥٥ _ كِتَابُ الوَصَايا / باب (٢)
قوله: ((ذكروا عند عائشة))، قال القرطبي: الشيعة قد وضعوا أحاديث في أن النبي،
عَّ لِ أوصى بالخلافة لعلي، رضي الله تعالى عنه، فرد عليهم جماعة من الصحابة ذلك، وكذا
من بعدهم، فمن ذلك ما قالته عائشة من إنكار ذلك حيث قالت: ((قد كنت مسندته ... )) إلى
آخره. وقيل: الذي يظهر أنهم ذكروا عندها أنه أوصى له بالخلافة في مرض موته فلذلك ساغ
لها إنكار ذلك، وأسندت إلى ملازمتها له في مرض موته إلى أن مات في حجرها فلم يقع
شيء من ذلك، فلذلك أنكرتها. فإن قلت: هذا لا ينفي وقوع ذلك قبل مرض موته؟ قلت:
حديث علي الذي مضى عن قريب يرد وقوعه أصلاً. قوله: ((مسندته))، بلفظ اسم الفاعل من
الإسناد. قوله: ((حجري))، بفتح الحاء وكسرها، وقال ابن الأثير: الحجر، بالفتح والكسر:
الثوب والحضن، والمصدر بالفتح لا غير. قوله: ((انخنث))، أي: انثنى ومال إلى السقوط،
ومادته: خاء معجمة ونون وثاء مثلثة، وقال ابن الأثير: ((انخنث)) أي: انكسر وانثنى لاسترخاء
أعضائه عند الموت، وقال صاحب (العين): انخنث السقاء وخنث إذا مال، ومنه المخنث
للينه وتكسر أعضائه.
٢ - بابٌ أن يَتْرُكَ ورَفَتَهُ أَغْنِياءٌ خيرٌ مِنْ أَنْ يَتَكَفَّقُوا النَّاسَ
أي: هذا باب يذكر فيه أن يترك ... إلى آخره، وأخذ هذه الترجمة من لفظ الحديث
مع بعض تغير في اللفظ، فإن لفظ الحديث: ((إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم
عالة يتكففون الناس))، وكلمة: أن، يجوز فيها فتح الهمزة وكسرها، ففي الفتح يكون: أن،
مصدرية تقديره: بأن يترك، أي: تركه ورثته أغنياء. فقوله أن يترك في محل الرفع على الابتداء
بالتقدير المذكور، وقوله: خير، خبره، وفي الكسر تكون: إن شرطية وجزاؤها محذوف
تقديره: إن يترك ورثته أغنياء فهو خير، وقال ابن مالك: من خص هذا الحكم بالشعر فقد
ضيق الواسع، والتكفف بسط الكف للسؤال، أو يسأل الناس كفافاً من الطعام أو ما يكف
الجوعة، أو بمعنى: يسألون بالكف.
٢٧٤٢/٥ - حدَّثنا أَبُو نُعَيْمِ قال حدَّثنا سُفْيانُ عنْ سَعْدِ بنِ إِبْرَاهِيمَ عنْ عامِرٍ بِنِ
سَعدٍ عنْ سَعْدِ ابنِ أبِي وقَّاصٍ رضي الله تعالى عنه قال جاءَ النبيُّ، عَّهِ يَعُودُنِي وَأَنَا بِمَكَّةً
وهوَ يَكْرَهُ أَنْ يَمُوتَ بالأرْضِ الَّتِي هاجَرَ مِنْهَا قَال يَرْحَمُ الله ابنَ عَفْرَاءَ قُلْتُ يا رسولَ الله
أُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ قال لا قُلْتُ فالشَّطْرِ قال لا قلْتُ الثُّلْثُ قال فالثُّلْثِ والُّلْثُ كَثِيرٌ إِنَّكَ أَنْ
تدَعَ ورَقَتَكَ أُغْنِيَاءَ خِيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عالَةٌ يَتَكَفُّفُونَ النَّاسَ في أَيْدِيهِمْ وإِنَّكَ مَهْمَا أَنْفَقْتَ
مِنْ نَفَقةٍ فإِنَّهَا صَدَقَةٌ حَتَّى اللُّقْمَةُ الَّتِي تَرْفَعُهَا إلى في امْرَأْتِكَ وَعَسى الله أنْ يَرْفَعَكَ
فَيَنْتَفِعَ بِكَ نَاسٌ ويُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ يَوْمَئِذٍ إلَّ ابنةٌ. [انظر الحديث ٥٦ وأطرافه].
مطابقته للترجمة من حيث إنها منه كما ذكرناه عن قريب. وأبو نعيم، بضم النون:
الفضل بن دكين، وسفيان هو ابن عيينة، وسعد بن إبراهيم هو ابن عبد الرحمن بن عوف،
وعامر بن سعد يروي عن أبيه سعد بن أبي وقاص، رضي الله تعالى عنه.

٤٦
٥٥ - كِتَابُ الوَصَايا / باب (٢)
والحديث مضى في كتاب الجنائز في: ((باب رثاء النبي، عَلَّه، سعد بن خولة))، وقد
مضى بعض الكلام فيه، ولنتكلم أيضاً زيادة للفائدة.
قوله: ((يعودني))، جملة وقعت حالاً، وكذلك قوله: ((وأنا بمكة))، حال، وزاد الزهري
في روايته في حجة الوداع: من وجع اشتد بي، وله في الهجرة: من وجع أشفيت منه على
الموت. واتفق أصحاب الزهري على أن ذلك كان في حجة الوداع إلاّ ابن عيينة، قال: في
فتح مكة، أخرجه الترمذي وغيره من طريقه واتفق الحفاظ على أنه وهم فيه، وقد أخرجه
البخاري في الفرائض من طريقه، فقال: ((بمكة))، ولم يذكر الفتح، ويؤيد كلام ابن عيينة ما
رواه أحمد والبزار والطبراني والبخاري في (التاريخ) وابن سعد من حديث عمرو بن القاري: أن
رسول الله، عَ ليه، قدم فخلف سعداً مريضاً حيث خرج إلى حنين، فلما قدم من الجعرانة
معتمراً دخل عليه وهو مغلوب، فقال: يا رسول الله! إن لي مالاً وإني أورث كلالة، أفأوصي
بما لي ... الحديث، وفيه: قلت: يا رسول الله! أميّت أنا بالدار التي خرجت منها مهاجراً؟
قال: إني لأرجو أن يرفعك الله حتى ينتفع بك أقوام ... الحديث.
فإن قلت: بين الروايتين فيهما ما فيه؟ قلت: يمكن التوفيق بينهما بأن يكون ذلك وقع
مرتين: مرة عام الفتح، ومرة عام حجة الوداع ففي الأولى: لم يكن له وارث من الأولاد
أصلاً. وفي الثانية: كانت له بنت فقط. قوله: ((وهو يكره أن يموت بالأرض التي هاجر
منها))، قال الكرماني: وهو يكره، أي: رسول الله، عَّه، وهو كلام سعد يحكي كلام رسول
الله، عَّهِ، أو هو كلام عام يحكي حال ولده، وقال بعضهم: قوله: ((وهو يكره أن يموت
بالأرض التي هاجر منها))، يحتمل أن تكون الجملة حالاً من المفعول وهو سعد ففيه
التفات، لأن السياق يقتضي أن يقول: وأنا أكره ... انتهى. قلت: هذا لا يخلو من التعسف،
والظاهر من التركيب أن الجملة حال من النبي، عَّهِ، والضمير في: يكره، يرجع إليه، والذي
في: يموت، يرجع إلى سعد، ولا يلزم من ذلك أن لا يكون سعد كارهاً أيضاً، لأن النبي،
عَّ له، إذا كان كارهاً لذلك فكراهة سعد بالطريق الأولى، ودل على كراهته ما رواه مسلم من
طريق حميد بن عبد الرحمن عن ثلاثة من ولد سعد عن سعد، بلفظ: ((فقال: يا رسول الله!
خشيت أن أموت بالأرض التي هاجرت منها، كما مات سعد بن خولة)). قوله: ((قال: يرحم
الله ابن عفراء))، كذا وقع في هذه الرواية، وفي رواية أحمد والنسائي من طريق عبد الرحمن
بن مهدي عن سفيان، فقال النبي، عَُّلِّ: ((يرحم الله سعد بن عفراء، ثلاث مرات)). قال
الداودي: قوله: ((ابن عفراء)) غير محفوظ، وقال الحافظ الدمياطي: هو وهم، والمعروف: ابن
خولة. قال: ولعل الوهم من سعد ابن إبراهيم، فإن الزهري أحفظ منه. وقال فيه: سعد ابن
خولة، يشير بذلك إلى ما وقع في رواية النسائي من طريق جرير بن يزيد عن عامر بن سعد:
لكن البائس سعد بن خولة مات في الأرض التي هاجر منها.
قلت: البائس اسم من بئس يبأس بؤساً وبأساً: إذا خضع وافتقر واشتدت حاجته، وقال
التيمي: يحتمل أن يكون لأمه إسمان: خولة وعفراء، وقال غيره: ويحتمل أن يكون أحدهما

