النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
٥٢ - كتابُ الشَّهاداتِ / باب (١٥)
بَرَاءَتِي قال أَبُو بَكْرِ الصِّدِّيقُ رضي الله تعالى عنهُ وكانَ يُنْفِقُ على مِسْطَح بن أثاثةَ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ
والله لا أُنْفِقُ عَلَى مِسْطَح شيئاً أبدَاً بعدَ ما قال لِعَائِشَةَ فَأَنْزَلَ الله تَعَالى ﴿وَلاَ يَأْتَلِ أولُو الفَضْلِ
مِنْكُمْ والسَّعَةِ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢]. فقال أبو بَكْرِ الصِّدِّيقُ بَلَى والله إنِّي
لأَحِبُ أنْ يَغْفِرَ الله لِي فرَجَعَ إلَى مِسْطَحِ الَّذِي كَانَ يَجْدِي عَلَيْهِ وكانَ رسولُ اللهِ عَ له
يَسْألُ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ عنْ أُمْرِي فقال يَا زَيْتَبَ ما عَلِمْتِ ما رَأيْتِ فقالَتْ يا رسولَ اللهِ
أخْمِي سَمْعِي وبَصَرِي والله ما علِمْتُ عَيْهَا إِلَّ خَيْرَاً قَالَتْ وهيَ الَّتِي كانَتْ تُسامِينِي فَعَصَمَها
الله بالوَرَعِ. [انظر الحديث ٢٥٩٣ وأطرافه].
مطابقته للترجمة من حيث إن فيه سؤال النبي، عَ لّ بريرة وزينب بنت جحش عن
عائشة، رضي الله تعالى عنها، وثناء كل منهما عليها بخير، وهذا تعليل وتزكية عن بعض
النساء لبعض.
ذكر رجاله: وهم تسعة: الأول: أبو الربيع سليمان بن داود العتكي، مات في آخر سنة
إحدى وثلاثين ومائتين، مر في الإيمان. الثاني: أحمد، وقد اختلف فيه، ففي (أصل)
الدمياطي: هو أحمد بن يونس، وقال الكرماني وفي بعض النسخ: أحمد بن يونس، أي: أحمد
ابن عبد الله بن يونس اليربوعي المشهور بشيخ الإسلام، مر في الوضوء، وكذا قال خلف في
(أطرافه): إنه أحمد بن عبد الله بن يونس، ووهمه المزي ولم يبين سببه، وزعم ابن خلفون أن
أحمد هذا هو: أحمد بن حنبل، وقال الذهبي في (طبقات الفراء): هو أحمد بن النضر
النيسابوري. الثالث: فليح، بضم الفاء وفتح اللام وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره حاء
مهملة: ابن سليمان بن المغيرة، وكان اسمه عبد الملك، ولقبه فليح فغلب على اسمه واشتهر
به، يكنى أبا يحيى الخزاعي، ويقال الأسلمي. الرابع: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري.
الخامس: عروة بن الزبير بن العوام. السادس: سعيد بن المسيب، بفتح الياء المشددة
وكسرها. السابع: علقمة بن وقاص الليثي العتواري. الثامن: عبيد الله - بتصغير العبد - ابن
عبد الله بن عتبة بن مسعود أبو عبد الله الهذلي، أحد الفقهاء السبعة. التاسع: أم المؤمنين
عائشة، رضي الله تعالى عنها.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في
ثلاثة مواضع. وفيه: فأفهمني بعضه أحمد، إنما قال بهذه العبارة ولم يقل: حدثني، ولا:
أخبرني، ونحو ذلك إشعاراً أنه أفهمه بعض معاني الحديث ومقاصده لا لفظه. قوله:
فأفهمني، جملة من الفعل والمفعول، وأحمد مرفوع على الفاعلية، وبعضه منصوب لأنه
مفعول ثان. وفيه: أن شيخه بصري، وبقية الرواة مدنيون. وفيه: خمسة من التابعين متوالية.
وفيه: أن فليحاً روى عن الزهري وأن الزهري روى عن هؤلاء الأربعة. وفيه: رواية التابعي عن
جماعة من التابعين.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في المغازي وفي التفسير
وفي الأيمان والنذور وفي الاعتصام عن عبد العزيز بن عبد الله وفي الجهاد والتوحيد وفي
عمدة القاري /ج١٣ /م٢١

٣٢٢
٠ ٥٢ - كتابُ الشَّهاداتِ / باب (١٥)
الشهادات وفي المغازي وفي التفسير وفي الأيمان والنذور عن حجاج بن منهال وفي التفسير
والتوحيد أيضاً عن يحيى بن بكير عن الليث، وأخرجه مسلم في التوبة عن أبي الربيع
والزهراني وعن حبان بن موسى وعن حسن الحلواني وعبد بن حميد وعن إسحاق بن أبراهيم
ومحمد بن رافع ومحمد بن حميد، وأخرجه النسائي في عشرة النساء عن أبي داود سليمان
ابن سيف الحراني، وفي التفسير عن محمد بن عبد الأعلى.
ذكر معناه: قوله: ((أهل الإفك)) قال السهيلي في قوله عز وجل: ﴿إن الذين جاؤوا
بالإِفك﴾ [النور: ١١]. هم: عبد الله بن أبيَّ وحمنة بنت جحش وعبد الله أبو أحمد أخوها
ومسطح وحسان، وقيل: حسان لم يكن منهم، وقال النسفي، في هذه الآية: أهل الإفك هم:
عبد الله ابن أبيّ رأس المنافقين ويزيد بن رفاعة وحسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة
بنت جحش ومن ساعدهم وفي (صحيح مسلم): وكان الذين تكلموا: مسطح وحمنة
وحسان، وأما المنافق عبد الله بن أبيّ، فهو الذي كان يستوشيه ويجمعه، وهو الذي تولى
كبره، وحمنة. قوله: ((يستوشيه))، أي: يستخرجه بالبحث والمسألة، ثم يفشيه ويشيعه ويحركه
ولا يدعه يخمد. وقال النسفي: في قوله تعالى: ﴿والذي تولى كبره﴾ [النور: ١١]. هو عبد
الله بن أبيّ، أي: الذي تولى عظمه وبدأ به ومعظم الشركان منه، قال الله تعالى: ﴿والذي
تولى كبره منهم له عذاب عظيم﴾ [النور: ١١]. لإمعانه في عداوة رسول الله، عَظله وانتهازه
الفرص وطلبه سبيلاً إلى الغميزة، ثم قال النسفي: وقيل: الذي تولى كبره هو حسان بن
ثابت، وعنٍ عامر الشعبي: أن عائشة قالت، ما سمعت بشيء أحسن من شعر حسان: وما
تمثلت به إلاَّ رجوت له الجنة. قوله لأبي سفيان:
هجوتَ محمداً فأجبتُ عنه
وعند الله في ذاك الجزاء
وهو من قصيدة قالها لأبي سفيان، فقيل لعائشة: يا أم المؤمنين: أليس الله يقول:
﴿والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم﴾ [النور: ١١]. فقالت وأي عذاب أشد من العمى؟
فذهب بصره وكيع بسيف، وكان يدفع عن رسول الله، عَِّ. وأما الإفك، فقال النسفي:
الإفك أبلغ ما يكون من الافتراء والكذب، وقيل: هو البهتان لا تشعر به حتى يفجأك، وأصله:
الإفك، بالفتح مصدر قولك: أفكه يأفكه أفكاً. قلبه وصرفه عن الشيء، ومنه قوله تعالى:
﴿أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا﴾ [الأحقاف: ٢٢]. وقيل للكذب: إفك، لأنه مصروف عن
الصدق. قوله: ((وقال الزهري: وكلهم حدثني طائفة ... )) أي: بعضاً، هذا قول جائز سائغ من
غير كراهة، لأنه قد بين أن بعض الحديث عن بعضهم وبعضه عن بعضهم. والأربعة الذين
حدثوه أئمة حفاظ من أجلَّة التابعين، فإذا ترددت اللفظة من هذا الحديث بين كونها عن هذا أو
عن ذاك لم يضر، وجاز الاحتجاج بها لأنهما ثقتان، وقد اتفق العلماء على أنه لو قال: حدثني
زيد أو عمر وهما ثقتان معروفان بذلك عند المخاطب جاز الاحتجاج بذلك الحديث. قوله:
((أوعى من بعض)) أي: أحفظ وأحسن إيراداً وسرداً للحديث. قوله: ((اقتصاصاً)) أي: حفظاً،
يقال: قصصت الشيء إذا تتبعت أثره شيئاً بعد شيء، ومنه: ﴿نحن نقص عليك أحسن

