النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ ٥٢ - كتابُ الشَّهاداتِ / باب (٢٤ و٢٥) الشديد فيمن يحلف كاذباً، فالذي يتعين عليه اليمين يتحرى الصدق، سواء كان يحلف في مكان وجبت عليه اليمين فيه أو في غيره من الأمكنة التي تغلظ فيها اليمين، احترازاً عن الوقوع في هذا الوعيد الشديد. والحديث مضى قريباً بأتم منه. ٢٤ - بابٌ إِذَا تَسارَعَ قَوْمٌ في الْيَمِينِ أي: هذا باب يذكر فيه إذا تسارع قوم، يعني: قوم وجبت عليهم اليمين فتسارعوا جميعاً أيهم يبدأ أولاً، وجواب: إذا، محذوف ببينه الحديث، يعني: يقرع بينهم، وهو الجواب. ٢٦٧٤/٣٨ _ حدَّثنا إسْحَاقُ بنُ نَصْر قال حدَّثنا عَبْدُ الرَزَّاق قال أخبرنا مَعْمَرٌ عنْ هَمَّامٍ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ أنَّ النبيَّ عَّهِ عَرَضَ على قَوْمِ اليَمينَ فَأَشْرَعُوا فَأَمَرَ أَنْ يُسْهَمَ بَيْنَهُمْ في اليَمِينِ أَيُّهُمْ يَحْلِفُ. مطابقته للترجمة ظاهرة، وإسحاق بن نصر هو إسحاق بن إبراهيم بن نصر أبو إبراهيم السعدي البخاري، وكان ينزل المدينة بباب بني سعد، روى عنه البخاري في غير موضع في كتابه، مرة يقول حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن نصر، ومرة يقول: إسحاق بن نصر، فينسبه إلى جده، وهمام هو ابن منبه الأبناوي الصنعاني. والحديث أخرجه أبو داود في القضاء عن أحمد بن حنبل وسلمة بن شبيب. وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق. قوله: ((فأسرعوا)) أي: إلى اليمين. قوله: ((أن يسهم)) أي: أن يقرع بينهم، وقال الخطابي: وإنما يفعل كذلك إذا تساوت درجاتهم في استحباب الاستحلاف، مثل أن يكون الشيء في يد اثنين، كل واحد منهما يدعيه كله، يريد أحدهما أن يحلف ويستحق، ويريد الآخر مثل ذلك، فيقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة حلف واستحقه، وكذا إذا كثر الخصوم ولم يعلم أيهم السابق فيسهم بينهم. وقال الداودي: إن كان المحفوظ أنه إنما أمر باليمين أحدهم، فلعل هذا الحكم قبل أن يؤمر بالشاهد واليمين، قال: والحديث مشكل المعنى، وقال أبو سليمان، فيمن يتداعيان شيئاً فيقترعان: أيهما يحلف ويستحق جميعه؟ وقال ابن التين: ليس هذا الحكم، وإنما الحكم أن يتحالفا ويقسماه نصفين إن ادعى كل واحد منهما جميعه. وقال ابن بطال: إنما كره سيدنا رسول الله، عَّ لم تسارعهم في اليمين لئلا تقع أيمانهم معاً، ولا يستوفي الذي له الحق أيمانهم على دعواه، ومن حقه أن يستوفي يمين كل واحد منهم على حدته، فإذا استوى قوم في حق من الحقوق لا يبدأ أحد منهم قبل صاحبه في أخذ ما يأخذ، أو دفع ما يدفع عن نفسه إلاّ بالقرعة، وهي سنة في مثل هذا، والله أعلم. ٢٥ _ بابُ قَوْلِ الله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وَأَيْمَانِهِمْ ثَمناً قَلِيلاً﴾ [آل عمران: ٧٧]. أي: هذا باب في بيان الوعيد الشديد الذي تتضمنه هذه الآية الكريمة في حق الذين ٣٦٢ ٥٢ - كتابُ الشَّهاداتِ / باب (٢٥) يرتكبون الأيمان الكاذبة الفاجرة، الآئمة، وقد ذمهم الله تعالى بقوله: ﴿إن الذين يشترون﴾ [آل عمران: ٧٧]. أي: يعتاضون ﴿بعهد الله﴾ [آل عمران: ٧٧]. أي: بما عاهد الله عليه ﴿وأيمانهم﴾ [آل عمران: ٧٧]. الكاذبة ﴿ثمناً قليلاً﴾ [آل عمران: ٧٧]. أي: عوضاً يسيراً. قيل: نزلت هذه الآية الكريمة في الأشعث بن قيس حين خاصم اليهودي في أرض، على ما مر حديثه عن قريب، وقيل: إن رجلاً أقام سلعته في السوق أول النهار، فلما كان آخره جاء رجل فساومه عليها، فحلف بالله منعتها أول النهار من كذا، ولولا المساء لما بعت على ما يجيء الآن، وتمام الآية: ﴿أولئك لا خلاق لهم في الآخرة، ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم﴾ [آل عمران: ٧٧]. قوله: ﴿لا خلاق لهم﴾ [آل عمران: ٧٧]. أي: لا نصيب لهم. قوله: ﴿ولا يكلمهم الله﴾[آل عمران: ٧٧]. فإن كان ذلك من اليهود فلا يكلمه أصلاً، وإن كان من العصاة فلا يكلمهم كلاماً يسرهم ولا ينفعهم. ﴿ولا يزكيهم﴾ [آل عمران: ٧٧]. أي: ولا يثني عليهم. وقيل: لا يطهرهم من الذنوب والآثام، بل يأمر بهم إلى النار ﴿ولهم عذاب أليم﴾ [آل عمران: ٧٧]. أي: مؤلم شديد. ٣٩/ ٢٦٧٥ - حدّثنا إسْحَاقُ قال أخبرنا يَزيدُ بنُ هَارُونَ قال أخبرنا العَوَّامُ قال حدَّثني إبْرَاهِيمُ أبُو إِسْمَاعِيلَ السَّكْسَكِيُّ سَمِعَ عَبْدَ الله بنَ أوْفَى رضي الله تعالى عنهُما يَقولُ أَقَامَ رَجُلٌ سِلْعَتَهُ فَحَلَفَ بالله لَقَدْ أعْطَى بِهَا ما لَمْ يُعْطِها فَتَزَلَتْ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وأيْمانِهِمْ ثَمناً قليلاً﴾[آل عمران: ٧٧] [انظر الحديث ٢٠٨٨ وطرفه]. مطابقته للترجمة للآية من حيث أنها نزلت في حق الرجل الذي أقام سلعة فحلف يميناً فاجرة. فإن قلت: قد ذكر فيما مضى أن الأشعث بن قيس قال: فيَّ نزلت هذه الآية. قلت: لا معارضة بينهما، لأنه يحتمل نزول هذه الآية في كل من القضيتين وإسحاق شيخ البخاري قال الغساني: لم أجده منسوباً لأحد من شيوخنا، لكن صرح البخاري بنسبته في: باب شهود الملائكة بدراً. قال: حدثنا إسحاق بن منصور، وقال أبو نعيم الأصبهاني: هو إسحاق بن راهويه، والعوام، بتشديد الواو: ابن حوشب، وإبراهيم بن عبد الرحمن أبو إسماعيل السكسكي الكوفي والسكسكي في كندة ينسب إلى السكاسك بن أشرس بن كندة، منهم إبراهيم هذا، وابن أبي أوفى هو عبد الله، واسم أبي أوفى، علقمة بن خالد بن الحارث الأسلمي، له ولأبيه صحبة. والحديث مضى في البيوع في: باب ما يكره من الحلف في البيع، وقد مر الكلام فيه هناك. وقال ابنُ أبي أوْفَى النَّاحِشُ آكِلُ رِباً خائِنٌ هو موصول بالإسناد المذكور إليه، وقد مر في البيوع في: باب النجش، ومر الكلام فيه هناك. ٤٠ / ٢٦٧٦ - ٢٦٧٧ - حدَّثنا بِشْرُ بنُ خالِدٍ قال حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ عنْ شُعْبَةً عنْ سُلَيْمانَ عنْ أبِي وَائِلٍ عنْ عَبْدِ الله رضي الله تعالى عنه عنِ النَّبِيِّ عَ لِه قال مَنْ حَلَفَ ٣٦٣ ٥٢ - كتابُ الشَّهاداتِ / باب (٢٦) علَى يَمِينٍ كاذِباً لِيَقْتَطِعَ مالَ رَجُلٍ أوْ قَالَ أَخِيهِ لَقِيَ اللهِ وهْوَ عَلَيْهِ غَضْبانُ وأَنْزَلَ الله تَصْدِيقَ ذُلِكَ في القُرْآنِ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وَأَيْمَانِهِمْ ثَمِناً قَلِيلاً﴾ [آل عمران: ٧٧]. الآية فَلَقِينِي الأَشْعَثُ فقال ما حدَّثَكُمْ عَبْدُ الله اليَوْمَ قَلْتُ: كَذَا وكذَّا قال: فِيَّ أَنْزِلَتْ !. [انظر الحديثين ٢٣٥٦ و٢٣٥٧ وأطرافهما]. مطابقته للباب المتضمن للآية الكريمة ظاهرة لا تخفى، والحديث تكرر ذكره عن قريب وبعيد. قوله: ((ما حدثكم عبد الله)) هو عبد الله بن مسعود الراوي، وفي الأحاديث الماضية: ما حدثكم أبو عبد الرحمن، هو كنية عبد الله، وسليمان هو الأعمش، وأبو وائل شقیق. ٢٦ - بابُ کَیْفَ یُسْتَخلَفُ أي: هذا باب يذكر فيه: كيف يستحلف من يتوجه عليه اليمين، ويستحلف، بضم الياء: على صيغة المجهول. قال الله تعالى: ﴿يَخْلِفُونَ بِالله لَكَمْ﴾ [التوبة: ٦٢]. وقوْلِهِ عزَّ وجَلَّ ﴿ثُمَّ جَاؤُوَ يَحْلِفُونَ بِالله إنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إحساناً وتؤْفِيقاً﴾ [النساء: ٦٢]. وقَوْلِ الله ﴿وَيَخْلِفُونَ بالله إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ﴾ [التوبة: ٥٦]. ﴿وَيَحْلِفُونَ بِالله لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾ [التوبة: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِالله لَشَهَادَتْنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهُمَا﴾ [المائدة: ١٠٧]. ذكر هذه الآيات التي فيها الحلف بالله، وهي مناسبة للترجمة، وقال بعضهم: غرضه بذلك أنه لا يجب تغليظ الحلف بالقول: قلت: غرضه بذلك الإشارة إلى أن أصل اليمين أن تكون بلفظ الله، لما يذكر عن قريب عن عبد الله بن مسعود، أن النبيِّ عَ لّ قال: من كان حالفاً فلیحلف بالله أو ليصمت)). يُقالُ بالله وتاللهِ وَوالله أشار بهذا إلى الاسم الذي يحلف به، وإلى حروف القسم، أما الاسم الذي يحلف به فهو لفظ الله، وهو الأصل فيه، وأما حروف القسم فهي: الباء الموحدة نحو: بالله، والتاء المثناة من فوق نحو: تالله، والواو نحو: والله، والكل ورد في القرآن أما الباء فقوله تعالى: ﴿قالوا تقاسموا بالله﴾ [النمل: ٤٩]. وأما التاء فقوله تعالى: ﴿تالله لقد آثرك الله علينا﴾ [يوسف: ٩١]. وأما الواو فقوله ﴿والله ربنا ما كنا مشركين﴾ [الأنعام: ٢٣]، وقد ذكرنا كيفية اليمين والخلاف فيه عن قريب في: باب يحلف المدعى عليه حيث ما وجبت عليه اليمين. ٣٦٤ : ٥٢ - كتابُ الشَّهاداتِ / باب (٢٦) وقال النبيُّ عَّله ورَجُلٌ حَلَفَ بالله كاذِباً بعْدَ العَضْرِ ولا يُحْلَفُ بِغَيْرِ الله هذا التعليق قطعة من حديث ذكره موصولاً عن أبي هريرة في: باب اليمين بعد العصر، وذكره هنا بالمعنى، وغرضه من ذكره هنا هو قوله: ((ورجل حلف بالله)). قوله: ((ولا يحلف بغير الله)) ليس من الحديث، بل من كلام البخاري ذكره تكميلاً للترجمة. ٢٦٧٨/٤١ - حدّثنا إسْماعِيلُ بنُ عَبْدِ الله قال حدَّثني مالِكٌ عنْ عَمَّهِ أبي سُهَيْلٍ عن أبِيْهِ أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بنُ عُبَيْدِ الله يقولُ جاءَ رجلٌ إلى رسولِ اللهِ عَُّلَّهِ فإذا هُوَ يَسْأَلُهُ عنِ الإسْلامِ فقال رسولُ اللهِ عَِّ خَمسُ صَلَوَاتٍ في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ فقال هَلْ عَلَيَّ غَيْرُها قال لا إلاَّ أنَ تَطَوَّعَ فقال رسولُ الله عَلَّهِ وصِيامُ رَمَضانَ قَالَ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ قال لا إلاَّ أنْ تَطََّّعَ قَالَ وذَكَّرَ لَهُ رسولُ اللهِ عَِّ الزَّكَاةَ قال هَلْ عليَّ غَيْرُها قال لا إلاَّ أنْ تَطََّّعَ قال فأذْبَرَ الرُّجُلُ وهْوَ يَقولُ والله لا أَزِيدُ عَلَى هَذَا ولا أَنْقُصُ قال رسولُ الله عَ لَّ أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ. [انظر الحديث ٤٦]. مطابقته للترجمة في قوله: ((والله لا أزيد على هذا))، فهذا هو صورة الحلف بلفظ اسم الله، وبالباء الموحدة، والحديث بعين هذا الإسناد قد مضى في كتاب الإيمان في: باب الزكاة من الإسلام، وقد مر الكلام فيه مستوفى. ٢٦٧٩/٤٢ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيل قال حدَّثنا جُوَيْرِيَةُ قال ذَكَرَ نافعٌ عنْ عَبْدِ الله رضي الله تعالى عنهُ أنَّ النبيَّ عَُّلَّمِ قال منْ كانَ حالِفَاً فَلْيَخْلِفْ بالله أوْ لِيَضْمُتْ. [الحديث ٢٦٧٩ - أطرافه في: ٣٨٣٦، ٦١٠٨، ٦٦٤٦، ٦٦٤٨]. مطابقته للترجمة في قوله: ((فليحلف بالله))، وجويرية - تصغير: جارية - ابن أسماء، على وزن حمراء، وهما من الأسماء المشتركة بين الذكور والإناث، وقد تكرر ذكره، وعبد الله هو ابن عمر بن الخطاب. قوله: ((من كان حالفاً ... )) إلى آخره، أي: من أراد أن يحلف ((فليحلف بالله)) أو لا يحلف أصلاً، وهو دال على المنع من الحلف بغير الله، ولا شك في انعقاد اليمين باسم الذات والصفات العلية، وأما اليمين بغير ذلك فهو ممنوع. واختلفوا: هل هو منع تحريم أو تنزيه؟ والخلاف فيه موجود عند المالكية، فالأقسام ثلاثة: الأول: ما يباح اليمين به، وهو ما ذكرنا من اسم الذات والصفات. الثاني: ما يحرم اليمين به بالاتفاق كالأنصاب والأزلام واللات والعزى، فإن قصد تعظيمها فهو كفر، كذا قال بعض المالكية معلقاً للقول فيه، حيث يقول: فإن قصد تعظيمها يكفر، وإلاّ فحرام، والقسم بالشيء تعظيم له. والثالث: ما يختلف فيه بالتحريم، والكراهة، وهو مما عدا ذلك مما لا يقتضي تعظيمه، وقال ابن بطال: وأجمعوا أنه لا ينبغي للحاكم أن يستحلف إلاَّ بالله لا بالعتاق أو الحج أو المصحف وإن اتهمه القاضي غلظ عليه اليمين بزيادة من صفات الله عز وجل، وقد مر الكلام فيه في: باب كيف يستحلف. ٣٦٥ ٥٢ - كتابُ الشَّهاداتِ / باب (٢٧) ٢٧ - بابُ مَنْ أقامَ البَيَِّةَ بَعْدَ اليَمِينِ أي: هذا باب في بيان حكم من أقام البينة بعد يمين المدعى عليه، وجواب: من، محذوف، تقديره: هل تقبل البينة أم لا؟ وإنما لم يصرح به لمكان الخلاف فيه على عادته التي جرت هكذا، فالجمهور على أنها تقبل، وإليه ذهب الثوري والكوفيون والشافعي والليث وأحمد وإسحاق، وقال مالك في (المدونة): إن استحلفه وهو لا يعلم بالبينة، ثم علمها قضى له بها، وإن استحلفه ورضي بيمينه تاركاً لبينته، وهي حاضرة أو غائبة، فلا حق له إذا شهدت له، قاله مطرف وابن الماجشون، وقال ابن أبي ليلى: لا تقبل بينته بعد استحلاف المدعى عليه. وبه قال أبو عبيد وأهل الظاهر. وقال النبيُّ لَعَلَّ بَعْضُكُمْ أَلْحَنَ لُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ هذا قطعة من حديث يذكره عن أم سلمة في هذا الباب موصولاً، وذكره أيضاً في المظالم في: باب إثم من خاصم في باطل وهو يعلمه، وقد مر الكلام فيه هناك. فإن قلت: ما مناسبة ذكر هذا في هذا الباب؟ قلت: إذا اختصم اثنان أو أكثر لا بد أن يكون لكل منهم حجة حتى يكون بعضهم ألحن بحجته من بعض، وذلك لا يكون إلاّ فيما إذا جاز إقامة البينة بعد اليمين. وقال طاؤُسٌ وإبْرَاهِيمُ وشُرَيْحِ البَيِّنَةُ العَادِلَةُ أَحَقُّ مِنَ اليَمِينِ الفاجِرَةِ طاؤس هو ابن كيسان، وإبراهيم بن يزيد النخعي وشريح القاضي، وقد طول الشراح في معنى كلام هؤلاء بحيث إن الناظر فيه لا يرجع بمزيد فائدة، وحاصل معنى كلامهم: أن المدعى عليه إذا حلف دفع المدعي باليمين، ثم إذا أقام المدعي البينة المرضية وهو معنى: العادلة، على دعواه ظهر أن يمين المدعى عليه كانت فاجرة أي كاذبة، فسماع هذه البينة العادلة أولى بالقبول من تلك اليمين الفاجرة، فتسمع هذه البينة ويقضى بها، والله أعلم. وتعليق شريح رواه البغوي عن علي بن الجعد: أنبأنا شريك عن عاصم عن محمد بن سيرين عن شريح، قال: من ادعى قضائي فهو عليه حتى تأتي بينة الحق أحق من قضائي الحق أحق من يمين فاجرة، وذكر ابن حبيب في (الواضحة) بإسناد له عن عمر، رضي الله تعالى عنه، قال: البينة العادلة خير من اليمين الفاجرة. ٤٣ /٢٦٨٠ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكِ عنْ هِشَامٍ بِنِ عُزْوَةً عَنْ أَبِيهِ عنْ زَيْنَبِ عِنْ أَمِّ سَلَمَةَ رضي الله تعالى عنها أنَّ رسولَ الله عَ لَّهِ قال إنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ ولَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقٌّ أَخِيهِ شَيْئاً بِقَوْلِهِ فَإِنََّا أَقْطَعُ لَّهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ فَلاَ يَأْخُذْهَا. [انظرِ الحديث ٢٤٥٨ وأطرافه]. أنكر بعضهم دخول هذا الحديث في هذا الباب، ورد عليه بعضهم بكلام يمل السامع، وقد ذكرنا وجه دخوله في هذا الباب الآن، وقد مضى هذا الحديث في المظالم في: باب ٣٦٦ ٥٢ - كتابُ الشَّهاداتِ / باب (٢٨) إثم من خاصم في باطل وهو يعلمه، من غير هذا الطريق، وفيه بعض زيادة على هذا. قوله: ((ألحن)) أي: أفطن، يقال: لحن، بكسر الحاء: إذا فطن، وقال الخطابي: اللحن متحركة الحاء الفطنة، وساكنة الحاء: الزيغ في الإعراب يعني إزالة الإعراب عن جهته. قوله: ((فإنما أقطع له قطعة من النار))، دال على أن حكم الحاكم لا يحل حراماً ولا يحرم حلالاً، وسواء فيه المال وغيره من الحقوق. وقد اتفق العلماء على تحريم ذلك في الأموال، وقال أبو حنيفة، رضي الله تعالى عنه: حكمه في الطلاق والنكاح والنسب يحتمل الأمور عما عليه في الباب بخلاف الأموال وفيه: أن القاضي يحكم بعلمه فيما علمه بعد القضاء من حقوق الآدميين، ولا يحكم فيما علمه قبله، وقال مالك: لا يحكم بعلمه مطلقاً. وفيه: أن الحاكم إنما يحكم بالظاهر، وأن على من علم من الحاكم أنه قد أخطأ في الحكم فأعطاه شيئاً ليس له أن يأخذه. وفيه: أن البينة مسموعة بعد اليمين، والله هو المعين. ٢٨ - بابُ مَنْ أمَرَ بإنْجَازِ الوَعْدِ أي: هذا باب في بيان من أمر بإنجاز الوعد، أي: الوفاء به، يقال: أنجز الوعد إنجازاً أوفى به، ونجز الوعد وهوء ناجز إذا حصل وتم. وقال الكرماني: وجه تعلق هذا الباب بأبواب الشهادات هو أن الوعد كالشهادة على نفسه. وقال المهلب: إنجاز الوعد مأمور به مندوب إليه عند الجميع، وليس بفرض، لاتفاقهم على أن الموعود لا يضارب بما وعد به مع الغرماء، ولا خلاف في أن ذلك مستحسن، وقد أثنى الله تعالى على من صدق وعده، ووفى بنذره، وذلك من مكارم الأخلاق، ولما كان الشارع أمر الناس بها وندبهم إليها أدى ذلك عنه خليفته الصديق، وقام فيه مقامه، ولم يسأل جابراً البينة على ما ادعاه على رسول الله، عَ له من العدة، لأنه لم يكن شيئاً ادعاه جابر في ذمة رسول الله، عَّه، وإنما ادعى شيئاً في بيت المال، والفيء، وذلك موكول إلى اجتهاد الإمام، وعن بعض المالكية إن ارتبط الوعد بسبب وجب الوفاء به وإلاّ لا، فمن قال: لآخر: تزوج ولك كذا، فتزوج لذلك وجب الوفاء به. وفَعَلَهُ الحَسَنُ أي: فعل إنجاز الوعد الحسن البصري. وقال الكرماني: الفعل، بلفظ المصدر، والحسن صفة مشبهة صفة للفعل، وفي بعضها: فعل بلفظ الماضي، والحسن البصري. قلت: الوجه الأول أحسن وأوجه على ما لا يخفى، ومعناه فعل إنجاز الوعد الحسن، فارتفاع الحسن في هذا الوجه مرفوع على الوصفية، على الوجه الثاني يكون ارتفاعه بالفاعلية، فافهم. وذَكَرَ ﴿إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤]. أي: ذكر الله تعالى إسماعيل عَّ له في كتابه الكريم بقوله: ﴿واذكر في الكتاب إساعيل ٣٦٧ ٥٢ - كتابُ الشَّهاداتِ / باب (٢٨) إنه كان صادق الوعد﴾ [مريم: ٥٤]. وهذا الذي في المتن رواية النسفي، وفي رواية غيره ﴿واذكر في الكتاب ... ﴾ [مريم: ٥٤]. إلى آخره، وروى ابن أبي حاتم من طريق الثوري أنه بلغه أن إسماعيل عَِّ دخل قرية هو ورجل، فأرسله في حاجة، وقال له: إنه ينتظره، فأقام حولاً في انتظاره، ومن طريق ابن شوذب: أنه اتخذ ذلك الموضع مسكناً، فسمي من يومئذ: صادق الوعد. وقَضْى ابنُ الأَشْوَعِ بِالوَغْدِ ابن الأشوع هو سعيد بن عمرو بن الأشوع الهمداني قاضي الكوفة في زمان إمارة خالد القسري على العراق، وذلك بعد المائة، مات في ولاية خالد، وذكره ابن حبان في (الثقات) وقال يحيى بن معين: مشهور يعرفه الناس، وابن الأشوع، بفتح الهمزة وسكون الشين المعجمة وفتح الواو وفي آخره عين مهملة. قوله: ((بالوعد)) أي: بإنجاز الوعد. وذَكَرَ ذلِكَ عِنْ سَمُرَةَ أي: ذكر ابن الأشوع القضاء بإنجاز الوعد عن سمرة بن جندب، رضي الله تعالى عنه، وقع ذلك في تفسیر إسحاق بن راهويه. وقال المِسْوَرُ بنُ مَخْرَمَةَ: سَمِعْتُ النبيَّ عَّهِ، وذَكَرَ صِهْرَاً لَهُ قال: وعَدَنِي فَوَفَى لي المسور، بكسر الميم، ومخرمة بفتحها. قوله: ((وذكر)) أي: النبي عَّ صهراً له يعني: أبا العاص بن الربيع زوج زينب بنت النبي عَّ له، وقيل: يعني أبا بكر، رضي الله تعالى عنه. واعلم أن الأختان من قبل المرأة، والأحماء من قبل الرجل، والصهر يجمعهما، وكان عَّ. صهر أبي الربيع لأنه كان زوج بنته زينب، وصهر أبي بكر الصديق أيضاً لأنه كان زوج بنته عائشة الصديقة. قوله: ((قال: وعدني)) أي: قال ومنها :: ((صهري وعدني فوفى لي))، ویروی: فوفاني، ویروی فأوفاني. قال أبو عَبْدِ الله ورَأيْتُ إسْحَاقَ بنَ إِبْرَاهِيمَ يَحْتَجُ بِحَدِيثِ ابنِ الأُشْوَعَ أبو عبد الله البخاري نفسه، وإسحاق بن إبراهيم بن راهويه. قوله: «يحتج بحديث ابن الأشوع))، هو الحديث الذي ذكره عن سمرة بن جندب، وأراد به أنه كان يحتج به في القول بوجوب إنجاز الوعد، ووقع في كثير من النسخ: ذكر إسماعيل، بين التعليق عن ابن الأشوع وبين نقل البخاري عن إسحاق، والذي وقع في نسختنا أولى. ٤٤ /٢٦٨١ _ حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ حَمْزَةَ قال حدَّثنا إبرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عن صالِحٍ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ عُبَيْدِ الله بنِ عَبْدِ اللهِ بنَ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهُما أخبرهُ قال أخبرَنِي أَبُو سُفْيَانَ أنَّ هِرَقْلَ قال لَهُ سأَلْتُكَ ماذا يأمُرُكُمْ فَزَعَمْتَ أنَّهُ أمرَكُمْ بالصَّلاةِ والصِّدْقِ والعَفَافِ ٣٦٨ ٥٢ - كتابُ الشَّهاداتِ / باب (٢٨) والوَفاءِ بالعَهْدِ وأداءِ الأمانَةِ قال ولهذِهِ صِفَةُ نَبِيّ. [انظر الحديث ٧ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((والوفاء بالعهد))، يعني: كان صادق الوعد، وإبراهيم بن حمزة وأبو إسحاق الزبيري المديني، وهو من أفراده، وإبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري القرشي المديني، وصالح هو ابن كيسان أبو محمد مؤدب ولد عمر بن عبد العزيز، رضي الله تعالى عنه، وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وهذا قطعة من حديث قصة هرقل، ذكره في أول الكتاب، وذكرنا هناك ما فيه الكفاية. ٤٥ /٢٦٨٢ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قال حدَّثنا إسماعيلُ بنُ جَعْفَرَ عنْ أَبِي سُهَيْلٍ نافعٍ بنِ مالِكِ بنِ أبي عامرٍ عنْ أبِيهِ عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ أنَّ رسولَ الله عَّه قالَ آيَةُ المُنَافِقِ ثَلاثٌ إذا حَدَّثَ كَذَبَ وإِذَا اثْتُمِنَ خانَ وإِذَا وعَدَ أَخْلَفَ. [انظر الحديث ٣٣ وأطرافه]. مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((وإذا وعد أخلف))، لأن ضده: إذا وعد صدق، فسلم من طائفة النفاق، وصادق الوعد يندب منه إنجاز وعده، وقد مضى الحديث في كتاب الإيمان في: باب علامة المنافق، فإنه أخرجه هناك: عن سليمان بن أبي الربيع عن إسماعيل ابن جعفر، وهنا: عن قتيبة عن إسماعيل. ٤٦ / ٢٦٨٣ - حدّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ موسى قال أخبرنا هِشامٌ عنِ ابنِ مُجرَيْج قال أخبرني عَمْرُو بنُ دِينارٍ عنْ مُحَمَّدٍ بنِ عِلِيّ عنْ جابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله تعالى عنهُم قال لَمَّا ماتَ النبيُّ عَِّ جاءَ أباَ بَكْر مالٌ منْ قِبَلِ العَلاءِ بنِ الحَضْرَمِيِّ فقال أبو بَكْرِ منْ كانَ لَهُ على النَّبِيِّ عَِّ دَيْنٌ أَوْ كانَتْ لهُ قِبَلَهُ عِدَّةٌ فَلْيَأْتِنَا قَال جابِرٌ فَقُلْتُ وعَدَني رسولُ اللهِ عَ لَّه أن يُعْطِيَنِي هكَذَا وَهَكَذَا وهكذَا فبَسَطَ يَدَيْهِ ثلاثَ مَرَّاتٍ قال جابرٌ فَعَدَّ فِي يَدِي خَمْسَمِائَةٍ ثُمَّ خَمْسَمَائَةٍ ثُمَّ خَمْسَمَائَةٍ. [انظر الحديث ٢٢٩٦ وأطرافه]. مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((أو كانت له قبله عدة)) أي: وعد، وهذا لولا أن إنجاز الوعد أمر مرغوب مندوب إليه لما التزم أبو بكر بذلك بعد وفاة النبي عَّهِ. وقيل: إن ذلك من خصائص النبي، عَِّ، فلذلك دفع أبو بكر إلى جابر ما كان وعده رسول الله، عَ ليه له. وإبراهيم بن موسى بن يزيد الفراء أبو إسحاق الرازي، يعرف: بالصغير، وهشام بن يوسف أبو عبد الرحمن اليماني قاضيها وابن جريج عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج ومحمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنهم، وقد مضى مثل هذا الحديث في الكفالة في: باب من تكفل عن ميت ديناً، فإنه أخرجه هناك: عن علي بن عبد الله عن سفيان عن عمرو بن دينار إلى آخره. - قوله: ((من قبل العلاء))، بكسر القاف وفتح الباء الموحدة أي: من جهته، والعلاء - بالمد - ابن الحضرمي عبد الله كان عاملاً لرسول الله، عَّ ل على البحرين وأقره الشيخان ٣٦٩ ٥٢ - كتابُ الشَّهاداتِ / باب (٢٨) عليها، إلى أن مات سنة أربع عشرة. ٤٧/ ٢٦٨٤ - حدّثِنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الرَّحِيم قال أخبرنا سعيدُ بنُ سُلَيْمَانَ قال حدَّثنا مَزْوَانُ بنُ شُجَاعِ عنْ سالِمِ الأَفْطَسِ عنْ سَعِيدِ بنِ بُبَيْرٍ قال سألَنِي يَهودِيٍّ منْ أهْلِ الحيرَةِ أيَّ الأجَلَيْنِ قَضَى موسى قُلْتُ لا أدْرِي حتَّى أَقْدَمَ على حَبْرِ العَرَبِ فأسْألَهُ فَقَدِمْتُ فِسَأَلْتُ ابنَ عَبَّاسٍ فقال قَضى أكْثَرهُمَا وَأَطْيَبَهُمَا إِنَّ رسولَ الله عَ لّه إذا قالَ فَعَلَ. مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((إذا قال فعل))، لأن رسول الله، عَلَّ إما موسى أو غيره على ما نذكره من محاسن أخلاقه من إنجاز وعده، وكذا، أي: رسول كان، لأن وعدهم صادق ولا خلف عندهم. ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: محمد بن عبد الرحيم أبو يحيى، كان يقال له: صاعقة. الثاني: سعيد بن سليمان المشهور بسعدويه البغدادي، وقد مر. الثالث: مروان بن شجاع أبو عمرو مولى مروان بن محمد بن الحكم القرشي الأموي الجزري، مات ببغداد سنة أربع وثمانين ومائة. الرابع: سالم بن عجلان الأفطس، قتل صبراً سنة اثنتين وثلاثين ومائة. الخامس: سعيد بن جبير. السادس: عبد الله بن عباس. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: الإخبار كذلك في موضع. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: سؤال اليهودي عن سعيد بن جبير وسؤال سعيد عن ابن عباس. وفيه: أن سالماً ليس له رواية في البخاري إلاَّ هذا، وآخر في الطب وكذا الراوي عنه مروان، وفيه: أن سعيد بن سليمان من مشايخ البخاري، وكثيراً يروي عنه بدون الواسطة، وهنا روى عنه بواسطة، وهو محمد بن عبد الرحيم. ذكر معناه: قوله: ((من أهل الحيرة))، بكسر الحاء المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفتح الراء: مدينة معروفة بالعراق قريب الكوفة، وكانت للنعمان بن المنذر. قوله: ((أي الأجلين))، أي: المشار إليهما في قوله تعالى: ﴿ثماني حجج فإن أتممت عشراً فمن عندك﴾ [القصص: ٢٧]. قوله: ((حتى أقدم))، أي: على ابن عاس بمكة. قوله: ((على حبر العرب))، بفتح الحاء المهملة وسكون الباء الموحدة، ونص أبو العباس في (فصيحه) على فتح الحاء، وفي (المخصص) عن صاحب (العين): هو العالم من علماء الديانة مسلماً كان أو ذمياً بعد أن يكون كتابياً، والجمع: أحبار، وذكر المطرز عن ثعلب، يقال للعالم: حبر وحبر، وقال المبرد: سمي حبراً لأنه مما يحبر به الكتب، أي: تحسن. وفي (الواعي): سمي العالم حبراً لتأثيره في الكتب، لأن الحبر والحبار: الأثر. وقال ابن الأثير: وكان يقال لابن عباس: الحبر والبحر لعلمه وسعته. واختلفوا فيمن سماه بذلك، فذكر أبو نعيم الحافظ: أن عبد الله انتهى يوماً إلى رسول الله، عَّله وعنده جبريل، عليه السلام، فقال له: (إنه كائن حبر هذه الأمة فاستوصٍ به خيراً)، وفي (المنثور) لابن دريد الأزدي: أن عبد الله بن سعد بن أبي سرح لما أرسل ابن عباس رسولاً إلى جرجير، ملك المغرب، فتكلم معه فقال له جرجير: ما ينبغي إلاّ ٠٠ ٠ ٢٤٠/١٣ /م. ٣٧٠ ٥٢ - كتابُ الشَّهاداتِ / باب (٢٩) أن يكون حبر العرب، فسمي عبد الله من يومئذ: الحبر. قوله: ((قضى أكثرهما وأطيبهما))، كذا رواه سعيد بن جبير موقوفاً، وهو في حكم المرفوع، لأن ابن عباس كان لا يعتمد على أهل الكتاب، وقد صرح برفعه عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله، عٍَّ سأل جبريل عليه السلام: ((أي الأجلين قضى موسى؟ قال: أتمهما وأكملهما)). وفي حديث جابر: أوفاهما، وفي حديث أبي سعيد: أتمهما وأطيبهما عشر سنين، والمراد بالأطيب أي: في نفس شعيب، عليه السلام، قوله: ((إن رسول الله، عَ لَّه إذا قال فعل))، قال الكرماني: أي: موسى، عليه السلام، أو أراد جنس الرسول، فيتناوله تناولا أوليا. وقال بعضهم: المراد برسول الله: من اتصف بذلك، ولم يرد شخصاً بعينه. ٢٩ - بابٌ لا يُسْألُ أهْلُ الشِّرْكِ عنِ الشَّهَادَةِ وغيرِهَا أي: هذا باب يذكر فيه: لا يُسْألُ ... إلى آخره، ويسأل على صيغة المجهول، وأراد بهذا عدم قبول شهادتهم. وقد اختلف العلماء في ذلك: فعند الجمهور: لا تقبل شهادتهم أصلاً ولا شهادة بعضهم على بعض، ومنهم من أجاز شهادة أهل الكتاب بعضهم على بعض للمسلمين، وهو قول إبراهيم، ومنهم من أجاز شهادة أهل الشرك بعضهم على بعض، وهو قول عمر بن عبد العزيز والشعبي ونافع وحماد ووكيع، وبه قال أبو حنيفة، ومنهم من قال: لا تجوز شهادة أهل ملة إلاّ على أهل ملتها اليهودي على اليهودي والنصراني على النصراني وهو قول الزهري والضحاك والحكم وابن أبي ليلى وعطاء وأبي سلمة ومالك والشافعي وأحمد وأبي ثور وروي عن شريح والنخعي تجوز شهادتهم على المسلمين في الوصية في السفر للضرورة وبه قال الأوزاعي. وقال الشَّعْبِيُّ لا تَجُوزُ شَهَادَةُ أهْلِ المِلَلِ بَعْضِهِمْ على بَعْضٍ لِقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمْ العَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ [المائدة: ١٤]. أي: قال عامر بن شراحيل الشعبي. قوله: ((أهل الملل))، أي: ملل الكفر، وهو بكسر الميم جمع: ملة، والملة الدين كملة الإسلام ومل اليهودي وملة النصارى، هذا التعليق رواه ابن أبي شيبة عن وكيع: حدثنا سفيان عن داود عن الشعبي، قال: لا تجوز شهادة ملة على ملة إلاّ المسلمين. واحتج الشعبي بقوله تعالى: ﴿فأغرينا﴾ [المائدة: ١٤]، أي: ألصقنا، ومنه سمي الغرى الذي يلصق به، وقال الربيع: يعني به النصارى خاصة لأنهم افترقوا: نسطورية ويعقوبية وملكائية، وعن ابن أبي نجيح يعني به: اليهود والنصارى، واختلف فيه على الشعبي، فروى عبد الرزاق عن الثوري عن عيسى، وهو الحناط عن الشعبي، قال: كان يجيز شهادة النصراني على اليهودي واليهودي على النصراني، وروى ابن أبي شيبة من طريق أشعث عن الشعبى، قال: تجوز شهادة أهل الملل للمسلمين بعضهم على بعض. ٣٧١ ٥٢ _ کتابُ الشَّهاداتِ / باب (٢٩) وقال أبو هُرَيْرَةَ عنِ النَّبِيِّ عَِّ لا تُصَدِّقُوا أَهْلِ الكِتَابِ ولا تُكَذِّبُوهُمْ وَقُولُوا ﴿آمَنَّا باللهِ وما أَنْزِلَ﴾ [البقرة: ١٣٦]. الآية هذا التعليق وصله البخاري في تفسير سورة البقرة من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة، والغرض منه هنا النهي عن تصديق أهل الكتاب فيما لا يعرف صدقه من قبل غيرهم فيدل على رد شهادتهم وعدم قبولها. ٤٨ / ٢٦٨٥ - حدّثنا يَحْتَى بنُ بُكَثِرٍ قال حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ يونُسَ عنِ ابنِ شِهِابٍ عنْ عُبَيْدَ الله بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ عُتْبَةَ عنِ ابنِ عِبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهُما قال يا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ كَيْفَ تَسْألُونَ أهْلَ الكِتَابِ وكِتَابُكُمُ الَّذِي أَنْزِلَ عَلى نَبِيِّهِ عَِّ أَحْدَثُ الأَخْبَارِ بالله تَقْرَؤُونَهُ لَمْ يُشَبْ وقدْ حدَّثَكُمُ الله أنَّ أهْلَ الكِتَابِ بَدَّلُوا ما كَتَبَ الله وغَيَّرُوا بِأَيْدِيهِمُ الكِتَابَ فقالوا هُوَ مِنْ عِنْدِ الله لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أَفَلاَ يَنْهَاكُمْ ما جَاءَكُمْ مِنَ الْعِلْمِ عنْ مُسَائَلَتِهِمْ ولا والله ما رَأَيْنَا مِنْهُم رجُلاً قَطُّ يَسْألُكُمْ عنِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ. [الحديث ٢٦٨٥ - أطرافه في: ٧٣٦٣، ٧٥٢٢، ٧٥٢٣]. مطابقته للترجمة من حيث إن فيه الرد عن مساءلة أهل الكتاب، لأن أخبارهم لا تقبل لكونهم بدلوا الكتاب بأيديهم، فإذا لم يقبل أخبارهم لا تقبل شهادتهم بالطريق الأولى، لأن باب الشهادة أضيق من باب الرواية. ورجاله قد ذكروا غير مرة. والأثر أخرجه البخاري أيضاً في الاعتصام عن موسى بن إسماعيل وفي التوحيد عن أبي اليمان عن شعيب. قوله: ((كيف تسألون أهل الكتاب؟)) إنكار من ابن عباس عن سؤالهم من أهل الكتاب. قوله: ((وكتابكم))، أي: القرآن، وارتفاعه على أنه مبتدأ، وقوله: ((الذي أنزل على نبيه))، صفته. وقوله: ((أحدث الأخبار)) خبره. قوله: ((على نبيه))، أي: محمد، عَّلَّلِ. قوله: ((الإخبار))، بكسر الهمزة بمعنى المصدر، وبفتحها بمعنى الجمع، ومعناه: إنه أقرب الكتب نزولاً إليكم من عند الله، فالحديث بالنسبة إلى المنزول إليهم وهو في نفسه قديم على ما عرف في موضعه. قوله: ((لم يشب))، على صيغة المجهول من الشوب، وهو الخلط، أي: لم يخلط ولم يبدل ولم يغير. وفي (مسند أحمد) رحمه الله، من حديث جابر مرفوعاً: ((لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم، وقد ضلوا ... )) الحديث. قوله: ((بدلوا))، من التبديل، قال الله تعالى في حق اليهود: ﴿فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً﴾ [البقرة: ٧٩]. قوله: ((ولا والله)، كلمة: لا، زائدة، إما تأكيد لنفي ما قبله أو ما بعده، يعني: هم لا يسألونكم، فأنتم بالطريق الأولى أن لا تسألوهم، واحتج بهذا الحديث المانعون عن شهادتهم أصلا. ٣٧٢ ٥٢ - كتابُ الشَّهاداتِ / باب (٣٠) وفيه: أن أهل الكتاب بدلوا وغيروا، كما أخبر الله تعالى عنهم في القرآن الكريم، وسأل محمد بن الوضاح بعض علماء النصارى، فقال: ما بال كتابكم معشر المسلمين لا زيادة فيه ولا نقصان؟ وكتابنا بخلاف ذلك؟ فقال: لأن الله تعالى وكل حفظ كتابكم إليكم. فقال: استحفظوا من كتاب الله، فلما وكله إلى مخلوق دخله الخرم والنقصان، وقال في كتابنا: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ [الحجر: ٩]. فتولى الله حفظه، فلا سبيل إلى الزيادة فيه، ولا النقصان منه. ٣٠ - بابُ القرْعَةِ في المُشْكِلاَتِ أي: هذا باب في بيان مشروعية القرعة في الأشياء المشكلات التي يقع فيها النزاع بين اثنين أو أكثر، ووقع في رواية السرخسي: من المشكلات، وكلمة: في، أصوب، وأما كلمة: من، إن كانت محفوظة فتكون للتعليل، أي: لأجل المشكلات، كما في قوله تعالى: ﴿مما خطاياهم﴾ [العنكبوت: ١٢]. أي: لأجل خطاياهم. قيل: وجه إدخال هذا الباب في كتاب الشهادات أنها من جملة البينات التي تثبت بها الحقوق. قلت: الأحسن أن يقال: وجه ذلك أنه كما يقطع النزاع، والخصومة بالبيئة، فكذلك يقطع بالقرعة، وهذا المقدار كافي لوجه المناسبة. وقَوْله ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤]. وقال ابنُ عَبَّاسٍ اقْتَرَعوا فَجَرَتِ الأَقْلاَمُ مَعَ الجِزِيَّةِ وعالَ قَلَمُ زَكَرِيَّاءَ الجِزْيَةَ فَكَفَلَهَا زَكَرِيَّاءَ وقوله، بالجر عطفاً على القرعة، وذكر هذه الآية في معرض الاحتجاج لصحة الحكم بالقرعة، بناء على أن شرع من قبلنا هو شرع لنا ما لم يقص الله علينا بالإنكار، ولا إنكار في مشروعيتها، وما نسب بعضهم إلى أبي حنيفة بأنه أنكرها فغير صحيح، وقد بسطنا الكلام فيه عن قريب في تفسير قصة أهل الإفك. وأول الآية: ﴿ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون﴾ [آل عمران: ٤٤]. أي: نقصه عليك ﴿وما كنت لديهم﴾ أي: وما كنت يا محمد عندهم ﴿إِذ يلقون﴾ أي: حين يلقون ﴿الأقلام أيهم يكفل مريم﴾، أي: يضمها إلى نفسه ويربيها، وذلك لرغبتهم في الأجر ﴿وما كنت لديهم إذ يختصمون﴾ أي: حين يختصمون في أخذها. وأصل القصة أن امرأة عمران، وهي حنة بنت فاقود، لا تحمل: فرأت يوماً طائراً يزق فرخه، فاشتهت الولد فدعت الله تعالى أن يهبها ولداً، فاستجاب الله دعاءها، فواقعها زوجها فحملت منه، فلما تحققت الحمل نذرت أن يكون محررا، أي: خالصاً لخدمة بيت المقدس، فلما وضعت قالت: ﴿رب إني وضعتها أنثى﴾ [آل عمران: ٣٦]. ثم خرجت بها في خرقتها إلى بني الكاهن بن هروة أخي موسى بن عمران، وهم يومئذ يلون من بيت المقدس ما يلي الحجبة من الكعبة، فقالت لهم: دونكم هذه النذيرة، فإني حررتها وهي ابنتي، ولا تدخل الكنيسة ٣٧٣ ٥٢ - كتابُ الشَّهاداتِ / باب (٣٠) حائض، وأنا لا أردها إلى بيتي، فقالوا: هذه ابنة إمامنا، وكان عمران يؤمهم في الصلاة وصاحب القربان، فقال زكرياء: إدفعوها إلي، فإن خالتها تحتي، فقالوا: لا تطيب نفوسنا، هي ابنة إمامنا فعند ذلك اقترعوا بأقلامهم عليها، وهي الأقلام التي كانوا يكتبون بها التوراة، فقرعهم زكرياء، عليه الصلاة والسلام، وقد ذكر عكرمة والسدي وقتادة وغير واحد أنهم ذهبوا إلى نهر الأردن واقترعوا هنالك على أن يلقوا أقلامهم فيه، فأيهم ثبت في جرية الماء فهو كافلها، فألقوا أقلامهم فاحتملها الماء إلاَّ قلم زكرياء، فإنه ثبت، فأخذها فضمها إلى نفسه، وقد ذكر المفسرون أن الأقلام هي الأقلام التي كانوا يكتبون بها التوراة، كما ذكرناه، ويقال: الأقلام السهام، وسمي السهم قلماً لأنه يقلم: أي: يبرى. قوله: ﴿أيهم يكفل مريم﴾ [آل عمران: ٤٤]. أي: يأخذها بكفالتها. قوله: ((اقترعوا))، يعني: عند التنافس في كفالة مريم. قوله: ((مع الجرية)) بكسر الجيم للنوع من الجريان وقال ابن التين صوابه أقرعوا أو قارعوا لأنه رباعي قلت قد جاء اقترعوا كما جاء أقرعوا فلا وجه لدعوى الصواب فيه. قوله: ((عال)) أي: غلب الجرية ويروى: علا، ويروى: عدا، حاصله: ارتفع قلم زكرياء، ويقال: إنهم اقترعوا ثلاث مرات، وعن ابن عباس: فلما وُضعت مريم في المسجد اقترع عليها أهل المصلى وهم يكتبون الوحي. وقَوْلِهِ ﴿فَساهَمَ﴾ أقْرَعَ ﴿فَكَانَ مِنَ المَدْخَضِينَ﴾ [الصافات: ١٤١]. من المَسْهومِينَ وقوله، بالجر عطفاً على قوله الأول. قوله: ((أقرع))، تفسير لقوله: فساهم، والضمير فيه يرجع إلى يونس، عليه السلام. وفسر البخاري المدحضين بمعنى: المسهومين، يعني: المغلوبين، يقال: ساهمته فسهمته، كما يقال: قارعته فقرعته. وقوله: ﴿فساهم﴾: قال: قوله: ﴿فساهم﴾ أي: قارع. قال بعضهم: هو أوضح. قلت: كونه أوضح باعتبار أنه من باب المفاعلة التي هي للاشتراك بين اثنين. وحقيقة المدحض المزلق عن مقام الظفر والغلبة. وقال القرطبي: يونس بن متى لما دعا قومه أهل نينوى من بلاد الموصل على شاطىء دجلة للدخول في دينه أبطؤوا عليه، فدعا عليهم ووعدهم العذاب بعد ثلاث، وخرج عنهم فرأى قومه دخاناً ومقدمات العذاب، فآمنوا به وصدقوه وتابوا إلى