٤٧
٥٥ - كِتَابُ الوَصَايا / باب (٢)
إسماً والآخر لقباً، أو أحدهما اسم أمه والآخر اسم أبيه أو اسم جدة له، وقيل في خولة:
خوليّ، بكسر اللام وتشديد الياء والواو ساكنة بلا خلاف، وأغرب ابن التين فحكى عن
القابسي فتحها، ووقع في رواية ابن عيينة في الفرائض، قال سفيان: وسعد ابن خولة رجل من
بني عامر بن لؤي، وذكر ابن إسحاق: أنه كان حليفاً لهم، وقيل: كان من الفرس الذين نزلوا
اليمن. قوله: ((قلت: يا رسول الله! أوصي بمالي كله؟)) وفي رواية عائشة بنت سعد عن أبيها
في الطب: أفأتصدق بثلثي مالي؟ وكذا وقع في رواية الزهري. فإن قلت: لفظ: أتصدق،
يحتمل التنجيز والتعليق بخلاف لفظ: أوصي. قلت: لما كان متحداً حمل لفظ: أتصدق،
على التعليق جمعاً بين الروايتين، فإن قلت: ما وجه الاختلاف في السؤال؟ قلت: كأنه سأل
أولاً عن الكل، ثم سأل عن الثلثين، ثم سأل عن النصف، ثم سأل عن الثلث، وقد وقع
مجموع ذلك في رواية الطبراني في (الكبير) من حديث عبيد الله بن عياض عن أبيه عن
جده عمرو بن عبد القاري: أن رسول الله، عَّ دخل على سعد بن مالك يوم الفتح ...
الحديث، وفيه: فقال سعد: يا رسول الله! ((إن مالي كثير وإنني أورث كلالة، أفأتصدق بمالي
كله؟ قال: لا. قال: أفأتصدق بثلثيه؟ قال: لا. قال: أفأتصدق بشطره؟ قال: لا. قال: أفأتصدق
بثلثه؟ قال: نعم، وذلك کثیر)).
قوله: ((قلت فالشطر))، أي: النصف، قال الكرماني: هو بالجر أو الرفع؟ قلت: وجه
الجر أن يكون معطوفاً على قوله: بمالي كله، ووجه الرفع على تقدير حذف الرافع، تقديره:
أفيجوز الشطر؟ ونسب إلى الزمخشري جواز النصب على تقدير: أعيَّنَ الشطرَ أو أسمي أو
نحو ذلك. قوله: ((قلت: الثلث؟)) يجوز فيه الرفع والنصب، وفي بعض النسخ: فالثلث، بالفاء،
فإن صحت هذه فيجوز فيه الجر أيضاً، ولا يخفى ذلك على من يتأمل فيه. قوله: ((قال:
فالثلث؟)) نصب على الإغراء، ويجوز الرفع على الفاعل، أي: يكفيك الثلث؟ أو على تقدير
الابتداء والخبر محذوف أو على العكس. قوله: ((والثلث كثير))، بالثاء المثلثة أو بالباء
الموحدة. وقوله: ((قلت: فالثلث؟ قال: الثلث، والثلث كثير))، كذا هو في أكثر الروايات،
وفي رواية الزهري في الهجرة: ((قال: الثلث يا سعد، والثلث كثير))، وفي رواية مسلم عن
مصعب بن سعد عن أبيه: ((قلت: فالثلث؟ قال: نعم، والثلث كثير)). وفي رواية عائشة بنت
سعد عن أبيها في الباب الذي يليه: ((قال: الثلث، والثلث كثير أو كبير)). وفي رواية النسائي
من طريق أبي عبد الرحمن السلمي عن سعد بلفظ: ((فقال: أوصيت؟ قلت: نعم، قال: بكم؟
قلت: بمالي كله. قال: فما تركت لولدك؟ وفيه: أوصٍ بالعشر؟ قال: فما زال يقول وأقول
حتى قال: أوص بالثلث، والثلث كثير أو كبير)) يعني: بالمثلثة أو بالموحدة، وهو شك من
الراوي، والمحفوظ في أكثر الروايات بالمثلثة، ومعناه كثير بالنسبة إلى ما دونه.
قوله: ((إنك إن تدع))، قد مر الكلام فيه في أول الباب وقال النووي: فتح: ((إن))
وكسرها صحيحان، يعني: بالفتح تكون للتعليل، وبالكسر تكون للشرط. وقال القرطبي: لا
معنى للشرط هنا لأنه يصير لا جواب له ويبقى: خير، لا رافع له، وقال ابن الجوزي: سمعناه

٤٨
٥٥ _ كِتَابُ الوَصَايا / باب (٢)
من رواه الحديث بالكسر، وأنكره شيخنا عبد الله بن أحمد، يعني: ابن الخشاب، وقال: لا
يجوز الكسر، لأنه لا جواب له لخلو لفظ: خير، من الفاء، انتهى. قلت: هذا كلام ساقط من
رجل ضابط، وقد قلنا: إن الفاء حذفت وتقديره: فهو خير، وحذف الفاء من الجزاء سائغ
شائغ غير مختص بالضرورة. قوله: ((ورثتك))، قيل: إنما عبر بلفظ: الورثة، ولم يقل: أن تدع
بنتك، مع أنه لم يكن له يومئذ إلاَّ ابنة واحدة لكون الوارث حينئذ لم يتحقق، لأن سعداً إنما
قال ذلك بناء على موته في ذلك المرض وبقائها بعده حتى ترثه، فأجابه عَ ◌ّهِ بكلام كلي
مطابق لكل حاله، وهو قوله: ((ورثتك))، ولم يخص بنتاً من غيرها. وقيل: إنما عبر: بالورثة،
لأنه اطلع على أن سعداً سيعيش ويأتيه أولاد غير البنت المذكورة، فكان ذلك، وولد له بعد
ذلك أربعة بنين، ولا أعرف أسماءهم، ولعل الله أن يفتح بذلك، وهذا ذهول شديد منه، فإن
ثلاثة من أولاده مذكورون في رواية هذا الحديث عند مسلم من طريق عامر ومصعب
ومحمد ثلاثتهم عن سعد، والرابع وهو عمر بن سعد في موضع آخر، وله غير هؤلاء من
الذكور: إبراهيم ويحيى وإسحاق وعبد الله وعبد الرحمن وعمرو وعمران وصالح وعثمان
وإسحاق الأصغر وعمر الأصغر وعمير مصغراً وغيرهم، ومن البنات: ثنتا عشرة بنتاً، وقيل: لأن
ميراثه لم يكن منحصراً في بنته، وقد كان لأخيه عتبة بن أبي وقاص أولاد إذ ذاك منهم:
هاشم بن عتبة الصحابي الذي قتل بصفين.
قوله: ((عالة)) أي: فقراء، وهو جمع: عائل، وهو الفقير من: عال يعيل إذا افتقر ومر
تفسيره: يتكففون، في أول الباب. قوله: ((في أيديهم)) أي: بأيديهم، أو المعنى: يسألون
بالكف اللقاء في أيديهم. قوله: ((وإنك))، عطف على قوله: ((إن تدع)) وهذا كأنه علة للنهي
عن الوصية بأكثر من الثلث، فينحل التركيب إلى قوله: لا تفعل، لأنك إن مت تركت ورثتك
أغنياء، وإن عشت تصدقت وأنفقت، فالأجر حاصل لك حياً وميتاً. قوله: ((فإنها صدقة)) أي:
فإن النفقة صدقة، وأطلق الصدقة في هذه الرواية وفي رواية الزهري: ((فإنك لن تنفق نفقة
تبتغي بها وجه الله إلاّ أجرت بها))، وفيه ذكرها مقيدة بابتغاء وجه الله وعلق حصول الأجر
بذلك وهو المعتبر. وفيه دلالة على أن أجر الواجب يزداد بالنية، لأن الأعمال بالنيات. قوله:
((حتى اللقمة))، حتى هذه ابتدائية، يعني: حرف ابتداء ابتدأ بعده إما جملة إسمية، كما في
قوله: حتى ماء دجلة، أشكل، أو فعلية، كما في قوله: حتى عفوا، وهنا الجملة إسمية من
المبتدأ والخبر، وقال بعضهم: حتى اللقمة، بالنصب عطفاً على نفقة، وفيه نظر، قوله: ((إلى
في امرأتك)) أي: إلى فم امرأتك.
فإن قلت: ما وجه تعلق النفقة بقصة الوصية؟ قلت: لما كان سؤال سعد مشعراً برغبته
في تكثير الأجر ومنعه عَّلَ﴾ من الزيادة على الثلث، قال له مسلياً: إن جميع ما تفعله في
مالك من صدقة ناجزة، ومن نفقة، ولو كانت واجبة توجر بها إذا ابتغيت بذلك وجه الله
تعالى. فإن قلت: ما وجه تخصيص المرأة بالذّكر؟ قلت: لأن نفقتها مستمرة بخلاف غيرها.
قوله: ((عسى الله أن يرفعك))، أي: يطيل عمرك، وكذلك اتفق فإنه عاش بعد ذلك أزيد من