٣٢٣
٥٢ - كتابُ الشَّهاداتِ / باب (١٥)
القصص﴾ [يوسف: ٣]. ﴿قالت لأخته قصيه﴾ [القصص: ١١]. أي: اتبعي أثره، ومنه القاص
الذي يأتي بالقصة ويجوز بالسين: قسست، أثره قساً. قوله: ((وقد وعيت))، بفتح العين. أي:
حفظت. وقال الكرماني: فإن قلت: قال أولاً كلهم: حدثني طائفة، وثانياً: وعيت عن كل
واحد منهم ... الحديث، وهما متنافيان؟ قلت: المراد بالحديث الذي حدثه منه، إذ الحديث
يطلق على الكل وعلى البعض، وهذا الذي فعله الزهري من جمعه الحديث عنهم جائز، وقد
ذكرناه. قوله: ((وبعض حديثهم))، القياس أن يقال: بعضهم يصدق بعضاً، أو حديث بعضهم
يصدق بعضاً، ولكن لا شك أن المراد ذلك. لكن قد يستعمل أحدهما مكان الآخر لما
بينهما من الملازمة بحسب عرف الاستعمال. قوله: ((زعموا))، أي: قالوا، والزعم قد يراد به
القول المحقق الصريح. وقد يراد غير ذلك، وإنما قالوا لأن بعضهم صرحوا بالبعض، وبعضهم
صدق الباقي، وإن لم يقل صريحاً به. قولها: ((كان رسول الله، عَّ له إذا أراد أن يخرج سفراً))،
وفي رواية مسلم: ذكروا أن عائشة قالت: كان رسول الله، عَّله إذا أراد أن يخرج سفراً.
قولها: ((أقرع بين أزواجه)) أي: ساهم بينهن تطبيباً لقلوبهن. وكيفية القرعة بالخواتيم، يؤخذ
خاتم هذا وخاتم هذا ويدفعان إلى رجل فيخرج منهما واحداً. وعن الشافعي يجعل رقاعاً صغاراً
يكتب في كل واحد اسم ذي السهم، ثم يجعل بنادق طين ويغطي عليها ثوب، ثم يدخل رجل
يده فيخرج بندقة وينظر من صاحبها، فيدفعها إليه. وقال أبو عبيد بن سلام: عمل بالقرعة ثلاثة
من الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام نبينا: ويونس، وزكرياء، عليهم الصلاة والسلام.
قولها: ((فأيتهن خرج سهمها أخرج بها معه)). كذا هو: أخرج، بالألف في رواية
النسفي، ولأبي ذر عن غير الكشميهني، وفي رواية الكشميهني والباقين: خرج، بلا ألف،
وهو الصواب. قولها: ((في غزاة غزاها))، هي غزوة بني المصطلق، وكانت سنة ست، كذا
جزم به ابن التين، وقال غيره: في شعبان سنة خمس، وتعرف أيضاً بغزوة المريسيع، وقال
موسى بن عقبة: سنة أربع، فهذه ثلاثة أقوال. قولها: ((فأنا أحمل)) على صيغة المجهول،
قولها: ((وقفل))، أي: رجع. قولها: ((آذن ليلة))، من الإيذان ومن التأذين. قاله الكرماني،
ويقال: آذن بالمد والتخفيف مثل قوله: ﴿فقل آذنتكم على سواء﴾ [الأنبياء: ١٠٩]. وروي
بالقصر وبالتشديد، أي: إعلم، قولها: ((بالرحيل))، بالجر على الأصل، ويروى: الرحيل،
بالنصب حكاية عن قولهم: الرحيل، منصوباً على الإغراء.
قولها: ((شأني)) أي: ما يتعلق بقضاء الحاجة، وهو ما يكنى عنه استقباحاً لذكره.
قولها: ((إلى الرحل))، قال الكرماني: الرحل: المتاع. قلت: الرحل المنزل والمسكن، يقال:
انتيهنا إلى رحالنا أي: إلى منازلنا. قولها: ((فإذا عقد))، كلمة: إذا، للمفاجأة، والعقد، بكسر
العين وسكون القاف: القلادة. قولها: ((من جزع أظفار))، الجزع، بفتح الجيم وسكون الزاي:
خرز يمان، وزعم أبو العباس أحمد بن يوسف التيفاشي في كتابه (الأحجار): أنه يوجد في
اليمن في معادن العقيق، ومنه ما يؤتى به من الصين، وهو أصناف فمنه البقراني والغروي
والفارسي والحبشي والعسلي والمعرق، وليس في الحجارة أصلب من الجزع جسماً لا يكاد

٣٢٤
٥٢ - كتابُ الشَّهاداتِ / باب (١٥)
يجيب من يعالجه سريعاً، وإنما يحسن إذا طبخ بالزيت، وزعمت الفلاسفة أنه يشتق من اسمه:
الجزع، لأنه يولد في القلب جزءاً، ومن تقلد به كثرت همومه ورأى أحلاماً رديئة وكثر
الكلام بينه وبين الناس، وإن علق على طفل كثر لعابه وسال، وإن لف في شعر المطلقة
ولدت. ويقطع نفث الدم ويختم القروح. وعند البكري: ومنه جزع يعرف بالنقمي ومعدنه
بضمير وسموان وعذيقة ومخلاف حولان والجزع السماوي وهو العشاري، وقال ثعلب في
(الفصيح): والجزع الخرز، وقال ابن درستويه: ليس كل الخرز يسمى جزعاً، وإنما الجزع
منها المجزع أي: المقطع بالألوان المختلفة، قد قطع سواده ببياضه. وفي (المنضد) لكراع
عن الأثرم: أهل البصرة يقولون: الجزع والجزع، بالفتح والكسر: الخرز، وقال أبو القاسم
التميمي في كتابه (المستطرف) عن بندار: الجزع واحد لا جمع له. وقال الحربي وابن
سيده: الجزع الخرز، واحدته جزعة.
قولها: ((أظفار))، بالألف في رواية الأكثرين، وفي رواية الكشميهني: ظفار، بلا ألف
وكذا وقع في (صحيح مسلم) بلا ألف. وقال القرطبي: من قيده بألف أخطأ وصحيح الرواية
بفتح الظاء. وقال ابن السكيت: ظفار قرية باليمن، وعن ابن سعد: جبل، وفي (الصحاح):
مبني على الكسر كقطام. وقال البكري: قال بعضهم: سبيلها سبيل المؤنث لا ينصرف. وقال
ابن قرقول: ترفع وتنصب، وقال أبو عبيد: وقصر المملكة بظفار قصر ذي ريدان، ويقال: إن
الجن بنتها. وقال الكرماني ظفار، بفتح المعجمة وخفة الفاء وبالراء: مدينة باليمن، ويقال:
جزع ظفاري وفي بعضها أظفار، بزيادة همزة في أولها نحو الأظفار جمع الظفر، ولعله سمي
به لأن الظفر نوع من العطر، أو لأنه ما اطمأن من الأرض، أو لأن الأظفار اسم لعود يمكن أن
یجعل کالخرز فیتحلی به. انتهى.
وقال ابن التين في بعض الروايات: العقد الملتمس مقدار ثمنه اثني عشرة درهماً.
قولها: ((يرحلون لي))، باللام. وقال النووي: يرحلون بي، بالباء واللام أجود. قلت: باللام في
مسلم، و: يرحلون، بفتح الياء وسكون الراء وفتح الحاء المخففة وهو معنى قولها: فرحلوه،
بتخفيف الحاء أيضاً من: رحلت البعير، أي: شددت عليه الرحل. ويروى: ((من الرحيل)).
قولها: ((إذ ذاك))، أي: حينئذ ((لم يثقلن))، أي: من اللحم. قولها: ((ولم يغشهن اللحم)) أي:
لم يركب عليهن اللحم، يعني: لم يكن سمينات. وعند مسلم: ((وكان النساء إذ ذاك خفافاً
لم يهبلن ولم يغشهن اللحم)). يقال: هبله اللحم وأهبله إذا أثقله وكثر لحمه وشحمه. قولها:
((وإنما يأكلن العلقة))، بضم العين المهملة وسكون اللام وبالقاف، أي: القليل، ويقال لها أيضاً:
البلغة، كأنه الذي يمسك الرمق وعلق النفس للازدياد منه، أي: تشوقها إليه. وقال صاحب
: (العين): العلقة ما فيه بلغة من الطعام إلى وقت الغداة، وأصل العلقة شجر يبقى في الشتاء
يعلق به الإبل، أي تجتزىء به حتى يدرك الربيع، وقيل: ما يمسك به المرء نفسه من الأكل.
وقيل: هو ما يأكله من الغداة.
قولها: ((فبعثوا الجمل)) أي: أثاروه. قولها: ((ما استمر الجيش))، أي: ذهب ومضى.
١

٣٢٥
٥٢ - كتابُ الشَّهاداتِ / باب (١٥)
قاله الداودي، ومنه قوله تعالى: ﴿سحر مستمر﴾ [القمر: ٢]. أي: ذاهب، أو معناه: دائم أو
قوي شديد، وليس فيه أحد. وفي رواية مسلم: ((وليس بها داع ولا مجيب)). قولها:
((فأممت))، أي: قصدت، من أم. ومنه: ﴿آمين البيت الحرام﴾ [المائدة: ٢]. قال ابن التين:
فعلى هذا يقرأ، أممت، بالتخفيف وإن شددت في بعض الأمهات، وذكره في المغازي،
بلفظ: ((فتيممت منزلي))، والمعنى واحد. قولها: ((فظننت))، الظن هنا بمعنى العلم. قولها:
((فبينا أنا))، أصله: بين، فأشبعت فتحة النون فصارت ألفاً، وهو مضاف إلى الجملة التي بعده
((وغلبتني)) جوابه قولها: ((وكان صفوان بن المعطل السلمي)) صفوان، إما من: الصفا، أو
من: صفن، ففي الأول النون زائدة، و: المعطل، بضم الميم وفتح العين المهملة وتشديد
الطاء المهملة: ابن وبيصة بن المؤمل بن خزاعي بن محارب بن مرة بن هلال بن فالج بن
ذكوان ابن ثعلبة بن بهنة بن سليم، ذكره الكلبي وغيره، ونسبه خليفة: رحيضة، موضع،
وبيصة، وفي محارب محاربي.
قولها: ((السلمي))، بضم السين المهملة وفتح اللام، نسبة إلى سليم المذكور في
نسبه، وهو من شواذ النسب، لأن القياس فيه: السليمي. قولها: ((ثم الذكواني))، بفتح الذال
المعجمة: نسبة إلى ذكوان المذكور في نسبه، وكان صفوان على الساقة يلتقط ما يسقط من
متاع الجيش ليرده إليهم، وقيل: إنه كان ثقيل النوم لا يستيقظ حتى يرتحل الناس، وقد جاء
في (سنن أبي داود) ((شكت امرأته ذلك منه لسيدنا رسول الله، عَّله، فقال: إنا أهل بيت نوم
عرف لنا ذلك، لا نكاد نستيقظ حتى تطلع الشمس)). وذكر القاضي أبو بكر بن العربي أنه
كان حصوراً لم يكشف كنف أنثى قط، وفي (سير) .... لقد سئل عن صفوان فوجدوه لا
يأتي النساء، وأول مشاهده المريسيع، وذكر الواقدي أنه شهد الخندق وما بعدها، وكان
شجاعاً خيراً شاعراً، وعن ابن إسحاق: قتل في غزوة أرمينية شهيداً سنة تسع عشرة، وقيل:
توفي في خلافة معاوية سنة ثمان وخمسين واندقت رجله يوم قتل فأعن بها وهي منكسرة
حتى مات، ولما ضرب حسان بن ثابت بسيفه لما هجاه ولم يقتصه منه سيدنا رسول
الله، عَّلِ استوهب من حسان جنايته، فوهبه لرسول الله، عَّ له، فعوضه منها حائطاً من نخيل،
وزعم ابن إسحاق وأبو نعيم: أنه بيرحاء، وسيرين أخت مارية، قيل: فيه نظر لأن بيرحاء إنما
وصل لحسان من جهة أبي طلحة، وفي (الاكتفاء) لأبي الربيع سليمان بن سالم: روي من
وجوه أن إعطاء رسول الله، عَ لّم لحسان سيرين إنما كان لذبه عن رسول الله، عَّه.
قولها: ((فرأى سواد إنسان)) أي: شخصه. قولها: ((وكان يراني قبل الحجاب)) أي:
قبل حجاب البيوت، وآية الحجاب نزلت في زينب، رضي الله تعالى عنها. قولها:
((واستيقظت من نومي)) أي: تنبهت من نومي. قولها: ((باسترجاعه))، أي: بقوله: ﴿إنا لله وإنا
إليه راجعون﴾ [البقرة: ١٥٦]. وفي رواية مسلم: فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني. فخمرت
وجهي بجلبابي، والله ما يكلمني كلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه حتى أناخ راحلته
فوطىء على يدها فركبتها. قولها: ((حين أناخ راحلته))، هكذا هو في رواية الأكثرين بكلمة:

٣٢٦
٥٢ - كتابُ الشَّهاداتِ / باب (١٥)
حين، بمعنى: الوقت، وفي رواية الكشميهني والنسفي: حتى أناخ راحلته. قولها: ((فوطىء
يدها))، أي: فوطىء صفوان يد الراحلة ليسهل الركوب عليها فلا يكون احتياج إلى مساعدة.
قولها: ((يقود بي))، جملة حالية. قولها: ((حتى أتينا الجيش بعدما نزلوا معرسين))، أي:
حال كونهم معرسين، من التعريس، وهو النزول. قاله ابن بطال، والمشهور أن التعريس هو
النزول في آخر الليل، ولم يجيء المعنى ههنا إلاَّ على قول أبي زيد، فإنه قال: التعريس:
النزول أي وقت كان، ومن هذا أخذ ابن بطال حيث أطلق النزول، وفي رواية مسلم: بعدما
نزلوا موغرين في نحر الظهيرة، وكذا ذكره البخاري في المغازي والتفسير، قال القرطبي:
الرواية الصحيحة بالغين المعجمة والراء المهملة من الوغرة بسكون الغين، وهي شدة الحر،
ورواه مسلم من رواية يعقوب بن إبراهيم بعين مهملة وزاي، ويمكن أن يقال فيه: هو من
وعزت إليه، أي: تقدمت، يقال: وعزت إليه وعزاً، مخففاً، ويقال: وعزت إليه توعيزاً
بالتشديد، قال: وصحفه بعضهم فقال: موعرين، يعني بعين مهملة وراء. قال: ولا يلتفت إليه،
وفي رواية أبي ذر: مغورين، بغين معجمة مقدمة، والتغوير النزول للقائلة.
قولها: ((في نحر الظهيرة)) وهو وقت القائلة وشدة الحر والنحر الأول والصدر وأوائل
الشهر تسمى النحور. وقال الداودي: الظهيرة نصف النهار عند أول الفيء، قال: وقيل: الظهر
والظهير لما بعد نصف النهار لأن الظهر آخر الإنسان، وسمي آخر الشهر بذلك، ولا نسلم له،
لأن أول اشتداد الحر قبل نصف النهار، لأن الظهر آخر الإنسان، وسمي آخر الشهر بذلك،
ولا نسلم له، لأن أول اشتداد الحر قبل نصف النهار. قولها: ((وهلك من هلك)) أي: هلك
الذين اشتغلوا بالإفك، وفي رواية مسلم: وهلك من هلك في شأني. قولها: ((وكان الذي
تولى الإفك)) أي: تصدر وتصدى، وفي رواية مسلم: وكان الذي تولى كبره ((عبد الله بن
أبيّ بن سلول)) وابن سلول بالرفع صفة لعبد الله لا لأبي، ولهذا يكتب بالألف، و: سلول،
بفتح السين المهملة وتخفيف اللام الأولى غير منصرف عَلَم لأم عبد الله. قولها:
((فاشتكيت)) أي: مرضت. قولها: ((بها)) أي: بالمدينة. قولها: ((شهراً))، أي: مدة شهر. قولها:
((فيفيضون))، وفي رواية مسلم: والناس يفيضون، بضم الياء، من الإفاضة وهي التكثير
والتوسعة، يقال: أفاض القوم في الحديث إذا اندفعوا فيه يخوضون، وهو من قوله: ﴿لمسكم
فيما أفضتم فيه عذاب عظيم﴾ [النور: ١٤]. وقال ابن عرفة: حديث مفاض ومستفاض
ومستفيض في الناس، أي: جارٍ فيهم وفي كلامهم.
قولها: ((ويريبني)) بفتح الياء وضمها، فالأول من، رابني، والثاني، من: أرابني، يقال:
رابني الأمر يريبني: إذا توهمته وشككت فيه فإذا استيقنته قلت: رابني منه كذا يريبني، وعن
الفراء: هما بمعنى واحد في الشك. وقال صاحب (المنتهى): الاسم الريبة بالكسر، وأرابني
ورابني إذا تخوفت عاقبته، وقيل: رابني إذا علمت به الريبة، وأرابني إذا ظننت به، وقيل:
رابني إذا رأيت منه ما يريبك وتكرهه، ويقول هذيل: أرابني وأراب إذا أتى بريبة، وراب: صار
ذا ريبة، وقال أبو محمد في (الواعي) رابني أفصح. قولها: ((اللطف))، بضم اللام وسكون

٣٢٧
٥٢ - كتابُ الشَّهاداتِ / باب (١٥)
الطاء. وقال النووي: ويقال بفتحها لغتان، وهو البر والرفق، وفي رواية مسلم: إني لا أعرف
من رسول الله، عَّ لل اللطف الذي أرى منه. قولها: ((حين أمرض))، على صيغة المجهول من
التمريض، وهو القيام على المريض في مرضه. قولها: ((تيكم)) بكسر التاء المثناة من فوق
وسكون الياء آخر الحروف، وهو إشارة إلى المؤنث نحو: ذاكم إلى المذكر. قولها: ((حتى
نقهت)) بفتح القاف، ذكره ثعلب، وبالكسر ذكره الجوهري، هو من: نقه فهو ناقه، وهو الذي
برىء من المرض، وهو قريب عهد به لم يتراجع إليه كمال صحته. وقال النووي: يقال: نقه
ينقه نقوهاً فهو ناقه، ككلح يكلح كلوحاً فهو كالح، ونقه ينقه كفرح يفرح فرحاً، وجمع
الناقه: نقه، بضم النون وتشديد القاف، وأنقهه الله. قولها: ((قبل المناصع))، بكسر القاف أي:
جهة المناصع بفتح الميم، وهي مواضع خارج المدينة كانوا يتبرزون فيها، الواحد منصع،
وقال الأزهري: أراه موضعاً بعينه خارج المدينة، وهو في الحديث: ((صعيد أفيح خارج
المدينة)) وقال ابن السكيت: المناصع في اللغة المجالس. قولها: ((متبرزنا))، بفتح الراء
المشددة وبالزاي، وهو الموضع الذي يتبرزون فيه أي: يقضون فيه حاجتهم، والبراز اسم ذلك
الموضع أيضاً. قولها: ((الكنف))، بضم الكاف والنون، جمع: كنيف، قال أهل اللغة: الكنيف
الساتر مطلقاً، وسمي به موضع الغائط لأنهم يستترون به. قولها: ((وأمرنا أمر العرب الأول))،
يعني في التبرز خارج المدينة. وقال النووي: ضبط الأول بوجهين: أحدهما: ضم الهمزة
وتخفيف الواو، والآخر: بفتح الهمزة وتشديد الواو، وكلاهما صحيح. قولها: ((أو في
التنزه))، شك من الراوي في طلب النزاهة بالخروج إلى الصحراء وفي رواية مسلم: ((وأمرنا
أمر العرب الأول في التنزه))، وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا. قولها: ((وأم مسطح
بنت أبي رهم))، وفي رواية مسلم: ((فانطلقت أنا وأم مسطح))، وهي ابنة أبي رهم بن
المطلب بن عبد مناف، وأما ابنة صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق، وابنها مسطح بن أثاثة
ابن عباد بن المطلب. انتهى. و: مسطح، بكسر الميم وسكون السين المهملة وفتح الطاء
المهملة، واسم أمه: سلمى بنت أبي رهم، وذكر أبو نعيم فيما نقل من خطه: أن اسمها رائطة
بنت صخر أخت أم الصديق، وأبو رهم، بضم الراء وسكون الهاء، وهي زوجة أثاثة، بضم
الهمزة وتخفيف الثاء المثلثة الأولى، وكانت من أشد الناس على ابنها مسطح، وقال النووي:
ومسطح لقب، واسمه: عامر، وقيل: عوف، وكنيته: أبو عباد، وقيل: أبو عبد الله، توفي سنة
سبع وثلاثين، وقيل: أربع وثلاثين، وقال الواقدي: شهد مع علي، رضي الله تعالى عنه، صفين
ومات في سنة سبع وثلاثين عن ست وخمسين سنة. قلت: مسطح، اسم عود من أعواد
الخباء، وقال الجوهري: أثاثة، بضم الهمزة: اسم رجل، وقال أبو زيد: الأثاث: المال أجمع
الإبل والغنم والعبيد والمتاع، الواحدة: أثاثة، يعني بفتح الهمزة. وقال الفراء: الأثاث: متاع
البيت، ولا واحد له. قولها: ((نمشي))، حال أي: ماشين.
قولها: «فعثرت في مرطها»، وفي رواية مسلم: فعثرت أم مسطح في مرطها، عثرت،
بفتح الثاء المثلثة أي: زلقت، و: المرط، بكسر الميم: كساء من صوف، قاله الداودي، وقال