الله، عز وجل، وردوا المظالم حتى ردوا حجارة مغصوبة، كانوا بنوا بها وخرجوا طالبين يونس فلم يجدوه، ولم يزالوا كذلك حتى كشف الله عنهم العذاب، ثم إن يونس ركب سفينة فلم تجرِ، فقال أهلها: فيكم آبق، فاقترعوا فخرجت القرعة عليه، فالتقمه الحوث. وقد اختلف في مدة لبثه في بطنه من يوم واحد إلى أربعين يوماً. فأوحى الله تعالى إلى الحوت أن يلتقمه ولا يكسر له عظماً. وذكر مقاتل: أنهم قارعوه ست مرات خوفاً عليه من أن يقذف في البحر، وفي كلها خرج عليه، وفي يونس ست لغات: ضم النون وفتحها وكسرها مع الهمزة وتركه، والأشهر ضم النون بغير همز. ٣٧٤ ٥٢ - كتابُ الشَّهاداتِ / باب (٣٠) وقال أبُو هُرَيْرَةَ عَرَضَ النِبِيُّ عَّلِ عَلى قَوْم اليَمِينَ فَأَسْرَعُوا فأمَرَ أنْ يُسْهَمَ بَيْتَهُمْ أَيُّهُمْ يَحْلِفُ هذا التعليق قد مر موصولاً في: باب إذا سارع قوم في اليمين، وقد مر عن قريب، وهذا أيضاً يدل على مشروعية القرعة. ٢٦٨٦/٤٩ - حدَّثنا عُمَرَ بنُ حَفْصِ بنِ غِياثٍ قال حدَّثنا أبي قال حدَّثنا الأعْمَشُ قال حدَّثني الشّعْبِيُّ أنَّهُ سَمِعَ النُّعْمَانَ بنَ بَشِيرٍ رضي الله تعالى عنهما يَقولُ قال النبيُّ عَ ليه مَثَلُ الْمُدهِنِ في حُدُودِ اللهِ والواقِعِ فِيها مَثَلُ قَوْمِ اسْتَهَمُوا سَفِينَةً فصارَ بَعْضُهُمْ في أُسْفَلِهَا وصارَ بَعْضُهم في أعْلاهَا فَكَانَ الَّذِي في أَسْفَلِهَا يَمُرُونَ بِالْمَاءِ علىِ الَّذِينَ في أعْلاهَا فَتَأْذَّوْا بِهِ فَأَخَذَ فَأْسَاً فَجَعَلَ يَنْقُرُ أُسْفَلَ السَّفِينَةِ فأتوهُ فقالوا مالَكَ قال تأذَّيْتُمْ بِي ولا بُدَّ لي مِنَ المَاءِ فإِنْ أَخَذُوا على يدَيْهِ أنْجَوْه ونجَّوا أنْفُسَهُمْ وإِنْ تَرَكُوا أَهْلَكُوهُ وأَهْلَكُوا أَنْفُسَهُمْ. [انظر الحديث ٢٤٩٣ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((استهموا سفينة))، وهذا الحديث مضى في الشركة في: باب هل يقرع في القسمة؟ والاستهام فيه، فإنه أخرجه هناك: عن أبي نعيم عن زكرياء. قال: سمعت عامراً، - وهو الشعبي - يقول: سمعت النعمان بن بشير ... إلى آخره، وفي بعض النسخ وقع حديث النعمان هكذا في آخر الباب. قوله: ((مثل المدهن))، وهناك: مثل القائم على حدود الله تعالى، والمدهن، بضم الميم وسكون الدال المهملة وكسر الهاء، وفي آخره نون من الإدهان، وهو المحاباة في غير حق، وهو الذي يرائي ويضيع الحقوق ولا يغير المنكر، ووقع عند الإسماعيلي في الشركة: مثل القائم على حدود الله والواقع فيها والمدهن فيها، وهذه ثلاث فرق، وجودها في المثل المضروب هو أن الذين أرادوا خرق السفينة بمنزلة الواقع في حدود الله، ثم من عداهم إما منكر وهو القائم، وإما ساكت وهو المداهن. وقال الكرماني: فإن قلت: قال ثمة، يعني: في كتاب الشركة: مثل القائم على حدود الله، وقال ههنا: مثل المدهن، وهما نقيضان إذ الآمر هو القائم بالمعروف والمدهن هو التارك له، فما وجهه؟ قلت: كلاهما صحيح، فحيث قال القائم نظر إلى جهة النجاة، وحيث قال المدهن نظر إلى جهة الهلاك، ولا شك أن التشبيه مستقيم على كل واحد من الجهتين. واعترض عليه بعضهم بقوله: كيف يستقيم هنا الاقتصار على ذكر المدهن، وهو: التارك للأمر بالمعروف، وعلى ذكر الواقع في الحد وهو العاصي، وكلاهما هالك، والحاصل أن بعض الرواة ذكر المدهن والقائم، وبعضهم ذكر الواقع والقائم، وبعضهم جمع الثلاثة. وأما الجمع بين المدهن والواقع دون القائم فلا يستقيم. انتهى. قلت: لا وجه لاعتراضه على الكرماني، لأن سؤال الكرماني وجوابه مبنيان على القسمين المذكورين في هذا الحديث، وهما: المدهن المذكور هنا، والقائم المذكور هناك، ٣٧٥ ٥٢ - كتابُ الشَّهاداتِ / باب (٣٠) وهو لم يبين كلامه على التارك الأمر بالمعروف، والواقع في الحد، فلا يرد عليه شيء أصلاً، تأمل، فإنه موضع يحتاج فيه إلى التأمل. قوله: ((استهموا سفينة)) أي: اقترعوها فأخذ كل واحد منهم سهماً، أي: نصيباً من السفينة بالقرعة، وقال ابن التين: وإنما يقع ذلك في السفينة ونحوها فيما إذا أنزلوا معاً، أما لو سبق بعضهم بعضاً فالسابق أحق بموضعه، وقال بعضهم: هذا فيما إذا كانت مسبلة، أما إذا كانت مملوكة لهم مثلاً فالقرعة مشروعة: إذا تنازعوا. قلت: إذا وقعت المنازعة تشرع القرعة سواء كانت مسبلة أو مملوكة، ما لم يسبق أحدهم في المسبلة. قوله: ((فتأذوا به))، أي: بالمار عليهم، أو: بالماء الذي مع المار عليهم. قوله: ((ينقر))، بفتح الياء وسكون النون وضم القاف من النقر، وهو الحفر سواء كان في الخشب أو الحجر، أو نحوهما، قوله: ((فإن أخذوا على يديه)) أي: منعوه من النقر، ويروى: على يده. قوله: ((نجوه)) أي: نجو المار، ويروى: أنجوه: بالهمزة، ونجوا أنفسهم، بتشديد الجيم، وهكذا إقامة الحدود تحصل بها النجاة لمن أقامها وأقيمت عليه، وإلاَّ هلك العاصي بالمعصية والساكت بالرضا بها. وقال المهلب: في هذا الحديث: تعذيب العامة بذنب الخاصة، واستحقاق العقوبة بترك الأمر بالمعروف، وتبيين العالم الحكم بضرب المثل. ٥٠/ ٢٦٨٧ - حدّثنا أبو اليَمانِ قال أخبرنا شُعَيبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قال حدَّثني خارجة بِنُ زَيْدِ الأَنْصَارِيُّ أَنَّ أُمَّ العَلاءِ امرأةٌ مِنْ نِسَائِهِمْ قَدْ بَايَعَتِ النبيَّ عَِّ أَخْبَرَتْهُ أنَّ عُثْمَانَ بنَ مَظْعُونٍ طارَ لَهُ سَهْمُهُ في السُّكْنَى حِينَ اقْتَرَعَتِ الأَنْصَارُ سُكْنَى الْمُهَاجِرِينَ قَالتْ أُمُّ العَلاءِ فسَكَنَّ عِنْدَنَا عُثْمَانُ بنُ مَظْعُونٍ فاشْتَكَى فَمَرَّضْنَاهُ حتَّى إذا تُؤُفِّيَ وجعلْنَاهُ في ثِيابِهِ دخَلَ عَلَيْنَا رسولُ اللهِ عَِّ فَقْتُ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْكَ أبَا السَّائِبِ فَشَهَادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أَكْرَمَكَ الله فقال لِي النبيُّ عَِّ وما يُذْرِيكِ أنَّ الله أكْرَمَهُ فَقُلْتُ لا أدْرِي بأبي أنْتَ وأُمّي يا رسولَ الله فقال رسولُ اللهِ، عَِّ أمَّا عُثمانُ فَقد جاءَهُ والله اليَقِينُ وإِنِّي لأُزجو لهُ الخَيْرَ والله ما أذرِي وأنا رسولُ الله ما يُفْعَلُ بِهِ قالتْ فَوالله لا أُزَكِّي أحَدَاً بعدَهُ أَبدَاً وأخْزَنَّنِيٍ ذُلِكَ قالتْ فَنِمْتُ فَأُرِيثُ لِعُثْمَانَ عَيْناً تَجْرِي فَجِئْتُ إلى رسولِ اللهِ، عَِّ فأخبرتُهُ فقال ذلِكَ عَمَلُهُ. [انظر الحديث ١٢٤٣ وأطرافه]. مطابقته للترجمة ظاهرة، وهذا السند بعينه قد مر غير مرة، والحديث مر في كتاب الجنائز في: باب الدخول على الميت بعد الموت، وتقدم الكلام فيه هناك مستوفى. وخارجة ابن زيد بن ثابت أبو زيد الأنصاري النجاري المديني أحد الفقهاء السبعة، قال العجلي: مدني تابعي ثقة، وأم العلاء بنت الحارث بن ثابت بن خارجة بن ثعلبة بن الجلاس بن أمية بن جدارة بن عوف بن الحارث بن الخزر، وهي والدة خارجة بن زيد بن ثابت وعثمان بن مظعون، بفتح الميم وسكون الظاء المعجمة وضم العين المهملة: ابن حبيب بن وهب الجمحي أبو السائب، أحد السابقين. ٣٧٦ ٥٢ - كتابُ الشَّهاداتِ / باب (٣٠) قوله: ((اشتكى)) أي: مرض. قوله: ((فمرضناه)) بتشديد الراء من التمريض، وهو القيام بأمر المريض. قوله: ((أبا السائب)) كنية عثمان. قوله: ((بأبي أنت وأمي)) أي: مغدى. قوله: ((ذلك عمله)) إنما عبر الماء بالعمل وجريانه بجريانه، لأن كل ميت تمم على عمله إلاَّ الذي مات مرابطاً، فإن عمله ينمو إلى يوم القيامة. ٥١ /٢٦٨٨ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ مُقاتِلٍ قال أخبرنا