٤٩
٥٥ - كِتابُ الوَصَايا / باب (٢)
أربعين سنة، لأنه مات سنة خمس وخمسين من الهجرة. وقيل: سنة ثمان وخمسين، فيكون
عاش بعد حجة الوداع خمساً وأربعين أو ثمانياً وأربعين سنة. قوله: ((فينتفع بك ناس)) أي:
ينتفع بك المسلمون بالغنائم مما سيفتح الله على يديك من بلاد الشرك، ويضرّ بك
المشركون الذين يهلكون على يديك، وزعم ابن التين أن المراد بالنفع به ما وقع من الفتوح
على يديه: كالقادسية وغيرها، وبالضرر ما وقع من تأمير ولده عمر بن سعد على الجيش الذين
قتلوا الحسين بن علي ومن معه، وقال بعضهم: هو مردود لتكلفه بغير ضرورة تحمل على
إرادة الضرر الصادر من ولده. قلت: لا ينظر فيه من هذا الوجه، بل فيه معجزة من معجزات
النبي عَّلِ حيث أخبر بذلك بالإشارة قبل وقوعه. وعن الطحاوي في ذلك وجه آخر، وهو أنه
روي من طريق بكير بن عبد الله بن الأشج عن أبيه: أنه سأل عامر بن سعد عن معنى قول
النبي عَّ ل هذا، فقال: لما أمر سعدٌ على العراق أتى بقوم ارتدوا فاستتابهم، فتاب بعضهم
وامتنع بعضهم، فانتفع به من تاب وحصل الضرر للآخرين. قوله: ((ولم يكن له يومئذ إلاّ
ابنة))، وفي رواية عائشة بنت سعد أن سعداً قال: ((ولا يرثني إلاّ ابنة واحدة)). قال النووي:
معناه لا يرثني من الولد. أو من خواص الورثة أو من النساء، وإلاَّ فقد كان لسعد عصبات،
لأنه من بني زهرة وكانوا كثيرين. وقيل: معناه لا يرثني من أصحاب الفروض. وقيل: خصها
بالذكر على تقدير: لا يرثني ممن أخاف عليه الضياع والعجز إلاَّ هي. وقيل: ظن أنها ترث
جميع المال، وقيل: استكثر لها نصف التركة. فإن قلت: هل ذكر أحد من الشراح اسم هذه
البنت؟ قلت: ذكر بعضهم عن بعض المتأخرين أن اسمها: عائشة، ثم قال: فإن كان هذا
محفوظاً فهي غير عائشة بنت سعد التي روت هذا الحديث عند البخاري، في الباب الذي
يليه، وفي الطب وهي تابعية عمرت حتى أدركها مالك، وروى عنها، وماتت سنة سبع عشرة
ومائة، لكن لم يذكر أحد من النسابين لسعد بنتاً تسمى عائشة غير هذه، وذكروا أن أكبر
بناته: أم الحكم الكبرى، وأمها بنت شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة، وذكروا له
بنات أخرى أمهاتهن متأخرات الإسلام بعد الوفاة النبوية، فالظاهر أن البنت المذكورة هي: أم
الحكم، المذكورة لتقدم تزويج سعد بأمها. انتهى، وهذا أيضاً تخمين، والله أعلم.
ذكر ما يستفاد منه: قد ذكرنا أكثر ذلك في كتاب الجنائز في: باب رثاء النبي، عَّة.
سعد بن خولة، ولنذكر بعض شيء. وفيه: زيارة المريض للإمام فمن دونه. وفيه: دعاء الزائر
للمريض بطول العمر. وفيه: الحث على صلة الرحم والإحسان إلى الأقارب، وأن صلة
الأقرب أفضل من صلة الأبعد. وفيه: الإنفاق في وجوه الخير، لأن المباح إذا قصد به وجه
الله، صار طاعة، وقد نبه على ذلك بأقل الحظوظ الدنيوية العادية، وهو وضع اللقمة في فم
الزوجة إذ لا يكون ذلك غالباً إلاَّ عند الملاعبة والممازحة، ومع ذلك فهو يؤجر عليه إذا
قصد به قصداً صحيحاً، فكيف بما هو فوق ذلك؟ وفيه: أن من لا وارث له يجوز له الوصية
بأكثر من الثلث، لقوله عَ لّةٍ: ((أن تذر ورثتك أغنياء))، فمفهومه أن من لا وارث له لا يبالي
بالوصية بما زاد على الثلث)). وفيه: استدلال من يرى بالرد بقوله: ولا يرثني إلاَّ ابنة لي،
عمدة القاري/ ج١٤ م٤

٥٠
٥٥ - كِتَابُ الوَصَايا / باب (٣)
للحصر. واعترض عليه بعضهم بأن المراد من ذوي الفروض، ومن قال بالرد لا يقول بظاهره،
لأنهم يعطونها فرضها ثم يردون عليها الباقي. وظاهر الحديث: أنها ترث الجميع ابتداء.
انتهى. قلت: هذا عند ظنه أنها ترث الجميع، والبنت الواحدة ليس لها إلاَّ النصف والباقي
يكون بالرد بنص آخر، وهو قوله تعالى: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾ [الأنفال:
٧٥]. يعني: بعضهم أولى بالميراث بسبب الرحم، والله أعلم.
٣ - بابُ الوَصِيَّةِ بالثُّلْثِ
أي: هذا باب في بيان جواز الوصية بالثلث.
:
وقالَ الحَسَنُ لا يَجُوزُ للذِّمَّيِّ وصِيَّةٌ إِلاَّ الثُّلُثَ
الحسن هو البصري أراد أن الذمي إذا أوصى بأكثر من ثلث ماله لا يجوز، وأما
المسلم إذا أوصى بأكثر من ثلث ماله، فإن لم يكن له ورثة جاز، وإن كانت له ورثة فإن
جازوا جازت الوصية، وإن ردوا بطلت الوصية. وقال مالك والشافعي وأحمد: لا يجوز إلاَّ في
الثلث. ويوضع الثلثان لبيت المال. وقال ابن بطال: أراد البخاري بهذا الرد على من قال
كالحنفية بجواز الوصية بالزيادة على الثلث لمن لا وارث له، ولذلك احتج بقوله تعالى:
﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾ [المائدة: ٤٩]. والذي حكم به النبي، عَّ له من الثلث هو
الحكم بما أنزل الله، فمن تجاوز ما حده فقد أتى ما نهى عنه، ورد عليه بأن البخاري لم يرد
هذا، وإنما أراد الاستشهاد بالآية على أن الذمي إذا تحاكم إلينا ورثته لا تنفذ من وصيته إلاّ
الثلث، لأنا لا نحكم فيهم إلاَّ بحكم الإسلام، لقوله تعالى: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل
الله ... ﴾ [المائدة: ٤٩]. الآية.
قلت: العجب من البخاري أنه ذكر عن الحسن أنه لا يرى للذمي بالوصية بأكثر من
الثلث، فليت شعري ما وجه ذكر هذا، والحال أن حكم المسلم كذلك عنده، وعند غير
الحنفية. وأعجب منه كلام ابن بطال الذي تمحل في كلامه بالمحال واستحق الرد على كل
حال، وأبعد من هذا وأكثر استحقاقاً بالرد هو صاحب (التوضيح) حيث يقول: وعلى قول ابن
حنيفة رد البخاري في هذا الباب، ولذلك صدر بقول الحسن، ثم بالآية، فسبحان الله كيف
يرد على أبي حنيفة بقول الحسن، فما وجه ذلك؟ لا يُدرى.
وقال الله تعَالى ﴿وأنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ الله﴾ [المائدة: ٤٩] ... (١)
٦/ ٢٧٤٣ - حدَّثْنَا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قال حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ هِشَامِ بنِ عُزْوَةَ عنْ أَبِيهِ
عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهُما قال لَوْ غَضَّ النَّاسُ إلى الرُّبْعِ لأنَّ رَسولَ الله، عَ لَّهِ قال
الثُّلُثُ والثُلُثُ كَثِيرٌ أَوْ كَبِيرٌ.
مطابقته للترجمة ظاهرة، وسفيان هو ابن عيينة عن هشام بن عروة بن الزبير وفي
(مسند الحميدي) عن سفيان: حدثنا هشام. وليس لعروة عن ابن عباس في البخاري إلاّ هذا