٣٢٨
٥٢ - كتابُ الشَّهاداتِ / باب (١٥)
ابن فارس: ملحفة يؤتزر بها، وقال الهروي: المروط الأكسية، وضبطه ابن التين: المرط، بفتح
الميم. قولها: ((فقالت: تعس مسطح))، بكسر العين وفتحها، لغتان مشهورتان، ومعناه: عثر،
وقيل: هلك، وقيل: لزمه الشر، وقيل: بعد، وقيل: سقط لوجهه، وقيل: التعس أن لا ينتعش
من عثرته، وقيل: تعس تعساً وأتعسه الله، وقال ابن التبين: المحدثون يقرؤونه بكسر العين،
وهو عند أهل اللغة بفتحها، وقيل: معناه انكبّ أي: أكبه الله. قولها: ((فقالت: يا هنتاه))، وفي
رواية: أي: هنتاه، وكذا في رواية البخاري في المغازي: وهنتاه، بفتح الهاء وسكون النون
وفتحها والسكون أشهر، وبضم الهاء الأخيرة، وتسكن ونونها مخففة. وقال القرطبي: عن
بعضهم تشديد النون، وأنكره الأزهري، قالوا: وهذه اللفظة تختص بالنداء، ومعناها: يا هذه،
وقيل: يا امرأة، وقيل: يا بلهاء، كأنها نسبت إلى قلة المعرفة بمكائد الناس وشرورهم، وقد
تقدم في الحج في: باب من قدم ضعفة أهله بالليل، ويقال في التثنية: هنتان، وفي الجمع:
هنات وهنوات، وفي المذكر: هن وهنان وهنون، ولك أن تلحقها الهاء لبيان الحركة فتقول:
ياهنه، وأن تشبع الحركة فتصير ألفاً فتقول: يا هناه، ولك ضم الهاء فتقول: يا هناه، أقبل.
قولها: ((ألم تسمعي؟))، وفي المغازي .. ولم تسمعي؟ وفي رواية مسلم: أو لم
تسمعي؟ قولها: ((إئذنه لي إلى أبوي)) أي: إئذن لي أن آتي أبوي، وفي رواية مسلم، رضي
الله تعالى عنه: أتأذن لي أن آتي أبوي؟ قولها: ((من قبلهما))، بكسر القاف أي: من جهتهما.
قولها: ((لقلما كانت امرأة قط وضيئة))، اللام في: لقلما للتأكيد. و: قلَّ، فعل ماض دخلت
عليه كلمة: ما، لتأكيد معنى القلة، وتارة تستعمل هذه الكلمة في نفي أصل الفعل، وتارة في
القلة جداً. وضيئة، على وزن فعيلة .. أي: جميلة حسنة من الوضاءة وهو الحسن. وقال
النووي في (شرح مسلم): وفي نسخة ابن ماهان: حظية، من الحظوة، وهي الوجاهة، يقال:
حظيت المرأة عند زوجها تحظى حظوة وحِظوة، بالضم والكسر: أي: سعدت به ودنت من
قلبه وأحبها. قولها: ((ولها ضرائر))، بالألف، وهو الصواب، وهو جمع ضرة، وزوجات الرجل
ضرائر، لأن كل واحدة تتضرر بالأخرى بالغيرة والقسم، وفي بعض النسخ: ضرار، وأصله من:
الضر، بكسر الضاد وضمها. قولها: ((إلا أكثرن عليها))، بالثاء المثلثة، أي: أكثرن عليها القول
في عيبها ونقصها. قولها: ((لا يرقأ لي دمع))، مهموز، أي: لا ينقطع من رقأ الدمع إذا انقطع.
قولها: ((ولا أكتحل بنوم))، أي: لا أنام، وهو استعارة. قولها: ((حين استلبث الوحي))، أي:
حين أبطأ. ولبث ولم ينزل. قولها: ((يستشيرهما))، جملة حالية مقدرة من الاستشارة. قولها:
((أهلك))، روي بالنصب أي: إلزم أهلك، وروي بالرفع أي: هي أهلك لا تسمع فيها شيئا.
قولها: ((وأما علي بن أبي طالب ... )) إلى آخره، إنما قال علي ذلك مصلحة ونصيحة
للرسول، عَ لّه، في اعتقاده لأنه رأى انزعاج رسول الله، عَّله، بهذا الأمر وقلقه، فأراد راحة
خاطره عَّ لِ لا لعداوة عائشة، رضي الله تعالى عنها، قولها: ((يريك))، من راب، وقد ذكر مرة
يعني: هل رأيت شيئاً فيها ما يريبك؟ وفي رواية مسلم: هل رأيت من شيء يريبك من
عائشة؟ قولها: ((إن رأيت منها)) أي: ما رأيت منها. قولها: ((أغمصه عليها))، بفتح الهمزة

٣٢٩
٥٢ - كتابُ الشَّهاداتِ / باب (١٥)
وسكون الغين المعجمة وكسر الميم وضم الصاد المهملة، أي: أعيبها به وأطعن عليها.
قولها: ((فتأتي الداجن))، وهي الشاه التي تألف البيت ولا تخرج إلى المرعى، وقال ابن التين:
هي الشاة التي تحبس في البيت لدرها لا تخرج إلى المرعى، وقيل: هو دجاجة أو حمام أو
وحش أو طير يألف البيت، وقال الطبري: الداجن الشاة المعتادة للقيام في المنزل إذا سمنت
للذبح، واللبن ولم تسرح في السرح وكل معتاد موضعاً هو به يقيم فهو كذلك داجن، يقال:
دجن فلان بمكان كذا وأدجن به إذا أقام به. قولها: ((فقام رسول الله، عٍَّ من يومه))، وفي
رواية مسلم: ((قال رسول الله، عَّ وهو على المنبر: يا معشر المسلمين من يعذرني)). قولها:
((فاستعذر من عبد الله بن أبي))، أي: طلب من يعذره منه أي: من ينصفه منه. قولها: ((من
يعذرني من رجل))، وقال الخطابي: ((من يعذرني))، يؤول على وجهين أي: من يقوم بعذره
فيما يأتي إلي من المكروه منه؟ والثاني: من يقوم بعذري إن عاقبته على سوء فعله؟ وقال
النووي: معناه: من يقوم بعذري إن كافأته على قبح فعاله، ولا يلومني على ذلك؟ وقيل:
معناه: من ينصرني، والعذير الناصر، وقيل: معناه من ينتقم لي منه، ويشهد لهذا جواب سعد
. ابن معاذ: أنا أعذرك منه. قولها: ((رجلاً))، هو صفوان. قولها: ((فقام سعد بن معاذ فقال: يا
رسول الله! أنا أعذرك منه)) إنما قال ذلك لأن الأوس من قومه وهم بنو النجار، ومن آذى
رسول الله، عَّله وجب قتله، ثم إن الموجود في الأصول: سعد بن معاذ، وقع في موضع
آخر: سعد بن عبادة، وقال ابن حزم: هذا عندنا وهمّ وخطأ، وتبعه على ذلك جماعة. وقال
القاضي عياض: قال بعض شيوخنا: ذكر سعد بن معاذ في هذا وهم، والأشبه أنه غيره، ولهذا
لم يذكره ابن إسحاق في (السير) وإنما قال: إن المتكلم أولاً وآخراً أسيد بن حضير.
وقال القاضي: هذا مشكل، لأن هذه القصة كانت في غزوة المريسيع وهي غزوة بني
المصطلق سنة ست، وسعد بن معاذ مات في إثر غزاة الخندق من الرمية التي أصابته، وذلك
في سنة أربع، وهي سنة الخندق، فيحتمل أن المريسيع وحديث الإفك كانا في سنة أربع قبل
الخندق. قلت: هذا يبين صحة ما ذكره البخاري من أنه سعد بن معاذ، وهو الذي في
(الصحيحين). أما سعد بن معاذ، بضم الميم فهو: ابن النعمان بن امرىء القيس بن زيد بن
عبد الأشهل بن جشم بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن النبيت، واسمه: عمرو بن مالك
ابن الأوس الأنصاري الأوسي الأشهلي، أسلم على يد مصعب بن عمير لما أرسله النبي،
عَِّ إلى المدينة يعلم المسلمين، شهد بدراً لم يختلفوا فيه وشهد أحداً والخندق، ورماه
يومئذ حبان بن عرفة في أكحله، ومر عن قريب تاريخ وفاته. وأما سعد بن عبادة، بضم العين،
فهو ابن دليم بن حارثة بن أبي حزيمة، بفتح الحاء المهملة وكسر الزاي وسكون الياء آخر
الحروف وفتح الميم بعدها هاء: ابن ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن
الخزرج الأكبر أخي الأوس بن حارثة بن ثعلبة العنقاء ابن عمرو المزيقياء بن عامر ماء السماء،
وأم الأوس والخزرج: قيلة بنت كاهل بن عذرة بن سعد بن قضاعة، وقيل: قيلة بنت الأرقم
ابن عمرو بن جفنة، وكان نقيب بني ساعدة، شهد بدراً عند بعضهم ولم يبايع أبا بكر ولا

٣٣٠
٥٢ - كتابُ الشَّهاداتِ / باب (١٥)
عمر، رضي الله تعالى عنهما، وسار إلى الشام، فأقام بحوران إلى أن مات سنة خمس عشرة،
ولم يختلفوا أنه وجد ميتاً على مغتسله.
وأما أسيد، بضم الهمزة فهو: ابن حضير، بضم الحاء المهملة وفتح الضاد المعجمة:
ابن سماك بن عتيك بن امرىء القيس بن زيد بن عبد الأشهل بن جشم بن الحارث بن عمرو
ابن مالك بن الأوس الأنصاري الأوسي الأشهلي أبو يحيى، أسلم على يد مصعب بن عمير
بالمدينة بعد العقبة الأولى. وقيل: الثانية، واختلف في شهوده بدراً فنفاه ابن إسحاق الكلبي،
وأثبته غيرهما، وشهد أحداً وما بعدها من المشاهد، وشهد مع عمر، رضي الله تعالى عنه،
فتح البيت المقدس، مات بالمدينة سنة عشرين، وصلى عليه عمر، رضي الله تعالى عنه.
قولها: ((وكان قبل ذلك رجلاً صالحاً))، وفي مسلم وكان رجلاً صالحاً، يعني: لم
يكن قبل ذلك يحمي لمنافق. قولها: ((ولكن احتملته الحمية))، بحاء مهملة وميم أي:
أغضبته، وعند مسلم: أجهلته، بجيم وهاء أي: أغضبته وحملته على الجهل، فالروايتان
صحيحتان. قولها: ((كذبت لعمر الله والله))، أي: إن رسول الله، عٍَّ لا يجعل حكمه إليك،
كذا قال الداودي، وقال ابن التين: معناه أنه قال له: كذبت إنك لا تقدر على قتله، وهذا هو
الظاهر. قولها: ((فقام أسيد بن الحضير))، قد مرت ترجمته الآن، فقال: كذبت لعمر الله،
والله لنقتله، أي: إن أمرنا رسول الله، عَّ قتلناه، وقوم أسيد بنو عبد الأشهل. قولها: ((فإنك
منافق))، أي: تفعل فعل المنافقين، ولم يرد به النفاق الحقيقي. قولها: ((فثار الحيان الأوس
والخزرج))، أي: تناهضوا للنزاع والعصبية، وأصله من ثار الشيء يثور إذا ارتفع وانتشر. قولها:
((حتى هموا))، أي: حتى قصدوا المحاربة وتناهضوا للنزاع. قولها: ((فخفضهم))، يعني تلطف
بهم حتى سكتوا. قولها: ((وقد بكيت ليلتين ويوماً))، هذا هكذا في رواية الكشميهني، وفي
رواية غيره: ليلتي ويوماً، وفي رواية النسفي وأبي الوقت: ليلتي ويومي. قولها: ((فالق))، من
فلق؛ إذا شق. قولها: ((وأنا أبكي))، جملة حالية. قولها: ((إذ استأذنت)) كلمة: إذا، للمفاجأة
وكذلك؛ إذ، في قولها: ((إذا دخل)). قولها: ((قيل فيَّ))، بكسر الفاء وتشديد الياء. قولها:
((وقد مكث شهراً لا يوحى إليه))، وفي رواية مسلم: ولقد لبثت شهراً لا يوحى إليه، وذلك
ليعلم رسول الله، عَّ المتكلم من غيره.
قولها: ((في شأني)) أي: في أمري وحالي. قولها: ((ألممت بشيء)) وفي رواية:
بذنب، وكذا في رواية مسلم، وهو من الإلمام، وهو النزول النادر غير المتكرر، وقال
الكرماني: أي: فعلت ذنباً، مع أنه ليس من عادتك. قولها: ((فإن العبد إذا اعترف بذنبه تاب
الله عليه)) قال الداودي: دعاها إلى الاعتراف ولم يأمرها بالستر كغيرها، لأنه لا ينبغي عند
الشارع امرأة أصابت ذنباً. قولها: ((قلص دمعي))، بفتح القاف واللام أي: ارتفع وانقبض، وقال
القرطبي: يعني: أن الحزن والوجدة قد انتهت نهايتهما وبلغت غايتهما ومهما انتهى الأمر إلى
ذلك قلص الدمع لفرط حرارة المصيبة. وقال الداودي: قلص دمعي أي: ذهب. وقيل: نقص،
وقال ابن السكيت: قلص الماء في البيت إذا ارتفع، وماء قليص. قولها: ((ما أحس))، بضم

٣٣١
٥٢ - كتابُ الشَّهَاداتِ / باب (١٥)
الهمزة من الإحساس، قال تعالى: ﴿هل تحس منهم من أحد﴾ [مريم: ٩٨]. قولها: ((قال:
والله ما أدري ما أقول))، معناه: إن الأمر الذي سألها رسول الله، عَّلِ لا يقف منه على أمر
زائد على ما عند رسول الله، عَّم قبل نزول الوحي من حسن الظن. قولها: ((إلاَّ أبا يوسف))
أي: إلاَّ مثل يعقوب، عليه الصلاة والسلام، وهو: الصبر، وكأنها من شدة حزنها لم تتذكر
اسم يعقوب، وإنما قالت: أبا يوسف، لأنه لما جاء إخوة يوسف أباهم يعقوب ومعهم قميص
يوسف بدم كذب. قال يعقوب: ﴿بل سولت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل والله المستعان
على ما تصفون﴾ [يوسف: ١٨]. قولها: ((إذ قال))، أي: حين قال. قولها: ((فوالله ما رام
مجلسه))، أي: ما برح المجلس ولا قام عنه، يقال: رامه يريمه ريماً، أي: برحه ولازمه. قولها:
((من البرحاء)) بضم الباء الموحدة على وزن: فعلاء، من البرح، وهي: شدة الحمى وغيرها من
الشدائد، وقيل: البرح: شدة الحر، وقال الخطابي: شدة الكرب، مأخوذ من قولك: برحت
بالرجل إذا بلغت به غاية الأذى والمشقة. قولها: ((ليتحدر))، اللام فيه للتأكيد، أي: ينزل
ويقطر، من: حدر يحدر حدراً وحدوراً، والحدور ضد الصعود، ويتعدى ولا يتعدى. قولها:
((مثل الجمان))، بضم الجيم وتخفيف الميم، وهو الدر، كذا ذكره ابن التين وغيره، وقال ابن
سيده: الجمان هنوات على أشكال اللؤلؤ من فضة، فارسي معرب، واحدته جمانة، وربما
سميت الدرة جمانة. وقيل: الجمان: الخرز يبيض بماء الفضة، وفي (المغيث): هو اللؤلؤ
الصغير، وقال الجواليقي، وقد جعل لبيد الدرة جمانة فقال:
كجمانة البحري سلَّ نظامها
قولها: ((فلما سري))، وهو مشدد مبني لما لم يسم فاعله ومعناه: لما كشف وأزيل
عنه. قال ابن دحية: ونزل عذرها بعد سبع وثلاثين ليلة. قولها: ((والله لا أقوم إليه))، قالت
ذلك إدلالاً عليهم وعتاباً لكونهم شكوا في حالها مع علمهم بحسن طرائفها وجميل أحوالها
وتنزهها عن هذا الباطل الذي افتراه الظلمة، لا حجة لهم ولا شبهة فيه. قولها: ((لقرابته))،
وذلك أن أم مسطح، سلمى هي بنت خالة أبي بكر الصديق. قولها: ﴿ولا يأتل﴾ [النور:
٢٢]. أي: ولا يحلف ﴿أولوا الفضل منكم﴾ [النور: ٢٢]. والآلية: اليمين والفضل هنا المال
﴿والسعة﴾ [النور: ٢٢]. في العيش والرزق. فإن قلت: قوله: ﴿أولوا﴾ [النور: ٢٢]. جمع،
والمراد هنا الصديق؟ قلت: قال الضحاك: أبو بكر وغيره من المسلمين. قولها: ((إلى قوله:
﴿غفور رحيم﴾ [النور: ٢٢].)) وفي رواية مسلم: إلى قوله: ﴿ألاَ تحبون أن يغفر الله لكم﴾
[النور: ٢٢]. قال ابن حبان بن موسى: قال عبد الله بن المبارك: هذه أرجى آية في كتاب
الله، فقال أبو بكر: بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان
ينفق عليه، وقال: لا أنزعها منه أبداً. قولها: ((الذي كان يجدي عليه))، أي: يعطي، من
الجداء، وهو العطية. وكذلك: الجدوي. قولها: ((أحمي))، أي: أصون ((سمعي)) من أن أقول:
سمعت ولم أسمع، ((وبصري)) من أن أقول: أبصرت ولم أبصر، أي: لا أكذب حماية لهما.
قولها: ((تساميني)) أي: تضاهيني بكمالها ومكانها عند رسول الله، عَّله، وهي مفاعلة من

٣٣٢
٥٢ - كتابُ الشَّهاداتِ / باب (١٥)
السمو، وهو: الارتفاع.
قال: وحدَّثنا فُلَيحٌ عنْ هِشَامِ بنِ عُزْوَةَ عنْ عُزْوَةَ عنْ عَائِشَةَ وعَبْدِ الله بنِ الزُّبَيْرِ
مِثْلَهُ
أي: قال أبو الربيع سليمان بن داود: وحدثنا فليح بن سليمان عن هشام بن عروة عن
أبيه عروة بن الزبير عن عائشة وعبد الله بن الزبير مثله، أي: مثل الحديث المذكور الذي رواه
فليح عن الزهري عن عروة.
قال: وحدَّثنا فَلَيْحُ عنْ رَبِيعَةَ بنِ أبِي عبدِ الرَّحْمنِ ويَحْيَى بِنِ سَعيدِ عنِ القاسِمِ بنِ
مُحَمَّدِ بنِ أبِي بَكْرٍ مِثْلَهُ
أي: قال أبو الربيع سليمان: وحدثنا فليح ... إلى آخره، والحاصل أن فليح بن سليمان
روى الحديث المذكور من أربعة مشايخ. الأول: ابن شهاب الزهري. الثاني: هشام بن
عروة. والثالث: ربيعة بن أبي عبد الرحمن، شيخ مالك. والرابع: يحيى بن سعيد الأنصاري.
ذكر ما يستفاد من الحديث المذكور: فيه: جواز رواية الحديث عن جماعة، عن
كل واحد قطعة مبهمة منه، وإن كان فعل الزهري وحده فقد أجمع المسلمون على قبوله منه
والاحتجاج به. وفيه: صحة القرعة بين النساء، وبه استدل مالك والشافعي وأحمد وجماهير
العلماء في العمل بالقرعة: في القسم بين الزوجات، وفي العتق والوصايا والقسمة ونحو ذلك،
وقال أبو عبيد: عمل بها ثلاثة من الأنبياء، عليهم السلام، وقد ذكرناه في أول الباب. وقال
ابن المنذر: استعمالها كالإجماع ولا معنى لقول من يردها، والمشهور عن أبي حنيفة،
إبطالها، وحكي عنه إجازتها. وقال ابن المنذر وغيره: القياس تركها، لكن عملنا بها بالآثار.
انتهى. قلت: ليس المشهور عن أبي حنيفة إبطال القرعة، وأبو حنيفة لم يقل كذلك، وإنما
قال: القياس يأباها، لأنه تعليق لا استحقاق بخروج القرعة، وذلك قمار، ولكن تركنا القياس
للآثار وللتعامل الظاهر من لدن رسول الله، عَ لّم إلى يومنا هذا من غير نكير منكر، وإنما قال
ههنا: يفعل تطبيباً لقلوبهن، والحديث محمول عليه، والدليل على ذلك أنه عَّةٍ لم تكن
التسوية واجبة عليه في الحضر، وإنما كان يفعله تفضلاً، وقد قال بعض أصحابنا: وعند أبي
حنيفة والشافعي إذا أراد الرجل سفراً أقرع بين نسائه، لا يجوز أخذ بعضهن بغير ذلك، والذي
في القدوري: عن مذهب أبي حنيفة: لا حقَّ لهن في حالة السفر يسافر بمن شاء منهن، وقال
الأقطع في (شرحه): لأن الزوج لا يلزمه استصحاب واحدة منهن ولا يلزمه القسمة في حالة
السفر، والأولى والمستحب أن يقرع لتطبیب قلوبهن.
وقال النووي: وعن مالك: يسافر بمن شاء منهن بغير قرعة، لأن القسمة سقطت
للضرورة. وقال ابن التين: قال مالك: الشارع يفعل ذلك تطوعاً منه لأنه لا يجب عليه أن
يعدل بينهن. وفيه: عدم وجوب قضاء مدة السفر للنسوة المقيمات، وهذا مجمع عليه إذا