عَبْدُ الله أخبرنا يُونُسُ عنِ الزُّهْرِيِّ قال أخبرني عُرْوَةُ عنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها قالَتْ كانَ رسولُ اللهِ، عَ لَله إذا أرادَ سفَرَاً أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ فَأْيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ وكَانَ يَقْسِمُ لِكُلِّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ يَوْمَهَا وَيْلَتَهَا غَيْرَ أَنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ وهبَتْ يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا لِعَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ عَ لَّهِ تَبْتَغِي بِذْلِكَ رِضاءَ رسولِ اللهِ، عَّ ◌َّهِ. [انظر الحديث ٢٥٩٣ وأطرافه]. مطابقته للترجمة ظاهرة، ورجاله قد ذكروا غير مرة، وعبد الله هو ابن المبارك، ويونس هو ابن يزيد: والحديث مضى في أول حديث الإفك، ومر الكلام فيه هناك. ٢٦٨٩/٥٢ - حدّثنا إِسْمَاعِيلُ قال حدَّثني مالِكٌ عنْ سُمَيّ عنْ أَبِي صالِحٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عِنهُ أنَّ رسولَ اللهِ، عَ لَّلِ قال لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ ما فِي النِّدَاءِ وَالصَّفَّ الأوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلاَّ أَنْ يَسْتَهْمُوا عَلَيْهِ لاسْتَهَمُوا وَلَوْ يَعْلَمُونَ ما في التَّهْجِيرِ لاَسْتَبَقُوا إِلَيْهِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ ما في العَتَمَةِ والصُّبْحِ لأَتَوْهُما ولَوْ حَبْواً. [انظر الحديث ٦١٥ وطرفيه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((إلا أن يستهموا عليه لاستهموا)) أي: لاقترعوا عليه، وكل ما ذكر في هذا الباب من الحديث وغيره في مشروعية القرعة. والحديث مر في كتاب مواقيت الصلاة في: باب الاستهام في الأذان، وقد مر الكلام فيه هناك. ٠٠ بِسم الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ٥٣ - كِتَابُ الصُلْحِ أي: هذا كتاب في بيان أحكام الصلح، هكذا بالبسملة، وبقوله: كتاب الصلح، وقع عند النسفي والأصيلي وأبي الوقت، ووقع لغيرهم: باب، موضع: كتاب، ووقع لأبي ذر في الإصلاح بين الناس، ووقع للكشميهني: الإصلاح بين الناس إذا تفاسدوا، والصلح على أنواع في أشياء كثيرة لا يقتصر على بعض شيء. كما قاله بعضهم، والصلح في اللغة اسم بمعنى المصالحة، وهي المسالمة، خلاف المخاصمة، وأصله من الصلاح ضد الفساد، وفي الشرع: الصلح عقد يقطع النزاع من بين المدعي والمدعى عليه، ويقطع الخصومة، فافهم. ١ - بابُ ما جاءَ في الإصْلاَحِ بَيْنَ النَّاسِ أي: هذا باب في بيان حكم الإصلاح بين الناس، وفي بعض النسخ: باب ما جاء في الإصلاح بين الناس. وقَوْلِ الله تعَالى ﴿لَاَ خَيْرَ في كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلا مِنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِضْلاَحِ بَيْنَ النَّاسِ ومنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ انْتِغَاءَ مَرْضاةِ الله فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرَاً عَظِيماً﴾ [النساء: ١١٤]. وقول الله بالجر عطفاً على قوله في الإصلاح، ذكر هذه الآية في بيان فضل الإصلاح بين الناس. وأن الصلح: أمر مندوب إليه، وفيه قطع النزاع والخصومات. قوله: ﴿من نجواهم﴾ [النساء: ١١٤]. يعني: كلام الناس، ويقال: النجوى السر، وقال النحاس: كل كلام ينفرد به جماعة سراً كان أو جهراً، فهو نجوى. قوله: ﴿إِلاَّ مِن أمر﴾ [النساء: ١١٤]. تقديره: إلاَّ نجوى من أمر ... إلى آخره، ويجوز أن يكون الاستثناء منقطعاً بمعنى: لكن من أمر بصدقة أو معروف، فإن في نجواه خيراً. وقال الداودي: معناه: لا ينبغي أن يكون أكثر نجواهم إلاَّ في هذه الخلال. قوله: ﴿أو معروف﴾ [النساء: ١١٤]. المعروف اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله عز وجل، والتقرب إليه والإحسان إلى الناس، وكل ما ندب إليه الشرع، ونهى عنه من المحسنات والمقبحات، وهو من الصفات الغالبة، أي: أمر معروف بين الناس إذا رأوه لا ينكرونه. قوله: ﴿ابتغاء مرضاة الله﴾ [النساء: ١١٤]. أي: طلباً لرضاه مخلصاً في ذلك محتسباً ثواب ذلك عند الله تعالى. وخُرُوجِ الإِمَامِ إِلى المَوَاضِعِ لِيُصْلِحَ بَيْنَ النَّاسِ بِأَصْحَابِهِ وخروج الإمام، بالجر عطفاً على قوله: وقول الله، وهو من بقية الترجمة. قال المهلب: إنما يخرج الإمام ليصلح بين الناس إذا أشكل عليه أمرهم وتعذر ثبوت الحقيقة عنده فيهم، فحينئذ يخرج إلى الطائفتين ويسمع من الفريقين، ومن الرجل والمرأة، ومن كافة الناس سماعاً ٣٧٧ ٣٧٨ ٥٣ - كِتَابُ الصَّلْحِ / باب (١) شافياً يدل على الحقيقة، هذا قول عامة العلماء، وكذلك ينهض الإمام على العقارات والأرضين التي يتشاح في قسمتها، فيعاين ذلك وقال عطاء: لا يحل للإمام إذا تبين القضاء أن يصلح بين الخصوم، وإنما يسعه ذلك في الأمور المشكلة، وأما إذا استبانت الحجة لأحد الخصمين على الآخر، وتبين للحاكم موضع الظالم على المظلوم، فلا يسعه أن يحملها على الصلح، وبه قال أبو عبيد، وقال الشافعي: يأمرهما بالصلح ويؤخر الحكم بينهما يوماً أو يومين. وقال الكوفيون: إن طمع القاضي أن يصطلح الخصمان فلا بأس أن يرددهما، ولا ينفذ الحكم بينهما لعلهما يصطلحان ولا يرددهم أكثر من مرة أو مرتين، فإن لم يطمع أنفذ الحكم بينهما، واحتجوا بما روي عن عمر، رضي الله تعالى عنه، أنه قال: رددوا الخصوم حتى يصطلحوا، فإن فصل القضاء يحدث بين الناس الضغائن. ٢٦٩٠/١ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ أبي مَرْيَمَ قال حدَّثنا أبو غَسَّانَ قال حدَّثني أبُو حازِمٍ عنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ رضي الله تعالى عنه أَنَّ ناساً مِنْ بَنِي عَمْرِو بنِ عَوْفٍ كانَ بَيْنَهُمْ شَيْءٌ فَخَرَجَ إِلَيْهِمُ النّبِيُّ عَّهِ فِي أَنَّاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ يُصْلِحُ بَيْنَهُمْ فَحَضَرَتِ الصَّلاةُ ولَمْ يَأْتِ النّبِيُّ عَلَه فَجَاءَ بِلاَلٌ فَأَذَّنَ بِالصَّلاةِ وَلَمْ يَأْتِ النّبِيُّ عَّهِ فَجَاءَ إلى أبِي بَكْرٍ فقال إِنَّ النَّبِيَّ عَّه حُبِسَ وقَدْ حَضَرَتِ الصَّلاَةُ فَهَلْ لَكَ أَنْ تَؤُمَّ النَّاسَ فَقالَ نَعَمْ إِنْ شِئْتَ فَأَقَامَ الصَّلاةَ فتَقَدَّمَ أَبُو بَكرٍ ثُمَّ جاءَ النَّبِيُّ عَ لَّهِ يَمْشِي في الصُّفُوفِ حتَّى قَامَ في الصَّفّ الأوَّلِ فَأخَذَ النَّاسُ بالتَّصْفِيحِ حتَّى أَكْثَرُوا وكانَ أَبُو بَكْرٍ لاَ يَكَادُ يَلْتَفِتُ في الصَّلاةِ فالْتَفَتَ فَإِذَا هُوَ بِالنَّبِيِّ عَ له ورَاءَهُ فأشَارَ إِلَيْهِ بِيَدِهِ فأمَرَهُ أَنْ يُصَلِّي كَمَا هُوَ فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَهُ فَحَمِدَ اللَّه ثُمَّ رَجَعَ القَهْقَرَى وَرَاءَهُ حتى دَخَلَ في الصَّفِّ وَتَقَدَّمَ النبيُّ عَ لَّهِ فَصَلَّى بِالنَّاسِ فَلَمَّا فَرَعَ أَقْبِلَ علَى النَّاسِ فقال يا أَيُّهَا النَّاسُ إِذَا نابَكُمْ شَيّءٌ في صَلاَئِكُمْ أَخَذْتُمْ بالتَّصْفِيحِ إنّمَا التَّصْفِيحُ لِلنِّسَاءِ منْ نابَهُ شَيْءٌ في صَلاَتِهِ فَلْيَقُلْ سُبْحَانَ الله فإنَّهُ لا يَسْمَعُهُ إِلاَّ الْتَفَتَ يا أبَا بَكْرٍ ما مَنَعَكَ حِينَ أَشَرْتُ إِلَيْكَ لَمْ تُصَلّ بالنَّاسِ فقال ما كانَ يَنْبَغِي لابنِ أَبِي قُحافَةً أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَي النبيّ عَبِّ. [انظر الحديث ٦٨٤ وأَطرافه]: مطابقته للترجمة ظاهرة لأنه في الإصلاح بين الناس، ولا سيما للجزء الأخير من الترجمة، وهو قوله وخروج الإمام ومطابقته له صريح في قوله: فخرج إليهم النبي، عَ ◌ّه، وأبو غسان، بفتح الغين المعجمة وتشديد السين المهملة وفي آخره نون: واسمه محمد بن مطرف الليثي المدني، نزل عسقلان، وأبو حازم، بالحاء المهملة وبالزاي: سلمة بن دينار. والحديث مضى في كتاب مواقيت الصلاة في: باب من دخل ليؤم الناس، فإنه أخرجه هناك: عن عبد الله بن يوسف عن مالك عن أبي حازم، وقد تقدم الكلام فيه هناك مستقصىّ. قوله: ((كان بينهم شيء)) أي: من الخصومة قوله: ((وحبس))، على صيغة المجهول، أي: حصل له التوقف بسبب الإصلاح. قوله: ((بالتصفيح)) هو التصفيق وهو ضرب اليد على اليد بحيث يسمع له صوت. قوله: ((إذا نابكم))، كلمة: إذا، للظرفية المحضة لا للشرط. قوله: ((لم تصل)) قال الكرماني: هو مثل: ما منعك إلا لا تسجد، وثمة صح أن يقال: لا، ٣٧٩ ٥٣ - كِتَابُ الصَّلْحِ / باب (١) زائدة، فما قولك هنا إذ لِمَ لا تكون زائدة؟ ثم أجاب بقوله: ((منعك))، مجاز عن دعاك حملاً للنقيض على النقيض. ٢٦٩١/٢ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قال حدَّثنا مُعْتَمِرٌ قال سَمِعْتُ أبي أنَّ أنساً رضي الله تعالى عنهُ قال قِيلَ لِلنَّبِيِّ عَ لَّهِ لَوْ أَتَيْتَ عَبْدَ الله بنَ أَبَيّ فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ النِبِيُّ عَلَّهِ وَرَكِبَ حِمَاراً فانْطَلَقَ المُسْلِمُونَ يَمْشُون معَهُ وَهْيَ أرْضّ سَبِخَةٌ فَلَمَّا أَتَاهُ النبيُّ عَُّلِّ فقال إلَيْكَ عَنِّي والله لَقَدْ آذانِي نَقْنُ حِمَارِكَ فقال رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ مِنْهُمْ وَالله لَحِمَارُ رسولِ اللهِ عَ لَّهِ أَطْيَبُ رِيحاً مِنْكَ فَغَضِبَ لِعَبْدِ اللهِ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ فَشتَمَهُ فَغَضِبَ لكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا أضْحَابُهُ فَكانَ بَيْنَهُمَا ضَرْبٌ بالجَرِيدِ والأَئِدِي والنِّعَالِ فَبَلَغَنا أَنَّهَا أُنْزِلَتْ ﴿وَإِنَّ طائِفَتَانٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩]. مطابقته للترجمة من حيث إنه، عَّهِ، خرج إلى موضع فيه عبد الله بن أبي بن سلول ليدعوه إلى الإسلام، وكان ذلك في أول قدومه المدينة إذ التبليغ فرض عليه، وكان يرجو أن يسلم من وراءه بإسلامه لرياسته في قومه، وقد كان أهل المدينة عزموا أن يتوجوه بتاج الإمارة لذلك، وكان خروجه عَّ في نفس الأمر من أعظم الإصلاح فيهم، قيل: إنما خرج إليهم ولم ينفذ إليهم لكثرتهم، وليكون خروجه أعظم في نفوسهم، وقيل: لقرب عهدهم بالإسلام. وقال الداودي: كان هذا قبل إسلام عبد الله بن أبيَّ. قلت: لكن يشكل عليه قوله: أنزلت: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا﴾ [الحجرات: ٩]. على ما نذكره عن قريب. ورجاله أربعة: الأول: مسدد، وقد تكرر ذكره. الثاني: معتمر على وزن اسم فاعل من الاعتمار. الثالث: أبوه سليمان بن طرخان. الرابع: أنس بن مالك، وهؤلاء كلهم بصريون. والحديث أخرجه مسلم في المغازي عن محمد بن عبد الأعلى عن معتمر عن أبيه به . ذكر معناه: قوله: ((لو أتيت))، كلمة: لو، هنا للتمني، فلا يحتاج إلى جواب، ويجوز أن تكون على أصلها، والجواب محذوف تقديره: لكان خيراً، ونحو ذلك. قوله: ((وركب حماراً)، جملة حالية، وكذلك قوله: ((يمشون))، جملة حالية، قوله: ((سبخة))، بفتح الباء الموحدة، واحدة السباخ، وأرض سبخة، بكسر الباء: ذات سباخ، وهي الأرض التي تعلوها الملوحة ولا تكاد تنبت إلاّ بعض الشجر. قوله: ((إليك عني))، يعني: تنح عني. قوله: ((فقال رجل من الأنصار)) قال ابن التين: قيل: إنه عبد الله بن رواحة. قوله: ((لحمار))، اللام فيه للتأكيد، وارتفاعه على الابتداء وخبره قوله: ((أطيب ريحاً منك)). قوله: ((فغضب لعبد الله)) أي: لأجل عبد الله، وهو ابن أبي سلول. قوله: ((فشتمه)) كذا في رواية الكشميهني، وفي رواية غيره: فشتما، بالتثنية بلا ضمير، أي: فشتم كل واحد منهما الآخر. قوله: ((بالجرید))، بالجيم والراء كذا في رواية الأكثرين، وفي رواية الكشميهني بالحديد بالحاء المهملة والدال. قوله: ((فبلغنا))، القائل هو أنس بن مالك، قوله: ((إنها)) أي: إن الآية أنزلت وأوضحها بقوله: ٣٨٠ ٥٣ - كِتَابُ الصَّلْحِ / باب (١) ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا﴾ [الحجرات: ٩]. وقال ابن بطال: ويستحيل أن تكون الآية الكريمة نزلت في قصة ابن أبيّ، وقتال أصحابه مع الصحابة، لأن أصحاب عبد الله ليسوا مؤمنين، وقد تعصبوا له بعد الإسلام في قصة الإفك، وقد جاء هذا المعنى مبيناً في هذا الحديث في كتاب الاستئذان من رواية أسامة بن زيد، قال: مر رسول الله، عَّهِ بمجلس فيه أخلاط من المشركين والمسلمين وعبدة الأوثان واليهود، فيهم عبد الله بن أبي، وأن النبي عَّهِ لما عرض عليهم الإيمان قال ابن أبي: إجلس في بيتك، فمن جاءك يريد الإسلام ... الحديث، فدل أن الآية لم تنزل في قصة ابن أبيّ وإنما نزلت في قوم من الأوس والخزرج اختلفوا في حد، فاقتتلوا بالعصي والنعال، قاله سعيد بن جبير والحسن وقتادة، ويشبه أن تكون نزلت في بني عمرو بن عوف الذين خرج إليهم النبي، عَّلَّهِ، ليصلح بينهم ... الحديث المذكور في الصلاة، وفي تفسير مقاتل: مر عَ لّ على الأنصار وهو راكب حماره يعفور، فبال، فأمسك ابن أبي بأنفِهِ وقال للنبي معَّهِ: خل للناس سبيل الريح من نتن هذا الحمار، فشق على النبي عَّهِ. قوله: ((فانصرف))، فقال ابن رواحة ألاَ أراك أمسكت على أنفك من بول حمار؟ والله لهو أطيب من ريح عرضك، فكان بينهم ضرب بالأيدي والسعف، فرجع النبي عَّ له فأصلح بينهم، فأنزل الله تعالى: ﴿وإن طائفتان﴾ [الحجرات: ٩]. الآية. وفي (تفسير ابن عباس): وأعان ابن أبي رجال من قومه وهم مؤمنون فاقتتلوا، ومن زعم أن قتالهم کان بالسيوف فقد كذب. قلت: التحرير في هذا أن حديث أنس هذا مغاير لحديث سهل بن سعد الذي قبله، لأن قصة سهل في بني عمرو بن عوف وهم من الأوس، وكانت منازلهم بقباء، وقصة أنس في رهط عبد الله بن أبي، وهم من الخزرج، وكانت منازلهم بالعالية، فلهذا استشكل ابن بطال، ثم قال: يشبه أن تكون الآية نزلت في بني عمرو بن عوف، فإذا كان نزول الآية فيهم لا إشكال فيه، وإذا قلنا: نزولها في قضية عبد الله بن أبي، يبقى الإشكال، ولكن يحتمل أن يزول الإشكال من وجه آخر، وهو أن في حديث أنس ذكر أنه عَ ل. كان يمضي بنفسه ليبلغ ما أنزل إليه لقرب عهدهم بالإسلام، فبهذا يزول الإشكال إن صح ذلك، مع أن الداودي نص على أنه کان قبل إسلام عبد الله، کما ذكرناه، فإن صح ما ذكره الداودي فالإشكال باق، ويحتمل إزالة الإشكال أيضاً من وجه آخر، وهو: أن قول أنس في الحديث المذكور: بلغنا أنها أنزلت ... لا يستلزم النزول، في ذلك الوقت، والدليل على ذلك أن الآية في الحجرات ونزولها متأخر جداً. على أن المفسرين اختلفوا في سبب نزول هذه الآية، فقال قتادة: نزلت في رجلين من الأنصار كانت بينهما مداراة في حق بينهما، فقال أحدهما للآخر: لآخذنَّ حقي منك عنوة، لكثرة عشيرته، وأن الآخر دعاه إلى النبي عَّ فأبى أن يتبعه، فلم يزل الأمر بينهما حتى تدافعا، وحتى تناول بعضهم بعضاً بالأيدي والنعال، ولم يكن قتال بالسيوف، وقال الكلبي: إنها نزلت في حرب سمير وحاطب، وكان سمير قتل حاطباً، فجعل الأوس والخزرج يقتتلون