٥١
٥٥ _ كِتَابُ الوَصَايا / باب (٣)
الحديث الواحد.
والحديث أخرجه مسلم في الفرائض عن إبراهيم بن موسى وعن ومحمد بن عبد الله
ابن نمير وعن أبي كريب وعن أبي بكر. وأخرجه النسائي في الوصايا عن قتيبة به. وأخرجه
ابن ماجه فيه وعن محمد بن عبد الله بن نمير وعن أبي كريب وعن أبي بكر. وأخرجه
النسائي في الوصايا عن قتيبة به. وأخرجه ابن ماجه فيه عن علي بن محمد عن وكيع به.
قوله: ((لو غض))، بمعجمتين أي: نقص، وقال ابن الأثير: لو غض الناس أي: لو نقصوا وحطوا
وكلمة: لو، للتمني فلا يحتاج إلى جواب، وإن قلنا: إنها شرطية يكون جوابها محذوفاً
تقديره: لكان أولى ونحوه، ووقع في رواية ابن أبي عمر في (مسنده) عن سفيان بلفظ: كان
أحب إلي. قوله: ((إلى الربع))، وزاد الحميدي: في الوصية، وكذا رواه أحمد في (مسنده)
عن وكيع عن هشام بلفظ: وددت أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع في الوصية، وفي رواية
مسلم عن ابن نمير عن هشام: ((لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع)). قوله: ((لأن رسول
الله، عَّ له))، تعليل لما اختاره من التنقيص من الثلث، وكأن ابن عباس أخذ ذلك من وصفه،
عَِّ، الثلث بالكثرة. قوله: ((أو كبير))، بالباء الموحدة شك من الراوي.
واعلم أن الإجماع قائم على أن الوصية بالثلث جائزة، وأوصى الزبير، رضي الله تعالى
عنه، أنه أوصى بالخمس، وقال: إن الله تعالى رضي من غنائم المؤمنين بالخمس، وقال معمر
عن قتادة: أوصى عمر، رضي الله تعالى عنه، بالربع، وقال إسحاق: السنة الربع، كما روي عن
ابن عباس، وروي عن علي، رضي الله تعالى عنه، لأن أوصي بالخمس أحب إلي من الربع،
ولأن أوصي بالربع أحب إلي من الثلث، واختار آخرون السدس، وقال إبراهيم: كانوا يكرهون
أن يوصوا مثل نصيب أحد الورثة حتى يكون أقل، وكان السدس أحب إليهم من الثلث،
واختار آخرون العشر، واختار آخرون لمن كان ماله قليلاً وله وارث: ترك الوصية، روي ذلك
عن علي وابن عباس وعائشة. وفي (التوضيح): وقام الإجماع من الفقهاء: أنه لا يجوز لأحد
أن يوصي بأكثر من الثلث إلاَّ أبا حنيفة وأصحابه وشريك بن عبد الله. قلت: هو قول ابن
مسعود وعبيدة ومسروق وإسحاق، وقال زيد بن ثابت: لا يجوز لأحد أن يوصي بأكثر من
ثلثه، وإن لم يكن له وارث، وهو قول مالك والأوزاعي والحسن بن حي والشافعي.
٢٧٤٤/٧ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ قال حدَّثنا زَكَرِيَّاءُ بنُ عَدِيّ قال حدَّثنا
مَرْوَانُ عنْ هاشِمِ بنِ هاشِمٍ عنْ عامِرِ بنِ سغدٍ عنْ أبيِهِ رضي الله تعالى عنهُ قالِ مَرِضْتُ
فِعَادَنِي النبيُّ عَّلِ فَقُلْتَُ يا رسولَ الله ادْعُ الله أنْ لا يَرُدَّنِي عِلَى عَقِبي قال لعَلَّ الله أنْ
يزْفَعَكَ ويَنْفَعَ بِكَ ناساً قُلْتُ أُرِيدُ أنْ أُوصِي وإَّمَا لِي ابْنَةٌ قُلْتُ أُوصِي بالنِّصْفِ قال النّصفُ
كَثِيرٌ قلْتُ فالثُّلْثُ قال الثُّلْثُ والثُّلْثُ كَثير أوْ كَبِيرٌ قال فأوْضِى النَّاسُ بالنُّلْثِ وجازَ ذُلِكَ
لَهُمْ. [انظر الحديث ٥٦ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، ومحمد بن عبد الرحيم هو الحافظ المعروف بصاعقه، وهو

٥٢
٥٥ _ كِتَابُ الوَصَايا / باب (٤)
من أقران البخاري وأكبر منه قليلاً، مات في سنة خمس وخمسين ومائتين، وهو من أفراد
البخاري، وسمي صاعقة لأنه كان جيد الحفظ، وزكرياء بن عدي أبو يحيى الكوفي، مات
سنة اثنتي عشرة ومائتين، ومروان هو ابن معاوية الفزاري، وهاشم بن هاشم بن عتبة بن أبي
وقاص الزهري يعد في أهل المدينة. والحديث مر عن قريب.
قوله: ((أن لا يردني على عقبي))، بتشديد الياء أي: لا يميتني في الدار التي هاجرت
منها، وهي مكة. قوله: ((لعل الله أن يرفعك))، أي: يقيمك من مرضك، وكلمة: لعل،
للإيجاب في حق الله تعالى. قوله: ((قال: وأوصى الناس ... )) إلى آخره، من كلام سعد
ظاهراً، ويحتمل أن يكون من قول من دونه.
٤ - بابُ قوْلِ الْمُوصِي لِوَصِيِّهِ تَعاهَدْ ولَدِي وما يجُوزُ لِلْوَصِيِّ منَ الدَّغْوَى
أي: هذا باب في بيان قول الموصي، بضم الميم وكسر الصاد، لوصيه الذي أوصى
إليه: تعاهد ولدي، يعني: أنظر في أمره وافتقد حاله. قوله: ((وما يجوز)) أي: وفي بيان ما
يجوز للوصي من الدعوى إذا ادعی.
٨/ ٢٧٤٥ _ حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكِ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ عُرْوَةَ بِنِ الزُّبَيْرِ
عن عائِشَةَ رضي الله تعالى عنها زَوْجِ النَّبِيِّ عَّلِ أنَّها قالَتْ كانَ عُثْبَةُ بنُ أبِي وَقَّاصٍ عَهِدَ إلَى
أخِيهِ سعدِ ابنِ أبِي وقَّاص أنَّ ابنَ ولَيدَةِ زَمْعَةً مِنِّي فَاقْبِضْهُ إِلَيْكَ فَلَمَّا كانَ عَامُ الفَتْحِ أخَذَهُ
سعدٌ فقال ابنُ أخِي قدْ كانَ عَهِدَ إِلَيَّ فيه فقامَ عبْدُ بنُ زَمْعَةً فقال أخِي وابنُ أمَة أتَى وُلِّدَ على
فِرَاشِهِ فَتَسَاوَقا إلى رسولِ اللهِ، عَ لِ فقال سعدٌ يا رسولَ الله ابنُ أخي كانَ عَهِدَ إليَّ فِيهِ فقال
عبْدُ بنُ زَمْعَةَ أخِي وابنٍ ولِيدَةِ أبي وقال رسولُ اللهِ، عَّلَِّ هُوَ لَك يا عَبْدُ بنَ زَمْعَةَ الوَلدُ
لِلْفِرَاشِ وللْعَاهِرِ الحَجرُ ثُمَّ قال لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ احْتَجِبِي منْهُ لِمَا رَأَى مِنْ شَبهِهِ بِعُتْبَةَ فَما
رَآهَا حتَّى لَقِيَ الله تعالى. [انظر الحديث ٢٠٥٣ وأطرافه].
الترجمة مركبة من شيئين: أحدهما: هو قوله: قول الموصي لوصيه: تعاهد ولدي، وبينه
وبين قوله في الحديث: ((كان عتبة عهد إلى أخيه سعد ... )) مطابقة ظاهرة. والثاني: هو
قوله: وما يجوز للوصي من الدعوى بينه وبين قوله: ((فقام عبد بن زمعة)) مطابقة لأنه ادعى
وصحت دعواه حتی حکم له رسول الله، ێ.
والحديث قد مر في كتاب العتق وغيره. قوله: ((فتساوقا)) أي: تماشيا.
٥ - باب إذَا أُوْمأُ المَرِيضُ بِرَأْسِهِ إِشارَةً بَيْنَةً جازَتْ
أي: هذا باب يذكر فيه إذا أومأ ... إلى آخره. قوله: ((جازت))، جواب: إذا، وليس في
بعض النسخ قوله: جازت، ويقدر بعد قوله: بينة، هل يحكم بها؟ ونحو ذلك. قوله: ((بينة))
أي: ظاهرة.
٢٧٤٦/٩ - حدّثنا حَسَّانُ بنُ أَبِي عَبَّادٍ قال حدَّثنا هَمَّامٌ عنْ قَتَادَةَ عنْ أَنَسٍ رضي