٣٣٣
٥٢ - كتابُ الشَّهاداتِ / باب (١٥)
كان السفر طويلاً. وقال النووي: وحكم السفر القصير حكم الطويل على المذهب الصحيح،
وخالف فيه بعض أصحابنا. وفيه: جواز سفر الرجل بزوجته. وفيه: جواز الغزو بهن. وفيه:
جواز ركوب النساء في الهوادج. وفيه: جواز خدمة الرجال لهن في ذلك في الأسفار. وفيه:
أن ارتحال العسكر يتوقف على أمر الأمير، وفيه: جواز خروج المرأة لحاجة الإنسان بغير إذن
الزوج، وهذا من الأمور المستثناة. وفيه: جواز لبس النساء القلائد في السفر كالحضر. وفيه:
أن من يركب المرأة على البعير وغيره لا يكلمها إذا لم يكن محرماً إلا لحاجة، لأنهم حملوا
ولم يكلموا من يظنونها فيه. وفيه: فضيلة الاقتصاد في الأكل للنساء وغيرهن، ولا يكثرن منه
بحيث يهبلهن اللحم. وفيه: جواز تأخر بعض الجيش ساعة ونحوها لحاجة تعرض لهم.
وفيه: إغاثة الملهوف وعون المنقطع، وإنقاذ الضائع وإكرام ذوي الأقدار، كما فعل صفوان
بهذا كله. وفيه: حسن الأدب مع الأجنبيات، لا سيما في الخلوة بهن عند الضرورة في برية
أو غيرها. وفيه: أنه إذا أركب أجنبية ينبغي أن يمشي قدامها ولا يمشي بجنبها ولا وراءها.
وفيه: استحباب الاسترجاع عند المصائب سواء كانت في الدين أو في الدنيا، وسواء كانت
في نفسه أو من يعز عليه. وفيه: تغطية المرأة وجهها عن نظر الأجنبي، سواء كان صالحاً أو
غيره. وفيه: جواز الحلف من غير استحلاف. وفيه: أنه يستحب أن يسر عن الإنسان ما يقال
فيه إذا لم يكن في ذكره فائدة كما كتموا عن عائشة، رضي الله تعالى عنها، هذا الأمر شهراً
ولم تسمعه بعد ذلك، إلاَّ بعارض عرض، وهو قول أم مسطح: تعس مسطح. وفيه: استحباب
ملاطفة الرجل زوجته ويحسن معاشرتها. وفيه: أنه إذا عرض عارض بأن سمع عنها شيئاً أو
نحو ذلك يقلل من اللطف ونحوه لتفطن أن ذلك لعارض، فتسأل عن سببه فتزيله. وفيه:
استحباب السؤال عن المريض. وفيه: أنه يستحب للمرأة إذا أرادت الخروج لحاجة أن يكون
معها رفيقة لها لتأنس بها ولا يتعرض لها. وفيه: كراهة الإنسان صاحبه وقريبه إذا آذى أهل
الفضل، أو فعل غير ذلك من القبائح، كما فعلت أم مسطح في دعائها عليه. وفيه: فضيلة
أهل بدر والذب عنهم، كما فعلت عائشة في ذبها عن مسطح. وفيه: أن المرأة لا تذهب
لبيت أبويها إلاَّ بإذن زوجها.
وفيه: جواز البحث والسؤال عن الأمور المسموعة لمن له بها تعلق، وأما غيره فمنهي
عنه، وهو تجسس وفضول. وفيه: خطبة الإمام الناس عند نزول أمرٍ بهم. وفيه: اشتكاء ولي
الأمر إلى المسلمين من تعرض له بأذى في أهله أو في نفسه. وفيه: فضائل ظاهره لصفوان
بشهادة النبي عَّ بما شهد وبفعاله الجميلة. وفيه: المبادرة إلى قطع الفتن والخصومات
والمنازعات. وفيه: فضيلة سعد بن معاذ وأسيد بن حضير. وفيه: قبول التوبة والحث عليها.
وفيه: تفويض الكلام إلى الكبار دون الصغار لأنهم أعرف. وفيه: جواز الاستشهاد بآيات
القرآن العزيز، ولا خلاف أنه جائز. وفيه: استحباب المبادرة بتبشير من تجددت له نعمة
ظاهرة أو اندفعت عنه بلية بارزة. وفيه: براءة عائشة، رضي الله تعالى عنها، من الإفك، وهي
براءة قطعية بنص القرآن، فلو تشكك فيها إنسان صار كافراً مرتداً بإجماع المسلمين. وفيه:

٣٣٤
٥٢ - كتابُ الشَّهاداتِ / باب (١٦)
تجديد شكر الله تعالى تجدد النعمة. وفيه: فضائل لأبي بكر، رضي الله تعالى عنه في قوله
تعالى: ﴿ولا يأتل أولوا الفضل منكم﴾ [النور: ٢٢]. وفيه: استحباب الصدقة والإنفاق في
سبيل الخيرات.
وفيه: استحباب لمن حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها أن يأتي بالذي هو خير،
فيكفر عن يمينه. وفيه: استحباب القول: بأما بعد، في الخطبة بعد: الحمد لله والصلاة على
رسوله، عَّ الله. وفيه: غضب المسلمين عند انتهاك حرمة أميرهم واهتمامهم بدفع ذلك. وفيه:
جواز سب المتعصب لمبطل، كما سب أسيد بن حضير سعد بن عبادة لتعصبه للمنافق،
وقال: إنك منافق تجادل عن المنافقين، وقد ذكرنا أنه لم يرد به النفاق الحقيقي. وفيه: جواز
تعديل النساء، لأنه معَّ له سأل بريرة وزينب عن عائشة وهما من أخبرتا بفضلها، وكمال دينها،
وبه احتج أبو حنيفة في جواز تعديل النساء بعضهن بعضاً. وفيه: أن من آذى رسول الله، عَ له
في أهله أو عرضه، فإنه يقتل، لقول أسيد بن حضير: إن كان من الأوس قتلناه، ولم يرد عليه
النبي، عَِّ شيئاً، قال ابن بطال: وكذا من سب عائشة، رضي الله تعالى عنها، بما برأها الله
منه أنه يقتل لتكذيبه الله ورسوله عَ ليه، وقال قوم: لا يقتل من سبها بغير ما برأها الله تعالى
منه، وقال المهلب: والنظر عندي أن يقتل من سب زوجات سيدنا رسول الله، معَ له، بما
رميت به عائشة أو بغير ذلك. وفيه: وجوب تعظيم أهل بدر والذب عنهم. وفيه: أن الصبر
الجميل فيه الغبطة والعزة في الدارين. وفيه: ترك الحد لما يخشى من تفريق الكلمة، كما
ترك رسول الله، عَّلم حد ابن سلول. وفيه: أن الاعتراف بما يشاء من الباطل لا يحل. وفيه:
أن الوحي ما كان يأتيه متى أراد، لبقائه شهراً لم يوحَ إليه. وفيه: جواز تحلي النساء بالذهب
والفضة واللؤلؤ والخرز ونحوها. وفيه: حرمة التشكيك في تبرئة عائشة من الإفك. وفيه: أن
العصبية تنقل عن إسم، كما قالت: وكان قبل ذلك رجلاً صالحاً. وفيه: الكشف والبحث عن
الأخبار الواردة، إن كان لها نظائر، أم لا، لسؤاله، عَّه، بريرة وأسامة وزينب وغيرهم من
بطانته عن عائشة وعن سائر أفعالها، وما يغمص عليها، والحكم بما يظهر من الأفعال على ما
قیل.
وذكر ابن مردويه في (تفسيره) من حديث يونس بن بكير عن هشام عن أبيه عن
عائشة: سأل، يعني، رسول الله، عَّ، جارية لي سوداء، فقال: ((أخبرينا بما علمك بعائشة .. ))
فذكرت العجين، ومعه ناس، فأداروها حتى فطنت. فقالت: سبحان الله! والله ما أعلم على
عائشة إلاَّ ما يعلم الصائغ على تبر الذهب الأحمر. وفي لفظ: جارية نوبية، وهذه الفوائد ما
تنيف على ستين فائدة، والله هو المستعان.
١٦ - بابٌ إذَا زَكَّى رَجُلٌ رَجُلاً كَفَاهُ
أي: هذا باب يذكر فيه إذا زكى رجل رجلاً كفاه أي: كفى رجلاً الذي هو المزكّى،
بفتح الكاف، يعني لا يحتاج إلى آخر معه، وقد ذكر في أوائل الشهادات: باب تعديل كم

٣٣٥
٥٢ - كتابُ الشَّهاداتِ / باب (١٦)
يجوز، فتوقف في جوابه، وههنا صرح بالاكتفاء بالواحد، وفيه خلاف: فعند محمد بن
الحسن: يشترط إثنان كما في الشهادة، وهو المرجح عند الشافعية والمالكية، واختاره
الطحاوي. وعند أبي حنيفة وأبي يوسف: يكتفى بواحد، والاثنان أحب، وكذا الخلاف في
الرسالة والترجمة.
وقال أبو جَمِيلَةَ وجَدْتُ مَنْبُوذاً فَلَمَّا رآني عُمَرُ قال عَسَى الغُوَيْرُ بُؤْساً كأنَّهُ يَتَّهِمُنِي
قال عَرِيفي أنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ قال كذَلِكَ اذْهَبْ وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((قال عريفي أنه رجل صالح، قال كذلك اذهب))،
فإنه يدل على أن عمر، رضي الله تعالى عنه، قبل تزكية الواحد واكتفى به، وأبو جميلة، بفتح
الجيم وكسر الميم: واسمه سنين، بضم السين المهملة وبنونين أولاهما مفتوحة مخففة بينهما
ياء آخر الحروف، كذا ضبطه عبد الغني بن سعيد والدارقطني وابن ماكولا، وقال بعضهم:
ووهم من شدد التحتانية كالداودي. قلت: كيف ينسب الداودي إلى الوهم ولم ينفرد هو
بالتشديد، فإن البخاري ذكر في (تاريخه) كان ابن عيينة وسليمان بن كثير يثقلان سنيناً،
واقتصر عليه ابن التين، وهذا التعليق رواه البخاري عن إبراهيم بن موسى: حدثنا هشام عن
معمر عن الزهري عن سنين أبي جميلة، وأنه أدرك النبي، عَّهِ، وخرج معه عام الفتح، وأنه
التقط منبوذاً، فأتى عمر، رضي الله تعالى عنه، فأثنى عليه خيراً، وأنفق عليه من بيت المال،
وجعل ولاءه له. وقال الكرماني: أبو جميلة سنين، وقيل: ميسرة - ضد الميمنة - ابن يعقوب
الطهوي، بضم الطاء وفتح الهاء، وقيل: بسكونها، وقد يفتحون الطاء مع سكون الهاء، ففيه
ثلاث لغات، ورد عليه: بأن أبا جميلة الذي ذكره وترجمه ليس بأبي جميلة المذكور في
البخاري، فإنه تابعي طهوي كوفي، وذاك صحابي عند الأكثرين، وإن كان العجلي ذكره من
التابعين واسمه سنين بن فرقد. وقال ابن سعد: هو سلمي، وقال غيره: هو ضمري، وقيل:
سليطي. وذكره الذهبي في (الصحابة) وقال: أبو جميلة سنين السلمي، أدرك النبي، عَّهِ،
وحديثه في الترمذي روى عنه الزهري. قلت: تفرد الزهري بالرواية عنه.
قوله: ((وجدت منبوذاً))، بفتح الميم وسكون النون وضم الباء الموحدة وسكون الواو
وفي آخره ذال معجمة، ومعناه: اللقيط. قوله: ((فلما رأى عمر))، أي: فلما رآه عمر بن
الخطاب، رضي الله تعالى عنه: ((قال: عسى الغوير أبؤساً)) كذا وقع في رواية الأصيلي، وفي
رواية أبي ذر، رضي الله تعالى عنه عن الكشميهني، وسقط في رواية الباقين، وكذا رواه ابن
أبي شيبة فقال: حدثنا ابن علية عن الزهري، رضي الله تعالى عنه، أنه سمع سنيناً أبا جميلة
يقول: وجدت منبوذاً فذكره عريفي لعمر، رضي الله تعالى عنه، فأتيته فقال: هو حر وولاؤه
لك ورضاعه علينا، ومعنى تمثيل عمر بهذا المثل عسى النوير أبؤساً أن عمر اتهمه أن يكون
ولده أتى به للفرض له في بيت المال، ويحتمل أن يكون ظن أنه يريد أن يفرض ويلي أمره
ويأخذ ما يفرض له. ويصنع ما شاء، فقال عمر هذا المثل، فلما قال له عريفه: إنه رجل صالح