٥٣
٥٥ _ كِتَابُ الوَصَايا / باب (٦)
الله تعالى عنه أنَّ يَهُودِيَّاً رضَّ رأسَ جارِيَةٍ بَيْنَ حَجَرَيْنِ فَقيلَ لَهَا مَنْ فَعَلَ بِكِ أَفُلانٌ أَوْ فُلانٌ
حتَّى سُمِّي اليَهُودِيُّ فَأُوْمَأْتْ بِرَأْسِها فَجيءَ بِهِ فَلَمْ يَزَلْ حتَّى اعتَرَفَ فأمرَ النبيُّ عَّ ◌َّهِ فَرْضَّ
رأسُهُ بالْحِجَارَةِ. [انظر الحديث ٢٤١٣ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فأومأت برأسها حين سمي اليهودي))، إشارة ظاهرة،
وحسان، بتشديد السين، وعباد، بتشديد الباء الموحدة، مر في العمرة، وهمام بن يحيى
العودي، بفتح العين. والحديث مر في الأشخاص ومر الكلام فيه.
٦ - بابٌ لا وَصِيَّةً لِوَارِثِ
أي: هذا باب ترجمته: ((لا وصية لوارث))، وهذه الترجمة لفظ حديث مرفوع أخرجه
جماعة وليس في الباب ذلك، لأنه كأنه لما لم يكن على شرطه لم يذكره هنا. منهم: أبو
داود، قال: حدثنا عبد الوهاب بن نجدة: قال: حدثنا ابن عياش عن شرحبيل بن مسلم، قال:
سمعت أبا أمامة، رضي الله تعالى عنه، قال: سمعت رسول الله، عٍَّ يقول: ((إن الله أعطى
كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث)). وقال الترمذي: حدثنا هناد وعلي بن حجر، قال: حدثنا
إسماعيل بن عياش، قال: حدثنا شرحبيل بن مسلم الخولاني عن أبي أمامة الباهلي، قال:
سمعت رسول الله، عَّ يقول في خطبته عام حجة الوداع: ((إن الله تبارك وتعالى قد أعطى
كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث ... )) الحديث، وقال الترمذي: هذا حديث حسن، ثم
قال: ورواية إسماعيل بن عياش عن أهل العراق وأهل الحجاز ليس بذاك فيما ينفرد به، لأنه
روى عنهم مناكير، وروايته عن أهل الشام أصح، وهكذا قال محمد بن إسماعيل.
انتھی.
قلت: هذا روايته عن شرحبيل بن مسلم وهو شامي ثقة، وصرح في روايته بالتحديث
في رواية الترمذي. ومنهم: عمرو بن خارجة، روى حديثه الترمذي: حدثنا قتيبة، قال: حدثنا
أبو عوانة عن قتادة عن شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم عن عمرو بن خارجة: أن
النبي، عَّ له خطب على ناقته وأنا تحت جرانها وهي تقصع بجرتها، وأن لعابها يسيل بين
كتفيَّ فسمعته يقول: ((إن الله عز وجل، أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث، والولد
للفراش وللعاهر الحجر ... )) هذا حديث حسن صحيح. ومنهم: جابر، أخرج حديثه الدارقطني
عنه مثله قال: والصواب أنه مرسل. ومنهم: ابن عباس أخرج حديثه الدارقطني أيضاً من
حديث حجاج عن عطاء عن ابن عباس، قال: قال رسول الله، عَّةٍ: ((لا تجوز الوصية
لوارث، إلا أن يشاء الورثة)). ومنهم: عبد الله بن عمر وأخرج حديثه الدارقطني من حديث
عمرو بن شعيب عن جده يرفعه: ((إن الله قسم لكل إنسان نصيبه من الميراث فلا يجوز
لوارث إلاّ من الثلث، وذلك بمنی)). ومنهم: أنس بن مالك أخرج حدیثه ابن ماجه: حدثنا
هشام بن عمار، قال: حدثنا محمد بن شعيب بن شابور، قال: حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن
جابر عن سعيد ابن أبي سعيد أنه حدثه عن أنس بن مالك قال: إني لتحت ناقة رسول الله،
:
٠٠

٥٤
٥٥ _ كِتَابُ الوَصَايا / باب (٦)
عٍَّ يسيل عليَّ لعابها فسمعته، يقول: ((إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه ألاَ لا وصية
لوارث)). ومنهم: علي ابن أبي طالب أخرج حديثه ابن أبي شيبة من حديث أبي إسحاق عن
الحارث عن علي، رضي الله تعالى عنه: ((ليس للوارث وصية))، وروى الدارقطني من حديث
أبان بن تغلب عن جعفر بن محمد عن أبيه، قال رسول الله، عَّه: ((لا وصية لوارث ولا
إقرار بدين)).
١٠/ ٢٧٤٧ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُّ يوسُفَ عنْ وَرْقَاءَ عنِ ابنِ أبِي نَجيحِ عنْ عَطاءِ عنِ
ابنِ عبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهُما قال كانَ المَالُ لِلْوَلِدِ وكَانَتِ الوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ فَنَسَخَ الله
مِنْ ذُلِكَ ما أحَبَّ فَجَعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظُّ الأُنْثَيْنِ وجعَلَ للأبَوَيْنِ لكُلِّ واحدٍ مِنْهُمَا السُّدْسَ
وجَعلَ لِلْمَرأةِ الثُّمْن والرُّبْعَ ولِلَّوْجِ الشَّطْرَ والرُّبْعَ. [الحديث ٢٧٤٧ - طرفاه في: ٤٥٧٨،
٦٧٣٩].
مطابقته للترجمة من حيث إن الوصية للوالدين لما نسخت وأثبت الميراث لهما بدلاً
من الوصية علم أنه لا يجمع لهما بين الوصية والميراث، وإذا كان لهما كذلك فمن دونهما
أولى بأن لا يجمع له بينهما، فيؤول حاصل المعنى: لا وصية للوارث.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: محمد بن يوسف الفريابي، بينه أبو نعيم الحافظ.
الثاني: ورقاء، مؤنث الأورق، ابن عمر بن كليب أبو بشر اليشكري، ويقال: الشيباني، أصله
من خوارزم، - ويقال من الكوفة - سكن المدائن: عبد الله بن أبي نجيح، بفتح النون وكسر
الجيم وبالحاء المهملة، وقد مر غير مرة. الرابع: عطاء بن أبي رباح. الخامس: عبد الله بن
عباس.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد. وفيه: العنعنة في
أربعة مواضع.
وهو موقوف على ابن عباس. وهذا أخرجه البخاري أيضاً في التفسير وفي الوصايا عن
محمد بن يوسف.
ذكر معناه: قوله: ((كان المال للولد))، أي: كان مال الشخص إذا مات للولد. قوله:
((وكانت الوصية للوالدين))، أي: كانت الوصية في الإسلام لوالدي الميت دون الأولاد، على
ما يراه من المساواة والتفضيل. قوله: ((نسخ الله في ذلك ما أحب)) أي: ما أراد، يعني:
كانت الوصية للوالدين والأقربين ثم نسخ منها من كان وارثاً بآية الفرائض. وبقوله: ((لا وصية
لوارث)) وأبقى حق من لا يرث من الأقربين بالوصية على حاله، قاله طاوس وغيره. قوله:
((وجعل للمرأة الثمن))، يعني: عند وجود الولد، وجعل ((الربع)) عند عدمه. قوله: ((والشطر))
أي: وجعل للزوج الشطر أي: النصف، أي: نصف المال عند عدم الولد، وجعل ((الربع)) عند
وجود الولد، ثم الحديث دل على أن: لا وصية للوارث.
واختلفوا إذا أوصى لبعض ورثته، فأجازه بعضهم في حياته، ثم بدا لهم بعد وفاته.

٥٥
٥٥ _ كِتَابُ الوَصَايا / باب (٧)
فقالت طائفة: ذلك جائز عليهم وليس لهم الرجوع فيه، هذا قول عطاء والحسن وابن أبي
ليلى والزهري وربيعة والأوزاعي. وقالت طائفة: لهم الرجوع في ذلك إن أحبوا، هذا قول ابن
مسعود وشريح والحكم وطاوس، وهو قول الثوري وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وأبي ثور.
وقال مالك: إذا أذنوا له في صحته فلهم أن يرجعوا، وإن أذنوا في مرضه وحين يحجب عن
ماله فذلك جائز عليهم، وهو قول إسحاق، وعن مالك أيضاً: لا رجوع لهم إلاَّ أن يكونوا في
كفالته فيرجعوا. وقال المنذري: إنما يبطل الوصية للوارث في قول أكثر أهل العلم من أجل
حقوق سائر الورثة، فإذا أجازوها جازت كما إذا أجازوا الزيادة على الثلث، وذهب بعضهم
إلى أنها لا تجوز، وإن أجازوها، لأن المنع لحق الشرع فلو جوزناها كنا قد استعملنا الحكم
المنسوخ، وذلك غير جائز، وهذا قول أهل الظاهر، وقال أبو عمر: وهو قول عبد الرحمن بن
كيسان والمزني، وقال ابن المنذر: واتفق مالك والثوري والكوفيون والشافعي وأبو ثور أنه إذا
أجازوا ذلك بعد وفاته لزمهم. وهل هو ابتداء عطية منهم أم لا؟ فيه خلاف، واتفقوا على
اعتبار كون الموصى له وارثاً بيوم الموت حتى لو أوصى لأخيه الوارث، حيث لا يكون له
ابن يحجب الأخ المذكور، فولد له ابن قبل موته يحجب الأخ، فالوصية للأخ المذكور
صحيحة، ولو أوصى لأخيه وله ابن فمات الإبن قبل موت الموصي فهي وصية لوارثه.
٧ - بابُ الصَّدَقَةِ عِنْدَ المَوْتِ
أي: هذا باب في بيان جواز الصدقة عند الموت، وإن كان في حال الصحة أفضل.
١١/ ٢٧٤٨ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ العَلاءِ قال حدَّثنا أبُو أُسَامَةَ عنْ سُفْيَانَ عنْ عُمَارَةَ
عنْ أَبِي زُرْعَةَ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه قال قال رَجُلٌ للنبيِّ عَّله يا رَسُولَ الله أيُّ
الصَّدَقةِ أفْضلُ قال أنْ تَصَدَّقَ وأنْتَ صَحيحٌ حَرِيصٌ تأمَلَ الغِنى وتَخْشَى الفَقْرَ ولا ثمْهِلْ
حتَّى إِذَا بَلَغَتِ الحِلْقُومَ قَلْتَ لِفُلانِ كَذَا ولِفُلانٍ كَذَا وَقَدْ كانَ لِفُلانٍ. [انظر الحديث
١٤١٩ وأطرافه].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((حتى إذا بلغت الحلقوم ... )) إلى آخره، ومحمد بن
العلاء بن كريب الهمداني الكوفي وأبو أسامة حماد بن أسامة، وسفيان هو الثوري، وعمارة،
بضم العين المهملة وتخفيف الميم: ابن القعقاع بن شبرمة الضبي الكوفي، وأبو زرعة ابن
جرير بن عبد الله البجلي الكوفي، قيل: اسمه هرم، وقيل: عبد الله، وقيل عبد الرحمن،
وقيل: جرير، وقيل: عمرو.
والحديث مضى في كتاب الزكاة في: باب أي الصدقة أفضل؟ فإنه أخرجه هناك: عن
موسى بن إسماعيل عن عبد الواحد عن عمارة، ولكن الإسناد هناك كله بالتحديث وهنا
بالتحديث في موضعين والباقي بالعنعنة. قوله: ((قال رجل للنبي، عَّ فقال يا رسول الله))،
وهناك: جاء رجل إلى النبي، عَّةٍ))، فقال. قوله: ((أي الصدقة أفضل؟)) وهناك: أي الصدقة
أعظم أجراً؟ قوله: ((وأنت صحيح حريص))، وهناك: ((وأنت صحيح شحيح))، وقد مر الكلام

٥٦
٥٥ - كِتَابُ الوَصَايا / باب (٨)
فيه هناك. قوله: ((ولا تمهل)) بالجزم، لأنه نهي، ويروى بالرفع على أنه نفي، ويجوز النصب
على تقدير: وأن لا تمهل. قوله: ((قلت لفلان كذا ... )) إلى آخره، قال الخطابي: فلان الأول
والثاني الموصى له، وفلان الأخير الوارث، لأنه إن شاء أبطله، وإن شاء أجازه. وقال
الكرماني: قد كان لفلان أي: للوارث، والثاني للمورث، والثالث للموصى له.
٨ - بابُ قَوْلِ الله تعالى ﴿مِنْ بعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنِ﴾ [النساء: ٢٢]
أي: هذا باب في بيان المراد من قول الله تعالى: ﴿من بعد وصية﴾ [النساء: ٢٢].
وكأن غرض البخاري بهذه الترجمة الاحتجاج إلى جواز إقرار المريض بالدين مطلقاً، سواء
كان المقر له وارثاً أو أجنبياً. وقال بعضهم: وجه الدلالة أنه، سبحانه وتعالى، سوَّى بين
الوصية والدين في تقديمهما على الميراث، ولم يفصل فخرجت الوصية للوارث بالدليل وبقي
الإقرار بالدين على حاله. انتهى. قلت: كما خرجت الوصية للوارث للدليل، وهو قوله عَ ليه:
((لا وصية لوارث))، فكذلك خرج الإقرار بالدين للوارث بقوله ((ولا إقرار له بدين))، وقد تقدم.
وقوله: ﴿من بعد وصية يوصي بها أو دين﴾ [النساء: ٢٢]. قطعة من قوله تعالى: ﴿يوصيكم
الله في أولادكم﴾ إلى قوله: ﴿إن الله كان عليماً حكيماً﴾ [النساء: ٢٢]. هذه الآية والتي
بعدها، وهو قوله: ﴿ولكم نصف ما ترك أزواجكم﴾ إلى قوله: ﴿والله عليم حكيم﴾ [النساء:
٢٦]. والآية التي هي خاتمة هذه السورة، أعني: سورة النساء. وهو قوله: ﴿يستفتونك قل الله
يفتيكم ... ﴾ [النساء: ١٧٦]. إلى آخر الآية، آيات علم الفرائض، وهو مستنبط من هذه
الآيات ومن الأحاديث الواردة في ذلك مما هي كالتفسير لذلك.
ويُذْكَرُ أنَّ شُرَيْحَاً وعُمَرَ بنَ عَبْدِ العَزِيزِ وطاؤُساً وعَطَاءٍ وابنَ أُذَيْنَةَ أجَازُوا إِقْرَارَ
المَرِيضِ پِدَيْنِ
ذكر عنهم ما ذكره بصيغة التمريض، لأنه لم يجزم بصحة النقل عنهم لضعف الإسناد
إلى بعضهم. بيانه أن أثر شريح ذكره ابن أبي شيبة عنه بلفظ: إذا أقر في مرض لوارث بدين
لم يجز إلاَّ ببينة، وإذا أقر لوارث جاز. وفي إسناده جابر الجعفي وهو ضعيف، وكذلك أخرج
أثر طاوس بلفظ: إذا أقر لوارث جاز، وفي إسناده ليث بن أبي سليم وهو ضعيف، وكذلك أثر
عطاء أخرجه ابن أبي شيبة بمثله، وكذلك أثر ابن أذينة أخرجه ابن أبي شيبة من طريق قتادة
عنه بلفظ: في الرجل يقر لوارث بدين، قال: يجوز. وابن أذينة، بضم الهمزة وفتح الذال
المعجمة وسكون الياء آخر الحروف وبالنون: واسمه عبد الرحمن، قاضي البصرة، من التابعين
الثقات، مات سنة خمس وتسعين من الهجرة.
وقالَ الحَسَنُ أحَقُّ ما تَصَدَّقُ بِهِ الرَّجُلُ آخِرَ يَوْمٍ مِنَ الدُّنْيَا وأوَّلَ يَوْمٍ مِنَ الآخِرَةِ
الحسن هو البصري، وأثره رواه الدارمي في (مسنده) من طريق قتادة، قال: قال ابن
سيرين: لا يجوز إقرار لوارث. قال: وقال الحسن: أحق ما جاز عليه عند موته أول يوم من
أيام الآخرة وآخر يوم من أيام الدنيا. قوله: ما يصدق على صيغة المجهول من التصديق،