٣٣٦
٥٢ - كتابُ الشَّهاداتِ / باب (١٦)
صدقه، وقال الميداني في (مجمع الأمثال) تأليفه: الغوير تصغير غار، والأبؤس جمع بؤس،
وهو الشدة. ويقال الأبؤس الداهية. وقال الأصمعي: إن أصل هذا المثل أنه كان غار فيه ناس
فانهار عليهم، أو قال: فأتاهم عدو فقتلهم فيه، فقيل ذلك لكل من دخل في أمر لا يعرف
عاقبته. وفي (علل الخلال) قال الزهري: هذا مثل يضربه أهل المدينة. وقال سفيان: أصله أن
ناساً كان بينهم وبين آخرين حرب، فقالت لهم عجوز: إحذروا واستعدوا من هؤلاء فإنهم
يألونكم شراً، فلم يلبثوا أن جاءهم فزع. فقالت العجوز: عسى الغوير أبؤساً، تعني: لعله أتاكم
الناس من قبل الغوير، وهو الشعب. وقال الكلبي: غوير ماء لكلب معروف في ناحية السماوة،
وقال ابن الأعرابي: الغوير طريق يعبرون فيه، وكانوا يتواصون بأن يحسروه لئلا يؤتوا منه،
وروى الحربي عن عمرو عن أبيه. أن الغوير نفق في حصن الرباء، ويقال: هذا مثل لكل شيء
يخاف أن يأتي منه شر، وانتصاب أبؤساً بعامل مقدر، تقديره: عسى الغوير يصير أبؤساً وقال
أبو علي: جعل: عسى بمعنى: كان، ونزله منزلته، يضرب للرجل يقال له: لعل الشر جاء من
قبلك، ويقال: تقديره: عسى أن يأتي الغوير بشر. قوله: ((كأنه يتهمني))، أي: بأن يكون الولد
له، كما ذكرنا أن يكون قصده الفرض له من بيت المال. قوله: ((قال عريفي))، العريف
النقيب، وهو دون الرئيس، قال ابن بطال: وكان عمر، رضي الله تعالى عنه، قسم الناس
أقساماً وجعل على كل ديوان عريفاً ينظر عليهم، وكان الرجل النابذ من ديوان الذي زكاه عند
عمر، رضي الله تعالى عنه. قوله: ((قال: كذلك))، أي: قال عمر لعريفه: هو صالح مثل ما
يقول، وزاد مالك في روايته: قال: نعم، يعني: كذلك. قوله: ((إذهب وعلينا نفقته))، وفي
رواية مالك: إذهب فهو حر ولك ولاؤه وعلينا نفقته، يعني: من بيت المال. وقال ابن بطال
في هذه القضية: إن القاضي إذا سأل في مجلس نظره عن أحد فإنه يجتزىء بقول الواحد،
كما صنع عمر، رضي الله تعالى عنه، وأما إذا كلف المشهود له أن يعدل شهوده، فلا يقبل
أقل من اثنین.
وفيه: جواز الالتقاط، وإن لم يشهد، وأن نفقته إذا لم يعرف في بيت المال وأن ولاءه
لملتقطه. وفيه: أن اللقيط حر، وقال قوم: إنه عبد، وممن قال: إنه حر، علي بن أبي طالب،
رضي الله تعالى عنه، وعمر بن عبد العزيز، وإبراهيم، والشعبي.
٢٦٦٢/٢٨ - حدّثنا ابنُّ سَلام قال أخبرنا عبدُ الوَهَّابِ قال حدَّثنا خالِدٌ الحَذَّاءُ عنْ
عبدِ الرَّحْمنِ بنِ أبِي بَكْرَةَ عنْ أبِيهِ قال أثْنَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ عِنْدَ النبيِّ عَ لَِّ فقال ويْلَكَ
قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صاحِبِكَ مِرَاراً ثُمَّ قَالَ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مادِحاً أخاهُ لاَ
مَحَالَةَ فَلْيَقُلْ أخسِبُ فُلاناً والله حَسِيبُهُ ولاًّ أُزَكِّي عَلى الله أحَدَاً أُخْسِبُهُ كَذَا وَكَذَا إِنْ كانَ
يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهُ. [الحديث ٢٦٦٢ - طرفاه في: ٦٠٦١، ٦١٦٢].
قال الكرماني: قال شارح التراجم: وجه مطابقة الحديث للترجمة أنه، عَ لّه، أرشد إلى
أن التزكية كيف تكون، فلو لم تكن مقيدة لما أرشد إليها، لكن للمانع أن يقول: إنها مقيدة
مع تزكية أخرى لا بمفردها. وليس في الحديث ما يدل على أحد الطريقين. انتهى. قلت:

٣٣٧
٥٢ - كتابُ الشَّهاداتِ / باب (١٦)
قوله: إنها مقيدة مع تزكية أخرى، غير مسلم والمنع بطريق ما ذكره غير صحيح، لأن
الحديث يدل على أنه، عَّهِ، اعتبر تزكية الرجل إذا اقتصد، ولا يتغالى ولم يعب عَ لِّه عليه
إلاَّ الإغراق والغلو في المدح، وبهذا يرد قول من قال: ليس في الخبر: إن تزكية الواحد
للواحد كافية. حيث يحتاج إلى التزكية البتة، وكذا فيه رد لقول من قال: استدلال البخاري
على الترجمة بحديث أبي بكرة ضعيف، لأنه ضعف ما هو صحيح، لأنه علل بقوله: فإن
غايته أنه معَّلِ اعتبر تزكية الرجل أخاه إذا اقتصد ولم يغل، وتضعيفة بهذا هو عين تصحيح
وجه المطابقة بين الحديث والترجمة لما ذكرناه، وكل هذه التعسفات مع الرد على البخاري
بما ذكر لأجل الرد على أبي حنيفة حيث احتج بهذا الحديث على اكتفائه في التزكية
بواحد، فافهم.
ثم رجال الحديث المذكور خمسة: الأول: محمد بن سلام، وفي بعض النسخ اسمه
واسم أبيه. الثاني: عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي البصري. الثالث: خالد بن مهران.
الحذاء البصري. الرابع: عبد الرحمن بن أبي بكرة. الخامس: أبوه أبو بكرة، بفتح الباء
الموحدة، واسمه: نفيع بن الحارث الثقفي.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الأدب عن آدم وعن موسى بن إسماعيل. وأخرجه
مسلم في آخر الكتاب عن يحيى بن يحيى وعن محمد بن عمر وأبي بكر وعن عمرو الناقد
وعن أبي بكر بن أبي شيبة، وأخرجه أبو داود في الأدب عن أحمد بن يونس. وأخرجه ابن
ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة.
قوله: ((أثنى رجل على رجل عند النبي، عَّله))، قيل: يحتمل أن يكون المثني، بكسر
النون هو: محجن بن الأدرع الأسلمي، وأن يكون المثنى عليه ذو البجادين، لأن للأول حديثاً
عند الطبراني لا يبعد أن يكون هو إياه، وللثاني حديثاً عند ابن إسحاق يشعر أن يكون المثنى
عليه ذا البجادين. ومحجن، بكسر الميم وسكون الحاء المهملة وفتح الجيم وفي آخره نون:
ابن الأدرع، قال الذهبي: قديم الإسلام، نزل البصرة واختط مسجدها، له أحاديث. قلت: عند
أبي داود والنسائي: وذو البجادين، بكسر الباء الموحدة بعدها الجيم: واسمه عبد الله بن عبد
بهم بن عفيف المزني، مات في غزوة تبوك، قال عبد الله بن مسعود، رضي الله تعالى عنه:
دفنه النبي، عَّهم وحطه بيده في قبره، وقال: ((اللهم إني قد أمسيت عنه راضياً فارضَ عنه)).
قال ابن مسعود: فليتني كنت صاحب الحفرة. قال الذهبي: حديث صحيح.
قوله: ((ويلك))، لفظ الويل في الأصل الحزن والهلاك والمشقة من العذاب، ويستعمل
بمعنى التفجع والتعجب، وههنا كذلك، وينتصب عند الإضافة ويرتفع عند القطع. ووجه
انتصابه بعامل مقدر من غير لفظه. قوله: ((قطعت عنق صاحبك))، وفي رواية: قطعتم عنق
الرجل، وفي رواية أخرى: قطعتم ظهر الرجل، وهي استعارة من قطع العنق الذي هو القتل
لاشتراكهما في الهلاك. قوله: ((لا محالة))، بفتح الميم أي: البتة لا بد منه.
عمدة القاري /ج١٣ /م٢٢

٣٣٨
٥٢ - كتابُ الشَّهاداتِ / باب (١٧)
قوله: ((أحسب فلاناً))، أي: أظنه، من: حسب يحسب - بكسر عين الفعل في الماضي
وفتحها في المستقبل - محسبة وحسباناً، - بالكسر - ومعناه الظن، وأما: حسبته أحسبه -
بالضم - حسباً وحسباناً وحسابة إذا عددته. قوله: ((والله حسيبه))، أي: كافي، فعيل بمعنى
مفعول، من أحسبني الشيء إذا كفاني. قوله: ((ولا أزكي على الله أحداً)) أي: لا أقطع له
على عاقبة أحد بخير ولا غيره، لأن ذلك مغيب عنا، ولكن نقول: نحسب ونظن، لوجود
الظاهر المقتضي لذلك. قوله: ((أحسبه كذا وكذا))، أي: أظنه على حالة كذا، وصفة كذا، إن
كان يعلم ذلك منه: والمراد من قوله: يعمل، يظن، وكثيراً يجيء العلم بمعنى الظن، وإنما قلنا:
معناه يظن، حتى لا يقال: إذا كان يعلم منه فلِمَ يقول أحسبه؟ فإن قلت: قد جاء أحاديث
صحيحة بالمدح في الوجه. قلت: النهي محمول على الإفراد فيه أو على من يخاف عليه،
وأما من لا يخاف عليه، ذلك لكمال تقواه ورسوخ عقله فلا نهي إذا لم يكن فيه مجازفة، بل
إن كان يحصل بذلك مصلحة كالازدياد عليه، والاقتداء به كان مستحباً، قاله النووي في
(شرح مسلم).
١٧ - بابُ ما يُكْرَهُ مِنَ الإِطْنَابِ في المَدْحِ ولْيَقُلْ ما يَعْلَمُ
أي: هذا باب في بيان ما يكره من الإطناب في مدح الرجل، والإطناب، بكسر الهمزة
في الكلام: المبالغة فيه. قوله: ((وليقل))، أي: المادح، ما يعلمه في الممدوح ولا يتجاوزه
ولا يطنب فيه.
٢٩/ ٢٦٦٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ الصَّبَّاحِ قال حدَّثنا إِسْمَاعِيلُ بنُ زَكَرِيَّاءَ قال حدَّثنا
بُرَيْدُ بنُ عبْدِ الله عنْ أَبِي بُزْدَةَ عنْ أبِي مُوسى رضي الله تعالى عنهُ قال سَمِعَ النبيَّ، عَ له
رَجُلاً يُثْنِي عَلَى رَجُلٍ ويُطْرِيهِ في مَدْحِهِ فقال أُهْلَكْتُمْ أوْ قَطَعْتُمْ ظَهْرَ الرَّجُلِ. [الحديث
٢٦٦٣ - طرفه في: ٦٠٦٠].
مطابقته للترجمة في قوله: ((ويطريه في مدحه))، وهو ظاهر. فإن قلت: كيف دل
الحديث على الجزء الأخير من الترجمة، وهو قوله: وليقل ما يعلم؟ قلت: الذي يطنب لا بد
أن يقول بما لا يعلم، لأنه لا يطلع على سريرته وخلواته، فيستقضي أن لا يطنب، وهذا
الحديث بمعنى الحديث السابق، لأنهما متحدان في المعنى، وأشار به إلى أن الثناء على
الرجل في وجهه لا يكره، وإنما يكره الإطناب، فلذلك ذكر هذه الترجمة.
ومحمد بن الصباح، بتشديد الباء الموحدة: مر في الصلاة، وإسماعيل بن زكرياء أبو
زياد الأسدي، مولاهم الخلقاني الكوفي، وبريد، بضم الباء الموحدة: ابن عبد الله بن أبي
بردة، بضم الياء أيضاً، يروي عن أبي بردة وهو جده، وجده يروي عن أبيه أبي موسى
الأشعري، وهو عبد الله بن قيس، واسم أبي بردة: الحارث، ويقال: عامر، ويقال: اسمه
کنیته.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الأدب، ومسلم في آخر الكتاب، كلاهما عن

٣٣٩
٥٢ - كتابُ الشَّهاداتِ / باب (١٨)
محمد بن الصباح عن إسماعيل بن زكرياء.
قوله: ((رجلاً يثني على رجل))، يحتمل أن يكونا ما ذكرناه في الحديث الماضي.
قوله: ((ويطريه)) بضم الياء من الإطراء، وهو المبالغة في المدح، ويقال أطراه أي: مدحه،
وجاوز الحد فيه، وذكره الجوهري في معتل اللام اليائي. وإنما قال: ((أهلكتم))، لئلا يغتر
الرجل ويرى أنه عند الناس كذلك بتلك المنزلة ليحصل منه العجب فيجد إليه سبيلاً.
١٨ - بابُ بُلُوعِ الصِّبَْانِ وشَهَادَتِهِمْ
أي: هذا باب في بيان حد بلوغ الصبيان وحكم شهادتهم. والترجمة مشتملة على
حكمين. الأول: بلوغ الصبيان، قال ابن بطال: أجمع العلماء على أن الاحتلام في الرجال
والحيض في النساء هو البلوغ الذي يلزم به العبادات والحدود والاستئذان وغيره، واختلفوا
فيمن تأخر احتلامه من الرجال أو حيضه من النساء، فقال الليث وأحمد وإسحاق ومالك:
الإنبات، أو أن يبلغ من السن ما يعلم أن مثله قد بلغ، وقال ابن القاسم: وذلك سبع عشرة
سنة أو ثمان عشرة سنة، وفي النساء هذه الأوصاف أو الحبل، إلا أن مالكاً لا يقيم الحد
بالإنبات إذا زنى أو سرق ما لم يحتلم أو يبلغ من السن ما يعلم أن مثله لا يبلغه حتى يحتلم،
فيكون عليه الحد، وأما أبو حنيفة فلم يعتبر الإنبات، وقال: حد البلوغ في الجارية سبع
عشرة، وفي الغلام تسع عشرة، وفي رواية: ثماني عشرة مثل قول ابن القاسم، وهو قول
الثوري ومذهب الشافعي: أن الإنبات علامة بلوغ الكافر لا المسلم، واعتبر خمس عشرة سنة
في الذكور والإناث، ومذهب أبي يوسف ومحمد كمذهب الشافعي، وبه قال الأوزاعي وابن
وهب وابن الماجشون. الحكم الثاني: في شهادة الصبيان، واختلفوا فيها. فعن النخعي:
تجوز شهادتهم بعضهم على بعض، وعن علي بن أبي طالب وشريح والحسن والشعبي،
مثله، وعن شريح: أنه كان يجيز شهادة الصبيان في السن والموضحة، ويأباه فيما سوى ذلك.
وفي رواية: أنه أجاز شهادة غلمان في أمة وقضى فيها بأربعة آلاف، وكان عروة يجيز
شهادتهم، وقال عبد الله بن الزبير، رضي الله تعالى عنهما: هم أحرى إذا سئلوا عمارا أو أن
يشهدوا. وقال مكحول: إذا بلغ خمس عشرة سنة فأجز شهادته. وقال القاسم وسالم: إذا
أنبت، وقال عطاء: حتى يكبروا، وقال ابن المنذر: وقالت طائفة: لا تجوز شهادتهم، روي
هذا عن ابن عباس والقاسم وسالم وعطاء والشعبي والحسن وابن أبي ليلى والثوري
والكوفيين والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور وأبي عبيد، وقالت طائفة: تجوز شهادتهم
بعضهم على بعض في الجراح والدم، روي ذلك عن علي وابن الزبير وشريح والنخعي وعروة
والزهري وربيعة ومالك إذا لم يتفرقوا.
وقَوْلِ الله تَعالى ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأطْفَالُ مِنْكُمُ العُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: ٥٩].
وقول الله، بالجر عطفاً على: بلوغ الصبيان، أي: وفي بيان قوله تعالى، وتمامه: ﴿كما
استأذن الذين من قبلهم كذلك يبين الله لكم آياته والله عليم حكيم﴾ [النور: ٥٩]. وإنما ذكر

٣٤٠
٥٢ - كتابُ الشَّهاداتِ / باب (١٨)
هذا لأن فيه تعليق الحكم ببلوغ الحلم، لأن الترجمة في بلوغ الصبيان والأطفال: جمع
طفل، وهو الصبي، ويقع على الذكر والأنثى والجماعة، ويقال: طفلة وأطفال قاله ابن الأثير،
وقال الجوهري: الطفل المولود، والجمع: أطفال، وقد يكون الطفل واحداً وجمعاً، مثل:
الجنب، قال الله تعالى: ﴿أو الطفل الذين لم يظهروا﴾ [النور: ٣١]. وذكر في كتاب (خلق
الإنسان) لثابت: ما دام الولد في بطن أمه فهو جنين، وإذا ولدته يسمى صبياً ما دام رضيعاً،
فإذا فطم سمي غلاماً إلى سبع سنين، ثم يصير يافعاً إلى عشر حجج، ثم يصير حزوراً إلى
خمس عشرة سنة، ثم يصير قمداً إلى خمس وعشرين سنة، ثم يصير عنطنطاً إلى ثلاثين سنة،
ثم يصير صملاً إلى أربعين سنة، ثم يصير كهلاً إلى خمسين سنة، ثم يصير شيخاً إلى ثمانين
سنة، ثم يصير هرماً بعد ذلك فانياً كبيراً. انتهى.
قلت: فعلى هذا: لا يقال الصبي إلاَّ للرضيع ما دام رضيعاً. وعلى قول ابن الأثير:
الصبي والطفل واحد. قوله تعالى: ﴿وإذا بلغ الأطفال منكم﴾ [النور: ٥٩]. أي: الصبيان.
قال النسفي: منكم، أي: من الأحرار دون المماليك. قوله: ﴿الحلم﴾ أي: البلوغ، ومنه:
الحالم، وهو الذي يبلغ مبلغ الرجال، وهو من: حلَم، بفتح اللام، والحِلم بالكسر: الأناءة،
وهو من: حلُم، بضم اللام. قوله: ﴿فليستأذنوا﴾ أي: في جميع الأوقات في الدخول
عليكم. قوله: ﴿كما استأذن الذين من قبلهم﴾ [النور: ٥٩]. أي: الأحرار الذين بلغوا الحلم
من قبلهم، وأكثر العلماء على أن هذه الآية محكمة، وحكي عن سعيد بن المسيب، أنها
منسوخة، وعن ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما: آية لا يؤمن بها أكثر الناس: آية الإذن،
وإني لآمر جارتي أن تستأذن علي، وسأله عطاء، رضي الله تعالى عنه: أأستأذن على أختي؟
قال: نعم، وإن كانت في حجرك تمونها، وتلا هذه الآية.
وقالَ مُغِيرَةُ: احْتَلَمْتُ وأنا ابنُ ثِنْتَيْ عَشَرَةَ سَنَةً
مغيرة، بضم الميم وكسرها وبالألف واللام ودونها: ابن مقسم الضبي الكوفي الفقيه
الأعمى، وكان من فقهاء إبراهيم النخعي عن يحيى، ثقة مأمون وكان عثمانياً، مات سنة
ثلاث وثلاثين ومائة، وكان ممن أخد عن أبي حنيفة، رضي الله تعالى عنه، وكان يفتى بقوله
ويحتج به. قوله: ((وأنا ابن ثنتي عشرة سنة)) وجاء مثله عن عمرو بن العاص، فإنهم ذكروا أنه
لم يكن بينه وبين ابنه عبد الله بن عمرو في السن سوى ثنتي عشرة سنة.
وبُلُوغُ النِّساءِ في الحَيْضِ لِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿واللَّتِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِنْ
نِسائِكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿أَنْ يَضَغْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤].
هو بقية من الترجمة، و: بلوغ، بالجر عطفاً على قوله: وشهادتهم، أي: باب في حكم
بلوغ الصبيان وشهادتهم، وفي حكم بلوغ النساء في الحيض، ويجوز رفعه على أن يكون
مبتدأ وخبره. قوله: ((في الحيض))، ووجه الاستدلال بالآية أن فيها تعليق الحكم في العدة