٥٧
٥٥ _ کِتابُ الوَصَايا / باب (٨)
ويروى: ما تصدق على وزن تفعل على صيغة الماضي من التصدق. وقال الكرماني: آخر،
بالنصب وبالرفع أي أحق زمان يصدق فيه الرجل في أحواله آخر عمره، والمقصود: أن إقرار
المريض في مرض موته حقيق بأن يصدق به ويحكم بإنقاذه قلت: وجه النصب بتقدير: في
آخر يوم، ووجه الرفع على أنه خبر لقوله: أحق.
وقال إبْرَاهِيمُ والحَكَمُ إِذَا أَبْرَأْ الوَارِثَ مِنَ الدَّيْنِ بَرِىءَ
إبراهيم هو النخعي، والحكم، بفتحتين: ابن عيينة، وهذا التعليق وصله ابن أبي شيبة
من طريق الثوري عن ابن أبي ليلى عن الحكم عن إبراهيم في المريض: إذا أبرأ الوارث من
الدين برىء، وعن مطرف عن الحكم قال مثله. قوله: ((إذا أبرأ))، أي: المريضُ مرض الموت
وارثَه من الدين الذي عليه بَرِىءَ الوارثُ.
وأوْضى رافِعُ بنُ خَدِيجٍ أنْ لا تُكْشَفَ أمرَأَتُهُ الفَزَارِيَّةُ عَمَّا أُغْلِقَ عَلَيْهِ بابُها
رافع ابن خديج بن رافع الأوسي الأنصاري الحارثي أبو عبد الله، شهد أحداً والخندق،
وخديج، بفتح الخاء المعجمة وكسر الدال المهملة وفي آخره جيم. قوله: ((الفزارية))، بفتح
الفاء وتخفيف الزاي وبالراء. قوله: ((عما أُغلق عليه بابها)) وفي رواية المستملي والسرخسي:
عن مال أغلق عليه بابها. ويروى: ((أغلق عليها))، ويروى: أغلقت عليه بابها. و: أغلقت، على
صيغة المبني للفاعل، ولم أرَ أحداً من الشراح حرر هذا الموضع ولا ذكر ما المقصود منه،
والظاهر أن المراد منه أن المرأة بعد موت زوجها لا يتعَرَّضُ لها، فإن جميع ما في بيته لها،
وإن لم يشهد لها زوجها بذلك، وإنما احتاج إلى الإشهاد والإقرار إذا علم أنه تزوجها فقيرة
وأن ما في بيتها من متاع الرجال، وبه قال مالك.
وقال الحَسَنُ إذَا قال لِمَمْلُوكِهِ عِنْدَ المَوْتِ قَدْ كَنْتُ أَعْتَقْتُكَ جازَ
الحسن هو البصري، وهذا على أصله أن إقرار المريض نافذ مطلقاً، فهذا على إطلاقه
يتناول أن يكون من جميع ماله، ويخالفه غيره فلا يعتق إلاَّ من الثلث.
وقال الشَّغْبِيُّ إِذَا قالَتِ المَرْأَةُ عِنْدَ مَوْتِها إِنَّ زَوْجِي قَضانِي وَقَبَضْتُ مِنْهُ جازَ
الشعبي هو عامر. قوله: ((قضاني))، يعني: أداني حقي، جاز إقرارها. قال ابن التين:
لأنها لا تتهم بالميل إلى زوجها في تلك الحالة، ولا سيما إذا كان لها ولد من غيره.
وقالَ بَعْضُ الناسِ لاَ يَجُوزُ إِقْرَارُهُ لِسُوءِ الظَّنِّ بِهِ لِلْوَرَثَةِ ثُمَّ اسْتَحْسَنَ فقال يَجُوزُ
إِقْرَارُهُ بِالْوَدِيعَةِ والبِضَاعَةِ والْمُضَارَبَةِ
قال صاحب (التوضيح): المراد ببعض الناس أبو حنيفة. وقال الكرماني. قوله: ((وقال
بعض الناس)) أي، كالحنفية. قلت: هذا كله تشنيع على أبي حنيفة أو على الحنفية مطلقاً،
مع أن فيه سوء الأدب على ما لا يخفى. قوله: ((لا يجوز إقراره))، أي: إقرار المريض لبعض
الورثة. قوله: ((لسوء الظن به))، أي: بهذا الإقرار، أي: مظنة أن يريد الإساءة بالبعض الآخر

٥٨
٥٥ - كِتَابُ الوَصَايا / باب (٨)
منهم، وهذا لا يطلق عليه سوء الظن، ولم يعلل الحنفية عدم جواز إقرار المريض لبعض الورثة
بهذه العبارة، بل قالوا: لا يجوز ذلك لأنه ضرر لبقية الورثة مع ورود قوله، عَّ له: ((لا وصية
لوارث ولا إقرار له بدين))، ومذهب مالك كمذهب أبي حنيفة: إذا اتهم وهو اختيار الروياني
من الشافعية، وعن شريح والحسن بن صالح: لا يجوز إقرار المريض لوارث إلاَّ لزوجته
بصداقها، وعن القاسم وسالم والثوري: لا يجوز إقرار المريض لوارثه مطلقاً، وزعم ابن
المنذر: أن الشافعي رجع إلى قول هؤلاء، وبه قال أحمد، والعجب من البخاري أنه خصص
الحنفية بالتشنيع عليهم وهم ما هم منفردون فبما ذهبوا إليه، ولكن ليس هذا إلاَّ بسبب أمر
سبق فيما بينهم، والله أعلم. قوله: (ثم استحسن))، أي: بعض الناس، هذا، أي: رأى
بالاستحسان، فقال ... إلى آخره والفرق بين الإقرار بالدين وبين الإقرار بالوديعة والبضاعة
والمضاربة ظاهر، لأن مبنى الإقرار بالدين على اللزوم، ومبنى الإقرار بهذه الأشياء المذكورة
على الأمانة، وبين اللزوم والأمانة فرق عظيم.
وقدْ قالَ النبيُّ عَ لَّهِ: إِيَّاكُمْ والظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ
احتج البخاري بهذا القول نقلاً عن الحنفية لسوء الظن به للورثة، وذلك لأن الظن
محذر عنه لقوله عَّه: ((إياكم والظن))، وإنما يصح هذا الاحتجاج إذا ثبت أن الحنفية عللوا
بسوء الظن به للورثة، وقد منعنا هذا عن قريب، ولئن سلمنا أن هذا ظن فلا نسلم أنه ظن
فاسد، والمحذر عنه الظن الفاسد، ثم هذا الحديث الذي ذكره معلقاً طرف من حديث
سيأتي في الأدب موصولاً من وجهين عن أبي هريرة، وقال الكرماني: فإن قلت: الصدق
والكذب صفتان للقول لا للظن، ثم إنهما لا يقبلان الزيادة والنقص، فكيف يبنى منه أفعل
التفضيل؟ قلت: جعل الظن للمتكلم فوصف بهما كما وصف المتكلم، فيقال متكلم صادق
وكاذب، والمتكلم يقبل الزيادة والنقصان في الصدق والكذب، فيقال: زيد أصدق من عمرو،
فمعناه: الظن أكذب في الحديث من غيره.
ولاَ يَجِلُّ مالُ الْمُسْلِمِينَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ عَ لَّهِ: آيَةُ المُنَافِقِ إذَا انْتُمِنَ خانَ
هذا احتجاج آخر لما ادعاه البخاري، ولكن لا يستقيم لأن فيه تعسفاً شديداً، لأن
الكرماني وجهه بالجر الثقيل على ما لا يخفى، وهو أنه إذا وجب ترك الخيانة وجب
الإقرار بما عليه، وإذا أقر لا بد من اعتبار إقراره، وإلاَّ لم يكن لإيجاب الإقرار فائدة. انتهى.
قلت: سلمنا وجوب ترك الخيانة، ولكن لا نسلم وجوب الإقرار بما عليه إلاّ في موضع ليس
فيه تهمة ولا أذى للغير، كما في الإقرار للأجنبي، وأما الإقرار لوارثه ففيه تهمة ظاهرة، وأدّى
ظاهر لبقية الورثة، وهذا ظاهر لا يدفع. فإن قلت: هذا المقر في حالة يرد فيها على الله، فهي
الحالة التي يجتنب فيها المعصية والظلم، قلت: هذا أمر مبطن ونحن لا نحكم إلاَّ بالظاهر،
وأما الحديث الذي علقه فهو طرف من حديث مضى في كتاب الإيمان.

٥٩
٥٥ - كِتَابُ الوَصَايا / باب (٩)
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الله يأمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]. فَلَمْ
يَخُصِّ وَارِثاً ولاَ غَيْرَهُ
هذا احتجاج آخر فيما ذهب إليه وهو بعيد جداً، وجهه الكرماني بقوله: فلم يخص،
أي: لم يفرق بين الوارث وغيره في ترك الخيانة ووجوب أداء الأمانة إليه فيصح الإقرار سواء
كان للوارث أو لغيره. أما وجه البعد. فهو أن يقال: من أين علم أن ذمة المقر للوارث كانت
مشغولة حتى إذا لم يقر كان خائناً؟ فإن قيل: إقراره عند توجهه إلى الآخرة يدل على ذلك،
يقال: مع هذا يحتمل تخصيصه بذلك بعض الورثة أنه فعل ذلك قصداً لنفعه، وفي ذلك ضرر
لغيره، والضرر مدفوع شرعاً، ولئن سلمنا اشتغال ذمته في نفس الأمر بما أقر به فهذا لا يكون
إلاَّ ديناً مضموناً فلا يطلق عليه الأمانة، فلا يصح الاستدلال بالآية الكريمة على ذلك، على أن
كون الدين في ذمته مظنون بحسب الظاهر، والضرر لباقي الورثة عند ذلك محقق، فكيف
يترك العمل بالمحقق ويعمل بالمظنون؟.
فِيهِ عَبْدُ اللهِ بنُ عَمْرُو عنِ النَّبِيِّ عَ لِ
أي: في قوله: ((آية المنافق إذا اؤتمن خان))، روى عبد الله بن عمرو بن العاص عن
النبي، عَّ له، وقد ذكره في كتاب الإيمان في: باب علامة المنافق، أخرجه عن قبيصة عن
سفيان عن الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن عمرو بن العاص.
٢٧٤٩/١٢ - حدّثنا سُلَيْمَانُ بنُ دَاوُدَ أبو الرَّبِيع قال حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ جَعْفَرٍ قال
حدَّثنا نافِعُ بنُ مالِكِ بنِ أبِي عامِرٍ أبو سُهَيْلٍ عنْ أَبِيهِ عنَّ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ عنٍ
النبيِّ عَِّ قال آيةُ الْمُنَافِقِ ثَلاَثٌ إذا حَدَّثَ كَذَبَ وإِذَا انْتُمِنَ خانَ وإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ.
[انظر الحديث ٣٣ وأطرافه].
ذكر هذا الحديث بطريق التبعية والبيان لقوله: ((آية المنافق إذا اؤتمن خان))، ولقوله: فيه
عبد الله بن عمرو، وإلاّ ليس لذكره وجه في هذا الباب، وهذا الحديث بعينه إسناداً ومتناً قد
مر في كتاب الإيمان في: باب علامة المنافق.
٩ - بابُ تَأْوِيلِ قَوْلِ الله تعالی:
﴿مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢].
أي: هذا باب في بيان تأويل قول الله، عز وجل، في أنه قدم الوصية في الذكر على
الدين، مع أن الدين مقدم على الوصية وغيرها، هكذا قالوا، حتى قال بعضهم: وبهذا يظهر
السر في تكرار هذه الترجمة. قلت: قدم الله تعالى الوصية على الدين في قوله: ﴿ولكم
نصف ما ترك أزواجكم﴾ [النساء: ١٢]. الآية في موضعين، وقدمها أيضاً في الآية التي قبلها
وهو قوله: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ [النساء: ١١]. وينبغي أن يسأل عن وجه تقديم
الوصية على الدين في هذه المواضع، ولا يتجه هذا إلاّ بترجمة غير هذا، ولا وجه لذكر

٦٠
٥٥ - كِتَابُ الوَصَايا / باب (٩)
التأويل هنا، لأن حد التأويل لا يصدق عليه، لأن التأويل ما يستخرج بحسب القواعد العربية،
وبعض الآية التي هي ترجمة مفسرة، وهذا ظاهر لا يحتاج إلى تأويل غاية ما في الباب أنه
يسأل عما ذكرناه الآن وذكروا فيه وجوهاً، فقال السهيلي: قدمت الوصية على الدين في
الذكر لأنها إنما تقع على سبيل البر والصلة، بخلاف الدين، لأنه يقع قهراً فكانت الوصية
أفضل، فاستحقت البداية. وقيل: الوصية تؤخذ بغير عوض، بخلاف الدين فكانت أشق على
الورثة من الدين، وفيها مظنة التفريط، فكانت أهم فقدَّمت. وقيل: هي إنشاء الموصي من قبل
نفسه، فقدمت تحريضاً على العمل بها. وقيل: هي حظ فقير ومسكين غالباً، والدين حظ
غريم يطلبه بقوة، وله مقال.
ويُذْكَرُ أَنَّ النبيَّ عَلَّهِ قَضَى بِالدَّيْنِ قَبْلَ الوَصِيَّةِ
هذا الذي ذكره بصيغة التمريض طرف من حديث أخرجه الترمذي: حدثنا ابن أبي
عمر، قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن أبي إسحاق الهمداني عن الحارث عن علي، رضي الله
تعالى عنه، أن النبي، عَّلّه: ((قضى بالدين قبل الوصية وأنتم تقرأون الوصية قبل الدين))،
وأخرجه أحمد أيضاً ولفظه: عن علي بن أبي طالب قال: قضى محمد عَّهِ ((أن الدين قبل
الوصية ... )) الحديث، وهذا إسناده ضعيف لأن الحارث هو ابن عبد الله الأعور، قال ابن أبي
خيثمة: سمعت أبي يقول: الحارث الأعور كذاب، وقال أبو زرعة: لا يحتج بحديثه، وقال
ابن المديني: الحارث كذاب. فإن قلت: ليست من عادة البخاري أن يورد الضعيف في مقام
الاحتجاج به. قلت: بلى، ولكن لما رأى أن العلماء عملوا به، كما قال الترمذي عقيب
الحديث المذكور، والعمل عليه عند أهل العلم، اعتمد عليه لاعتضاده بالاتفاق على مقتضاه.
وقَوْلِهِ ﴿إِنَّ اللَّه يأمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]. فأدَاءُ الأمانَةِ
أُحَقُّ مِنْ تَطَوُّعِ الوَصِيَّةِ
وقوله، بالجر عطفاً على: قول الله تعالى، المجرور بإضافة التأويل إليه، وذكر هذه الآية في
معرض الاحتجاج في جواز إقرار المريض للوارث، وهذا بمعزل عن ذلك على ما لا يخفى على
أحد، والآية نزلت في عثمان بن طلحة، قبض النبي، علّ له، مفتاح الكعبة فدخل الكعبة يوم الفتح،
فخرج وهو يتلو هذه الآية، فدفع إليه المفتاح. ذكره الواحدي في (أسباب النزول) عن مجاهد.
وقال النبيُّ عَلَِّ لَ صَدَقَةَ إلاَّ عنْ ظَهْرٍ غِنَى
أورد هذا أيضاً في معرض الاحتجاج في جواز الإقرار للوارث. قال الكرماني:
والمديون ليس بغني فالوصية التي لها حكم الصدقة تعتبر بعد الدين، وأراد بتأويل الآية مثله.
انتهى. قلت: قوله: المديون ليس بغني، على إطلاقه لا يصح، والمديون الذي ليس بغني هو
.المديون المستغرق، وجعل مطلق المديون أصلاً، ثم بناء الحكم عليه فيما ذهب إليه غير
صحيح، وهذا التعليق مضى مسنداً في كتاب الزكاة في: باب لا صدقة إلاّ عن ظهر غنى،
ومضى الكلام فيه.